الشام" رواه ابن إسحاق بسنده، قال ابن كثير: إسناده جيد وله شواهد اهـ وروى أحمد نحوه.
فمن الأغراض التي جاء عيسى ابن مريم لتقريرها البشارة باقتراب ملكوت السماوات والأرض، أي الشريعة الإلهية التي يرسل الله بها النبي الأمي كما سيأتي إن شاء الله ... ولذلك خاطب بني إسرائيل قائلا: إني رسول الله إليكم، وقد بشرت التوراة بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا أبشركم بمن بعدي، ألا وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.."فعيسى خاتم أنبياءء بنى إسرائيل، وقد أقام في ملئهم
مبشرآ بمحمد، وهوأحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. فلما جاء أحمد المبشر به في الأعصار المتقادمة اتهموه بالسحر وغيره.
وكان المسيح عيسى ﵇ يعبر عن المبشر به بلفظ النبي، وبلفظ مسيا١، وبلفظ أحمد فارقليط كما سنرى ذلك في البشارات التالية:
стр. 72
البشارة الأولى:
جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر قول المسيح ﵇ لأتباعه:
١٥- إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي.
١٦- وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم"فارقليط"آخر، ليثبت معكم إلى الأبد.
٢٦- وأما الفارقليط روح القدس الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم.
٢٩- والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون.
وفي الإصحاح الخامس عشر:
٢٦- ومتى جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم من الأب، روح الحق الذي ينبثق من الأب، فهو يشهد لي.
٢٧- وأنتم أيضا تشهدون، لأنكم معي من الابتداء.
وفي الإصحاح السادس عشر:
٧- لكني أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق، لا يأتيكم الفارقليط، فأما إن انطلقت، فإني أرسله إليكم.
٨- ومتى جاء، فهو يوبخ العالم وفي بعض النسخ
стр. 73
يبكت العالم على خطيئته، وعلى بر وعلى دينونة.
١٢- وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن.
١٣- ولكن متى جاء هو روح الحق فإنه يعلمكم الحق، لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، بركم بأمور آتية.
١٤- إنه سيمجدني، لأنه يأخذ ممالي بركم.
إن المسيح ﵇ لفت انتباه السامعين إلى أن ما سيلقيه عليهم ضروري وهام واجب الحفظ والرعاية، فشوقهم إلى ذلك بقوله: إن كنتم (تحبونني) فاحفظوا (وصاياي) . وذلك لما علم بالتجربة وبنور النبوة أن الكثيرين من بني إسرائيل ينكرون النبي المبشر به، فأكد ذلك بتلك الفقرة، ثم أخبر بمجيئه:"وأنا أطلب من الله فيعطيكم فارقليط آخر. ولنبحث الآن عن معنى كلمة"فارقليط"ثم لنحلل النص:
تهرب النصارى من حقيقة هذه الكلمة:
في الأناجيل المترجمة إلى العربية المطبوعة في لندن في السنوات ١٨٢١- ١٨٣١ ١٨٤٤م ورد لفظ الفارقليط، كما أثبته في الأعلى.
وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس في الشرق الأدنى عام ١٩٦٣ م ورد بدلا من فارقليط
стр. 74
لفظ"المعزّي"وهو اسم فاعل مشتق من العزاء بمعنى الصبر وتخفيف المصاب ونحو ذلك.
وفي كتاب العهد الجديد الصادر عن المطبعة البولسية في حريصا بلبنان عام ١٩٦٤ م والذي يذكرون في مقدمته أنه نقله عن اليونانية وعلق عليه القس جورج فاخوري، وقدمه إلى البطريرك مكسيموس الرابع. وجدتُ فيه كلمة"المحامي"بدلا من الفارقليط، وبدلا من المعزّي. ويعلق القس على ذلك فيقول في الحاشية: وهذا المحامي المعزّي الذي يقيم في الكنيسة إلى الأبد، ويكون شبه روح لها، هو الروح القدس، الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس اهـ.
ولا نريد الآن أن نخوض في معنى الأقانيم وتكونها وتميزها عن بعضها. فإن ابن تيمية ﵀ يقول في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:"سألت أكثر من عشرين قسيسا عن معنى الأقانيم؟ فأجابوني بأكثر من عشرين جوابا"١.
стр. 75
ولكن من المعروف عند المحققين من المترجمين أن الكلمة في أي لسان من الألسن لها معنى حرفي ولها جو. وعلى المترجم أن ينتبه إلى كليهما عند الترجمة، وإلا وقع في خطأ جسيم. ولا أدري أي المعنيين راعى القس جورج، وهو يترجم أقدس كتاب عندهم، ثم أقره عليه البطريرك. وإذا كانوا يترجمون الأناجيل بلغة العصر، فإن كلمة محامي تعني في لبنان وسورية وسائر البلاد العربية ذلك الرجل الذي درس القانون في كلية الحقوق، ثم تمرن عند محام قديم، بعد أن سجل اسمه لدى النقابة، ثم أصبح يدافع عن أي شخص يدفع له أجرا سواء أكان على حق أم لا، إلا من رحم ربك، فإن تعجب فعجب قولهم إنه محامي.
وعلى كل حال يرى النصارى أن الفارقليط أو المعزي أو المحامي هو الروح القدس، الأقنوم الثالث الذي وعد المسيح ويقيم معهم في الكنيسة إلى الأبد
стр. 76
ويكون شبهَ روح لها. ولنبحث الآن عن أصل الكلمة ومعناها:
يقول العلامة رحمة الله بن خليل الهندي: إن من عادة أهل الكتاب أن يترجموا الأسماء، ولا يبقوها على لفظها. وعيسى ﵇ كان يتكلم الآرامية المشتقة من العبرية، واللفظ العبري مفقود. إذا لم يبق شك في أن يوحنا ترجم اسم المبشر به إلى اليونانية، حسب عادتهم. ثم إن المترجمين إلى العربية عربوا اللفظ اليوناني بـ"فارقليط".
ثم يذكر ﵀ أنه قد وجد رسالة صغيرة باللغة الأردية لبعض القسس طبعت في كلكتا، يدعي مؤلفها أنه يحقق في لفظ فارقليط. وملخص كلامه: أن هذا معرب من اليوناني وأن الصحيح فيه"paraclete""باراكليمت"وهو بمعنى المعزي والمعين والوكيل والشافع. ويدعي بأن علماء المسلمين التبس الأمر عليهم، ففهموا أن اللفظ في الأصل،"paraclyte""بيراكلوت"ومعناه قريب من محمد أو أحمد. فقالوا: إن عيسى بشر بمحمد عليهما الصلاة والسلام.
ويرد الشيخ ﵀ على ذلك فيقول: إن التفاوت بين اللفظين يسير جدا، فإن الحروف اليونانية كانت متشابهة، فتبديل بيراكلوت بباراكليت قريب القياس، ثم رجح أهل
стр. 77
التثليث هذه النسخة أي التي فيها"باراكليت"على النسخ الأخرى أي التي فيها"بيراكلوت"ومثل هذا الأمر منهم ليس ببعيد اهـ. وعلى كل إن كانت الكلمة في الأصل"بيراكلوت"بمعنى محمد أو أحمد أو محمود، فإن عيسى ﵇ قد بشر بمحمد ﷺ صراحة، كما هو الحال في إنجيل برنابا، وكما هو صريح الآية في القرآن ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ وإن سلمنا أنها كانت"باراكليت"بمعنى المعزي والمعين والوكيل والشافع، فإن عيسى ﵇ قد كنى عن رسول الله محمد ﷺ لأن هذه المعاني كلها تصدق عليه. ذكر الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص الأنبياء
أنه كان في سنة ١٨٩٤م طالبا في دار العلوم، وكان يجلس بجانبه في درس اللغة العربية العلامة الكبير الدكتور كارلونلينو المستشرق الإيطالي، وكان يحضر اللغة العربية بتوصية من الحكومة الإيطالية، فانعقدت بينهما أواصر الصحبة المتينة. يقول: وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ١٣١١هـ خرجنا بعد المحاضرة وسرنا ثم قلت له: ما معنى"بيراكلوتس"؟ فأجابني بقوله: القسس يقولون معناها المعزي. قلت: إني أسأل الدكتور كارلونلينو الحاصل على الدكتوراة في آداب اللغة اليونانية القديمة ولست أسأل قسا. فقال: إن معناها: الذي له حمد كثير. فقلت: هل يوافق ذلك أفعل التفضيل من فعل حمد؟ فقال: نعم. فقلت: إن
стр. 78
رسول الله ﷺ من أسمائه أحمد. فقال: يا أخي أنت تحفظ كثيرا. ثم افترقنا. وقد ازددت بذلك تثبتا في معنى قوله تعالى، حكاية عن المسيح ﵇: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ .
وذكر عبد الحميد جودة السحار في كتابه المسيح ابن مريم أن"فارقليط"لفظة يونانية ترجمتها جمعية التوراة الأمريكية بالمعزي، وترجمها المسلمون بأحمد، ثم يقول: ووضح القسيس عبد الواحد داود الآشوري العراقي في كتابه الإنجيل والصلب الكلمات اليونانية التي في التوراة والإنجيل بمعنى أحمد وإسلام هذا.
وذكر الشيخ رحمة الله الهندي في"إظهار الحق"أن بعض النصارى ادعوا قبل ظهور محمد أنهم مصاديق لفظ"فارقليط"مثل"منتس"الذي ادعى أنه الفارقليط الذي وعد عيسى بمجيئه. وتبعه أناس كثيرون. فعُلم أن انتظار الفارقليط كان في القرون الأولى للنصارى، وكان بعضهم يدعي أنهم مصاديق ذلك، وكان بعض النصارى يقبلون دعاوهم اهـ.
ولاشك أن أهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا ينتظرون خروج نبي قبل ظهور محمد ﷺ وسأذكر شواهد على ذلك في آخر الكتاب إن شاء الله. أما الآن فلنحلل النص لنرى انطباقه
стр. 79
التام على رسول الله محمد ﷺ
(أ) جاء في الجملة السادسة عشرة: وأنا أطلب من الأب أي الله فيعطيكم فارقليط آخر.
يدعي النصارى أنه روح القدس كما سلف. ولا صحة لادعائهم، لأن هذا الروح كما يعتقدون متحد بالأب مطلقا، وبالابن من ناحية لاهوته، لا من ناحية ناسوته، اتحادا حقيقيا، فلا يصدق في حقه أنه فارقليط آخر، بخلاف النبي المبشر به. ثم إن كان معناه المعزي والوكيل والشفيع كما يقولون، فإن هذه الأمور من خواص النبوة، لا من خواص هذا الروح المتحد.
كما ورد في الجملة نفسها أنه يقيم إلى الأبد. وقد حفظ الله سبحانه القرآن صحيحا سليما دون غيره من الكتب. قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . سورة الحجر ٩.
(ب) جاء في الجملة السادسة والعشرين: فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بجميع ما قلته لكم.
وبالفعل، فإن رسالة محمد ﷺ تشمل جميع نواحي الحياة من علاقة الفرد بالفرد إلى علاقة الأمة بغيرها من الأمم سلما وحربا. قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . سورة الأنعام ٣٨. وعن سلمان ﵁ وقال له
стр. 80
المشركون: إنه علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة قال: أجل،"لقد نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة بغائط أو بول، ونهى عن الروثة والعظام، وقال لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار", أخرجه الخمسة إلا البخاري واللفظ لمسلم.
وقد ذكر النبي ﷺ النصارى بكل ما قاله عيسى بن مريم وما جاء به من التوحيد الخالص، ونهاهم عن التثليث والغلو في الدين. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ , المائدة ١١٩.
وعن أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة، أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد". رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
ولم يثبت من رسائل العهد الجديد أن الحواريين كانوا قد نسوا ما قاله عيسى، ثم أتى هذا الروح النازل فذكرهم به.
(ج) جاء في الجملة التاسعة والعشرين: والآن قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنون. وهذا يدل على أن المراد به غير الروح القدس كما يزعمون. كما أن عدم الإيمان ما
стр. 81
كان مظنونا منهم وقت نزوله. أما إذا حملنا النص على النبي المبشر به، فإن الكلام يكون حسنا، وفي محله.
(د) جاء في الإصحاح الخامس عشر في الجملة السادسة والعشرين: فهو يشهد لي. وفي السابعة والعشرين: وأنتم تشهدون، لأنكم معي من الابتداء.
وبالفعل فقد شهد محمد ﷺ لعيسى بالنبوة، وأمر المسلمين بالإيمان به، وبرأه مما نسب إليه من الألوهية، وبرأ أمه من تهمة الزنى التي ألصقها بها يهود. قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ المائدة ٧٢.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ،٧٣.
﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ،٧٤.
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ , ٧٥
стр. 82
أما ما يزعمون أنه الروح، فلم يشهد بشيء بين يدي أحد، لأن تلاميذ المسيح الذين نزل عليهم الروح كما يدعون كانوا يعرفون المسيح، وما كانوا محتاجين إلى هذه الشهادة. بل هم يشهدون أن عيسى ﵇ ما أخبر عن نفسه إلا أنه رسول يبشر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد. أما من بعدهم فقد التبس عليهم الأمر.
(هـ) جاء في الإصحاح السادس عشر الفقرة السابعة:
إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم الفارقليط ...
فعلق مجيء الفارقليط بذهابه، وهذا الروح بزعمهم نزل على الحواريين في حضوره لما أرسلهم إلى البلاد. وهو خلاف ما دل عليه النص من أن مجيء الفارقليط مشروط بذهاب عيسى. فلا يكون المراد بالفارقليط هذا الروح الذي عنه يتكلمون. بل إنما المراد به شخص لم يره أحد من الحواريين، ومجيئه يكون بعد ذهاب عيسى ورفعه إلى السماء، فهو محمد ﷺ بلا شك.
(و) وجاء في الفقرة الثامنة من الإصحاح نفسه: ومتى جاء، فهو يوبخ الحالم على خطيئته ...
وهذا القول بمنزلة النص الواضح الصريح في محمد ﷺ لأنه هو الذي وبخ العالم على خطيئته، فقد وبخ اليهود
стр. 83
لعدم إيمانهم بعيسى ﵇ واتهامهم أمه بالزنى. وبكت النصارى على تثليثهم وقولهم إن الله هو المسيح ابن مريم كما سلف. بعكس الروح، فإن توبيخه لا يصح. وما كان التوبيخ هدف التلاميذ بعد نزوله، لأنهم كانوا يدعون إلى المسيحية بالوعظ والترغيب.
(ز) جاء في الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح السادس عشر: وعندي أيضا أشياء كثيرة أقولها لكم، غير أنكم لا تطيقون حملها الآن.
وبنو إسرائيل لا يحتملون تلقي الشريعة الأبدية من عيسى ﵇ لأن التطور البشري لا يسمح لهم أن يتلقوها، فإنهم يحتاجون إلى إعداد وتربية تمتد زمنا ليكونوا متهيئين لتلقي آخر الشرائع. أما عندما تصل البشرية إلى النضوج العقلي، والتفتح الديني المناسب، فإن الله سبحانه يرسل لهم خاتم الرسل بخاتمة الشرائع إلى جميع الناس. وهذا ما كان.
أما الروح النازل كما يقولون فلم يزد أي حكم من الأحكام على ما جاء به عيسى ﵇.
(ح) جاء في الفقرة الثالثة عشرة: ومتى جاء روح الحق، فإنه يعلمكم جميع الحق لأنه لا يتكلم من عند نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به.
стр. 84
ومحمد ﷺ ما كان يتكلم من عند نفسه، بل يجعل الله كلامه فما فمه، ويكلم الناس بما يوحيه الله إليه من أمر أو نهي كما سلف في البشارة الأولى من بشارات العهد القديم. قال سبحانه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ سورة الأحقاف ٩.
وقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١ سورة النجم ٤.
(ط) وجاء في الفقرة نفسها: ويخبركم بأمور آتية:
وما الذي أخبر به الروح للحواريين أو لغيرهم من الأمور الغيبية الآتية؟ لم يحدث هذا. أما محمد ﷺ فقد أخبر عن أمور كثيرة ستقع في المستقبل، منها ما وقع، فأتت كما قال. ومنها ما لم يقع حتى الآن، والمسلمون ينتظرون وقوعها، والأحاديث التالية فيها مصداقية ذلك:
١- عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هولاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته،
стр. 85
فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه", أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
٢- وعن عمرو بن أخطب ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ يوما الفجر وصعد على المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن إلى يوم القيامة". قال: فأعلمنا أحفظنا, أخرجه مسلم.
٣ عن جابر بن سمرة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" , رواه البخاري ومسلم.
وقد أنفقت كنوزهما في سبيل الله بعد موت النبي ﷺ ووزعت على أصحابه ﵃ فاجتمدت أكوام من المال أمام عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ فجعل يقلبها ويبكي، ثم وزعها.
٤ وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل. فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: إن طالت بك حياة
стр. 86
لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله تعالى قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد؟ ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كسرى ابن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم. قال عدي: فسمعت النبي ﷺ يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة، فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى ابن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفه" , أخرجه البخاري.
وقد حدث هذا، فكان الرجل في عهد عثمان ﵁ وفي عهد عمر بن عبد العزيز يخرج زكاة ماله، فلا يجد من يقبلها منه، لغناهم عن ذلك وورعهم الذي يمنعهم من الطمع.
стр. 87
٥- وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمي فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" أخرجه مسلم.
٦- وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم يكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت" أخرجه أحمد في المسند وصححه العراقي من طريقه، وأخرجه البزار والطيالسي بأتم منه، وروى الطبراني في الأوسط بعضه، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
٧-وعن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وسئل أي المدينتين تفتح أولا، القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا. قال؟ فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ , أي المدينتين تفتح أولا، أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول ﷺ : "مدينة هرقل تفتح أولا. يعنى قسطنطينية" , أخرجه أحمد في المسند وابن أبي
стр. 88
شيبة والدا رمى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والمقدسي وحسنه.
ولقد فتحت القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الثاني المعروف بالفاتح، ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها، وسماها"إسلام بول"أي مدينة الإسلام. أما رومية، فهي روما عاصمة إيطاليا اليوم مقر بابا النصارى الكبير"الفاتيكان"فلتفتحن بإذن الله، كما أن الشمس تشرق كل يوم، بيد أنه لا يعلم ذلك الوقت إلا الله.
٨- وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي وراء الحجر والشجر. فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" ,رواه البخاري ومسلم.
٩- وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي، فتعال فاقتله" ,أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
ومن تقدير الله سبحانه أن الأوربيين عرضوا على اليهود أن يقيموا دولتهم في استراليا، فرضي بعضهم وأبى أكثرهم، ثم
стр. 89
عرضوا عليهم أن يقيموا دولة في إفريقية، فرضي بعضهم وأبى أكثرهم. وأصروا على فلسطين، فاجتمعوا من شتى بقاع الدنيا فيها، ولا يزالون يتوافدون ويجتمعون. ولا يعلم إلا الله متى يُخلص المسلمون في جهادهم حتى يكون لله وبأمره خالصا من أية شائبة ليتحقق وعد الله. وإن ذلك لكائن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم، ولن تقف دونه قوة.
ومن الطريف ما حدثني به فلسطيني أنهم يكثرون من زراعة شجر الغرقد للزينة. والله غالب على أمره.
стр. 90
البشارة الثانية:
جاء في إنجيل متى الإصحاح الثالث:
١- وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان أي يحي يكرز في برية اليهودية.
٢- قائلا: توبوا إلى الله، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.
وفي الإصحاح الرابع:
١٢- ولما علم يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى الجليل.
١٧- ومن ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا إلى الله، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.
٢٣- وكان يسوع يطوف كل الجليل، ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت.
وفي الإصحاح السادس في بيان الصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه وفيها:"ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك".
وفي الإصحاح العاشر: ولما أرسل الحواريين إلى البلاد الإسرائيلية للدعوة والوعظ وصاهم بوصايا، منها هذه الوصية: وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات.
стр. 91
وجاء في إنجيل لوقا الإصحاح التاسع:
٢- وأرسلهم أي التلاميذ ليكرزوا بملكوت الله.
وفي الإصحاح العاشر:
٨- وأية مدينة دخلتموها وقبلوكم، فكلوا مما يقدم لكم.
٩- واشفوا المرضى الذين فيها، وقولوا لهم: قد اقترب منكم ملكوت الله.
فظهر أن كلا من يحي وعيسى والحواريين بشر باقتراب ملكوت الله أو ملكوت السماوات.
والنصارى يحملون ذلك على أنه طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى، وشيوع الديانة النصرانية في جميع أنحاء العالم.
وهذا غير صحيح لأنه خلاف الظاهر من نصوصهم:
أ- فعيسى بشر بالألفاظ التي بشربها يحي. فعلم أن الملكوت كما لم يظهر في عهد يحي، كذلك لم يظهر في عهد عيسى ﵇ ولا في عهد الحواريين. بل كل منهم فبشربه مخبر عن فضله مترج لمجيئه. فلا يكون المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة عيسى، وإلا لما قال عيسى والحواريون وخيرهم. إن ملكوت السماوات قد اقترب. بل كانوا يقولون: قد ظهر وابتدأ. ولما كان علم التلاميذ أن يقولوا في الصلاة: وليأت ملكوتك. ولا يزال النصارى حتى
стр. 92
الآن يرددونها، وبخاصة قبل الطعام. ولو كان الأمر كما يقولون لعدلوا عن ذلك إلى الشكر.
ب- إن لفظ ملكوت السماوات يدل على أن هذا الملكوت يكون في صورة القوة والجهاد والحكم، لا في صورة المسكنة، وأن مبنى قوانينه لابد أن يكون كتابا سماويا، لا حكما علمانيا تبعد عنه الكنيسة.
فالصحيح أن ملكوت السماوات الذي بشربه يحي وعيسى والحواريون هو طريقة النجاة التي ظهرت بشريعة محمد ﷺ لأن كل هذه الأمور تصدق على الشريعة المحمدية، ولا تنطبق إلا عليها.
وليس المراد بذلك شيوع الديانة النصرانية في جميع أنحاء العالم كما يدعون، لأن ذلك ترده النصوص والتشبيهات التي وردت في أناجيلهم ومنها ما يلي:
جاء في إنجيل متى الإصحاح الثالث عشر:
- يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله.
٣١- ثم قدم لهم مثلا آخر قائلا: يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله.
٣٢- وهي أصغر جميع البذور، ولكن متى نمت، فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتأوي إلى أغصانها.
стр. 93
فشبه ملكوت السماوات بإنسان زارع زرع زرعا لا بنمو الزراعة وحصادها.
وجاء في الإصحاح الحادي والعشرين بعد بيان التمثيل:
لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تحمل أثماره.
وهذا القول يدل على أن المراد بملكوت السماوات طريقة النجاة نفسها، لا شيوعها وانتشارها في جميع أنحاء العالم، وإلا لما كان هناك معنى لنزع شيوعها من قوم وإعطائها لآخرين. فهذا كله يرد تأويلهم، ويثبت البشارة بطريقة النجاة بشريعة محمد ﷺ .
قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ١.
وعلى العموم فإن خير من قام بشرح معظم هذه البشارات، والاستدلال على صحة انطباقها على محمد بن
стр. 94
عبد الله صحة وخير من قام بالرد على التأويلات التعسفية والاعتراضات التي أثيرت حول انطباقها على مجيء رسول الله ﷺ هو العلامة الهندي رحمة الله بن خليل في كتابه إظهار الحق١.
وقد ذكر بشرى زخاري ميخائيل في كتابه"محمد رسول الله هكذا بشرت الأناجيل"أنه قد اكتشفت فوق هضبة بجوار البحر الميت منذ عدة سنوات مخطوطات قديمة، تصحح الفكرة السائدة عن ألوهية المسيح. وقد وجدت في أوان فخارية قديمة. وقد اتضح بعد الدراسات والتحاليل أنها جزء من مكتوبات الإبسينيين القدماء.
وقد أثارت هذه المخطوطات ثائرة العلماء ورجال الدين في جميع عواصم العالم.
ومما تقرره هذه المخطوطات أن المسيح ﵇ كان مسيّا المسيحيين، وأن هناك مسيّا آخر.
وقد يكون المقصود بالمسيّا الثاني هو نفسه أي المسيح عند عودته بالروح، أو أن يكون المقصود به ظهور محمد بن عبد الله ﷺ لأنه كان يتكلم للحق منصفا روح المسيح ومدافعا عنه وعن العقيدة الأصلية التي جاء بها اهـ
стр. 95
هذا, وعلى فرض أن هناك فقرات ليس المقصود بها البشارة برسول الله صلى اله عليه وسلم فإنه مما لا يحتمل الشك أن هناك فقرات كثيرة واضحة لا تحتاج إلى تأويل في أن القادم من نسل إسماعيل هو النبي المنتظر الذي بشر به موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بل لا تحتمل غير ذلك.
стр. 96
البشارة الثالثة:
جاء في إنجيل برنابا في الإصحاح السادس والتسعين ما يلي:
١- ولما انتهت الصلاة قال الكاهن بصوت عال: قف يا يسوع، لأنه يجب علينا أن نعرف من أنت، تسكينا لأمتنا.
٢- أجاب يسوع: أنا يسوع ابن مريم من نسل داود، بشر مائت، ويخاف الله، وأطلب أن لا يعطى الإكرام والمجد إلا لله.
٣- أجاب الكاهن: أنه مكتوب في كتاب موسى أن إلهنا سيرسل لنا مسيا الذي سيأتي ليخبرنا بما يريد الله، وسيأتي للعالم برحمة الله.
٤- لذلك أرجوك أن تقول لنا الحق، هل أنت مسيّا الله الذي ننظره؟.
٥- أجاب يسوع: حقا إن الله وعد هكذا، ولكني لست هو، لأنه خلق قبلي وسيأتي بعدي١.
стр. 97
٦- أجاب الكاهن: إننا نعتقد من كلامك وآياتك على كل حال أنك نبي وقدوس الله.
стр. 98
٧- لذلك أرجوك باسم اليهودية كلها وإسرائيل أن تفيدنا حبا في الله، بأية كيفية سيأتي مسيا؟.
٨- أجاب يسوع: لعمر الله الذي تقف بحضرته نفسي، إني لست مسيا الذي تنتظره كل قبائل الأرض، كما وعد الله أبانا إبراهيم قائلا: بنسلك أبارك كل قبائل الأرض.
٩- ولكن عندما يأخذني الله من العالم، سيثير الشيطان مرة أخرى هذه الفتنة الملعونة، بأن يحمل عادم التقوى على الاعتقاد بأني الله أو ابن الله.
١٠- فيتنجس بسبب هذا كلامي وتعليمي، حتى لا يكاد يبقى ثلاثون مؤمنا.
١١- حينئذ يرحم الله العالم ويرسل رسوله الذي خلق كل الأشياء لأجله.
١٢- الذي سيأتي من الجنوب بقوة، وسيبيد الأصنام وعبدة الأصنام.
١٣- وسينتزع من الشيطان سلطته على البشر.
١٤- وسيأتي برحمة لخلاص الذين يؤمنون به.
١٥- وسيكون من يؤمن بكلامه مباركا.
وجاءت الإصحاح السابع والتسعين ما يلي:
٤- فقال حينئذ يسوع: إن كلامكم لا يعزيني، لأنه يأتي ظلام حيث ترجون النور.
стр. 99
٥- ولكن تعزيتي هي في مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأي كاذب فيّ، وسيمتد دينه، ويعم العالم بأسره، لأنه هكذا وعد الله أبانا إبراهيم.
٦- وإن ما يعزيني هو أنه لا نهاية لدينه، لأن الله سيحفظه صحيحا.
٧- أجاب الكاهن: أيأتي رسل آخرون بعد مجيء رسول الله؟.
٨- فأجاب يسوع: لا يأتي بعده أنبياء صادقون مرسلون من الله.
١٣- فقال الكاهن: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه؟.
١٤- أجاب يسوع: إن اسم مسيا عجيب، لأن الله نفسه سماه لما خلق نفسه، ووضعها في بهاء سماوي.
١٥- قال الله: اصبر يا محمد، لأني لأجلك أريد أن أخلق الجنة والعالم وجمعا غفيرا من الخلائق التي أهبها لك، حتى إن من يبارك يكون مباركا، ومن يلعنك يكون ملعونا، ومتى أرسلتك إلى العالم، أجعلك رسولي للخلاص، وتكون كلمتك صادقة، حتى إن السماء والأرض تهنان، ولكن إيمانك لا يهن أبدا.
١٧- إن اسمه المبارك محمد.
стр. 100
١٨- حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل لنا رسولك، يا محمد تعال سريعا لخلاص العالم١.
وجاء في الإصحاح الثاني عشر بعد المائة:
١١- بل أقول لك: إنني لو لم أدع إلها لكنت حملت إلى الجنة عندما أنصرف من العالم، أما الآن، فلا أذهب إلى هناك حتى الدينونة.
١٤- وعليه فإني على يقين من أن من يبيعني يقتل باسمي.
١٥- لأن الله سيصعدني من الأرض، وسيغير منظر الخائن، حتى يظنه كل أحد إياي.
١٦- ومع ذلك، فإنه لما يموت شر ميتة، أمكث في ذلك العار زمنا طويلا في العالم.
١٧- ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس تزال عني هذه الوصمة٢.
قال الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ , الأحزاب ٤٥.
стр. 101
قال تعالى في حق اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ ١٥٧،. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ النساء ١٥٨.
هذا. وقد جاء في إنجيل برنابا بالإضافة إلى ما ذكرته بشارات كثيرة تذكر اسم محمد ﷺ صراحة، وتصفه ببعض الصفات كالمظلل بالغمام ومحطم الأصنام وأنه يسجد في أي مكان وغير ذلك، وقد أحصيتها، وها أنا أشير إلى أماكنها:
١- الإصحاح ٣٩ صفحة ٥٨-٥٩.
٢- الإصحاح ٤٢ صفحة ٦٤-٦٥.
٣- الإصحاح ٤٣ صفحة ٦٦-٦٧.
٤- الإصحاح ٥٨ صفحة ٩١.
٥- الإصحاح ٧٢ صفحة ١١٠-١١١.
٦- الإصحاح ٨٢ صفحة ٢٥ ١-٢٦ ١.
٧- الإصحاح ٨٣ صفحة ٢٨ ١.
٨- الإصحاح ٢٤ ١ صفحة ١٨٨.
٩- الإصحاح ٣٦ ١ صفحة ٢٠٩ - ٢١٠.
١٠- الإصحاح ١٣٧ صفحة ٢١١.
стр. 102
١١ الإصحاح ١٤٢ صفحة ٢١٨.
١٢- الإصحاح ٦٣ ١ صفحة ٢٥٢.
١٣- الإصحاح ١ ١٩ صفحة ٢٨٢.
١٤- الإصحاح ٢٥٦ صفحة ٢٩٨.
١٥- الإصحاح ٢٠٨ صفحة ٣٥٠-٣٥١.
١٦- الإصحاح ٢١٥ صفحة ٣٥٢.
١٧- الإصحاح ٢١٢ صفحة ٣٥٥-٣٥٦.
١٨- الإصحاح ٢٢٥ صفحة ٣١٨.
قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ آل عمران ١٨٧.
стр. 103
بقايا أهل الكتاب ينتظرون النبي:
عن عياض ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" , أخرجه مسلم.
وذلك لابتعادهم عن الحق وإمعانهم في الضلال، أما بعض أهل الكتاب فقد كانوا ينتظرون خاتم النبيين. ومنهم:
الراهب بحيرا:
عن علي بن أبي طالب ﵁ أن أباه حدثه قال: خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد ﷺ فأشرفنا على راهب في الطريق، فنزلنا وحللنا رواحلنا، فخرج إلينا الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا، فجعل يتخللنا، حتى جاء فأخذ بيد محمد ﷺ وقال: هذا سيد العالمين. قال: فقال له أشياخ من قريش: وما علمك بما تقول؟ قال: أجد صفته ونعته في الكتاب المنزل، وإنكم حين أشرفتم يبق شجر ولا حجر إلا خر له ساجدا، ولا تسجد الجمادات إلا لنبي، وأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع طعاما فأتانا به، وكان محمد ﷺ في رعية الإبل، فجاء وعليه غمامة تظله، فلما دنا وجد القوم قد
стр. 104
سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس، فمال فيء الشجرة عليه، وضحوا في الشمس ... وجعل يناشدهم الله أن لا يذهبوا به إلى الروم، ويقول: إن رأوه عرفوه بالصفة وآذوه. ثم قال: أنشدكم أيكم وليه؟ قالوا: هذا يعنوني فما زال يناشدني حتى رددته مع رجال، وزوده الراهب كعكا وزيتا أخرجه رزين"، وأخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ وقال: هذا حديث حسن غريب. وليس بين الألفاظ كبير اختلاف.
وعند ابن أبي شيبة: ولما بلغ رسول الله اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب حتى بلغ بُصرى فرآه بحيرا الراهب واسمه جرجس فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال: وما علمك بذلك فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا، ولا تسجد إلا لنبي، وأقبل وعليه غمامة تظله. وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا. وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود", ورواه ابن اسحاق.
خاتم النبوة:
عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: درت خلف النبي ﷺ فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند
стр. 105
ناغض كتفه اليسرى جُمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل"١ أخرجه مسلم.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال:"ورأيت الخاتم عند كتفيه مثل بيضة الحمام، يشبه جسده", رواه مسلم.
وعند الترمذي عنه ﵁:"كان خاتم رسول الله الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمام". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورقة بن نوفل وبدء الوحي:
عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بديء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراءء، فيتحنث فيه وهو التعبد٢ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى
стр. 106
خديجة ﵂ فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وفي رواية: حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: قلت: ما أنا بقاريء. قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء. قال: فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء؟ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة ﵂ وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له
стр. 107
ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله لصلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا. ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي", رواه البخاري ومسلم.
سلمان الفارسي:
قال ابن اسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمد بن لبيد عن عبد الله بن العباس قال: حدثني سلمان الفارسي من فيه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها"جي"وكان أبي دهقان أهل قريته، وكنت أحب خلق الله إليه. واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكان لأبي ضيعة عظيمة، فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم وهم يصلون، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون. فلما رأيتهم أعجبتني صفتهم في صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه. ثم قلت لهم: من أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله. فلما جئته قال: أين كنت؟ قال: قلت
стр. 108
له: يا أبت مررت بنصارى يصلون بكنيسة فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بنى ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا. فخافني فجعل في رجلي قيدا، ثم احتبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى وقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم ركب من الشام تجا رمن النصارى فأخبروني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئت فقلت له: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك. قال: ادخل، فدخلت معه. ثم مات. وجاءوا برجل فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا أفضل ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه. قال فأحببته خبآ شديدا، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة. فقلت له: إني قد كنت معك فأحببتك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي وتأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلا بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه فالحق به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل،
стр. 109
فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فسألته إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان. فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري. فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بعمورية من أرض الروم، فإنه على مثل ما نحن عليه، فلما مات غيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال: أقم عندي. فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال: فاكتسبت حتى صار لي بقرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان إلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أصبح اليوم أحد من الناس على مثل ما كان عليه هولاء آمرك أن تأتيه. ولكنه قد أظل زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفي، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم مات وغيب، قال: ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من
стр. 110
"كلب"تجار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه. قالوا: نعم. حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني، فباعوني على رجل يهودي عبدا. فكنت عنده ورأيت النخل، فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي. فبينما أنا عنده، إذ قدم عليه ابن عم له من قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث رسول الله ﷺ وأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل له بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة أي الأوس والخزرج وهم أهل المدينة والله إنهم لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي. فلما سمعتها أخذتني العُرَواء أي الحمى فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته وذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء. فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا كان عندي للصدقة، فقربته إليه. فقال عظيم كلوا وأمسك يده، فلم يأكل. فقلت