← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1562

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت السريحي

الشوكاني

Полный текст (254 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ما سقته فليمعن النظر في أهل عصره هل يستطيع أحد من أهل العلم أن يخالف ما يهواه السلطان من المذاهب فضلًا عن أن يصرح للناس بخلافه هذا، على فرض أن ذلك الذي يهواه الملك بدعة من البدع الشنيعة التي لا خلاف في شناعتها ومخالفتها للشريعة، كما تعتقده الخوارج والروافض فإن السنّة الصريحة المتواترة التي لا خلاف فيها قد جاءت بقبح ذلك وذم فاعله وضلاله. فانظر هداك الله وإياي، من يتكلم من أهل العلم الساكنين في أرض الخوارج كبلاد عمان ونحوها بما يخالف مذهب الخوارج أو ينكر ذلك عليهم أو يرشد الناس إلى الحق. وكذلك من كان ساكنًا من أهل العلم ببلاد الروافض كبلاد الأعاجم ونحوها، هل تجد رجلًا منهم يخالف ما هم عليه من الرفض فضلًا عن أن ينكره عليهم، بل قد تجد غالب من في بلاد أهل البدع من العلماء الذين لا تخفى عليهم مناهج الحق وطرائق الرشد يتظهرون للملوك والعامة بما يناسب ما هم عليه، ويوهمونهم بأنهم يوافقونهم وأن تلك البدعة التي هم عليها ليست ببدعة بل هي سنة وحق وشريعة، ويعملون كعملهم ويدخلون في ضلالهم فيكونون ممن أضله الله على علم. فمن كان من أهل العلم هكذا فهو لم ينتفع بعلمه، فضلًا عن أن ينتفع به غيره فعلمه محنة له وبلاء عليه والجاهل خير منه بكثير فإنه فعل البدعة ووقع في غير الحق معتقدًا أن ما فعله هو الذي تعبّده الله به وأراده منه، فيا من أخذ الله عليه البيان، وعلمه السنّة والقرآن، إذا تجرّيت على ربك بترك ما أخذه (١) عليك وطرح ما أمرك به. فقف عند هذه المعصية وكفى واجعل (٢) ما علمته كالعدم لا عليك ولا لك، ودع المجاوزة لهذه المعصية إلى ما هو

стр. 107

أشد منها وأقبح من ترويج بدع المتبدعين والتحسين لها، وإيهامهم أنهم على الحق فإنك إذا فعلت ذلك كان علمك - لا علمت - بلاء على أهل تلك البدع بعد كونه بلاء عليك لأنهم يفعلون تلك البدع على بصيرة ويتشددون فيها ولا تنجع فيهم بعد ذلك موعظة واعظ ولا نصيحة ناصح، ولا إرشاد مرشد لاعتقادهم فيك - لا كثّر الله في أهل العلم من أمثالك - بأنك عالم محقق متقن قد عرفت علوم الكتاب والسنّة، فلم يكن في علماء السوء شرّ منك ولا أشد ضررًا على عباد الله. وقد جرت قاعدة أهل البدع في سابق الدهر ولاحقه بأنهم يفرحون بصدور الكلمة الواحدة عن عالم من العلماء ويبالغون في إشهارها وإذاعتها فيما بينهم ويجعلونها حجة لبدعتهم ويضربون بها وجه من أنكر عليهم، كما تجده في كتب الروافض من الروايات لكلمات وقعت من علماء الإسلام فيما يتعلق بما شجر بين الصحابة، وفي المناقب والمثالب فإنهم يطيرون عند ذلك فرحًا ويجعلونه من أعلم الذخائر والغنائم. فإن قلتَ: لا شك فيما أرشدت إليه من وجوب الصدع بالحق والهداية إلى الإنصاف وتأثير ما قام عليه الدليل الصحيح على محض الرأي وبيان ما أنزله الله للناس وعدم كتمه لكن إذا فعل العالم ذلك وصرخ بالحق في بلاد البدع وأرشد إلى العمل بالدليل في مدائن التقليد قد لا يتأثر عن ذلك إلّا مجرد التنكيل به والهتك لحرمته وإنزال الضرر به. قُلتُ: إنما سألت هذا السؤال وجئت بهذا المقال ذهولًا عما قدمته لك وأوضحته وكررت من حفظ الله للمتكلمين بالحق ولطفه بالمرشدين لعباده إلى الإنصاف وحمايته لهم عن ما يظنه من ضَعُف إيمانه وخارت قوته ووهت عزيمته، فارجع النظر فيما أسلفته وتدبّر ما قدمته تعلم به صدق ما وعد الله عباده المؤمنين من أن العاقبة للمتقين. ثم هب صدق ما حدستَه، ووقوع ما قدَّرتَه وحصول المحنة عليك

стр. 108

ونزول الضرر بك فهل أنت كل العالم وجميع الناس أم تظن أنك مخلد في هذه الدار أم ماذا عسى يكون إذا عملت بالعلم ومشيت على الطريقة التي أمرك الله بها فنهاية ما ينزل عليك ويحل بك أن تكون قتيلًا للحق وشهيدًا للعلم فتظفر بالسعادة الأبدية وتكون قدوة لأهل العلم إلى آخر الدهر، وخزيًا لأهل البدع وقاصمة لظهورهم، وبلاءً مصوبًا عليهم وعارًا لهم، ما داموا متمسكين بضلالهم سادرين في عمايتهم واقعين في مزالقهم، وكم قد سبقك من عباد الله إلى هذه الطريقة، وظفر بهذه المنزلة العلية، وفيهم لك القدوة وبهم الأسوة. فانظر يا مسكين من قطّعته السيوف ومزقته الرماح من عباد الله في الجهاد فإنهم طلبوا الموت ورغبوا في الشهادة والبيض تغمد في الطُّلى (١) والرماح تغرز في الكُلى (٢) والموت بمرأى منهم ومسمع يأتيهم من أمامهم وخلفهم ومن عن يمينهم وشمالهم فأين أنت من هؤلاء ولست إلّا قائمًا بين ظهراني المسلمين تدعوهم إلى ما شرعه الله وترشدهم إلى تأثير كتاب الله وسنّة رسوله على محض الرأي والبدع، فإن الذي يظن بمثلك ممن يقوم بمقامك إن لم تنجذب له القلوب بادئ بدء ويتبعه الناس بأول نداء، أن يستنكر الناس ذلك عليه ويستعظموه منه وينالوه بألسنتهم ويسيئوا القالة فيه فيكثروا الغيبة له فضلًا عن أن يبلغ ما يصدر منهم إلى الإضرار ببدنه أو ماله فضلا عن أن ينزل به منهم ما نزل بأولئك وهب أنه ناله أعظم ما جوّزه وأقبح ما قدَّره فليس هو بأعظم مما أصيب به من قتل في سبيل الله. وها أنا أرشدك إلى ما تستعين به على القيام بحجة الله والبيان لما أنزله وإرشاد الناس إليه على وجه لا تتعاظمه وتقدر فيه ما كنت تقدره من تلك

стр. 109

الأمور التي جبنت عند تصوّرها وفرقت بمجرد تخيلها، وهو أنك لا تأتي الناس بغتة، وتصك وجوههم مكافحة ومجاهرة، وتنعي عليهم ما هم فيه نعيًا صراحًا، وتطلب منهم مفارقة ما ألفوه طلبًا مضيقًا وتقتضيه اقتضاء حثيثًا بل أسلك معهم مسالك المتبصرين في جذب القلوب إلى ما يطلبه الله من عباده ورغِّبهم في ثواب المنقادين إلى الشرع المؤثرين للدليل على الرأي وللحق على الباطل فإن كانوا عامة فهم أسرع الناس انقيادًا لك وأقربهم إمتثالًا لما تطلبه منهم، ولست تحتاج معهم إلى كثير مؤنة بل اكتف معهم بترغيبهم في التعلم لأحكام الله ثم علمهم ما علمك الله منها على الوجه الذي جاءت به الرواية وصح فيه الدليل، فهم يقبلون ذلك منك قبولًا فطريًا، ويأخذونه أخذًا خلقيًا لأن فطرتهم لم تتغير بالتقليد ولا تكدرت بالممارسة لعلم الرأي، ما لم يتسلط عليهم شيطان من شياطين الإنس، قد مارس علم الرأي واعتقد أنه الحق وأن غيره الباطل وأنه لا سبيل للعامة إلى الشريعة إلّا بتقليد من هو مقلد له، واتباع من يتبعه، فإنه إذا تسلط على العامة مثل هذا وسوس لهم كما يوسوس الشيطان، وبالغ في ذلك لأنه يعتقد ذلك من الدين ويقطع بأنه في فعله داعٍ من دعاة الحق وهاد من هداة الشرع وإن غيره على ضلالة، وهذا وأمثاله هم أشد الناس على من يريد إرشادهم إلى الحق ودفعهم عن البدع لأن طبائعهم قد تكدرت وفطرهم قد تغيرت، وبلغت في الكثافة والغلظة والعجرفة إلى حد عظيم لا تؤثر فيه الرقى ولا تبلغ إليه المواعظ فلم تبقَ عندهم سلامة طبائع العامة حتى ينقادوا إلى الحق بسرعة ولا قد بلغوا إلى ما بلغ إليه الخاصة من رياضة أفهامهم، وتلطيف طبائعهم بممارسة العلوم التي تتعقل بها الحجج الشرعية، ويعرف بها الصواب ويتميز بها الحق، حتى صاروا إذا أرادوا النظر في مسألة من المسائل أمكنهم الوقوف على الحق والعثور على الصواب. وبالجملة فالخاصة إذا بقي فيهم شيء من العصبية كان إرجاعهم إلى

стр. 110

الإنصاف متيسر غير متعسر بإيراد الدليل الذي تقوم به الحجة لديهم، فإنهم إذا سمعوا الدليل عرفوا الحق وإذا جادلوا وكابروا، فليس ذلك عن صميم اعتقاد، ولا عن خلوص نية، فرياضة الخاصة بإيراد الأدلة عليهم وإقامة حجج الله وإيضاح براهينه وذلك يكفي، فإنهم لما قد عرفوه من علوم الاجتهاد ومارسوه من الدقائق، لا يخفى عليهم الصواب، ولا يلتبس عليهم الراجح بالمرجوح والصحيح بالسقيم والقوي بالضعيف والخالص بالمغشوش. ورياضة العامة بإرشادهم إلى التعلم، ثم بذل النفس لتعليمهم ما هو الحق في اعتقاد ذلك المعلم بعد أن صار داعيًا من دعاة الحق ومرشدًا من مرشدي المسلمين، ثم ترغيبهم بما وعد الله به وإخبارهم بما يستحقه من فعل كفعلهم من الجزاء والأجر، ثم يجعل لهم من القدوة بأفعاله مثل ما يجعله لهم من القدوة بأقواله أو زيادة فإن النفوس إلى الاقتداء بالفعَّال أسرع منها إلى الاقتداء بالقوَّال. والعقبة الكؤود والطريق المستوعرة والخطب الجليل والعبء الثقيل إرشاد طبقة متوسطة بين طبقة العامة والخاصة وهم قوم قلّدوا الرجال وتلقنوا علم الرأي ومارسوه حتى ظنوا أنهم بذلك قد فارقوا طبقة العامة وتميزّوا عنهم، وهم لم يتميزوا في الحقيقة عنهم، ولا فارقوهم إلّا بكون جهل العامة بسيطًا وجهل هؤلاء جهلًا مركبًا. وأشد هؤلاء تغييرًا لفطرته وتكديرًا لخلقته أكثرهم ممارسة لعلم الرأي وأثبتهم تمسكًا بالتقليد وأعظمهم حرصًا عليه، فإن الدواء قد ينجع (١)، في أحد هؤلاء في أوائل أمره وأما بعد طول العكوف على ذلك والشغف به والتحفظ له، فما أبعد التأثير وما أصعب القبول لأن طبائعهم ما زالت تزداد كثافة بازدياد تحصيل ذلك وتستفيد غلظة وفظاظة

стр. 111

باستفادة ذلك، وبمقدار ولوعهم بما هم فيه وشغفهم به تكون عداوتهم للحق ولعلم الأدلة وللقائمين بالحجة. ولقد شاهدنا من هذه الطبقة ما لو سردنا بعضه لاستعظمه سامعه واستفظعه فإن غالبهم لا يتصوّر بعد تمرّنه فيما هو فيه إلّا منصبًا يثب عليه، أو يتيمًا يشاركه في ماله، أو أرملة يخادعها عن ملكها أو فرصةً ينتهزها عند ملك أو قاض، فيبلغ بها إلى شيء من حطام الدنيا، ولا يبقى في طبائع هؤلاء شيء من نور العلم وهدى أهله وأخلاقهم، بل هم أشبه شيء بالجبابرة وأهل المباشرة للمظالم، ومع هذا فهم أشد خلق الله تعصبًا وتعنتًا وبُعدًا من الحق، ورجوعهم إلى الحق من أبعد الأمور وأصعبها، لأنه لم يبق في أفهامهم فضلة لتعقّل ذلك وتدبّره، بل قد صار بعضها مستغرقًا بالرأي، وبعضها مستغرقًا بالدنيا. فإن قلت: فهل بقي مطمع في أهل هذه الطبقة وكيف الوصول إلى إرشادهم إلى الإنصاف وإخراجهم عن التعصب؟ قُلتُ: لا مطمع إلّا بتوفيق الله وهدايته فإنه إذا أراد أمرًا يسّر أسبابه وسهّلَ طرائقه، وأحسن ما يستعمله العالم مع هؤلاء ترغيبهم في العلم وتعظيم أمره والإكثار من مدح علوم الاجتهاد وأن بها يعرف أهل العلم الحق من الباطل ويميّزون الصواب من الخطأ وأن مجرّد التقليد ليس من العلم الذي ينبغي عد صاحبه من جملة أهل العلم (١)، لأن كل مقلد يقر على نفسه بأنه لا يعقل حجج الله ولا يفهم ما شرعه لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله (٢)، وأن من ظفر من طلبه وفاز من كده ونصبه لمجرّد اتباع فرد من أفراد علماء هذه الأمة وتقليده وقبول قوله دون حجته فلم يظفر بطائل، ولا

стр. 112

نال حظًا، فإن بقي في من كان من هذه الطبقة نصيب من علو الهمة وحظ من شرف النفس وقسط من الرغبة في نيل ما هو أعلى مناقب الدنيا والآخرة، فقد تميل نفسه إلى العلم بعض الميل، فيأخذ من علوم الاجتهاد بنصيب ويفهم بعض الفهم، فيعرف أنه كان معلّلًا لنفسه بما لا يسمن ولا يغني من جوع، ومشتغلًا بما لا يرتقي به إلى شيء من درجات العلم، فهذا الدواء لأهل هذه الطبقة من أنفع الأدوية وهو لا يؤثر بعض التأثير إلّا مع كون ذلك المخاطب له بعض استعداد للفهم، وعنده إدراك وهو القليل، أما من كان لا يفهم شيئًا فيه من علوم الاجتهاد وإن أجهد نفسه وأطال عناها وأعظم كدّها كما هو الغالب على أهل هذه الطبقة، فإنهم إذا استفرغوا وسعهم في علم الرأي وأنفقوا في الاشتغال به شطرًا من أعمارهم وسكنت أنفسهم إلى التقليد سكونًا تامًّا وقبلته قبولًا كليًّا لم تبق فيهم بقية لفهم شيء من العلوم، وقد شاهدنا من هذا الجنس من لا يأتي عليه الحصر، قد تقتضيه في بعض الأحوال رغبة تجذبه إلى النظر في علم النحو فلا يفهمه قط، فضلًا عن سائر علوم الاجتهاد التي يفتتحها الطلبة بهذا العلم فمن كان على هذه الصفة وبهذه المنزلة، لا يأتي إرشاده إلى تعلّم علوم الاجتهاد بفائدة، وأحسن ما يستعمله معه من يريد تقليل تعصبه ودفع بعض ما قد تغيّرت به فطرته: هو أن ينظر العالم من عمل بذلك الدليل الذي هو الحق من قدماء المقلدين فيذكرهم أنه قد خالف إمامهم في تلك المسألة فلان وفلان ممن هو في طبقته أو أعلا طبقة منه، وليس هو بالحق أولى من المخالفين له، فإن قبل ذهنهم هذا فقد انفتح باب العلاج للطبيب لأنه ينتقل معهم من ذلك إلى ما استدلّ به إمامهم وما استدلّ به من خالفه وينتقل منه إلى وجوه الترجيح مبتدئًا بما هو أقرب إلى قبول فهم ذلك العليل، ثم ينقله من مرتبة إلى مرتبة، حتى يستعمل من الدواء ما يقلّل تلك العلة فإنه إذا أدرك العليل ذهاب شيء منها حصل له بعض نشاط يحمله على قبول ما يذهب بالبقية، ولكن ما أقل من يقبل شيئًا

стр. 113

من هذه الأدوية، فإنه قد ارتكز في ذهن غالب هؤلاء إن الصحة والسلامة لهم هي في نفس العلة التي قد تمكنت من أذهانهم فسرت إلى قلوبهم وعقولهم وأشربوا من حبها زيادة على ما يجده الصحيح عن العلة من محبة ما هو فيه من الصحة والعافية، وسبب ذلك: أنهم اعتقدوا أن إمامهم الذي قلدوه ليس في علماء الأمة من يساويه أو يدانيه، ثم قبلت عقولهم هذا الاعتقاد الباطل وزاد بزيادة الأيام والليالي حتى بلغ إلى حدّ يتسبب عنه أن جميع أقواله صحيحة جارية على وفق الشريعة، ليس فيها خطأ ولا ضعف وأنه أعلم الناس بالأدلة الواردة في الكتاب والسنّة على وجه لا يفوت عليه منها شيء ولا تخفى منها خافية، فإذا سمعوا دليلًا في كتاب الله أو سنّة رسوله قالوا: لو كان هذا راجحًا على ما ذهب إليه إمامنا لذهب إليه ولم يتركه، لكنه تركه لما هو أرجح منه عنده، فلا يرفعون لذلك رأسًا، ولا يرون بمخالفته بأسًا (١). وهذا صنيع قد اشتهر عنهم وكاد أن يعمهم قرنًا بعد قرن وعصرًا بعد عصر على اختلاف المذاهب وتباين النحل، فإذا قال لهم القائل اعملوا بهذه الآية القرآنية أو بهذا الحديث الصحيح. قالوا لست أعلم من إمامنا حتى نتبعك، ولو كان هذا كما تقول لم يخالفه من قلّدناه فهو لم يخالفه إلّا إلى ما هو أرجح منه (٢). وقد ينضم إلى هذا من بعض أهل الجهل والسفه والوقاحة وصف ذلك الدليل الذي جاء به المخاطب لهم بالبطلان والكذب إن كان من السنّة ولو تمكنوا من تكذيب ما في الكتاب العزيز إذا خالف ما قد قلّدوا فيه لفعلوا.

стр. 114

وأما في ديارنا هذه فقد لقنهم من هو مثلهم في القصور والبعد عن معرفة الحق ذريعة إبليسية، ولطيفة مشؤومة هي أن دواوين الإسلام الصحيحين والسنن الأربع وما يلتحق بها من المسندات والمجاميع المشتملة على السنّة إنما يشتغل بها ويكرر درسها ويأخذ منها ما تدعو حاجته إليه من لم يكن من اتباع أهل البيت لأن المؤلفين لها لم يكونوا من الشيعة، فيدفعون بهذه الذريعة الملعونة، جميع السنة المطهرة لأن السنة الواردة عن رسول الله ﵌ هي ما في تلك المصنفات ولا سنة غير ما فيها، وهؤلاء وإن كانوا لا يعدون من أهل العلم ولا يستحقون أن يذكروا مع أهله ولا تنبغي الشغلة بنشر جهلهم وتدوين غباوتهم، لكنهم لما كانوا قد تلبّسوا بلباس أهل العلم وحملوا دفاتره، وقعدوا في المساجد والمدارس، اعتقدتهم العامة من أهل العلم، وقبلوا ما يلقنونهم من هذه الفواقر فضلوا وأضلوا وعظمت بهم الفتنة وحلّت بسببهم الرزية، فشاركوا سائر المقلدة في ذلك الاعتقاد في أئمتهم الذين قد قلدوهم واختصوا من بينهم بهذه الخصلة الشنيعة، والمقالة الفظيعة فإن أهل التقليد من سائر المذاهب يعظمون كتب السنّة ويعترفون بشرفها وأنها أقوال رسول الله ﵌ وأفعاله وأنها هي دواوين الإسلام وأمهات الحديث وجوامعه التي عوّل عليها أهل العلم في سابق الدهر ولاحقه، بخلاف أولئك فإنها عندهم بالمنزلة التي ذكرنا فضمّوا إلى شنعة التقليد شنعة أخرى هي أشنع منها وإلى بدعة التعصب بدعة أخرى هي أفظع منها (١) ولو كان لهم أقل حظ من علم وأحقر نصيب

стр. 115

من فهم لم يخف عليهم أن هذه الكتب لم يقصد مصنفوها إلّا جمع ما بلغ إليهم من السنّة بحسب ما بلغت إليه مقدرتهم وانتهى إليه علمهم ولم يتعصبوا فيها لمذهب ولا اقتصروا فيها على ما يطابق بعض المذاهب دون بعض بل جمعوا سنة رسول الله ﵌ لأمته ليأخذ كل عالم منها بقدر علمه وبحسب استعداده، ومن لم يفهم هذا فهو بهيمة لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به النوع الإنساني وغاية ما ظفر به من الفائدة بمعاداة كتب السنّة، التسجيل على نفسه بأنه مبتدع أشد ابتداع فإن أهل البدع لم ينكروا جميع السنّة، ولا عادوا كتبها الموضوعة لجمعها بل حق عليهم اسم البدعة عند سائر المسلمين بمخالفة بعض مسائل الشرع. فانظر أصلحك الله ما يصنع الجهل بأهله ويبلغ منهم حتى يوقعهم في هذه الهوّة فيعترفون على أنفسهم بما يقشعرّ له جلد الإسلام، وتبكي منه عيون أهله. وليتهم نزّلوا كتب السنة منزلة فن من الفنون التي يعتقدون أن أهله أعرف به من غيرهم، وأعلم ممن سواهم. فإن هؤلاء المقلدة على اختلاف مذاهبهم وتباين نحلهم إذا نظروا في مسألة من مسائل النحو، بحثوا في كتب النحاة وأخذوا بأقوال أهله وأكابر أئمته كسيبويه والأخفش ونحوهما ولم يلتفتوا إلى ما قاله من قلدوهم في تلك المسألة النحوية، لأنهم يعلمون أن لهذا الفن أهلًا هم المرجوع إليهم فيه، فلو فرضنا أنه اختلف أحد المؤلفين في الفقه من أهل المذاهب المأخوذ بقولهم المرجوع إلى تقليدهم وسيبويه في مسألة نحوية لم يشك أحد أن سيبويه هو أولى بالحق في تلك المسألة من ذلك الفقيه لأنه صاحب الفن وإمامه.

стр. 116

وهكذا لو احتاج أحد من المقلدين أن ينظر في مسألة لغوية لرجع إلى كتب اللغة وأخذ بقول أهلها ولم يلتفت في تلك المسألة إلى ما قاله من هو مقلّد له ولا عمل عليه، ولا سيما إذا عارض ما يقوله من هو من أئمة اللغة وخالف ما يوجد في كتبها، وهكذا لو أراد أحدهم أن يبحث عن مسألة أصولية أو كلامية أو تفسيرية أو غير ذلك من علوم العقل والنقل، لم يرجع في كل فن إلّا إلى أهله ولا يعوّل على سواهم، لأنه قد عرف أن أهل تلك الفنون أخبر بها وأتقن لها وأعرف بدقائقها وخفيّاتها وراجحها ومرجوحها وصحيحها وسقيمها بخلاف من يقلدونه فإنه وإن كان في علم الفقه بارعًا عارفًا به لكنه في هذه الفنون لا يرتقي إلى أقل أهله رتبة وأحقرهم معرفة ولا يرضى مقلدوه أن يعارضوا بقوله في هذه الفنون قول من هو أهلها، وإذا عرفت هذه من صنيعهم وتبينته فقل لهم ما بالكم تركتم خير الفنون نفعًا وأشرفه أهلًا وأفضله واضعًا وهو علم السنة فإنكم قد علمتم أن اشتغال أهل هذا العلم به أعظم من اشتغال أهل سائر الفنون بفنونهم وتنقيحهم له وتهذيبه، والبحث عن صحيحه وسقيمه ومعرفة علله، والإحاطة بأحوال رواته، وإتعاب أنفسهم في هذا الشأن ما لا يتعبه أحد من أهل الفنون في فنونهم حتى صار طالب الحديث في تلك العصور لا يكون طالبًا إلّا بعد أن يرحل إلى أقطار متباينة ويسمع من شيوخ عدة ويعرف العالي والنازل والصحيح وغيره، على وجه لا يخفى عليه مخرج الحرف الواحد من الحديث الواحد، فضلًا عن زيادة على ذلك، وفيهم من يحفظ مائة ألف حديث إلى خمسمائة ألف حديث إلى ألف ألف حديث هي على ظهر قلبه، لا تخفى عليه منها خافية ولا يلتبس عليه فيها حرف واحد، ومع هذا الحفظ والإتقان في المتون كذلك يحفظون ويتقنون أسانيدها على حد لا يخفى عليهم من أحوال الرواة شيء ولا يلتبس عليهم ما كان فيه من خير وشرّ وجرح وتعديل ويتركون من وجدوا في حفظه أدنى ضعف أو كان به أقل تساهل أو أحقر ما يوجب الجرح.

стр. 117

وبالجملة فمن عرف الفنون وأهلها معرفة صحيحة لم يبقَ عنده شك أن اشتغال أهل الحديث بفنهم لا يساويه اشتغال سائر أهل الفنون بفنونهم ولا يقاربه، بل لا يعدّ بالنسبة إليه كثير شيء فإن طالب الحديث لا يكاد يبلغ من هذا الفن بعض ما يريده إلّا بعد أن يفني صباه وشبابه وكهولته وشيخوخته فيه، ويطوّف الأقطار، ويستغرق بالسماع والكتب الليل والنهار، ونحن نجد الرجل يشتغل بفن من تلك الفنون العام والعامين والثلاثة فيكون معدودًا من محققي أهله ومتقنيهم، فما بالكم أيها المقلدة إذا أردتم الرجوع إلى فن السنّة لم تصنعوا فيه كما تصنعونه في غيره من الرجوع إلى أهل الفن وعدم الاعتداد بغيرهم، وهل هذا منكم إلّا التعصب البحت والتعسف الخالص والتحكم الصرف فهلّا صنعتم في هذا الفن الذي هو رأس الفنون وأشرفها كما صنعتم في غيره، فرجعتم إلى أهله وتركتم ما تجدونه مما يخالف ذلك في مؤلفات المشتغلين بالفقه، الذين لا يفرّقون بين أصح الصحيح وأكذب الكذب كما يعرف ذلك من يعرف نصيبًا من العلم وحظًا من العرفان، ومن أراد الوقوف على حقيقة هذا فلينظر مؤلفات جماعة هم في الفقه بأعلا رتبة، مع التبحر في فنون كثيرة كالجويني (١) والغزالي [ت ٥٠٥ هـ] وأمثالهما فإنهم إذا أرادوا أن يتكلموا في الحديث جاءوا بما يضحك منه سامعه ويعجب لأنهم يوردون الموضوعات فضلًا عن الضعاف ولا يعرفون ذلك ولا يفطنون به، ولا يفرقون بينه وبين غيره، وسبب ذلك عدم اشتغالهم بفن الحديث كما ينبغي، فكانوا عند التكلم فيه عبرة من العبر، وهكذا حال مثل هذين الرجلين وأشباههم من أهل طبقتهم مع تبحرهم في فنون عديدة فما بالك بمن يتصدى للكلام في فن الحديث ويشتغل بإدخاله في مؤلفاته وهو دون أولئك بمراحل لا تحصر، وهكذا تجد كثيرًا من أئمة التفسير الذين لم يكن لهم كثير اشتغال بعلم السنة

стр. 118

كالزمخشري [ت ٥٣٨ هـ] والفخر الرازي [ت ٦٠٦ هـ] وغالب من جاء بعدهم، فإنهم يوردون في تفاسيرهم الموضوعات التي لا يشك من له أدنى اشتغال بعلم الحديث في كونه موضوعًا مكذوبًا على رسول الله ﵌، وذلك المفسِّر قد أدخله في تفسيره واستدل به على ما يقصده من تفسير كتاب الله سبحانه، وهكذا أئمة أصول الفقه فإن أكثر من يشتغل في الناس في هذا الزمان بمؤلفاتهم، لا يعرفون فن الحديث ولا يميزون شيئًا منه بل يذكرون في مؤلفاتهم الموضوعات ويبنون عليها القناطر. وبهذه الأسباب، تلاعب الناس بهذا الفن الشريف وكذبوا على رسول الله ﵌ أقبح كذب فصار من له تمييز يقضي من صنيعهم العجب إذا وقف على مؤلفاتهم ومع ذلك فهم لا يشعرون بما هم فيه من الخطأ والخطل والزلل، وهم الموقعون لأنفسهم في هذه الورطة بعدم رجوعهم في هذا الفن بخصوصه إلى أهله المشتغلين به كما يرجعون إلى أهل سائر الفنون عند احتياجهم إلى مسألة من مسائله، ولست أظن سبب تخصيصهم لهذا الفن الشريف الجليل بعدم الرجوع إلى أهله دون غيره إلّا ما يجده الشيطان في تزيين مثل ذلك لهم من المحال في الدين وإثبات الأحكام الشرعية بالأكاذيب المختلقة، وإغفال كثير من مهمات الدين لعدم علم المتكلمين في الفقه بأدلتها. وأنت لا يخفى عليك بعد هذا أن إنصاف الرجل لا يتم حتى يأخذ كل فن عن أهله كائنًا ما كان فإنه لو ذهب العالم الذي قد تأهل للاجتهاد يأخذ مثلًا الحديث عن أهله ثم يريد أن يأخذ ما يتعلق بتفسيره في اللغة عنهم كان مخطئًا في أخذ المدلول اللغوي عنهم، وهكذا أخذ المعنى الإعرابي عنهم فإنه خطأ، بل يأخذ الحديث عن أئمته بعد أن يكشف عن سنده وحال رواته، ثم إذا احتاج إلى معرفة ما يتعلق بذلك الحديث من الغريب، رجع إلى الكتب

стр. 119

المدونّة في غريب الحديث، وكذا سائر كتب اللغة المدونة في الغريب وغيره، وإذا احتاج إلى معرفة بنية كلماته رجع إلى علم الصرف، وإذا احتاج إلى معرفة إعراب أواخر كلمه رجع إلى علم النحو، وإذا أراد الإطلاع على ما في ذلك الحديث من دقائق العربية وأسرارها رجع إلى علم المعاني والبيان، وإذا أراد أن يسلك طريقة الجمع والترجيح بينه وبين غيره رجع إلى علم (١) أصول الفقه، فالعالم إذا صنع هذا الصنع ظفر بالحق من أبوابه، ودخل إلى الإنصاف بأقوى أسبابه، وأما إذا أخذ العلم عن غير أهله ورجح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها وأعرض عن كلام أهلها فإنه يخبط ويخلط ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذاك، فإن من ذهب يقلد أهل علم الفقه فيما ينقلونه من أحاديث الأحكام ولم يقتد بأئمة الحديث ولا أخذ عنهم ولا اعتمد مؤلفاتهم كان حقيقًا بأن يأخذ بأحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله ﵌، ويفرّع عليها مسائل ليست من الشريعة، فيكون من المتقولين على الله بما لم يقل، المكلفين عباده مسائل ليست من الشريعة، فيكون من المتقولين على الله بما لم يقل، المكلفين عباده بما لم يشرعه، فيضل ويضل ولا بد أن يكون عليه نصيب من وزر العاملين بتلك المسائل الباطلة إلى يوم القيامة فإنه قد سن لهم بها سننًا سيئة ويصدق عليه قول النبي ﵌ "من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على الذي أفتاه" (٢) أخرجه أحمد في المسند وابن ماجه، وفي لفظه "من أفتى بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه" (٣) أخرجه أحمد وأبو داود ورجال

стр. 120

إسناده أئمة ثقات وليس هذا بمجتهد حتى يقال أنه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، بل هذا مجازف متجرّئ على شريعة الله متلاعب بها لأنه عمد إلى من لا يعرف علم الشريعة المطهرة فرواها عنه وترك أهلها بمعزل، فإن كان يعلم أن أخذ ما يستدل به من الأحاديث عن غير أهل الفن فهو قد أتى ما أتاه من الاستدلال بالباطل وإثبات المسائل التي ليست بشرع عن عمد وقصد فما أحقه أن يعاقب على ذلك، فقد صح عن رسول الله ﵌ أنه قال: "من روى عني حديثًا يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (١)، وفي رواية "يظن أنه كذب"، والحديث ثابت في صحيح مسلم وغيره، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة أنه ﵌ قال: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار" (٢)، فهذا العامد إلى كتب من لا يعرفون صحيح الأحاديث من باطلها ولا يميزونها بوجه من وجوه التمييز كالمشتغلين بعلم الفقه والمشتغلين بعلم الأصول قد دخل تحت حديث "فهو أحد الكاذبين"، لأن من كان كذلك فهو مظنة للكذب على رسول الله ﵌، وإن لم يكن عن عمد منه وقصد لأنه أقدم على رواية ما لا يدري أصحيح هو أم باطل، ومن أقدم على ما هذا شأنه وقع في الكذب وأما إذا كان الناقل من غير أهل الفن لا يدري أن من نقل عنه لا تمييز له فهذا جاهل ليس بأهل لأن يتكلم على أحكام الله، فاستحق العقوبة من الله بإقدامه على الشريعة وهو بهذه المنزلة

стр. 121

التي لا يستحق صاحبها أن يتكلم معها على كلام فرد من أفراد أهل العلم فكيف على كلام الله ورسوله، فبعدًا وسحقًا للمتجرئين على الله وعلى شريعته بالإقدام على التأليفات للناس مع قصورهم وعدم تأهلهم، وقد كثر هذا الصنع من جماعة يبرزون في معرفة مسائل الفقه التي هي مشوبة بالرأي إن لم يكن هو الغالب عليها، ويتصدرون لتعليم الطلبة لهذا العلم، ثم تكبر أنفسهم عندهم لما يجدونه من اجتماع الناس عليهم، وأخذ العامة بأقوالهم في دينهم فيظنون أنهم قد عرفوا ما عرفه الناس، وظفروا بما ظفر به علماء الشريعة المتصدرون للتأليف والكلام على مسائل الشريعة، فيجمعون مؤلفات هي مما قمشت (١)، و "طم حبْلُ الحاطب صُنْعُ من لا يدري لمن لا يفهم"، ثم يأخذها عنهم من هو أجهل منهم وأقصر باعًا في العلم، فينتشر في العالم وتظهر في الملة الإسلامية فاقرة من الفواقر وقاصمة من القواصم، وصاحبها لجهله يظن أنه قد تقرب إلى الله بأعظم القرب، وتاجره بأحسن متاجرة، وهو فاسد الظن باطل الاعتقاد مستحق لسخط الله وعقوبته، لأنه أقدم في محل الإحجام وتحلّى بما ليس له، ودخل في غير مدخله، ووضع جهله على أشرف الأمور وأعلاها وأولاها بالعلم والإتقان والتمييز وكمال الإدراك فهذا هو بمنزلة القاضي الذي لا يعلم بالحق فهو في النار (٢)، سواء حكم بالحق أو الباطل، بل هذا الذي أقدم على تصنيف الكتب وتحرير

стр. 122

المجلدات في الشريعة الإسلامية مع قصوره وعدم بلوغه إلى ما لا بد لمن يتكلم في هذا الشأن منه، أحق بالنار من ذلك القاضي الجاهل، لأنه لم يصب بجهل القاضي الجاهل مثل من أصيب بمصنفات هذا المصنف المقصّر، ومن فتح الله عليه من معارفه بما يعرف به الحق من الباطل والصواب من الخطأ لا يخفى عليه ما في هذه المصنفات الكائنة بأيدي الناس في كل مذهب، فإنه يقف من ذلك على العجب، ففي بعض المذاهب يرى أكثر ما يقف عليه في مصنف من مصنفات الفقه خلاف الحق، وفي بعضها يجد بعضه صوابًا وبعضه خطأ، وفي بعضها يجد الصواب أكثر من الخطأ، ثم يعثر على ما يحرّره مصنفوا تلك الكتب من الأدلة لتلك المسائل التي قد دوّنوها فيجد فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وقد جعلها المصنف شيئًا واحدًا، وعمل بها جميعها من غير تمييز، وعارض بين الصحيح والموضوع وهو لا يدري، ورجَّح الباطل على الصحيح وهو لا يعلم. فما كان أحق هذا المصنف - لا كثر الله في أهل العلم من أمثاله -، بأن يؤخذ على يده ويقال له اترك ما لا يعنيك ولا تشتغل بما لا ليس من شأنك ولا تدخل فيما لا مدخل لك فيه، ثم إذا فات أهل عصره أن يأخذوا على يده فلا ينبغي أن يفوت من بعدهم أن يأخذوا على أيدي الناس ويحولوا بينهم وبين هذا الكتاب الذي لا يفرق مؤلفه بين الحق والباطل. ولا يميز بين ما هو من الشريعة وما ليس منها فما أوجب هذا عليهم، فإن هذا المشؤوم قد جنى على الشريعة وأهلها جناية شديدة، وفعل منكرًا عظيمًا وهو يعتقد لجهله أنه قد نشر في الناس مسائل الدين، ويظن من اتبعه في الأخذ عنه أن هذا الذي جاء به هذا المصنف هو الشريعة، فانتشر بين الجاهلين أمر عظيم وفتنة شديدة، وهذا هو السبب الأعظم في اختلاط المعروف بالمنكر في كتب الفقه، وغلبة علم الرأي على علم الرواية، فإن المتصدر للتصنيف في كتب الفقه وإن بلغ في إتقانه وإتقان علم الأصول وسائر الفنون الآلية إلى حد

стр. 123

يتقاصر عنه الوصف، إذا لم يتقن علم السنّة ويعرف صحيحه من سقيمه، ويعول على أهله في إصداره وإيراده، كانت مصنفاته مبنية على غير أساس، لأن علم الفقه هو مأخوذ من علم السنة إلّا القليل منه، وهو ما قد صرح بحكمه القرآن الكريم، فما يصنع ذو الفنون بفنونه إذا لم يكن عالمًا بعلم الحديث متقنًا له معوّلًا على المصنفات المدونة فيه. وبهذه العلة تجد المصنفين في علم الفقه يعوّلون في كثير من المسائل على محض الرأي، ويدونونه في مصنفاتهم وهم لا يشعرون أن في ذلك سنّة صحيحة يعرفها أقل طالب لعلم الحديث، وقد كثر هذا جدًّا من المشتغلين بالفقه على تفاقم شره وتعاظم ضرره. وجنوا على أنفسهم وعلى الشريعة وعلى المسلمين. وإذا شككت في شيء من هذا فخذ أي كتاب شئت من الكتب المصنفة في الفقه وطالعه تجد الكثير الواسع، وكثيرًا ما تجد في ذلك من المسائل التي لم تَدعُ إليها حاجة ولا قام عليها دليل بل مجرّد الفرض والتقدير وما يدور في مناظرة الطلبة ويسبق إليه أذهانهم، فإن هذا يكون في الابتداء سؤالًا ومناظرة، ثم يجيب عنه من هو من أهل الفقه، وغالب من يتصدّر منهم وينفَق بينهم، هو من لا التفات له إلى سائر العلوم ولا اشتغال منه بها فلا يعرف الحجة ولا يعقلها، فيدون الطلبة جوابه ويصير حينئذ فِقهًا وعِلمًا، وهو كلام جاهل لا يستحق الخطاب، ولا يعوّل على مثله في جواب، ولو تكلم معه المتكلم في فن من فنون الاجتهاد لكان ذلك عنده بمنزلة من يتكلم بالعجمية، ويأتي بالمعميات ويتعمد الألغاز، فيا هذا الجاهل - لا كثّر الله في أهل العلم من أمثالك -، ألّا تقتصر على ما قد عرفته من كلام من تقلده فإذا سألك سائل عن شيء منه نقلته له بنصه، وإن سألك عما لم يكن منه، قُلتَ: لا أدري، فمالك والكلام برأيك، وأنت جاهل لعلم الرأي فضلًا عن علم الرواية، وعاطل عن كل معقول ومنقول لم تحط من علم الفقه الذي ألفه أهل مذهبك إلّا بمختصر من المختصرات، فضلًا عن

стр. 124

مؤلفات غير أهل مذهبك في الفقه فضلًا عن المؤلفات في سائر العلوم، فأنت من علامات القيامة، ومن دلائل رفع العلم، وقد أخبرنا رسول الله ﵌، عنك وعن أمثالك وأَبانَ لنا "أنه يتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فيفتون بغير علم فيَضلون ويُضلون" (١) فأنت ممن يُفتي بغير علم، ويتعمد الضلالة لنفسه والإضلال للناس، "فاربع [على طلعك"] (٢) وأقصر من غوايتك واترك ما ليس من شأنك، ودع مثل هذا لمن علمه الله علم الكتاب والسنّة وأطلعه على أسرارهما بما فتح له من المعارف الموصلة إليهما، فأنت إن وكلت الأمر إلى أهله وألقيت عنان هذا المركب إلى فارسه، دخل إلى الشرع من أبوابه، ووصل إلى الحق من طريقه، وحطّ عن عباد الله كثيرًا من هذه التكاليف التي قد كلفهم بها أمثالك من الجهال، وأراحهم من غالب هذه الأكاذيب التي يسمونها علمًا، فإن ذلك شيء، الجهل خير منه. ولقد عظمت المحنة على الشرع وأهله بهذا الجنس من المقلدة حتى بطل كثير من الشريعة الصحيحة التي لا خلاف بين المسلمين في ثبوتها لاشتهارها بين أهل العلم، ووجودها إما في محكم الكتاب العزيز أو في ما صح من دواوين السنّة المطهّرة التي هي مشتهرة بين الناس اشتهارًا على وجه لا يخفى على من ينسب إلى العلم وإن كان قليل الحظ فيه وسبب ذلك أن

стр. 125

هؤلاء كما عرفت قد جعلوا غاية مطلبهم ونهاية مقصدهم العلم بمختصر من مختصرات الفقه التي هي مشتملة على ما هو من علم الرأي والرواية والرأي أغلب، ولم يرفعوا إلى غير ذلك رأسًا من جميع أنواع العلوم، فصاروا جاهلين بالكتاب والسنّة وعلمهما جهلًا شديدًا، لأنه قد تقرر عندهم أن علم (١) الشريعة منحصر في ذلك المختصر، وأن ما عداه فضلة أو فضول، فاشتد شغفهم به وتكالبهم عليه، ورغبوا عما عداه وزهدوا فيه زهدًا شديدًا، فإذا سمعوا آية من كتاب الله أو حديثًا من سنّة رسول الله ﵌ مصرحًا بحكم من الأحكام الشرعية تصريحًا يفهمه العامة من أهل طبقتهم كان ذلك هيّنًا عندهم كأنه لم يكن كلام الله أو كلام رسوله، ويطرحونه لمجرد مخالفته لحرف من حروف ذلك الكتاب، بل مفهوم من مفاهيمه، وهذا لا ينكره من صنيعهم إلا من لا يعرفهم وقد عرفت منهم من لو جمع له الجامع مصنفًا مستقلًا من أدلة الكتاب والسنّة يشتمل على أدلة قرآنية وحديثية ما يجاوز المئين أو الألوف، كلها مصرح بخلاف حرف من حروف ذلك المختصر الذي قد عرفه من الفقه، لم يلتفت إلى شيء من ذلك. ولو انضم إلى الكتاب والسنّة المنقولة في ذلك المصنف، إجماع الأمة سابقها ولاحقها وكبيرها وصغيرها من كل من ينتسب إلى العلم، على خلاف ما في ذلك المختصر، لم يرفع رأسه إلى شيء من ذلك، ولا استبعد أنه لو جاءه نبي مرسل أو ملك مقرّب يخبره أن الحق الذي شرعه الله لعباده خلاف حرف من حروف ذلك المختصر لم يسمع منهما ولا صدّقهما، بل لو انشقت السماء وصرخ منها ملك من الملائكة بصوت يسمعه جميع أهل الدنيا بأن الحق على خلاف ذلك الحرف الذي في المختصر لم يصدقه ولا رجع إلى قوله، وأعظم من هذا أنك ترى الواحد منهم يعترف بأنه مقلد ثم يحفظ عن

стр. 126

شيخه مسألة يعترف أنها من أفكاره وأنه لم يسبق إليها مع اعترافه بأن ذلك الشيخ مقلّد واعترافه بأن تقليد المقلد لا يصح ثم يأخذ هذه المسألة عن شيخه ويعمل بها قابلًا لها قبولًا تامًّا ساكنًا إليها منثلج الخاطر بها مؤثر لها على أدلة الكتاب والسنّة وأنظار المبرزين من العلماء ولو أجمعوا جميعًا فإن إجماعهم ودليلهم لا يثني هذا الفدم الجافي الجلف عن كلام شيخه المقلّد الذي سمعه منه. وبالجملة فمن كان بهذه المنزلة فهو ممن طبع الله على قلبه وسلبه نور التوفيق فعمي عن طريق الرشاد وضل عن سبيل الحق، ومثل هذا لا يستحق توجيه الخطاب إليه ولا يستأهل الاشتغال به، فإنه وإن كان في مسلاخ إنسان وعلى شكل بني آدم فهو بالدوابِّ أشبه وإليها أقرب، ويا ليته لو كان دابة، ليسلم من معرّته عباد الله وشريعته. ولكن هذا المخذول مع كونه حماري الفهم، بهيمي الطبع، قد شغل نفسه بالحط على علماء الدين المبرزين المشتغلين بالكتاب والسنّة وعلمهما وما يوصل إليهما وعاداهم أشد العداوة وكافحهم بالمكروه مكافحة ونسبهم إلى مخالفة الشرع ومباينة الحق بسبب عدم موافقتهم له على العمل بما تلقنه من شيخه الجاهل. ولقد جاءت هذه الأزمنة في ديارنا هذه بما لم يكن في حساب ولا خطر ببال إبليس أن يكون له مثل هذه البطانة ولا ظن أنه ينجح كيده فيهم إلى هذا الحد ويبلغون في طاعته هذا المبلغ، فإن غالبهم قد ضمّ إلى ما قدمنا من أوصافه وصفًا أشد منها وأشنع وأقبح وهو أنه إذا سمع قائلًا يقول قال رسول الله، أو يملي سندًا فيقول حدثنا فلان عن فلان قامت قيامته وثار شيطانه واعتقد أن هذا صنع أعداء أهل البيت المناصبين لهم العداوة المخالفين لهديهم (١).

стр. 127

فانظر ما صنع هذا الشيطان فإن في نسبته للمشتغلين بالسنّة المطهرة إلى مخالفة أهل البيت طعنًا عظيمًا على أهل البيت لأنه جعلهم في جانب والسنّة في جانب آخر وجعل بينهما عنادًا وتخالفًا فانظر هذا الشيعي المحب لأهل البيت القائم في نشر مناقبهم كان أول ما قرره من مناقبهم النداء إلى الناس بأن من عمل بالسنّة المطهرة أو رواها أو أحبها فهو مخالف لأهل البيت، وحاشى لأهل البيت أن يكونوا كما قال، فهم أحق الأمة باتباع سنّة رسول الله ﵌ والاهتداء بهديه والاقتداء بكلامه. (ولو كانوا كما قال هذا الجاهل لم يكونوا من أهل البيت، بل من أعداء الشريعة المطهرة، وأعداء الله ورسوله فإن من تظهَّر بمخالفة سنة رسول الله فقد تظهر بمخالفة الله وبمخالفة رسوله وخرج من حزب الحق إلى حزب الباطل، ومن نور الهداية إلى ظلمة الغواية كائنًا من كان فليس بعد هذا شيء) (١). ولقد رأينا هؤلاء الذين يسخطون على السنّة المطهرة ويعادون من اشتغل بها وعكف عليها يسمع أحدهم في المساجد والمدارس علوم الفلسفة وسائر علوم غير الشريعة يقرأها الطلبة على الشيوخ فلا ينكر ذلك ولا يرى به بأسًا. فإذا سمع حدثنا فلان عن فلان قال: قال رسول الله ﵌ كان هذا أشد على سمعه من علم أرسطاطاليس وأفلاطون وجالينوس بل أثقل على سمعه من فرعون وهامان. فقبح الله أهل البدع وقلّل عددهم وأراح منهم فإنهم أضرّ على الشريعة من كل شيء قد شغلوا أنفسهم بمسائل معروفة هي رأس مذهبهم وأساسه وتركوا ما عدا ذلك وعابوه وعادوا أهله. انظر الرافضة فإنك تجد أكثر ما لديهم وأعظم ما يشتغلون به ويكتبونه

стр. 128

ويحفظونه مثالب الصحابة ﵃ المكذوبة عليهم ليتوصلوا بذلك إلى ما هو غاية ما لديهم من السّب والثلب لهم، صانهم الله وكبت مبغضيهم. ثم يعتبرون الناس جميعًا بهذه المسألة، فمن وافقهم فيها فهو المسلم حقًّا، المحق وإن فعل ما فعل، ومن خالفهم في هذه المسألة فهو المبطل المبتدع وإن كان على جانب من الورع وحظ من التقوى لا يقادر قدرهما، وقد يضمُّون إلى هذه المسألة التظهر بجمع الصلوات. وترك الجُمَعْ كما قلته في أبيات (١). تشيّع الأقوام في عصرنا … منحصرٌ (في بدع تبتدع (٢)) عداوة السنّة والثلب للأ … سلاف والجمع وترك الجُمَعْ وأما معيار التشيع في ديارنا هذه عند جماعة من الزيدية لا عند جميعهم فيزيدون على هذه الأربع خامسة وهي التظهر بترك بعض من سنن الصلاة كالرفع والضم فإن أهل الطبقة التي ذكرنا لك أنها أصل الشر إذا رأوا من يفعل الرفع والضم ونحوهما كالتوجه في الصلاة بعد التكبيرة والتورّك في التشهد الأخير والدعاء في الصلاة بغير ما قد عرفوه، عادوه عداوة أشد من عداوتهم لليهود والنصارى، وظنوا أنه على شريعة آخرة وعلى دين غير دين الإسلام وأوقعوا في أذهان العوام أنه ناصبي، فانتقلوا من فعله لهذه السنن أو أحدها إلى النصب الذي هو بغض عليّ وحكموا عليه به حكمًا جازمًا، فانظر هذا الصنع الشنيع الذي هو شبيه بلعب الصبيان. ومما أحكيه لك: إني أدركت في أوائل أيام طلبي رجلًا يقال له الفقيه

стр. 129

صالح النهمي (١) قد اشتهر في الناس بالعلم والزهد وطلب علوم الاجتهاد طلبًا قويًا فأدركها إدراكًا جيدًا، فرفع يديه في بعض الصلوات، ورآه يفعل ذلك بعض المدرسين في علم الفقه المشهورين بالتحقيق فيه والإتقان له، فقال: اليوم ارتدّ الفقيه صالح. فانظر هذه الكلمة من مثل هذا مع شهرته في الناس واجتماع كثير من طلبة علم الفروع عليه في جامع صنعاء، وشيبه الناصع وثيابه الحسنة، كيف موقعها في قلوب العامة وما تراهم يعتقدون في الفاعل لذلك بعد هذا، فأبعد الله هذا عالمًا وذهب بهذا علمًا، وإن كان لا عالم ولا علم فإن من لا يعقل الحجة ولا يفهم إلّا مجرّد الرأي لا الرواية ليس من العلم في شيء، ولا يستحق الدخول في باب من أبوابه، ولا ينبغي وصفه بشيء من صفاته، فيا هذا لا حيّاك الله أيكون فعل سنّة الرفع التي اجتمع على روايتها عن رسول الله ﵌ العشرة المبشرة بالجنة ومعهم زيادة على أربعين صحابيًا، ردة وكفرًا وخروجًا من الملة الإسلامية، اتدري ما صنعت بنفسك يا جاهل؟! عمدت إلى سنّة من السنن الثابتة ثبوتًا متواترًا فتركتها، ولم تقنع لمجرد إنكار ثبوتها بل جاوزت ذلك إلى أن جعلتها ردة، فجنيت على صاحب الشريعة أولًا، ثم على كل مسلم يفعل هذه السنة ثانيًا، ثم على نفسك ثالثًا، فخبت وخسرت وخبطت خبطًا ليس من شأن من هو مثلك من أسراء التقليد واتباع التعصب وكفّرت عالمًا من علماء المسلمين، يفعل سنة من سنن سيد المرسلين، فمالك وهذا وأنت تعترف على نفسك أنك لا تعرف الحق ولا تعقل الصواب في مسائل الطهارة والتخلي (٢) والوضوء والصلاة، فكيف قمت ههنا مقام تكفير المسلمين

стр. 130

والحكم عليهم بصريح الردة، جازمًا بذلك متحدّثًا به مطمئنًا إليه، فما أوجب إنكار مثل هذا المنكر على أئمة المسلمين وأولي الأمر منهم، فإن التنكيل بهذا المتكلم بمثل هذا الكلام بالحبس وسائر أنواع التعزير التي تردعه وتردع أمثاله من أهل التعصب عن انتهاك أعراض المسلمين والتلاعب بعلماء الدين من أعظم ما يتقرّب به المتقربون، وأفضل ما يفعله من ولاه الله من أمر عباده شيئًا، فإن غالب ما يصدر من هؤلاء المتعصبة من تمزيق أعراض علماء الدين المتمسكين بالسنن الصحيحة الثابتة في هذه الشريعة هو راجع إلى الطعن علي الشريعة والرد لما جاءت به، وتقليب السنن بدعًا، والبدع سننًا، والأخذ على أيدي هؤلاء حتى يَدَعوا ما ليس من شأنهم، ويقلعوا عن غوايتهم، ويقصروا عن ضلالتهم واجب على كل مسلم، وإذا لم تتناول أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا لم تتناول غيره. ومن هذا الجنس الذي يفعله أهل التعصب فرارهم عن علماء الإنصاف وطعنهم على من اتصل بهم أو أخذ عنهم وتحذيرهم للعامة وللطلبة عن مجالسة من كان كذلك وإخبارهم لهم بأن ذلك العالم سيضلهم ويخرجهم عما هم فيه من المذهب الذي هم عليه، ثم يذكرون عند هذا التحذير والإنذار مطاعن يطعنون بها على ذلك العالم لمجرد سماعها يثور غضب كل مسلم ويلتهب طبع من يسمع ذلك كائنًا من كان، فيقولون مثلًا لذلك العامي أو الطالب: هذا العالم الذي تتصل به يبغض عليّ بن أبي طالب أو يبغض أهل البيت أو نحو هذه العبارات الفظيعة، فعند سماع ذلك تقوم قيامة هذا المسكين، وليس بملوم فإنه جاهل جاء إليه من له ثياب أهل العلم وسمتهم وشكلهم، فقال له: إن ذلك العالم يعتقد كذا أو يقول كذا فصدَّقه، فالذنب محمول على ذلك القائل، ولا يكون إلّا من أهل تلك الطبقة التي هي منشأ الشر ومنبع الفتنة، وقد اشتهر على ألسن الناس في صنعاء وما يتصل بها أن العلماء المجتهدين ومن يأخذ عنهم ويتصل بهم في هذه العصور يقال لهم

стр. 131

سنيّة، وهذا هو اللقب الذي يتنافس فيه المتنافسون، فإن نسبة الرجل إلى السنة تنادي أبلغ نداء، وتشهد أكمل شهادة، بأنه متلبس بها، ولكنه لما صار في اصطلاح هؤلاء المتعصبة، يطلق على من يعادي عليًّا ويوالي معاوية، افتراء منهم على أهل العلم، واجتراء على المسلمين، استصعب ذلك من استصعبه عند إطلاقه عليه في ألسن هؤلاء الذين هم بالدواب أشبه، ولم أجد أهل ملة من الملل ولا فرقة من الفرق الإسلامية، أشد بهتًا وأعظم كذبًا وأكثر افتراء من الرافضة، فإنهم لا يبالون بما يقولون من الزور كائنًا ما كان، ومن كان مشاركًا لهم في نوع من أنواع الرفض وإن قلّ كان فيه مشابهة لهم بقدر ما يشاركهم فيه، فهذا الذي نجده في ديارنا هذه يختلف باختلاف المشاركة المذكورة، فمن تلاعب به الشيطان ولم يزل ينقله من درجة إلى درجة حتى وصل به إلى الرفض البحت كما تشاهده في جماعة، فلا مطمع في كفّه عن الطعن والثلب لخير القرون فضلًا عن أهل عصره وليس يفلح من كان هكذا ولا يرجع إلى حق ولا ينزع عن باطل، فإن تظاهر بالإنصاف والإقلاع عن البدعة والتلبس بالسنّة فالغالب أن ذلك يكون لجلب مصلحة له دنيوية أو دفع مفسدة يخشى ضررها، ولا يصح إلّا في أندر الأحوال، فالهداية بيد الله يهدي من يشاء، وقد شاهدنا من خضوع هؤلاء لأطماع الدنيا وإن كانت حقيرة ما لا يمكن التعبير عنه، فإنه لو طلب منه بعض أهل الدنيا أن يخرج من مذهبه لكان سريع الإجابة قريب الانفعال حتى ينال ذلك الغرض الدنيوي، وهو لا محالة راجع إلى ما كان فيه، ومن كان دون هذا فهو أقل ضررًا منه للإسلام وأهله ولنفسه وأقرب إلى الإنصاف، ثم من كان أقل تلبسًا بهذه البدعة، كان أقل شرًا وأخفّ ضرًا. وهو يرجع عنها إذا طلب العلم ومارس فنونه وعكف على علم الحديث، فإن لم يكن متأهلًا لطلب العلوم فليلزم أهله المتصفين بالإنصاف العارفين بالحق المهتدين بهدي الدليل، وقد شاهدنا كثيرًا ممن كان كذلك يقلع عنه وتنحلَّ من عُقَد ما قد أصابه عقدة

стр. 132

بعد عقدة حتى تصفو وتذهب ما تكدرت به فطرته ويدخل إلى الحق من أبوابه بحسب استعداده وبقدر فهمه. [سادسًا: إصرار البعض على التمسك بالخطأ وعدم التراجع عنه بعد معرفتهم للحق والصواب]: ومن آفات التعصب الماحقة لبركة العلم أن يكون طالب العلم قد قال بقول في مسألة كما يصدر ممن يفتي أو يصنف أو يناظر غيره ويشتهر ذلك القول عنه فإنه قد يصعب عليه الرجوع عنه إلى ما يخالفه وإن علم أنه الحق وتبين له فساد ما قاله [ويرجع ذلك لعدة أسباب]: أ -[الخوف على سمعته ومكانته العلمية]: ولا سبب لهذا الإستصعاب إلّا تأثير الدنيا على الدين فإنه قد يسوّل له الشيطان أو النفس الأمارة أن ذلك ينقصه ويحط من رتبته ويخدش في تحقيقه ويغض من رئاسته، وهذا تخيل مختل وتسويل باطل، فإن الرجوع إلى الحق هو يوجب له من الجلالة والنبالة وحسن الثناء ما لا يكون في تصميمه على الباطل بل ليس في التصميم على الباطل إلّا محض النقص له والإزراء عليه والاستصغار لشأنه، فإن منهج الحق واضح المنار يفهمه أهل العلم ويعرفون براهينه ولا سيما عند المناظرة فإذا زاغ عنه زائغ تعصبًا لقول قد قاله أو رأي رآه، فإنه لا محالة يكون عند من يطلع على ذلك من أهل العلم أحد رجلين: أما متعصب مجادل مكابر إن كان له من الفهم والعلم ما يدرك به الحق ويتميز به الصواب، أو جاهل فاسد الفهم باطل التصوّر إن لم يكن له من العلم ما يتوصل به إلى معرفة بطلان ما صمّم عليه وجادل عنه، وكلا هذين المطعنين فيه غاية الشين وكثيرًا ما تجد الرجلين المنصفين من أهل العلم قد تباريا في مسألة وتعارضا في بحث، فبحث كل واحد منهما عن أدلة ما ذهب إليه فجاءا بالمتردية والنطيحة على علم منه بأن الحق في الجانب الآخر، وأن

стр. 133

ما جاء به لا يسمن ولا يغني من جوع، وهذا نوع من التعصب دقيق جدًّا يقع فيه كثير من أهل الإنصاف ولا سيما إذا كان بمحضر من الناس وأنه لا يرجع المبطل إلى الحق إلّا في أندر الأحوال، وغالب وقوع هذا في مجالس الدرس ومجامع أهل العلم. ب -[بدافع الكبر إذا كان صاحب الرأي الصواب أصغر منه سنًا أو أقل شهرة]: ومن الآفات المانعة عن الرجوع إلى الحق أن يكون المتكلم بالحق حدث السنّ بالنسبة إلى من يناظره أو قليل العلم أو الشهرة في الناس، والآخر بعكس ذلك فإنه قد تحمله حمية الجاهلية والعصبية الشيطانية على التمسك بالباطل أنفةً منه عن الرجوع إلى قول من هو أصغر منه سنًا أو أقل منه علمًا أو أخفى شهرة ظنًا منه أن في ذلك عليه ما يحط منه وينقص ما هو فيه، وهذا الظن فاسد فإن الحط والنقص إنما هو في التصميم على الباطل، والعلوّ والشرف في الرجوع إلى الحق بيد من كان وعلى أي وجه حصل. [ج - ما يقع في مجالس العلم من الطلاب أو الشيوخ من المجاملة]: ومن الآفات ما يقع تارة من الشيوخ وأخرى من تلامذتهم فإن الشيخ قد يريد التظهر لمن يأخذ عنه بأنّه بمحل من التحقيق وبمكان من الإتقان فيحمله ذلك على دفع الحق إذا سبق فهمه إلى الباطل لئلّا يظن من يأخذ عنه أنه يخطئ ويغلط، وهو لو عرف ما عند ذلك الذي يأخذ عنه العلم أن رجوعه عن الخطأ إلى الصواب أعظم في عينه وأجل عنده وزاده ذلك رغبة فيه ومحبة له، وإذا استمر على الغلط وصمم على الخطأ كان عنده دون منزلة الرجوع إلى الحق بمنازل، وهكذا التلميذ قد يخطر بباله التزين لشيخه والتجمل عنده بأنه قوي الفهم سريع الإدراك صادق التصور فيحمله ذلك على

стр. 134

الوقوف على ما قد سبق إلى ذهنه من الخطأ والتشبث بما وقع (١) له من الغلط. وبالجملة فالأسباب المانعة من الإنصاف لا تخفى على الفطن وفي بعضها دقّة تحتاج إلى تيقظ وتدبر وتتفق في كثير من الحالات لأهل العلم والفهم والإنصاف، فالمعيار الذي لا يزيغ، أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ومصادره لا يثنيه عنه شيء ولا يحول بينه وبينه حائل، فإذا وجد في نفسه نزوعًا إلى غير ما هو المدلول عليه بالدليل الصحيح، وأدرك منها رغبة للمخالفة، وتأثيرًا لغير ما هو الحق، فليعلم عند ذلك أنه قد أصيب بأحد الأسباب السابقة من حيث لا يشعر، ووقع في محنة فإن عرفها بعد التدبّر فليجتنبها كما يجتنب العليل ما ورد عليه من الأمور التي كانت سببًا لوقوعه في المرض، وإن خفيت عليه العلة التي حالت بينه وبين اتباع الحق فليسأل من له ممارسة للعلم ومعرفة بأحوال أهله كما يسأل المريض الطبيب إذا لم يعرف علته ولا اهتدى إليها فقد يكون دفع العلة بمجرّد تجنب الأسباب الموقعة فيها كالحمية التي يرشد إليها كثير من الأطباء إذا لم تكن العلة قد استحكمت، وقد يكون دفعها باستعمال الأدوية التي تقاوم المادة الكائنة في البدن وتدافعها حتى تغلبها. وهكذا علة التعصب فإنه إذا عرف سببه أمكن الخروج منه باجتنابه، وإن لم يعرف سأل أهل العلم المنصفين عن دواء ما أصابه من التعصب فإنه سيجد عندهم من الأدوية ما هو أسرع شفاء (٢) وأقرب نفعًا وأنجع برءًا مما يجده العليل عند الأطباء. واعلم أنه كما يتسبب عن التعصب محق بركة العلم وذهاب رونقه

стр. 135

وزوال ما يترتب عليه من الثواب، كذلك يترتب عليه من الفتن المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم وتمزيق الأعراض واستحلال ما هو في عصمة الشرع ما لا يخفى على عاقل وقد لا يخلو عصر من العصور ولا قطر من الأقطار من وقوع ذلك لا سيما إذا اجتمع في المدينة والقرية مذهبان أو أكثر وقد يقع من ذلك ما يفضي إلى إحراق الديار وقتل النساء والصبيان كمثل ما كان يقع بين السنيّة والشيعة ببغداد، فإنهم كانوا يفعلون في كل عام فتنًا ويهرقون الدماء ويستحلون من بعضهم البعض ما لا يستحلونه من أهل الذمة بل قد لا يستحلونه من الكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد، وهذا يعرفه كل من له خبرة بأحوال الناس، ومن أراد الاطلاع في تفاصيل ما كان يقع بينهم في بغداد بخصوصها فلينظر في مثل تواريخ الذهبي وتاريخ ابن كثير ونحو ذلك فإنه سيجد في حوادث كل سنة شيئًا من ذلك في الغالب (١)، وقد تنتهي بهم التعصبات والمناقضات إلى ما هو من أنواع الجنون والحماقات القبيحة كما وقع في كتب التواريخ أن أهل السنّة ببغداد، أركبوا امرأة على جمل وأركبوا رجلين آخرين وسمّوا المرأة عائشة والرجلين طلحة والزبير ومشوا معهم وتحزبوا وتجمعوا، فسمع بذلك الشيعة من أهل الكرخ فأقبلوا مسرعين بالسلاح والكراع وقاتلوا أهل السنة قتالًا شديدًا وضربوا المرأة المسماة عائشة والمسمى طلحة والزبير ضربًا مبرحًا (٢).

стр. 136

ومن غرائب مناقضاتهم أن الشيعة لما اجتمعوا لزيارة الحسين بن عليّ ﵁ في عاشوراء اجتمعت السنّية وخرجوا يزورون مصعب بن الزبير وجعلوا ذلك عادة لهم في عاشوراء (١)، فانظر ما في هذه المناقضة من الجهل فإن مصعبًا ليس بمستحق لذلك لأنه لم يكن معروفًا بعلم ولا فضل بل أمير كبير ولي العراق من أخيه عبد الله بن الزبير وسفك من الدماء ما لا يأتي عليه الحصر وبقي كذلك حتى وقع الحرب بينه وبين عبد الملك بن مروان فخذله أهل العراق فَقُتل، فانظر أي فضيلة لمصعب يستحق بها أن يكون للسنيّة كالحسين للشيعة. وبالجملة فقد حدثت بسبب الاختلاف بين الطائفتين فواقر عظيمة لو لم يكن منها إلّا دخول التتر بغداد وقتلهم الخليفة والمسلمين، فإن سبب

стр. 137

ذلك الوزير الرافضي ابن العلقمي (١) كان بينه وبين الأمير مجاهد الدين الدويدار من العداوة أمر عظيم وكان مجاهد الدين يتعصب على الشيعة تعصبًا شديدًا حتى أفضى ذلك إلى نهب أهل الكرخ وإحراق بعض مساكنهم فغضب الوزير غضبًا شديدًا، ولم يستطع المكافأة إذ ذاك، فحمله ذلك على مكاتبة التتر وترغيبهم في بغداد وتسهيل الأمر عليهم، فأقبل (هولاكو) ملك التتر ومعه جيش من التتر عظيم فوصلوا بغداد وأحاطوا بها من جميع جوانبها وما زال الوزير يخدع الخليفة ويفرّق جيوشه ويحول بينه وبين الحزم حتى أعيت الحيلة وتمكن العدو، فخرج عند ذلك الوزير إلى التتر وقد تقدم بينهم من المكاتبة ما فيه حرمة وذمة وتكفَّل لهم بإيقاع الخليفة وأعيان المحل في أيديهم يقتلونهم كيف شاؤوا ثم دخولهم بغداد بعد ذلك، ثم رجع إلى الخليفة وأخبره أن سلطان التتر لا يريد استئصاله ولا نزع يده من الخلافة وليس له رغبة إلى ذلك بل مراده أن يكون متصرفًا عن أمر الخليفة كما كان يتصرف عن أمرهم الملوك الحمدانية والبويهية والسلجوقية، وإنه يريد أن يزوج ابن الخليفة بابنته وما زال يخدع الخليفة ويفتل منه في الذروة والغارب حتى أسعده ومال إلى مقاله، وقال له يخرج هو وأعيان البلد لعقد النكاح فخرج الخليفة وإخوته وأولاده وأعمامه وأمراؤه وأعيان بغداد من كل طبقة من الطبقات التي تتصل بالخليفة، وكان الذي عين الخارجين وسمّاهم هو الوزير المذكور، فلم يدع أحدًا من أركان الدولة يخشى منه ولا سيما من كان متعصبًا على الشيعة كالأمير مجاهد الدين الدويدار، فإنه جعلهم في أول الخارجين لشهود العقد، وقد كان أبرم هو وسلطان التتر أنه سيجعله وزيرًا كما كان مع الخليفة العباسي، فلما خرج أولئك الأعيان والخليفة قتلهم التتر جميعًا ثم دخلوا بغداد فقتلوا من بها من الطائفتين لم يبقوا على شيعي ولا

стр. 138

سني وكان جملة القتلى كما نقله كثير من ثقات المؤرخين ثمانية عشر لكًّا (١) عن ألف ألف قتيل وثماني مائة ألف قتيل. فانظر هذه الفاقرة العظيمة التي تسببت عن تعصب الوزير الرافضي لأصحابه من الرافضة لا ﵀، وقد كان يظهر التأسف والتندّم ويقول أنه ما كان يظن أن الأمر يقع هكذا وأنه كان يظن سلامة الشيعة وعدم وصول الأمر إليهم حسبما قدمه لنفسه ولهم ولم يصل إلى ما شرطه لنفسه من الوزارة ولا غيرها، وغاية ما ناله السلامة من القتل. ومات بعد أن اقترف هذه العظيمة بأيام يسيرة دون سنة، وكان موته كمدًا على ما جناه على نفسه خصوصًا وعلى إخوانه من الرافضة وسائر المسلمين وكان في بعض الأوقات يظهر التجلّد ويقول لا يبالي بمن قُتل ولا بمن أصيب بعد أن شفى نفسه من الدويدار، فانظر هذه الجاهلية التي تظاهر بها هذا الرافضي وانظر ما صنع بالمسلمين وما جناه الخليفة على نفسه من استخلاصه للوزارة وأمانته على الأسرار والركون إليه في تدبير الدولة (٢).

стр. 139

وهكذا من ألقى مقاليد أمره إلى رافضي وإن كان حقيرًا فإنه لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض بل يستحل ماله ودمه عند أدنى فرصة تلوح له، لأنه عنده مباح الدم والمال وكل ما يظهره من المودة فهو تقيَّة يذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة، وقد جربّنا هذا تجريبًا كثيرًا فلم نجد رافضيًا يخلص المودة لغير رافضي وإن آثره بجميع ما يملكه وكان له بمنزلة الخول وتودّد إليه بكل ممكن، ولم نجد في مذهب من المذاهب المبتدعة ولا غيرها ما نجده عند هؤلاء من العداوة لمن خالفهم، ثم لم نجد عند أحدٍ ما نجد عندهم من التجرّي على شتم الأعراض المحترمة، فإنه يلعن أقبح اللعن ويسبّ أفظع السب كل من تجري بينه وبينه أدنى خصومة وأحقر جدال وأقل اختلاف، ولعل سبب هذا والله أعلم أنهم لما تجرؤوا على سب السلف الصالح هان عليهم سب من عداهم، ولا جرم فكل شديد ذنب يهون ما دونه، وقد يقع بعض شياطينهم في عليّ كرم الله وجهه حردًا عليه وغضبًا له حيث ترك حقه، بل قد يبلغ بعض ملاعينهم إلى ثلب العرض الشريف النبوي صانه الله قائلًا إنه كان عليه الإيضاح للناس وكشف أمر الخلافة ومن الأقدم فيها والأحق بها. وأما تسرع هذه الطائفة إلى الكذب وإقدامهم عليه والتهاون بأمره فقد بلغ من سلفهم وخلفهم إلى حد الكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه وعلى صالحي أمته ووقع منهم في ذلك ما يقشعرّ له الجلد، وناهيك بقوم بلغ الخذلان بِغُلاتِهم إلى إنكار بعض كتاب الله وتحريف البعض الآخر

стр. 140

وإنكار سنة رسول الله ﵌، وجاوز ذلك جماعة من زنادقتهم إلى اعتقاد الألوهية في ملوكهم بل في شيوخ بلدانهم، ولا غرو فأصل هذا المظهر الرافضي مظهر الحاد وزندقة، جعله من أراد كياد الإسلام سترًا له فأظهر التشيع والمحبة لآل رسول الله ﵌ استجذابًا لقلوب الناس لأن هذا أمر يرغب فيه كل مسلم وقصدًا للتغرير عليهم، ثم أظهر للناس أنه لا يتم القيام بحق القرابة إلّا بترك حق الصحابة ثم جاوز ذلك إلى إخراجهم وصانهم الله عن سبيل المؤمنين، ومعظم ما يقصده بهذا هو الطعن علي الشريعة وإبطالها، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم الذين رووا للمسلمين علم الشريعة من الكتاب والسنّة. فإذا تمّ لهذا الزنديق باطنًا الرافضي ظاهرًا القدح في الصحابة وتكفيرهم والحكم عليهم بالردّة بطلت الشريعة بأسرها، لأن هؤلاء هم حملتها الراوون لها عن رسول الله ﵌، فهذا هو العلة الغائية لهم، وجميع ما يتظهرون به من التشيع كذب وزور، ومن لم يفهم هذا فهو حقيق بأن يتهم نفسه ويلوم تقصيره، ولهذا تجدهم إذا تمكنوا وصارت لهم دولة يتظاهرون بهذا ويدعون الناس إليه، كما وقع من القرامطة والباطنية والإسماعيلية ومن نحا نحوهم، فإنهم لما تمكنوا أظهروا صريح الكفر والزندقة وفعلوا تلك الأفاعيل من الاستهتار بمحارم الله وما عظمه كنقلهم للحجر الأسود من الحرم إلى هجر، وكقول رئيس القرامطة اللعين لما سفك دماء الحجاج بالبيت الحرام وفعل به من المنكرات ما هو معروف (١):

стр. 141

ولو كان هذا البيت لله ربنا … لصبّ علينا النار من فوقنا صبًّا لأنَّا حججنا حجّةً جاهليّةً … محلَّلةً لم تبق شرقًا ولا غربًا ثم قال لمن بقي في الحرم سالمًا من القتل: يا حمير أنتم تقولون ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقد كان أول هذه النحلة القرمطية، التظهر بمحبة أهل البيت والتوجع لهم والعداوة لأعدائهم ثم انتهى أمرهم إلى مثل هذا. وهكذا الباطنية فإن مذهبهم الذي يتظهرون به ويبدونه للناس هو التشيع ولا يزال شياطينهم ينقلون من دخل معهم فيه من مرتبة إلى مرتبة حتى يوقفوه على باب الكفر وصراح الزندقة، وإذا تمكن بعض طواغيتهم فعل كما فعل علي بن الفضل الخارج باليمن من دعاء الناس إلى صريح الكفر ودعوى النبوة ثم الترقي إلى دعوى الألوهية، وكما فعله الحاكم العبيدي بمصر من أمر الناس بالسجود له والقيام عند ذكره على صفة معروفة فكان إذا ذكره الخطيب يوم الجمعة على المنبر قام جميع من بالمسجد ثم يخرّون ساجدين ثم يقوم بقيامهم من يتصل بالجامع من أهل الأسواق ثم يسري ذلك إلى قيام أهل مصر (١)، وما كان يبديه من الأفعال المتناقضة والحماقات الباردة مقصوده من ذلك تجريب أحوال الناس واختبار طاعتهم له في الأمور الباطلة وفي مخالفة الشريعة حتى ينقلهم إلى ما يريده. وكم نعدد لك من هذا. وبالجملة فإذا رأيت رجلًا قد انتهى به الرفض إلى ذم السلف الصالح والوقيعة فيهم وإن كان ينتمي إلى غير مذهب الإمامية فلا تشك في أنه مثلهم فيما قدمنا لك، وجرِّبْ هذا إن كنت ممن يفهم فقد جرّبناه وجربه من قبلنا فلم يجدوا رجلًا رافضيًا يتنزه عن شيء من محرّمات الدين كائنًا ما كان ولا

стр. 142

تغترّ بالظواهر فإن الرجل قد يترك المعصية في الملأ ويكون أعفّ الناس عنها في الظاهر وهو إذا أمكنته فرصة انتهزها انتهاز من لا يخاف نارًا ولا يرجو جنّة. وقد رأيت من كان منهم مؤذنًا ملازمًا للجماعات فانكشف سارقًا، وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء وله سمت حسن وهدي عجيب وملازمة للطاعة وكنت أكثر التعجب منه كيف يكون مثله رافضيًا ثم سمعت بعد ذلك عنه بأمور تقشعرّ لها الجلود وترجف منها القلوب، وكان لي صديق يكثر المجالسة لي والوصول إليّ وفيه رفض يسير وهو متنزّه عن كل محظور ثم ما زال ذلك يزيد به لأسباب حتى صار يصنّف في مثالب جماعة من الصحابة، ثم صار يمزّق أعراض جماعة من أحياء أهل العلم والأموات وينسبهم إلى النصب بمجرّد كونهم لا يوافقونه على رفضه. ثم صار يتصل به جماعة ويأخذون عنه من الرفض ما لا يتظاهر بمثله أهل هذه الديار وكنت أعرف منه في مبادئ أمره صلابة وعفّة فقلت إذا كان ولا بدّ من رافضي عفيف فهذا ثم سمعت عنه بفواقر، نسأل الله الستر والسلامة. وأما وثوب هذه الطائفة على أموال اليتامى والمستضعفين ومن يقدرون على ظلمه كائنًا من كان فلا يحتاج إلى برهان بل يكفي مدّعيه إحالة منكره على الاستقراء والتتبع فإنه سيظفر عند ذلك بصحة ما ذكرناه. ولقد جربت أهل عصري في هذه المادة تجريبًا عظيمًا لتعلقي بما تتعلق به الأطماع (١)، واختباري بالناس على اختلاف طبقاتهم ولا شك أن الدنيا مؤثرة وأن الوثوب على مصالحها وتقديمها وانتهاز الفرص فيما يتعلق بها غير مختص بهؤلاء بل هو عام لكل الفرق والزاهد فيها المؤثر للدين عليها

стр. 143

هو الشاذ النادر لكن هؤلاء لهم مزيد تكالب، وعظيم تهافت وشدة تهالك، مع عدم وقوف عند حدود الشرع واقتصار على ما فيها من تحليل وتحريم. ومن أقرب حوادث الرفض والرافضة في ديارنا هذه (١): أنه كان جماعة من المتظهرين بالعلم يملون على الناس في جامع صنعاء في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائتين بعد الألف في كتب فضائل علي بن أبي طالب ﵁، وكانوا نحو ثلاثة أو أربعة كل واحد منهم قد اجتمع عليه جماعة كثيرة من العامة، وكان أحدهم يملي على كرسيّ مرتفع وتسرج حوله الشمع الكثير فيجتمع من الناس عدد كثير جدًّا لقصد الفرجة كما يتفق في مثل هذا، وكانوا يشوبون المناقب بذكر مثالب بعض الصحابة ويحطون من بعضهم ويصرحون بسب البعض ويتوجعون من البعض، وكان ما يصدر من هؤلاء من هذه الأمور إنما هو مطابقة للوزير الرافضي الذي قدمت لك ذكره ولا سيما صاحب الكرسيّ، وهذا الوزير لم يكن رفضه لوازع ديني كما يتفق لكثير من أهل الجهل المتعلقين بالرفض فهو أنذل من ذاك وأقل، ولكنه يفعل ذلك مساعدة لجماعة من شياطين المتفقهة المتعصبة يدخلون إليه فيقولون له: إنه لم يبق من يحامي على هذا الأمر سواك، وإنك ركن التشيع وملجأ أهله، ونحو هذه العبارات فيبالغ في التظهر بهذه الخصلة ويحب نسبة ذلك إليه فكان الرفض مكمِّلًا لمثالبه/ متممًا لمعايبه لأنه في كل باب من أبواب القبائح قريع دهره ونسيج وحده، فلما تكاثر ما يصدر من أولئك المشتغلين بما لا يعنيهم من ثلب السلف، مع ما ينضم إلى ذلك من إدخال الضغائن في قلوب العامة وإيهامهم (٢) أن الناس قد تركوا مذهب أهل البيت وفعلوا

стр. 144

وفعلوا، وكل ذلك كذب فإن الناس هم في هذه الديار زيدية وكثير منهم يجاوز ذلك فيصير رافضيًا جلدًا، ولم يكن في هذه الديار على خلاف ذلك إلّا الشاذ النادر، وهم أكابر العلماء ومن يقتدي بهم فإنهم يعملون بمقتضى الدليل ولا ينتمون إلى مذهب ولا يتعصبون لأحد، فهؤلاء هم الذين يقصدهم أولئك الرافضة بكل فاقرة ويرمونهم بالحجر والمدر ويسمونهم بميسم (١) النصب. فلما تفاقم شر أولئك المدرسين وصار الجامع ملعبًا لا متعبّدًا واشتغل بأصواتهم المصلون عن صلاتهم والذاكرون عن ذكرهم، رجَّح إمام العصر (٢) أعزّ الله به الدين منع صاحب الكرسي من الإملاء في الجامع وأمره بالعود إلى المسجد الذي كان يملي فيه. فحضر أولئك المستمعون على عادتهم وكان الإملاء قبل صلاة العشاء فلما لم يحضر شيخهم، ذهب بعضهم ليجيء به من بيته، فأخبرهم أن الإمام قد منعه وأمره بالعود إلى حيث كان فلم يعذروه ولا سمعوا منه ورجعوا إلى الجامع، ثم ثاروا ثورة شيطانية وقاموا قومة طاغوتية، فمنعوا [الناس] من الصلاة في الجامع، وما زال ينضم إليهم كل رافضي ومن له رغبة في إثارة الفتن حتى صاروا جمعًا كثيرًا ثم خرجوا فقصدوا بيت المؤذن الذي أظهر عليهم الرأي الإمامي فرجموه حتى كادوا يهدمونه، وفيه نساء وأطفال قد صاروا في أمر مريج، هذا وليس لذلك المؤذن المسكين سعي ولا له قدرة على شيء، ولكنه أرسل بالرأي الإمامي والي الأوقاف إليه ووالي الوقف أيضًا ليس له سعي في ذلك ولكنه أرسله إليه بعض من يتصل بالمقام الإمامي، ثم لما فرغوا من رجم بيت المؤذن، ذهبوا ولهم صراخ عظيم وأصوات شديدة إلى بيت والي الأوقاف، وهو رجل من أهل العلم من آل رسول الله ﵌ فرجموا بيته رجمًا شديدًا حتى غشي على بعض من فيه من

стр. 145

الشرائف، فقال لهم قائل إن هؤلاء الشرائف المرجومات هن بنات نبيكم وبنات علي بن أبي طالب، ولم يكنّ بنات معاوية ولا بنات عمرو بن العاص وغيرهما ممن تعادونهم فما لكم ولهن، فلم يلتفتوا إلى ذلك واستمروا على الرجم ثم دخلوا إلى بعض البيت ونهبوا بعض متاعه، وبلغهم أن والي الأوقاف وولده بمسجد قريب بيته، فحاصوا حيصة حُمُر الوحش، وصرخوا صرخة الحُمُر الأهلية وذهبوا إلى ذلك المسجد عازمين على قتله، فأغلق عليه بعض الناس مقصورة المسجد فسلم. ثم ذهبوا بصراخهم وجلبتهم إلى بيت بعض أهل العلم من أهل البيت النبويّ وكان يعظ الناس بالجامع ويتظهر ببعض من السنة، فرجموا بيته رجمًا شديدًا وفيه شرائف وأطفال. ثم ثاروا إلى بيت بعض وزراء الخليفة لا لذنب إلّا لكونه ينافسه ذلك الوزير الرافضي، وكونه ينتسب إلى بعض بطون قريش، فرجموه رجمًا شديدًا، ثم كسروا بعض أبوابه ودخلوا وكادوا يتصلون بمن فيه لولا أنه حماهُ جماعة بالرمي بالبنادق وآخرون بالسلاح، ويتصل ببيت هذا الوزير المرجوم بيت وزير آخر من أهل العلم فرجموه، ورجمهم من في بيت الوزير حتى أصابوا جماعة منهم فتركوه، وسبب رجمهم لبيت الوزير هذا أنه من جملة من يتظهّر بعلم السنّة، ثم لما كاد ينقضي الليل فارقوا ما هم فيه وقد أثاروا فتنة عظيمة، ومحنة شديدة، ولما كان النهار جمع الخليفة أعوانه وطلبني واستشارني، فأشرت عليه بأن يحبس أولئك المدرسين الذين أثاروا الفتنة في الجامع بسبب ما يصدر منهم من نكاية القلوب وإثارة العوام، فحبسهم ثم أشرت عليه بأنه يأمر بتتبع أولئك الذين رجموا البيوت وفعلوا تلك الأفاعيل، ومن وجدوه حبسوه، ويأمر بتتبع جماعة من شياطين الفقهاء المثيرين للفتنة ففعل وحبسوا جميعًا، ولكن لم ينصح والي مدينة صنعاء لموافقته للوزير الرافضي في الرفض ومهابته له ووقوفه عندما يختاره ويرتضيه، وبعد أن اجتمع في الحبس جماعة كثيرة من هؤلاء أرسل الإمام حفظه الله لجماعة من
следующие страницы →