← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصل هذا البحث أطروحة نال بها الباحث درجة الدكتوراه من جامعة القاضي عياض بمراكش المغرب وقد قام بالإشراف على هذا البحث الأستاذ الدكتور الحسين آيت سعيد حفظه الله وكانت لجنة المناقشة مكونة من: الأستاذ الدكتور: محمد الروكي الأستاذ الدكتور: ميمون بريش الأستاذ الدكتور: عبد الرحمن العمراني الأستاذ الدكتور: مصطفى رياح الأستاذ الدكتور: زكرياء المرابط وقد حصل الباحث بهذا البحث على درجة الدكتوراه بميزة: مشرف جدا مع توصية بالطبع.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يسرُّ "مشروع أسفار" أنْ يقدِّم للقارئ الكريم الإصدارَ الثَّاني والعشرين من إصداراتِ المشروع: كتاب (عُيون الأدلَّة) للقاضي ابن القصَّار. إنَّ كتابنا مرجعٌ أصيلٌ في الخلاف العَالي عند المتقدِّمين؛ ذو منزلةٍ بين مصنَّفات الاستدلال، قد لهج أهلُ العلم بذكره وشكره، فمن محاسنهِ الجمَّة: تأثيرهُ الظَّاهِرُ فيمَنْ جاء بعدَهُ، سواء من المالكيَّة أو غيرهم ممن صنَّف في علم الخلاف، أو عُني بمحاكمة الحجج والأدلَّة، من أهل القرن الخامس والسَّادس. نقدِّمهُ مطبوعًا لأوَّل مرَّة بأجزائهِ الموجودة جميعًا -عدا قطعتَين من الفرائض والرَّهن كثيرتَي الطَّمس- محقَّقًا، وأصلهُ رسالةُ دكتوراه قدِّمتْ "لجامعة القاضي عِياض" بمراكش - المغرب، وسبق أنْ طُبعَ منه: (المقدِّمة الأصوليَّة، وكتاب الطَّهارة)، وفي دراسةِ محقِّقنا استدراكٌ موسَّعٌ على مطبوعة (كتاب الطَّهارة) كما ستراه في مقدمته. وتجد في هذه الطبعة بالإضافة لدراسة المحقق المطولة وتحقيقه للمقدمة الأصولية والطهارة: قطعة كبيرة من كتاب الصَّلاة (٥٤ مسألة)، والجهاد (٣٤ مسألة)، والنِّكاح (٣٣ مسألة)، والمعاملات (٣٧ مسألة). وهذه المسائل تقاربُ ضِعفَ المطبوع سابقًا؛ فإنَّ عدد مسائل الطَّهارة (٨٦ مسألة). ويكفي من عظيم شأن (عُيون الأدلَّة) قولُ أبي حامد الإسفراييني فيه:

стр. 3

"ما ترك صاحبُكُم [يعني ابن القصَّار] لقائلٍ ما يقول"، وقال أبو إسحاق الشيرازي: "لا أعرفُ للمالكيَّة كتابًا في الخلاف أحسنَ منه"، لذا اختصرهُ القاضي عبد الوهاب في كتابٍ طبع تارةً باسم: عيون المسائل، وأخرى باسم: عيون المجالس، ولم يحوِ مختصرُهُ من كنوز الأصل إلا قليلًا. وبعدُ؛ فنحمدُ الله على توفيقهِ لطباعة هذا الكتاب الجليل، ونسألهُ سبحانه أنْ يجزي مؤلِّفه ومحقِّقَه خيرَ الجزاء، وأنْ ينعمَ بفضله وبركته على مَنْ تولَّى تمويلَ طباعته، أو سعَى في نَشره. والحمدُ لله ربِّ العالمين. أسفار لنشر نفيس الكتب والرسائل العلمية دولة الكويت

стр. 4

إهداء * إلى الوالدين الكريمين الحميمين، والأبوين الصابرين المحتسبين، من قاداني إلى الخير، ووجهاني إلى سبيل العلم والعرفان، من غمراني بحبهما وحنانهما، أرجو من الله تعالى أن يمتعهما بالصحة والعافية، وأن يجمعني بهما في جنات النعيم. * إلى الأمة الإسلامية الفاضلة وهي تنفض عنها غبار التقليد والرجعية، وتخلع ربقة الجهل، وتتنفس الصعداء، وترفع رأسها إلى السماء، أسأل الله أن يهيئ لها أمر رشد، وأن يهديها سواء السبيل. * * *

стр. 5

شكر وتقدير * إلى أستاذي وشيخي الدكتور الحسين آيت سعيد الذي مهد لي السبيل لخوض كنوز هذا الكتاب العظيم، ولم يبخل علي بنصائحه وتوجيهاته، بل قرأ البحث بتأمل وتتبع، وأفادني بتوجيهات قيمة، وإرشادات مهمة، مع التصحيح والتنبيه إلى دقائق هذا العلم، فجزاه الله عني خير الجزاء. * كما أشكر القائمين على هذه الجامعة التي كانت لنا المكان المناسب، والمهبط المهيأ الملائم لاستكمال هذا العمل العظيم. * وأشكر كل من أعانني بقليل أو بكثير لإخراج وخدمة هذا البحث. * * *

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، والمرسل نعمة من رب الخلق أجمعين، القائل فيما صح عنه من حديثه المبين: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، من نشروا دينه في الآفاق، وجهدوا في تبليغه على كل قدم وساق. والتابعين لهم بإحسان، أولي العلم والفقه والعرفان، السائرين على نهجهم بإيمان وإحسان. أما بعد فإن الله ﵎ خلق الخلق ليعبدوه، وبالإلاهية يوحدوه، ولما كانت عقولهم عن إدراك كيفية عبادته قاصرة، وحاجتهم إليها واضحة ظاهرة، بعث الله إليهم رسله، وأنفذ إليهم أنبياءه وكتبه، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة والحيرة إلى السعادة والحبور. وختمهم بسيد البشر، وإمام من حضر وغبر، فعلم الأمة كيف تعبد ربها، وأرشدها إلى ما يصلح دينها ودنياها، فتفقهت في الدين، وفهمت الأحكام عن رب العالمين، إلى أن توفاه الله وقد بلغ دينه الأمصار، وانتشرت رحمته في كثير من الأقطار.

стр. 7

ثم أخذ المشعل بعده أصحابه الكرام، فقاموا بالدور حق القيام، فعلموا الأمة، وكشفوا عنها الغمة، وأخرجوها بالفقه في الدين من الظلمة. ثم قام بهذا العلم بعدهم التابعون مع أتباعهم، فساروا على نهجهم ودربهم، وتطور الفقه الإسلامي في عهدهم وبعدهم، وزاد انتشارا وذيعا، وكثرت المدارس الفقهية وازدهرت، وفتح باب الاجتهاد أمام العلماء المؤهلين، ليغطي حاجات الأمة الإسلامية التي اتسعت رقعتها، وامتدت سلطتها، ودخل فيها الناس أفواجا، "فكثرت النوازل، وظهر الفقهاء المفتون والقضاة العادلون، فصار للفقه مكان واعتبار، إذ فتحت الأقطار، ومصرت الأمصار، واتسعت بالإسلام الديار، عصر التمدن العربي والتقدم الإسلامي، فنزلت النوازل، وظهرت جزئيات النصوص، التي كانت كامنة بين العموم والخصوص، فاجتهد الفقهاء، واستنبطوا الآراء، وأسسوا المبادئ، وقعدوا وأطلقوا. ورووا السنن، وفسروا القرآن الكريم، فعمموا وخصصوا، وقيدوا وأطلقوا، واستعانوا عليه بالآثار، فجمعوها وفحصوها، وانتقدوا ما انتقدوا منها، وبينوا ما يصلح للدلالة وما فيه قادح، ومارسوا كيفية اندراج الجزئي في الكلي، والخاص تحت العام، وقاسوا النظير على نظيره، والشبيه على شبيهه، وصيروا هذه الأصول علوما وصناعات، لمزيد من الممارسات، لينضبط بذلك الفقه، وينتظم أمر الاجتهاد الذي يتوقف عليه تقدم الأمة وصون حقوقها" (١). _________ (١) الفكر السامي (٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩).

стр. 8

وفي هذا الوقت انتشرت المذاهب الفقهية، والمدارس التي اختارت نمطا في الاجتهاد والاستنباط، كمذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والمذاهب التي انقرضت فيما بعد كمذهب الليث والأوزاعي وغيرها (١)، وكثر الاختلاف بينهم في المسائل الفرعية اختلافا لا بد من وقوعه ووجوده لاختلاف مدارك الفقهاء المجتهدين وأنظارهم. وبعد هذه الحقبة بدأت كثير من المذاهب في الانقراض، ولم يبق منها محفوظا متكاملا إلا المذاهب الأربعة المشهورة، وانتشر كل مذهب منها بقطر معين، فمذهب أبي حنيفة بالكوفة والعراق، ومذهب الشافعي أيضًا بالعراق وبغداد والشام واليمن ومصر فيما بعد، ومذهب أحمد ببغداد ثم بالشام بعد ذلك. وأما مذهب مالك فقد شيد أصوله الإمام مالك بن أنس الأصبحي، ووضع معالمه وضوابطه، وكتب الله له القبول، وهيأ له تلاميذ بررة اعتنوا بأقواله ومذهبه، وتأثروا بمنهجه وطريقته، مما كان له الأثر البليغ في نشر مذهبه، ورفعة مكانته وذيع صيته، فانتشر مذهبه بالمدينة أولا، وغلب عليها وعلى الحجاز كله، ثم انتشر في الأندلس حتى صار المذهب الرسمي للدولة الإسلامية فيها في زمن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، وكان ذلك في حياة الإمام مالك وقريبا من وفاته (٢). _________ (١) وعدة المذاهب المنقرضة تسعة مذاهب: مذهب إسحاق ابن راهويه، أبي ثور، الليث بن سعد، الأوزاعي، الثوري، الحسن البصري، سفيان بن عيينة، ابن جرير الطبري، داود الظاهري، وانقرضت ابتداء مما بعد القرن الرابع. (٢) ترتيب المدارك (١/ ٢٩).

стр. 9

وقام ابن القاسم وأشهب وغيرهما بإرساء معالم المذهب في مصر والذب عنه، بل كانت أول أرض انتشر بها مذهب مالك بعد المدينة (١). وفي إفريقيا وطد دعائمه علي بن زياد وأسد بن الفرات، وجاء فيما بعد سحنون الذي استقر المذهب في عهده هناك. ودخل مذهب مالك أيضًا إلى بغداد، وظهر بها ظهورا كثيرا قويا، وكان أول من وطد دعائمه هناك، ومهد لانتشاره القاضي إسماعيل بن إسحاق، الإمام الجليل، ذو القدر النبيل، الذي كان له الأثر العظيم في انتشار المذهب بتلك المنطقة التي عرفت واشتهرت بمذهب أبي حنيفة وأصحاب الرأي، فقد نشر القاضي إسماعيل من مذهب مالك وفضله ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، وصنف في الاحتجاج له والشرح ما صار لأهل هذا المذهب مثالًا يحتذونه، وطريقا يسلكونه (٢). قال القاضي عياض: "وبه تفقه أهل العراق من المالكية" (٣). وأخذ عن القاضي إسماعيل مجموعة من العلماء، كان من أبرزهم في فقه المذهب ابن المنتاب، وابن بكير، وأبو الفرج القاضي وغيرهم، وتفقه على هؤلاء خلق كثير، كان من أعلاهم منزلة ورتبة الإمام أبو بكر بن صالح الأبهري الذي بقي ستين سنة مدرسا بجامع بغداد، وهي مدة كافية لمزيد من _________ (١) المدارك (١/ ٢٨). (٢) وقد قام الدكتور جمال عزون بجمع اختيارات القاضي إسماعيل في كتاب سماه: الاختيارات الفقهية لشيخ المدرسة المالكية بالعراق. والكتاب طبع في مجلدين. (٣) انظر ترتيب المدارك (٢/ ٢٧٠).

стр. 10

الذيع والانتشار للمذهب، وصنف التصانيف في شرح مذهب مالك والاحتجاج له، والرد على ما خالفه، بل قال ابن مفرج العنسي: كان أبو بكر القيم برأي مالك بالعراق في وقته (١). وتأثر طلبة العلم والعلماء به، وبمنهجه وطريقته، وكان من أبرز تلاميذه الذين لازموه، وتلقوا عنه أصول المذهب وفروعه الإمام أبو الحسن بن القصار، الذي صنف كتابا في الذب عن مذهب الإمام مالك، وبيان حجته ومأخذه، سماه بعيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (٢)، هذا الكتاب الذي تلقاه العلماء بالقبول، والثناء العطر المقبول، حتى قيل فيه: إنه أفضل كتاب مالكي. وقد اخترت أن يكون هذا الكتاب محط نظري، ومحل عنايتي وعملي، وذلك في أطروحة الدكتوراة التي أتقدم بها إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش. وكان من أهم الأسباب التي دعتني إلى اختيار هذا الموضوع: * الاستزادة من العلم والتفقه في الدين. * الإسهام في إخراج التراث المالكي الذي لم يلق إلى الآن العناية اللائقة بمصنفات المنتسبين إليه خصوصا من المتقدمين، وغالب الكتب المنتشرة فيه هي كتب المتأخرين الذين عكفوا على تفريع المسائل، وتفسير _________ (١) ترتيب المدارك (٣/ ٢١٩). (٢) سيأتي بيان الخلاف في عنوانه في الباب الثاني.

стр. 11

كلام الفقهاء من غير بيان حججهم ومستندهم إلا قليلا. * الاطلاع على منهج المتقدمين في عرض المسائل الفقهية وبيان مأخذها. * مكانة كتاب عيون الأدلة في المذهب المالكي خصوصا وفي الفقه الإسلامي عموما. * مكانة ابن القصار الفقهية والعلمية. * غزارة المادة العلمية في الكتاب وتنوعها. والله أسأل أن يجعل هذا العمل موفقا مسددا، خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وخادمه وقارئه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. * * *

стр. 12

خطة البحث جعلت البحث في مقدمة تمهيدية وقسمين، أما المقدمة فذكرت فيها أسباب اختيار الموضوع، وخطة البحث، وأما القسم الأول فخصصته للدراسة وجعلته في بابين، تحدثت في الباب الأول عن معارف عامة عن عصر المصنف سياسيا واجتماعيا وعلميا، وذكر شيء من ترجمته وحياته، وبعض ما يتعلق بمقدمته من الأصول من ذكر اسمها وتحقيق نسبتها له وسبب تأليفها .. ، فحوى هذا الباب ثلاثة فصول. وأما الباب الثاني فخصصته لدراسة مختصرة عن كتاب عيون الأدلة، وجعلته في ستة فصول، تحدثت في الأول عن اسم الكتاب، وتحقيق نسبته للمصنف، وسبب تأليفه، وموضوعه وقيمته العلمية، ومصادره. وتحدثت في الثاني عن بعض الملامح عن منهجه في عرض المسائل والاستدلال، ومنهجه في الاختيار والترجيح، وبعض مناظراته العلمية، وأشرت فيه أيضًا إلى المجهودات المبذولة حول الكتاب، وبعض المآخذ عليه، وختمته بوصف المخطوطات المعتمدة في التحقيق، ومنهجي في تحقيق وخدمة هذا الكتاب. وأما القسم الثاني فهو نص الكتاب محققا.

стр. 13

القسم الأول المخصص للدراسة وفيه بابان الباب الأول: ..... التعريف بالمؤلف. الباب الثاني: دراسة مختصرة عن كتاب عيون الأدلة.

стр. 14

الباب الأوَّل التعريف بالمؤلف الفصل الأوَّل: دراسة عن عصر المصنف الفصل الثَّاني: ترجمة المصنف الفصل الثَّالث: دراسة المقدمة من الأصول في الفقه

стр. 15

الفصل الأوَّل دراسة عن عصر المصنف المبحث الأول الحالة السياسية من المعلوم أن الإنسان ابن بيئته، ويتأثر بواقعه، لذا يحسن قبل أن نخوض في الحديث عن ترجمة المصنف أن نصور الحالة السياسية والاجتماعية والعلمية التي عاش فيها ﵀. أما عن الحالة السياسية فقد عاش المصنف فى عهد العباسيين الذين دامت دولتهم أكثر من خمسة قرون (من سنة ١٣٢ هـ إلى سنة ٦٥٦ هـ)، واتسعت الخلافة الإسلامية وازدهرت، وتقدمت تقدما عظيما، إلا أن هذا التقدم والازدهار لم يلبث أن تلاشى شيئًا فشيئا، وبدأ البساط ينسحب من تحت أقدام العباسيين، وكثرت النزاعات والانقسامات، ودخلت القرامطة بلاد المسلمين فأفسدت إفسادا عظيما، وظهر بنو بويه في سنة (٣٣٤ هـ) حيث دخل معز الدولة أحمد بن الحسن بن بويه في جحافل عظيمة من الجيوش قاصدا بغداد، فلما اقترب منها بعث إليه الخليفة المستكفي بالله الهدايا والإنزالات، ليستميله، وبايعه فيما بعد وسماه بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن بعماد الدولة، وأخاه أبا علي الحسن بركن الدولة، وكتب ألقابهم على الدراهم والدنانير، ولم يعد للخليفة أثر في تسيير الدولة، ولم

стр. 16

يبق له أمر ولا نهي ولا وزير أيضًا، وإنما يكون له كاتب على أقطاعه، وإنما الدولة ومورد المملكة ومصدرها راجع إلى بني بويه. وبنو بويه من الديلم، كان فيهم تعسف شديد، وكانوا يرون أن بني العباس قد غصبوا الأمر من العلويين، حتى عزم معز الدولة على تحويل الخلافة إلى العلويين، وقام باعتقال الخليفة، وأدخله السجن حتى مات فيه سنة (٣٣٨ هـ)، واستقرت له الأمور مدة من الزمن بعد أن مكر بناصر الدولة بن حمدان الذي قصد بغداد من الموصل، وهزمه، ونهب بغداد وما قدر عليه من أموال التجار وغيرهم، ثم وقع الصلح بين ناصر الدولة ومعز الدولة، ورجع ابن حمدان إلى بلده الموصل، واستقر أمر معز الدولة ببغداد، واتسعت مملكة بني بويه جدا، فإنه صار في أيديهم أعمال الري والجبل وأصبهان، وفارس، والأهواز، والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل وديار ربيعة من الجزيرة وغيرها. وفي الوقت نفسه صار الفاطميون يحكمون مصر والحجاز والشام والمغرب واليمن وغيرها، وبدأ الأمويون بإقامة دولتهم بالأندلس، فصارت الدولة الإسلامية يتنازعها دويلات مستقلة بعدما كانت في يد خليفة واحد، وقامت حروب بسبب ذلك بين هذه الدويلات، والله المستعان. وقد جلس على كرسي الخلافة في هذا القرن ثمانية من الخلفاء العباسيين، وهم: * المقتدر بالله (٢٩٥ هـ ٣٢٠ هـ)

стр. 17

* القاهر بالله (٣٢٠ هـ ٣٢٢ هـ)، وفي عهده بدأت الدولة البويهية تظهر. * الراضي بالله (٣٢٢ هـ ٣٢٩ هـ)، وكانت أيامه مليئة بالاضطرابات، وفي عهده سيطر البويهيون على الدولة. * المتقي بالله (٣٢٩ هـ ٣٣٣ هـ) * المستكفي بالله (٣٣٣ هـ ٣٣٤ هـ) * المطيع بالله (٣٣٤ هـ ٣٦٣ هـ) وكان عهده عهد فتنة بين الحمدانيين والبويهيين من جهة، وبين السنة الشيعة من جهة أخرى. * الطائع لله (٣٦٣ هـ ٣٨١ هـ) وكان عهده عهد قوة السلاجقة ببغداد، وضعف البويهيين، قال الذهبي في أحداث عام ٣٧٦ هـ: "شرعت دولة بني بويه تضعف" (١). * القادر بالله (٣٨١ هـ ٤٢٢ هـ)، ووصفه الخطيب البغدادي بأنه كان من أهل الديانة والتهجد وكثرة الصدقات مع حسن المذهب، وصحة الاعتقاد (٢). وفي عهده أخذت الدولة الإسلامية تتسع على يد سبكتكين وابن محمود (٣). _________ (١) العبر في أخبار من غير (٣/ ٣). (٢) تاريخ بغداد (٤/ ٣٧). (٣) من مقدمة مصطفى مخدوم (١٧ - ١٨) وانظر أيضًا الدولة العباسية لمحمد الخضري (٣٠٧ - ٣٦٥).

стр. 18

المبحث الثاني الحالة الاجتماعية الحالة الاجتماعية تتبع الحالة السياسية، وهي واجهة لها، فقد انعكس الوضع السياسي على الوضع الاجتماعي، واضطرب باضطرابه، ففي سنة (٣٣٤ هـ) مثلا وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب، وكثر الوباء في الناس حتى كان لا يدفن أحد أحدا، بل يُتركون على الطرقات فيأكل كثيرا منهم الكلابُ، وبيعت الدور والعقار بالخبز، وانتجع الناس إلى البصرة، فكان منهم من مات في الطريق، ومنهم من وصل إليها بعد مدة مديدة. وفي سنة (٣٥٢ هـ) أمر معز الدولة بأن تغلق الأسواق، وأن يلبس النساء المسوح من الشعر، وأن يخرجن في الأسواق حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن، يلطمن وجوههن ينحن على الحسين بن علي بن أبي طالب، ولم يمكن أهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وظهورهم وكون السلطان منهم. وفيها أيضًا أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشرط فرحا بعيد الغدير -غدير خم-، فكان وقتا عجيبا مشهودا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة. وفي محرم سنة (٣٧٨ هـ) كثر الغلاء والفناء ببغداد إلى شعبان، وكثرت الرياح والعواصف، بحيث هدمت كثير من الأبنية، وغرق شيء كثير من السفن.

стр. 19

إلى غير ذلك مما وقع في بغداد من مثل هذا الهول، مما يقرب لك صورة الحالة الاجتماعية التي آلت إليها بغداد، والوضع المزري الذي صارت إليه. والمقصود أن القرن الرابع عاش اضطرابا سياسيا خطيرا، وحالة اجتماعية لا تحمد. هذا مع بعض الفتوحات التي قام بها سبكتكين وابنه محمود في بلاد الهند، وبعث معز الدولة سنة (٣٦٢) جيشا عظيما لغزو الروم فهزموهم. وقد عاش القاضي ابن القصار تحت حكم دولة البويهيين التي دامت إلى سنة (٤٤٧ هـ) (١). المبحث الثالث الحالة العلمية البيئة العلمية التي عاش فيها ابن القصار كانت بيئة مزدهرة جدا بالعلم والعلماء، ولم تمنع هذه الأحداث من تخرج العديد من الجهابذة والفقهاء، وإن نظرة في تاريخ بغداد للخطيب تعطينا صورة واضحة عن الرقي العلمي الذي شهدته بغداد، ويكفي أن أورد لك بعض الأئمة الذي برزوا في هذا القرن، واشتهروا فيه بالعلم والفضل: * أبو الحسن الدارقطني المتوفى سنة (٣٨٥ هـ) * أبو الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٣٠ هـ) _________ (١) انظر في كل هذا البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٢٧٥ - ٤٣٢).

стр. 20

* أبو بكر الجصاص الحنفي المتوفى سنة (٣٤٠ هـ) * أبو القاسم الخرقي الحنبلي المتوفى سنة (٣٣٤ هـ) * القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة (٤٠٣ هـ) * أبو بكر بن الأنباري المتوفى سنة (٣٢٨ هـ) * أبو القاسم بن الجلاب المتوفى سنة (٣٩٨ هـ) * أبو الفتح بن جني المتوفى سنة (٣٩٢ هـ) وغيرهم كثير، وإن كان هذا القرن طلع علينا بالتعصب المذهبي، والتقليد الأعمى، ونقص في حركة التحرر الفكري. * * *

стр. 21

الفصل الثاني ترجمة المصنف (١) المبحث الأول اسمه ونسبه ونشأته ومذهبه ووظائفه هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي، المشهور بابن القصار (٢)، والقصار فاعل من القِصارة، وهي صناعة، يقال: قصرت الثوب بيضته (٣). _________ (١) مصادر الترجمة: * تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠ - ٤١) * طبقات الفقهاء للشيرازي (١٦٨) * تاريخ الإسلام للذهبي أيضًا (٩/ ١٨٨ - ١٨٩) * العبر في خبر من غبر (٣/ ٦٤) * شذرات الذهب (٣/ ٢٨٤) * الوافي بالوفيات للصفدي (١٧/ ٢٤٨) * شجرة النور الزكية (١/ ١٣٨) * معجم المؤلفين (٢/ ٣٩١) * تاريخ التراث العربي لسزكين (١/ ١٧٣) * استدراكات على تاريخ التراث العربي (٥/ ١٧٧). * ترتيب المدارك (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦) * سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠٧) *الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٠٠) * الكامل لابن الأثير (٨/ ٤٧) * النجوم الزاهرة (٤/ ٢١٧) * الفكر السامي للحجوي (٣/ ١٤٤) * هدية العارفين (١/ ٦٨٩) (٢) تنبيه: هناك أبو الحسن بن القصار آخر، وهو علي بن محمد بن عمر الرازي الفقيه الشافعي. انظر ترجمته في شذرات الذهب (٣/ ٢٨٤). واشتهر بابن القصار أيضًا الحافظ ابن عدي صاحب الكامل، ذكر ذلك الصنعاني في سبل السلام (١/ ٢٠٠). (٣) وفي اللسان (قصر): "وقصَر الثوب قصارة عن سيبويه، وقصَّره، كلاهما حوّره ودقه، ومنه =

стр. 22

وكل من ترجم لابن القصار يذكر نسبته لبغداد، وهذا يدل على أن بغداد هي موطنه الأصلي، وفيها تربى وترعرع، وخاصة إذا علم أن وفاته أيضًا ببغداد. ولم تذكر التراجم شيئًا عن نشأته وولادته وأفراد عائلته، وما ذكرته من شهرته بابن القصار ينبئ أن أباه أو أحد أجداده كان مشهورا بالقصارة، وهذا يدل على أن ابن القصار نشأ في بيت فقير أهله، خامل ذكره، ولعل هذا يكون من أهم الأسباب التي جعلتنا لا نعرف شيئًا عن مولده ولا نشأته، ولم يتعرض من ترجموا له لشيء من ذلك، ومع ذلك فلا يمكن اعتبار هذا هو السبب الوحيد لهذا الأمر؛ لأن العالم إذا اشتهر في الآفاق اشرأبت لمعرفته الأعناق، وتساءل الناس عن أصل هذا العالم ونشأته وعائلته، وكيف تربي وترعرع وتعلم، حتى يصير ذلك مشهورا عند العامة بله الخاصة، ومن تأمل حال كثير من المترجَمين وجد الأمر كذلك؛ لأن الإنسان عندما يولد لا يعرف هل يصير له شأن أو لا، وهل يكون من العلماء أو المشهورين أو لا، لكن بعدما يصلون إلى تلك الدرجات، ويبلغون تلك المراتب العليات يميل الناس إلى البحث عن أصلهم ومنشئهم، إذ العادة في الناس بذلك جارية، وفي نفوسهم سارية، ولو من باب حب الفضول عند بعضهم، وعند البعض الآخر من باب التأسي والاستفادة من كيفية التربية ومراحلها وطرقها الموصلة إلى ذلكم المقام العلي، والذكر الشذي (١). _________ = سمي القصار، وقصرت الثوب تقصيرا مثله، والقصار والمقصر المحوِّر للثياب؛ لأنه يدقها بالقصَرة التي هي القطعة من الخشب، وحرفته القصارة، والمقصرة خشبة القصار". (١) انظر ما ذكره الحجوي حول أهمية هذه الحقبة في تكوين العالم في الفكر السامي (١/ ١٢).

стр. 23

وأما عن رحلاته العلمية فلم تذكر التراجم شيئًا عن ذلك، مع أن عادة العلماء كانت جارية بالرحلة في طلب العلم، والاستفادة من علماء الأمصار، والتنويع في الأخذ، وقد ذكر المصنف أنه التقى بأبي حامد الإسفراييني بالبصرة، وهذا يدل على أنه رحل إلى البصرة، وأخذ عن علمائها، ولم أجد شيئًا في هذا الباب غير هذا. وهذا كله إنما هو محاولة للتنقيب عن الأسباب التي جعلت مصادر الترجمة تضن بأخبار هذا الإمام، مع سعة علمه، ورسوخ قدمه، وذيع صيته، وما ذكرته من الأسباب لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل، وعليه فيبقى السؤال، ولا يزول الإشكال، والله أعلم بحقيقة الحال. تنبيه: جل من ترجم لابن القصار يذكر اسم أبيه واسم جده، فهو علي بن عمر بن أحمد، وقد يكتفي البعض بذكر اسمه واسم جده فقط، فيقول: علي بن أحمد، كما فعل مخلوف والحجوي وغيرهما. وإنما نبهت على هذا حتى لا يظن أنهما رجلان، وقد وقع هذا الخطأ لصاحب كتاب معجم المؤلفين، حيث ترجم للمصنف (٢/ ٣٩١) بقوله: علي بن أحمد البغدادي المعروف بابن القصار، أبو الحسن فقيه أصولي، ولي قضاء بغداد، من آثاره: عيون الأدلة وإيضاح الملة في الخلافيات، وأرخ وفاته سنة ٣٩٨ هـ، وترجم له في (٢/ ٤٨٠) بقوله: علي بن عمر بن أحمد البغدادي المالكي المعروف بابن القصار، أبو الحسن فقيه من القضاة، تفقه بأبي بكر الأبهري، وتوفي في ثامن ذي القعدة، من آثاره: عيون الأدلة وإيضاح الملة في مسائل الخلاف، وأرخ وفاته سنة (٣٩٧ هـ).

стр. 24

ففي الترجمة الأولى نسبه إلى جده، وفي الثانية إلى أبيه، ففرق بينهما والمترجَم واحد كما علمت. تنبيه ثان: قدمت أن الموطن الأصلي لابن القصار هو بغداد، إلا أن هذا قد يعكر عليه ما ذكره مخلوف في شجرة النور بقوله: "الأبهري الشيرازي"، فالأبهري -بفتح الألف وسكون الباء منقوطة بواحدة وفتح الهاء، وفي آخرها الراء المهملة-: هذه النسبة إلى موضعين: أحدهما: إلى أبهر، وهي بلدة بالقرب من زنجان، خرج منها جماعة كثيرة من الفقهاء المالكية والمحدثين والصوفية والأدباء، وفيهم كثرة. والثاني: منسوب إلى قرية من قرى أصبهان، اسمها أبهر (١). وإذا علمت أن شيخه أبا بكر الأبهري من الأولى فالظاهر أن المصنف كذلك والله أعلم. وأما الشيرازي - بكسر الشين المعجمة، الياء الساكنة آخر الحروف، والراء المفتوحة بعدها الألف، وفي آخرها الزاي - فنسبة إلى شيراز، وهي قصبة فارس ودار الملك فيها (٢). فإن صح ما ذكره مخلوف فيكون موطن ولادته بلاد فارس، ثم هاجر إلى بغداد فيما بعد مع أفراد أسرته، وإن كان هذا لم أجده إلا عند مخلوف، وهو متأخر جدا عن عصر المصنف، فلا أظنه يصح مع أن معاصريه أو من بعدهم بقليل لم يشيروا إلى شيء من هذا كالخطيب البغدادي مثلا. _________ (١) انظر الأنساب للسمعاني (١/ ٧٧ - ٧٩). (٢) المصدر السابق (٣/ ٤٩١)

стр. 25

مذهبه أما مذهبه الفقهي فلا خلاف أنه مالكي المذهب، تفقه على علمائه، وتشبع به، وعنه نافح ودافع، وكتابه الذي بين أيدينا هو في نصرة مذهب مالك كما سيأتي. وظائفه لا خلاف أيضًا بين المترجمين له أن الوظائف التي تقلدها ابن القصار واشتهر بها هي ولايته قضاء بغداد، وقد عبر عن ذلك القاضي عياض بقوله: "ولي قضاء بغداد"، وقال مخلوف: "قاضي بغداد"، والتعبير الثاني أدل على طول زمن ولايته لهذه المهمة، وسيأتي معك في أثناء الكتاب تكرار لفظة: قال القاضي أبو الحسن، أو قال القاضي، وهذا يدلك على شهرته بذلك حتى صار علما له. المبحث الثاني شيوخه لم تذكر التراجم إلا شيخين لابن القصار بأسمائهما، أحدهما أبو بكر الأبهري، والآخر علي بن المفضل السامري. أما الأبهري فهو محمد بن عبد الله بن صالح، أبو بكر الأبهري، من كبار علماء المالكية وإمامهم في وقته، كان ثقة أمينا مشهورا، انتهت إليه الرئاسة في مذهب مالك، وكان معظما عند علماء سائر وقته، لا يشهد محضرا إلا كان المقدم فيه، بقي في جامع المنصور ببغداد ستون سنة يدرس الناس

стр. 26

ويفتيهم، ويعلمهم سنة النبي ﷺ ، توفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وقد ترجم له عياض في ترتيب المدارك (٣/ ٢١٨) بترجمة وافية، ويعد أحسن شيوخ ابن القصار وأجلهم، وكل من ترجم لابن القصار يذكر الأبهري في شيوخه، بل بعضهم اكتفى به فقط كما فعل عياض، ولعل طول المدة التي بقي فيها مدرسا بجامع المنصور أحد الأسباب المهمة التي جعلت ابن القصار يلازمه، هذا مع علو كعبه في العلم، وخضوع أهل زمانه له، واعترافهم بفضله وعلو قدره. وأما السامَري فهو أبو الحسن علي بن المفضل السامَري (١)، ويقال أيضًا: السُّتُوري (٢)، ونقل الخطيب عن العتيقي قوله فيه: ثقة، ما سمعت شيوخنا يذكرونه إلا بجميل، وتوفي سنة ٣٤٣ هـ (٣). وقد روى عنه ابن القصار حديث: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك" (٤)، وسمعه من ابن القصار الخطيبُ كما ذكر ذلك في تاريخه (٥)، وسمع منه أحاديث أخر، ذكر ابن الغريق في مشيخته أربعة منها وأثرا عن الأعمش، ساقها الشيخ مصطفى مخدوم في تحقيقه _________ (١) والسامري -بفتح السين المشددة والميم والراء المشددة أيضًا-: هي نسبة إلى بلدة على الدجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخا، يقال لها، سُرَّ من رأى، فخففها الناس وقالوا: سامرة، وقيل غير ذلك. انظر الأنساب (٣/ ٢٠٢). (٢) بضم السين المهملة، والتاء المنقوطة باثنتين من فوقها، وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى الستر، وجمعه الستور، وهذه النسبة إما إلى حفظ الستور والبوابية على ما جرت به عادة الملوك، أو حمل أستار الكعبة. الأنساب (٣/ ٢٢١). (٣) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (١٢/ ٤٧) وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٤٧). (٤) أخرجه الترمذي (٣٥٥٠) وقال: حسن غريب. (٥) (١٢/ ٤١).

стр. 27

للمقدمة نقلا عن مشيخة ابن الغريق (١)، وهي: ١ - قال ابن الغريق: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر المعروف بابن القصار المالكي الفقيه، قراءة عليه، قال: حدَّثنا أبو الحسن علي بن مفضل بن إدريس السامري، إملاء في مسجده باب الشام، قال: حدَّثنا أبو علي الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي بسر من رأى، قال: حدثني إبراهيم بن محمد المدني، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "سدوا هذه الأبواب الشوارع التي في المسجد إلا باب أبي بكر، فإني لا أعلم رجلًا من الصحابة أحسن يدا من أبي بكر" (٢). ٢ - قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر، قال: حدَّثنا علي بن الفضل، قال: حدَّثنا الحسن بن عرفة، قال: حدَّثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعمار أمتي … " الحديث المتقدم قبل قليل. ٣ - وقال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر، قال: حدَّثنا علي بن الفضل، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد القرشي، قال: حدَّثنا أبو معاوية، قال: حدَّثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فقال لي: يا عبد الله بن قيس! ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة، قلت: بلى، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله (٣). _________ (١) مشيخة ابن الغريق - مخطوط - الجزء الثاني، ورقة (٥٥)، وهي من مصورات الجامعة الإسلامية برقم (١٥١٥) وأصلها في الظاهرية. (٢) أخرجه بهذا اللفظ الدارمي (٨١)، وأخرجه البخاري (٤٦٧) وأحمد (١/ ٢٧٠) بلفظ "سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر". (٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٩) ومسلم (٢٧٠٤/ ٤٧).

стр. 28

٤ - وقال: أخبرنا أبو الحسن علي، قال: حدَّثنا علي بن الفضل، قال: حدَّثنا إبراهيم البلدي، قال: حدَّثنا محمد بن بشر، قال: حدَّثنا الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين" (١). ٥ - وقال: سمعت أبا الحسن علي بن عمر القصار المالكي يقول: سمعت علي بن الفضل السامري يقول: سمعت أحمد بن الهيثم البزار يقول: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: سمعت الأعمش يقول: "معاتبة الأحمق نفخ في تلبيه" (٢). والظاهر أن تتلمذ ابن القصار على السامري إنما هو مجرد سماع ورواية، وإليه جنح مصطفى مخدوم، ويشير إليه قول الذهبي: "حدث عن علي بن الفضل الستوري وغيره"، وصيغة التحديث مؤذنة بذلك، وكذا عبارة القاضي عياض: "يروي عن أبي الحسن علي بن المفضل السامري"، والله أعلم. ولم يذكر المترجمون غير هذين الشيخين لابن القصار باسميهما، وهذا لا يعني أنه ليس له شيوخ غيرهما، وعبارة مخلوف توحي بذلك حينما قال: تفقه بأبي بكر الأبهري وغيره، وإن كانت عبارة القاضي عياض اقتصرت على ذكر الأبهري فقط بقوله: تفقه على أبي بكر الأبهري، وهذا دال على اختصاصه بالأبهري وملازمته له، في حين أن الخطيب اكتفى بذكر سماعه من السامري فقط. _________ (١) أخرجه الترمذي (٣٦٦٤) من حديث أنس، وأخرجه أيضًا (٣٦٦٦) وابن ماجه (٩٥) من حديث علي، وقال الترمذي في حديث أنس: حسن غريب. (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣٤٦).

стр. 29

المبحث الثالث تلاميذه تخرج على يد ابن القصار تلاميذ نجباء، وطلبة أذكياء، وعلماء أجلاء، ذكرت التراجم خمسة منهم: ١ - عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك، أبو محمد الفقيه المالكي، كان فقيها متأدبا شاعرا، سكن بغداد، وفيها تفقه، ثم خرج منها إلى مصر بعد أن ضاقت عليه بغداد (١)، وأنشد في ذلك شعرا قال فيه: سلام على بغداد في كل موطن … وحق لها مني سلام مضاعف لعمرك ما فارقتها عن قلى لها … وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي برحبها … ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخل كنت أهوى دنوه … وأخلاقه تنأى به تخالف ويروى له أيضًا: بغداد دار لأهل المال طيبة … وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشي في أزقتها … كأنني مصحف في بيت زنديق حدث عن أبي بكر الأبهري، وتفقه على ابن القصار، وأبي القاسم بن الجلاب، ودرس الفقه والأصول والكلام على القاضي أبي بكر الباقلاني، _________ (١) واختلف في سبب هذه الضائقة، فقيل: ضائقة مادية، وقيل: خوفا من أتباع الشافعي لكلام صدر منه فيه. انظر مقدمة الإشراف لمشهور حسن سلمان (١/ ١٤ - ١٧).

стр. 30

وصحبه، وألف في المذهب والخلاف والأصول تواليف بديعة مفيدة، ذكر القاضي عياض عدة منها. وقد تأثر القاضي أبو محمد بشيخه ابن القصار في الفقه، ونقل عنه اختيارات له في كتابه الإشراف، وقام باختصار كتابه عيون الأدلة، في كتاب سماه: عيون المجالس، سيأتي الحديث عنه، والظاهر أيضًا أن تأثره بابن القصار أكثر من تأثره بابن الجلاب، ويدلك على ذلك ما نقله الأبي في إكمال الإكمال أن ابن الجلاب رأى أن الإقبال والإدبار في مسح الرأس تكرير، والتكرير مكروه، فاختار صفة معينة في المسح، فقال القاضي عبد الوهاب: لقيته ببعض أزقة بغداد، فسألته: لم تختار هذه الصفة؟ فقال: إنما اخترتها لئلا يتكرر المسح، فأخبرت بذلك شيخنا أبا الحسن بن القصار فقال: إنما التكرار المكروه ما كان بماء جديد، فابن القصار قد سلم أنه تكرار (١). وفي هذا الخبر تتجلى عدة أمور: ١ - حرص القاضي عبد الوهاب على التفقه، ومعرفة مدارك الأحكام، بحيث يدفعه ذلك الحرص إلى سؤال ابن الجلاب عن هذه المسألة أثناء لقاء عارض في بعض أزقة بغداد. ٢ - ثقته بفقه ابن القصار وعلمه، بحيث يراجعه في اختيار ابن الجلاب، ويعرض عليه ذلك القول مسترشدا. ٣ - اعتزازه بتتلمذه لابن القصار بحيث يكنيه ويصفه بقوله: شيخنا أبا الحسن بن القصار. _________ (١) إكمال الإكمال (٢/ ٢٠).

стр. 31

٤ - دقة فقه ابن القصار واستقلاليته في الفتوى، بحيث إنه لم يتابع رفيقه ابن الجلاب على ما قال (١). وتوفي القاضي عبد الوهاب بمصر سنة ٤٢٢ هـ، يقال من أكلة اشتهاها (٢). ٢ - أبو ذر الهروي، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن غُفير بن عرك، أصله من هراة، وتمذهب بمذهب مالك، ولقى جلة من أعلامه، وأخذ عنهم، كالقاضي أبي الحسن بن القصار، وأبي بكر الأبهري، وابن عباس البغدادي، وأبي إسحاق الدينوري، واشتغل في الحديث فتقدم في إمامته، وغلب عليه، كان ثقة ثبتا متفننا، واسع الرواية، متحريا في سماعه، كثير المعرفة في الصحيح والسقيم وعلم الرجال، حسن التأليف في ذلك، توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (٣). ٣ - أبو الفضل محمد بن عبيد الله بن أحمد بن عمروس البغدادي، إمام فاضل، درس على القاضي أبي الحسن بن القصار، والقاضي أبي نصر، وحمل عنهما كتبهما، كان أحد الفقهاء ببغداد على مذهب مالك، وكان من حفاظ القرآن ومدرسيه، سمع من ابن حبابة وابن شاهين، وكان ثقة دينا مشهورا، وإليه انتهت الفتوى بمذهب مالك ببغداد، توفي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة (٤). _________ (١) أفاده الأستاذ مصطفى مخدوم في تحقيقه للمقدمة (٤٥). (٢) انظر ترجمته في تاريخ بغداد (١١/ ٣٢) ترتيب المدارك (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٣) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٣١). (٣) من ترتيب المدارك باختصار (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٧). (٤) انظر تاريخ بغداد (٣/ ١٤٥) ترتيب المدارك (٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨).

стр. 32

٤ - محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن المهتدي بالله، المعروف بابن الغريق، وهو إمام محدث، سمع الدارقطني وأبا حفص بن شاهين وابن حباية، قال عنه الخطيب: "كتبت عنه، وكان فاضلا نبيلا ثقة صدوقا". توفي سنة (٤٦٥ هـ) (١) ٥ - إسماعيل بن الحسن بن علي بن عتاس: بتاء باثنتين من فوق، من فقهاء بغداد المالكيين، روى عنه أبو ذر، وذكره في معجمه، وقال: لقيته ببغداد وقرأت عليه، وكان لا بأس به، وقال: أخبرني أنه درس على الأبهري قبل ابن القصار (٢). هذا ما تيسر العثور عليه من تلاميذ القصار ممن ذكر باسمه، وأما من لم يذكر اسمه فكثير، والله أعلم. المبحث الرابع ثناء العلماء عليه قال فيه أبو ذر الهروي: "هو أفقه من لقيت من المالكيين، وكان ثقة قليل الحديث" (٣). نقل عياض عن القاضي عبد الوهاب: تذاكرت مع أبي حامد الإسفراييني الشافعي في أهل العلم، وجرى ذكر أبي الحسن بن القصار، وكتابه في الحجة _________ (١) "تاريخ بغداد" (٣/ ٣٢٣) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٩٥). (٢) تريبب المدارك (٣/ ٣٧٦). (٣) "تاريخ بغداد" (١٢/ ٤٠ - ٤١).

стр. 33

لمذهب مالك، فقال لي: ما ترك صاحبكم لقائل ما يقول (١). وقال الشيرازي: وله كتاب في مسائل الخلاف كبير، لا أعرف لهم كتابا في الخلاف أحسن منه (٢). وقال مخلوف: الإمام الفقيه الأصولي الحافظ النظار .. وقال بعضهم نقلا عن معالم الإيمان: يقال: لولا الشيخان: أبو محمد بن أبي زيد وأبو بكر الأبهري، والمحمدان: محمد بن سحنون ومحمد بن المواز، والقاضيان: أبو الحسن بن القصار وأبو محمد عبد الوهاب لذهب المذهب المالكي (٣). وفي وصفه له بالحافظ نظر، وقد وصفه بذلك أيضًا ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (٤)، ولم يعرف ابن القصار بعناية كبيرة بالحديث، أعني من جهة الرواية بالسند، وحسبه في ذلك أن يكون مشاركا فيه، والحافظ عند المحدثين له شروط ثلاثة ذكرها الحافظ في النكت على ابن الصلاح، وهي: ١ - الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ٢ - المعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم. ٣ - المعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار كثير من المتون. _________ (١) ترتيب المدارك (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦). (٢) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٦٨). (٣) شجرة النور (١/ ١٣٨). (٤) (٤/ ٢١٧).

стр. 34

فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظا (١). ومن تتبع كتاب ابن القصار هذا، ومصادر ترجمته علم أن ابن القصار ﵀ لم يكن له كثير رواية للحديث، وقد تقدم عن أبي ذر الهروي وهو من تلاميذ ابن القصار وصفه له بقوله: "وكان ثقة قليل الحديث"، وقد نقله عنه الشيرازي والخطيب وغيرهما، وأبو ذر أعرف بشيخه من هؤلاء المتأخرين، وهو من أهل الصنعة الحديثية الذين لا يخفى عليهم مثل هذا، على أنني لم أجد له أيضًا من الرواية إلا ما تقدم ذكره عن مشيخة ابن الغريق (٢). والظاهر أن من وصفه بالحافظ لا يقصد المعنى الاصطلاحي، وإنما يقصدون الحافظ للعلم، الضابط لمسائله، وابن القصار كذلك، وكتابه هذا شاهد على كثرة حفظه للأحاديث واستحضار متونها، بل وأسانيدها في كثير من الأحيان، والله أعلم. * * * _________ (١) النكت على ابن الصلاح (١/ ٢٦٨) وانظر للاستزادة توجيه العناية لتعريف علم الحديث رواية ودراية لعبد الله بن الصديق الغماري، وأمراء المؤمنين في الحديث ص (١٢٦ - ١٣٦) لعبد الفتاح أبي غدة. (٢) قد يحتمل قوله "قليل الحديث" أن يكون المقصود به أنه قليل الكلام، ويكون بذلك مدحا فيه، فهو قليل الكلام فيما لا ينفع، وحينئذ لا يدل هذا على قلة رواية للحديث، لكن سياق الكلام يأبى ذلك، إذ الظاهر منها أنها سيقت لبيان مرتبة ابن القصار من العدالة، ولم تجر عادة العلماء بالتعديل بهذا. والله أعلم.

стр. 35

المبحث الخامس مصنفاته لم يصنف ابن القصار ﵀ كتبا كثيرة كما يظهر ذلك من خلال مصادر ترجمته، ولعل اشتغاله بالقضاء كان أحد الأسباب المانعة له من الإكثار في هذا الباب، والكتاب الذي اتفق على ذكره مترجموه هو عيون الأدلة، على خلاف بينهم في ضبط اسمه، وسيأتي مزيد كلام حوله أثناء دراسة الكتاب. ويذكر بعض الباحثين أيضًا أن له مؤلفا مستقلا في أصول الفقه، وسيتضح لك الصواب في ذلك في دراسة المقدمة. المبحث السادس وفاته اختلف في سنة وفاته، فقيل سنة ٣٩٨ هـ، وهو الذي نص عليه القاضي عياض، وابن فرحون، ومخلوف، والحجوي الثعالبي، وعمر رضا كحالة. وقيل: سنة ٣٩٧ هـ، وهو الذي رجحه الخطيب، والذهبي، وابن العماد، ابن الأثير، والصفدي، وابن الغزي، والظاهر أنه الصواب لأمور: منها: أن من رجحه أقدم من الأولين، وهو ابن المهتدي كما نقله عنه الخطيب وأقره.

стр. 36

ومنها: أن ابن المهتدي من تلاميذ ابن القصار، وهو أعرف بشيخه من غيره. ومنها: أن ابن المهتدي نقل اليوم والشهر والسنة، حيث قال: "توفي أبو الحسن بن القصار في يوم السبت السابع من ذي القعدة سنة سبع وتسعين ومائة"، وأرخه الذهبي أيضًا باليوم والشهر والسنة فقال بعد نقله كلام عياض: "قلت: والصحيح وفاته في هذه السنة (٣٩٧ هـ) في ثامن من ذي القعدة، ضبطه ابن أبي الفوارس في الوفيات له"، وهذا غاية ما يكون من الضبط. ومنها: أن كل من قال سنة ٣٩٨ هـ من المتأخرين، وأقدمهم القاضي عياض، والخطيب البغدادي أولى منه في هذا؛ لأنه بلديه وتلميذ تلاميذه. ومنها: أن القاضي عياضا ذكر تأريخه بلفظ: "توفي فيما قيل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة"، فاستعمل صيغة التمريض الدالة على عدم التحقق التام من الأمر، ولعل قرب وفاته من سنة ٣٩٨ هو الذي أوقع في الوهم والله أعلم. تنبيه: وقع في استدراكات على تاريخ التراث العربي (٥/ ١٧٧) تأريخ وفاته سنة ٣٩٩ هـ، وهو خطأ فاحش. * * *

стр. 37

الفصل الثالث دراسة المقدمة من الأصول في الفقه المبحث الأول اسمها تقدم أن ابن القصار لم تذكر التراجم له إلا كتابا واحدا، وهو عيون الأدلة، الذي قدمه المصنف ﵀ بمقدمة في أصول الفقه، ذكر فيها جملة من مسائل الأصول على مذهب مالك ﵀، وعليه فتكون هذه المقدمة من جملة كتابه العيون. ويرى بعض الباحثين أن لابن القصار كتابا مفردا في أصول الفقه سماه: المقدمة في أصول الفقه، يختلف عن مقدمة كتابه العيون، وجنح إلى هذا الباحث مصطفى مخدوم في تحقيقه لهذه المقدمة، وجعل مقدمة عيون الأدلة المقدمة الصغرى، والأخرى المقدمة الكبرى، واستدل على ذلك بأربعة أمور: ١ - النص الذي نقله السيوطي في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض"، فإنه قال ما نصه: "قال القاضي أبو الحسن علي بن عمر البغدادي، المعروف بابن القصار في كتابه المسمى بالمقدمة في أصول الفقه: الباب التاسع عشر في الاجتهاد، فيه تسعة فصول، ثم نقل كلامه، ثم قال في خاتمته: هذا كلام ابن القصار بحروفه".

стр. 38

قال الباحث مصطفى: فهذا تصريح من هذا الإمام الثقة بأن هذا كلام ابن القصار بحروفه في كتابه المسمى بالمقدمة في أصول الفقه، وهذا النص الذي نقله بحروفه غير موجود في هذه المقدمة التي هي جزء من كتاب عيون الأدلة، فدل على أنهما متغايران، وأن ابن القصار له كتاب مستقل في أصول الفقه يسمى بالمقدمة. وعلق على ذلك الشيخ عبد الرحمن الأطرم فقال: "وهو استنباط نفيس" (١). في حين أن الأستاذ الباحث محمد السليماني يرى أن الكتاب واحد، وأنه ليس للمصنف كتاب مستقل في أصول الفقه سوي ما كتبه في مقدمة كتابه العيون، إلا أن تسمية هذه المقدمة اختلفت، ففي النسخة الأندلسية وقع: المقدمات من الأصول، وفي النسخة الأزهرية: مقدمة من الأصول في الفقه، وفي النسخة المغربية: مقدمات من الأصول في الفقه، ويبدو من خلال هذا الاختلاف أن المصنف لم يقصد بإطلاقاته هذه إعطاء عنوان محدد لكتابه، وإنما وصف ما اشتمل عليه من بحوث في أصول الفقه لا غير. وجعل الباحث السليماني نص السيوطي دليلا قويا على أن الاسم الأقرب لهذه المقدمة هو: المقدمة في الأصول؛ لأن الظاهر أن الجلال السيوطي وقف على نسخة كاملة من المقدمة، بدليل أنه نقل من الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وهذا الباب ساقط من جميع النسخ التي اعتمد عليها، فالسيوطي بوقوفه على تلك النسخة الكاملة يكون أبصر الناس بالمقدمة _________ (١) نقله عنه عبد الحميد السعودي في مقدمته تحقيق لكتاب الطهارة (١/ ٣٢).

стр. 39

وأعلمهم بحالها، فتسميته في نظري -يقول السليماني- هي أولى بالاعتبار. قلت: ويمكن تأييد هذا بما ذكره الشوشاوي في رفع النقاب عند شرحه كلام القرافي "وكلام ابن القصار في الأصول"، قال: أي وأضفت إليه كلام القاضي أبي الحسن بن القصار في الأصول، وإنما قال المؤلف "كلام ابن القصار في الأصول"، ولم يقل: كتاب ابن القصار؛ لأنه ليس له كتاب في الأصول، وإنما ذكر علم الأصول في مقدمة كتابه المسمى بعيون المسائل (١). قلت: والذي يظهر لي أن المصنف ﵀ لم يفرد المقدمة بالإملاء، وإنما ذكرها من جملة كتابه عيون الأدلة، وأن الذي أفردها هم النساخ، فلذلك اختلفت التسمية، ويظهر أيضًا أن بعض هذه النسخ أكمل من بعض، وأن السيوطي وقف على النسخة الكاملة التي ذكر فيه النقل المتقدم. وأما إذا قلنا: إن المصنف أفرد المقدمة بالإملاء فذلك ممكن أيضًا، ويكون فعله ذلك بعد أن أملاها مع كتابه العيون، ثم رأى إفرادها عنه للفائدة، وزاد عليها بعض المباحث كالمبحث التاسع عشر الذي ذكره السيوطي، وسماها المقدمة في الأصول، وبهذا يتلاءم القولان، وينزلان على الحالين، والله أعلم بالصواب. هذا وبعد مدة من كتابة هذه الكلمات، أعدت النظر فيما قيل حول هذه المقدمة وتأملت كلام السيوطي، وقارنته بما في تنقيح الفصول للقرافي، فوجدت أمرا عجبا، فإن القرافي أيضًا قال: الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وفيه تسعة فصول، ثم قال: الثاني في حكمه: مذهب مالك وجمهور العلماء ﵃ _________ (١) رفع النقاب (١/ ٨٣ - ٨٤).

стр. 40

وجوبه وإبطال التقليد لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ثم قال: الثالث: فيمن يتعين عليه الاجتهاد: أفتى أصحابنا ﵃ بأن العلم على قسمين: فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها. إلى أن قال: "وأما فرض الكفاية فهو العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان، فيجب على الأمة أن تكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين، حفظا للشرع من الضياع، والذي يتعين لهذا من الناس من جاد حفظه، وحسن إدراكه، وطابت سجيته، ومن لا فلا". فتأمل - سددك الله - هذا الكلام من التنقيح، وقارنه بما عزاه السيوطي لابن القصار، فهو بحروفه كما ترى، إلا أنه حذف منه أشياء، وهل من السهولة أن يتفق ترتيب كتاب ابن القصار مع التنقيح للقرافي حتى في عد الأبواب، وترتيب عدها أيضًا، فكتاب الاجتهاد عندهما هو التاسع عشر، وعدد الفصول هي تسعة في الكتابين أيضًا، وعنوان الفصل الثاني والثالث اللذين ذكرهما السيوطي هما نفسهما في كتاب التنقيح، وما ذكراه تحت العنوانين متوافق كما ترى، إلا أن السيوطي حذف منه ما حذف، وهذا يقوي في نفسي أن السيوطي وقف على كتاب التنقيح عليه اسم المقدمة في أصول الفقه، فنقل منه بهذا الاعتبار، وحافظ على عبارة صاحب الكتاب، وإن كان قد حذف من أثنائها ما لا غرض له فيه مما لا يتعلق ببحثه، وهذا لا ينفي أنه نقل ذلك بحروفه؛ لأنه لم يغير شيئًا مما نقله عن حرفه ولفظه. أضف إلى ذلك ما قدمته لك من نفي الشوشاوي وجود كتاب مستقل
следующие страницы →