← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1562

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت السريحي

الشوكاني

Полный текст (254 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تصدير النشرة الثانية [¬*] يُعد كتاب "أدب الطلب ومنتهى الأرب" أحد أهم مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ)، لأنه - رغم صغر حجمه - يفصح عن شخصية الشوكاني كعالم موسوعي ومجتهد مستقل، ومجدِّد مبدع يتمتع بموهبة فذة، وبمقدرة كبيرة على العطاء، ولأنه نابع من خلاصة تجربته الفكرية والعلمية الثرية كطالب ومدرس وقاض ومجتهد، ومعبِّرًا عن تطلعاته ونزعته التجديدية والإصلاحية … إلخ. وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن مركز الدراسات والبحوث اليمنية بصنعاء عام (١٩٧٩)، بتحقيق الأستاذ عبد الله محمد الحبشي، وقد حظي الكتاب بعد صدوره باهتمام الأوساط العلمية والثقافية داخل اليمن وخارجه، فقد تناول الكتاب عدد من المفكرين بالعرض والتحليل، ومن أبرزهم: الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي كتب عنه عدة مقالات نشرت بصحيفة "١٣ يونيو" (٢٦ سبتمر حاليًا)، وأعاد جمعها ونشرها في كتابه القيم: "قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة" (١)، _________ (١) د. عبد العزيز المقالح قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة، بيروت: دار العودة (١٩٨٢) ص ٢١٥ - ٢٤٣؛ وانظر كذلك بحث الدكتور المقالح المقدم إلى ندوة "السلطة والمعرفة" المنعقدة بجامعة صنعاء (١٩٨٩) والمنشور بمجلة "دراسات يمنية" العدد (٣٦) ربيع ١٩٨٩ م بعنوان "المثقف والسلطة: النموذج اليمني" ص ١٤١ - ١٥٥. [¬*] تعليق المكتبة الشاملة: أما (النشرة الأولى) فهي التي بتحقيق (عبد الله محمد الحبشي) عن مركز الدراسات والبحوث اليمنية بصنعاء؛ حيث بَنى المحقق عمله عليها بالترتيب مع محققها؛ كما سيأتي ص ٦ - ٧؛ فاعتبَرَ نشرته هذه (ثانيةً) بالنسبة إليها.

стр. 2

والدكتور محمد الرميحي رئيس تحرير مجلة "العربي" في مقاله الإفتتاحي بمجلة العربي، العدد (٢٩٥) يونيو ١٩٨٣ م بعنوان: "الحكمة يمانية"، والدكتور سعيد إسماعيل علي بعنوان "أدب البحث العلمي عند الإمام الشوكاني" نشرته مجلة "الأمة" الصادرة عن رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، في عددها رقم (٧٢) لشهر ٨/ ١٩٨٦ م. وقد أصبح هذا الكتاب منذ صدوره مصدرًا مهمًا - لا غنى عنه - للباحثين المهتمين بشخصية الشوكاني وفكره، وشكَّل المادة الرئيسية لدراستين علميتين عن الفكر التربوي عند الشوكاني: الأولى مقدمة من الدكتور عبد الغني قاسم الشرحبي لنيل درجة الدكتوراه بعنوان: "الإمام الشوكاني تربويًا" والثانية مقدمة من الباحث صالح محمد صغير مقبل لنيل درجة الماجستير بعنوان: "محمد بن علي الشوكاني وجهوده التربوية". ولكن تلك الطبعة - السالفة الذكر - لهذا الكتاب "أدب الطلب. . ." كانت مع الأسف مليئة بالأخطاء المطبعية، بالإضافة إلى أن النسخة الرئيسية التي اعتمد عليها المحقق كانت غير دقيقة، وفيها الكثير من التصحيف والسقط (سقطت من الناسخ كلمات كثيرة وأحيانًا أسطر وفقرات بكاملها). وكم كنت أتمنى - منذ قراءتي الأولى للكتاب بعد صدوره - لو أعيد النظر في تحقيق وإخراج الكتاب بصورة أفضل تتناسب مع أهمية الكتاب وقيمته العلمية، وظلت هذه الفكرة تُلحُّ علي كلما رجعت إليه للاستعانة به في بعض أبحاثي. وقد حققت لي الأيام هذه الأمنية، بصورة غير متوقعة، وأن أتولى هذه المهمة بنفسي بعدما سمح لي زميلي وصديقي الأستاذ عبد الله الحبشي بالقيام بهذا العمل، إذ كنت قد طرحت عليه فكرة إعادة تحقيق ونشر الكتاب، باعتباره قد حقق النشرة الأولى للكتاب، فأخبرني بأنه مهتم فعلًا بذلك، وأنه ينوي القيام به منذ عدة سنوات وخاصة بعد أن تيسر له الحصول

стр. 3

على نسخة مصورة للمخطوطة الأصلية للكتاب بقلم المصنف محمد بن علي الشوكاني نفسه، والمحفوظة بمكتبة الأوقاف بالجامع الكبير بصنعاء (انظر وصف المخطوطة في خاتمة الدراسة) إلا إن إنشغاله المستمر بالتنقيب عن التراث اليمني وتحقيق ونشر المهم منه، قد حال دون ذلك. ولهذا فقد اقترح علي، بعدما لمس تحمسي للفكرة، أن أتولى تنفيذها بنفسي، وزودني، مشكورًا بالنسخة المصورة لمخطوطة الكتاب الأصلية، فشجعني ذلك على قبول هذا الاقتراح، فأقدمت مستعينًا بالله على خوض أول تجربة لي في ميدان التحقيق، وبذلت جهدي لكي تخرج هذه النشرة للكتاب على الصورة التي أطمح إليها، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى ذلك. أسأل الله أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل. عبد الله يحيى السريحي صنعاء في ٦ جمادى الأولى ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٩٣ م

стр. 4

تمهيد لغوي وتأريخي عن مصطلح "أدب الطلب" بقلم الأستاذ الدكتور / إبراهيم السامرائي عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة صنعاء هذا كتاب للإمام الشوكاني قد خفي أمره وطُوي خبره عن كثير من أهل الدرس. وهو كتاب يأتي في آخر سلسلة من كتب المعرفة التربوية التاريخية التي سآتي على طرف منها في هذا الموجز. لقد عرف أهل عصرنا عبارات جديدة مولّدة هي "تاريخ الأدب الجاهلي" و "تاريخ الأدب الإسلامي" و "تاريخ الأدب العباسي" وهذا كان دأبهم حتى عصرنا هذا الذي كثر فيه "تاريخ الأدب" الذي وصفوه بالحديث والمعاصر والقصصي ونحو هذا. وقد تجد "تاريخ الأدب الأندلسي" منسوبًا إلى الأندلس وكذلك نسبوا إلى الأقاليم فقالوا: "تاريخ الأدب المغربي" ومثله التونسي والمصري والشامي والعراقي. أقول: وهذا كله مأخوذ مما وجدناه لدى الغربيين Histoir de Litérature. وأعود إلى "الأدب" في كتاب الإمام الشوكاني فأجده غير هذا الذي قصره أهل عصرنا على حديث الشعر والنثر وما يتصل بهما من قريب أو بعيد.

стр. 5

إن "الأدب" في كتاب الإمام الشوكاني قد أضيف إلى "الطلب" و "الطلب" هنا هو "التعلّم" الذي يضطلع به "طالبه" وهو المتلقي للعلم من الشيخ المعلم الأستاذ. ومن هنا كان هذا كله في "الكتاب" و "الطالب" عملًا بل صنعة "تربوية". ويكون "الأدب" في هذا ما يلزم الطالب من مواد وطرائق يصل فيها إلى مراده وعلى هذا فلنا أن نعدّ الأدب "الصنعة الخاصة التربوية" التي يأخذ بها "الطالب" نفسه. وهذه "الصنعة الخاصة" تقتضيه نظامًا ورسومًا يلتزم بها للوصول إلى ما يريد. فهل كان الإمام الشوكاني أوّل من بدأ هذا المصطلح الذي لا يمت بوشيجة من رحم إلى الشعر والنثر وما يتصل بهما؟ والجواب عن هذا أن الشوكاني درج على ما درج عليه المتقدمون من أهل العلم الذين ذهبوا إلى هذا "المصطلح"، وكأن هؤلاء جميعًا قد أفادوا من الأثر الشريف وهو قول الرسول الكريم: "أدَّبني ربّي فأحسَن تأديبي". والفعل "أدّب" ومصدره "التأديب" في قول الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - يتجاوزان ما هو مندرج في "الصنعة التربوية" إلى معنى "التهذيب" و "التقويم" وما يكون من هذا. وكأنَّ هذه الدلالة هي التي بقيت لنا، نحن أهل هذا العصر، حين نقول: "إن الرجل مؤدب" أي أنه على جانب من الخلق الكريم، وحين نقول "الآداب العامة" ونحو هذا مما يقال في عربيتنا المعاصرة وفي الألسن الدارجة. ولم يرد شيء من مادة "أدب" في لغة التنزيل العزيز.

стр. 6

وأعود إلى ما كان لدى المتقدمين فأجد لابن قتيبة من اللغويين السابقين كتابًا هو "أدب الكاتب" و "أدب الكاتب" هذا من كتب التعليم والتقويم وملاك الأمر فيه أن حبسه على ما يقتضي الكاتب في سلوكه لصنعة الكتاب من تقويم اللسان والقلم ومعرفة الصحيح والصواب والمعدول عن الصحة والصواب، وتزويد طالب العلم ليصل إلى صنعة "الكتابة" بالأصول والقواعد والضوابط وبسط الأمثلة والنماذج من فصيح العربية أمام هذا المتعلم الجاد. وكأن هذا "الكتاب" الذي صنّفه ابن قتيبة قد وجد مكانه لدى أهل العلم، ولذلك عده ابن خلدون من الكتب الأساسية في ثقافة الدارسين وقد أشار إلى هذا في "المقدّمة". لقد تصدّى لهذا الكتاب الجليل اللغوي الأندلسي ابن السيد البطليوسي فشرحه وأضاف وضبط ما كان فيه من أقوال فكان له "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب". لقد كان لعلماء العربية نصيبهم في هذه الصنعة التربوية وكتاب "إصلاح المنطق" لابن السكيت شيء من هذا، ذلك أن "الإصلاح" يعني ما نقول في عصرنا من "تصليح"، وهو مرادف أو قريب من "تصحيح". ولأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب كتاب "الفصيح" وهو كتاب قصد إليه في هذه "الصنعة التربوية". وكأن من خلف أبا العباس قد تصدوا لهذا الكتاب فشرحوه وبينوا ما كان لهم عليه من اعتراضات فجاء إلينا من هذا كله جملة كتب في "شرح الفصيح" لابن السيد البطليوسي ولآخرين. وكان من هذه كتاب "تصحيح الفصيح" لابن درستويه. وأعود إلى مصطلح "الأدب" فأجد فيه مما ورثنا كتاب "أدب الدنيا والدين" وهو في هذه الصنعة الخاصة، كما أجد كتاب "أدب العالم

стр. 7

والمتعلم" (١) وهو فيما ينبغي للعالم وللمتعلّم معرفته والإحاطة به. ثم آتي إلى "أدب الكتاب" للصولي الذي حبسه على حاجة من تصدّى الصنعة الكتابة في الدواوين وغيرها، فكان له في أدوات الكتابة من القلم والدواة والقرطاس مادة مفيدة إلى غير ذلك من الفوائد التي لا غنى لطالب هذه الصنعة منها. وأنت واجد في كتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ فوائد تتصل بما نحن فيه. على أننا لا نعدم أن نجد من استعمل "الأدب" و "الآداب" وأراد بهما صنعة الشعر والنثر والشاعر والناثر، ومن هذا كتاب "زهر الآداب" للحصري القيرواني، وكتاب "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" لضياء الدين بن الأثير. على أننا نجد لابن السمعاني كتابًا في "أدب الإملاء والاستملاء" يعرض فيه لقواعد الرواية وطرائقها وشروطها، وهذا يدخل في هذه الصنعة التعليمية. ومن المفيد أن أشير إلى أن مادة "أدب" التي انصرفت إلى العملية التربوية وما يتصل بها من تهذيب و "تقويم"، قد احتملت شيئًا من العقاب. ومن هنا كان من لوازم "المؤدّب" أن يعرف وسائل ضبط التلميذ أو الطالب بغية تقويمه، ومن هذه الوسائل العقوبة على اختلاف النظر إليها. وما زال معنى، العقاب معروفًا في كلمة "أدب" في لغة المعربين. ويحسن بي أن أشير هنا إلى مصطلح آخر أخذ من مصطلح "الأدب" بعض الشيء وهو مصطلح "سياسة". _________ (١) ومؤلفه ابن جماعة.

стр. 8

أقول" ربما ضاق أهل هذا العصر في هذا المصطلح فقصروه على سلوك وتطبيق ولاة الأمر من الرؤساء والملوك وغيرهم في المسائل التي تخص الدول وعلاقة الدولة بغيرها من الدول. إن مصطلح "السياسة" قد بدأ مستعارًا من "سياسة الخيل" على يد السائس المروِّض إلى "سياسة الصبي" وتقويمه وتربيته وكان من هذا كتاب "سياسة الصبيان" للونشريسي. على أننا لا نعدم أن نجد شيئًا من معناها المعاصر في بعض ما ورثناه من مصادر التاريخ (١). أقول: هذه نبذة يسيرة دعاني إليها وحفزني كتاب "أدب الطلب" (٢) للإمام الشوكاني. إبراهيم السامرائي _________ (١) أقول: وكتاب "الإمامة والسياسة" المنسوب خطأً لابن قتيبة. لقد أوضح هذا الأمر فكان فيه مقطع الرأي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري في بحث مفيد نشر في مجلة كلية الآداب ببغداد منذ ما يقرب من ربع قرن. (٢) أقول: والطلب هو طلب العلم. ولي هنا أن أثبت أن مصطلح "الطالب" في المعجم التربوي ليس من صنع التربويين في عصرنا، بل إنه قديم.

стр. 9

القسم الأول: الدراسة ومقدمة التحقيق

стр. 10

يرى المفكر والأديب العربي الأستاذ محمود محمد شاكر، أن التاريخ الحقيقي لـ "عصر النهضة اليقظة" العربية الإسلامية، يقع بين منتصف القرن الحادي عشر الهجري إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري (منتصف القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي) وهي المرحلة التي شهدت ظهور عدد من العلماء والمفكرين الذين أحسوا بالخطر المحدق بأمتهم وبوطأة التخلف والجمود وخطره الماحق على الأمة، فحملوا على عاتقهم مهمة إيقاظ الجماهير "المستغرقة في غفوتها" وأرادوا أن يدخلوا الأمة في "عصر النهضة" نهضة دار الإسلام من الوهن والنوم والجهالة والغفلة عن إرث إسلافهم العظام، فسعوا إلى إصلاح الخلل الواقع في دار الإسلام "خلل اللغة" و "خلل العقيدة" و "خلل علوم الدين" و "خلل علوم الحضارة" وحدَّد الأستاذ محمود شاكر خمسة من أبرز أعلام حركة التجديد والأصلاح وهم: ١ - عبد القادر بن عمر البغداي (١٠٣٠ - ١٠٩٣ هـ) "صاحب خزانة الأدب" في مصر الذي قصد بمؤلفاته ليرد على الأمة قدرتها على التذوق، تذوق اللغة والشعر والأدب وعلوم العربية. ٢ - حسن بن إبراهيم الجبرتي العقيلي "الجبرتي الكبير" (١١١٠ -

стр. 11

١١٨٨ هـ) العالم والفقية الحنفي البارز، الذي اتجه منذ عام ١١٤٤ هـ إلى "العلوم" التي كانت مستغلقة على أهل زمانه، كالهندسة والكيمياء، والفلك، والصنائع الحضارية كلها، حتى النجارة والحدادة، إلخ فجمع كتبها من كل مكان، وحرص على لقاء من يعلم سر ألفاظها ورموزها، وعكف على دراستها عشر سنوات حتى امتلك ناصيتها، فصار إمامًا عالمًا في أكثر الصناعات ولجأ إليه مهرة الصناع من كل صناعة يستفيدون من علمه، ووفد عليه الطلاب من "الأفرنج" وتعلموا منه. ٣ - محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ)، في جزيرة العرب. الذي هب يكافح البدع والعقائد التي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد. ٤ - المرتضى الزبيدي "صاحب تاج العروس" (١١٤٥ - ١٢٠٥ هـ) في الهند ومصر، الذي بعث التراث اللغوي والديني وعلوم العربية وعلوم الإسلام، ويُحيي ما كاد يخفى على الناس بمؤلفاته ومجالسه. ٥ - محمد بن علي الشوكاني الزيدي (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ) في اليمن، الذي دعا إلى "الاجتهاد" وحرّم "التقليد" في الدِّين، وحطم الفرقة والتنابذ الذي أدى إليه إختلاف الفرق والعصبية (١). * * * أردنا باقتباس الفقرة السابقة - الطويلة نسبيًا - عن الأستاذ محمود شاكر التوصل أولًا إلى تحديد مرحلة "عصر النهضة" العربية الإسلامية وأنّها تقع _________ (١) محمود محمد شاكر رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة: "سلسلة كتاب الهلال" العدد (٤٨٩) سبتمبر ١٩٩١ م. ص ١١٨ - ١٢٢ (بتصرف يسير).

стр. 12

(بين منتصف القرن الحادي عشر الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر الهجري)، وموقع الشوكاني فيها ثانيًا، ونحن نشاطر الأستاذ شاكر الرأي، بأن تلك الحركة، وتلك المرحلة، تمثل مرحلة "يقظة" حقيقية، و "نهضة" عربية وإسلامية صحيحة (١). وفي رأينا أنه لو قُدِّر لتلك الحركة التواصل والاستمرار، ورافقها إصلاح وتجديد في الفكر السياسي الإسلامي ونظام الحكم، لنتج عنها نهضة قوية شاملة وراسخة، وذلك لأنها كانت تهدف إلى إحياء وتجديد علم الأمة، ولغتها وثقافتها، التي أصيبت بالركود والشَّلل عقب إغلاق باب الاجتهاد، وشيوع ظاهرة الرأي الواحد، الذي أفرزته ظاهرة الحكم الفردي والاستبداد السياسي، بعد تحول الخلافة إلى ملك. ولأنها سعت إلى تحرير العقول من أسر التقليد والجمود والمحاكاة، لكي يسترد العقل العربي والإسلامي، مقدرته على التفكير والإبداع، ومن ثم امتلاكه القدرة على اكتشاف السنن والأسباب الكامنة وراء تقدم وازدهار الشعوب والأمم أو انحطاطها، والتعامل معها بقدر أكبر من الثقة بالنفس، كأساس لاستعادة وامتلاك الأمة لأسباب حضارتها ومقومات رقيِّها وازدهارها. ولأن أفكارها مُستمدة من الينابيع الجوهرية والنَّقية للفكر العربي الإسلامي، كونها نابعة من ذات الأمة، ومرتبطة بهويتها وتراثها ومرجعيتها الفكرية والحضارية، وليست مستعارة من خارجها كما هو الحال مع المرحلة التي اعقبت الحملة الفرنسية على مصر عام ١٢١٣ هـ ١٧٩٨ م التي مهَّدت لظهور تيار التغريب الداعي التي تبني النموذج الحضاري الغربي، بدلًا من النموذج الحضاري العربي الإسلامي، ولم يكن المشروع الحضاري الغربي الذي بشَّر به ذلك التيار التغريبي سوى محاولة "للإنفصال عن الموروث، _________ (١) المصدر السابق ص ١٢٥.

стр. 13

وقطع حبال التواصل الحضاري، والاستقلال عن المحيط العربي الإسلامي واستبدال النموذج الغربي بدلًا من المنابع الحضارية الإسلامية، والوطنية القطرية بدلًا من الجامعة الإسلامية" (١) ويهدف في النهاية إلى ترسيخ التبعية والارتهان الثقافي والاستلاب الحضاري. * * * وإذا كان الشوكاني - كما مرَّ بنا - أحد رواد وأعلام حركة النهضة العربية الإسلامية في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، إلا أنه لم يكن هو المجدِّد الوحيد الذي انجبته اليمن خلال مرحلة "عصر النهضة" (من منتصف القرن الحادي عشر - منتصف القرن الثالث عشر الهجري)، بل كان امتدادًا لكوكبة عظيمة من المصلحين والمجددين (علماء وأدباء ومؤرخين) (٢) الذين ظهروا في اليمن خلال هذه الحقبة، وكان لهم دور كبير في إثراء الحركة الفكرية في اليمن بمؤلفاتهم الكثيرة التي تزخر بها الخرائن والمكتبات اليمنية في جميع الفنون، وشهدت اليمن بفضل جهودهم نهضة علمية كبرى بحيث كانت هذه المرحلة "من أخصب فترات الإزدهار الفكري والثقافي في اليمن " (٣). وقد كرَّس هؤلاء الرواد جهودهم وفكرهم (من خلال التأليف، _________ (١) محمد عمارة أزمة الثقافة العربية الإسلامية، مجلة "الاجتهاد" العدد (١٠ - ١١) شتاء وربيع العام ١٩٩١ ص ٥٨ - ٥٩. (٢) ترجم الشوكاني، في كتابه "البدر الطالع" للعشرات من أولئك المبدعين الذين برزوا خلال هذه الحقبة. (٣) حسين العمري المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث.، دمشق: دار الفكر (١٩٨٨) ص ٤١، راجع أيضًا، محمد الغماري، الإمام الشوكاني مفسِّرًا؛ جدة: دار الشروق (١٤٠١ هـ) ص ٤٥، صالح محمد صغير مقبل، محمد بن علي الشوكاني وجهوده التربوية، بيروت: دار الجيل (١٩٨٩) ص ٨٤ - ٨٧.

стр. 14

أو التدريس (١)) لإشاعة هذه النزعة العلمية والتحررية في بيئتهم التي غلب عليها طابع التقليد والتعصب (٢)، إذ دعوا إلى نبذ التقليد وإلى انتهاج مبدأ الاجتهاد القائم على إعمال العقل وتمحيص الأفكار السابقة وغربلتها، وقد لقيت جهودهم وأفكارهم مقاومة شديدة من قبل أولئك المتعصبين الذين شنُّوا ضدهم حملاتٍ دعائية واسعة وأذاقوهم ألونًا من القهر والاضطهاد (٣). ومن أبرز أولئك العلماء والمجددين الذين نبغوا في مجال "الفكر الإسلامي" بخاصة: - الحسن بن أحمد الجلال (ت ١٠٨٤ هـ)، يحيى بن الحسين بن القاسم (ت ١٠٩٩ هـ) تقريبًا، صالح بن مهدي المقبلي (ت ١١٠٨ هـ)، ومحمد بن إسماعيل الأمير (ت ١١٨٢ هـ) ويعد هؤلاء العلماء في طليعة المجتهدين - خلال هذه المرحلة - الذين تحرروا من ربقة التقليد والتعصب المذهبي، وتحلّو بروح الإنصاف (الموضوعية) وبالمقدرة على الإبتكار والتجديد، وعلى إعادة صياغة الفكر الإسلامي، وتنقيته مما علق به من البدع _________ (١) كان في شيوخ الشوكاني عدد من هؤلاء المجتهدين أمثال: عبد القادر بن أحمد الكوكباني (ت ١٢٠٧ هـ) علي بن إبراهيم عامر (ت ١٢٠٧ هـ)، القاسم بن يحيى الخولاني (ت ١٢٠٩ هـ)، الحسن إسماعيل المغربي (ت ١٢٠٨ هـ). (٢) جمعت هذه المرحلة التاريخية في اليمن بين النقيضين، فإنه كان إلى جانب ذلك العدد الكبير من المجتهدين والمستنيرين تيارًا كبيرًا وقويًا من أنصار التقليد والمتعصبين للمذاهب، وقد نشطت حركت التأليف في أوساط هؤلاء المقلدة نشاطًا ملحوظًا، إما للدفاع عن الأفكار التي يتعصبون لها، وإما للتصدي لأفكار المجددين، لذلك، فمن الطبيعي أن يكون الطابع العام لمؤلفاتهم هو التقليد والتعصب، وخلوها من الإضافة أو التجديد (راجع: الغماري الإمام الشوكاني مفسرًا ص ٥٣ - ٥٤)، وكان لهؤلاء المقلدين نفوذ كبير وسطوة واسعة في المجتمع (كما سنرى في الفقرات اللاحقة). (٣) انظر ص ٩٦، ٩٧، من هذا الكتاب أيضًا، د. عبد العزيز المقالح قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة بيروت: دار العودة (١٩٨٢) ص ٢١٨.

стр. 15

والخرافات أثناء عصور الإنحطاط "فكانوا بأفكارهم مدرسة أو مدارس تتخطى عصر كل منهم" (١). كما كان لفكرهم ومنهجهم التحرري، أثر واضح على شخصية الشوكاني وفكره فقد مهدوا له الساحة بأفكارهم المستنيرة (٢). وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها أولئك المصلحون والمجددون، إلا أن أفكارهم وآراءهم التحررية والإصلاحية لم يقدر لها أن تنتشر وتأتي بالثمار المرجوة منها ويمكن إرجاع ذلك من وجهة نظرنا، لعدة أسباب: ١ - انحصار فكر أولئك الرواد، داخل اليمن، وعدم انتشاره خارجها، بسبب موقع اليمن الجغرافي وبعده عن مركز الثقل والتأثير في المحيط العربي والإسلامي، ولعزلتها الفكرية والسياسية (٣) فظلت كتبهم _________ (١) المقالح: المصدر السابق. (٢) المقالح المصدر السابق، د. عبد الغني قاسم، الإمام الشوكاني حياته وفكره، صنعاء: مكتبة الجيل الجديد (١٩٨٨) ص ٣١، ١٥٨؛ د. العمري (حركة التجديد والإصلاح في اليمن في العصر الحديث) مجلة الاجتهاد (العدد ٩) خريف ١٩٩٠ ص ١٨٩؛ المؤرخون اليمنيون ص ٦٥. (٣) تشترك اليمن وعُمان في هذه الخصائص الجغرافية والسياسية والفكرية، فكلا المذهبين السائدين فيهما (الزيدية في اليمن والإباضية بعمان) لم يعتريهما حالة الجمود والركود الفكري التي أبتليت بها بقية أقطار العالم الإسلامي، لأن المذهبين - الزيدي، الأباضي - لم يعترفا بإغلاق باب الاجتهاد، وتمسكا بحرية الاجتهاد والفكر، وبرفض التقليد، ولذلك فقد استمر تواصل الإبداع والعطاء الفكري فيهما دونما إنقطاع، إلا أن اشتراك البلدين في الموقع الجغرافي وفي العزلة الفكرية والسياسية المفروضة عليهما، ساهم في إبقاء ذلك الفكر حبيس المنطقة الجغرافية "القصيَّة" وعدم انتشاره خارجها، ومن ثم عدم تأثيره، ليس في المرحلة موضوع دراستنا فحسب بل وفي المراحل السابقة عليها أيضًا.

стр. 16

حبيسة الخزائن والمكتبات اليمنية، ولم تنشر خارج اليمن وعلى نطاق واسع إلا مطلع هذا القرن على يد الشيخ محمد رشيد رضا. ٢ - المقاومة العنيفة - في الداخل - التي واجهت ذلك الفكر، كما واجهت دعاته والمبشرين به، من قبل المتعصبين وأنصار التقليد، الذين كانت لهم سطوة ونفوذ واسع في المجتمع، ووقوف السلطة - غالبًا - إلى جانبهم أو تحالفها معهم بهدف تأمين مصالح كلا الفريقين، واستمرار سيطرتهما وسيادتهما، التي لا يمكن استمرارها إلا بالإبقاء على الأوضاع السائدة (المتخلفة) وركود العلاقات الاجتماعية، فقد كانوا يرون في كل نزعة اصلاحية أو عقلية خطرًا عليهم، وتهديدًا لنفوذهم ومصالحهم، لذلك فقد قام المتعصبون بشن حملة دعائية مضادة لذلك الفكر الإصلاحي بهدف تشويهه في أذهان الناس وتنفيرهم عنه، وأيضًا بغية تقليصه والحد من انتشاره بفرض ما يشبه الحصار على ذلك الفكر، ورافق ذلك حملة من الإرهاب الفكري والمادي ضد هؤلاء النفر من المجتهدين. ٣ - كما كان لتردي الأحوال السياسية، إنعكاساتها السلبية على الأوضاع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بعامة، وعلى الحياة الفكرية بشكل خاص، فلم يتهيأ لليمن خلال هذه المرحلة - مرحلة عصر النهضة - أن تنعم بالسلام والعدل والاستقرار سوى فترات قصيرة متقطعة حتى تعود بعدها الفتن والثورات والحروب إلى الإندلاع من جديد، مع ما يترتب عليها من شيوع الاضطراب والفوضى، وغياب الأمن والاستقرار، بفعل عوامل وأسباب كثيرة نذكر منها: أ - الصراع على السلطة: بعد خروج العثمانين من اليمن عام (١٠٤٥ هـ)، واستكمال وحدتها في عهد المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (حكم اليمن من ١٠٥٤ -

стр. 17

١٠٨٧ هـ)، لم يستقر الوضع في اليمن بعد وفاته إلا فترة قصيرة دب بعدها التنافس والصراع على السلطة بين أفراد الأسرة القاسمية الحاكمة فأدى الحال بهم "إما إلى الاقتتال حتى يستسلم الضعيف للقوي، أو يتوزعون المناطق والمصالح مع من قد يعترفون آخر الأمر بسلطته الإسمية .. كما حدث على سبيل المثال، بعد عام ١١٢٧ هـ مع المنصور الحسين بن القاسم الشهاري [ت ١١٣١ هـ]، الذي لم يبق في حوزته إلا مخلاف شهارة وكحلان والسودة والشرفين، بعد أن اتفق مع أربعة من منافسيه من أبناء عمومته على تقسيم مناطق اليمن فيما بينهم" (١). وقد وصلت حدة التنافس والصراع على السلطة داخل الأسرة الحاكمة إلى الاقتتال بين الأبناء والآباء، كما حدث من خروج المنصور الحسين بن القاسم (ت ١١٦١ هـ) على والده الإمام المتوكل، القاسم بن الحسين بن أحمد بن الحسن (ت ١١٣٩ هـ)، وقد سعى في الصلح بينهما محمد بن إسماعيل الأمير (٢). وخروج المتوكل أحمد بن علي (ت ١٢٣١ هـ) على والده المنصور علي بن المهدي (ت ١٢٢٤ هـ)، واستأثر بالسلطة دونه، وقد تدخل في الصلح بينهما الإمام الشوكاني على أن يتسلم الابن السلطة الفعلية من أبيه (٣). ب - قد لا تتحقق في بعض الأئمة أهليته للحكم بحسب شروط وقواعد الإمامة في الفكر السياسي الزيدي - وغالبًا ما يكون وصول مثل هذا _________ (١) د. حسين العمري حركة التجديد والإصلاح في اليمن مرجع سابق ص ١٧٦؛ زبارة نشر العرف في نبلاء اليمن بعد الألف، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث (د. ت) ١/ ٦٠١ - ٦١٦. (٢) زبارة، نشر العرف ٣/ ٣٧ - ٣٩. (٣) الشوكاني البدر الطالع ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧؛ محمد بن الحسن الشجني (ت ١٢٦٨ هـ) التقصار تحقيق: محمد بن علي الأكوع، صنعاء: مكتبة الجيل (١٩٩٠) ص ٤٥ - ٤٧.

стр. 18

الشخص إلى الحكم بطريق القهر والغلبة وليس بطريق العقد والاختيار، فيسرف في الظلم والاستبداد مما يسبب اندلاع حركات المقاومة والثورة ضد حكمه. ج - محاولات القوى الخارجية السيطرة على اليمن، إذ حاولت الحركة الوهابية مد نفوذها ونشر دعوتها إلى اليمن، فاحتلت المخلاف السليماني عام ١٢١٧ هـ، ثم واصلت زحفها حتى استولت على جزء كبير من تهامة حتى الحديدة وزبيد وحيس (١)، ومنذ عام ١٢٤٨ هـ ١٨٣٢ م، فقد الإئمة سيطرتهم على عدن، واستقل بحكمها سلطان لحج ثم احتلها الإنجليز عام ١٢٥٤ هـ ١٨٣٩ م، ثم شهدت اليمن عودة الأتراك إلى السواحل اليمنية عام ١٢٦٥ هـ، وتمكنوا من الاستيلاء على صنعاء بعد عقدين من الزمان (٢). ٤ - كما أن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية عما سبق، وهو عدم إنتشار التعليم على نطاق واسع في صفوف الشعب، وتمركزه في بعض المدن، كصنعاء، وصعدة، وذمار، وشهارة وكوكبان وزبيد، وانحصار التعليم في هذه المدن في بعض الأسر والبيوتات التي تتوارث احتكار التعليم واحتكار وظائف الدولة. كما أن نظام التعليم في العالم الإسلامي بعد ظهور التجزئة السياسية وظهور الدويلات المتعددة، قد ارتبط بالدولة، بغرض إعداد العناصر الكافية من المتعلمين لتسيير وظائف وأجهزة الدولة، وأيضًا للسيطرة على مناهج التعليم بحيث تتضمن تلك المناهج، غرس الولاء والطاعة في _________ (١) الشوكاني: البدر الطالع ١/ ٢٤٠ - ٢٤١؛ ٢/ ٨٠٧؛ الشجني: التقصار ص ٣٦ - ٤٠، ٣٥٣. (٢) د. حسين العمري، حركة التجديد والإصلاح في اليمن، مجلة الاجتهاد (مرجع سابق) ص ١٧٧.

стр. 19

نفوس أولئك المتعلمين لتلك الدولة والتزامهم بنهجها السياسي وفكرها المذهبي … إلخ. ونتج عن ذلك إرتباط مصلحة "النخبة" المتعلمة بالدولة، ووفّر للسلطة فرصة استيعابهم وإخضاعهم لخدمة مقاصدها كما سهل عليها أيضًا إمكانية قمع تلك النخبة إذا تعارضت غاياتها مع غايات السلطة. مما أدى إلى عزلة تلك "النخبة" وانفصالها عن الحياة العامة والواقع والمجتمع الذي تنتشر في صفوفه الأمية والجهل والخرافة، فهي (أي النخبة) مشغولة إما بمصالحها الخاصة مثل تولي الوظائف العامة في الدولة أو التدريس والإفتاء .. أو بعكوفها في مجالسها الخاصة أو مجالس العلم على البحث والنقاش في مسائل تاريخية أو أدبية، أو مقولات نظرية عقيمة لا صلة لها بالواقع، ولا ينتج عنها سوى جدلًا لا يتناهى. مؤلف هذا الكتاب: هو شيخ الإسلام القاضي محمد بن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ) العالم الموسوعي المجتهد والمجدد، والمفسر، والمحدث، والفقيه والأصولي والمؤرخ والأديب والشاعر والمحقق والناقد والفيلسوف … إلخ (١). فهو كما نرى من الأوصاف السابقة التي أطلقها عليه مترجموه وتؤكدها مؤلفاته الكثيرة في كل هذه الفنون أحد أعلام الفكر الإسلامي المعروفين في العصر الحديث، وهو أشهر من أن نترجم له أو نُعَرِّف به في هذه العجالة، _________ (١) كحالة، معجم المؤلفين ١١/ ٥٣ د. العمري: الإمام الشوكاني مصلحًا، مجلة العربي عدد (٣٠٠) محرم ١٤٠٤ هـ ص ١٢٥ - ١٢٨، د. محمد مصطفى بلحاج التحرر الفكري والمذهبي عند الإمام الشوكاني، مجلة دراسات يمنية، العدد (٤٠) ربيع ١٩٩٠ ص ٢٤٨.

стр. 20

فقد ترجم المؤلف ﵀ لنفسه في كتابه البدر الطالع ٢/ ٢١٤ - ٢٢٥ ترجمة وافية ومفيدة. كما إن كتاب البدر الطالع، بالإضافة إلى تلك الترجمة، قد حوى صورًا متعددة من حياته الشخصية وتجاربه وعلاقاته الاجتماعية، ذكرها في معرض تراجمه لشيوخه وزملائه وعلماء وقادة عصره لا تقل أهمية عما ذكره في ترجمته لنفسه. وقد حظيت شخصية الشوكاني وأعماله - ولا تزال حتى الآن - باهتمام واسع سواء أثناء حياته أو بعد وفاته، فكان بذلك أول عالم يمني تخطى شخصيته بقسط وافر من التقدير والاهتمام. كما ترجم له العديد من زملائه وتلاميذه ومعاصريه نذكر منهم: تلميذه محمد بن الحسن الشجني، الذي أفرد له كتابًا مستقلًا ترجم فيه لحياته وشيوخه وتلاميذه أسماه: (التقصار في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار .. ) وقد نشر الكتاب بتحقيق القاضي محمد بن علي الأكوع عام ١٩٩٠؛ وترجم له تلميذه لطف الله بن أحمد حجاف في كتابه "دور نحور الحور العين. . ."؛ وترجم له الحسن بن أحمد عاكش الضمدي في كتابه "حديقة الزهر في تراجم القرن الثالث عشر" وإبراهيم أحمد الحوثي، في نفحات العنبر لفضلاء اليمن في القرن الثالث عشر" (١) وغيرهم. كما نشرت عن الشوكاني، أو عن جوانب من شخصيته وفكره أكثر من بحث علمي ورسالة جامعية (٢)، وأيضًا فإنه لا يخلوا أيًا من كتبه المطبوعة - _________ (١) نشر الدكتور حسين العمري بعضًا من هذه التراجم في مجلة دراسات يمنية العددين ١٣، ١٤ (١٤٠٣ - ١٤٠٤) بعنوان: الإمام الشوكاني في تراجم معاصريه. (٢) فيما يلي بعضًا من تلك الأبحاث: ١ - إبراهيم توفيق أبو بكر الديب الشوكاني المفسر (رسالة دكتوراه) جامعة الأزهر (١٩٧٧). =

стр. 21

وخاصة المحققة منها - من ترجمة مستفيضة له، وقد انعقدت في صنعاء في الفترة من ١٧ - ١٩ فبراير ١٩٩٠ ندوة عن الإمام الشوكاني اشترك فيها مجموعة من الباحثين بأبحاث متعددة تناولت مختلف جوانب حياة الشوكاني وفكره (١). ولذلك فإننا سنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض ملامح شخصية الشوكاني، والتي لها علاقة مباشرة بموضوع هذا الكتاب: _________ = ٢ - محمد حسن الغماري الإمام الشوكاني مفسرًا (رسالة دكتوراه) جامعة أم القرى (١٩٨١). ٣ - أحمد حافظ الحكمي الإمام محمد بن علي الشوكاني، أديبًا وشاعرًا؛ الرياض: المطابع الأهلية (د. ت). ٤ - قاسم غالب، محمود زايد، من أعلام اليمن: شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني، القاهرة: مطابع الأهرام التجارية (١٩٦٩). ٥ - عبد الغني قاسم، الآراء التربوية لمحمد بن علي الشوكاني (رسالة دكتوراه): وقد نشرت هذه الرسالة تحت عنوان الإمام الشوكاني حياته وفكره، صنعاء: مكتبة الجيل (١٩٨٨). ٦ - إبراهيم هلال، الإمام الشوكاني والاجتهاد والتقليد، القاهرة: دار النهضة العربية (١٩٧٩). ٧ - وللدكتور حسين العمري كتابًا تحت الطبع بعنوان: "الإمام الشوكاني فقهه وفكره" ذكره في كتابه: المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث ص ٦٩ هامش رقم ٢) (*). ٨ - وقدَّم باحث عراقي: علاء الدين القيسي رسالة ماجستير إلى كلية العلوم الإسلامية جامعة بغداد بعنوان: الشوكاني ومنهجه في التفسير، ويعد حاليًا باحث أمريكي من أصل لبناني: برنار هيكل رسالة علمية عن فكر الشوكاني. وأثناء طبع هذا الكتاب نُوقشت بجامعة صنعاء في ٢٠/ ٧/ ٩٤ رسالة ماجستير تقدم بها الأستاذ عبد الملك منصور بعنوان: الشوكاني فقيهًا". (*) صدر كتاب الدكتور العمري بعنوان: "الإمام الشوكاني رائد عصره: دراسة في فقهه وفكره" ولم أطلع عليه إلا بعد تقديم هذا الكتاب للطبع، فلم أتمكن من الإفادة منه.

стр. 22

١ - ذكاؤه وتعدد مواهبه: أسهمت في تكوين شخصية الشوكاني وفي تكوينه النفسي والفكري عوامل عديدة، فبالإضافة إلى طموحه وحبه للعلم والجد في تحصيله بهمة عالية وعزيمة قوية فقد كان من أهم تلك العوامل: ذكاؤه الحاد، وتعدد مواهبه واهتماماته، وقد تجلى ذلك، في مقدرته وسرعة إستيعابه للكثير من العلوم والمعارف العامة، في وقت قصير وفي مرحلة مبكرة من عمره، فأثناء تلقيه لتعليمه الأولي في "المكتب" (١): حفظ إلى جانب القرآن "متن الأزهار للإمام المهدي، ومختصر الفرائض للعصيفري والملحة للحريري والكافية والشافية لابن الحاجب، والتهذيب للتفتزاني والتلخيص للقزويني والغاية لابن الإمام وبعض مختصر المنتهى لابن الحاجب، ومنظومة الحريري ومنظومة الجزار في العروض، وأدب البحث للعضد، ورسالة الوضع له أيضًا، وكان حفظه لهذه المختصرات قبل الشروع في الطلب وبعضها بعد ذلك، ثم قبل شروعه في الطلب كان كثير الاشتغال بمطالعة كتب التواريخ ومجاميع الأدب من أيام كونه في المكتب فطالع كتبًا عِدَّة ومجاميع كثيرة" (٢). وهذه العلوم والمعارف، كما نرى، لا يتلقاها الطلاب في هذه المرحلة الدراسية المبكرة، كما إن الطالب العادي يحتاج لاستيعابها عدة سنوات بعد تجاوزه لمرحلة التعليم الأولي في "المكتب". وقد أتاح له ذكاؤه _________ (١) "المكتب" أو "الكتَّاب" هو المكان الذي يتعلم فيه التلميذ مبادئ القراءة والكتابة والحساب وقراءة القرآن الكريم وغالبًا ما يكون ذلك على يد معلم واحد، فهو أشبه ما يكون بالمرحلة الابتدائية الآن. ثم ينتقل الطالب، الراغب في مواصلة تعليمه إلى حلقات العلم في المساجد لحفظ وقراءة المتون والشروح المتعلقة بعلوم الشريعة واللغة .. إلخ. (٢) البدر الطالع ٢/ ٢١٥.

стр. 23

واستيعابه المبكر لهذه العلوم، وثقافته الذاتية الواسعة، أن يقوم - أثناء دراسته - بتدريس زملائه الذين يدرسون معه: "كان يقرأ على مشايخه فإذا فرغ من كتاب قراءة أخذه عنه تلامذته، بل ربما أجمعوا على الأخذ عنه قبل أن يفرغ من قراءة الكتاب على شيخه" (١). وأهلته ثقافته الواسعة تلك على البدء بتحرير أبحاثه ومؤلفاته وهو في هذه السن المبكرة (مرحلة الطلب)، إما ليجيب بها على أسئلة واستفسارات طلابه، أولمشاركة أهل العلم في التعقيب على آرائهم في المسائل التي كانت مدار بحثهم (أدب الطلب ص ١٧٣ - ١٧٤)، وأيضًا بدأ بإفتاء العامة من أهل صنعاء وغيرهم "وكان في أيام قراءته على الشيوخ، وإقرائه لتلامذته، يفتي أهل مدينة صنعاء وغيرها .. من نحو العشرين من عمره فما بعد ذلك (٢). وساعده ذكاؤه أيضًا على اختصار الوقت والجهد في إنجاز أبحاثه ومصنفاته، فقد ذكر تلميذه محمد بن الحسن الشجني عن طريقته في القراءة والبحث إنه "كان ينظر فيها (أي في المراجع) ويحفظ معانيها ويستغني بأول نظر لسبق تحقيق المعنى في فكرته ثم يحرِّر ما يراه عن عفو القريحة" (٣). ٢ - تفرغه للعلم: وكما دفعه حبه للعلم إلى الجد في تحصيله، فقد دفعه كذلك إلى أن يتفرغ له تفرغًا كليًا، مكرسًا كل طاقته ووقته للعلم دارسًا، ومدرسًا وباحثًا ومجتهدًا … ولم ينشغل بأي شيء سواه "وكان منجمعًا عن بني الدنيا، لم يقف بباب أمير ولا قاض ولا صحب أحدًا من أهل الدنيا، ولا خضع لمطلب من مطالبها، بل كان منشغلًا في جميع أوقاته بالعلم درسًا وتدريسًا وإفتاءًا _________ (١) البدر الطالع ٢/ ٢١٨، أدب الطلب ص ٩٨، ٩٩، ١٧٣ - ١٧٤. (٢) البدر الطالع ٢/ ٢١٩. (٣) الشجني التقصار ص ٢٠٢.

стр. 24

وتصنيفًا عائشًا في كنف والده راغبًا في مجالسة أهل العلم والأدب وملاقاتهم والإفادة منهم" (١). وساعده على ذلك تشجيع والده علي بن محمد الشوكاني (ت ١٢١١ هـ) ورعايته له - كما ذكر الشوكاني سابقًا - فقد هيأ له كل الوسائل اللازمة للتفرغ لطلب العلم وأعانه عليه، ووفر له ما يحتاج إليه، فجنَّبه بذلك همّ التفكير والبحث عن أسباب معشيته أو الاشتغال بها، ومما قاله المؤلف عن والده: "لقد بلغ معي إلى حدٍّ من البر والشفقة والإعانة على طلب العلم والقيام بما أحتاج إليه مبلغًا عظيمًا بحيث لم يكن لي شغلة بغير الطلب فجزاه الله خيرًا وكافأه بالحسنى. . ." (٢). وبعد أن انتهى الشوكاني من دراسته على يد شيوخه، واستوفى بذلك جميع ما عندهم، تفرغ للتدريس والبحث والتأليف، فكان الطلبة يأخذون عنه في كل يوم، زيادة على عشرة دروس (٣) من فنون متعددة، وقد أتاحت له ثقافته الموسوعية أن يدرس طلبته بالإضافة إلى العلوم المألوفة علومًا أخرى لم تكن تدرّس في ذلك الوقت: "بل أخذوا عنه في فنون دقيقة لم يقرأ في شيء منها [على شيوخه] كعلم الحكمة التي منها العلم الرياضي والطبيعي والإلهي وكعلم الهيئة وعلم المناظر وعلم الوضع" (٤). ولذا كانت المرحلة الأولى من حياته حتى بلوغه السادسة والثلاثين من عمره وهي المرحلة السابقة على توليه منصب القضاء الأكبر في اليمن، هي أخصب المراحل في حياته وأكثرها عطاءًا فقد استطاع خلالها إستيعاب ثقافة وعلوم عصره، بل _________ (١) البدر الطالع ٢/ ٢٢٤. (٢) البدر الطالع ١/ ٤٨٤. (٣) المصدر السابق ٢/ ٢١٩. (٤) المصدر السابق ٢/ ٢١٩.

стр. 25

وتمكن كذلك من تجاوزها والإضافة إليها إذ أنه "ترك التقليد واجتهد رأيه اجتهادًا مطلقًا غير مقيد وهو قبل الثلاثين" (١) وألف في هذه المرحلة معظم كتبه أو ابتدأ في الاعداد لها كما يتضح من الفقرة اللاحقة، ولهذا فقد جاء توليه القضاء الأكبر في اليمن عام ١٢٠٩ هـ وهو في السادسة والثلاثين من عمره، بمثابة كارثة بالنسبة له، لأن أعباء منصبه قد أخذت عليه معظم وقته وشغلت فكره، وأبعدته عن المجال والمحيط الذي يحبه ويألفه كما يحكي ذلك عن نفسه: "بل إنثال عَلَيّ الناس من كل محل فاستغرقت في ذلك جميع الأوقات إلا لحظات يسيرة، قد أفرغتها للنظر في شيء من كتب العلم أو لشيء من التحصيل وتتميم ما قد كنت شرعت فيه واشتغل الذهن شغلة كبيرة وتكدر الخاطر تكدرًا زائدًا (٢). ." ولم تقف مسؤلياته عند القضاء فحسب، بل أضاف إليه مسئولية الإشراف على إدارة الشئون الخارجية لليمن، فقد كان يطلع على المراسلات الخارجية الموجهة إلى الإمام من الزعماء ورؤساء الدول ويتولى بنفسه الرد عليها إما باسمه أو باسم الأئمة الذين عاصرهم (٣)، وكذلك اشركه الأئمة في الإشراف على السياسة الداخلية وخاصة منذ أيام المتوكل أحمد بن علي (تولى الحكم من ١٢٢٤ - ١٢٣١ هـ) الذي لم يكن يصدر أي أمر من أمور مملكته حتى يرسل وزيره الفقيه علي بن إسماعيل فارع يشاور فيه "شيخ _________ (١) المصدر السابق ٢/ ٢٢٤. (٢) البدر الطالع ١/ ٤٦٥. (٣) لم يكتف الشوكاني بالاطلاع على تلك الرسائل والرد عليها فقط، بل عمل على تدوين نصوص تلك الرسائل في مذكراته الخاصة، وقد نشر الدكتور صلاح رمضان محمود، بعض هذه الرسائل بعنوان: "ذكريات الشوكاني: رسائل المؤرخ اليمني محمد علي الشوكاني، عدن: وزارة الثقافة (١٩٨٣)، انظر كذلك: التقصار ص ٣٥ وما بعدها.

стр. 26

الإسلام ويعمل بما يراه. . ." (١). ولكن برغم انشغاله بهذه المهام والأعباء الكبيرة، فإنه لم يترك التدريس أو القراءة والتأليف "ولم يدع الاشتغال بالعلم وإن كان اشتغاله الآن [أي بعد توليه القضاء] بالنسبة إلى ما كان عليه ليس شيئًا" (٢). فقد قسم وقته بحيث يلائم بين واجبات عمله وبين التدريس والبحث، كما يقول تلميذه الشجني إذ خصص أول النهار (منذ انبلاج الضوء إلى ارتفاع الشمس) لتدريس طلابه، ويجعل بقية يومه لعمله، ويخصص الشطر الأول من الليل للقراءة والتأليف. . ." (٣)، ومع أن هذا الوقت المخصص للقراءة والبحث محدودًا، وقد ينشغل في أكثر الليالي بهموم عمله إلا أنه بفضل ما حَباهُ الله به من الموهبة والذكاء، كان ينجز في هذه الساعات القليلة من الكراريس ما يعجز الناسخ الذي يتولى تبييض مسودات تلك الأبحاث التي يحررها الشوكاني في المساء، عن إتمام تبييضها بالرغم من تفرغ الناسخ لهذا العمل (٤) ومما يؤكد ما ذكره الشجني، عن قدرات ومواهب شيخه، أن الشوكاني قد جمع مادة كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" في أربعة أشهر وليال (٥)، وهو كتاب ضخم يقع في مجلدين ترجم فيه لـ (٦١٠) شخصية من مشاهير العلماء والسياسيين منذ بداية القرن الثامن الهجري وحتى عصره. _________ (١) الشجني/ التقصار ص ٤٢٦. (٢) البدر الطالع ٢/ ٢٢٤. (٣) الشجني/ التقصار ص ٧٤. (٤) الشجني/ التقصار ص ٤٢٦. (٥) قال الشوكاني في خاتمة البدر الطالع "وكان مدة جمعه نحو أربعة أشهر وليال يسيرة وأكثر الأيام يعرض الشغل فلا يمكن تحرير شيء" البدر الطالع ٢/ ٣٧٥.

стр. 27

٣ - قوة شخصية الشوكاني: أشرنا فيما سبق إلى أن دعوة الشوكاني الإصلاحية - شأنه في ذلك شأن دعاة الإصلاح في كل زمان ومكان - واجهت أو لقيت مقاومة عنيفة من قبل أنصار الجمود والتقليد الذين يرون في كل دعوة إصلاحية خطرًا عليهم وتهديدًا لنفوذهم ومصالحهم، ولكنه استطاع بعزيمته وقوة شخصيته (١)، أن يواجه كل الصعاب التي تقف في طريق دعوته فلم ترهبه أو تفت في عضده حملات الإرهاب المادي والمعنوي التي شنها عليه مقلدة ومتعصبي عصره فلم تنل حملاتهم الظالمة من معنوياته أو تؤثر فيه كما أثرت على كثير من المجددين والمصلحين الذين سبقوه، فقد دفعت بالبعض منهم إلى الابتعاد عن المواجهة أو الإنعزال عن المجتمع كما فعل الحسن بن أحمد الحلال (ت ١٠٨٤ هـ) وصالح بن مهدي المقبلي (ت ١١٠٨ هـ) كما قال عنهما الشوكاني: "إنهما نالا من المحن والعداوة من أهل عصرهما ما حمل الأول على الاستقرار في هجرة الجراف منعزلًا عن الناس، وحمل الثاني على الارتحال إلى الحرم الشريف والاستقرار فيه حتى توفاه الله تعالى" (٢)، فقد كان لهؤلاء المقلدة سطوة كبيرة ويتمتعون بمقدرة هائلة على التأثير في القبائل اليمنية وتهييجها وحشدها ضد من يخالفهم أدنى مخالفة، ولا أدل على ذلك من مقدرتهم - كما يفيد الشوكاني - على إرغام المهدي عباس، وهو أحد حكام اليمن الأقوياء (حكم اليمن من ١١٦١ هـ - ١١٨٢ هـ) على _________ (١) انظر صورًا ونماذج عن شجاعته ورباطة جأشه في: التقصار ص ٢٨ - ٣٢، ٤٢٠ - ٤٢٢ وقد حفل كتاب الشوكاني "أدب الطلب" بذكر العديد من حملات الإرهاب التي شنها عليه خصومه من مقلدة ومتعصبي عصره، فلم تؤثر عليه، راجع ص ١٠٠ - ١٠٣، ١٥٢ - ١٥٤ من هذا الكتاب. (٢) أدب الطلب ص ٩٦ - ٩٧؛ أيضًا: صالح محمد صغير مقبل، محمد بن علي الشوكاني وجهوده التربوية ص ١٤٩.

стр. 28

التراجع عما كان أظهره من العمل ببعض السنن في الصلاة وكاد بسببها أن يخسر ملكه (أدب الطلب ص ٢٤٧ - ٢٤٩). ٤ - دور الشوكاني في حركة الإحياء والتجديد: كانت المهمة الكبرى أمام دعاة الإصلاح من رواد عصر النهضة، ومنهم الشوكاني، هو العمل على تجديد وإحياء الفكر العربي الإسلامي، بتبنيهم للدعوة للاجتهاد وإعمال العقل وتحريره من قيود التقليد والتعصب، ليسترد العقل العربي عافيته ومقدرته على التفكير والإبداع، بغية إخراج الفكر العربي والإسلامي من محنته، وتجاوز أزمته المستعصية التي ألمَّت به وتسببت في ركوده وجموده، منذ شيوع الدعوة للتقليد وإغلاق باب الاجتهاد، وأدت إلى انتشار التواكل والاسترخاء والكسل العقلي، واكتفاء الخلف باجترار ما قرره السلف في العلوم الشرعية، وانتهت بتعطيل وظيفة العقل وشل فاعليته على التفكير الصحيح ومن ثم عجزه عن الإضافة والتجديد، فعم التخلف والجمود كل مناحي الحياة. فقد استأثرت هذه المسألة باهتمام الشوكاني، وشغلت تفكيره وكانت بمثابة "الفكرة المحورية" التي تدور حولها معظم كتاباته وآرائه (١)، وكرس لها معظم فكره وجهده (من خلال التأليف والتدريس) فلا يكاد يخلو كتابًا من كتبه من التشنيع على التقليد والمقلدين والدعوة إلى الاجتهاد وأعمال العقل (٢). محاولا إزالة كل الأوهام والعقبات التي تحول دون الاجتهاد، _________ (١) انظر: د. سعيد إسماعيل علي، أدب البحث العلمي عند الإمام الشوكاني، مجلة "الأمة" قطر: رئاسة المحاكم الشرعية العدد (٧٢) ٨/ ١٩٨٦ م ص ٣٣؛ عبد الغني قاسم الإمام الشوكاني حياته وفكره ص ٢٨٠ وما بعدها. (٢) انظر على سبيل المثال تفسيره (فتح القدير) ١/ ١٦٧ - ١٦٨، ٥٢٦ - ٥٢٧؛ ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، ٢٣، ٣٥٣ - ٣٥٤؛ ٣/ ٤١٢، ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣؛ انظر نماذج من شعره في ذم التقليد والمقلدين في قطر الولي ص ٣٣٠ - ٣٣٥.

стр. 29

ومناقشة كل المبررات والحجج التي يرفعها أنصار التقليد ليدلل على ضعفها وتفاهتها. فبالإضافة إلى الكتب والرسائل المستقلة التي أفردها لهذا الغرض (سيأتي ذكرها) فقد ألف كتابه التاريخي "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" الذي أورد فيه تراجم المشاهير من العلماء الذين بلغوا مرتبة الاجتهاد في العالم الإسلامي عامة واليمن خاصة، ليدحض بذلك حجة أنصار التقليد القائلة بانحصار الاجتهاد في السلف دون الخلف وتعذر الاجتهاد أو المجتهدين بعد القرن السادس الهجري. قال الشوكاني بعد عرض مقولة أنصار التقليد .. "حداني ذلك إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء من أهل القرن الثامن ومن بعدهم .. إلى عصرنا هذا ليعلم صاحب تلك المقالة أن الله وله المنة قد تفضل على الخلف كما تفضل على السلف، بل ربما كان في أهل العصور المتأخرة من العلماء المحيطين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها من يقل نظيره من أهل العصور المتقدمة" (١). أما مؤلفاته ورسائله التي خصصها للحث على الاجتهاد ونبذ التقليد فكثيرة نذكر منها: - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. - القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد. - بغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد. - ومنها: هذا الكتاب موضوع تحقيقنا "أدب الطلب". هذا الكتاب: قبل أن نعرِّف بكتاب الشوكاني لا بد أن نقف وقفة قصيرة نتعرف من _________ (١) الشوكاني البدر الطالع ١/ ٢ - ٣.

стр. 30

خلالها على الموضوع أو الفن الذي يدخل هذا الكتاب في إطاره مع الإشارة إلى نشأة هذا الفن وأهم مؤلفات ورسائل علماء الإسلام الذين سبقوا الشوكاني إلى التأليف فيه لنعرف من خلالها ما أضافه الشوكاني وتفرد به عمن سبقه: من المعروف أن نطاق المعرفة والثقافة العربية في الفترة السابقة على ظهور الإسلام، وخاصة في أواسط الجزيرة العربية، كانت محدودة، ومتمثلة في الشعر، وتاريخ العرب وأيامهم ووقائعهم وأنسابهم وعاداتهم وتقاليدهم … إلخ، وكانت الوسيلة لتوثيق هذا التراث وتداوله عبر الزمان والمكان هو "الحفظ" و "الرواية" التي كان اعتمادهم عليها أكثر من اعتمادهم على التدوين فقد يتخصَّصُ بعض الأشخاص في حفظ ورواية جانب معين من هذا التراث فالذي يحفظ أنساب القبائل العربية يسمى "النسَّابة" والذي يحفظ شعر أحد الشعراء ويقوم برواية شعره ونشره يسمى "الراوية"، أما الذي يُعنى بحفظ أو بمعرفة تاريخ العرب وأيامهم وسير وأخبار ملوكهم وزعمائهم فيسمى "الإخباري" … وقد استمرت هذه الوسيلة حتى ظهور الإسلام وجانب من تأريخ صدر الإسلام، وبمجيء الإسلام الذي فتح أمام العرب والثقافة العربية آفاقًا واسعة وأمدّها بعلوم ومعارف متعددة، سواء ما كان منها متعلقًا بالدين نفسه، كالقرآن وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه، وأصول الدين (علم الكلام) .. إلخ، أو المعارف والفنون الأخرى الناتجة عن الاحتكاك والتفاعل الحضاري مع حضارات الأمم والشعوب التي دخلت في الإسلام، أو المجاورة له، ونتيجة لهذا الاتساع والتنوع المعرفي لم تعد طريقة (الحفظ والرواية) كافية لاستيعاب هذا الكم الهائل من المعرفة، اتجه العرب إلى (الكتابة والتدوين) كأداة لتوثيق ونشر الثقافة، بالإضافة إلى أن الإسلام نفسه

стр. 31

قد أعلى من شأن العلم والقراءة والكتابة، إذ كان أول ما نزل من الوحي والقرآن "إقرأ. ." وحث المسلمين كذلك على نشر الإسلام وتبليغه للناس، وشرح تعاليمه وأحكامه لهم. فأدى ذلك إلى إزدهار الحركة العلمية والفكرية، وأزدهرت كذلك حركة "التدوين" و "التأليف" واتسع نطاقها، وخاصة بعد منتصف القرن الثاني الهجري، مما جعل الحاجة ماسة إلى وضع القواعد والضوابط التي تنظم عملية التدوين والتأليف، وتنظم كذلك طريقة عمل العلماء والمشتغلين بالمجال العلمي، فظهرت نوعين من تلك القواعد أو المناهج: الأولى: "المناهج أو الأصول العلمية": وتعنى بوضع المعايير والضوابط المنظمة لعملية التوثيق والتدوين أولًا، وتضع الأصول والمناهج المنظمة لعملية البحث والنظر والاستدلال والاستنباط "الاجتهاد" ثانيًا، كما تعنى كذلك بضبط مصطلحات العلم وحدوده، بهدف توخي الدقة والموضوعية في عملية التأليف والاجتهاد، وكبح جماح الأهواء والعواطف الذاتية، وتُجنب العلماء والباحثين من الوقوع في الخطأ والزلل (١). وابتدأت ملامح المنهج العلمي تتضح وتنموا شيئًا فشيئًا، حتى تكاملت وانتظمت وأصبح لكل فرع من فروع المعرفة، قواعده وأصوله الخاصة به كالحديث والفقه واللغة والتفسير والفلسفة … إلخ. _________ (١) يُعرِّف البعض "أصول الفقه" بأنه: "المنهاج أو القانون الذي يعصم الفقيه (المجتهد) من الخطأ في الاستدلال واستنباط الأحكام" شأنه في ذلك شأن قواعد اللغة العربية (النحو) التي تعصم اللسان من الخطأ في الكلام، والمنطق، الذي يعصم ذهن الفيلسوف من الخطأ في التفكير" علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، بيروت: دار النهضة العربية (١٩٨٤) ص ٨٠؛ علي أحمد الندوي، القواعد الفقهية مفهومها، نشائها، دمشق: دار القلم (١٩٨٦) ص ٥٩؛ حامد محمود إسماعيل أصول الفقه الإسلامي، القاهرة (١٩٨٣) ص ٢٢٣ - ٢٢٤.

стр. 32

الثانية: "المناهج أو القواعد العملية": وتعنى بوضع الأسس والضوابط التي تنظم طريقة مزاولة العاملين في المجالات العلمية والعملية لعملهم، وتضع المعايير والأصول "الأخلاقية" التي يجب على كل منهم التحلي بها والتزامها في ممارسته لعمله، بالإضافة إلى وضع القواعد والإرشادات العملية الكفيلة بأداء وإنجاز ذلك العمل على الوجه الأكمل وبأيسر الوسائل والطرق، وتهدف هذه المناهج والقواعد إلى إرساء وترسيخ التقاليد والقيم الحضارية، في كل المجالات والتخصصات وعدم تجاوز العاملين بها المبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها. وقام العلماء بوضع الكثير من الرسائل والمؤلفات المتضمنة لمثل هذه القواعد العملية، تحت عنوان: "الأدب (١) الأداب العامة المتضمنة لقواعد الأخلاق والسلوك" مثل: آداب الجهاد، آداب القضاء، أدب الكاتب، أدب الوزير، أدب النديم، والآداب السلطانية، وأدب الفقيه والمتفقه، وأدب المفتي والمستفتي، وأدب الجدل والمناظرة، أو آداب البحث والمناظرة، وآداب الدرس أو آداب العالم والمتعلم (٢) .. إلخ. _________ (١) الأدب هنا بمعنى التحضر والدماثة والتهذب، اكتساب رياضة النفس وتلقين محاسن الأخلاق، وأقرب تعريف له نجده عند كارلو نالينو: "هو المنهج الواجب سلوكه في فن من الفنون أو العلوم أو عمل من الأعمال"، نالينو تاريخ الآداب العربية من الجاهلية إلى العصر الأموي، القاهرة: دار المعارف (١٩٧٠) ص ٣٥؛ أيضًا ابن منظور لسان العرب مادة (أدب)؛ المعلم بطرس البستاني قطر المحيط ١/ ١٦؛ دائرة المعارف الإسلامية، القاهرة دار الشعب (د. ت) ٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠ إدريس الناقوري المصطلح النقدي في نقد الشعر. .، طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع (ط ٢/ ١٩٨٤) ص ٦٥ - ٦٦؛ انظر أيضًا مقدمة الدكتور إبراهيم السامرائي لهذا الكتاب ص ٩ - ١٣. (٢) للمزيد من التفاصيل عن هذه الموضوعات راجع: طاش كبري زادة، مفتاح السعادة .. تحقيق: كامل بكري، وعبد الوهاب أبو النور، القاهرة: دار الكتب الحديثة: (د. ت) ١/ ٣٠٣ وما بعدها، وقد وضع حاجي خليفة هذه المواد تحت =

стр. 33

وهذا الكتاب "أدب الطلب. . ." - موضوع تحقيقنا - واحد من المؤلفات الكثيرة التي حفل بها تراثنا الإسلامي في آداب "التعليم والمتعلمين"، فقد اهتم علماء المسلمين بكل ما يتعلق بالعلم والتعليم وأولوه عناية فائقة لما له من الأهمية من تطور وازدهار الحياة العلمية والفكرية، وباعتباره أداة لتطور ونمو كافة العلوم والفنون، ونقلها من الخلف إلى السلف، ووسيلة لتوسيع مدارك الإنسان وتنمية مهاراته وتكوين شخصيته .. إلخ. وقد بدأ العلماء والفلاسفة بوضع تلك القواعد العملية المتعلقة بالعلم والتعليم كمباحث أو فصول متفرقة ضمن كتب الفقه والحديث وعلم الكلام، وكتب الوعظ والإرشاد، أو ضمن مجاميع الأدب (المشتملة على عدة فنون كالعقد الفريد مثلًا) وضمن كتب الآداب العامة المتعلقة بقواعد الأخلاق والسلوك، ثم أفردت لها رسائل وكتب مستقلة نشير فيما يلي إلى بعض ما نشر منها: - محمد بن سحنون (ت ٢٥٦ هـ) آداب المتعلمين (١). - أبو الحسن علي بن محمد القابسي (ت ٤٠٣ هـ): الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين. - ابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ): جامع بين العلم وفضله وما ينبغي من روايته وحمله وله أيضًا آداب المجالسة (مخطوط). - أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): أفرد له بابًا في كتابه إحياء علوم الدين _________ = عنوان "الشعبة الثانية في العلوم التي تعصم عن الخطأ في المناظرة والدرس" حاجي خليفة كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، بيروت: دار إحياء التراث (د. ت) ١/ ٣٨ - ٤٩. (١) نشرت في تونس (١٣٤٨ هـ) وأعاد نشرها مع رسالة القابسي، أحمد فؤاد الأهواني، في كتابه: التربية في الإسلام، القاهرة: دار المعارف (د. ت) ص ٢٣٠ وما بعدها.

стр. 34

وهو: "كتاب العلم" (١)، ورسالة بعنوان: "أيها الولد". - الزرنوجي (ت ٥٩١ هـ) تعليم المتعلم طريق التعلم (طبعت في اسطنبول سنة ١١٩٢ هـ). - نصير الدين الطوسي (ت ٦٧٢ هـ): آداب المتعلمين (٢). - ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ): تذكرة السامع والمتكلم في آداب السامع والمتعلم (٣). - طاش كبرى زاده (أحمد مصطفى) (ت ٩٦٨ هـ) خصص لهذا الموضوع المقدمات الثلاث الأولى من كتابه مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (٤). - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاجها مربوا الأطفال (٥). - الأمير الحسين بن الإمام القاسم بن محمد (ت ١٠٥٠ هـ) آداب العلماء والمتعلمين (٦). - وقد تناول هذا الموضوع كذلك إخوان الصفاء في رسائلهم (نشر أحمد عبد الغفور عطا ما يتعلق بالتعليم من هذه الرسائل في كتابه السالف الذكر: آداب المتعلمين)، وابن مسكون (ت ٤٢١ هـ) في كتابه تهذيب _________ (١) إحياء علوم الدين، القاهرة: دار الشعب (د. ت) ١/ ٨ - ١٣٥. (٢) نشرها أحمد عبد الغفور عطا مع عدة رسائل أخرى بعنوان: آداب المتعلم ورسائل أخرى في التربية الإسلامية، بيروت (ط ٢/ ١٩٦٧ م). (٣) طبعت في حيدر آباد سنة ١٣٥٣ هـ، وأعاد نشرها أحمد عبد الغفور عطا ضمن المصدر السابق. (٤) طاش كبرى زادة: مفتاح السعادة ١/ ٦ - ٦٥. (٥) حقق هذه الرسالة محمد سهيل الدبس، بإشراف: شعيب الأرناؤوط؛ صدرت طبعتها الثانية عن دار ابن كثير: دمشق (١٩٨٧) ونشرها: عطا: ضمن مجموعته. (٦) نشرتها الدار اليمنية (جدة) (ط ٢/ ١٩٨٧).

стр. 35

الأخلاق وتطهير الأعراق، وابن سيناء في كتاب "السياسة"، وابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) في مقدمته (١). وتدور معظم الأفكار في هذه المؤلفات - باستثناء آراء بعض الفلاسفة التي تبحث بجانب هذه الموضوعات موضوع نظرية العلم من الناحية الفلسفية - حول الموضوعات التالية: - التأكيد على أهمية العلم والتعليم وبيان الغاية منه، والحث عليه والاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على طلب العلم والمبيِّنة لفضل العلم والعلماء والمتعلمين وشرحها. - تُخصِّص فصلًا أو بابًا عن المعلِّم، تذكر الصفات العلمية والأخلاقية التي يجب توفرها فيه، بصفته مربيًا وقدوة لطلابه، وتحدد له أنسب وأيسر الطرق للتدريس، وكيفية تعامله مع طلابه على إختلاف مستوياتهم واستعداداتهم وأعمارهم وكيف يحبب العلم إليهم ويرغبهم فيه .. إلخ. - وتخصص فصلًا آخر للمتعلم، تبتدئ - عادة - ينصحه بوجوب إخلاص النية في طلب العلم، وتحثه على الصبر والجد في طلبه، وتحدد له قواعد سلوكه وواجباته نحو معلميه وطريقة تعامله معهم، وواجباته نحو زملائه، وأسلوب استخدامه للكتب والمكتبات، وأدبه في سكنه بالمدرسة مع ذكر الوسائل التي تعينه على الحفظ، وأفضل الأوقات الصالحة للاستذكار والحفظ، وحتى أوقات نومه ويقظته ونوعية طعامه (٢) .. إلخ. _________ (١) للمزيد من التفاصيل عن المؤلفات والرسائل في هذا الموضوع راجع: أحمد شلبي تاريخ التربية الإسلامية، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية (ط ٣/ ١٩٦٦) ص ٢٨٨ وما بعدها؛ أحمد فؤاد الأهواني التربية في الإسلام ص ١٩٣ وما بعدها. (٢) من الظريف أن بعض هؤلاء المؤلفين يعتقد أن بعض التصرفات والأعمال وكذلك بعض الأطعمة تصفى الذهن وتنمي الذكاء وأخرى تسبب البلادة وتورث النسيان =

стр. 36

وتحتوي مؤلفات هؤلاء العلماء على الكثير مما يعرف اليوم بأصول وقواعد التربية، ووسائل التنشئة الاجتماعية، وأيضًا طرق التدريس. أما الشوكاني فإنه لم يقف في كتابه هذا عند حدود تلك الموضوعات التي طرقها السابقون عليه في مجال (آداب العلم والتعلم) ولم يعمل على تكرار آراء مؤلفيها، بل جاءت معظم الأفكار الرئيسية في كتابه جديدة ومبتكرة لم يسبقه إليها أحد. ولهذا لم يكن من قبل المبالغة قول الشوكاني في نهاية عرضه للأسباب المؤدية للتعصب والمانعة من الأنصاف والموضوعية: "إنه ينبغي لكل عالم ومتعلم أن تكون [تلك الأسباب والعوامل] نصب عينيه في إقدامه وإحجامه وما أحقها بذلك .. فإنها فوائد لا توجد في كتاب" (ص ١٧٩). وهذا ما يشهد للشوكاني بالقدرة على الإبداع والإضافة والتجديد فقد تجاوز آراء سابقيه، وسعى إلى إصلاح وتجديد المنهجين الذين سبقت الإشارة إليهما في آن واحد (المنهج العلمي، والمنهج العملي) من خلال الإسهام بتشخيص وتحليل الأسباب والعوامل الكامنة وراء الخلل الفكري ووضع الحلول الكفيلة بمعالجته وإصلاحه، كمنطلق سابق لأي محاولة تستهدف النهوض والتجديد، أو إصلاح التعليم والاستفادة من نتائجه، فإذا _________ = ولذلك نجدهم ينصحون الطالب " … أن يقلل من استعمال الأطعمة التي هي من أسباب البلادة كالتفاح الحامض، والباقلا، وشرب الخل وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبعد للذهن ككثرة الألبان والسمك ونحو ذلك، ويتجنب ما يورث النسيان بالخاصة: كأكل سور الفار، وقراءة الواح القبور والدخول بين جملين مقطورين والقاء القمل حية ونحو ذلك" ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) تذكر السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم (نشرها أحمد عبد الغفور عطا ضمن مجموعته: آداب المتعلمين ص ٢١٠؛ الحسين بن القاسم بن محمد (ت ١٠٥٠ هـ) آداب العلماء والمتعلمين، الدار اليمنية للنشر (ط ٢/ ١٩٨٧) ص ٦٢.

стр. 37

كان التعليم أداة فعالة للتغيير، (تغيير الفكر أو السلوك)، فإنه لا يمكن الوصول إلى النتائج المرجوة منه طالما وأن تلك العوائق الفكرية ما تزال قائمة، إذ أن المعوقات التي تؤثر سلبًا على التعليم إنما هي مرتبطة بذلك الخلل الفكري الذي أدى إلى جمود العقل والفكر العربي، ونتيجة له، ولأن آراء الشوكاني في هذه الكتاب نابعة ومستمدة من تجربته الفكرية الثرية كباحث ومدرس ومجتهد، فقد حاول من خلاله أن يرسم المنهج العلمي للإحياء والتجديد وهو المنهج الذي صاغه وبشَّر به ودعا إليه، وأن يضع لطلابه وأبناء جيله أسس وقواعد التفكير والبحث العلمي، كأداة لتشخيص وتحديد مواطن الخلل التي تعيق النهوض أولًا، واستنباط أو اكتشاف الحلول الملائمة والكفيلة بتجاوز المجتمع لمحنته والخروج به من نفق الجمود والتخلف ثانيًا، فكان كتابه هذا أشبه ما يكون بما نسميه اليوم مناهج التفكير العلمي، أو قواعد البحث العلمي. ولهذا فإن فائدة هذا الكتاب لن تقتصر على طلبة العلم فحسب، بل سيستفيد منه كل من له صلة أو اهتمام بالعلم والبحث، كما تَصوَّر ذلك الشوكاني في مقدمة كتابه: "وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشئيته لا بد أن يتعدى إلى فوائد ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المتبدي، ويحتاج إليها الكامل كما يحتاج إليها المقصر، ويعدها المحققون من أعظم الهدايا" (ص ٨١). وقد التزم المؤلف نفسه في عرضه لموضوعات هذا الكتاب، بالمنهج العلمي الذي يدعو إليه باستثناء بعض التجاوزات أو الشطحات القليلة - سنشير إليها في خاتمة هذه الدراسة -، فهو يشخِّص المشكلة ويحددها بدقة، ثم يعمل بعد ذلك على تحديد أسبابها، وتوضيح مظاهرها وأبعادها، ثم يقدم الحلول التي يراها من وجهة نظره كفيلة بمعالجتها. فإذا كانت المشكلة متمثلة في الخلل الفكري وما ترتب عليه من جمود للفكر وإعاقة للعقل عن

стр. 38

أداء دوره ورسالته، فإنه يُرجعُ السبب الكامن وراء هذا الخلل إلى عاملين رئيسيين: الأول: التقليد والتعصب، للأشخاص والآراء والمذاهب لأنهما (أي التقليد والتعصب) أساس المشكلة ويشكلان العقبة الكبرى في طريق العلم، فهما يشكلان حجابًا كثيفًا أمام العقل يمنعه من الاستفادة من مصادر العلم والمعرفة، وينبع التقليد أو يبدئ من المبالغة في احترام أئمة المذاهب وتمجيد أشخاصهم، مما يؤدي إلى إضفاء هالة من القداسة على آرائهم واجتهاداتهم تدفع المقلد إلى التهيب من التعرض لتلك الأفكار، وتجعل من المستحيل مناقشتها، وتحميصها ونقدها، مما يسبب إلى افتقاد المقلدين لملكة النقد - تدريجيًا - حتى تصل إلى درجة إلغاء دور العقل وشل فاعليته وتعطيل وظيفته في النظر والتفكير واكتشاف السنن والأسباب، والعجز عن إدراك الحقائق ومن ثم يؤدي إلى العجز عن الإبداع والابتكار اللازم للتجديد والتغيير، وكما يدفع التقليد بالمقلدين إلى التمسك الشديد بالرأي أو المذهب الذي يقلدوه ورسوخه في أذهانهم ودفاعهم عنه، وتحزبهم حوله وتعصبهم له فإنه يدفعهم كذلك إلى التسليم المطلق بصحة وصواب ذلك الرأي أو المذهب واعتقادهم باحتكارهم للحقيقة المطلقة، وبأن الحق محصور بهم لا يعدوهم إلى غيرهم، ويسبب جمودهم عليه وعدم الإلتفات إلى ما عداه، فينتهي بهم التقليد إلى الوصول إلى أقصى مراحل التعصب والجمود، وهي مرحلة القبول المسبق، دون تفكير لكل آراء وأفكار مذهبهم، وكذلك إلى الرفض المسبق - ودون تفكير أيضًا - لكل ما يخالفه (ص ٩٠ - ٩١، ١٢٢، ١٣٣ - ١٣٥) (١). _________ (١) راجع أيضًا: أبو حامد الغزالي معارج القدس، القاهرة (١٩٢٧ م) ص ١٠١؛ أيضًا: الاقتصاد في الاعتقاد، بيروت: دار الكتب العلمية (١٩٨٣) ص ١٠٤ وما بعدها؛ =

стр. 39

ومن أقوال الشوكاني (عن اقتران التقليد بالتعصب ومخاطرهما) أن: "الاعتقاد لمذهب نشأ عليه الإنسان وأدرك عليه أهل بلدته يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحًا فبصيرته عمياء. وأذنه عن سماع الحق صماء فهو يحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه وجهلًا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح .. وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب .. فإنه صار بها باب الحق مرتجًا وطريق الإنصاف مستوعرة" (١). واستشهد على تأثير التقليد السلبي على العقل وإلغاء دوره بمقولة ابن الجوزي الشهيرة "بأن في التقليد إبطال منفعة العقل" (٢). وعن منافاة التقليد للعلم، وأثره في الحيلولة بين المتعلم والاستفادة من مصادر العلم والمعرفة يقول: "إن مجرد التقليد ليس من العلم الذي ينبغي عَدَّ صاحبه من جملة أهل العلم، لأن كل مقلد يقر على نفسه بأنه لا يعقل حجج الله ولا يفهم ما شرعه لعباده. ." (ص ١٢٠)، و "إذا سكنت نفوس المقلدين للتقليد سكونًا ما، وقبلته قبولًا كليًا لم تبق فيهم بقية لفهم شيء من العلوم" (ص ١٢١). ويصف المقلد بأنه "عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع" (ص ٢٢٨) ولا يتردد في وصفه أيضًا، بأنه: "حماري الفهم بهيمي الطبع" (ص ١٣٥). - أما العامل أو السبب الرئيسي الثاني: فيتمثل في تقاعس النخبة = _________ = المقبلي، العلم الشامخ، القاهرة: دار الحديث (ط ٢/ ١٩٨٥) ص ١٢٩؛ معتز سيد عبد الله، الاتجاهات التعصبية، الكويت: (سلسلة عالم المعرفة رقم ١٣٧ ص ٧٧ وما بعدها. (١) فتح القدير ٢/ ٢٤٣. (٢) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد ص ٢٧.

стр. 40

(العلماء) وإحجامها عن أداء مهمتها ورسالتها المنوطة بها والمتمثلة في نشر الوعي والمعرفة، ومقاومة الإنحراف والفساد بكل صوره وأشكاله، وقيادة عملية الإصلاح والتغيير، كونها الفئة الوحيدة القادرة على القيام بهذه المهمة والمؤهلة لها علميًّا وفكريًا. ويعزو الشوكاني السبب في ذلك: - إلى جبن بعض العلماء، وخوفهم على حياتهم أو مصالحهم من بطش وإرهاب السلطة أو جماعة التقليد وأصحاب المصالح والنفوذ، لأن أي دعوة أو محاولة للإصلاح والتغيير لا بد أن تصطدم أو تتعارض مع مصلحة هذه الفئات، ولذلك اثرت هذه الطائفة من العلماء السلامة والتزمت السكوت، فأصبح دورها سلبيًا. - والفئة الأخرى من العلماء قد تُغَلِّبُ مصلحتها وامتيازاتها الذاتية على المصلحة العامة (يطلق الشوكاني على هذه المصالح والإمتيازات: حب الشرف والمال) فيدفعها ذلك لا إلى السكوت فحسب، كما تفعل الفئة الأولى، وإنما إلى التحالف السلطة، لكي تحصل منها على الجاه والأموال والمناصب، وحينئذ لا يصبح دورها سلبيًا فقط، بل تصبح هذه الفئة من العلماء من أكبر العوائق الفكرية والاجتماعية وأشدها خطرًا، لأن مهمتها ودورها لا يقتصر فقط على تسخير فكرها ومواهبها لخدمة السلطة، وإنما تسخر الدين كذلك للسلطة وتخضعه لهواها في سبيل إضفاء الشرعية على استبداد السلطة ومظالمها وتبرير تصرفاتها وقراراتها المخالفة للشريعة، وما دامت مصالح هذه الطائفة مرتبطة بالسلطة، ولأن استمرار مصلحة الفريقين مرهون ببقاء الوضع الراهن (المتخلف) على حاله فإنها لا تتورع عن ممارسة الدَّجل والتضليل على العامة، والوقوف ضد أي محاولة تستهدف الإصلاح والتغيير والعمل على محاربتها وإجهاضها. (انظر ص: ١٠٦ - ١٠٩ - ١١٢، ١١٥، ١٥٦، ١٥٩ - ٢١٥، ٢١٧).
следующие страницы →