← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1565

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت عتر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (157 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح النخبة نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر تأليف الإمام الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ولد سنة ٧٧٣ هـ وتوفي سنة ٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى حققه على نسخة مقروءة على المؤلف وعلق عليه نور الدين عتر رئيس قسم علوم القرآن والسنة بجامعة دمشق، أستاذ التفسير والحديث في كليات الشريعة والآداب بجامعتي دمشق وحلب

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ شرحُ النُّخْبَةِ نُزْهَةُ النَّظَرِ فِي تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَرِ فِي مُصْطَلَحِ أهْل الأثَرِ

стр. 3

تقْرِيظُ شرح النخبَةِ وتحقيقه (*) أبدعتَ يا حَبرُ فِي كلّ الفنُون بما … صَنَعْتَ في العِلم مِنْ بَسْطٍ وَمختَصَرِ عِلم الحَديثِ بهِ أصْبَحت منفَرِدًا … وللأنامِ فكم أبرزْتَ مِن غُرَرِ لقَد جلوتَ عَروس الحُسنِ مُبتكرًا … فيما أتيتَ بهِ من نخبَةِ الفِكَرِ إذا تَأَمّلهَا بالفِكْرِ ناظِرُها … تهمى فوائِدُها للفِكر كالمطَرِ أتى بهَا البَدرُ نورُ الدّين قدوَتُنَا … هَذا المفسِّرُ للآثَارِ وَالسُّوَرِ هذا المحقّقُ في شرح لنخبَتِنَا … كمَن يُدقّقُ لِلألماسِ وَالدُّرَرِ فكان كالغيْثِ أهدَانا منابِعَهُ … فأصبَح الرَّوضُ أشجَارًا مِنَ الثَّمَرِ لا زالَ يُثري علومَ الدِّينِ هِمَّتُهُ … بِكُلِّ صِدقٍ وَإِخلَاصٍ مَعَ العِبَرِ فباركَ اللهُ جهدًا قامَ يَبذلهُ … وَزَادَهُ اللهُ مِنْ خيراتِهِ الكُثُرِ _________ (*) الأبيات الأربعة الأولى للشاعِر الشيخ سراج الدّين عمر بن محمّد بن علي الجعبري الخليلي شيخ مدينة الخليل أنشدها يخاطب الحافظ ابن حجر بها، أكملها الأديب الشاعر الأستاذ خالد الزيّات حفظه الله وأجزلَ مثوبته.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، اختَصَّ مَنْ شاءَ مِنْ عباده بما شاءَ مِنْ فَضْله العظيم. وأفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليم، على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بَعْدُ: فإنّ هذا الكتابَ شَرْحَ النُّخْبَةِ: "نُزْهَة النَّظَرِ في توضيحِ نُخْبَةِ الفِكَر" للإمام الحافظِ أبي الفَضْل ابنِ حجر، أميرِ المؤمنين في الحديثِ، كتابٌ جليلٌ، قدِ احتلَّ مكانةَ الأساسِ في فَنِّ أصولِ الحديث، لِمَا امتازَ به من إيجازِ ألفاظهِ، وغَزَارةِ فوائدهِ، ودِقَّةِ تحقيقاتِه، ولطريقةِ عَرْضِه التي بُنِيَتْ على التقسيم الدقيق، والتي تمتازُ بأنَّها تُقَدِّمُ صيغةً مُتميِّزةً وتَصَوُّرًا فريدًا لهذا العِلْمِ: عِلْمِ المُصْطلَح، ليس في غيرهِ مِنْ كُتُبِ هذا الفَنِّ، حتى صارَ الكتابُ بهذه المزايا كتابَ الخاصِّ والعامِّ مِنْ رَاغِبِي عِلْمِ الحديث، وحَثَّ العُلماءُ على دِرَاسَتِه، وحَضُّوا على استِحْفَاظِه. لكنَّ هذا الكتابَ لم يُطْبَعْ حتى الآنَ مُحقَّقًا على مخطوطٍ مُعْتَمَدٍ يُوْثَقُ به، فَضْلًا عن كَثْرةِ الأخطاء التي قد تُخِلُّ بالمعنى، أو تُوَعِّر سبيلَه، إضافةً إلى إغفالِ المطبوعاتِ مِنْ ضَبْطِ ما يُشْكِلُ، وخُلُوِّ تعليقاتِ مَنْ عَلَّقَ عليه مِنْ إيضاحِ ما يَغْمُضُ، بل قد وَقَعَ في تعليقِ مَنْ عَلَّقَ عليه الخَلْطُ في مسائلِ عِلْمِ المصطلَحِ، والغَلَطُ في تراجمِ الأعلامِ، وفي تخريج الأحاديثِ .. ؟!. وقَدْ منَّ اللهُ الكريمُ، ذو الفضلِ العظيمِ بنُسَخٍ خَطِّيَّةٍ قَيِّمة، تتقدَّمُها

стр. 5

نُسخَةٌ يَعِزُّ أنْ تضاهِيَها في المخطوطاتِ نُسْخَةٌ، قُرِئَتْ هذه النُّسْخَةُ على الإمامِ المُصَنِّفِ ابنِ حَجَرٍ نَفْسِه قراءةَ بحثٍ ودِرايةٍ، وأَثْبَتَ خَطَّه عليها في مواضعَ كثيرةٍ لِلْغَاية، وقد سُجِّلَتْ هذه النُّسْخَةُ في التاريخ ووُصِفَتْ بقراءةِ الفقيه المُحَدِّثِ ناسِخِها قراءةَ بحثٍ على الإمامِ مُؤَلِّفِها، فاعتمدْنَا هذه النُّسْخَةَ أصلًا في التحقيق، وَذَيَّلْنَا الكتابَ بما تَمَسُّ إليه الحاجةُ مِنْ شَرْحِ غامِضٍ أو تسهيلِ عَوِيْصٍ، ومِنْ تكميلِ فائدةٍ وزيادةِ عائدةٍ. وتتميزُ هذه الطبعةُ الثالثةُ: بمزيدٍ من الدِّقَّة والفائدةِ، بإعادةِ مقابلةِ الكتابِ على أصله الوثيقِ، وزيادةِ التَّحري في التَّدقيقِ، وتحقيقِ تعليقاته، وتَلافِي أخطاء السَّهوِ والطِّباعةِ بغاية الاستقصاءِ مع إعادة النظر في المراجع والشروح، مستفيدين من قراءَته في مجالسَ كثيرةٍ لطلبة العلمِ، وما حَصَل من إفادة بعضِ فُضَلائهم، وَفَّقَهُمُ الله جميعًا ونفع بهم العلم والدين. كما تتميز بترقيم فِقْراتها ومصطلحاتِ المُحَدِّثين، وبفهرسها الموسوعي الذي يساعد كثيرًا على حسن الإفادة منها. وبهذا جاءَ الكتابُ على الغاية من الإتقانِ، وأفادَ طالبَ الحديثِ إفادةً لا يَجِدُها في غيرِ هذا الكتابِ، على اختصاره شرحًا وتعليقًا. واللهَ تعالى نسألُ، وإليه تباركَتْ أسماؤه نتوسلُ، أَنْ يتقبَّلَه بمنِّه وكَرَمِهِ، ويُبَلِّغَ مُحَقِّقَه وقارئَه ومُسْتَحْفِظَه غايةَ أَمَلِهِ. وصلّى اللهُ على سيّدِنا محمدٍ وآله وصَحْبهِ وسَلَّمَ، وعلى جميعِ الأنبياءِ والمُرسلينَ. والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. كتبه نور الدين عتر خادم علوم القرآن والسنة في كليات الشريعة والآداب بدمشق

стр. 6

تصدير نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر بقلم المحقق نُورُ الدِّينِ عِتْر رَئِيسُ قِسْمِ عُلُومِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ بجَامِعَةِ دِمَشْق، أستَاذُ التّفسِيرِ وَالحَدِيث في كُليَّاتِ الشَّريعَةِ وَالآداب

стр. 7

الإمامُ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ شيخُ الإسلامِ، قاضي القُضَاةِ، أميرُ المؤمنين في الحديثِ، خاتِمَةُ الحُفَّاظِ أحمدُ بنُ عليّ بن محمدِ بنِ حَجَرٍ العسقَلَانيُّ، المصريُّ الشافعيُّ، كُنْيَتُه أبو الفَضْلِ، ولَقَبُهُ شِهابُ الدِّين، الشهيرُ بابن حَجَرٍ: لَقَبٌ لبعضِ آبائِه، وقيلَ نِسْبَةٌ إلى آلِ الحَجَرِ، وهُمْ قَومٌ يسكنُونَ الجنُوبَ من بلاد الجريد، وأرضُهم قابِسُ، قال بذلك ابنُ العِمَادِ في شَذَراتِ الذَّهَبِ، وقد تابعَ ابنُ العِمادِ في هذه النِّسْبَةِ (إلى آل الحَجَر) أبا المحاسِن ابنَ تَغْرِي بَرْدِي، وعدَّها السَّخاويُّ مِنْ جُملةِ أوهامِه فتعقَّبَه في ترجمتهِ في "الضوءِ اللامع". وكان ابنُ حَجَرٍ أحدَ أعلامِ الإسلامِ الذين تمكَّنُوا من مُختَلِفِ علوم عَصْرِهم الشرعيَّة واللُّغوية، ورسَخَتْ قَدَمُهُ فيها رُسُوخًا عميقًا وُفِّقَ له منذُ نشأتِه. مولده وظروف نشأته: وُلِدَ الحافظُ بِمصْرَ (القاهرة المُعِزِّيَّة) في الثاني والعشرين من شهرِ شَعْبانَ سَنَةَ ٧٧٣ هـ. ولم يَلْبَثْ أنْ ذاقَ قَسْوةَ الدُّنيا، فتُوفِّي والِدهُ وهو طِفْلٌ في الرابعة من العُمر (سنة ٧٧٧ هـ)، وتَدُلُّنا المعلوماتُ على أنَّه نشأ في بيئة تَعرِفُ العِلْمَ وتُقَدِّرُه، فقد ذكروا أنه أفادَ في كثيرٍ من العُلُومِ

стр. 8

من عِنايةِ والدِه به وبسلوكِهِ سبيلَ العِلْم، فقد ظلَّتْ توصيةُ هذا الوالِدِ تُظِلُّ هذا النَّجْلَ حتى أتَى بعبقريةٍ ضَنَّ الزمانُ بعدَها بِمَثيلٍ لها، حَفِظَ القرآنَ وهو ابنُ تِسْعٍ، وألفيةَ العراقِي في علومِ الحديثِ، ومُختصَرَ ابنِ الحاجبِ في أصولِ الفِقْهِ. وهنا نُسَجِّلُ مزيّةَ المجتمعِ الإسلامي الذي تنهضُ فيه المواهبُ والعبقرياتُ، أيًّا كانَتْ ظروفُها في الحياة والعَيْش، فلا يَخْمُلُ ذكيٌّ ونَابِهٌ لفَقْرٍ نازِلٍ به، ولا يَضِيعُ يَتِيمٌ ذو موهبةٍ لِيُتْمِه، كيف والنبيُّ ﷺ هو القُدوةُ المُثلى لكلّ مسلم قد وُلِد يتيمًا، ثم شَقَّ ﷺ طريقَ الحياة بنفسه فرَعى الغنمَ ثم اتَّجَر بأموال الرِّجَال. لِتكونَ حياتُه ﷺ أُسوةً بالصبر والمُصابَرة .. ويأتي الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ واسِطَةَ العِقْدِ لِثلاثةٍ من الأعلام الأئمّة الأيتامِ، فكان قَبْلَه شيخُه ومُخَرِّجُه الإمامُ الحافِظُ عبدُ الرحيم بنُ الحُسين العِراقي وقد نشأ يتيمًا، وكان بعدَه الحافِظُ جلالُ الدِّين عبدُ الرحمنِ السُّيوطِيّ وقد نشأ كذلك يتيمًا (١). إِنّها خُصوصِيَّةُ العَطاءِ والتَّراحُمِ والإخَاء في المسلمين، لا تُظْلَمُ فيهم مَوْهِبَةٌ ولا مَقْدِرَةٌ لأيِّ إنسانٍ، ولا تَشُوبُ تكوينَه عُقْدَةُ نَقْصٍ أو شُعورٌ بحِرمان، لأنّ المجتمع يُحقِّق بالعمل الواقعي قولَه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقولَه ﷺ : "مَثَلُ المؤمنينَ في تَوَادِّهم وتَرَاحُمِهم وتعاطُفِهم مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتكى منه عُضْوٌ تداعى له سائرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى" (٢). نَجَابتُه مُنْذُ صِغَرِهِ: وقَدْ بَدَتْ على ابنِ حَجَرٍ النَّجَابَةُ منذُ نُعومةِ أظفارهِ حينَ أُدْخِلَ _________ (١) وإنها لمنَاسبةٌ نذكّر فيها أولياءَ الأيتام والمُرَبّين في المدارس بمسؤوليتهم الضخمة عن البراعم الرَّطْبَةِ (الأطفال)، الذين أُوكِلَ إليهم أمرُ تربيتِهم وتعليمهم، لِيتَّقوا اللهَ فإنَّ مسؤوليتَهم جليلةٌ، تَمَسُّ مستقبلَ الأُمَّة. (٢) مُتَّفقٌ عليه: البخاري في الأدب (رحمة الناس .. ): ٨: ١٠ ومسلم بلفظه في البِرّ: ٨: ٢٠.

стр. 9

الكُتّابَ في سِنِّ الخامسة، فبدا منه ذكاءٌ وقوةُ حِفْظٍ يُزَيِّنُهما وَجْهٌ صبيح وهَامَةٌ وافية، تَرعْرَعَ في ظِلِّ العِلْمِ والقرآنِ وأخلاقِ القرآن فكان عاليَ الهِمَّةِ، مُتواضعًا حَسَنَ الخُلُقِ، حاضِرَ البديهة آخذًا بالاحتياط والوَرَع. وفي نفحاتِ الحَرَمِ ظهرَتْ بوادِرُ أَلْمَعيَّتِه بعد حَجَّتِه الأُولى سَنَة ٧٨٤ هـ في مجاورته سنة ٧٨٥ ودراسته على شيوخِ مكَّةَ، ومُدارسَتِهم وقد أَتمَّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فقد بَحَثَ في "عُمْدَةِ الأحكامِ" للمَقْدسيّ على الحافظ أبي حامد محمدِ بن ظهيرة (المتوفى سنة ٧٨٧ هـ) بحثًا استنباطيًّا، وصلّى التراويحَ في المسجد الحَرام بالقرآن الكريم. حياتُه العِلْمِيَّة: وقد سَرَدَتِ المصادرُ أحداثَ حياةِ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ حَسبَما اتَّفَقَ اجتماعُ المعلوماتِ فيها، وقد رأَيْنا لِكَيْ نُلْقِيَ عليها الضوءَ المُوَضِّح في هذا البحثِ المختصر أنْ نبتكرَ لها تصنيفًا يضعُ الأمورَ أمامَ القُرَّاءِ جَلِيَّةً نَيِّرة. وقد وَجَدْنَا في ضَوْءِ دراسةِ حياتهِ العِلْمِيّة فيما بَيْن أيدينا من المراجِع أنه يُمكِنُ أنْ نُقَسِّمَها إلى ثلاثِ مَراحِلَ نُبيِّنُها فيما يأتي: المرحلةُ الأولى: بَدْءُ نَبَاهَتِه وتحصيله، وكان اشتغالُه فيها بالأدب والتاريخ، وقد بَدَا فيها صفاءُ طَبْعِه ورِقَّةُ حِسِّه مع ما كان عليه من التَّمَكُّنِ في اللُّغة العربية وبلاغتِها وأساليبِها، فقد نَظَمَ الشِّعْرَ الحَسَنَ وأجادَ فيه، حتَّى شَهِدَ له الباحثونَ بأنّه كانَ شاعِرًا طبعًا، وترجَمَه بَدْرُ الدِّين البَشْتَكِيّ في كتابه "طبقات الشُّعَراء". وله ديوانُ شِعْرٍ طُبِعَ في مُجَلَّدٍ واحدٍ في الهِنْد. ومِنْ لطيفِ شِعْرِهِ قولُه: ثلاثٌ مِنَ الدُّنْيَا إذا هي حُصِّلتْ … لشخصٍ فلَنْ يخشى من الضُّرّ والضَّيْرِ غِنًى عن بَنيها والسلامةُ منهُمُ … وصِحَّةُ جِسْمٍ ثُمَّ خاتِمةُ الخَيْرِ

стр. 10

والجديرُ بالذِّكْرِ أَنَّ التَّمَكُّنَ في عُلوم اللغةِ العربيةِ ليسَ مصادفَةً هنا في حياة الحافِظ، بل هو رُكْنٌ من منهج الأسلافِ كُلِّهم في التكوين العِلْمِيّ أَنْ يُبْتَنى مُنْذُ خُطواتِه الأولى على أُسُسٍ متينةٍ من علوم العربية، خِلافًا لِمَا يُظْهِرُه بعضُ المُتَعالِمينَ في هذا الزمن من الاستخفافِ بها، وقد حذَّر العلماءُ طالِبَ الحديثِ من التهاوُنِ باللغةِ والنحو تحذيرًا شديدًا، ومِنْ ذلك قولُهم: إنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ على طالبِ العِلْمِ إذا لم يَعْرِفِ النحوَ أنْ يدخُلَ في جُملةِ قولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيتَبوَّأْ مقعدَهُ من النارِ" (١). المرحلة الثانية: اشتغالُه بالحديث الشريف وفُنونِه: وتبدأُ مِنْ سَنَةِ ٧٩٦ هـ. وهي المرحلةُ التي سَمَا بها قَدْرُهُ وعَلَا نَجْمُه، وكأنَّ القَدَرَ هيَّأهُ لِتِلْكَ الفترةِ من تاريخ الحديثِ أَوْ هَيَّأَ تلك الظروفَ مِنْ أَجْلهِ، فقد وافَى بعبقريَّتهِ وذكائِه وسُرعةِ حِفْظِه مجموعةً مِنَ الشيوخ قَلَّ أنْ يَجْتمِعَ لأحدٍ مِثْلُهم، اكتملَ كلُّ واحدٍ منهم في فَنِّهِ حتى صارَ بَحْرًا في اختصاصِه، وإمامًا في عِلْمهِ الذي اشتَهَرَ به، فتَلَقَّى عنهم الحافِظُ واستوعَبَ ما لَدَيْهم، حتى اجتمع عِنْدَه ما تفرَّقَ في غَيْرِه، فصارَ فَرْدًا في أُمَّتِهِ، وأُمَّةً في أقرانه. فكان مِنْ شيوخه: أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ أحمدَ التنوخِيّ البَعْلَبَكِّيّ في القراءات وكان عاليَ السَّنَدِ فيها. والحافِظُ الإمامُ زَيْنُ الدِّين عبدُ الرحيم العِراقِيّ، الإِمامُ في علوم الحديثِ ومُتَعَلَّقاتِه أميرُ المؤمنين في الحديث. ونورُ الدِّين علي الهَيثمي وكان حافِظًا للمُتُون، وهو صاحب مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. _________ (١) علوم الحديث لابنِ الصلاح: ٢١٧، وإرشاد طلاب الحقائق للنووي: ١٥٧. والحديث متواتِر مُتَّفَقٌ على تواتره.

стр. 11

والبُلْقِيني سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان الحافظ الفقيه. وابنُ المُلَقِّنِ سِرَاجُ الدِّين أبو حفصٍ عمرُ بن علي صاحبُ التصانيفِ. والإمامُ محمدُ ابنُ جَمَاعَة الذي كان مُتَفنِّنًا في علومٍ كثيرةٍ مُستَنبِطًا خَفاياها، حتى كان يقولُ: أنَا أقرأُ في خَمْسَةَ عَشَرَ عِلْمًا لا يَعْرِفُ عُلَمَاءُ عصري أسماءَها. ومِنَ النِّساءِ: السيدةُ مريمُ بِنْتُ الأذْرَعِيّ. والسيدتانِ فاطمةُ وعائِشةُ بِنْتَا محمدِ بن عبدِ الهادي، وغيرُهن. وغيرُ مَنْ ذكَرْنا مِنْ سائِرِ الشيوخ، وقد جَمَعَ هو أسماءَهم في مَرْجِعٍ كبيرٍ وَقَفْنَا على نُسْخَتهِ الخَطِّيَّة وهو "المَجْمَعُ المُؤَسِّسُ للمُعْجَم المُفَهْرِس" ترجمَ فيه لشيوخه وذكَرَ في ترجمةِ كُلِّ واحدٍ منهم ما تَلَقَّاهُ عنه من الكُتُب والرِّواية أو الدِّراية. وقدَّمَ فيه فهرسًا لمكتبةٍ كبيرةٍ متنوعةِ الفُنونِ حَوَاهَا صَدْرُه. ويَضُمُّ هذا المعجمُ نُخْبَةً مِنْ عُلماءِ ذلك العَصْرِ في أقطارٍ عديدةٍ من العالَمِ الإسلامي لَقِيَهُمُ الحافِظُ في مِصْر، أو رَحَلَ إليهم في مُخْتَلِفِ البلاد، فقد رَحَلَ إلى مكَّةَ وحَجَّ مَرَّاتٍ عديدةً. ولَقِيَ فيها في الموسمِ جماعاتٍ منَ العُلماءِ قَدِمُوا للحَجِّ وأَخَذَ منهم وأفادَ، ورَحَلَ إلى الإسكندريةِ وقُوْصَ والصعيدِ والقُدْسِ ونَابُلُسَ والرَّمْلَةِ وغَزَّةَ ودِمَشْقَ، وغيرِها من البلاد. وقد طُبعَ هذا المعجمُ، فجاء مع فهارسه مرجعًا حافلًا. ويَدُلُّنا البحثُ العِلْمِيُّ على أنَّ الفَضْلَ الأكبرَ في تخريجِ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ يَرْجِعُ إلى إمامِ عصرهِ في الحديث الإمامِ الحافِظِ عبدِ الرحيمِ العِراقيِّ المُتوفَّى سَنَة ٨٠٦ هـ. ولا نُحِيلُ القارِئَ على شرحِ العِراقيّ للتِّرمِذىّ الذي اطَّلَعْنَا على نُسْخَتِه الخطيَّةِ في مكتباتِ المدينةِ وإستانبول لِيرَى

стр. 12

ما أفادَه منه الحافظُ في الفتح، بل حَسْبُنا مُقابلَةُ شرحِهِ "طَرْحِ التثريبِ" الذي شرح ما جَمَعَه من أحاديثَ رُويَتْ من أَصحِّ الأسانيدِ لِيجدَ كيف اعتمدَ عليه الحافِظُ في "فَتْح الباري". وكان الحافِظُ مع سُرعةِ حِفْظِه سريعَ القراءةِ حتى إِنَّه قَرَأَ صحيحَ البُخاريّ في عَشَرَةِ مجالِسَ كلُّ واحدٍ منها مِنْ بَعْدِ صلاةِ الظُّهر إلى العَصْر، وقرأ صحيحَ مُسلمٍ في خمسةِ مَجالِسَ في نَحْوِ يومَيْنِ وشَطْرِ يومٍ، ومِنْ أَغْرَبِ ما وقَعَ له من الإسراعِ إسراعُهُ في وقتهِ الضيِّقِ في رحلتهِ الشامِيَّةِ فقرأَ فيها المعجمَ الصغيرَ للطبرانيّ في مجلسٍ واحدٍ فيما بينَ صلاةِ الظُّهر والعَصْر، وقرأ في مُدَّةِ إقامَتِه بدِمَشْقَ -وهي شَهْرَانِ وثُلثُ شهرٍ تقريبًا- قريبًا من مئةِ مُجلَّد مع ما يُعَلِّقُهُ. المرحلةُ الثالثةُ: نبوغهُ في العِلْمِ وإمامَتهُ: ويَرْجِعُ ذلكَ إلى عصْرٍ مُبَكِّرٍ نستطيعُ أنْ نُحَدِّدَهُ بحوالَيْ سَنَة ٨١٠ هـ فقَدْ تَصدَّرَ مجالِسَ العِلْمِ في فنون عدَّة، وأَفْتَى، وأَمْلَى الحديثَ ووُلِّىَ القضاء، وطارتْ شهرته بمعرفة فنون الحديث ولاسيما رجاله وما يتعلَّق بهم، وأسانيد الحديث، واشتَهرَ ذِكْرهُ وبَعُدَ صِيْتُه وارتحلَ الأئمةُ إليه، وتَبَجَّحَ الفُضَلاءُ بالوُفودِ عليه، وكثُرَتْ طَلَبَتُهُ حتى كان رؤوسُ العلماءِ في كلِّ مذهبٍ وكلِّ قُطْرٍ مِنْ تلامِذَتِه، وظَهَرَ سُلْطانُه عليهم بذكائه وشُفُوفِ نَظَرِه وسُرْعَةِ إِدْرَاكِهِ واستِحْضَارِهِ للأطْرَافِ المُتَفَرِّقةِ من المسألة، والأشتاتِ المُوَزَّعَةِ من أسانيد الحديث وشواهِدِه وأقوالِ العُلَماءِ فيه، ودَرَّسَ التفسيرَ والفِقْهَ والحديثَ في معاهِدَ عِلْمِيَّةٍ كثيرةٍ شهيرةٍ آنذاك، وتَوَلَّى الإفتاءَ بدار العَدْلِ، والخَطَابَةَ بالجامعِ الأزهرِ ثُمَّ جامعِ عَمْرو بنِ العاص، وأَمْلَى مِنْ حِفظِه ما يَنيفُ على ألفِ مجلسٍ من مَجالِسِ الحديثِ، وفوَّضَ إليه المَلِكُ المُؤيَّدُ القَضَاءَ بالدِّيارِ الشامِيَّة مِرارًا فأبى، ثُمَّ باشَرَ القضاءَ في مِصْرَ، وأصبح في مركز رئاسةِ القضاءِ، لكنَّه لم يَرْضَ عن هذا المَنْصبِ الدُّنيوي الذي كثيرًا ما يُضَحي أناسٌ لأحْقَرَ منه بنفيسِ

стр. 13

الدِّين والنَّفْسِ، فاعتزلَ القضاءَ، وكُلِّفَ بالعودةِ إليه مرارًا فكان يعودُ إليه ويَعتزِلُه، ثُمَّ اعتزلَه ولم يَقْبَلْ إليه رُجوعًا أبدًا، ونِعِمّا فَعَلَ، فقد تفرَّغَ بذلك لِنَشْر العِلْمِ وخدمةِ الحديثِ النبوي .. وهكذا ينبغي لِلعالِم أنْ يُزيحَ ما يعوقُ نشاطَه وحركتَه في خدمة العِلْمِ وإِنْ كان مَنْصِبًا ذا وَجَاهَةٍ أو مال، وتبلُغُ المُدَّةُ لِولاياتِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ القضاءَ واعتزالِها فيما بين تلك المرَّاتِ عشرين سَنَةً كما ذَكَرَ الحافظُ السَّخاوِيّ. . . وقد ترجمَ الحافِظُ لِنَفْسِهِ في القُضَاةِ في كتابهِ "رَفْعُ الإصْرِ عن قُضَاةِ مِصْر". مؤلَّفاتُه العِلْمِيَّة: ابتدأَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في التصنيفِ مُنْذُ وقْتِ الشبابِ، ونستطيعُ بالبحثِ والتأمُّلِ أنْ نُحدِّدَ ذلك بحوالي سَنَةِ ٧٩٦ هـ. وتدلُّ أوائلُ تصنيفاتهِ على بدايةٍ عملية بارعة في التصنيف، فقد كان من أولِ كتبه كتابُهُ القَيِّمُ "تغليقُ التعليقِ" جَمَعَ فيه الأحاديثَ المُعَلَّقةَ في صحيحِ البخاري، وخرّجها وبيّن الأسانيدَ الموصولةَ التي رُويَتْ بها في شتّى المصادرِ الحديثية، وهو عَمَلٌ عظيم يدل على براعةٍ نادرة واستحضارٍ وسَعَةِ اطلاعٍ بعِيدَيْ المَدَى. وقد ضَرَبَ في التصنيف مُثُلًا بعيدةً بكَثْرةِ مصنَّفاتهِ وتعدُّدِ فُنونِها وتنوُّعِها، حتى بلغَتْ ما يزيدُ على الخمسين ومئة مُصَنَّفٍ ما بين مَراجعَ ضخمةٍ مِثْلِ فَتْحِ الباري، وتهذيبِ التهذيبِ، ورسالةٍ صغيرةٍ نافعة مِثْلِ مَتْنِ نُخْبَةِ الفِكَرِ، وَشَرْحِهِ "نُزْهَةِ النظَر" الذي طار صيتهُ في الآفاق، وعوَّلَ عليه مَنْ جاء بعدَه. وامتازَتْ مصنَّفاتهُ بالإتقان والإفادة التي لا توجدُ في غيرِها، وكان كثيرَ المراجَعةِ لها والمراجَعَةِ لِنَفْسِهِ، خِلافًا لِمَا يفعَلهُ بعضُ العصريين من التعالُمِ بالتصميم على الإثم والإصرار على الرأي الشاذّ المُخالِف للسُّنَّة الصحيحة والإجماع، وكان سريعَ الكتابة جدًّا مع حُسْنِ الضَّبْطِ، ولكَوْنه

стр. 14

كثيرَ التراجُعِ كانَتْ تصيرُ مُبيضتهُ مُسَوَّدَةً، لذلك اختَلَفَتْ نُسَخُ مؤلَّفاتِه واحتاج المحَقِّقُ لها إلى كثير من الإمعان والتثبُّتِ حتى يقفَ على الصيغة النِّهائية لكتابه. وقد كُتِبَ لمؤلَّفاته الحظُّ الوافرُ مِنَ القَبولِ في عصره وبَعْدَه، فانتشرَتْ كُتبهُ أيامَ حياتِهِ، وأَقرأَ الكثيرَ منها، وتهادَتها المُلوكُ والأكابِرُ، واعتنى بتحصيلِها كثيرٌ مِنْ شُيوخِه وأقرانهِ. ومع ذلك فقد قال تلميذُه الحافِظُ السَّخَاوِىُّ: سَمعْتُ ابنَ حَجَرٍ يقولُ: "لسْتُ راضيًا عن شيء من تصانيفي لأني عَمِلْتُها في ابتداء الأمر، ثُمَّ لم يَتهيأْ لي مَنْ يُحرِّرُها معي. سِوى شرحِ البخاري، ومقدِّمتهِ، والمُشتَبِهِ، والتهذيب، ولسانِ الميزان، وأمّا سائرُ المجموعاتِ فهي كثيرةُ العدَدِ واهيةُ العُدَدِ. ضعيفةُ القُوى، ظامِئَةُ الرِّوَى". وما ذلك إلَّا لِتَواضُعِه، وسَعَةِ بَحْرِهِ ومَعارِفِه المتجدِّدة كما قال أستاذُنا الشيخُ عبدُ الوهاب عبدُ اللطيف ﵀. فيا لَلْعَجَبِ مِنْ بعضِ أُناسٍ يَتسوَّرُ أحدُهم مَنْصِبَ الاجتهادِ، فيَقْذِفُ للناس في يوم من الأيام كتابًا أو بحثًا فَجًّا مغلقًا، ثُمَّ لا يَقْبلُ فيه تصويبًا أو تصحيحًا؛ جمودًا على رأي سَبَقَ له، وتعصّبًا لِهوًى سِيقَ له. إنه الفرقُ بين العالِم الكبير الأصيل والدَّعِيِّ اللصيق، وإنه الفرقُ بين الأمانةِ على العِلْمِ والدِّين، والتسوُّرِ على مِنَصَّةِ التمَجْهُدِ والزَّعامة والجاه باسمِ العِلْمِ والدِّين. وهذه المؤلَّفاتُ التي استحسنَها ورَضِيَها مِنْ كُتبهِ تبلُغُ وحدَها الأربعينَ من المجلَّدات تقريبًا، ناهِيكَ عن مصنَّفاته الأُخرى النَّفيسةِ، مِثْل: "تعجيل المنفعة، والإصابة في تمييز الصحابة -٤ مجلدات-، والدُّرَر الكامِنة في أعيانِ المئة الثامنة -١٠ مجلدات-، والمطالِب العالية بزوائد المسانيد الثمانية -٤ مجلدات-، والتلخيص الحبير بتخريج أحاديثِ

стр. 15

شرح الرافعي الكبير -٤ مجلدات-، والدِّراية لتخريج أحاديث الهدايةِ في جزأين. . . وغيرِها وغيرِها. وكتابهُ (فَتْحُ الباري بشرحِ "صحيح البخاري") جاء مَرْجِعًا حديثيًّا حافِلًا وشرحًا كاملًا لصحيح البخاري، لِمَا اشتمل عليه من الفوائد الحديثية والنُّكات الأدبية، والاستنباطات للأحكام الفِقهية وغيرِها من الفوائد من الحديث، وامتاز بجَمْع طُرُق الحديث وإيرادِ الشواهد والرواياتِ التي تتعلقُ بمضمون الحديث. ولِما أنَّ البخاريَّ يُكرِّرُ الحديثَ في مواضعَ عديدةٍ قد تكثرُ كثيرًا فقد سَلكَ الحافظُ في شرحه طريقةَ جَمْعِ الشرحِ في موضعٍ واحد منها، ويَشرحُ في بقية المواضع بقَدْرِ ما يوضِّحُ مَقْصِدَ البخاري من إيراد الحديث في ذلك الموضع ثم يُحيلُ القارئَ على الموضع المشروح فيه، ومن هنا كانت طبعاتُ الشرحِ بحاجةٍ إلى تحقيق نصِّ الكِتَابِ وبَحْثٍ في هذه الإحالاتِ، لِتَسْهُلَ الفائدة على القارئ ويُختصر عليه الوَقْتُ والعَنَاءُ. واتَّبعَ في تأليف هذا الكتاب خُطَّةَ الشُّورى العِلْمية على الطريقة التي كان عليها الإمامُ أبو حنيفةَ ﵁ مع أصحابه في استنباط الفِقْه؛ فكان الإمامُ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ يكتُبُ بخطِّه الكُرَّاسَةَ ثم يَكتبُها جماعةٌ من الأئمّة المُعتَبَرين، ويَجتمعُ بهم في يوم من الأسبوع للمُبَاحَثَةِ في هذا الشرح، وتصحيحِ النُّسَخِ المكتوبة واستمر ذلك زمنًا طَويلًا من سنة ٨١٧ هـ حتى أولِ يوم من رجب سنة ٨٤٢ هـ فأقام لإتمامه وليمةً عظيمةً دعا إليها وجُوهَ المسلمين وقُرِئَ فيها المجلسُ الأخير من الكتاب بحضور الأئمة. وكان عمل له (سنة ٨١٣ هـ) مقدِّمةً في جُزأين، هي "هَدْيُ الساري مُقَدِّمةُ فَتْحِ الباري" قسَّمها على عَشَرَةِ فُصول، خَصَّ كُلَّ فصلٍ منها بجانبٍ من الدراسات الحديثية العامة للبخاري مِثْل فصلِ المُبهَمات، وفصلِ الأحاديثِ المُعلَّقة، وفصلِ الرِّجال الذين تُكُلِّمَ فيهم مِنْ رُواةِ الصحيح، وفصل الأحاديثِ التي طُعِنَ علَيها وهي في صحيح البخاري.

стр. 16

وقد طارَتْ شُهْرَةُ الفَتْحِ فَوْرَ اكتمالِهِ، وطَلَبَهُ مُلوكُ الأطرافِ والعلماءُ في شتى الأقطار حتى قالوا فيه: "لا هِجرةَ بعدَ الفتحِ". وقال الحافظُ السَّخَاوِيُّ: "ولو لم يكنْ له إلَّا شرحُ البخاري لَكَانَ كافيًا في عُلُوِّ مِقْدَاره، ولو وَقَفَ عليه ابنُ خلدون القائلُ بأنَّ شَرْحَ البخاري إلى الآن دَينٌ على هذه الأمة لَقَرَّتْ عينُهُ بالوفاء والاستيفاء". ولم يزَلْ الحافظ ابن حجر على جلالَتهِ في العِلْم وعظمَتهِ في النفوس ومداومَتهِ على أنواع الخيرات إلى أنْ تُوفيَ بعدَ العِشَاء مِنْ ليلةِ السبت الثامنِ والعشرين من ذي الحِجَّة سنة (٨٥٢ هـ) وصُلِّيَتْ عليه صلاةُ الجَنازةِ من الغَدِ في مشهدٍ عظيمٍ لم يَر مَنْ حَضَرَهُ مِثْلَه، وكان ممَّنْ حَمَلَ نَعْشَه السُّلطانُ فَمَنْ دُونَه من الرؤساء والعلماء حتى دُفِنَ بالقَرافة الصغرى في تُربة بني الخَرُّوبي، بين تُربة الشافعيّ ومسلم السلَمِيّ، بالقرب من الإمامِ اللَّيْثِ بن سعد ﵃ أجمعين. قال الإمام السيوطي: "وقد غَلِقَ بَعْدَه الباب، وخُتِمَ به هذا الشأنُ". وقال الحافظ السَّخاوي تلميذهُ: "وخَصائِلُه لم تجتمعْ لأحدٍ من أهل عصره، وقد شَهِدَ له القُدماءُ بالحِفْظِ والمعرفة التامَّةِ، والذِّهْنِ الوقَّادِ، والذكاء المُفْرِط، وسَعَةِ العِلْمِ في فُنُونٍ شتّى، وشَهِدَ له شيخهُ الحافظُ العِراقي بأنّه أعلمُ أصحابه بالحديث، وقال التقيُّ الفاسي والبرهانُ الحلبي: ما رأينا مثله. وسأله الأمير تغري برمش: أرأيت مِثْلَ نَفْسِك؟ فقال: قال اللهُ : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. وقد عُرِفَ الحافظُ ابن حجر بالفضائل النفسيَّةِ، وأثنى الناسُ عَليه لِمزيدِ أدبهِ مع الأئمة المتقدِّمين والمتأخِّرين، بل مع كلِّ مَنْ يجالِسُه مِنْ كبير وصغير، ولِمحبَّته لأهلِ العِلْمِ والفَضْل والتنويه بذكرهم وعدم إطراء نَفْسهِ أو المُباهاةِ بما ينقدِحُ في ذِهنه، مع كَثْرةِ تحقيقاته الفريدةِ التي لا يكادُ يخلو بَحْثٌ من أبحاثه عنها.

стр. 17

مصادر ترجمته: وقد عُرِفَ بين العلماء بمناقبه وزَخَرَتْ كتبُ التراجمِ بفضائله ومحاسِنهِ، ومِنْ أهمِّها كتاب: "الجواهِرُ والدُّرَرُ في ترجمة شيخ الإسلام ابنِ حَجَر" للحافظ شمسِ الدين السخاوي وهو مرجعٌ حافِلٌ يقَعُ في مُجلَّدين، وترجَمَهُ السَّخاويُّ أيضًا في كتابه الكبير "الضوءُ اللامِعُ في تراجِم أهلِ القَرْنِ التاسع"، وذكَرَهُ التقيُّ الفاسيُّ في "ذَيْلهِ على التقييد" لابنِ نُقطةَ، والبَدْرُ البشتكي في "طبقاتِ الشعراء"، والتقيُّ المقريزي في "العقود الفريدة"، والتقيُّ ابنُ فهدٍ المكّي في "ذَيْل طبقاتِ الحُفَّاظ"، والسيوطي في "حُسْنِ المحاضرة"، وابنُ العمادِ الحنبليُّ في "شَذَرَاتِ الذَّهَب"، والشَّوْكاني في "البَدْر الطالعِ"، وغيرُ ذلك من المصادِر التي ترجمَتْ له، ﵁ وأرضاهُ وأَعْلى مقامَهُ ومَثْواهُ. * * * شرْحُ النُّخْبَةِ ومَنْهَجُ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ فيه كتابُ "نُزهةِ النظرِ في توضيح نُخْبَةِ الفِكَر" سار ذِكرُه في الخاصِّ والعامِّ، واستَشهدَتْ بتحقيقاته مؤلَّفاتُ العلماءِ الأئمّةِ الأعلامِ، واسمهُ كما هو مُثْبَتٌ على النُّسخَةِ الأصليَّةِ الأُمِّ التي اعتمدنا عليها هكذا "نُزهَةُ النَّظرِ في توضيح نُخبةِ الفِكَر في مصطلح أهل الأثَر". سببُ تصنيفِ مَتْنِ النُّخْبَةِ: أوضحَ لنا الحافظُ ابنُ حَجَر دوافعَ تأليفهِ لهذا الكتابِ، فقال -بعد أَنْ ذكَرَ كثرَةَ الكتبِ المؤلَّفة في اصطلاح أهل الحديث-: "فسألني بعضُ الإخوانِ أنْ أُلَخِّصَ له المُهِمَّ من ذلك، فلخّصْتُهُ في أوراقٍ لطيفةٍ،

стр. 18

سمَّيْتُها "نُخْبَة الفِكَر في مصطلح أهلِ الأثَر" على ترتيبٍ ابتكرتهُ وسبيلٍ انتهجْتُه". إذنْ لهذا السببِ صَنَّفَ المَتْنَ، فلم يكُنِ القصدُ مُجرَّدَ الاختصار الشديد، الذي تُعَبِّر عنه كلمةُ "أوراقٍ لطيفةٍ"، بل كان القصدُ أيضًا ترتيبًا مُبتَكَرًا لِعِلْمِ المُصطَلح، ومنهجًا خاصًّا سَلَكَه فيه. سببُ تأليفِ الشَّرحِ: فلِماذا الشرحُ وماذا فيه؟ يتحدَّث الحافظُ عن ذلك فيقول: "فَرَغِب إليّ ثانيًا أن أضَعَ عليها شرْحًا يَحُلّ رُموزَها، ويفتَحُ كُنوزَها، ويُوَضِّحُ ما خَفِيَ على المُبتدِئ من ذلك، فأَجَبْتهُ إلى سؤاله رَجاءَ الاندراجِ في تِلكَ المَسَالِكِ. . . وظَهَرَ لي أنَّ إيرادَه على صُورةِ البَسْط أَلْيَقُ، ودَمْجَها ضِمْنَ توضيحِها أَوْفَقُ. . .". وقد وجدْنَا في آخِرِ نُسخةٍ صحيحةٍ عند آخِرِ شَرْح النُّخْبَةِ في الحاشية عن المؤلِّف الحافظِ ابن حَجَر ما يلي نصُّه (١): "عَلَّقَه مؤلِّفهُ أحمدُ بن علي بن حَجَرٍ، وفَرَغَ منه في مُسْتَهَلِّ ذي الحِجَّةِ سَنَةَ ثماني عَشْرَةَ وثمان مئة، حامِدًا اللهَ تعالى ومُصَلِّيًا على نبيِّه سيِّدنا محمد وعلى آله وصَحبه ومُسَلِّمًا" انتهى. وهذا يدلُّ على ما سَبَقَ بيانهُ من نُبوغِ الحافظِ وابتكارِه، مُنذُ عصرٍ مُبَكِّر، في بدايات تصنيفِهِ في الحديث وعُلومِه. _________ (١) بخَطِّ خيرِ الله محمدِ بن عثمان بن سفيان بن مُراد خَان. والنُّسخةُ المُشَارُ إليها منقولةٌ عن نُسخَةٍ مقروءةٍ على المُصَنِّف قراءةَ بَحْثٍ، وظهرَ لنا أنَّها نُسْخَتُنا التي اعتَمَدْنَاها.

стр. 19

منهجُ الحافِظِ في شَرْحِ النُّخْبَةِ ونُلَخِّصُ منهجَ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ في هذا الكتابِ بما يأتي: ١ - تقديمُ علوم الحديثِ في صياغةٍ جديدةٍ مُبتَكَرة، لم يُسبَقْ إليها، وهذه الصياغةُ تأليفٌ جديد لعلوم الحديث، يقوم على الدراسة الاستقرائية لأحوال السَّنَدِ والمَتْن، ويُقَدِّمُ هذه الأنواعَ الحاصِلَةَ للسَّنَدِ والمَتْنِ على ترتيبٍ عِلْمِيٍّ في غايةِ الدِّقَّةِ يُعرَفُ عِنْدَ الأُصوليّين بالسَّبْرِ والتقسيم. ومعنى السَّبْرِ والتقسيم: اختبارُ الموضوعِ المدروسِ وتقسيمُ أحوالهِ وأحكامِها، بحَسَبِ هذا الاختبارِ المُتَعَمِّقِ، الذي تُستقصى فيه كُلُّ الأحوال والاحتمالاتِ، وتُعطى حُكْمَهَا المُلائِمَ، وتُفَرَّعُ عليها الفُروعُ والمسائلُ العلميَّة. وقد بدأ أَوّلًا بتقسيم الخَبَرِ إلى هذه الأقسامِ: إما أن يكونَ له طُرُقٌ غَيْرُ محصورةٍ بعدَدٍ مُعيَّن. أو تكونَ طُرُقُه محصورةً بعددٍ مُعيَّن فوق الاثنين. أو يكونَ له طريقانِ فقط. أو تنحصرُ روايته بطريقٍ واحدٍ. ثُمَّ أخذَ يدرسُ هذه الأقسامَ ويبيّنُ أحكامَها، وفُروعَ ما يتفرعُ منها على الطريقة التي فَرَّعَ التقسيمَ الرئيسَ لأنواعِ الحديثِ هنا. وأَدخلَ فِي ضِمْنِ التقسيمَ تَكْمِلاتٍ، لِيكونَ شامِلًا لجميعِ أنواعِ الحديث، مِثْلُ استطرادهِ إلى تعريفِ الصَّحابيِّ (ص ١١١)، واختتَمَهُ بدراساتٍ متنوِّعَةٍ تُكَمِّلُ هذا التقسيمَ. بأنْ يشمَلَ الكتابُ على إيجازِهِ كُلَّ أنواعِ "عُلومِ الحديثِ". ٢ - أَدْخَلَ تقسيماتٍ للحديثِ ومسائلَ ليسَتْ من أبحاثِ مُصطَلحِ

стр. 20

الحديث، بل هي مِنْ بُحوثِ أُصُولِ الفِقْه، كَبَحْثِ المُستفيضِ (ص ٤٦)، وبَحْثِ تَلَقّي الأُمَّةِ للحديث بالقَبولِ (ص ٥٢). . . لأنّها تُكَمِّلُ فوائدَ الكتابِ وتُغني قارِئَه. ٣ - الاختصارُ وتحاشي الفُضُولِ في الشَّرْحِ. ٤ - صياغَةُ الشَّرحِ على طريقةِ البَسْطِ، وذلك بأنْ يَدْخُلَ المَتْنُ في ضِمنِ الشرحِ، ويندمجَ فيه، بِحَيثُ لو حُذِفَتِ الأقواسُ التي تُميِّزُ المَتْنَ، تُصبِحُ العباراتُ شيئًا واحدًا لا يتميَّزُ فيه الشرحُ عن المَتْنِ. مزايا شرحِ النُّخْبَةِ: ويَمتازُ كتابُ "نُزهَةِ النَّظَرِ" بمزايا مهمة، منها: ١ - الابتكارُ والتجديدُ في صِياغَةِ عُلومِ الحديثِ، وأنَّ هذا الابتكارَ ليس بِمُجَرَّدِ تقديمٍ وتأخيرٍ لِمَا رَتَّبَ السابقون، بَلْ إنّه يُقَدِّمُ لِدارِسِه تصوُّرًا جديدًا شامِلًا لِعلومِ الحديث، بطريقةِ السَّبْرِ والتقسيمِ التي اتَّبَعَها، ومِنْ ثَمَّ فإنه يُفيدُ قارِئَهُ نوعًا جديدًا من التصوّرِ لهذا العِلْمِ، كما يُكْسِبُه التعمُّقَ في فَهْمِ منهجِ النقد الحديثي. ٢ - الدِّقَّةُ والشُّمُولُ، لأنَّ طريقةَ التأليفِ هذه تقوم على الدِّقَّةِ في الدراسة، وتَمَيُّزِ الفُروع والأنواع، والشمولِ لهذه الفُروع التي يُنتِجُها التقسيمُ العقليّ. ٣ - رَبْطُ أنواعِ الحديثِ ببعضِها، وبيانُ العلاقةِ بينَ أنواعِ الحديثِ وصِلَتِها ببعضِها البعض، لأنَّ التقسيمَ هو إخراجٌ للأقسام من الأصل الشامل، وذلك يُفيدُ معرفةَ نوعِ الصِّلَةِ بين أنواع الحديث، وقد صَرَّحَ الإمامُ ابنُ حَجَرٍ في شرحِه ببيانِ كثيرٍ من هذه الفوائد، مِثْل بيانِ الصِّلَةِ بين المتواتِر والمشهورِ والمُستَفِيضِ (ص ٤٣ و ٤٦)، والصِّلَةِ بين المُعَلَّقِ والمُعْضَل (ص ٨٠). ٤ - تمحيصُ المسائلِ المُخْتَلَفِ فيها، والقضايا الشَّائِكةِ، واستخراجُ

стр. 21

زُبْدَةِ التحقيقِ فيها، وذلك كثيرٌ في هذا الكتاب على إيجازه واختصاره. ٥ - تحاشي المآخِذ التي وردَتْ على المؤلِّفين السابقين، بأنهم لم يتَّبعوا نظامًا مُعَيَّنًا في تصنيفِ كُتُبِهم وترتيبِ أنواع الحديثِ فيها. فجاءَ هذا الكتابُ بطريقةِ السَّبْرِ والتقسيمِ لِيلتزِمَ نظامًا دقيقًا، يستوعبُ كُلَّ مجموعةٍ من علوم الحديث في ظِلِّ قِسْمٍ واحدٍ يَجْمعُها في موضعٍ واحد. أهميةُ شرحِ النُّخْبَةِ: بهذه المزايا التي تميَّزَ بها شرحُ النُّخْبَةِ للحافظ ابنِ حَجَرٍ كان له مكانةٌ كبيرةٌ عالية في عِلْمِ الحديث، جعلَتْه مَطْمَحَ أنظارِ طَلَبةِ الحديث، وعُلَمائِه والمُصَنِّفين فيه، ونُلَخِّصُ أبرزَ جوانبِ ذلك فيما يأتي: ١ - الأَثَرُ الواضِحُ الذي خلَّفَه في مصطلحاتِ الحديث، فما اختارَه في هذه المصطلحاتِ جرى عليه العملُ، واستقرَّ عليه المُحَدِّثون بعدَه، مِثْلُ اختيارِه في الشاذِّ والمُنْكَر (ص ٧١ و ٧٢)، ومِثْلُ تَمييزِهِ أنواعَ الحديثِ المقبولِ بهذه الإضافاتِ: الصحيحِ لِذَاتِه (ص ٥٨)، الصحيح لِغَيْرهِ (ص ٥٨ و ٦٦)، الحَسَنِ لِذَاتِه (ص ٥٨ و ٦٥)، الحَسَنِ لِغَيْرِهِ (ص ٥٨ و ٦٧ و ١٠٥). فكانَ له أَثَرٌ في تحديد الاصطلاحاتِ واستقرارِها، ولم يكن ذلك إلّا لأفذاذٍ من المتقدِّمين الكبار. ٢ - إنَّ شرحَ النُّخْبَةِ له أهميةٌ عِلْمِيةٌ بالِغَةٌ من حيثُ إنه خُلاصَةُ الفِكرِ النقدي لأَعظمِ مُحدِّث في زمنه، وقد لَقَّبوه "أمير المؤمنين في الحديث". وأنّه يضُمُّ زُبْدَةَ تحقيقاتِ هذا الإمامِ في مسائلِ عُلومِ الحديثِ، لذلك نجدُ مسائلَ كثيرةً من بُحوثه مُتَناقَلةً في المراجِعِ العلميّة. ومُعْتَمَدًا عليها. ٣ - شَحْذُه لِذِهْنِ دارِسِه، بسببِ إيجازهِ وغزارة مادته العلمية، ثُمّ اتّباعِه طريقةَ السَّبْرِ والتقسيم، التي تقومُ على بحثِ العقل في احتمالاتِ الأحوال المُمكنة للشيء المدروس، والقِسْمِ الذي تُفَرَّعُ فُروعُه.

стр. 22

نُسَخُ الكتابِ الخَطيّةُ: كتابُ "نُزهة النظَرِ في توضيحِ نُخْبَةِ الفِكَرِ" معروفٌ عندَ خاصِّ أهلِ العِلْمِ، والعامِّ، قَلّ أنْ تخلو مكتبةٌ عن نُسخةٍ منه أو نُسَخٍ، وهذه النُّسَخُ كُلُّها مُتوافِقةٌ في مضمونها فيما لَحَظْنَا، عَدَا خِلافاتٍ يسيرةٍ من النُسَّاخِ، وربما كان بعضُها مِنْ تعديلِ المُصنِّف الإمامِ ابنِ حَجَر، والبقيةُ مِنْ سَهْوِ القَلَم، وقد وُفِّقَتْ لنا مجموعةُ نُسَخٍ صحيحةٍ مُوثَّقة توثيقًا عِلْميًّا، حَسَبَ أُصولِ المُحَدِّثين، صَوَّرناها من مكتباتٍ شتّى، وكان التوفيقُ البالِغُ أقصى غايةٍ في نُسخةٍ صحيحةٍ جدًّا هي الغايةُ في الصِّحَّةِ حتى قد سُجِّلَتْ وكان لها ذِكْرٌ وتسجيلٌ في التاريخ، جعلناها الأصلَ في هذا العَمَلِ. التعريفُ بالنُّسخَةِ الأصْلِ: نُسْخَتُنا التي أشرْنَا إليها هي المخطوطةُ المحفوظةُ في دار الكُتب الظاهرية بدمشقَ برقم/ ٤٨٩٥/ وعددُ أوراقِها/ ٣١/ ورقةً، أسطرُ صفحاتِها ٢٠ سطرًا أو ١٨، بخَطٍّ نَسْخِيّ واضحٍ جيّد، ثَبَتَ عُنوانُ الكتابِ على ظهر الورقةِ الأُولى هكذا "كتابُ نُزهة النَّظَرِ في توضيح نُخبةِ الفِكَرِ في مُصطَلَحِ أهلِ الأثَرِ". وهكذا ثَبَتَ العُنوانُ بهذا اللفظِ في كلِّ المخطوطاتِ الصحيحةِ التي وَقَفْنَا عليها مِنْ هذا الكتابِ، مِمّا يَدُلُّ على أنَّ ما زُعِمَ مُحقَّقًا من الطبَعاتِ الموجودةِ الآنَ ليس مُحقَّقًا. وقد أُدْمِجَ المَتْنُ مع الشرحِ في هذه النُّسخَةِ لم يُمَيَّزْ عنه بشيءٍ إطلاقًا، وكُتِبَتْ على حَواشيها تعليقاتٌ لبَعضِ العلماءِ. وهذه النُّسخَةُ قد كُتِبَتْ في آخرِ عهدِ المؤلِّف، وقُرِئَتْ عليه قراءةَ بحثٍ وأَثْبَتَ خَطَّهُ عليها بذلك في مواضعَ كثيرةٍ تَبْلُغُ خمسًا وعِشرين، بَلْ أَثْبَتَ خَطَّه مَرَّتَيْنِ على الصَّفحةِ الواحدةِ في بعضِ الأحيانِ.

стр. 23

وجاءَ في آخِرِها بخَطِّ الناسخِ نَفْسِه ما يأتي: "عَلَّقَ ذلك لنَفْسِه الفقيرُ المُذْنِبُ العاصي أحمدُ بنُ محمدِ بن الأَخْصَاصِي الشافعيّ، اللَّهُمَّ أحسِنْ إليه ولِوالدَيْه ولجميعِ المسلمينَ، ووافَقَ الفَراغُ مِنْ نَسْخِها في العَشْرِ الأوْسَطِ من شَهْرِ رمضانَ سَنَةَ إِحدى وخَمسينَ وثمان مئة". أي قبل وفاة المؤلف الحافظ ابنِ حَجَرٍ بسنة واحدة وثلاثة أشهر تقريبًا. وبِإزاءِ ذلك في الحاشيةِ بخَطِّ المصنِّفِ: "بَلَغَ صاحِبُه قراءةً عَلَيَّ. كَتبَهُ ابنُ حَجَرٍ". وعلى آخِرِ النُّسخَةِ تحتَ هذا في الطَّرَفِ الأيسَرِ من أسفلِ الصفحةِ بَلاغُ قراءةِ النسخةِ إلى آخِرِها على الشيخِ عبدِ القادرِ الصَّفوريِّ سَنَةَ ١٠٧٧، وبِجانبهِ إلى اليمين وَقْفٌ على طَلَبةِ العِلْمِ مُؤَرَّخٌ بِسَنَةِ ١٢٤٦. وابنُ الأخصاصي المذكورُ هو الفقيهُ المُحَدِّثُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ محمدِ بن محمد الدِّمَشْقِيُّ الشافعيّ ويُعْرَفُ بِابْنِ الأَخصاصي وُلد سنة ٨١٨ بدمشقَ ونشأ فيها، وقرأ الفِقْهَ على العلماءِ وسَمِعَ الحديثَ على ابنِ ناصِرِ الدِّين. قال السَّخَاوِيُّ: "ارتحلَ فقرأ على شيخنا شَرْحَ النُّخْبَةِ له بَحثًا، وأَذِنَ له، وكَتبَ بخطِّه أشياءَ كالبخاري وشرحِهِ لِشَيخِنا. وسمعتُ مِنْ نَظْمِه وفوائدِه وكان الغالِبُ عليه الخَيرَ والانجماعَ والتواضُعَ والتَّودُّدَ والرَّغبةَ في الصالحِين ماتَ سنة ٨٨٩ بدمشقَ. له في الوعظِ حادي الأسرار في عَشْرِ مجلَّداتٍ. وشرح أبي شُجَاع في الفقه" (١). _________ (١) الضوءُ اللامِعُ لأهل القَرْنِ التاسع، للسَّخاوِي مُختَصَرًا ٢: ١٩٤. نَشْر دار مكتبة الحياة - بيروت.

стр. 24

وهذا التعريفُ مُهِمٌّ يَدُلُّنا على أمورٍ في غايةِ الأهمية. منها: ١ - أنَّ ابنَ الأخصاصي كان من أهلِ العِلْمِ وخصوصًا الفِقه والحديث، وهذا يجعلُ نَسْخَهُ في غايةِ الإتقانِ. ٢ - أنه كان من خَواصِّ الحافظِ ابنِ حَجَر، وأنه كان عُمْدَةً عِندَه في النَّسْخِ حتى نَسَخَ له شرحَ البخاري، أي فَتْحَ الباري. ٣ - الأهميةُ البالِغةُ لِنُسخَته مِنْ شَرْحِ النُّخبة، حتى ذَكرَها السَّخَاوي وأنه قرأها على مُؤلِّفها بحثًا، أي قراءةَ تدقيقٍ وشرحٍ لها، وذلك يُوجِبُ تدقيقَ المصنِّف لها كلمةً كلمةً. وهكذا جاءَتْ هذه النسخةُ أُمًّا في الصِّحَّةِ والثُّبوتِ، تُغني عن غيرِها، وجَعلْناها الأصلَ في إثباتِ نصِّ الكتابِ. واكتفَيْنا بها عن غيرِها مِنَ النُّسَخِ الصحيحة المتعدِّدةِ التي وَقَفْنَا عَليها وصوَّرْنَا جُملَةً منها. عمَلُنَا في تحقيقِ الكتابِ والتعليقِ عليه كان يُلْحَظُ في هذا الكتابِ "نُزهة النظرِ" عُمْقٌ وحاجةٌ إلى مزيدٍ من التفكيرِ لفَهْمِ معانيه، وقد وجدْنَا بإقرائنا المتكرِّر لهذا الكتابِ أنَّ قسِمًا كبيرًا من صُعوبته يَرجِعُ إلى طريقةِ إخراجِه وتقطيعهِ بالأقواسِ التي تَفْصِلُ المَتْنَ عن الشرحِ وتجعلُ المَتْنَ في أعلى الصَّفحةِ، ثُمَّ تعليقاتٍ في الأسفلِ، إنْ وُجِدَتِ التعليقاتُ. زاد في أَثَر ذلك ضَعْفُ التصرُّفِ في علاماتِ الترقيم وسوءُ التقسيمِ لفقرات الكتاب، فَضْلًا عن الأخطاءِ والسَّقَطِ المُفْسِدِ للمعنى في الطبعاتِ المُتداوَلة. وقد وضعْنَا نُصْبَ أَعيُننا تمهيدَ سبيلِ الإفادة من الكتاب، وتسهيلَ الوصولِ إلى مَكنوناته، فاتّبعْنَا في تحقيق الكتابِ وإخراجهِ الخُطَّةَ الملائمةَ لذلك، نُوضِّحُها فيما يأتي:

стр. 25

أولًا: تحقيقُ الكتابِ وإخراجُه: ١ - اعتمدْنَا النُّسخَةَ المقروءةَ على المصنِّفِ الحافظِ ابنِ حَجَرٍ أصلًا في إثباتِ نصِّ الكتاب. ٢ - سَرَدْنَا شَرْحَ النُّخْبَةِ مع مَتْنِها سَرْدًا واحدًا مُمتَزجَيْن ببعضهما، دُونَ أيِّ فَصْلٍ لِلمَتْنِ عن الشَّرْحِ بأقواسٍ أو بشيءٍ آخَرَ، وذلك تسهيلًا لتسلسُلِ الذِّهْنِ وانسيابهِ في دراسةِ الكتابِ، واقْتِفَاءً لِطَريقِ النُّسْخَةِ الأصْلِ ولِنُسَخٍ أُخرى صحيحةٍ. لكنْ ميَّزْنَا التعاريفَ بحرفٍ أسودَ، لأنها قاعدةُ البحثِ، ومَطْلَعُ دراسَتِه. ٣ - عُنينَا بعلاماتِ الترقيم، وتفصيلِ فِقْرات الكتاب وتمييزِها، لأهمّيةِ ذلك البالِغَةِ في تيسيرِ فَهْمِ المعنى. ٤ - أَوْرَدْنَا مَتْنَ النُّخبَةِ مُفْرَدًا، في نهايةِ الشرحِ، لِتسهيلِ حِفْظِه، فقد كان إيرادُه في أعلى الشرح غَيْرَ ذي جَدْوَى، لِبُعْدِ المسافاتِ بينَ عباراتِه، وبيَّنَّا رَقْمَ صَفَحاتِ الشرحِ التي تتناولُ المَتْنَ، فصار مفيدًا -مع إثبات نصه- لفهرسٍ موضوعي تفصيلي شامل ومختصر للكتاب والتعليقات عليه. ٥ - لم يضَعِ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ عناوينَ لِفِقْراتِ كتابهِ وموضوعاتِه، مِثْل: الحديثُ الصحيح، الحديثُ الحَسَن. . . فاضفْنَا إلى الكتابِ عناوينَ تُبَيِّنُ موضوعاتِه، وأثبتْنَاها في حواشي الصفحاتِ ورقمناها بأرقام متسلسلة، لِزيادةِ التيسيرِ في الدراسةِ والمراجَعَةِ، وصُنْعِ الفهارِسِ. ثانيًا: التعليقُ على الكتاب: ١ - عرَّفْنَا أنواعَ الحديثِ التي لم يُصَرِّحْ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ بتعريفِها،

стр. 26

وذلك أنه اعتمدَ في كثير من هذه التعاريف على استنتاجِ القارئ لها من تَتَبُّعِ التقسيم، فأثبتنا هذه التعاريفَ في التعليق على الكتاب لِمُساعدَةِ القارئِ، وتسهيلِ الفائدةِ عليه. ٢ - رَبطْنَا أجزاءَ الكتابِ ببعضِها لِتَيسيرِ فَهْمِه، وتحصيلِ الصُّورَة العامَّةِ التي يُحَصِّلُها الكتابُ نتيجةَ مُتابَعةِ السَّبْرِ والتقسيم. فإنَّ المصنِّفَ ﵀ يَشْرَعُ في قِسْمٍ من الأقسامِ العامَّةِ ويُفَرِّعُ فُروعَه، ثُمَّ يَرجِعُ إلى تفصيلِ قِسْمٍ آخَرَ سَبَقَ له أنْ أشَارَ إليه، فاحتاجَ إلى تفسيرِ ذلك. ٣ - تَكميلُ فوائدِ الكتابِ، بإيضاحِ ما يَغْمُضُ منه، أو زيادةِ فائدةٍ مهمة يَتِمُّ بها الموضوعُ، ومنها فوائد لا توجد في الشروح المصنفة على هذا الكتاب، وذلك مع مُراعاةِ الاختصارِ قَدْرَ الإمكانِ. ونُحِيلُ القارئَ للاستِزادَةِ من الفائدة على مؤلَّفاتِنا الأُخرى وتحقيقاتِنا، وهي: منهجُ النقدِ في عُلومِ الحديثِ. الإمامُ التِّرمِذِيُّ والموازنةُ بين جامِعهِ وبين الصحيحَيْن. شرحُ عِلَلِ التِّرمذيِّ للحافظِ ابنِ رجَبٍ وتعليقاتُنَا الواسِعةُ عليه. هذه الكُتبُ كافيةٌ لِمَنْ تزوَّدَ بها وأحسَنَ دراستَها أنْ يدخُلَ إن شاءَ اللهُ تعالى في عِدَادِ الباحِثينَ في الحديث الشريف، تصحيحًا وتضعيفًا، وتجريحًا وتعديلًا. ٤ - خرَّجْنَا أحاديثَ الكتاب، مع مُراعاةِ الاختصارِ، بالقَدْرِ الذي يحتاجُ إليه مَقامُ استشهادِ الإمامِ المصنِّفِ بالحديثِ الذي أَوْرَدَهُ. ٥ - ترجمْنَا الأعلامَ الواردةَ في الكتاب باختصارٍ، ودُونَ تطويلٍ.

стр. 27

وفي الخِتَامِ أَوَدُّ تذكيرَ القارئِ الكريمِ بِهَدَفٍ أساسيٍّ يُفيدُه العملُ في تحقيقِ هذا الكتابِ "نُزهة النظرِ" والتعليقِ عليه، وهو تسهيلُ تَصوُّرِ عِلْمِ مُصطلَحِ الحديث تصوُّرًا شاملًا، وَفْقَ الصيغةِ التي قدَّمَها إمامٌ جليلٌ هو أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ الحافظُ أبو الفَضْلِ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ، وهو تَصَوُّرٌ فريدٌ، انفردَ به في هذا الكتابِ عن كلِّ المؤلَّفاتِ في هذا العِلْمِ بتوفيق الله تعالى. كما أَوَدُّ التذكيرَ بأنَّه من الضروريِّ لِدَارِسِ الحديثِ أنْ يُحيطَ بصورةِ عِلْمِ المُصطَلحِ الكُلِّيَّةِ في مُختلِفِ مناهِجِ التأليفِ لهذا العِلْمِ، ولا سيّما المُحاوَلات التي بُذِلَتْ لِتقديمِ نِظامٍ جامعٍ لعِلْمِ المُصطَلحِ خاصَّةً، كما هو مُشَاهَدٌ في "نُزهة النظرِ في توضيح نُخْبَةِ الفِكَر"، أو نظريةٍ شاملةٍ، كما في كتابنا "منهجِ النقدِ في علوم الحديث". وما تَوفيقي إلّا باللهِ. عليه توكَّلْتُ وإليه أُنيْبُ. * * *

стр. 28

صفحة العنوان من النسخة الخطية

стр. 29

صحيفة عليها خط الحافظ ابن حجر في الهامش الأيسر آخر الصفحة

стр. 30

صحيفة عليها خط الحافظ ابن حجر في موضعين "ثم بلغ كذلك" أي قراءة بحثٍ عليَّ

стр. 31

الصفحة الأخيرة، عليها خط ابن الأخصاصي بتعليقه الكتاب -أي نسخه- لنفسه وفي الحاشية اليمنى بخط الحافظ ابن حجر: "بلغ صاحبه قراءة عليَّ. كتبه ابن حجر"

стр. 32

شرحُ النُّخْبَةِ نُزْهَةُ النَّظَرِ فِي تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَرِ فِي مُصْطَلَحِ أهْل الأثَرِ تأليف الإمَامِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَر أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن علي بن محمد بن حجر العَسْقَلَاني (ولد سَنة ٧٧٣ هـ وتوفي سَنَة ٨٥٢ هـ) رَحِمَهُ اللهُ تعَالى حَقَّقَهُ عَلَى نُسْخَةٍ مَقْرُوءَة عَلَى المُؤَلِّفِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ نُورُ الدِّينِ عِتْر رَئِيسُ قِسْمِ عُلُومِ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ بجَامِعَةِ دِمَشْق، أستَاذُ التّفسِيرِ وَالحَدِيث في كُليَّاتِ الشَّريعَةِ وَالآداب بِجَامِعَتَي دِمَشقَ وَحَلَبَ

стр. 33

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلّامة الرُّحْلَةُ شيخُ الإسلام عَلَمُ الأعلامِ شِهابُ الدين أبو الفضل أحمدُ بنُ عليِّ بنِ محمدٍ العسقلانيُّ الشهيرُ بابنِ حَجَرٍ، الشافعيُّ، فَسَحَ الله في مُدَّتِه، وأعاد على المسلمين من بركته: الحمدُ لله الذي لم يَزَلْ عالِمًا قديرًا، حيًّا قيومًا سميعًا بصيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأُكَبِّرُه تكبيرًا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا وعلى آل محمد وصحبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإنَّ التصانيفَ في اصطلاح (١) أهل الحديث، قد كثرت للأئمة في القديم والحديث.

стр. 34

فَمِنْ أول مَنْ صنَّفَ في ذلك: القاضي أبو محمد الرامَهُرْمُزِي (١) في كتابه "المُحَدِّثُ الفاصِلُ"، لكنه لم يَسْتَوعِبْ، والحاكمُ أبو عبد الله النيسابوري (٢)، لكنه لم يُهَذِّبْ ولم يُرَتِّبْ. وتلاه أبو نُعَيم الأصْبَهاني (٣) فعَمِلَ على كتابه مُسْتَخْرِجًا، وأبقى أشياءَ لِلمُتَعَقِّبِ. ثم جاء بعدَهم الخطيبُ أبو بكر البغدادي (٤) فصَنَّفَ في قوانين الرواية

стр. 35

كتابًا سمّاهُ "الكِفَايةُ" وفي آدابها كتابًا سمّاهُ "الجامعُ لآدابِ الشيخِ والسامعِ"، وَقَلَّ فَنٌّ من فنون الحديث إلَّا وقد صنَّفَ فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظُ أبو بكر بن نُقْطَةَ (١): "كُلُّ مَنْ أَنْصَفَ عَلِمَ أنَّ المُحَدِّثينَ بعدَ الخطيبِ عِيالٌ على كُتُبهِ". ثم جاء بعض مَن تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب، فجَمَعَ القاضي عياض (٢) كتابًا لطيفًا سمّاهُ "الإلماعُ"، وأبو حفص المَيّانِجي (٣) جزءًا سمّاهُ "ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُه". وأمثالُ ذلك من التصانيف التي اشتَهَرَت وبُسِطَتْ لِيتوفَّر عِلْمُها، واخْتُصِرَت لِيتيسرَ فَهْمُها، إلى أن جاء الحافظ الفقيهُ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصَّلاح عبدِ الرحمن الشَّهْرَزُوريُّ (٤) نزيل دمشق فجَمَعَ لمَّا وُلِّيَ تدريسَ الحديثِ

стр. 36

بالمدرسة الأشرفية كتابَه المشهور، فهذَّبَ فنونَه وأملاه شيئًا بعد شيء، فلهذا لم يحصُلْ ترتيبُه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيفِ الخطيبِ المُفَرَّقة، فجمع شَتاتَ مقاصِدِها، وضمَّ إليها مِنْ غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عَكَفَ الناسُ عليه، وساروا بسيره، فلا يُحْصى كم ناظمٍ له ومختصِر، ومستدرِكٍ عليه ومقتصِر، ومُعارِضٍ له ومُنتَصِر (١). فسألني بعضُ الإخوانِ أنْ أُلَخِّصَ له المُهِمَّ من ذلك، فلخَّصْتُه في أوراقٍ لطيفةٍ، سميتُها: "نُخْبَة الفِكَرِ في مُصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُه، وسبيلٍ انْتَهَجْتُه، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد. فرَغِبَ إليّ ثانيًا أنْ أضعَ عليها شرحًا يَحُلُّ رُموزَها، ويَفْتَحُ كُنُوزَها، ويُوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ من ذلك، فأجبتُه إلى سؤاله رجاءَ الاندراج في تلك المسالك، فبالغتُ في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها، لأنَّ صاحبَ البيت أدرى بما فيه، وظهر لي أنَّ إيرادَه على صورةِ البسطِ أليقُ (٢)، ودَمْجَها ضمن توضيحِها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ. فأقول طالبًا من الله التوفيق فيما هنالك:

стр. 37

الخبر، عند علماء هذا الفن مُرادِفٌ للحديث. وقيل: الحديثُ ما جاء عن النبي ﷺ والخبرُ ما جاء عن غيره، ومِنْ ثَمَّةَ قيل لمن يَشتغلُ بالتواريخ وما شاكلها: "الإخباريّ"، ولمن يَشتغلُ بالسنة النبوية: "المُحَدِّثُ" (١). وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ (٢)، فكُلُّ حديثٍ خَبَرٌ مِنْ غير عكسٍ. وعَبّر هنا بالخبرِ ليكونَ أشملَ (٣). فهو باعتبار وصولِهِ إلينا (٤): إما أنْ يكونَ له طرُقٌ أي أسانيدُ كثيرة، لأن طُرُقًا جَمْعُ طَرِيقٍ، وفَعِيلٌ في الكثرة يُجْمَعُ على فُعُل بضمتين وفي القِلَّة على أَفْعُل، والمرادُ بالطرقِ الأسانيدُ. والإسنادُ: حكايةُ طريق المتن (٥). وتلك (٦) الكثرة أحدُ شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عددٍ معينٍ،

стр. 38

بل تكون العادةُ قد أحالتْ تواطؤَهُم على الكذب، وكذا وقوعَه منهم اتفاقًا من غير قصد، فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح. ومِنْهم مَنْ عَيَّنه في الأربعة، وقيل في الخمسة، وقيل في السبعة، وقيل في العشرة، وقيل في الاثني عشر، وقيل في الأربعين، وقيل في السبعين، وقيل غير ذلك. وتَمسَّكَ كلُّ قائلٍ بدليل جاء فيه ذكرُ ذلك العدد فأفادَ العلمَ (١)، وليس بلازم أن يَطَّرِدَ في غيره، لاحتمالِ الاختصاصِ. فإذا ورد الخبر كذلك (٢) وانضاف إليه أن يستوي الأمرُ فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه -والمراد بالاستواء ألّا تنقصَ الكثرة

стр. 39

المذكورة في بعض المواضع لا ألّا تزيد إذ الزيادة مطلوبة هنا من باب الأَولى- وأن يكون مستندُ انتهائه الأمرَ المُشَاهَدَ أو المسموعَ، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف كالواحد نصف الاثنين (١). فإذا جَمَعَ هذه الشروطَ الأربعةَ وهي: - عددٌ كثير أحالت العادةُ تواطؤهم أو توافقهم على الكذب. - رَوَوا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء. - وكان مستند انْتِهائِهم الحِسّ. - وانضاف إلى ذلك أن يصحبَ خبرَهم إفادةُ العلم لسامعه. فهذا هو المتواتِر. وما تخلَّفَتْ إفادةُ العلمِ عنه كان مشهورًا فقط، فكلُّ متواتِر مشهورٌ مِنْ غير عكس. وقد يقال: إنَّ الشروطَ الأربعةَ إذا حصلَتْ استلزمَتْ حصولَ العلم، وهو كذلك في الغالب، لكنْ قد يَتَخَلَّفُ عن البعض لِمانعٍ (٢). وقد وَضَحَ بهذا تعريفُ المتواتِر (٣).

стр. 40

وخلافُه (١) قد يَرِدُ بلا حصرٍ أيضًا لكنْ مع فَقْدِ بعض الشروط، أو مع حصرٍ بما فوق الاثنين، أي بثلاثةٍ فصاعدًا ما لم تجتمع شروطُ التواتر، أو بهما أي باثنين فقط، أو بواحد، والمرادُ بقولنا: "أنْ يَرِدَ باثنين": ألَّا يردَ بأقلَّ منهما، فإنْ ورد بأكثرَ في بعض المواضع من السند الواحد لا يضرّ (٢)، إذ الأقلُّ في هذا يقضي على الأكثر. فالأول: المتواتِر (٣)، وهو المفيدُ للعلم اليقيني -فأُخرِجَ النظري على ما يأتي تقريرهُ- بشروطه التي تقدمَتْ. واليقين: هو الاعتقادُ الجازمُ المطابق. وهذا هو المُعْتَمدُ أنَّ خبرَ التواتر يفيد العِلْمَ الضروري وهو: الذي يضطر الإنسانُ إليه بحيثُ لا يمكنه دفْعُه. وقيل: لا يفيدُ العِلْمَ إلا نظريًّا (٤). وليس بشيء، لأن العِلْمَ بالتواتر
следующие страницы →