ولو كان هذا البيت لله ربنا … لصبّ علينا النار من فوقنا صبًّا
لأنَّا حججنا حجّةً جاهليّةً … محلَّلةً لم تبق شرقًا ولا غربًا
ثم قال لمن بقي في الحرم سالمًا من القتل: يا حمير أنتم تقولون ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقد كان أول هذه النحلة القرمطية، التظهر بمحبة أهل البيت والتوجع لهم والعداوة لأعدائهم ثم انتهى أمرهم إلى مثل هذا.
وهكذا الباطنية فإن مذهبهم الذي يتظهرون به ويبدونه للناس هو التشيع ولا يزال شياطينهم ينقلون من دخل معهم فيه من مرتبة إلى مرتبة حتى يوقفوه على باب الكفر وصراح الزندقة، وإذا تمكن بعض طواغيتهم فعل كما فعل علي بن الفضل الخارج باليمن من دعاء الناس إلى صريح الكفر ودعوى النبوة ثم الترقي إلى دعوى الألوهية، وكما فعله الحاكم العبيدي بمصر من أمر الناس بالسجود له والقيام عند ذكره على صفة معروفة فكان إذا ذكره الخطيب يوم الجمعة على المنبر قام جميع من بالمسجد ثم يخرّون ساجدين ثم يقوم بقيامهم من يتصل بالجامع من أهل الأسواق ثم يسري ذلك إلى قيام أهل مصر (١)، وما كان يبديه من الأفعال المتناقضة والحماقات الباردة مقصوده من ذلك تجريب أحوال الناس واختبار طاعتهم له في الأمور الباطلة وفي مخالفة الشريعة حتى ينقلهم إلى ما يريده. وكم نعدد لك من هذا.
وبالجملة فإذا رأيت رجلًا قد انتهى به الرفض إلى ذم السلف الصالح والوقيعة فيهم وإن كان ينتمي إلى غير مذهب الإمامية فلا تشك في أنه مثلهم فيما قدمنا لك، وجرِّبْ هذا إن كنت ممن يفهم فقد جرّبناه وجربه من قبلنا فلم يجدوا رجلًا رافضيًا يتنزه عن شيء من محرّمات الدين كائنًا ما كان ولا
стр. 142
تغترّ بالظواهر فإن الرجل قد يترك المعصية في الملأ ويكون أعفّ الناس عنها في الظاهر وهو إذا أمكنته فرصة انتهزها انتهاز من لا يخاف نارًا ولا يرجو جنّة.
وقد رأيت من كان منهم مؤذنًا ملازمًا للجماعات فانكشف سارقًا، وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء وله سمت حسن وهدي عجيب وملازمة للطاعة وكنت أكثر التعجب منه كيف يكون مثله رافضيًا ثم سمعت بعد ذلك عنه بأمور تقشعرّ لها الجلود وترجف منها القلوب، وكان لي صديق يكثر المجالسة لي والوصول إليّ وفيه رفض يسير وهو متنزّه عن كل محظور ثم ما زال ذلك يزيد به لأسباب حتى صار يصنّف في مثالب جماعة من الصحابة، ثم صار يمزّق أعراض جماعة من أحياء أهل العلم والأموات وينسبهم إلى النصب بمجرّد كونهم لا يوافقونه على رفضه. ثم صار يتصل به جماعة ويأخذون عنه من الرفض ما لا يتظاهر بمثله أهل هذه الديار وكنت أعرف منه في مبادئ أمره صلابة وعفّة فقلت إذا كان ولا بدّ من رافضي عفيف فهذا ثم سمعت عنه بفواقر، نسأل الله الستر والسلامة.
وأما وثوب هذه الطائفة على أموال اليتامى والمستضعفين ومن يقدرون على ظلمه كائنًا من كان فلا يحتاج إلى برهان بل يكفي مدّعيه إحالة منكره على الاستقراء والتتبع فإنه سيظفر عند ذلك بصحة ما ذكرناه.
ولقد جربت أهل عصري في هذه المادة تجريبًا عظيمًا لتعلقي بما تتعلق به الأطماع (١)، واختباري بالناس على اختلاف طبقاتهم ولا شك أن الدنيا مؤثرة وأن الوثوب على مصالحها وتقديمها وانتهاز الفرص فيما يتعلق بها غير مختص بهؤلاء بل هو عام لكل الفرق والزاهد فيها المؤثر للدين عليها
стр. 143
هو الشاذ النادر لكن هؤلاء لهم مزيد تكالب، وعظيم تهافت وشدة تهالك، مع عدم وقوف عند حدود الشرع واقتصار على ما فيها من تحليل وتحريم.
ومن أقرب حوادث الرفض والرافضة في ديارنا هذه (١): أنه كان جماعة من المتظهرين بالعلم يملون على الناس في جامع صنعاء في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائتين بعد الألف في كتب فضائل علي بن أبي طالب ﵁، وكانوا نحو ثلاثة أو أربعة كل واحد منهم قد اجتمع عليه جماعة كثيرة من العامة، وكان أحدهم يملي على كرسيّ مرتفع وتسرج حوله الشمع الكثير فيجتمع من الناس عدد كثير جدًّا لقصد الفرجة كما يتفق في مثل هذا، وكانوا يشوبون المناقب بذكر مثالب بعض الصحابة ويحطون من بعضهم ويصرحون بسب البعض ويتوجعون من البعض، وكان ما يصدر من هؤلاء من هذه الأمور إنما هو مطابقة للوزير الرافضي الذي قدمت لك ذكره ولا سيما صاحب الكرسيّ، وهذا الوزير لم يكن رفضه لوازع ديني كما يتفق لكثير من أهل الجهل المتعلقين بالرفض فهو أنذل من ذاك وأقل، ولكنه يفعل ذلك مساعدة لجماعة من شياطين المتفقهة المتعصبة يدخلون إليه فيقولون له: إنه لم يبق من يحامي على هذا الأمر سواك، وإنك ركن التشيع وملجأ أهله، ونحو هذه العبارات فيبالغ في التظهر بهذه الخصلة ويحب نسبة ذلك إليه فكان الرفض مكمِّلًا لمثالبه/ متممًا لمعايبه لأنه في كل باب من أبواب القبائح قريع دهره ونسيج وحده، فلما تكاثر ما يصدر من أولئك المشتغلين بما لا يعنيهم من ثلب السلف، مع ما ينضم إلى ذلك من إدخال الضغائن في قلوب العامة وإيهامهم (٢) أن الناس قد تركوا مذهب أهل البيت وفعلوا
стр. 144
وفعلوا، وكل ذلك كذب فإن الناس هم في هذه الديار زيدية وكثير منهم يجاوز ذلك فيصير رافضيًا جلدًا، ولم يكن في هذه الديار على خلاف ذلك إلّا الشاذ النادر، وهم أكابر العلماء ومن يقتدي بهم فإنهم يعملون بمقتضى الدليل ولا ينتمون إلى مذهب ولا يتعصبون لأحد، فهؤلاء هم الذين يقصدهم أولئك الرافضة بكل فاقرة ويرمونهم بالحجر والمدر ويسمونهم بميسم (١) النصب. فلما تفاقم شر أولئك المدرسين وصار الجامع ملعبًا لا متعبّدًا واشتغل بأصواتهم المصلون عن صلاتهم والذاكرون عن ذكرهم، رجَّح إمام العصر (٢) أعزّ الله به الدين منع صاحب الكرسي من الإملاء في الجامع وأمره بالعود إلى المسجد الذي كان يملي فيه. فحضر أولئك المستمعون على عادتهم وكان الإملاء قبل صلاة العشاء فلما لم يحضر شيخهم، ذهب بعضهم ليجيء به من بيته، فأخبرهم أن الإمام قد منعه وأمره بالعود إلى حيث كان فلم يعذروه ولا سمعوا منه ورجعوا إلى الجامع، ثم ثاروا ثورة شيطانية وقاموا قومة طاغوتية، فمنعوا [الناس] من الصلاة في الجامع، وما زال ينضم إليهم كل رافضي ومن له رغبة في إثارة الفتن حتى صاروا جمعًا كثيرًا ثم خرجوا فقصدوا بيت المؤذن الذي أظهر عليهم الرأي الإمامي فرجموه حتى كادوا يهدمونه، وفيه نساء وأطفال قد صاروا في أمر مريج، هذا وليس لذلك المؤذن المسكين سعي ولا له قدرة على شيء، ولكنه أرسل بالرأي الإمامي والي الأوقاف إليه ووالي الوقف أيضًا ليس له سعي في ذلك ولكنه أرسله إليه بعض من يتصل بالمقام الإمامي، ثم لما فرغوا من رجم بيت المؤذن، ذهبوا ولهم صراخ عظيم وأصوات شديدة إلى بيت والي الأوقاف، وهو رجل من أهل العلم من آل رسول الله ﵌ فرجموا بيته رجمًا شديدًا حتى غشي على بعض من فيه من
стр. 145
الشرائف، فقال لهم قائل إن هؤلاء الشرائف المرجومات هن بنات نبيكم وبنات علي بن أبي طالب، ولم يكنّ بنات معاوية ولا بنات عمرو بن العاص وغيرهما ممن تعادونهم فما لكم ولهن، فلم يلتفتوا إلى ذلك واستمروا على الرجم ثم دخلوا إلى بعض البيت ونهبوا بعض متاعه، وبلغهم أن والي الأوقاف وولده بمسجد قريب بيته، فحاصوا حيصة حُمُر الوحش، وصرخوا صرخة الحُمُر الأهلية وذهبوا إلى ذلك المسجد عازمين على قتله، فأغلق عليه بعض الناس مقصورة المسجد فسلم. ثم ذهبوا بصراخهم وجلبتهم إلى بيت بعض أهل العلم من أهل البيت النبويّ وكان يعظ الناس بالجامع ويتظهر ببعض من السنة، فرجموا بيته رجمًا شديدًا وفيه شرائف وأطفال. ثم ثاروا إلى بيت بعض وزراء الخليفة لا لذنب إلّا لكونه ينافسه ذلك الوزير الرافضي، وكونه ينتسب إلى بعض بطون قريش، فرجموه رجمًا شديدًا، ثم كسروا بعض أبوابه ودخلوا وكادوا يتصلون بمن فيه لولا أنه حماهُ جماعة بالرمي بالبنادق وآخرون بالسلاح، ويتصل ببيت هذا الوزير المرجوم بيت وزير آخر من أهل العلم فرجموه، ورجمهم من في بيت الوزير حتى أصابوا جماعة منهم فتركوه، وسبب رجمهم لبيت الوزير هذا أنه من جملة من يتظهّر بعلم السنّة، ثم لما كاد ينقضي الليل فارقوا ما هم فيه وقد أثاروا فتنة عظيمة، ومحنة شديدة، ولما كان النهار جمع الخليفة أعوانه وطلبني واستشارني، فأشرت عليه بأن يحبس أولئك المدرسين الذين أثاروا الفتنة في الجامع بسبب ما يصدر منهم من نكاية القلوب وإثارة العوام، فحبسهم ثم أشرت عليه بأنه يأمر بتتبع أولئك الذين رجموا البيوت وفعلوا تلك الأفاعيل، ومن وجدوه حبسوه، ويأمر بتتبع جماعة من شياطين الفقهاء المثيرين للفتنة ففعل وحبسوا جميعًا، ولكن لم ينصح والي مدينة صنعاء لموافقته للوزير الرافضي في الرفض ومهابته له ووقوفه عندما يختاره ويرتضيه، وبعد أن اجتمع في الحبس جماعة كثيرة من هؤلاء أرسل الإمام حفظه الله لجماعة من
стр. 146
شياطينهم المباشرين للفتنة من الفقهاء فجيء بهم من الحبس إليه وضربهم بالعصي تحت داره وهو ينظر، ثم أرسل في اليوم الآخر لجماعة أهل السوق المباشرين للفتنة فصنع بهم ما صنع بأولئك، ثم جعل جماعة من شياطين الجميع في سلاسل، وأرسل بهم إلى جزائر البحر في هيئة منكرة فسكنت الفتنة سكونًا تامًّا.
ولقد شاهدت من التعصبات في هذه الفتنة ما بهرني من الخاصة والعامة، أما الخاصة: فإني رأيت من أهل بيت الخلافة من أولاد الإمام وغيرهم ومن الوزراء والأمراء والقضاة وأهل العلم من ذلك ما يعجب منه، فإني لما أشرت على الخليفة بما أشرت خرجت من المكان الذي هو مستقر فيه إلى حجرته وفيها أكابر أولاده وهم إذ ذاك أمراء الأجناد، وعندهم جميع الوزراء وهم جميعًا في أمر مريج (١) فيهم من يعظم عليه حبس أولئك المدرسين ويراه حطًّا في مرتبة الرفض ونقصًا من الرافضة، وقد قتل منهم ذلك الوزير الرافضي في الذروة والغارب (٢) وأوهمهم أنها ستثور فتنة من العامة والأجناد، وما زال بعض أولاد الخليفة يردّد علي ذلك ويرغبني في الرجوع عن الشور الذي أشرت به على الخليفة ويذكر ما قد ألقاه إليه الوزير الرافضي من خشية ثورة الأجناد والعامة، فمازلت أعرفه بالصواب وأذكر له أن هذه الفتنة لو لم تحسم يومنا هذا بحبس المثيرين لها لهلك غالب الناس في الليلة الواصلة ونهبوا الأموال جهارًا، وأنه سيصل الأمر إلى الخليفة وأولاده فضلا عن غيرهم، وعرفته أنه ما سيثور بسبب ذلك أجناد ولا
стр. 147
غيرهم، فإن هذا تسكين للفتنة لا إثارة لها، ولقد حمدوا هذه المشورة بعد حين وعرفوا أنها صواب وأن بها كان سكون تلك الفتنة التي غلت مراجلها وكادت تعم جميع أهل صنعاء ثم تسري بعد ذلك إلى سائر الديار اليمنية.
وأما العامة: فلا يتسع المقام لسرد ما شوهد منهم من الصولة والجولة والاشتغال بهذا الأمر ولقد كنت أرى كثيرًا من المنسوبين إلى العلم يبكون رحمة لإخوانهم المثيرين للفتنة لما حلّ بهم من العقوبة، ولقد تغيرت بهجة هذه المدينة "العظيمة" وتكدرت مشاربها العلمية وذهب رونق معارفها بما يصنعه جماعة المقصرين المغيّرين لفطرتهم السليمة بما حدث من علوم الروافض ودسائسهم، التي هي أنسر على المقصرين من السم القتال وأدوى على من لم تستحكم معرفته وترسخ في العلوم قدمه من الداء العضال، على كثرة من فيها من العلماء المنصفين والطلبة المتميزين والأذكياء الماهرين، فإنه قلّ أن يوجد بمدينة من المدائن ما يوجد الآن في صنعاء من رجوع أهل العلم بها إلى ما صح عن الشارع وعدم تعويلهم على الرأي وطرحهم للمذاهب عند قيام الدليل الناهض، فإن هذه مزيّة وفضيلة لا تكاد تعرف في سائر الأقطار إلا في الفرد الشاذ البالغ من العلم إلى منزلة عليّة مع مراجعته لفطرته وتفكره في طروء ما طرأ عليها من المغيرات وتدبره لما قدمنا ذكره من الأسباب الموجبة للتعصب الحائلة بين المتمذهبين وبين الإنصاف، وهذا النادر الشاذ يبالغ في الكتم ويستكثر من المجانبة لما يظنه الحق مخافة من وثوب المقلدة عليه وهتكهم له، لأنهم لا يقنعون من العالم وإن كان في أعلى درجات الاجتهاد إلا بأن يكون مثلهم مقلدًا بحتًا مقتديًا بالعالم الذي يقلدونه هم وأسلافهم، وإن كان هذا العالم الذي يريدون منه ذلك أعلا رتبة وأجلّ قدرًا وأكثر علمًا من عالمهم الذي يقلدونه كما يجده من له اطلاع على كثير من أحوال الناس، فإن في علماء المذاهب الأربعة من هو أوسع علمًا وأعلا قدرًا من إمامه الذي ينتمي إليه ويقف عند رأيه ويقتدي بما قاله في
стр. 148
عبادته ومعاملته وفي فتاويه وقضائه، ويسري ذلك إلى مصنفاته فيرجح فيها ما يرجحه إمامه وإن كان دليله ضعيفًا أو موضوعًا أو لا دليل بيده أصلًا، بل مجرّد محض الرأي، ويدفع من الأدلة المخالفة له ما هو أوضح من شمس النهار تارة بالتأويل المتعسف وحينًا بالزور الملفف، مع كونه بمكان من العلم لا يخفى عنده الصواب، ولا يلتبس معه الحق، ولكنه يفعل ذلك مخافة على نفسه من تلك الطبقة المشؤومة، أو تأثيرًا لما قد ظفر به من الدنيا والجاه الذي لا يستمر له إلّا بالموافقة لهم والسلوك فيما يرضيهم، وقد يحمله على ذلك الحرص على نفاق مصنفه بينهم واشتهاره عندهم وتداولهم له. وما كان أغناه عن هذه البليّة التي وقع/ فيها والجناية التي جناها على نفسه في العاجلة والآجلة، أما في الآجلة فظاهر، فإن اشتغاله بذلك التصنيف المشتمل على تأثير رأي فرد من أفراد أهل العلم على ما شرعه الله في محكم كتابه وعلى لسان رسوله، من أعظم الذنوب التي تلقاه بين يدي الله فإنه ضالّ مضل مفتون فاتن محارب للشريعة المطهرة معاند لها، فعليه إثم بما سنّه من هذه السنّة السيئة وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأما في العاجلة فإن مثل هؤلاء الصمّ البكم من المقلدة لا يفرح العاقل بانتشار مصنّفاته عندهم وشيوعها بينهم، لأنهم لا يفهمون العلم ولا يعرفون أهله ولا فرق بينهم وبين العامة البحث إلّا مجرد الدعوى والتلبس بلباس أهل العلم والقعود في مقاعد أهله، فكما أن العاقل لا يفرح بإقرار جماعة له من البدوِ والحرّاث أو السوقة من أهل الحياكة والحجامة وسقّاط أهل المهن الدنيئة والمعائش (١) الوضيعة، كذلك لا ينبغي له أن يفرح بمثل ذلك المقلّدة، فإنهم كما قال القائل (٢):
стр. 149
فإن لم يكنها أو تكنه فإنّه … أخوها غذّته أمّهُ بلبانها
ومع هذا فإنه يعرّض نفسه بهذا التصنيف لاستقصار أهل العلم الذين هم أهله وعليهم المعوّل فيه لغايته واستحقار ما جاء به والإزراء عليه من كل واحد منهم في عصره ذلك وما بعده من العصور ما دام ذلك المصنف المشؤوم موجودًا على وجه الأرض كما هو معلوم، فإن المحققين من أهل العلم إذا عثروا على شيء من هذه المصنفات المتعسفة الخارجة عن الحق انقبضت أنفسهم عنه و استبردوه، وسقط مصنفه عندهم ولم يعدوه من أهل العلم في ورد ولا صدر، وألحقوه بالطبقة التي حملته على ذلك الصنع الذي صنعه لهم وأخملوا ذكره في مصنفاتهم التي هي المصنفات المعتبرة.
وبالجملة فما صنع هذا المصنف لنفسه بذلك التصنيف إلّا ما هو خزي له في الدنيا والآخرة ووبال عليه في الآجلة والعاجلة.
وقد يسلك بعض هؤلاء مسلكًا هو أحسن (١) من ذلك المسلك وذلك بأن يورد الأقوال ويحتج لكل واحد منها بما احتج به قائله ويستكثر من إيراد أدلة ما هو الحق منها ويخرجه من مخارجه المقبولة ثم يذكر ما قيل من ضعف دليل ما قال به من يعتقده أهل عصره وقطره، وينسب ذلك التضعيف إلى من يعتدّ به من أهل العلم، ثم يعترض ذلك التضعيف باعتراض يعرف من هو من أهل العلم والإتقان سقوطه وبطلانه، ركونًا منه على أن ذلك لا يخفى على من له قدم في العلم وزعمًا أنه قد رَمزَ لهم إلى ما هو الحق بإيراد دليله الصحيح وإلى ما يخالفه بإيراد دليله الضعيف وأنه لم يأتِ بما أتى به من الاعتراض الساقط والتقوية للقول الفاسد إلا على وجه لا يخفى على أهل الإتقان ولا يلتبس عند العارفين، وهو في زعمه قد أرضى الخاصة والعامة وسلك مسلكًا في غاية التحذلق ونهاية التبصّر وهو لا يشعر بأن الخاصة من
стр. 150
أهل التحقيق في غنى عن رمزه وهمزه وتحذلقه فإنهم يعرفون مسالك الحق بدون ما زعمه ويأخذون الصواب من معادنه، فنفاق ما جاء به لديهم غاية ما فيه أنهم لا يطعنون عليه بالجهل والقصور والبلادة وبعد الإدراك، ولكنه قد فتح للمقصّرين أبواب الطعن علي الأدلة الصحيحة، وزادهم إلى ما لديهم من البلايا الباطلة بلايا أخرى، وجعل بينهم وبين الرجوع إلى الحق ردمًا فوق الردم الذي قد كان معمورًا ورفع أبنية الباطل وشيّدها ولم يهدم منها بتصنيفه حجرًا ولا مدرًا لأنه لقنهم المطاعن علي الشرع، وفتح لهم أبواب المقال على الأدلة وهم لا يعرفون أن إعتراضه (١) فاسد، وأنه لا ينفق ولا يصلح لقصور إفهامهم عن إدراك ما هو صحيح أو باطل وضعف معارفهم عن البلوغ إلى درجة التمييز فزادهم بما أفادهم شرًا إلى شرهم وتعصّبًا إلى تعصبهم وبعدًا عن الحق إلى بُعدهم، ولم ينتفع الخاصة بشيء مما جاء به من الألغاز بل أنزل بهم من الضرر ما لم يكن، قبله فإن أهل التعصب يصولون عليهم باعتراضه ويجولون، ويدفعون به في وجه من قال بضعف دليل القول الذي قاله من يقلدونه ويجعلون ذلك ذريعة لهم إلى الاغتباط بما هم فيه، والتهالك على ما ألفوه ووجدوا عليه آباهم. وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه، هو أن ينصروا فيه الحق، ويخذلوا به الباطل ويهدموا بحججه أركان البدع ويقطعوا به حبائل التعصب، ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البيّنات والهدى ويبالغوا في إرشاد العباد إلى الإنصاف، ويحبّبوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب والسنّة، وينفّروهم من اتباع محض الرأي، وزائف المقال وكاسد الاجتهاد، ولا يمنعهم من ذلك/ ما يخيله لهم الشيطان ويسوّله من أن هذا التصنيف لا ينفق عند المقلدة، أو
стр. 151
يكون سببًا لجلب فتنة أو نزول مضرة أو ذهاب جاه أو مال أو رئاسة، فإن الله ناصر دينه ومتمم نوره وحافظ شرعه ومؤيد من يؤيّده وجاعل لأهل الحق ودعاة الشرع والقائمين بالحجة سلطانًا وأنصارًا واتباعًا وإن كانوا في أرض قد انغمس أهلها في موجات البدع وتكسّعوا (١) في متراكم الضلال، وقد قدّمنا الإرشاد إلى شيء من هذا.
فإن قُلتَ: هؤلاء المتعصبة قد طبَّقوا جميع أقطار الأرض الإسلامية وصارت المدارس والفتاوي والقضاء وجميع الأعمال الدينية بأيديهم، فإن كل مملكة من الممالك الإسلامية يعتزي أهلها إلى مذهب من المذاهب، ونحلة من النحل، وكل بلد من البلاد وقطر من الأقطار كثرت أو قلَّت، لابد أن يكون أهلها مقلّدين لميت من الأموات يأخذون عنه ما يجدون في مؤلفاته ومؤلفات أتباعه المقلّدين له، حتى صارت مسائل مذهبهم نصب أعينهم، لا له، يتحوّلون عنها ولا يخالفونها ويعتقد من تفاقم تعصبه من المقلّدة أن الخروج عن ذلك خروج من الدين بأسره، وإن كانت بقية المذاهب على خلافه في تلك المسألة كما نجده في كل مذهب من المذاهب الأربعة وغيرها، فما عسى يغني إرشاد فرد من أفراد العلم إلى الإنصاف واتباع نص الدليل في قطر واسع من أقطار الأرض أو مدينة كبيرة من مدائنه، فإنه بأول كلمة تخرج منه وأيسر مخالفة يفوه بها، يقوم عليه من المقلدة من ينغّص عليه مشربه ويكدّر عليه حاله، وأقل الأحوال أن يسعى به هؤلاء المقلدة إلى أمثالهم ممن بأيديهم الأمر والنهي والدولة والصولة فيمنعونه من المعاودة ويتوعدونه بأبلغ توعّد، هذا إذا لم يمنعوه من التدريس والإفتاء بمجرّد ذلك، ويحولون بينه وبين ما أردت منه بكل حائل، وما يصنع المسكين بين مئين من المقلدة كل واحد منهم أجل قدرًا منه، وأنبل ذكرًا وأحسن ثيابًا وأفره مركوبًا، وأكثر
стр. 152
اتباعًا، عند ألوف مؤلفة من العامة الذين هم بين جند وسوقة وحراث وأهل حرف لا يفهمون خطابًا ولا يعقلون حقًّا، فما ظنك بالعامة إذا بلغهم الخلاف بين فرد من أفراد العلم حامل الذكر، وبين جميع من يعدونه عالمًا من أهل بلدهم من المدرسين والقضاة والمفتين وهم عدد جم ومقدار ضخم، أتراهم يظنون الحق بيد ذلك الفرد ويتبعونه ويقولون بقوله ويدعون من يخالفه من أهل مدينتهم قاطبة؟! هذا ما لا يكون، فإنّا نجد العامة في قديم الزمن وحديثه مع الكثرة ولا سيما من كان له من أهل العلم نصيب من دولة كالقضاة فإن الواحد منهم يعدل عند العامة ألوفًا من أهل العلم الذين لا مناصب لهم ولا دولة، فكيف إذا انضم إلى ذلك ما يُلقيه إليهم المقلدة من الكلمات التي تثير غضبهم وتستطير حميتهم كقولهم: هذا الرجل يخالف إمامكم، ويدعو الناس إلى الخروج من مذهبه، ويزري عليه ويقول إنه جاء بغير الحق، وخالف الشرع، فإنهم عند سماع هذا، ما قد مع رسخ في عقائدهم وثبت في عقولهم، لا يبالون أي دم سفكوا وأي عرض انتهكوا يعلم هذا كل من له خبرة بهم وممارسة لهم.
قُلتُ: هذا السؤال الذي أوردته أيها الطالب للحق الراغب في الإنصاف قد أفادنا أنك لم تفهم ما قدمته لك في هذا الكتاب حق الفهم ولم تتصوره كلية التصور فقد كررت لك في مواضع منه ما تستفيد منه جواب ما أوردته هنا، فعاود النظر وكرّر التدبّر وأطل الفكر، بعد أن تبالغ في تصفية الفطرة وتستكثر من الاستعداد للقبول، وهب أنه لم يتقدم ما يصلح أن يكون جوابًا لما خطر ببالك الآن من هذا السؤال فها أنا أجيب عليك بجوابين: الأول جواب مجمل، والآخر جواب مفصّل.
أما الجواب المجمل: فأقول لك بعد تسليم جميع ما أوردته في سؤالك هذا من أن حامل العلم ومبلغ الحجة سيحال بينه وبين ما يريده بأول
стр. 153
كلمة تخرج منه فيها مخالفة لما قد ألفه الناس، ولا يقدر بعدها على شيء من الهداية إلى الحق والارشاد إلى الإنصاف لما قدرته من أنها ستقوم عليه القيامة وتأزف (١) عليه الآزفة وتضيق عنه دائرة الحق وتنبو عنه جميع المسامع، وتؤخذ عليه كل وسيلة، فبعد هذا كله قد قام بما أوجب الله عليه، وأراد ما طلبه الله منه من الهداية، ووفى بما أخذ عليه من العهد، وامتثل ما ألزمه به من البيان، وصار بذلك من العلماء العاملين القائمين بنشر حجج الله وإبلاغ شرائعه، وهذا فرضه ليس عليه غيره ولا يجب منه سواه. فهو لم يكتم ما علّمه الله ولا خان عهد الله ولا خالف أمره ولا اشترى به ثمنًا قليلًا ولا باعه بعرض من أعراض الدنيا. فله أجر من مكنه الله من ذلك وخلى بينَه وبينِه لأنه قد قام في المقام الذي افترضه الله عليه وسلك/ الطريقة التي أمره بسلوكها فحال بينه وبينه من لا يطيق دفعه ولا يقدر على مناهضته فكان ذلك قائمًا بعذره مسقطًا لفرضه موجبًا لاستحقاقه لثواب ما قد عزم عليه وأجر ما أراده. فأي غنيمة أجلّ من غنيمته ونعمة أكبر من نعمته، وأين منزلته عند الله من منزلة من فتح الله عليه من أبواب معارفه ولطائف شريعته بما يفرق به بين الحق والباطل ويعرف به صواب القول من خطئه، فَكَتم الحجة وآثر على نشرها ما يرجوه من استدرار خلف من أخلاف الدنيا ونيل جاه من الجاهات ورئاسة من الرئاسات ومعيشة من المعائش، فمضى عمره وانقضت حياته كاتما للحجة مخالفًا لأمر الله نابذًا لعهده طارحًا لما أخذه عليه.
وأما الجواب المفصل: فاعلم أني لم أرد بما أرشدت إليه في هذا الكتاب ما خطر ببالك ولا لوم عليّ فقد كررت لك ما قصدته تكريرًا لا يخفى على الفطن، فهل طلبت من حامل الحجة أن يقوم بين ظهراني الناس قائلًا: اجتنبوا كذا من الرأي اتبعوا كذا من الكتاب والسنة صارخًا بذلك في المحافل
стр. 154
ناطقًا به في المشاهد، علمه بتراكم سحائب الجهل، وتلاطم أمواج بحار التعصب، واظلام أفق الإنصاف واكفهرار وجه الاسترشاد، فإن هذا وإن كان مسقطًا لما افترضه الله على من استخلصه من عباده لحمل حجته وإبلاغ شريعته لكن لكل عالم قدوة بأنبياء الله، وأسوة بمن أرسله من رسله فقد كانوا عليهم الصلاة والسلام يدبرون عباد الله بتدبيرات فيها من الرفق واللطف وحسن المسلك ما لا يخفى على أهل العلم. فإن نبينا ﵌ قد تألّف رؤساء المشركين، وهم إذ ذاك حديثو عهد بجاهلية وترك المهاجرين والأنصار من الغنيمة وسيوفهم تقطر من دماء المُؤلَّفين واتباعهم ومن يشاكلهم فيما كانوا عليه. وصح عنه ﵌ أنه ترك من كان منافقًا على نفاقه وعصمهم بظاهر كلمة الإسلام ولم يكشفهم، وَيَبْلُو (١) ما عندهم بعد أن ظهر منهم ما ظهر من النفاق كعبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين وقال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وقد اشتمل الكتاب والسنّة على ما كان يقع من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه من تدبير أمَمِهم والرفق بهم واغتنام الفرص في إرشادهم وإلقاء ما يجذبهم إلى الحق في الوقت بعد الوقت والحالة بعد الحالة على حسب ما تقبله عقولهم وتحتمله طبائعهم وتفهمه أذهانهم. فالعالم الذي أعطاه الله الأمانة وحمله الحجة وأخذ عليه البيان يورد الكلام مع كل أحد على حسب ما يقبله عقله وبقدر، استعداده، فإن كان كلامه مع أهل العلم الذين يفهمون الحجة ويعقلون البرهان ويعلمون أن الله سبحانه لم يتعبد عباده إلا بما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله، وحال بينهم وبين الالتفات إلى ذلك والرجوع إليه والعمل عليه ما تكدرت به فطرهم وتشوشت عنده أفهامهم، من اعتقاد حقية التقليد، أو استعظام الأموات من أهل العلم، أو استقصار أنفسهم عن
стр. 155
معرفة الحق بنص الدليل، فعليه أن يعتمد معهم تسهيل ما تعاظموه من الوقوف على الحق، قائلًا: إن الله تعبّد جميع هذه الأمة بما في الكتاب والسنة، ولم يخص بفهم ذلك من كان من السلف دون من تبعهم من الخلف ولا قصر فضله بما شرعه لجميع عباده على أهل عصر دون عصر أو أهل قطر دون قطر أو أهل بطن دون بطن. فالفهم الذي خلقه للسلف خلق مثله للخلف والعقل الذي ركَّبه في الأموات، ركَّب مثله في الأحياء. والكتاب والسنّة موجودان في الأزمنة المتأخرة كما كانا في الأزمنة المتقدمة والتعبّد بهما لمن لحق كالتعبّد لمن مضى. وعلم لغة العرب موجود في الدفاتر عند المتأخرين، على وجه لا يشذ منه شيء بعد أن كان المتقدمون يأخذونه عن الرواة حرفًا حرفًا، ويستفيدون من أربابه كلمة كلمة. وكذلك تفسير الكتاب العزيز موجود في التفاسير التي دوّنها السلف للخلف بعد أن كان الواحد منهم يرحل في تفسير آية من كتاب الله إلى الأقطار الشاسعة. وكذلك الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌ موجودة في الدفاتر التي جمعها الأول للآخر، بعد أن كان الواحد منهم يرحل في طلب الحديث الواحد إلى البلاد البعيدة. وهكذا جميع العلوم التي يستعان بها على فهم الكتاب والسنّة فالوقوف على الحق والاطلاع على ما شرعه الله لعباده قد سهّله الله على المتأخرين ويسره على وجه لا يحتاجون فيه من العناية والتعب/ إلا بعض ما كان يحتاجه من قبلهم (١). وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى (٢). ثم إن هذا العالم يوضح لمن يأخذ عنه العلم في كل بحث ما
стр. 156
يقتضيه الدليل ويوجبه الإنصاف، وهو وإن أبى ذلك في الابتداء فلا بد أن يؤثر ذلك البيان في طبعه قبولًا وفي فطرته انقيادًا، ويحرص على أن تكون أوقاته مشغولة بتدريس الطلبة في كتب التفسير والحديث وشروحه، وفي كتب الفقه التي يتعرض مؤلفوها لذكر الأدلة والترجيح، فإنه في تدريس هذه المؤلفات يتيسر له من الإرشاد والهداية وتأسيس الحق وتقريب الإنصاف ما لا يتيسر له في غيرها، وإن كان كلامه مع من هو دون هذه الطبقة. فأنفع ما يلقيه إليه، هو ترغيبه في علوم الاجتهاد، وتعريفه أن المقصود بهذه العلوم هو الوصول إلى ما وصل إليه علماء الإسلام، فإذا جدَّ في ذلك فقد انفتحت معه أبواب الهداية، ولاحت عليه أنوار التوفيق، ثم إذا تأهَّل واستعد لفهم الحجة، سلك معه المسلك الأول. ومن كان لا يهتدي إلى طلب تلك العلوم بوجه من الوجوه، فأقرب ما يسلكه العالم معه، هو أن ينظر إلى من قال من أهل العلم الذين يعتقدهم ذلك المقصر، بما قامت عليه الأدلة وأوجب سلوكه الإنصاف فيقول له: أن قول العالم الفلاني قول راجح لقيام الأدلة عليه. ثم يصنع معه هذا الصنع في المسائل التي يعتقدها تقليدًا ويجمد عليها قصورًا فإن انتفع بذلك فهو المطلوب. وإن لم ينتفع فأقل الأحوال السلامة من معرّته والخلوص من شرّه.
وأما العامة الذين لم يتعلقوا بشيء من علم الرأي: فهم أسرع الناس انقيادًا وأقربهم إلى القبول إن سلموا من بلايا ما يلقيه إليهم المتعصبون.
وبالجملة: فالعالم المتصدي للإرشاد المتصدي للهداية لا يخفى عليه ما يصلح من الكلام مع من يتكلم معه. فهذا هو الذي أردته من نشر حجج الله وإرشاد العباد إليها وقد قدمته بأبسط من هذا وإنما كررته هنا لقصد دفع ما سبق من السؤال.
стр. 157
[سابعًا: رد المصنّفين المتمسكين بالمذاهب لكل ما يخالف قواعد مذهبهم من الأدلة]:
ومن جملة أسباب التعصب التي لا يشعر بها كثير من المشتغلين بالعلوم ما يذكره كثير من المصنّفين من أنه يرد ما خالف القواعد المقررة (١). فإن من لا عناية له بالبحث يسمع هذه المقالة ويرى ما صنعه كثير من المصنفين من رد الأدلة من الكتاب والسنّة إذا خالفت تلك القاعدة فيظن أنها في اللوح المحفوظ، فإذا كشفها وجدها في الغالب كلمة تكلم بها بعض من يعتقده الناس من أهل العلم الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى لا مستند لها إلا محض الرأي، وبحت ما يُدّعى من دلالة العقل. وكثيرًا ما تجد في علم الكلام الذي يسمونه أصول الدين قاعدة قد تقررت بينهم واشتهرت وتلقنها الآخر من الأول وجعلوها (٢) جسرًا يدفعون بها الآيات القرآنية والأحاديث
стр. 158
النبوية، فإذا كشفت عنها وجدتها في الأصل كلمة قالها بعض علماء (١) الكلام، زاعمًا أنه يقتضي ذلك العقل ويستحسنه. وليس إلا مجرد الدعوى على العقل وهو عنه بريء، فإنه لم يقض بذلك العقل الذي خلقه الله في عباده، بل قضي به عقل قد تدنس بالبدع وتكدر بالتعصب وابتلي بالجهل بما جاء به الشرع، وجاء بعده من هو أشد بلاءً منه واسخف عقلًا وأقل علمًا وأبعد عن الشرع، فجعل ذلك قاعدة عقلية ضرورية فدفع بها جميع ما جاء عن الشارع عرف هذا من عرفه وجهله من جهله. ومن لم يعرف هذا فليتهم نفسه. فيا لله العجب من فرية (٢) يفتريها على العقل بعض من حُرم علم الشرع. ثم يأتي من بعده فيجعلها أصولًا مقررة وقواعد محررة. ويؤثرها على قول الله وقول أنبيائه. وهكذا تجد في علم أصول الفقه قاعدة قد أخذها الآخر عن الأول وتلقنها الخلف عن السلف وبنوا عليها القناطر وجعلوها إمامًا لأدلة الكتاب والسنة يجيزون ما أجازته ويردون ما ردته (٣). وليست من قواعد اللغة الكلية ولا من القوانين الشرعية بل لا مستند لها إلا الخيال المختل والظن الفاسد والرأي البحت ومع هذا فهم يزعمون أن هذا العلم لا تُقبل فيه إلا الأدلة القطعية، دعوى ظاهرة البطلان واضحة الفساد، فإن غالبها لا يوجد عليه دليل من الأحاد صحيح ولا حسن. بل لا يوجد آحادي ضعيف، وغالب ما يوجد الموضوعات التي لا يمتري من له حظ من العلم في كذبها كاستدلالهم بمثل: "حكمي على الواحد حكمي على
стр. 159
الجماعة" ويمثل: "نحن نحكم بالظاهر"، ونحو هذه الأكاذيب. فالمغرور من اغتر بهذه الدلس. والمخدوع من خدع بها وترقى بها من كونها موضوعة إلى كونها صحيحة ثم من كونها صحيحة إلى كونها قطعية. فيا الله العجب من نفاق مثل هذه الأمور على كثير من أهل العلم وانقراض القرن بعد القرن والعصر بعد العصر. وهي عندهم مسائل قطعية وقواعد مقررة /والذنب لمن تكلم بها وذكرها في مؤلفاته ولم يقف حيث أوقفه الله من جهله بما جاء في الشريعة.
وهكذا ما وقع في كثير من أبواب الفقه من ذكر قواعد يطردونها في جميع المسائل ويظنون أنها من قواعد الشرع الثابتة بقطعيات الشريعة. ومن كشف عن ذلك وجد أكثرها مبنيًا على محض الرأي الذي ليس عليه إثارة من علم ولا يرجع إلى شيء من الشرع. ومن خفي عليه هذا فليعلم أن قصوره وعدم اشتغاله بالعلم هو الذي جنى عليه وغرّه بما لا يغتر به من عض على العلم بناجذه وكشف عن الأمور كما ينبغي.
فعلى من أراد الوصول إلى الحق والتمسك بشعار الإنصاف أن يكشف عن هذه الأمور فإنه إذا فعل ذلك هان عليه الخطب ولم يحل بينه وبين الحق ما ليس من الحق.
[ثامنًا: الاعتماد على الأدلة التي يحتج بها المتعصبون لأنفسهم، أو ضد خصومهم وعدم الرجوع إلى المصادر الأصلية]:
ومن أسباب الوقوع في غير الإنصاف والتمسك بذيل من الاعتساف. أن يأخذ طالب الحق أدلة المسائل من مجاميع الفقه التي يعتزي مؤلفها إلى مذهب من المذاهب. فإن من كان كذلك يُبالغ في إيراد أدلة مذهبه ويُطيل ذيل الكلام عليها ويصرح تارة بأنها أدلة. وتارة بأنها حجج. وتارة بأنها صحيحة. ثم يطفف لخصمه المخالف فيورد أدلته بصيغة التمريض. ويعنونها
стр. 160
بلفظ الشبه. وما يؤدي هذا المعنى (١). فإذا اقتصر طالب الحق على النظر في مثل هذه المؤلفات وقع في الباطل وهو يظنه الحق. وخالف الحق وهو يظنه الباطل. والذي أوقعه في ذلك اقتصاره في البحث والنظر على ذلك الكتاب الذي ألفه ذلك المتعصب، وإحسانه الظن به، وغفو له عن أن مواطن الأدلة هي مجاميع الحديث كالأمهات وما يلتحق بها. وإن هؤلاء هم أهل العلم وأربابه الذين يعرفون صحيحه من فاسده كما قدمنا الإشارة إلى هذا.
ولا بأس بأن ينظر طالب الحق في كتب العلماء المشهورين بالانصاف الذين لم يتعصبوا لمذهب من المذاهب ولا انتسبوا إلى عالم من العلماء، فإنه يستفيد بمطالعة مؤلفات المنصفين كيفية العمل عند التعارض، ويهتدي إلى مواقع الترجيح ومواطن ما يحق من الاجتهاد على الوجه المطابق.
وهكذا كتب الكلام وأصول الفقه، فإن كل طائفة تصنع هذا الصنع في الغالب فتصف ما يوافق مذهبها بالحجج القواطع والأدلة الراجحة. وتطفف للمخالف فتورد له ما لا يعجزون عن جوابه ودفعه. ويتركون ما لا يتمكنون من دفعه. وقد يذكرونه على وجه فيه مدخل للدفع ويلصقون به ما يفتح فيه أبواب المقال. فليحذر المنصف من الركون على ما يورده المتمذهبون لأنفسهم ولخصومهم من الحجج (٢). فإنه قد علق بكل طائفة من العداوة للأخرى ما يوجب عدم القبول من بعضهم في بعض (٣).
стр. 161
وبالجملة فليس المتعصب بأهل لأن يؤخذ الحق من مؤلفاته فإنه إذا لم ينتفع بالعلم ويهتدي بما عرف منه فكيف يهتدي به غيره أو يتوصل بما جمعه إلى ما هو الحق. فالمصاب بالعمى لا يقود الأعمى. فإن فعل كانت ظلمات بعضها فوق بعض. والمريض لا يداوي من هو مصاب بمثل مرضه. ولو كان صادقًا فيما يزعمه من اقتداره على المداواة كانت نفسه التي بين جنبيه أحق بذاك منه.
[تاسعًا: التقليد في علم الجرح والتعديل]:
ومن جملة الأسباب المانعة من الإنصاف: التقليد في علم الجرح والتعديل لمن فيه عصبية من المصنفين فيه كما يجده اللبيب كثيرًا. فإنه إذا تصدى لذلك بعض المصابين بالتقليد كان العدل عنده من يوافقه في مذهبه الذي يعتقده. والمجروح من خالفه كائنًا من كان. ومن خفي عليه فلينظر ما في مصنفات الحفاظ بعد انتشار المذاهب وتقيد الناس بها (١).
стр. 162
وكذلك ما في كتب المؤرخين فإن الموافقة في المذهب حاملة على ترك التعرض لموجبات الجرح وكتم الأسباب المقتضية لذلك فإن وقع التعرض لشيء منها نادرًا أكثر المصنف من التأويلات والمراوغات والتعسفات الموجبة لدفع كون ذلك الخارج خارجًا. وإن كان الكلام على أحوال المخالف كان الأمر بالعكس من ذلك فالفضائل مغموطة، والرذائل منشورة من غير تأويل ولا إحسان ظن.
وبالجملة: فالاهتمام في الموافق بذكر المناقب دون المثالب. وفي المخالف بالعكس من ذلك. ولا أقول إنهم يتعمدون الكذب ويكتمون الحق فهم أعلى قدرًا وأشد تورعًا من ذلك. ولكن رسخ في قلوبهم حب مذاهبهم فأحسنوا الظن بأهلها (ونفرت أنفسهم عن مذاهب غيرهم فأساؤوا الظن بأهلها) (١) فتسبب عن ذلك ما ذكرنا ولم يشعروا بأن هذا الصنيع من أشد التعصب وأقبح الظلم. بل ظنوا أن ذلك من نصرة الدين ورفع منار المحقين ووضع أمر المبطلين غفلة منهم وتقليدًا. وقد يقع ذلك بين أهل المذهب الواحد مع اتفاقهم في التقليد لإمام واحد واعتقادهم بمعتقد واحد. فإذا تصدى أحدهم لتراجم أهل مذهبه أطال ذيل الكلام عند ذكر شيوخه وتلامذته بكل ما يقدر عليه. وكذلك يوسع نطاق المقام عند ترجمته لمن له عليه أي يد كانت فإذا ترجم غير شيوخه/ وتلامذته وأهل مودته طفف لهم تطفيفًا. وأوسعهم ظلمًا وحيفًا. وإذا كان هذا مع الاتفاق في المذهب والمعتقد فما ظنك بما يكون مع الاختلاف في المذهب والاتفاق في التسمي باسم واحد أما باعتبار الاعتقاد أو باعتبار أمر آخر كأهل المذاهب الأربعة، فإنهم اختلفوا في المذاهب مع اتفاقهم على أنهم أهل السنة، واشتراك غالبهم في اعتقاد قول الأشعري. فإن دائرة الأهوية حينئذ تتسع. ومحبة العصبية تكثر. كما
стр. 163
تراه كثيرًا في تراجم بعضهم لبعض خصوصًا فيما بين الحنابلة ومن عداهم من أهل المذاهب الأربعة (١). وكذلك فيما بين الحنفية ومن عداهم. ومن نظر في ذلك بعين الإنصاف علم بالصواب.
دع عنك ما يقع مع الاختلاف في المذاهب والمعتقدات، فإنه يبلغ الأمر إلى عداوة فوق عداوة أهل الملل المختلفة. فطالب الإنصاف لا يلتفت إلى شيء مما يقع من الجرح والتعديل بالمذاهب والنحل. فَيَقْبَلون جميعًا إلا أن يكون ما جاء به المتمذهب مقويًا لبدعته. أو كان على مذهب لا يرى بالكذب فيه بأسًا كما هو عند غلاة الرافضة (٢). وأما ما عدا الجرح والتعديل بالمذاهب والمعتقدات، فإن كان المتكلم في ذلك بريئًا عن التمذهب والتعصب كما يُروى عن السلف قبل انتشار المذاهب، فأحرص عليه واعمل به على اعتبار صحة الرواية وصدوره في الواقع، وإما باعتبار كونه جارحًا أو غير جارح فذلك مفوض إلى نظر المجتهد. والذي ينبغي التعويل عليه أن القادح إن كان يرجع إلى أمر يتعلق بالرواية كالكذب فيها وضعف الحفظ والمجازفة فهذا هو القادح المعتبر. وإن كان يرجع إلى شيء آخر فلا اعتداد به وإن كان المتكلم متلبسًا بشيء من هذه المذاهب فهو مقبول في جرح من يجرحه من الموافقين له وتزكية من يزكيه من المخالفين له. وأما إذا جاء بما يقتضي تعديل الموافق وجرح المخالف، فهذا مما ينبغي التوقف فيه حتى
стр. 164
يعرف من طريق غيره أو يشتهر اشتهارًا يقبله سامعه (١)
[عاشرًا: الحسد والمنافسة بين الأقران]:
ومن الأسباب المانعة من الإنصاف ما يقع من المنافسة بين المتقاربين في الفضائل أو في الرئاسة الدينية أو الدنيوية، فإنه إذا نفخ الشيطان في أنفهما وترقت المنافسة بلغت إلى حد يحمل كل واحد منهما على أن يرد ما جاء به الآخر إذا تمكن من ذلك وإن كان صحيحًا جاريًا على منهج الصواب. وقد رأينا وسمعنا من هذا القبيل عجائب صنع فيها جماعة من أهل العلم صنيع أهل الطاغوت. وردوا ما جاء به بعضهم من الحق وقابلوه بالجدال الباطل والمراء القاتل، وإني لأذكر أيام اشتغال الطلبة بالدرس عليّ في كثير من العلوم، وكنت أجيب عن مسائل ترد عليّ يحررها الطلبة ويحررها غيرهم من أهل العلم من أمكنة قريبة وبعيدة. فكان يتعصب على تلك الأجوبة جماعة من المشاركين لي في تدريس الطلبة في علوم الاجتهاد وغيرها. وقد يسلكون مسلكًا غير هذا فيقع منهم الإيهام على العوام بمخالفة ذلك الكلام لما يقوله من يعتقدون قوله من الأموات، فينشأ عن ذلك فتن عظيمة، وحوادث جسيمة. وكان بعض نبلائهم يكتب عليّ بعض ما أكتبه ثم يهديه إلى السائل وإن كان في بلد بعيد من دون أن يقصده بسؤال. ولا طلب منه تعقب ما أجبت به من المقال. وقد أقف على شيء من ذلك فأجده في غاية من الاعتساف فأتعقبه تعقبًا فيه كشف عواره وإيضاح بواره. وقد ينضم إلى ذلك ذكر كلمات والاستشهاد بأبيات اقتضاها الشباب والنشاط واشتعال الغضب لما أراه من التعصب والمنافسة على ما ليس لي فيه اختيار. فإن
стр. 165
ورود سؤالات السائلين إليّ من العامة والخاصة وانثيال المستفتين من كل جهة، لم يكن بسعي مني ولا احتيال. وكذلك اجتماع نبلاء الطلبة لديّ وأخذهم عني وتعدد دروسهم عندي ليس لي فيه حيلة ولا هو من جهتي. فكان هذا الصنع منهم يحملني على مجاوبتهم بما لا يعجبني بعد الصحو من سكر الحداثة والقيام من رقدة الشباب. لا لكونه غير حق أو ليس بصواب. بل لكون فيه من سهام الملام وصوارم الخصام ما لا يناسب هذا المقام. فإذا كان هذا في المشتركين في التدريس والإفتاء وهما خارجان عن مناصب الدنيا لانهما في ديارنا لا يقابلان بشيء من الدنيا لا من سلطان ولا من غيره من نوع الإنسان. فما بالك بالرئاسات التي لها مدخل في الدين والدنيا. أو التي هي خاصة بالدنيا متمحضة لها. فإنه لا شك أن التنافس بين أهلها أهم من الرئاسات الدينية المحضة التي لم تشب بشيء من شوائب الدنيا. فينبغي للمنصف أن لا يغفل عن هذا السبب، فإن النفس قد تنقبض عن كلام من كان منافسًا في رتبة معارضًا في فضيلة وإن كان حقًّا. وقد يحصل مع الناظر فيه زيادة على مجرد الانقباض فيتكلم بلسانه أو يحرر بقلمه ما فيه معارضة للحق ودفع للصواب فيكون مؤثرًا لحمية الجاهلية وعصبية الطاغوت على الشريعة المطهرة. وكفى بهذا فإنه من الخذلان البيّن. نسأل الله الهداية إلى سبيل الرشاد.
[أحد عشر: اختلاف قواعد ومناهج البحث في أصول الفقه والتباسها بما ليس فيها]:
ومن أسباب التعصب الحائلة بين من أصيب بها وبين المتمسك بالإنصاف: التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد. وكثيرًا ما يقع ذلك في أصول الفقه فإنه قد اختلط فيها المعروف بالمنكر والصحيح بالفاسد والجيد بالرديء، فربما يتكلم أهل هذا العلم على
стр. 166
مسائل من مسائل الرأي ويحررونها ويقررونها، وليست منه في شيء ولا تعلق لها به بوجه. فيأتي الطالب لهذا العلم إلى تلك المسائل فيعتقد أنها منه فيرد إليها المسائل الفروعية، ويرجع إليها عند تعارض الأدلة. ويعمل بها في كثير من المباحث، زاعمًا أنها من أصول الفقه. ذاهلًا عن كونها من علم الرأي. ولو علم بذلك لم يقع فيه ولا ركن إليه. فيكون هذا وأمثاله قد وقعوا في التعصب وفارقوا مسلك الإنصاف، ورجعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعرون بشيء من ذلك ولا يفطنون به، بل يعتقدون أنهم متشبثون بالحق متمسكون بالدليل واقفون على الإنصاف خارجون عن التعصب. وقلَّ من يسلم من هذه الدقيقة وينجو من غبار هذه الأعاصير. بل هم أقل من القليل. وما أخطر ذلك وأعظم ضرره واشد تأثيره وأكثر وقوعه وأسرع نفاقه على أهل الإنصاف وأرباب الاجتهاد.
فإن قلتَ: إذا كان هذا السبب كما زعمت من الغموض والدقة ووقوع كثير من المنصفين فيه وهم لا يشعرون فما أحقه بالبيان وأولاه بالإيضاح وأجدره بالكشف حتى يتخلص عنه الواقعون فيه وينجوا منه المتهافتون إليه؟
قُلتُ: اعلم أن ما كان من أصول الفقه راجعًا إلى لغة العرب رجوعًا ظاهرًا مكشوفًا كبناء العام على الخاص. وحمل المطلق على المقيد ورد المجمل إلى المبيَّن. وما يقتضيه الأمر والنهي ونحو هذه الأمور. فالواجب على المجتهد أن يبحث عن مواقع الألفاظ العربية. وموارد كلام أهلها وما كانوا عليه في مثل ذلك. فما وافقه فهو الأحق بالقبول والأولى بالرجوع إليه. فإذا اختلف أهل الأصول في شيء من هذه المباحث كان الحق بيد من هو أسعد بلغة العرب. هذا على فرض عدم وجود دليل شرعي يدل على ذلك. فإن وجد فهو المقدم (١) على كل شيء. وإذا أردت الزيادة في البيان
стр. 167
والتكثير من الإيضاح بضرب من التمثيل وطرف من التصوير: فاعلم، أنه قد وقع الخلاف في أنه هل يُبنى العام على الخاص مطلقًا أو مشروطًا بشرط أن يكون الخاص متأخرًا. ووقع الخلاف في أنه هل يُحمل المطلق على المقيّد مع اختلاف السبب أم لا. ووقع الخلاف في معنى الأمر الحقيقي هل هو الوجوب أو غيره. ووقع الخلاف في معنى النهي الحقيقي هل هو التحريم أو غيره. فإذا أردت الوقوف على الحق في بحث من هذه الأبحاث، فانظر في اللغة العربية واعمل على ما هو موافق لها مطابق لما كان عليه أهلها. واجتنب ما خالفها، فإن وجدت ما يدل على ذلك من أدلة الشرع كما تقف عليه في الأدلة الشرعية من كون الأمر يفيد الوجوب والنهي يفيد التحريم فالمسألة أصولية لكونها قاعدة كلية شرعية لكون دليلها شرعيًا كما أن ما يستفاد من اللغة من القواعد الكلية أصولية لغوية. فهذه المباحث وما يشابهها من مسائل النسخ ومسائل المفهوم والمنطوق الراجعة إلى لغة العرب المستفادة منها على وجه يكون قاعدة كلية هي مسائل الأصول. والمرجع لها الذي يعرف به راجحها من مرجوحها هو العلم الذي هي مستفادة منه مأخوذة من موارده ومصادره. وأما مباحث القياس فغالبها من بحث الرأي الذي لا يرجع إلى شيء مما تقوم به الحجة، وبيان ذلك أنهم جعلوا للعلة مسالك عشرة لا تقوم الحجة بشيء منها إلا ما كان راجعًا إلى الشرع. كمسلك النص على العلة. أو ما كان معلومًا من لغة العرب كالإلحاق بمسلك الغاء الفارق. وكذلك قياس الأولى المسمى عند البعض بفحوى الخطاب. وأما المباحث التي يذكرها أهل الأصول في مقاصده كما فعلوه في مقصد الكتاب ومقصد السنة والاجماع. فما كان من تلك المباحث الكلية مستفادًا من أدلة الشرع فهو أصولي شرعي. وما كان مستفادًا من مباحث اللغة فهو أصولي لغوي. وما كان مستفادًا من غير هذين فهو من علم الرأي الذين كررنا عليك التحذير
стр. 168
منه. ومن المقاصد المذكورة في الكتب الأصولية التي هي من محض الرأي الاستحسان والاستصحاب والتلازم.
وأما المباحث المتعلقة بالاجتهاد والتقليد وشرع من قبلنا والكلام على أقوال الصحابة، فهي شرعية فما انتهض عليه دليل الشرع منها فهو حق. وما خالفه فباطل.
وأما المباحث المتعلقة بالترجيح، فإن كان المرجح مستفادًا من الشرع فهو شرعي. وإن كان مستفادًا من علم من العلوم المدونة فالاعتبار بذلك العلم فإن كان له مدخل في الترجيح كعلم اللغة فإنه مقبول. وإن كان لا مدخل له إلا لمجرد الدعوى كعلم الرأي فإنه مردود.
وإذا تقرر هذا ظهر لك منه فائدتان: الأولى: إرشادك إلى أن بعض ما دوَّنه أهل الأصول في الكتب الأصولية ليس من الأصول في شيء بل هو من علم الرأي الذي هو عن الشرع وما يتوصل إليه به من العلوم بمعزل.
الفائدة الثانية: إرشادك إلى العلوم التي تستمد منها المسائل المدونة في الأصول لترجع إليها عند النظر في تلك المسائل حتى تكون على بصيرة ويصفو لك هذا العلم ويخلص عن شوب (١) الكذب.
فإن قلتَ: إذا كان الأمر كما ذكرته فما تقول فيما يزعمه أهل الأصول من أنه لا يقبل في إثبات مسائله إلا الأدلة القطعية؟.
قُلتُ: هذه دعوى منهم يكذبها العمل ويدفعها ما دونوه في هذه العلم من أدلة مسائله.
فإن قُلتَ: إذا كان استمداد هذا العلم عندهم من الكلام والعربية
стр. 169
والأحكام كما صرحوا به فليس ذلك دعوى مجردة. فإنهم قد صرحوا في علم الكلام بأنه لا يقبل في إثبات مسائله إلا الأدلة القطعية. وصرحوا في الكلام على نقل اللغة أنها لا تثبت بالآحاد. وإذا كان ما منه الاستمداد مثبتًا ببراهين قطعية كان ما استمد منه مثله في ذلك.
قُلتُ: هذه دعوى على دعوى وظلمات بعضها فوق بعض. أما علم الكلام فغالب مسائله مبنية على مجرد الدعاوى على العقل التي هي كسراب بقيعة إذا جاءه طالب الهداية لم يجد شيئًا. وقد قدمنا الإشارة إلى هذا. وأما ما كان من مسائله مأخوذًا من الشرع فهي مسائل شرعية ولا فرق بين شرعي وشرعي من هذه الحيثية. وأما اللغة فقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل يشترط في إثباتها أن يكون النقل متواترًا أم لا. والحق بيد من لم يثبت هذا الشرط فإن سابق المشتغلين بنقل لغة العرب (١) ولاحقهم قد رأيناهم يثبتونها لمجرد وجود الحرف في بيت من أبيات شعرائهم. وكلمة من كلمات بلغائهم. ومن أنكر هذا فهو مكابر لا يستحق تطويل الكلام معه.
стр. 170
الفصل الثاني [طبقات / فئات المتعلمين وما ينبغي أن يتعلمه طلاب كل فئة من العلوم]
وإذا قد انتهى بنا الكلام في بيان الأسباب المانعة من الإنصاف إلى هذه الغاية. وتغلغل بنا البحث إلى ذكر ما ذكرناه من تلك الدقائق التي ينبغي لكل عالم ومتعلم أن تكون نصب عينيه في إقدامه واحجامه. وأن تكون ثابتة في تصوره في جميع أحواله. وما أحقها بذلك. وأولاها بالحرص على ما هنالك. فإنها فوائد لا توجد في كتاب. وفرائد لا يخلو أكثرها عن قوة كثير من المرشدين المحققين وإن حال بينهم وبين إبرازها إلى الفعل حجاب.
فلنتكلم الآن على ما ينبغي لطالب العلم أن يتعلمه من العلوم:
فأقول: أنها لما كانت تتفاوت المطالب في هذا الشأن، وتتباين المقاصد بتفاوت همم الطالبين وأغراض القاصدين. فقد ترتفع همة البعض منهم فيقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع ومقدماته (١) يكون عند تحصيلها إمامًا مرجوعًا إليه مستفادًا منه مأخوذًا بقوله مدرسًا مفتيًا مصنفًا. وقد تقصر همته عن هذه الغاية فتكون غاية مقصده ومعظم مطلبه ونهاية رغبته
стр. 171
أن يعرف ما طلبه منه طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه. ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة الأولى من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم. والقيام في مقام أكابر الأئمة. ونحارير هذه الأمة. وقد يكون نهاية ما يريده وغاية ما يطلبه أمرًا دون أهل الطبقة الثانية وذلك كما يكون من جماعة يرغبون إلى إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه، من دون قصد منهم إلى الاستقلال. بل يعزمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى الترجيح.
فهذه ثلاث طبقات للطلبة من المتشرعين الطالبين للاطلاع على ما جاء في الكتاب والسنة. إما كلا أو بعضًا بحسب اختلاف المقاصد وتفاوت المطالب.
وثم طبقة رابعة: يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لعرض من الأعراض (١) الدينية والدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع. فكانت الطبقات أربع. وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهم الطبع عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون. ولا يقنع بما دون الغاية. ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد فإن النفوس الأبية، والهمم العلية، لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم (٢):
стр. 172
إذا غامرت في شرف مروم (١) … فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم
وقال آخر مشيرًا إلى هذا المعنى:
إذا لم تكن ملكًا مطاعًا … فكن عبدًا لخالقه مطيعًا
وإن لم تملك الدنيا جميعًا … كما تهواه فاتركها جميعًا
هما شيئان من ملك ونسك … ينيلان الفتى شرفًا رفيعًا
وقال آخر:
فإما مكانا يضرب النجم دونه … سرادقه أو باكيًا لحمام
وقد ورد هذا المعنى كثيرًا في النظم والنثر وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة، وتقبله النفوس العلية. وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال، فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبًا وأعلى مكسبًا وأرفع مرادًا وأجل خطرًا وأعظم قدرًا وأعود نفعًا وأتم فائدة. وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة وأجلها واكملها في حصول المقصود، وهو الخبر الأخروي. فإن الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وأخبر عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وأخبرنا رسول الله ﵌ (بأن العلماء ورثة الأنبياء) (٢).
стр. 173
وناهيك بهذه المزية الجليلة، والمنقبة النبيلة، فاكرم بنفس تطلب غاية المطالب، في أشرف المكاسب. وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة، ولا تساميه منقبة، ولا تقاربه مكرمة، فليس بعد ما يتصوره أهل الطبقة الأولى متصور. فإن نالوه على الوجه الذي تصوروه فقد ظفروا من خير العاجلة والآجلة وشرف الدنيا والآخرة بما لا يظفر به إلا من صنع صنيعهم ونال نيلهم، وبلغ مبالغهم، وإن اختر مهم دونه مخترم، وحال بينهم وبينه حائل، فقد اعذروا، وليس على من طلب جسيمًا ورام أمرًا عظيمًا أن منعته عنه الموانع وصرفته عنه الصوارف من بأس. وما أحسن ما قاله الشريف الرضي الموسوي (١):
لابد أن أركبها صعبة … وقاحة تحت علام وقاح
اجهدها أو تنثني بالردى … دون الذي أملت أو بالنجاح
أما فتى نال المنى فاشتفى … أبو بطل ذاق الردى فاستراح
وكنت في أيام الطلب وعصر الشباب قد نظمت قصيدة في هذا المعنى على هذا النمط، اذكر منها الآن أبياتًا هي (٢):
قد أتعب السير رحالي وقد … آن لها بعد الوحي (٣) أن تُراح
فما يهاب العتب من فاز من … غاية أمنيته بالنجاح
سعى فلما ظفرت بالمني … يمينه ألقى العصا واستراح
فيا أيها العالم الصعلوك، قد ظفرت برتبة أرفع من رتب الملوك،
стр. 174
ونلت من المعالي أعلاها، ومن المناقب والفضائل أولاها بالشرف وأولاها. فإن كل المعالي الدنيوية وإن تناهت فليست باعتبار المعالي العلمية والشرف الحاصل بها في ورد ولا صدر. فإنه يحصل للعالم أولًا وبالذات الفوز بالنعيم الأخروي الدائم السَّرمدي الذي لا تعدل منه الدنيا بأسرها قيد شوط بل مقدار سوط. ويحصل له ثانيًا وبالعرض من شرف الدنيا ما يصغر عنده كل شرف، ويتقاصر دونه كل مجد، ويتضاءل لديه كل فخر. وإن من فهم مقدار ما في العلوم من العلو كان عند نفسه أعز قدرًا وأعلا محلًا وأجل رتبة من الملوك وإن كان متضايق المعيشة، يركب نعليه ويلبس طمريه. وقلت في هذا المعنى من أبيات (١):
قد كنت ذا طمرين أمرح في العلى … مرح الأغر بجانب (٢) الميدان
ما كنت مضطهدًا فأطلب رفعة … أو خاملًا فأريد شهرة شاني
فاحرص أيها الطالب على أن تكون من أهل الطبقة الأولى، فإنك إذا ترقيت من البداية التصورية، إلى العلة الغائية، التي هي أول الفكر وآخر العمل. كنت فرد العالم، وواحد الدهر، وقريع الناس، وفخر العصر، ورئيس القرن، واي شرف يسامي شرفك، أو فخر يداني فخرك، وأنت تأخذ دينك عن الله وعن رسوله. لا تقلد في ذلك أحدًا، ولا تقتدي بقول رجل، ولا تقف عند رأي، ولا تخضع لغير الدليل، ولا تعوّل على غير النص (٣). هذه والله رتبة تسمو على السماء، ومنزلة تتقاصر عندها النجوم. فكيف بك إذا كنت مع هذه المزية مرجعًا في دين الله ملجأ لعباد الله، مترجمًا لكتاب الله وسنة رسول الله. يدوم لك الأجر ويستمر لك النفع ويعود لك الخير وأنت
стр. 175
بين أطباق الثرى، وفي عداد الموتى، بعد مئين من السنين، ولا يحول بينك وبين هذا المطلب الشريف ما تنازعك نفسك إليه من مطالب الدنيا التي تروقها وتود الظفر بها، فإنها حاصلة لك على الوجه الذي تحب، والسبيل الذي تريد، بعد تحصيلك لما أرشدتك إليه من الرتبة العلمية، وتكون إذ ذاك مخطوبًا لا خاطبًا ومطلوبًا لا طالبًا. وعلى فرض أنها تكدي عليك المطالب وتعاندك الأسباب فلست تعدم الكفاف الذي لا بد لك منه. فما رأينا عالمًا ولا متعلمًا مات جوعًا ولا أعوزه الحال (١) حتى انكشفت عورته عريًا، أولم يجد مكنًا يكنه، ومنزلًا يسكنه، وليس الدنيا إلا هذه الأمور، وما عداها فضلات مشغلة للاحياء مهلكة للأموات (٢):
أنا إن عشت لست أعدم قوتًا … وإذا مت لست اعدم قبرًا
وعلى العاقل أن يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له. ولا يعدوه ما قدره له. وأنه قد فرغ من أمر رزقه الذي فرضه الله له. فلا القعود يصده، ولا السعي واتعاب النفس يوجب الوصول إلى ما لم يأذن به الله. وهذا معلوم من الشرع قد توافقت عليه صرائح الكتاب والسنة، وتطابقت عليه الشرائع. وإذا كان الأمر هكذا فما أحق هذا النوع العاقل من الحيوان الذي دارت رحى التكليف عليه، ونيطت أسباب الخير والشر به، أن يشتغل بطلب ما أمره الله بطلبه، وتحصيل ما خلقه الله لتحصيله، وهو الامتثال لما أمره به من طاعته، والانتهاء عما نهاه عنه من معاصيه، ومن أعظم ما يريده الله منه ويقربه إليه ويفوز به عنده: أن يشغل نفسه ويستغرق أوقاته في طلب معرفة هذه الشريعة
стр. 176
التي شرعها الله لعباده، وينفق ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ونزلت به ملائكته، فإن جميع ما يريده الله من عباده عاجلًا وآجلًا وما وعدهم به من خير وشر قد صار في هذه الشريعة، فأكرم برجل تاقت نفسه عن أن يكون عبد بطنه إلى أن يكون عبد دينه، حتى يناله على الوجه الأكمل، ويعرفه على الوجه الذي أراده الله منه، ويرشد إليه من عباده من أراد له الرشاد، ويهدي به من استحق الهداية، فانظر أعزك الله كم الفرق بين الرجلين، وتأمل قدر مسافة التفاوت بين الأمرين، هذا يستغرق جميع أوقاته وينفق كل ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه وملبسه وما لا بد منه قام أو قعد سعى أو وقف، وهذا يقابله بسعي غير هذا السعي وعمل غير ذلك العمل، فينفق ساعاته ويستغرق أوقاته في طلب ما جاء عن الله وعن رسوله، من التكاليف التي كلف بها عباده، وما أذن به من إبلاغه إليهم من أمور دنياهم وأخراهم لينتفع بذلك ثم ينفع به من شاء الله من عباده، ويُبلِّغ إليهم حجة الله ويعرفهم شرائعه. فلقد تعاظم الفرق بين النوعين، وتفاوت تفاوتًا يقصر التعبير عنه ويعجز البيان له، إلا على وجه الإجمال بأن يقال: أن أحد النوعين قد التحق بالدواب، والآخر بالملائكة، لأن كل واحد منهما قد سعى سعيًا شابه من التحق به، فإن الدابة يستعملها مالكها في مصالحه، ويقوم بطعامها وشرابها وما يحتاج إليه، ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة، وتأمله حق التأمل، وجد عيش من شغل نفسه بالطاعة وفرّغها للعلم ولم يلتفت إلى ما تدعو إليه الحاجة من أمر دنياه أرفه، وحاله أقوم، وسروره أتم، وتلك حكمة الله البالغة التي يتبين عندها أنه لن يعدو المرء ما قُدِّر له. ولن يفوته ما كان يدركه، وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابت في الشريعة مصرح به في غير موطن منها قد أجراه الله على لسان الجبابرة من عباده وعتاة أمته، حتى قال الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض خطبه ما معناه: أيها الناس إن الله كفانا أمر الرزق وأمرنا بالعبادة فسعينا لما كُفيناه وتركنا السعي
стр. 177
للذي أمرنا به فليتنا أمرنا بطلب الرزق وكفينا العبادة حتى نكون كما أراده الله منا" (١) هذا معنى كلامه لا لفظه. فلما بلغ كلامه هذا بعض السلف المعاصرين له قال إن الله لا يخرج الفاجر من هذه الدار وفي قلبه حكمة ينتفع بها العباد إلا أخرجها منه وإن هذا مما أخرجه من الحجاج، فانظر هذا الجبار كيف لم يخف عليه هذا الأمر مع ما هو فيه من التجبر وسفك الدماء وهتك الحرم والتجرؤ على الله وعلى عباده وتعدي حدوده. فما أحقه بأن لا يخفى على من هو ألين منه قلبًا وأقل منه منه ظلمًا وأخف منه تجبرًا، وأقرب منه من خير، وأبعد منه من شر، وإن من تصور هذا الأمر حق التصور وتعقله كما ينبغي انتفع به انتفاعًا عظيمًا ونال به من الفوائد جسيمًا والهداية بيد الهادي ﷻ وتقدست أسماؤه. وإن لحسن النية وإخلاص العمل تأثيرًا عظيمًا في هذا المعنى فمن تعكست عليه بعض أموره من طلبة العلم، أو أكْدَتْ (٢) عليه مطالبه وتضايقت مقاصده فليعلم أنه بذنبه أصيب، وبعدم إخلاصه عوقب، أو أنه أصيب بشيء من ذلك محنة له وابتلاء واختبارًا لينظر كيف صبره واحتماله، ثم يفيض عليه بعد ذلك من خزائن الخير ومخازين العطايا في ما لم يكن بحسبان. ولا يبلغ إليه تصور، فليعض على العلم بناجذه، ويشد عليه يده، ويشرح به صدره، فإنه لا محالة واصل إلى المنزل الذي ذكرنا، نائل للمرتبة التي بيّنا، وما أحسن ما حكاه بعض أهل العلم عن الحكيم أفلاطون فإنه قال: الفضائل مُرة الأوائل حلوة العواقب، والرذائل حلوة الأوائل مُرة العواقب. وقد صدق فإن من شغل أوائل عمره وعنفوان شبابه بطلب الفضائل لا بد له أن يفطم نفسه عن بعض شهواتها ويحبسها عن الأمور التي يشتغل بها أترابه ومعارفه من الملاهي ومجالس الراحة وشهوات
стр. 178
الشباب. فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك اللذات والخلاعات وجد في نفسه بحكم الشباب وحداثة السن وميل الطبع إلى ما هناك مرارة، واحتاج إلى مجاهدة يرد جامع طبعه ومتفلت هواه ومتوثب نشاطه لا يتم له إلا بالجام شهوته بلجام الصبر ورباطها بمربط العفة. وكيف لا يجد مرارة الحبس للنفس من كان في زاوية من زوايا المساجد ومقصورة من مقاصر المدارس، لا ينظر إلا في دفتر ولا يتكلم إلا في فن من الفنون، ولا يتحدث إلَّا إلى عالم أو متعلم، وأترابه ومعارفه من قرابته وجيرانه وذوي سنه وأهل نشأته وبلده يتقلبون في رافه العيش ورائق القصف. وإذا انضم لذلك الطالب إلى هذه المرارة الحاصلة له بعزف النفس عن شهواتها مرارة أخرى هي إعواز الحال وضيق المكسب وحقارة الدخل. فإنه لا بد أن يجد من المرارة المتضاعفة ما يعظم عنده موقعه، لكنه يذهب عنه ذلك قليلًا قليلًا، فأول عقدة تنحل عنه من عقد هذه المرارة عند أن يتصور ما يؤول به الأمر وينتهي إليه حاله من الوصول إلى ما قد وصل إليه من يجده في عصره من العلماء، ثم تنحل عنه العقدة الثانية بفهم المباحث وحفظ المسائل وإدراك الدقائق، فإنه عند ذلك يجد من اللذة والحلاوة ما يذهب بكل مرارة، ثم إذا نال من المعارف حظًا وأحرز منها نصيبًا ودخل في عداد أهل العلم كان متقلبًا في اللذات النفسانية التي هي اللذات بالحقيقة، ولا يعدم عند ذلك اللذات الجسمانية ما هو أفضل وأحلى من اللذات التي يتقلب فيها كل من كان من أترابه، وهو إذا وازن بين نفسه الشريفة وبين فرد من معارفه الذين لم يشتغلوا بما اشتغل به اغتبط بنفسه غاية الاغتباط ووجد من السرور والحبور ما لا يقادر قدره. هذا باعتبار ما يجده من اللذة النفسانية عند أن يجد نفسه عالمة ونفس معارفه جاهلة. ويزداد ذلك بما يحصل له من لوازم العلم من الجلالة والفخامة وبُعد الصيت وعظيم الشهرة ونبالة الذكر ورفعة المحل والرجوع إليه في مسائل الدين وتقديمه على غيره في مطالب الدنيا وخضوع من كان
стр. 179
يزري عليه ويستخف بمكانه من بني عصره فإذا جمعهم مجلس من مجالس الدنيا كانوا له بمنزلة الخدم، وإن كان على غاية من الإفلاس والعدم. ثم إذا تناهي حاله وبلغ من الحظ في العلم إلى مكان عليٍّ انثال عليه الطلبة للعلوم، وأقبل إليه المستفتون في أمر الدين، واحتاج إليه ملوك الدنيا فضلًا عن غيرهم، فيكون عند هذا عيشه حلوًا محضا، وعمره مغمورًا باللذات النفسانية والجسمانية ويرتفع أمره عن هذه الدرجة ارتفاعًا لا يقادر قدره إذا تصور ما له عند الله من عظيم المنزلة وعليّ الرتبة وعظيم الجزاء الذي هو المقصود أولًا وبالذات من علوم الدين.
وكنت في أوائل أيام طلبي للعلم في سن البلوغ أو بعدها بقليل تصورت ما ذكرته هنا فقلت: (١):
سددت الأذن عن داعي التصابي … فلا داع لديّ ولا مجيب
وأنفقت الشبيبة غير وإن … لمجد الشيب فليهن المشيب
وقلت أيضًا رامزًا إلى هذا المعنى (٢):
وأبدي رغبة لنجود نجدٍ … وشوقًا لا نتشاقى منه ريحًا
وما بسوى العقيق أقام قلبي … وأضحى بين أهليه طريحًا
وأما كون الرذائل حلوة الأوائل مُرة العواقب فَصدقُ هذا غير خافٍ على ذي لب فإن من أرسل عنان شبابه في البطالات، وحل رابط نفسه فأجراها في ميادين اللذات، أدرك من اللذة الجسمانية من ذلك بحسب ما يتفق له منها ولا سيما إذا كان ذا مال وجمال. ولكنها تنقضي عنه اللذة وتفارقه هذه الحلاوة إذا تكامل عقله ورجح فهمه وقوي فكره، فإنه لا يدري عند ذلك ما يدهمه من المرارات التي منها الندامة على ما اقترفه من
стр. 180
معاصي الله، ثم الحسرة على ما فوته من العمر في غير طائل، ثم (الكربة) (١) على ما أنفقه من المال في غير حلّه، ولم يفز من الجميع بشيء ولا ظفر من الكل بطائل. وتزداد حسرته وتتعاظم كربته إذا قاس نفسه بنفس من اشتغل بطلب المعالي من أترابه، في مقتبل شبابه، فإنه لا يزال عند موازنة ذاته بذاته وصفاته بصفاته، في حسرات متجددة، وزفرات متصاعدة، ولا سيما إذا كان بيته في العلم طويل الدعائم، وسلفه من المتأهلين لتلك المعالي والمكارم، فإنه حينئذ تذهب عنه سكرة البطالة، وتنقشع عنه عماية الجهالة، بكروب طويلة، وهموم ثقيلة، وقد فاته ما فات و ([قد] (٢) حيل بين العير والنزوان) (٣) و (حال الجريض دون القريض) (٤)، و ([في] (٢) الصيف ضيعت اللبن) (٥). فانظر أعزك الله أي الرجلين أربح صفقة، وأكثر فائدة، واعظم عائدة. (فقد بيّن الصبح لذي عينين) (٦) (وعند الصباح يحمد القوم السرى) (٧).