← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1565

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت عتر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (157 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالمدرسة الأشرفية كتابَه المشهور، فهذَّبَ فنونَه وأملاه شيئًا بعد شيء، فلهذا لم يحصُلْ ترتيبُه على الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيفِ الخطيبِ المُفَرَّقة، فجمع شَتاتَ مقاصِدِها، وضمَّ إليها مِنْ غيرها نُخَبَ فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره، فلهذا عَكَفَ الناسُ عليه، وساروا بسيره، فلا يُحْصى كم ناظمٍ له ومختصِر، ومستدرِكٍ عليه ومقتصِر، ومُعارِضٍ له ومُنتَصِر (١). فسألني بعضُ الإخوانِ أنْ أُلَخِّصَ له المُهِمَّ من ذلك، فلخَّصْتُه في أوراقٍ لطيفةٍ، سميتُها: "نُخْبَة الفِكَرِ في مُصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُه، وسبيلٍ انْتَهَجْتُه، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد. فرَغِبَ إليّ ثانيًا أنْ أضعَ عليها شرحًا يَحُلُّ رُموزَها، ويَفْتَحُ كُنُوزَها، ويُوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ من ذلك، فأجبتُه إلى سؤاله رجاءَ الاندراج في تلك المسالك، فبالغتُ في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها، لأنَّ صاحبَ البيت أدرى بما فيه، وظهر لي أنَّ إيرادَه على صورةِ البسطِ أليقُ (٢)، ودَمْجَها ضمن توضيحِها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ. فأقول طالبًا من الله التوفيق فيما هنالك:

стр. 37

الخبر، عند علماء هذا الفن مُرادِفٌ للحديث. وقيل: الحديثُ ما جاء عن النبي ﷺ والخبرُ ما جاء عن غيره، ومِنْ ثَمَّةَ قيل لمن يَشتغلُ بالتواريخ وما شاكلها: "الإخباريّ"، ولمن يَشتغلُ بالسنة النبوية: "المُحَدِّثُ" (١). وقيل: بينهما عمومٌ وخصوصٌ مُطْلَقٌ (٢)، فكُلُّ حديثٍ خَبَرٌ مِنْ غير عكسٍ. وعَبّر هنا بالخبرِ ليكونَ أشملَ (٣). فهو باعتبار وصولِهِ إلينا (٤): إما أنْ يكونَ له طرُقٌ أي أسانيدُ كثيرة، لأن طُرُقًا جَمْعُ طَرِيقٍ، وفَعِيلٌ في الكثرة يُجْمَعُ على فُعُل بضمتين وفي القِلَّة على أَفْعُل، والمرادُ بالطرقِ الأسانيدُ. والإسنادُ: حكايةُ طريق المتن (٥). وتلك (٦) الكثرة أحدُ شروط التواتر إذا وردت بلا حصر عددٍ معينٍ،

стр. 38

بل تكون العادةُ قد أحالتْ تواطؤَهُم على الكذب، وكذا وقوعَه منهم اتفاقًا من غير قصد، فلا معنى لتعيين العدد على الصحيح. ومِنْهم مَنْ عَيَّنه في الأربعة، وقيل في الخمسة، وقيل في السبعة، وقيل في العشرة، وقيل في الاثني عشر، وقيل في الأربعين، وقيل في السبعين، وقيل غير ذلك. وتَمسَّكَ كلُّ قائلٍ بدليل جاء فيه ذكرُ ذلك العدد فأفادَ العلمَ (١)، وليس بلازم أن يَطَّرِدَ في غيره، لاحتمالِ الاختصاصِ. فإذا ورد الخبر كذلك (٢) وانضاف إليه أن يستوي الأمرُ فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه -والمراد بالاستواء ألّا تنقصَ الكثرة

стр. 39

المذكورة في بعض المواضع لا ألّا تزيد إذ الزيادة مطلوبة هنا من باب الأَولى- وأن يكون مستندُ انتهائه الأمرَ المُشَاهَدَ أو المسموعَ، لا ما ثبت بقضية العقل الصِّرف كالواحد نصف الاثنين (١). فإذا جَمَعَ هذه الشروطَ الأربعةَ وهي: - عددٌ كثير أحالت العادةُ تواطؤهم أو توافقهم على الكذب. - رَوَوا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء. - وكان مستند انْتِهائِهم الحِسّ. - وانضاف إلى ذلك أن يصحبَ خبرَهم إفادةُ العلم لسامعه. فهذا هو المتواتِر. وما تخلَّفَتْ إفادةُ العلمِ عنه كان مشهورًا فقط، فكلُّ متواتِر مشهورٌ مِنْ غير عكس. وقد يقال: إنَّ الشروطَ الأربعةَ إذا حصلَتْ استلزمَتْ حصولَ العلم، وهو كذلك في الغالب، لكنْ قد يَتَخَلَّفُ عن البعض لِمانعٍ (٢). وقد وَضَحَ بهذا تعريفُ المتواتِر (٣).

стр. 40

وخلافُه (١) قد يَرِدُ بلا حصرٍ أيضًا لكنْ مع فَقْدِ بعض الشروط، أو مع حصرٍ بما فوق الاثنين، أي بثلاثةٍ فصاعدًا ما لم تجتمع شروطُ التواتر، أو بهما أي باثنين فقط، أو بواحد، والمرادُ بقولنا: "أنْ يَرِدَ باثنين": ألَّا يردَ بأقلَّ منهما، فإنْ ورد بأكثرَ في بعض المواضع من السند الواحد لا يضرّ (٢)، إذ الأقلُّ في هذا يقضي على الأكثر. فالأول: المتواتِر (٣)، وهو المفيدُ للعلم اليقيني -فأُخرِجَ النظري على ما يأتي تقريرهُ- بشروطه التي تقدمَتْ. واليقين: هو الاعتقادُ الجازمُ المطابق. وهذا هو المُعْتَمدُ أنَّ خبرَ التواتر يفيد العِلْمَ الضروري وهو: الذي يضطر الإنسانُ إليه بحيثُ لا يمكنه دفْعُه. وقيل: لا يفيدُ العِلْمَ إلا نظريًّا (٤). وليس بشيء، لأن العِلْمَ بالتواتر

стр. 41

حاصلٌ لمن ليس له أهليةُ النظر كالعاميّ، إذ النظرُ: ترتيبُ أمورٍ معلومةٍ أو مظنونة يُتوصَّلُ بها إلى علوم أو ظنون، وليس في العاميّ أهليةُ ذلك، فلو كان نظريًّا لَما حَصَل لهم. ولاحَ بهذا التقرير الفرقُ بين العِلْمِ الضروري والعِلْمِ النظري، إذ الضروريُّ يفيدُ العلمَ بلا استدلالٍ، والنظريُّ يفيده لكن مع الاستدلال على الإفادة، وأنَّ الضروريَّ يحصلُ لكل سامع، والنظريَّ لا يحصل إلا لمَنْ فيه أهليةُ النظر. وإنما أُبْهِمَتْ شروطُ المتواتِر في الأصل (١) لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذْ عِلْمُ الإسنادِ يُبحَثُ فيه عن صحة الحديث أو ضعفِه لِيُعْمَلَ به أو يُتْركَ من حيثُ صفاتُ الرجال وصيغ الأداء (٢)، والمتواترُ لا يُبْحَثُ عن رجاله بل يجب العملُ به من غير بحث. فائدة: ذكر ابن الصلاح أنّ مثالَ المتواتر على التفسير المتقدِّم يَعِزُّ وجودُه، إلا أنْ يُدَّعَى ذلك في حديث "مَنْ كَذَبَ عليَّ". وما ادّعاهُ من العِزَّةِ ممنوع، وكذا ما ادّعاه غيرُه من العَدَم، لأن ذلك نشأ عن قِلّة اطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضيةِ لإبعادِ العادةِ أن يَتوَاطؤوا على كذب أو يحصلَ منهم اتفاقًا. ومِنْ أحسنِ ما يُقَرَّرُ به كونُ المتواتر موجودًا وجودَ كَثْرة في الأحاديث أنَّ الكُتُبَ المشهورةَ المُتَداوَلةَ بأيدي أهل العِلْم شرقًا وغربًا، المقطوعَ

стр. 42

عندهم بصحة نسبتها إلى مُصنِّفيها، إذا اجتمعتْ على إخراج حديثٍ وتعددتْ طُرقُه تعدّدًا تُحيل العادةُ تواطُؤَهم على الكذب إلى آخر الشروط (١) أفاد العلمَ اليقينيَّ بصحته إلى قائله، ومثلُ ذلك في الكتب المشهورة كثيرٌ (٢). والثاني -وهو أولُ أقسامِ الآحاد (٣) -: ما لَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنين وهو المشهور عند المُحَدِّثين. سُمِّيَ بذلك لوضوحه وهو المستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، سُمِّي بذلك لانتشاره، مِنْ فاض الماءُ يفيض فيضًا، ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور بأنّ المستفيضَ يكون في ابتدائه وانتهائه سَوَاء، والمشهورُ أعمُّ من ذلك (٤)، ومنهم من غاير

стр. 43

على كيفية أخرى، وليس من مباحثِ هذا الفن. ثُمَّ المشهورُ يُطلَقُ على ما حُرِّر هنا، وعلى ما اشتَهَرَ على الألسنة، فيشمل ما له إسنادٌ واحدٌ فصاعدًا بل ما لا يوجدُ له إسنادٌ أصلًا (١). والثالث: العَزِيز: وهو ألّا يروِيَه أقلُّ من اثنين عن اثنين.

стр. 44

وسُمي بذلك إمّا لقِلَّة وجودِه، وإمّا لكونه عَزَّ، أي قَوِيَ بمجيئه من طريق أُخرى (١). وليس شرطًا للصحيح، خلافًا لِمَنْ زَعَمَه وهو أبو علي الجُبَّائي (٢) من المعتزلة وإليه يُومئُ كلامُ الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال: "الصحيحُ أنْ يرويَه الصحابيُّ الزائلُ عنه اسمُ الجَهالةِ بأنْ يكونَ له راويان (٣)، ثُمَّ يتداولَه أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة". وصرَّح القاضي أبو بكر بن العربي (٤) في شرح البخاري بأنّ ذلك شرطُ البخاري، وأجاب عما أُوْرِدَ عليه من ذلك بجواب فيه نظر، لأنه قال: فإن قيل حديثُ "الأعمال بالنيات" فَرْدٌ لم يَرْوِه عن عمرَ إلا علقمةُ؟ قال: قلنا قد خَطَب به عمرُ على المنبر بحضرة الصحابة فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه. -كذا قال-.

стр. 45

وتُعُقِّبَ بأنه لا يَلزمُ من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأنّ هذا لو سُلِّمَ في عمرَ مُنِعَ في تفرد علقمةَ ثمَّ تَفَرُّدِ محمدِ بن إبراهيمَ به عن علقمةَ ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمدٍ، على ما هو الصحيح المعروف عند المُحدِّثين، وقد وردتْ لهم متابعاتٌ (١) لا يُعتَبرُ بها، وكذا لا يَسْلَمُ جوابُه في غير حديث عمر (٢). قال ابن رُشَيْد (٣): ولقد كان يكفي القاضيَ في بُطلان ما ادّعى أنه شَرْطُ البخاري أولُ حديثٍ مذكورٍ فيه. وادّعى ابن حِبّان (٤) نقيضَ دعواه، فقال: إنّ روايةَ اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلًا. قلت: إنْ أراد أنّ روايةَ اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلًا فيمكن

стр. 46

أن يُسَلَّمَ، وأمّا صورةُ العزيزِ التي حررناها فموجودةٌ بألّا يرويَه أقلُّ من اثنين عن أقلَّ من اثنين. مثاله: ما رواه الشيخانِ من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده" الحديث. ورواه عن أنس قتادةُ وعبدُ العزيز بن صُهَيب، ورواه عن قتادةَ شُعْبَةُ وسعيدٌ، ورواه عن عبدِ العزيز إسماعيلُ ابن عُليَّةَ وعبدُ الوارثِ ورواه عن كُلّ جماعة (١). والرابع: الغريبُ: وهو ما يتفَرَّدُ بروايته شخصٌ واحدٌ في أيِّ موضِعٍ وَقَعَ التفرُّدُ به من السَّنَد، على ما سنَقْسِمُ إليه الغريبَ المُطْلَق والغريبَ النِّسْبِيّ. وكلُّها أيْ الأقسامِ الأربعةِ المذكورةِ سِوى الأول -وهو المتواتِرُ- آحادٌ، ويُقال لكلٍّ منها خبرُ واحدٍ. وخبرُ الواحدِ في اللُّغة: ما يرويه شخصٌ واحدٌ.

стр. 47

وفي الاصطلاح: ما لم يَجْمَعْ شروطَ التواتُر. وفيها -أيْ الآحادِ- المقبولُ وهو ما يجب العملُ به عندَ الجمهور، وفيها المردودُ، وهو الذي لم يَرْجَحْ صِدْقُ المُخْبِر به، لتوقُّفِ الاستدلال بها على البحث عن أحوال رُواتِها، دونَ الأَوّلِ وهو المتواتِر فكلُّه مقبولٌ، لإفادته القَطْعَ بصِدْقِ مُخْبِرِه، بخلاف غيرهِ من أخبار الآحاد. لكنْ إنما وَجَبَ العملُ بالمقبول منها لأنها إمَّا أنْ يوجدَ فيها أصلُ صفةِ القبول، وهو ثبوتُ صدقِ الناقِلِ (١)، أو أصلُ صفةِ الرَّدِّ، وهو ثبوتُ كَذِبِ الناقِلِ، أَوْ لا (٢). فالأول: يَغْلِبُ (٣) على الظَّنِّ صِدْقُ الخَبَرِ لِثُبُوتِ صِدْقِ ناقِلِه فيؤخَذُ به. والثاني: يَغْلِبُ على الظَّنِّ كَذِبُ الخَبَرِ لِثُبُوتِ كَذِبِ ناقِلهِ فَيُطْرَحُ. والثالث: إنْ وُجِدَتْ قرينةٌ (٤) تُلْحِقُه بأحدِ القِسمين الْتَحَقَ، وإِلّا فَيُتَوَقَّفُ فيه، فإذا تُوُقِّف عن العمل به صار كالمردود، لا لِثُبُوتِ صفةِ الرَّدِّ، بَلْ لكونِه لم توجدْ فيه صفةٌ تُوجِبُ القبولَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 48

وقد يَقَعُ فيها أيْ في أخبارِ الآحادِ المنقسمةِ إلى: مشهورٍ، وعزيزٍ، وغريبٍ ما يفيد العِلْمَ النظريَّ بالقرائنِ على المُختار، خِلافًا لِمَنْ أبى ذلك. والخلافُ في التحقيقِ لفظيٌّ، لأنَّ مَنْ جَوَّزَ إطلاقَ العِلْمِ قَيّدَهُ بكونِهِ نظريًّا، وهو الحاصلُ عنِ الاستدلالِ، ومَنْ أبى الإطلاقَ خصَّ لفظَ العِلْمِ بالمتواتِر، وما عَدَاهُ عندَه ظَنِّيٌّ، لكنه لا ينفي أنَّ ما احْتَفَّ بالقرائنِ أَرْجَحُ ممَّا خَلا عنها. والخبر المُحْتَفُّ بالقرائنِ (١) أنواعٌ: منها: ما أخرجه الشيخانِ في صحيحيهما ممّا لم يبلغِ التواتُرَ، فإنّه احْتَفَّتْ به قرائنُ، منها: - جلالتُهما في هذا الشأن. - وتقدُّمُهما في تمييز الصحيح على غيرهما. - وتَلَقِّي العلماءِ لكتابيهما بالقبول، وهذا التَّلَقِّي وحدَهُ أقوى في إفادة العِلْمِ من مُجرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ القاصِرَةِ عن التواتُرِ. إلَّا أنّ هذا يَختصُّ بما لم ينتقدْهُ أحد من الحُفَّاظ ممّا في الكِتَابَين (٢)، وبما لم يقَعِ التخالُف

стр. 49

بين مدلولَيْه مما وقعَ في الكِتَابَيْن حيثُ لا ترجيحَ (١)، لِاستحالةِ أنْ يُفِيدَ المتناقضانِ العِلْمَ بصِدْقِهِما من غيرِ ترجيحٍ لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماعُ حاصِلٌ على تسليم صِحَّتِهِ. فإنْ قيل: "إنّما اتفقوا على وجوبِ العملِ به لا على صِحَّتِه"، مَنَعْنَاهُ، وسنَدُ المنعِ (٢) أنهم مُتَّفِقُونَ على وجوب العملِ بكل ما صحَّ ولو لم يُخْرِجْه الشيخانِ، فلم يَبْقَ لِلصحيحينِ في هذا مزيةٌ، والإجماعُ حاصِلٌ على أنَّ لهما مزيةً فيما يَرجعُ إلى نَفْسِ الصِّحَّةِ وممَّنْ صرَّحَ بإفادةِ ما خَرّجه الشيخانِ العِلْمَ النظري: الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرائيني (٣)، ومن أئمة الحديث أبو عبد الله الحُمَيْدي (٤) وأبو الفضل بن طاهر (٥) وغيرُهُما. ويَحْتَمِل أنْ يُقالَ: المزيَّةُ المذكورةُ كونُ أحاديثهما أصحُّ الصحيح.

стр. 50

ومنها (١): المشهورُ إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ من ضَعْفِ الرُّواةِ والعِلَلِ، وممَّنْ صرَّحَ بإفادته العلمَ النظريَّ الأستاذُ أبو منصور البغدادي (٢) والأستاذُ أبو بكر بن فُوْرَك (٣) وغيرُهُما. ومنها: المُسَلْسَلُ (٤) بالأئمةِ الحُفَّاظِ المتقنين، حيث لا يكونُ غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمدُ بنُ حنبل (٥) مثلًا ويشاركه فيه غيرهُ عن الشافعي (٦) ويشاركه فيه غيرُه عن مالك بن أنس، فإنه يُفيد العِلْمَ عند

стр. 51

سامِعِه بالاستدلال من جهة جلالةِ رُواتِه وأنَّ فيهم من الصفات اللائِقَةِ الموجِبَةِ للقَبولِ ما يقوم مَقَامَ العددِ الكثيرِ من غيرهم، ولا يَتَشَكَّكُ مَنْ له أَدْنى ممارسةٍ بالعِلْمِ وأخبارِ الناس أنّ مالكًا مثلًا لو شافَهَهُ بخبرٍ أنه صادِقٌ فيه، فإذا انضافَ إليه مَنْ هو في تلك الدرجةِ ازدادَ قوةً، وبَعُدَ ما يُخْشَى عليه من السَّهْو. وهذه الأنواعُ (١) التي ذكرناها لا يَحصُلُ العِلْمُ بصدق الخبر منها إلا للعالِمِ بالحديثِ المتبحِّرِ فيه العارفِ بأحوال الرواة، المُطَّلِعِ على العِلَلِ. وكونُ غيره لا يحصلُ له العِلْمُ بصدق ذلك -لقصوره عن الأوصاف المذكورة التي ذكرناها- لا يَنْفي حصولَ العِلْمِ للمتبحِّر المذكور. ومُحَصَّلُ الأنواعِ الثلاثة التي ذكرناها أنّ: الأوّلَ: يَختصُّ بالصحيحين. والثانيَ: بما له طُرُقٌ متعدِّدَةٌ. والثالثَ: بما رواهُ الأئمَّةُ. ويمكن اجتماع الثلاثةِ في حديثٍ واحد، ولا يَبْعُدُ حينئذٍ القَطْعُ بصدقِه، واللهُ أعلمُ (٢). ثُمَّ الغَرَابةُ (٣) إمّا أنْ تكونَ في أصلِ السَّنَدِ: أي في الموضع الذي يدورُ

стр. 52

الإسنادُ عليه ويرجِعُ ولو تعدَّدَتِ الطُّرُقُ إليه، وهو طَرَفُهُ الذي فيه الصحابي، أو لا يَكونُ كذلك بأنْ يكونَ التفردُ في أثنائه، كأنْ يرويَه عن الصحابيّ أكثرُ من واحدٍ ثُمَّ ينْفَرِد بروايته عن واحد منهم شخصٌ واحد. فالأول: الفَرْدُ المُطْلَقُ (١): كحديث النهي عن بَيْعِ الوَلاءِ وعن هِبَتهِ (٢)، تفرَّدَ به عبدُ الله بن دينار عن ابن عمر، وقد يَنْفَرِدُ به راوٍ عن ذلك المنْفَرد، كحديث شُعَبِ الإيمان (٣)، تفرَّدَ به أبو صالح عن أبي هريرةَ، وتفرَّدَ به عبدُ اللهِ بنُ دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرُّدُ في جميع رُواتِه أو أكثرِهم. وفي مُسنَدِ

стр. 53

البزار (١) والمعجم الأوسط للطبراني (٢) أمثلةٌ كثيرةٌ لذلك. والثاني: الفَرْدُ النِّسبِيُّ (٣): سُمِّيَ بذلك لكونِ التفرُّدِ فيه حَصَلَ بالنسبة إلى شخصٍ مُعيَّنٍ، وإنْ كان الحديثُ في نَفْسه مشهورًا، ويَقِلُّ إطلاقُ الفردِيَّةِ عليه، لأنَّ الغريبَ والفَرْدَ مترادِفانِ لغةً واصطلاحًا، إلّا أنَّ أهلَ الاصطلاح غايروا بينهما من حيثُ كَثْرَةُ الاستعمالِ وقِلَّتُه، فالفردُ أكثرُ ما يُطلِقونه على الفرد المُطْلَقِ، والغريبُ أكثرُ ما يُطلِقونه على الفرد النِّسْبِيّ، وهذا من حيثُ إطلاقُ الاسمِ عليهما، وأمّا مِن حيثُ استعمالُهم الفعلَ المشتقَّ فلا يُفَرِّقُونَ، فيقولون في المُطْلَقِ والنِّسبِيّ: تفرَّدَ به فلانٌ، أو أغربَ به فلانٌ. وقريبٌ مِنْ هذا اختلافُهم في المُنقطِعِ والمُرسَل هل هما متغايران أو لا؟ فأكثرُ المُحَدِّثين على التغايُرِ (٤) لكنّه عندَ إطلاقِ الاسمِ، وأمّا عندَ استعمالِ الفعلِ المشتقِّ فيستعملون الإرْسالَ فقط، فيقولون: "أرسلَه فلانٌ"، سَواءٌ كان ذلك مُرسَلًا أَمْ مُنْقَطِعًا، ومن ثَمَّ أطلق غيرُ واحدٍ ممَّنْ لم يلاحظْ مواقعَ استعمالِهم على كثيرٍ من المُحَدِّثين أنَّهم لا يُغايرون بين

стр. 54

المُرسَلِ والمُنقَطِعِ، وليس كذلك لِمَا حرّرناهُ، وقَلَّ مَنْ نَبّهَ على النُّكتَةِ في ذلك، واللهُ أعلم. وخبرُ الآحادِ بنقلِ عدلٍ تامِّ الضبطِ، متصلَ السند، غيرَ مُعَلَّل ولا شاذٍّ هو الصحيحُ لِذَاتِه. وهذا أولُ تقسيمِ المقبول إلى أربعةِ أنواعٍ، لأنه إمّا أنْ يشتملَ من صفاتِ القبولِ على أعلاها أَوْ لا (١). الأول: الصحيحُ لِذَاته. والثاني: إنْ وُجِدَ ما يَجْبُرُ ذلك القُصور ككثرة الطُّرُقِ (٢)، فهو الصحيح أيضًا لكنْ لا لِذَاتهِ، وحيثُ لا جُبْرَانَ فهو الحسنُ لِذَاتهِ، وإنْ قامتْ قرينةٌ تُرَجِّحُ جانبَ قَبولِ ما يُتَوقَّفُ فيه فهو الحسنُ أيضًا لا لِذَاته. وقُدِّمَ الكلامُ على الصحيح لِذَاته لعلُوِّ رُتْبَتِهِ. والمرادُ بالعَدْلِ: مَنْ له مَلَكَةٌ تَحْمِلُه على مُلازَمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى: اجتنابُ الأعمالِ السيئة من شِرْكٍ أو فِسْقٍ أو بِدْعَةٍ. والضَّبْطُ (٣): - ضبطُ صَدرٍ: وهو أن يُثبتَ ما سَمِعَه بحيثُ يتمكَّنُ من استحضارِهِ متى شاء.

стр. 55

وضبطُ كتابٍ: وهو صِيانَتُه لَدَيْه منذُ سَمِعَ فيه وصحَّحَه إلى أنْ يُؤَدّيَ منه. وقُيِّد بالتامِّ (١) إشارةً إلى الرُّتبةِ العُليا في ذلك. والمتصلُ: ما سَلِم إسنادُه مِنْ سُقوطٍ فيه بحيثُ يكونُ كلٌّ مِنْ رِجاله سمعَ ذلك المَرْوِيَّ من شيخه. والسَّنَدُ تقدَّمَ تعريفُه (٢). والمُعَلَّلُ لغةً: ما فيه عِلَّةٌ، واصطلاحًا: ما فيه عِلَّةٌ خفيَّةٌ قادِحَةٌ. والشاذُّ لغةً: المُنفردُ، واصطلاحًا: ما يُخالِفُ فيه الراوي مَنْ هو أَرْجَحُ منه. وله تفسيرٌ آخرُ سيأتي (٣). تنبيه: قولُه: "وخبرُ الآحادِ" كالجِنْس، وباقي قُيودِه كالفَصْلِ. وقولُه: "بنقل عَدْلٍ" احترازٌ عمّا ينقلُه غيرُ عَدْلٍ. وقولُه: "هو": يُسمَّى فَصْلًا يَتَوسَّطُ بين المبتدأ والخبر، يُؤْذِن بأنَّ ما بعده خبرٌ عمّا قَبْلَه وليسَ بنعتٍ له. وقوله: "لِذَاتِه" يُخرِجُ ما يسمى صحيحًا بأمرٍ خارجٍ عنه كما تقدَّمَ. وتتفاوتُ رُتَبُه أيْ الصحيحِ بسبب تفاوُتِ هذه الأوصافِ المقتضيةِ للتصحيحِ في القوةِ، فإنَّها لمّا كانتْ مفيدةً لِغَلَبَةِ الظَّنِّ الذي عليه مَدَارُ الصِّحَّةِ اقتضَتْ أنْ يكونَ لها درجاتٌ، بعضُها فوقَ بعضٍ بحَسَبِ الأمور

стр. 56

المُقَوِّية، وإذا كان كذلك فما تكونُ رُوَاتُه في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفاتِ التي تُوجِبُ الترجيحَ كان أصحَّ ممَّا دونَه. فمِنَ الرُّتبةِ العُليا في ذلك ما أَطْلَقَ عليه بعضُ الأئمَّةِ أنَّه أصحُّ الأسانيدِ (١): كالزُّهْرِي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وكمحمد بن سيرين عن عَبِيدَةَ بن عمرو عن علي. وكإبراهيمَ النَّخَعِيّ عن علقمةَ عن ابن مسعود (٢). ودونَها في الرُّتبةِ: كرواية بُرَيْدِ بنِ عبدِ الله بن أبي بُرْدَةَ عن جَدِّه عن أبيه أبي موسى. وكحَمّاد بن سَلَمَةَ عن ثابتٍ عن أنس (٣).

стр. 57

ودونَها في الرُّتبةِ: كسُهَيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة. وكالعلاء بن عبدِ الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة (١). فإنَّ الجميعَ شَمِلَهُم اسمُ "العدالةِ والضبطِ" إلا أنَّ المرتبةَ الأولى فيهم مِنَ الصفاتِ المُرَجِّحَةِ ما يقتضي تقديمَ روايتِهم على التي تليها، وفي التي تَليها من قوةِ الضبطِ ما يقتضي تقديمَها على الثالثة، وهي -أيْ الثالثةُ- مُقَدَّمَةٌ على رواية مَنْ يُعَدُّ ما يَنْفَرِدُ به حَسَنًا: كمحمدِ بنِ إسحاقَ عن عاصمِ بنِ عُمَرَ عن جابر. وعَمْرو بن شُعَيْبٍ عن أبيه عن جَدِّه (٢). وقِسْ على هذه المراتبِ ما يُشْبِهُها. والمرتبةُ الأولى هي التي أَطلقَ عليها بعضُ الأئمةِ أنها أصحُّ الأسانيدِ. والمُعْتَمَدُ عَدَمُ الإطلاقِ لترجمةٍ معينةٍ منها (٣).

стр. 58

نَعَمْ يُسْتَفَادُ مِن مجمُوع ما أَطْلَقَ عليه الأئمةُ ذلك أَرْجَحِيَّتُه على ما لم يُطْلِقُوه. ويَلْتحِقُ بهذا التفاضل ما اتَّفقَ الشيخانِ على تخريجه (١) بالنسبة إلى ما انفردَ به أحدُهما، وما انفردَ به البخاريُّ بالنسبة إلى ما انفرد به مسلمٌ، لاتِّفَاقِ العلماءِ بعدَهما على تلقِّي كتابَيْهِما بالقَبولِ، واختلافِ بعضِهم في أَيِّهما أرجَحُ. فما اتفقا عليه أرجحُ مِنْ هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه. وقد صرَّحَ الجمهورُ بتقديم صحيحِ البخاري في الصِّحَّةِ ولم يوجدْ عن أحدٍ التصريحُ بنقيضِه. وأمّا ما نُقِلَ عن أبي علي النيسابوري (٢) أنه قال: "ما تحتَ أديمِ السماءِ أَصَحُّ من كتاب مُسْلِمٍ" فلمْ يُصَرِّح بكونه أصحَّ من صحيح البخاري لأنه إنما نفى وجودَ كتابٍ أصحَّ من كتاب مسلم، إِذِ المنفيُّ إنما هو ما تقتضيه صيغةُ أَفْعَلَ مِنْ زيادةِ صِحَّةٍ في كتابٍ شاركَ كتابَ مُسْلِمٍ في الصِّحَّةِ يمتازُ بتلك الزيادة عليه ولم يَنْفِ المساواةَ. وكذلك ما نُقِلَ عن بعض المغاربةِ أنّه فَضَّلَ صحيحَ مُسْلِمٍ على صحيح البخاري فذلك فيما يرجعُ إلى حُسْنِ السياق وجَوْدَةِ الوضع والترتيب، ولم يُفْصِحْ أحدٌ منهم بأنَّ ذَلك راجعٌ إلى الأصَحِّيَّة، ولو أَفصحوا به لردَّه عليهم شاهِدُ الوجودِ.

стр. 59

فالصفاتُ التي تدورُ عليها الصِّحَّةُ في كتاب البخاري أَتَمُّ منها في كتابِ مُسْلِمٍ وأَشَدُّ، وشرطُه فيها أقوى وأسَدُّ. أمّا رُجْحانُه من حيثُ الاتصالُ: فَلِاشتراطِه أنْ يكونَ الراوي قد ثَبَتَ له لِقاءُ مَنْ روى عنه ولو مَرَّة، واكتفى مُسْلِمٌ بمُطْلَقِ المُعاصَرَة، وألزمَ البخاريَّ (١) بأنه يحتاجُ ألّا يَقْبَلَ العنعنةَ أصلًا، وما ألزمَهُ به ليس بلازمٍ لأنّ الراويَ إذا ثَبَتَ له اللقاء مرةً لا يجري في رواياتِه احتمالُ ألّا يكونَ سَمِعَ، لأنه يَلْزَمُ من جريانِه أنْ يكونَ مُدَلِّسًا (٢)، والمسألةُ مفروضةٌ في غير المُدَلِّس. وأمّا رُجْحانُه مِنْ حيثُ العدالةُ والضبطُ: فلأنّ الرجالَ الذين تُكُلِّمَ فيهم مِن رجالِ مُسلمٍ أكثرُ عددًا من الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم مِنْ رجالِ البخاري (٣)، مع أنّ البخاريَّ لم يُكْثِرْ مِن إخراجِ حديثِهم، بل غَالِبُهم من شيوخه الذين أَخذ عنهم ومارس حديثَهم، بخلافِ مُسلمٍ في الأمرين. وأمّا رُجحانُه من حيثُ عدمُ الشذوذِ والإعلالِ: فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البخاري من الأحاديث أقلُّ عددًا مما انْتُقِدَ على مسلمٍ (٤).

стр. 60

هذا مع اتفاق العلماءِ على أنَّ البخاريَّ كانَ أجلَّ مِنْ مُسْلمٍ في العلوم، وأعرفَ بصناعةِ الحديثِ منه، وأنَّ مُسلمًا تلميذُه وخِرّيجُه ولم يزلْ يستفيدُ منه ويتَّبِعُ آثارَه، حتى لقد قال الدارقطنيُّ (١): "لولا البخاريُّ لَمَا راحَ مُسلمٌ ولا جاءَ". ومِنْ ثَمَّ أي مِنْ هذه الحيثية -وهي أرجحيَّةُ شرطِ البخاري على غيره- قُدِّمَ صحيحُ البخاري على غيره من الكتب المصنَّفة في الحديث. ثُمَّ صحيحُ مُسلمٍ، لِمُشاركتِه للبخاري في اتفاق العلماءِ على تلقّي كتابهِ بالقَبول أيضًا سِوى ما عُلِّلَ. ثُمَّ يُقَدَّمُ في الأرجحيَّة من حيثُ الأصَحِّيَّةُ ما وافقَه شَرْطُهُما، لأنَّ المرادَ به رواتُهما مع باقي شروط الصحيحِ، ورواتُهما قد حَصَلَ الاتفاقُ على القول بتعديلهم بطريق اللُّزومِ، فهُمْ مُقَدَّمُونَ على غيرِهم في رواياتهم، وهذا أصلٌ لا يُخْرَجُ عنه إلّا بدليل (٢). فإنْ كانَ الخبرُ على شرطِهما معًا كان دونَ ما أخرجَه مُسلِمٌ أو مِثْلَه. وإنْ كان على شرطِ أحدِهما فَيُقَدَّمُ شرطُ البخاري وحدَه على شرط مُسلِمٍ وحْدَهُ تبعًا لأصل كلٍّ منهما، فخَرَجَ لنا من هذا سِتَّةُ أقسامٍ تتفاوتُ درجاتُها في الصِّحَّةِ. وثَمّ قِسمٌ سابعٌ وهو ما ليس على شرطهما اجتماعًا وانفرادًا، وهذا

стр. 61

التفاوتُ إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة (١). أمّا لو رَجَحَ قِسْمٌ على ما هو فوقَه بأمور أخرى تقتضي الترجيحَ فإنه يُقَدَّمُ على ما فوقَه، إذْ قد يَعْرِضُ لِلمَفُوْقِ ما يجعلُه فائقًا، كما لو كان الحديثُ عند مُسلِمٍ مثلًا وهو مشهورٌ قاصِرٌ عن درجة التواتُرِ لكنْ حفَّتْهُ قَرينةٌ صار بها يُفيدُ العِلْمَ، فإنه يُقَدَّم على الحديث الذي يخرجُه البخاري إذا كان فَرْدًا مطلقًا، وكما لو كان الحديث الذي لم يخرِّجاه من ترجمةٍ وُصِفَتْ بكونها أصحَّ الأسانيدِ كمالِكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فإنه يُقَدَّمُ على ما انفردَ به أحدُهما مثلًا، لا سيِّما إذا كان في إسناده مَنْ فيه مَقَالٌ. فإنْ خَفَّ الضبطُ أي قَلَّ -يُقال: خَفَّ القومُ خُفوفًا: قَلُّوا- والمرادُ مع بقية الشروط المتقدِّمة في حدِّ الصحيح فهو الحَسَنُ لِذَاتِه (٢)، لا لِشيءٍ خارجٍ وهو الذي يكون حُسْنُه بسبب الاعتِضَادِ، نحو حديثِ المستورِ إذا

стр. 62

تعددَتْ طُرُقُه، وخَرَجَ باشتراط باقي الأوصافِ الضعيفُ. وهذا القِسْمُ من الحسنِ مشاركٌ للصحيح في الاحتجاج به وإنْ كان دونَه، ومشابِهٌ له في انقسامه إلى مراتبَ بعضُها فوقَ بعض. وبكثرة طُرُقِه يُصَحَّح، وإنما نحكم له بالصحة عند تعدُّدِ الطُّرُقِ، لأنَّ للصورة المجموعة قوةً تَجْبرُ القدرَ الذي قَصُرَ به ضبطُ راوي الحَسَنِ عن راوي الصحيح، ومِنْ ثَمَّ تُطْلَقُ الصِّحَّةُ على الإسناد الذي يكون حسنًا لذاته لو تفرَّدَ إذا تعدَّدَ (١). وهذا حيثُ ينفردُ الوصفُ (٢). فإن جُمِعا أيْ الصحيحُ والحَسَنُ في وصفٍ واحدٍ كقَوْل الترمذي وغيرِه "حديثٌ حَسَنٌ صحيح" فَلِلترَدُّدِ الحاصِلِ من المجتهد في الناقِل، هل اجتمعَتْ فيه شروطُ الصحة أو قَصرَ عنها، وهذا حيثُ يحصلُ منه التفرُّدُ بتلك الرواية. وَعُرِفَ بهذا جوابُ مَنِ استشكلَ الجَمْعَ بين الوصفَيْن فقال: الحَسَنُ قاصِرٌ عن الصحيح، ففي الجمع بين الوصفين إثباتٌ لذلك القصور ونَفْيُه؟؟ ومُحَصَّلُ الجواب: أنَّ تردُّدَ أئمةِ الحديث في حال ناقِلِه اقتضى للمُجتهدِ ألّا يصفه بأحد الوصفين، فيُقال فيه: حَسَنٌ باعتبار وصفه عند قوم صحيحٌ باعتبار وصفه عند قوم، وغايةُ ما فيه أنه حُذِفَ منه حرفُ التردُّدِ لأنَّ حقَّه أنْ يقولَ: "حَسَنٌ أو صحيحٌ"، وهذا كما حُذِفَ حرفُ

стр. 63

العطف من الذي بعدَه (١)، وعلى هذا فما قيل فيه: حَسَنٌ صحيح دونَ ما قيل فيه: صحيحٌ، لأنَّ الجزمَ أقوى من التردُّدِ، وهذا حيثُ التفرُّدُ (٢)، وإلا إذا لم يحصلِ التفردُ فإطلاقُ الوصفين معًا على الحديث يكونُ باعتبار إسنادَين أحدُهما صحيحٌ والآخرُ حَسَن، وعلى هذا فما قيل فيه: حَسَنٌ صحيح فَوْقَ ما قيل فيه صحيحٌ فقط إذا كان فردًا، لأنّ كثرةَ الطُّرقِ تُقَوِّي. فإنْ قيلَ: قد صَرَّحَ الترمذيُّ بأنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أنْ يُرْوَى من غير وَجْهٍ. فكيفَ يقولُ في بعض الأحاديثِ: "حَسَنٌ غريبٌ لا نَعْرِفُه إلّا من هذا الوجه"؟ .. فالجوابُ: أنّ الترمذيَّ لمْ يُعَرِّفِ الحَسَنَ مطلقًا، وإنما عَرَّف نوعًا خاصًّا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حَسَنٌ" من غير صفةٍ أخرى، وذلك أنه يقولُ في بعض الأحاديث: حَسَنٌ، وفي بعضها: صحيحٌ، وفي بعضها: غريبٌ، وفي بعضها: حَسَنٌ صحيح، وفي بعضها حَسَنٌ غريب، وفي بعضها صحيحٌ غريب، وفي بعضها حَسَنٌ صحيحٌ غريب، وتعريفهُ إنما وقع على الأول فقط، وعبارتُه تُرشِدُ إلى ذلك حيثُ قال في آخر كتابه (٣): "وما قُلْنا في كتابنا: حديثٌ حَسَنٌ فإنما أردنا به حُسْنَ إسنادِه عندَنا: كلُّ حديثٍ يُرْوَى لا يكونُ راويه مُتَّهمًا بِكَذِبٍ

стр. 64

ويُرْوَى من غير وجهٍ نحو ذلك ولا يكون شاذًّا فهو عندنا حديثٌ حَسَنٌ". فَعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّفَ الذي يقول فيه: حَسَنٌ فقط، أمّا ما يقولُ فيه حَسَنٌ صحيح، أو حَسَنٌ غريب، أو حَسَنٌ صحيحٌ غريب، فلَمْ يُعَرِّجْ على تعريفه كما لم يُعَرِّجْ على تعريف ما يقولُ فيه: "صحيحٌ" فقط أو "غريبٌ" فقط، وكأنه تَرَكَ ذلك استغناءً لِشُهْرَتِه عندَ أهلِ الفنِّ. واقتَصَرَ على تعريف ما يقولُ فيه في كتابه: حَسَنٌ فقط إمّا لِغُموضِه، وإمّا لأنه اصطلاحٌ جديد، ولذلك قيَّدَهُ بقوله: "عندَنا" ولم يَنْسِبْه إلى أهل الحديث كما فَعَلَ الخَطَّابيُّ (١). وبهذا التقريرِ يندفعُ كثيرٌ من الإيرادات التي طالَ البحثُ فيها ولم يُسْفِرْ وَجْهُ توجيهِها، فَلِله الحمدُ على ما ألْهَمَ وعَلَّم. وزيادةُ راويهما -أي الصحيحِ والحسنِ- مقبولةٌ، ما لم تقعْ منافيةً لرواية مَنْ هو أوثَقُ ممن لم يَذْكُرْ تلكَ الزيادةَ (٢)، لأنَّ الزيادةَ إمّا أنْ تكونَ لا تَنَافِيَ بينها وبين رِواية مَنْ لم يَذْكُرْها فهذه تُقْبَلُ مُطْلَقًا، لأنها في حُكْمِ الحديثِ المُستقِلّ الذي يَنفرِدُ به الثقةُ ولا يرويه عن شيخه غيرُه، وإمّا أنْ تكونَ منافيةً بحيثُ يَلْزَمُ مِنْ قَبولِها رَدُّ الرِّوايةِ الأُخرى (٣)، فهذه التي يقعُ

стр. 65

الترجيحُ بينها وبين مُعَارِضِها فَيُقْبَلُ الراجِحُ وَيُرَدُّ المرجوحُ. واشتَهَرَ عن جمعٍ مِنَ العلماءِ القولُ بقبولِ الزيادة مُطْلَقًا من غير تفصيلٍ، ولا يتأتَّى ذلك على طريق المُحَدِّثين الذين يشترِطُونَ في الصحيح ألّا يكونَ شاذًّا ثم يُفَسِّرونَ الشذوذَ بمخالفة الثقةِ مَنْ هو أوثَقُ منه. والعَجَبُ ممن أغفلَ ذلك منهم مع اعترافه باشتراطِ انتفاءِ الشذوذِ في حدِّ الحديثِ الصحيحِ وكذا الحَسَنِ (١). والمنقولُ عن أئمَّةِ الحديث المتقدِّمينَ كعبدِ الرحمن بن مهدي (٢)،

стр. 66

ويحيى القَطَّان (١)، وأحمدَ بن حنبل، ويحيى بن مَعين (٢)، وعليّ بن المديني (٣)، والبخاري (٤)، وأبي زُرْعَة (٥)، وأبي حاتِم (٦)، والنَّسَائي (٧)، والدارَقُطني، وغيرِهم: اعتبارُ الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يُعْرَفُ عن أحدٍ منهم إطلاقُ قبولِ الزيادة. وأَعْجَبُ من ذلك إطلاقُ كثيرٍ من الشافعية القولَ بقبولِ زيادةِ الثقة، مع أنّ نصَّ الشافعي يَدُلُّ على غير ذلك، فإنه قال -في أثناء كلامه على ما يُعْتَبَرُ به حالُ الراوي في الضَّبط ما نصُّه-: "ويكونُ إذا شرِكَ أحدًا

стр. 67

من الحُفَّاظ لم يخالِفْهُ، فإنْ خالفَه فَوُجِدَ حديثُه أَنْقَصَ كان في ذلك دليلٌ على صِحة مَخْرَجِ حديثه. ومتى خَالَفَ ما وَصَفْتُ أَضَرّ ذلك بحديثه" انتهى كلامه، ومُقتضاهُ أنه إذا خالفَ فَوُجِدَ حديثُه أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثه، فدل على أن زيادَة العَدْلِ عندَه لا يَلزمُ قَبولُها مُطْلَقًا وإنما تُقْبلُ من الحُفَّاظ، فإنه اعتبر أنْ يكونَ حديثُ هذا المُخَالِفِ أَنْقَصَ مِن حديث مَنْ خَالفَه مِنَ الحُفّاظ وجَعَلَ نُقْصَانَ هذا الراوي من الحديث دليلًا على صحته، لأنه يدلُّ على تحرّيه، وجعل ما عدا ذلك مُضِرًّا بحديثه فدخلَتْ فيه الزيادةُ، فلو كانَتْ عندَهْ مقبولةً مُطْلَقًا لم تكُنْ مُضِرَّةً بصاحبها. فَإِن خُولِفَ بأرجحَ منه لمزيد ضَبْطٍ أو كثرةِ عددٍ أو غيرِ ذلك من وجوه الترجيحات فالراجحُ يُقَالُ له: "المحفوظُ". ومُقَابِلُه وهو المرجوحُ يُقَالُ له: "الشاذُّ". مثالُ ذلك: ما رواه الترمذيُّ (١) والنَّسائيُّ وابنُ ماجَهْ (٢) من طريق ابنِ عُيَيْنَة عن عَمْرو بنِ دينارٍ عن عَوْسَجَةَ عن ابن عباسٍ "أَنّ رجلًا تُوُفِّيَ على عهد النبي ﷺ ولم يَدَعْ وارِثًا إلَّا مَولًى هو أَعْتَقَه. . ." الحديثَ (٣)، وتابَعَ

стр. 68

ابنَ عُيَيْنَةَ على وصلِه ابنُ جُرَيْج وغيرُهُ، وخالفَهم حمّادُ بنُ زيد (١)، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجةَ ولم يَذْكُرِ ابنَ عباس. قال أبو حاتِم: "المحفوظُ حديثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ". انتهى. فحمّادُ بنُ زيدٍ من أهل العدالة والضبط ومع ذلك رجَّحَ أبو حاتِم روايةَ مَنْ هم أكثرُ عددًا منه. وعُرِفَ من هذا التقرير أنَّ الشاذَّ: ما رواه المقبول مخالِفًا لِمَنْ هو أولى منه، وهذا هو المُعْتَمَدُ في تعريف الشاذِّ بحسَبِ الاصطلاح. وإنْ وقعتِ المُخَالَفَةُ مع الضَّعْفِ فالرَّاجِحُ يُقَالُ له المعروفُ، ومُقَابِلُه يقالُ له المُنْكَرُ (٢). مِثالُه: ما رواه ابنُ أبي حاتِم (٣) من طريق حُبَيِّبِ بن حَبيب -وهو أخو

стр. 69

حمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المقُرئ- عن أبي إسحاقَ عن العَيْزَار بن حُرَيْثٍ عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أقامَ الصلاةَ وآتَى الزكاةَ وحجَّ وصامَ وقَرَى الضيفَ دَخَلَ الجنَّةَ". قال أبو حاتِم: هو مُنْكَرٌ لأنَّ غيرَه من الثِّقاتِ رواه عن أبي إسحاقَ موقوفًا وهو المعروف. وعُرِفَ بهذا أنَّ بَيْنَ الشاذِّ والمُنْكَرِ عُمومًا وخُصوصًا مِنْ وَجْهٍ (١)، لأنَّ بينهما اجتماعًا في اشتراط المُخالَفَةِ وافتراقًا في أنَّ الشاذَّ رِوايةُ ثِقةٍ أو صَدُوقٍ، والمُنْكَرَ رِوايةُ ضعيفٍ، وقد غَفَلَ مَنْ سَوَّى بينهما (٢)، واللهُ تعالى أعلَمُ. وما تقدَّمَ ذِكْرُه (٣) من الفَرْدِ النِّسْبِي إنْ وُجِدَ بَعْدَ ظَنِّ كَوْنِه فردًا قد وافقَه غيرهُ فهو المتابِعُ بكَسْرِ المُوَحَّدَة. و المتابَعَةُ (٤) على مراتِبَ:

стр. 70

- إنْ حَصَلَتْ للراوي نَفْسِه فهي التامَّةُ. - وإنْ حَصَلَتْ لِشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَه فهي القَاصِرَةُ. ويُستَفَادُ منها التقويةُ. مثالُ المتابَعَةِ: ما رواه الشافعيُّ في "الأمّ" (١) عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمرَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الشهرُ تِسْعٌ وعِشرون، فلا تصوموا حتى تَرَوا الهلالَ، ولا تُفْطِروا حتى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين". فهذا الحديثُ بهذا اللفظ ظَّنَّ قومٌ أنّ الشافعي تفردَ به عن مالك، فعدُّوه في غرائبه، لأنَّ أصحابَ مالِكٍ رَوَوه عنه بهذا الإسناد بلفظ: "فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم فاقْدُروا له". لكنْ وَجدنا للشافعي مُتَابِعًا وهو عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ (٢)، كذلك أخرجَه البخاريُّ (٣) عنه عن مالك، وهذه متابَعَةٌ تامّة. ووجدْنَا له أيضًا متابَعَةً قاصِرَةً في صحيح ابن خُزَيْمَة من رِوايةِ عاصِم بن محمد عن أبيه محمد بن زيدٍ عن جدِّه عبد الله بن عمر بلفظ: "فكَمِّلُوا ثلاثينَ"، وفي صحيح مُسلِمٍ (٤) من رواية عُبَيْد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "فاقْدُروا ثلاثينَ". ولا اقتصارَ في هذه المُتَابَعَةِ -سواءٌ كانَتْ تامّةً أمْ قاصِرَةً- على اللفظ، بل لو جاءَتْ بالمعنى كَفَى، لكنّها مُختصَّةٌ بكونها من رواية ذلك الصحابي.

стр. 71

وإنْ وُجِدَ مَتْنٌ يُرْوَى مِن حديثِ صحابيٍّ آخَرَ يُشْبِهُه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط فهو الشاهِد (١). ومثالُه في الحديث الذي قدَّمْنَاهُ: ما رواه النَّسائيُّ (٢) من رِوايةِ محمد بن حُنَيْن عن ابنِ عباس عن النبي ﷺ فذَكَرَ مِثْلَ حديثِ عبدِ الله بن دينارٍ عن ابنِ عُمَرَ سَواءً، فهذا باللفظ. وأمَّا بالمعنى فهو ما رواه البخاريُّ (٣) من رِواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ: "فإنْ غُمِّيَ عَليْكُم فأَكْمِلُوا عِدَّة شَعْبانَ ثلاثين". وخَصَّ قومٌ المتابعةَ بما حَصَلَ باللفظِ سواءٌ كان من رواية ذلك الصحابيِّ أَمْ لا، والشاهدَ بما حَصَلَ بالمعنى كذلك. وقد تُطْلَقُ المتابعةُ على الشاهِدِ، وبالعكس، والأمرُ فيه سَهْل (٤). واعلَمْ أنّ تَتَبُّعَ الطُّرُقِ من الجوامع والمسانيد والأجزاء (٥) لذلك الحديثِ الذي يُظَنُّ أنه فَرْدٌ ليُعْلَمَ هل له متابِعٌ أم لا هو الاعتبارُ. وقولُ ابنِ الصلاح "معرفةُ الاعتبارِ والمُتابَعات والشواهد" قد يُوهِمُ أنَّ الاعتبارَ قَسِيمٌ لهما (٦)، وليس كذلك بل هو هيئةُ التوصُّلِ إليهما.

стр. 72

وجميع ما تقدَّمَ من أقسام المقبول تَحصُلُ فائدةُ تقسيمهِ باعتبارِ مَراتِبهِ عند المعارَضَةِ، واللهُ أعلَمُ. ثُمَّ المقبولُ ينقسِمُ أيضًا إلى معمولٍ به وغيرِ معمولٍ به، لأنه إنْ سَلِم من المُعارَضَةِ أيْ لم يَأْتِ خبرٌ يُضَادُّهُ فهو المُحْكَم (١)، وأمثلتهُ كثيرة. وإنْ عُورِضَ فلا يخلو إمّا أنْ يكونَ مُعارِضُه مقبولًا مِثْلَه أو يكونَ مردودًا. فالثاني لا أَثَرَ له لأنَّ القويَّ لا يُؤثِّرُ فيه مُخالَفَةُ الضعيف. وإنْ كانَتْ المعارَضَةُ بِمثلِه فلا يخلو إمّا أنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بين مدلولَيْهِما بغَيْرِ تَعَسُّفٍ أو لا، فإنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ فهو النوعُ المُسَمَّى مُختَلِفَ الحديث (٢). ومَثّلَ له ابنُ الصلاح (٣) بحديث: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَة"، مع حديث: "فِرَّ مِنَ المَجْذُوم فِرارَكَ مِنَ الأسد" وكلاهُما في الصحيح وظاهرُهما التعارض. ووَجْهُ الجَمْعِ بينهما: أنّ هذه الأمراضَ لا تُعْدِي بطبعها لكنّ الله جعلَ مُخالَطَةَ المريضِ بها لِلصحيحِ سببًا لإعدائه مَرَضه،

стр. 73

ثم قد يَتخلَّفُ ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. كذا جَمَعَ بينهما ابن الصلاحِ تَبَعًا لغيره. والأَوْلى في الجمع أنْ يُقالَ: إنَّ نَفْيَه ﷺ للعدوى باقٍ على عُمومه، وقد صحَّ قولهُ ﷺ : "لا يُعْدِي شيءٌ شَيْئًا" (١)، وقولُه ﷺ لمن عارضه بأنَّ البعيرَ الأجربَ يكونُ في الإبل الصحيحة فيخالِطُها فتَجْرَبُ، حيث رَدَّ عليه بقوله: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوّلَ؟! ". يعني أنَّ اللهَ ابتدأَ ذلك في الثاني كما ابتدأَهُ في الأول. وأمّا الأمرُ بالفِرَارِ من المَجْذوم فمِنْ باب سَدِّ الذرائع، لئلّا يتفقَ للشخص الذي خالطه شيءٌ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً لا بالعدوى المَنْفِيَّة، فيَظُنَّ أنَّ ذلك بسبب مُخالطَتِه فيعتقدَ صِحةَ العَدْوى فيقعَ في الحَرَج، فأمر بتجنُّبِه حَسْمًا للمادة. واللهُ أعلم (٢). وقد صنَّفَ في هذا النوعِ الشافعيُّ كتابَ "اختلاف الحديث"، لكنه لم يَقْصِدِ استيعابَه، وصنَّفَ فيه بعدَهُ ابنُ قُتَيْبَةَ (٣) والطَّحَاوِيُّ (٤) وَغَيْرُهما. وإنْ لم يُمكنِ الجمعُ فلا يخلو إمّا أن يُعْرَفَ التاريخُ أَوْ لا، فإنْ عُرِفَ وثَبَتَ المُتأخِّرُ به أو بأصْرَحَ منه فهو الناسِخُ والآخرُ المنسوخُ.

стр. 74

والنسخُ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّرٍ عنه. والناسخُ ما دلَّ على الرفع المذكور. وتسميتهُ ناسخًا مجازٌ لأنَّ الناسخَ في الحقيقة هو اللهُ تعالى. ويُعْرَفُ النسخُ بأمور: أَصْرَحُها ما ورد في النص كحديث بُرَيْدَةَ في صحيح مُسْلِمٍ (١): "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ فَزُورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرةَ". ومنها ما يَجْزِمُ الصحابيُّ بأنه مُتَأخِّرٌ، كقول جابرٍ: "كان آخرُ الأمرينِ من رسول الله ﷺ تركَ الوضوءِ ممّا مَسَّتِ النار" أخرجه أصحابُ السُّنَن (٢). ومنها ما يُعْرَفُ بالتاريخ وهو كثير (٣). وليس منها ما يرويه الصحابيُّ المتأخِّرُ الإسلامِ مُعَارِضًا لِمُتَقَدِّمٍ عنه، لاحتمال أنْ يكونَ سَمِعَهُ من صحابىٍّ آخَرَ أقْدَمَ من المتقدِّم المذكور أو مِثْلِهِ فأرْسَلَهُ، لكنْ إنْ وقَعَ التصرِيحُ بسماعه له من النبي ﷺ فيتجه أن يكونَ ناسِخًا بشرطِ أنْ يكونَ لم يَتحمَّلْ عن النبي ﷺ شيئًا قبلَ إسلامه.

стр. 75

وأمَّا الإجماعُ فليس بناسخٍ بل يدلُّ على ذلك (١). وإن لم يُعْرَفِ التاريخُ (٢) فلا يخلو إمّا أنْ يُمكنَ ترجيحُ أحدِهما على الآخرِ بوجهٍ من وُجوهِ الترجيح المُتعلِّقَة بالمَتْن أو بالإِسنادِ أوْ لا. فإنْ أمكنَ الترجيحُ تعيَّنَ المصيرُ إليه، وإلَّا فَلا. فصار ما ظاهِرُه التعارُضُ واقعًا على هذا الترتيب: - الجَمْعُ إنْ أمكَنَ. - فاعتبارُ الناسِخِ والمنسوخِ. - فالترجيحُ إنْ تَعَيَّنَ. - ثُمَّ التوقُّفُ عن العمل بأَحدِ الحديثَين. والتعبيرُ بالتوقُّف أولى من التعبير بالتساقُط، لأنَّ خَفَاءَ ترجيحِ أحدِهما على الآخَرِ إنَّما هو بالنسبة للمعتَبِرِ (٣) في الحالة الراهِنَة مع احتمالِ أنْ يظهرَ لغيره ما خَفِيَ عليه. واللهُ أعْلَمُ (٤).
следующие страницы →