← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومنها: أن ابن المهتدي من تلاميذ ابن القصار، وهو أعرف بشيخه من غيره. ومنها: أن ابن المهتدي نقل اليوم والشهر والسنة، حيث قال: "توفي أبو الحسن بن القصار في يوم السبت السابع من ذي القعدة سنة سبع وتسعين ومائة"، وأرخه الذهبي أيضًا باليوم والشهر والسنة فقال بعد نقله كلام عياض: "قلت: والصحيح وفاته في هذه السنة (٣٩٧ هـ) في ثامن من ذي القعدة، ضبطه ابن أبي الفوارس في الوفيات له"، وهذا غاية ما يكون من الضبط. ومنها: أن كل من قال سنة ٣٩٨ هـ من المتأخرين، وأقدمهم القاضي عياض، والخطيب البغدادي أولى منه في هذا؛ لأنه بلديه وتلميذ تلاميذه. ومنها: أن القاضي عياضا ذكر تأريخه بلفظ: "توفي فيما قيل سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة"، فاستعمل صيغة التمريض الدالة على عدم التحقق التام من الأمر، ولعل قرب وفاته من سنة ٣٩٨ هو الذي أوقع في الوهم والله أعلم. تنبيه: وقع في استدراكات على تاريخ التراث العربي (٥/ ١٧٧) تأريخ وفاته سنة ٣٩٩ هـ، وهو خطأ فاحش. * * *

стр. 37

الفصل الثالث دراسة المقدمة من الأصول في الفقه المبحث الأول اسمها تقدم أن ابن القصار لم تذكر التراجم له إلا كتابا واحدا، وهو عيون الأدلة، الذي قدمه المصنف ﵀ بمقدمة في أصول الفقه، ذكر فيها جملة من مسائل الأصول على مذهب مالك ﵀، وعليه فتكون هذه المقدمة من جملة كتابه العيون. ويرى بعض الباحثين أن لابن القصار كتابا مفردا في أصول الفقه سماه: المقدمة في أصول الفقه، يختلف عن مقدمة كتابه العيون، وجنح إلى هذا الباحث مصطفى مخدوم في تحقيقه لهذه المقدمة، وجعل مقدمة عيون الأدلة المقدمة الصغرى، والأخرى المقدمة الكبرى، واستدل على ذلك بأربعة أمور: ١ - النص الذي نقله السيوطي في كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض"، فإنه قال ما نصه: "قال القاضي أبو الحسن علي بن عمر البغدادي، المعروف بابن القصار في كتابه المسمى بالمقدمة في أصول الفقه: الباب التاسع عشر في الاجتهاد، فيه تسعة فصول، ثم نقل كلامه، ثم قال في خاتمته: هذا كلام ابن القصار بحروفه".

стр. 38

قال الباحث مصطفى: فهذا تصريح من هذا الإمام الثقة بأن هذا كلام ابن القصار بحروفه في كتابه المسمى بالمقدمة في أصول الفقه، وهذا النص الذي نقله بحروفه غير موجود في هذه المقدمة التي هي جزء من كتاب عيون الأدلة، فدل على أنهما متغايران، وأن ابن القصار له كتاب مستقل في أصول الفقه يسمى بالمقدمة. وعلق على ذلك الشيخ عبد الرحمن الأطرم فقال: "وهو استنباط نفيس" (١). في حين أن الأستاذ الباحث محمد السليماني يرى أن الكتاب واحد، وأنه ليس للمصنف كتاب مستقل في أصول الفقه سوي ما كتبه في مقدمة كتابه العيون، إلا أن تسمية هذه المقدمة اختلفت، ففي النسخة الأندلسية وقع: المقدمات من الأصول، وفي النسخة الأزهرية: مقدمة من الأصول في الفقه، وفي النسخة المغربية: مقدمات من الأصول في الفقه، ويبدو من خلال هذا الاختلاف أن المصنف لم يقصد بإطلاقاته هذه إعطاء عنوان محدد لكتابه، وإنما وصف ما اشتمل عليه من بحوث في أصول الفقه لا غير. وجعل الباحث السليماني نص السيوطي دليلا قويا على أن الاسم الأقرب لهذه المقدمة هو: المقدمة في الأصول؛ لأن الظاهر أن الجلال السيوطي وقف على نسخة كاملة من المقدمة، بدليل أنه نقل من الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وهذا الباب ساقط من جميع النسخ التي اعتمد عليها، فالسيوطي بوقوفه على تلك النسخة الكاملة يكون أبصر الناس بالمقدمة _________ (١) نقله عنه عبد الحميد السعودي في مقدمته تحقيق لكتاب الطهارة (١/ ٣٢).

стр. 39

وأعلمهم بحالها، فتسميته في نظري -يقول السليماني- هي أولى بالاعتبار. قلت: ويمكن تأييد هذا بما ذكره الشوشاوي في رفع النقاب عند شرحه كلام القرافي "وكلام ابن القصار في الأصول"، قال: أي وأضفت إليه كلام القاضي أبي الحسن بن القصار في الأصول، وإنما قال المؤلف "كلام ابن القصار في الأصول"، ولم يقل: كتاب ابن القصار؛ لأنه ليس له كتاب في الأصول، وإنما ذكر علم الأصول في مقدمة كتابه المسمى بعيون المسائل (١). قلت: والذي يظهر لي أن المصنف ﵀ لم يفرد المقدمة بالإملاء، وإنما ذكرها من جملة كتابه عيون الأدلة، وأن الذي أفردها هم النساخ، فلذلك اختلفت التسمية، ويظهر أيضًا أن بعض هذه النسخ أكمل من بعض، وأن السيوطي وقف على النسخة الكاملة التي ذكر فيه النقل المتقدم. وأما إذا قلنا: إن المصنف أفرد المقدمة بالإملاء فذلك ممكن أيضًا، ويكون فعله ذلك بعد أن أملاها مع كتابه العيون، ثم رأى إفرادها عنه للفائدة، وزاد عليها بعض المباحث كالمبحث التاسع عشر الذي ذكره السيوطي، وسماها المقدمة في الأصول، وبهذا يتلاءم القولان، وينزلان على الحالين، والله أعلم بالصواب. هذا وبعد مدة من كتابة هذه الكلمات، أعدت النظر فيما قيل حول هذه المقدمة وتأملت كلام السيوطي، وقارنته بما في تنقيح الفصول للقرافي، فوجدت أمرا عجبا، فإن القرافي أيضًا قال: الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وفيه تسعة فصول، ثم قال: الثاني في حكمه: مذهب مالك وجمهور العلماء ﵃ _________ (١) رفع النقاب (١/ ٨٣ - ٨٤).

стр. 40

وجوبه وإبطال التقليد لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ثم قال: الثالث: فيمن يتعين عليه الاجتهاد: أفتى أصحابنا ﵃ بأن العلم على قسمين: فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها. إلى أن قال: "وأما فرض الكفاية فهو العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان، فيجب على الأمة أن تكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين، حفظا للشرع من الضياع، والذي يتعين لهذا من الناس من جاد حفظه، وحسن إدراكه، وطابت سجيته، ومن لا فلا". فتأمل - سددك الله - هذا الكلام من التنقيح، وقارنه بما عزاه السيوطي لابن القصار، فهو بحروفه كما ترى، إلا أنه حذف منه أشياء، وهل من السهولة أن يتفق ترتيب كتاب ابن القصار مع التنقيح للقرافي حتى في عد الأبواب، وترتيب عدها أيضًا، فكتاب الاجتهاد عندهما هو التاسع عشر، وعدد الفصول هي تسعة في الكتابين أيضًا، وعنوان الفصل الثاني والثالث اللذين ذكرهما السيوطي هما نفسهما في كتاب التنقيح، وما ذكراه تحت العنوانين متوافق كما ترى، إلا أن السيوطي حذف منه ما حذف، وهذا يقوي في نفسي أن السيوطي وقف على كتاب التنقيح عليه اسم المقدمة في أصول الفقه، فنقل منه بهذا الاعتبار، وحافظ على عبارة صاحب الكتاب، وإن كان قد حذف من أثنائها ما لا غرض له فيه مما لا يتعلق ببحثه، وهذا لا ينفي أنه نقل ذلك بحروفه؛ لأنه لم يغير شيئًا مما نقله عن حرفه ولفظه. أضف إلى ذلك ما قدمته لك من نفي الشوشاوي وجود كتاب مستقل

стр. 41

لابن القصار في أصول الفقه، بل حتى إن القرافي في مقدمة كتابه التنقيح أشار إلى أنه اعتمد على كلام ابن القصار في أول تعليقة الخلاف، ولم يذكر أن له مؤلفا خاصا بهذا الموضوع. ولم يذكر له مترجموه أي كتاب مستقل في أصول الفقه فيما وقفت عليه، لا متقدموهم ولا المتأخرون منهم، فليس إذن لدى من أثبت ذلك إلا نص السيوطي، وهو متأخر جدا عن ابن القصار كما لا يخفاك، وقد رأيت ما أبديته حوله من احتمال قوي أن يكون هو أخذ ذلك من التنقيح أو شرح التنقيح كتب عليه خطأ اسم المقدمة في أصول الفقه. وليس هذا بعجب فالمقدمة نفسها قد وجدتها في نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية عليها عنوان: الإشارة في أصول الفقه لأبي الوليد الباجي، وقد طبعت أيضًا على هذا الخطأ عن دار الكتب العلمية، وغيرها. وهذا كله لا يدع عندي مجالا للشك فيما خلصته إليه من هذا البحث، والله أعلم. أما الدليل الثاني الذي اعتمده الشيخ مخدوم في إثبات أن المقدمة كتاب آخر مستقل فهو قوله: ما نقله القرافي في شرح التنقيح حيث قال: قال ابن القصار: قال مالك: يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام، كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة، وهو قول جمهور العلماء خلافا لمعتزلة بغداد، وقال الجبائي: يجوز في مسائل الاجتهاد فقط. قال: فهذا النص الذي نقله القرافي عن ابن القصار غير موجود في هذه المقدمة التي هي جزء من كتابه عيون الأدلة، فدل على التغاير.

стр. 42

قلت: ما ذكره الشيخ مجرد احتمال، إذ إن القرافي ﵀ ينقل كثيرا عن ابن القصار بالمعنى، ثم العبارة التي أثارت الإشكال لدى الشيخ مخدوم وهي قوله: وهو قول جمهور العلماء .. لا يدل على أنها من كلام ابن القصار جزما، بل تحتمل أنها من تعليق القرافي؛ لأن القرافي لم يبين أين انتهى كلام ابن القصار حتى يمكننا الجزم بأنها من عبارته، وقد ذكر الباحث ناصر بن علي بن ناصر الغامدي في تحقيقه لشرح تنقيح الفصول بأن القرافي في كتابه لا ينقل بالواسطة باستقراء مصادره، فإذا ثبت هذا تأكد لك ما ذكرت لك، خاصة وأن القرافي كما قلت نص في مقدمة كتابه أنه اعتمد على كلام ابن القصار في أول تعليقة الخلاف، فلو كان له كتاب آخر خاص في أصول الفقه اعتمده القرافى لكان أولى بالذكر والتسمية والإشادة. على أن النقل المذكور عن ابن القصار موجود في مواضع متعددة من مقدمة العيون، وتجد معنى كلامه في باب القول في تقليد العامي للعالم، وباب القول فيما يجوز فيه التقليد، وباب القول فيما يلزم المستفتي العامي. والذي أوقع الشيخ فيما ذهب إليه من هذا النقل أن ابن القصار في الموضع الذي أحلت إليه، قال: وهذا مما لا خلاف فيه نعلمه، لكن القرافي في شرح التنقيح في نقله كلام ابن القصار حكى الخلاف عن المعتزلة. فإذا روعي أنه لا دليل قاطع على أن ما ذكر من تمام كلام ابن القصار ضعف ما ذكره، والله أعلم. والقرافي إنما قصد نقل ما عزاه ابن القصار لمالك فقط، وهو موجود بمعناه في مواضع في مقدمة العيون كما أشرت، وكلام مالك ينتهي عند قوله:

стр. 43

أعيان الأدلة. فما بعده من كلام القرافي فيما يظهر، والله الهادي. أما الدليل الثالث الذي ذكره الشيخ مصطفى فهو قوله: الأقوال الأصولية التي نقلها العلماء عنه، ولم يذكرها المصنف في هذه المقدمة التي أقوم بتحقيقها، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله. قلت: عدة الأقوال الأصولية التي ذكرها الشيخ ثمانية عشر قولا، الأربعة عشر قولا الأولى عزاها هو نفسه إلى مواضعها من كتاب عيون الأدلة. فلم يبق إلا الأربعة الأخرى. أما المسألة الأولى من الأربع وهي أن المثبت مقدم على النافي فهي موجودة في كتاب العيون في كتاب الطهارة في مسألة الوضوء من الذكر (٢/ ٣٣٣) قال: على أنا نرجح فنقول: خبرنا يثبت الإيجاب، وخبركم ينفي، والمثبت أولى من النافي. أما المسألة الثانية وهي أن الحاظر أولى من المبيح فقد ذكرها ابن القصار في كتاب الطهارة في المسألة الثامنة والسبعين منه، المتعلقة بحكم الاستمتاع بالحائض بما دون الإزار، حيث قال في آخر سطر منها: وأيضا فإنه يحظر، خبر الصحابي يبيح، فالحظر أولى. وأما المسألة الثالثة وهي أن العلة الناقلة أولى من العلة المبقية، والرابعة: للمستدل أن ينقض علة السائل بما يقول هو به، فالظاهر أنهما فيما هو مفقود من كتاب ابن القصار، وأكثره ما يزال كذلك. وما قد يبديه الشيخ من مسائل أخرى غير ما ذكره فالجواب عنها هو ما

стр. 44

ذكرت من احتمال وجودها فيما لا يزال مفقودا من الكتاب؛ لأن هذا الاحتمال في نظري أقوى من احتمال إثبات كتاب مستقل لم ينص عليه أحد من مترجميه وأهل مذهبه مع عنايتهم بأقواله وتخريجاته، والكشف عن آرائه الأصولية والفقهية، وتوافر هممهم على تتبع آثاره ومؤلفاته، ثم مع هذا كله يفوتهم جميعًا فلا يقف عليه إلا السيوطي فيما بعد بقرون، مع ما في ذلك من الاحتمالات كما ذكرت لك. وأما الدليل الرابع الذي ذكره الشيخ مخدوم فهو قوله: أسلوب ابن القصار وتقسيمه الكتاب على أبواب وفصول مرقمة في النص الذي نقله السيوطي عن المقدمة الكبرى يغاير أسلوبه في هذه المقدمة الصغرى .. قلت: أنت ترى أن مرجع الشبهة في كل هذا هو نص السيوطي المذكور، وقد أبديت فيه ما قدمته لك، وأن الجزم بذلك محلّ نظر مع وجود الاحتمالات التي أوردتها، وفيها من القوة ما فيها، والله أعلم. فإن قيل: لعل ترتيب الكتاب وتوافقه مع ترتيب القرافي الأصل فيه هو ابن القصار، والقرافي تبع ابن القصار في ترتيبه. قيل: القرافي ﵀ ذكر أنه إنما اختصر المحصول، وأنه اعتمد على أخذ جملة مما ذكره ابن القصار في أوله تعليقة الخلاف، وهذا ظاهر منه أنه لم يستفد من كتاب مستقل في أصول الفقه لابن القصار، بل استفاد مباشرة مما ذكره ابن القصار في مقدمة العيون. بقي أن يقال: فما العنوان الذي تراه مختارا لهذه المقدمة.

стр. 45

والجواب: المصنف لم يقصد وضع عنوان خاص لها، وإنما جعلها مقدمة لكتابه العيون، وعبارته في هذا واضحة جدا حيث قال: وقد رأيت أن أقدم لكم بين يدي المسائل جملة من الأصول. وقد ورد في نهاية النسخة الأندلسية وهي أقدم النسخ: كملت المقدمات من الأصول، وفي النسخة المصرية: هذه مقدمة من الأصول في الفقه، وفي النسخة المغربية: هذه مقدمات من الأصول في الفقه. فإثبات عنوان معين أمر اجتهادي، والذي أراه أقرب ما جاء النسخة المصرية: مقدمة من الأصول في الفقه، نظرا لأن النسخة الأندلسية فيها احتمال أن يكون قوله: "كملت المقدمات" من كلام المصنف أو الناسخ، أما النسخة المصرية فقد جاء فيها: قال القاضي أبو الحسن علي بن عمر: هذه مقدمة من الأصول في الفقه، ذكرتها في أول مسائل الخلاف ليفهمها أصحابنا، ولم أستقص الحجج عليها لأنه لم يكن مقصودي ذلك. تم كلام ابن القصار في أصول الفقه بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه على يد .. فميز الناسخ بين كلام ابن القصار وكلامه. ونفس الأمر في النسخة المغربية، إلا أنه قال: مقدمات، بالجمع. وعليه فالاختيار عندي يدور بين مقدمة من الأصول في الفقه، أو مقدمات من الأصول في الفقه، وأنا أميل إلى الأول لشهرتها بكونها مقدمة بالإفراد. والله أعلم. تنبيه: جعل الباحث السليماني الاسم الأقرب للمقدمة هو: المقدمة في

стр. 46

الأصول، وذلك اعتمادا منه على كلام السيوطي. قلت: أما كلام السيوطي فقد قدمت لك ما فيه، وأما الاسم الذي ذكره السيوطي فهو المقدمة في أصول الفقه، كما هو في المطبوع من كتاب السيوطي عن دار الكتب العلمية بتحقيق خليل الميس، وكذا في طبعة مكتبة الثقافة الدينية، وكذا في الطبعة التي اعتمدها السليماني نفسه المطبوعة عن مؤسسة شباب الجامعة، وهو الموجود أيضًا في مخطوطة كتاب السيوطي بمكتبة جامعة الملك سعود اللوحة: (dsc ٠١٢٦٩) وكدا بمخطوطة المكتبة الأزهرية اللوحة: ٧. المبحث الثاني تحقيق نسبتها للمصنف إذا أثبتنا أن المقدمة جزء من كتاب العيون وطليعة له -وهو الظاهر- فالحديث عن نسبتها للمصنف حديث عن نسبة كتاب العيون له، وسيأتي بيان ذلك في الباب الثاني. وأما وجودها مفردة فقد دل على نسبتها أمور كثيرة، تولى بيانها الباحثان محمد السليماني، ومصطفى مخدوم، وقد لخصت ذلك فيما يأتي: ١ - وجود اسم المصنف على المخطوطات الثلاث، وبخطوط النساخ أنفسهم. ٢ - تنصيص المصنف على اسمه ومقدمته في آخر النسخة المصرية. ٣ - وجود تشابه تام بين طريقته فيها وفي كتابه عيون الأدلة.

стр. 47

٤ - ذكر المصنف في المقدمة جملة من شيوخه، وجميعهم قد أثبت لنا البحث، وأكدت المصادر أنهم من شيوخ المصنف. ٥ - إحالته على المقدمة في مسألة من اجتهد فأخطأ القبلة فاستدبرها أو غرب أو شرق بقوله: " … لأن نزول النص على سبب لا يوجب أن يكون مقصورا عليه، على ما حكيناه في الأصول عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، فالواجب حمله على عمومه". وهذه الإحالة موجودة في المقدمة. ٦ - رجع جمهرة من الأصوليين إلى المقدمة وإن لم يذكروها باسمها، ونقلوا منها تارة باللفظ وتارة بالمعنى، مما يزيدنا اطمئنانا ويقينا بصحة هذه النسبة، ولا يعقل أن يتواطأ علماء الإسلام في الشرق والغرب على الخطأ في العزو، ومن هؤلاء الباجي في إحكام الفصول وابن رشد الجد في البيان والتحصيل، والقرافي في التنقيح، وغيرهم، وسيأتيك ذلك في مواضعه منها إن شاء الله. المبحث الثالث سبب تأليفها بين المصنف ﵀ سبب ذكره للمقدمة الأصولية في طليعة كتابه العيون، فقال: سألتموني -أرشدكم الله- أن أجمع لكم ما وقع إلي من مسائل الخلاف بين مالك بن أنس وبين من خالفه من فقهاء الأمصار .. وقد رأيت أن أقدم لكم بين يدي المسائل جملة من الأصول التي وقفت عليها من مذهبه، وما

стр. 48

يليق به مذهبه، وأن أذكر لكل أصل نكتة، ليجتمع لكم الأمران جميعًا، أعني علم أصوله ومسائل الخلاف من فروعه إن شاء الله تعالى. المبحث الرابع قيمتها العلمية تظهر أهمية المقدمة من الأصول في الفقه في أنها أقدم مصنف أصولي على غير طريقة الأحناف بعد رسالة الشافعي، وهذا يبين لك الطريقة التي كان يسلكها الأوائل في التصنيف في هذا الفن، بعيدا عن التعمق والتعقيد، والتكرار والترديد، خاليا من نزعات أهل الكلام، وحشو ما لا ينفع من خاص وعام، مع سهولة العبارة، ووضوح الإشارة، بحيث يستطيع طالب العلم المبتدئ في هذا الفن أن يقرأ هذه المقدمة ويفهمها كلها أو أكثرها، في الوقت الذي يعسر عليه أن يقرأ مصنفا من المصنفات التي نسجت بنسيج علم الكلام، وألبست ألفاظ المناطقة. ومما زادها حسنا وبهاء أنها من تصنيف علم من أعلام الأمة، وعقل من العقول التي أزالت الغمة، فكانت إثراء للمكتبة المالكية خصوصا، والإسلامية عموما، خصوصا إذا علمت أن مصنفات المالكية المطبوعة في هذا الباب قليلة في مقابل ما هو موجود من كتب المذاهب الأخرى في الأصول. وقد استفاد العلماء من هذه المقدمة في معرفة أقوال بعض أئمة المذهب كالقاضي إسماعيل والأبهري وغيرهما، وسيأتي نقل ذلك في محله.

стр. 49

على أن نفسه فيها قاصر عن نفسه في عيون الأدلة، وقد بين أنه أراد بذلك الاختصار في معرفة أصول المذهب، ولم يقصد الحجاج عليها، بخلاف ما فعله في عيون الأدلة. المبحث الخامس موضوعاتها واضح تماما من خلال النص المتقدم أن موضوعها أصول فقه مذهب مالك وما يليق به مذهبه من ذلك. وقد افتتح المصنف هذه المقدمة ببيان سبب تأليفه لكتابه العيون، ولهذه المقدمة أيضًا، فبين أن مباحث الأصول التي سيذكرها هي على مذهب مالك ﵀، وما يليق به مذهبه، ثم ابتدأها بالكلام في اختلاف وجوه الدلائل والكلام في وجوب النظر وإبطال التقليد، وبيان الجائز منه والممنوع، معرجا على بعض مباحث الاجتهاد، ثم انتقل إلى الحديث عن الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وبين حجية كل واحد منها على التوالي، وتحدث عن بعض مباحث الأقوال كالخصوص والعموم والأوامر والنواهي، ودليل الخطاب، وبين حكم أفعال النبي ﷺ ، ثم تحدث عن الأخبار وأنواعها وحجية كل واحد منها، ثم عاد إلى الكلام عن التخصيص وأنواعه، وتحدث أيضًا عن بعض أبواب التعارض والترجيح كتعارض القياس مع خبر الواحد، وتعارض الأخبار، ثم رجع إلى بعض مباحث العموم والخصوص كالقول في العموم يخص بعضه، والقياس على المخصوص، والاستثناء عقب الجملة، ثم بعض مباحث الأمر هل هو على الفور أو التراخي، وهل يقتضي التكرار

стр. 50

أم لا، وتحدث بعدها عن أحكام النسخ وأنواعه وما يتعلق به، ثم استطرد إلى ذكر الأدلة المختلف فيها كشرع من قبلنا والاستصحاب، ثم بعض مباحث الإجماع، وختمها بالكلام عن القياس والعلل. المبحث السادس منهجه فيها سلك ابن القصار منهجا رائعا في هذه المقدمة، وهو منهج يعكس الفكر الإسلامي في ذلك الوقت، محاولا التلخيص والاختصار ما أمكن، مقتصرا على المقصود. وقد أحسن الأستاذ مصطفى مخدوم عرض منهج المصنف في هذه المقدمة في ثمان نقاط: ١ - وضوح العبارة وسهولة الكلمة، وترك الغموض، إلا في بعض المواضع. ٢ - عدم الاعتناء بتعريف المسألة وتصويرها، إلا نادرا. ٣ - البدء غالبا ببيان مذهب مالك في المسألة، ثم الإشارة إلى الخلاف، وعبارته تختلف في ذلك، فأحيانا يجزم فيقول: "مذهبه كذا وكذا"، وهذا كثير، وأحيانا لا يجزم بنسبة القول، بل يذكره احتمالا، وذلك إذا كان في فتاوى الإمام مستند لكلا القولين، وأحيانا يصرح بأنه لا يوجد عن مالك نص في المسألة. ويعتمد في عزوه على النص عن مالك، فإن لم يجد نظر في فتاويه،

стр. 51

فإن كانت واضحة متفقة اعتمد عليها، وإن كانت محتملة أبداه احتمالا، وذكر خلاف أصحابه. ٤ - يعرض حجة مالك، ثم يورد عليها الاعتراضات، وتكون أحيانا متضمنة لأدلة القول الآخر، ثم يذكر الجواب عنها، وربما أورد مناقضة مخالفه لأصله. ٥ - لا يلتزم ببيان المختار عنده، فقد يذكر المسألة محتملة دون ترجيح، وكثيرا ما يعرض قول مالك وحججه، دون بيان رأيه، لكن سياق الكلام يدل على متابعته له. ٦ - قد يختار أحيانا خلاف مذهب مالك. ٧ - لا يشتد مع مخالفيه، ولا يغلظ عليهم، إلا إن كان قولهم شاذا منكرا. ٨ - يختم كل مسألة بقوله "والله أعلم"، أو "وبالله التوفيق"، مما يدل على ورعه وتقواه. المبحث السابع مصادرها جرى المصنف ﵀ في هذه المقدمة، بل وفي الكتاب كله على عدم التصريح بموارد كتابه إلا قليلا، ولذلك تراه في هذه المقدمة لم يذكر كتابا واحدا من كتب أهل الأصول، بل وحتى الكتب الحديثية ما عدا الموطأ. ومن أهم موارده في هذا الكتاب فيما ظهر هو آراء علماء المذهب

стр. 52

واختياراتهم، وقد سمى أربعة منهم: ١ - أبو بكر الأبهري، وقد أكثر من ذكره في هذه المقدمة وفي الكتاب كله، ونقل آراءه واعتمدها واختارها، وهذا كله يؤكد لك ما تقدم سابقا من تأثره بأبي بكر الأبهري. ٢ - أبو الفرج عمرو بن محمد الليثي ٣ - القاضي إسماعيل بن إسحاق. ٤ - العلامة محمد بن أحمد بن بكير التميمي. وهؤلاء الثلاثة ذكر المصنف كل واحد منهم في موضعين من هذه المقدمة. وأما الملحوظات حول هذه المقدمة فهي ملحوظات مشتركة مع الكتاب كله، لذا رأيت إرجاءها إلى الباب الثاني أثناء دراسة الكتاب. المبحت الثامن المجهودات المبذولة حولها قام بتحقيق هذه المقدمة باحثان: محمد بن الحسين السليماني، ومصطفى بن كرامة الله مخدوم. فأما السليماني فسماها: المقدمة في الأصول، اعتمادا على تسمية السيوطي فيما تقدم، وقد اعتمد في تحقيقها على ثلاث نسخ، النسخة الأندلسية، والنسخة الأزهرية، والنسخة المغربية، افتتح الجانب الدراسي من كتابه بطليعة

стр. 53

للكتاب، ثم مدخل إلى المقدمة في الأصول، ذكر فيه أهمية الكتاب وعنوانه، وتوثيق نسبة المقدمة إلى مؤلفها، وبواعث تأليفها، ثم ملامح عن منهج المصنف فيها، مع تحليل مختصر لموضوعاتها، وذكر مصادر المصنف فيها، خاتما هذا المدخل بوصف النسخ المعتمدة في التحقيق، مع ذكر منهجه في القراءة والتعليق. ولا بد من التنبيه أنه لم يذكر شيئًا عن ترجمة المصنف مشيرا أنه قد أفرد ذلك ببحث مستقل. وعمله حسن، حاول أن يوثق قول المصنف من كتب المالكية، وإن كان يغفل ذكر خلاف المذاهب الأخرى في كثير من المباحث، وختم الكتاب بملاحق نادرة في أصول الفقه المالكي. أما مصطفى مخدوم فسماها: مقدمة في أصول الفقه، وقد مهد للبحث بذكر أسباب اختيار الموضوع وخطة البحث، وقسمه إلى قسمين: القسم الدراسي وفيه بابان، الأول في ترجمة المصنف، والثاني في دراسة الكتاب، ثم قسم التحقيق. والحق أن عمله عندي في الجانب الدراسي أفضل من عمل السليماني، فقد ترجم للمصنف ﵀ بترجمة جيدة، وإن كانت المعلومات في ذلك قليلة كما تقدم، لكنه بذل جهدا مشكورا في إثبات ما يتعلق بذلك. وأيضا فقسم الدراسة عنده أكثر تنظيما، وأحسن ترتيبا، وأضاف إلى ما ذكره السليماني من دراسة الكتاب جهود المصنف واختياراته الأصولية، مع الدقة في دراسة المقدمة، مذيلا ذلك بأقوال المصنف الأصولية التي لم تذكر

стр. 54

في هذه المقدمة وإن كان لم يستوفها، ثم قام بعرض موضوعات المقدمة دون تحليل كما فعل السليماني. وأما قسم التحقيق فقد اعتنى -إضافة إلى ما فعل السليماني من ترقيم الآيات وتخريج الأحاديث والآثار- بذكر خلاف العلماء في المباحث التي ذكرها المصنف، وتقاسيمها. وقد اعتمد في تحقيق هذه المقدمة على نسختين فقط، وفاتته النسخة المغربية. على أن الأخطاء المطبعية موجودة عنده بصورة ليست بالقليلة. المبحث التاسع النسخ المعتمدة في تحقيقها اعتمدت في تحقيق هذه المقدمة على ثلاث نسخ: * النسخة الأولى: وهي النسخة الأندلسية: وهذه النسخة ضمن السفر الأول من الكتاب، وعدد لوحاتها (٩)، في كل لوحة وجهان، وسيأتي بقية أوصافها عند الحديث عن مخطوطات الكتاب. وقد رمزت لها بحرف (س). * النسخة المصرية: وتحتوي على (٢٨) لوحة، في كل لوحة وجهان، في كل وجه (١٧) سطرا.

стр. 55

وخطها مغربي كبير عادي، وفيها تصحيف كثير، ومحو وتآكل في بعض الأوراق، وتصويبات في الهامش في آخر الكتاب. ورقمها في المكتبة الأزهرية (١٧٠). وينقصها الصفحة الأولى؛ إذ تبدأ بقوله: "إن الله ﵎ لما أراد أن يمتحن عباده وأن يبتليهم .. ". وقد ذكر السليماني أنها تبدأ بقوله: "في الدلائل خفيا وجليا .. "، وليس كذلك، بل هذا في الصفحة الثانية لا الأولى. وجاء في آخرها: "تم كلام ابن القصار في أصول الفقه، بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه، على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه عبيد بن محمد المالكي اللواتي، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين. وذلك في شهر شعبان المبارك في يوم الأربعاء، عام اثنين وتسعين وسبعمائة. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم". وقد رزمت لهذه النسخة بحرف (ص). وقد وقع خطأً في الصفحة الأولى منها: كتاب الإشارة لأبي الوليد الباجي. * النسخة المغربية: وقد نسخها العلامة محمد الأمين بوخبزة، وقارنها بنسخة القاهرة، وأثبت الفروق في الهامش، وهي مكتوبة بخط مغربي لا بأس به، وفيها بياضات

стр. 56

وتصحيفات، وقد فُرغ منها عام (١١٥٦). هكذا وصفها العلامة بوخبزة، وقد رمزت لها بحرف (خ). وتعتبر أكمل هذه النسخ الثلاث وقد اعتمدت على النسخة الأندلسية، وجعلتها الأصل لأمرين: - لأنها أقدم هذه النسخ. - أنها نسخت مع الكتاب لا مفردة عنه. وقمت بإثبات الفوارق بينها وبين النسختين الأخرتين. على أن فيها سقطا كثيرا أثبته من النسختين الأخرتين. وأما منهجي في تحقيقها فسيأتي الكلام عنه عند الحديث عن منهجي في تحقيق الكتاب كله. * * *

стр. 57

الباب الثاني دراسة مختصرة عن كتاب عيون الأدلة الفصل الأوَّل: في المعارف العامة عن الكتاب الفصل الثَّاني: ملامح عن منهجه واختياراته الفصل الثَّالث: المجهودات المبذولة حول الكتاب الفصل الرَّابع: المآخذ على الكتاب الفصل الخامس: المخطوطات المعتمدة في تحقيق الكتاب الفصل السادس: منهج التحقيق

стр. 58

الفصل الأول في المعارف العامة عن الكتاب المبحث الأول اسم الكتاب اختلف المترجمون في تسمية كتاب ابن القصار هذا، فقيل فيه اثنا عشر قولا: ١ - عيون الأدلة وإيضاح الملة في الخلافيات، وسماه بهذا التسمية حاجي خليفة في كشف الظنون، وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين. ٢ - عيون الأدلة وإيضاح الملة: وبه سماه إسماعيل البغدادي في هدية العارفين. ٣ - عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار: وبه سماه سزكين في تاريخ التراث، وهو الاسم المثبت على غلاف السفر الأول، والثامن والعشرين، والسفر الواحد والثلاثين، والثامن عشر، ولعل سزكين اعتمد في تسميته على ذلك. ٤ - عيون الأدلة: وعليه اقتصر ابن خلدون في تاريخه (١)، والونشريسي في المعيار (٢). وكذا الأدفوي فيما نقله عنه المقريزي في المقفى الكبير (٣) أنه _________ (١) (٢/ ٨٢٠). (٢) (١/ ٢٠٤). (٣) (٦/ ٣٧٤).

стр. 59

قال عن ابن دقيق العيد: وكان له قدرة على المطالعة يومئذ، رأيت عيون الأدلة لابن القصار في نحو ثلاثين مجلدة، وعليه علامات له. وسماه بذلك أيضًا أبو الحسين ابن زرقون كما نقله عنه محمد بن عبد الملك المراكشي في ترجمة أبي بكر الإشبيلي حيث قال ابن زرقون: ذكرت يوما بمحضره مسألة من الفقه، فقال لي: أين رأيتها؟ فقلت: في كتاب عيون الأدلة لابن القصار .. الذيل والتكملة (٦/ ٣٢٤) وكذا سماه بعيون الأدلة القرافي في الفروق (٣/ ١٤٩) وابن رشد في المقدمات (١/ ٥٠٥) والحطاب في المواهب (٤/ ٦٢) والشيخ عليش في منح الجليل (٤/ ٩٦) ٥ - كتاب مسائل الخلاف: وسماه بذلك الذهبي، وتبعه على ذلك ابن العماد في الشذرات، والحجوي الثعالبي في الفكر السامي. ٦ - كتاب في مسائل الخلاف: وسماه بذلك الشيرازي في الطبقات، ومحمد مخلوف في شجرة النور الزكية. ٧ - كتاب الحجة لمذهب مالك: وأشار إليه هكذا القاضي عبد الوهاب فيما نقله عياض في المدارك، وبه سمي في استدراكات على تاريخ التراث العربي. ٨ - تعليقة الخلاف: وسماه بذلك القرافي في الذخيرة (١). ٩ - عيون المسائل: وبه سماه الشوشاوي في رفع النقاب (٢)، وهذه _________ (١) (٢/ ٨٠ - ١٢٣). (٢) رفع النقاب (١/ ٨٤).

стр. 60

التسمية هي التي عندي في طبعة مكتبة الرشد، والشيخ عبد الحميد السعودي ذكر أن الشوشاوي سماه بعيون الأدلة. وسماه بعيون المسائل أيضًا ابن عرفة في مختصره (٨/ ١٩٢) والشيخ عليش في منح الجليل (٦/ ٤٥٠). وعليه اقتصر ناسخ النسخة الأندلسية في آخر السفر الأول. ١٠ - عيون مسائل الخلاف: وبه سماه هشام بن عبد الله الأزدي (١). ١١ - نكت العيون: وسماه بهذه التسمية ابن القطان في كتابه الإقناع (٢). ١٢ - عيون المجالس: وسماه بذلك الشيخ عليش في منح الجليل (٤/ ٧٤) ويفهم ذلك من كلام الحطاب في المواهب (٣/ ٦٣) و (٦/ ٢٩٥) حيث نقل كلاما للقاضي عبد الوهاب من التلقين، ثم قال: وله مثله في مختصر عيون المجالس. وقد قد ذكر الزركلي في الأعلام (٤/ ١٨٤) في ضمن مصنفات القاضي عبد الوهاب: اختصار عيون المجالس. وكذا بروكلمان في تاريخ الأدب العربي الملحق (١/ ٦٦٠) فهذه اثنا عشر اسما للكتاب، والظاهر - والله أعلم - أن الاسم الخامس والسادس والسابع والثامن إنما هو باعتبار موضوع الكتاب، لا أنهم قصدوا تسميته بذلك، لما علم أن الكتاب هو في مسائل الخلاف، وتسمية القاضي _________ (١) في كتابه: المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام (٣/ ٨٩٣). (٢) انظر لبيان ذلك مقدمة الإقناع للدكتور فاروق حمادة (١/ ٩٢ - ٩٤).

стр. 61

عبد الوهاب بكتاب الحجة لمذهب مالك؛ لأنه احتج فيه لمذهب مالك. ويقرب من العنوان الذي ذكره القاضي عبد الوهاب ما جاء في آخر مخطوطة الجزء العاشر على يد الناسخ: تم الجزء العاشر من كتاب: عيون الأدلة في الانتصار لمذهب مالك بن أنس. والظاهر أن الشطر الأخير إنما هو في بيان موضوع الكتاب. وأما الاسم التاسع وتسمية الشوشاوي له باسم عيون المسائل فهو يحتمل احتمالا قويا أن يكون هو الاسم الذي سماه به مصنفه؛ لأن الكتاب لم يناقش كل مسائل الفقه، وإنما اعتنى بأكثرها، وخصوصا المسائل المشهورة التي كثر فيها الخلاف، فيكون قد اختار من المسائل الفقهية عيونها. والذي يؤيد لك هذا أنهم ذكروا أن للقاضي عبد الوهاب كتابا بعنوان: اختصار عيون المسائل، ذكره له ابن عرفة كما تقدم وكذا الشيخ عليش والشوشاوي، وذكره له أيضًا الزركلي في الأعلام (١)، وبروكلمان في تاريخ الأدب العربي (٢). لكن يعكر على هذا أن الشيخ عليش في منح الجليل (٩/ ٩٣) قال في مسألة: نقله ابن القصار، كذا في عيون المسائل لعبد الوهاب. ونسب عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب أيضًا القاضي عياض في ترتيب المدارك (٣/ ٤٨٠) والذهبي في تاريخ الإسلام (٩/ ٣٧٨) والصفدي _________ (١) (٤/ ١٨٤). (٢) ٢/ ١٦.

стр. 62

في الوافي بالوفيات (١٩/ ٢٠٧) وابن فرحون في الديباج (٢/ ٢٦) وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (٦/ ٢٢٧) وإسماعيل باشا في هدية العارفين (١/ ٦٣٧) والزركلي في الأعلام (٤/ ١٨٤) وهو ما اختاره الأستاذ علي محمد بورويبة في طبعته للكتاب، وكذا الأستاذ هارون بن عبد الرحمن الجزائري في طبعه لمسائل الصلاة من الكتاب، طبع عن دار ابن حزم. والأمر نفسه يقال في تسمية الأزدي له بعيون مسائل الخلاف، ولعل العنوان الذي قبله مختصر من هذا، والله أعلم. واتفقت الأسماء الأربعة الأولى على "عيون الأدلة"، واختلفت في الزيادة عليه أو عدمها، فحاجي خليفة وعمر كحالة زادا عليه "وإيضاح الملة في الخلافيات"، وإسماعيل باشا زاد "وإيضاح الملة" فقط، والظاهر أن زيادة "في الخلافيات" إنما هي بيان لموضوعه لا من نفس العنون، ولم يذكر واحد منهم مستنده في هذه التسمية، ولا من أين أخذها. واقتصر ابن خلدون والونشريسي والإدفوي على اسم "عيون الأدلة"، بينما أثبته سوزكين بزيادة "في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار"، ولم أجد هذه الزيادة عند غيره، وهو العنوان المثبت على الأجزاء الأربعة المتقدم ذكرها. والظاهر أن اقتصار ابن خلدون ومن معه على اسم "عيون الأدلة" فقط إنما هو اختصار لما هو ثابت في الأسفار الأربعة، إذ قد جرت العادة عند العلماء بالاكتفاء بذكر جزء من عناوين الكتب، وقد يكون مختصرًا عن

стр. 63

العنوان الذي ذكره حاجي خليفة ومن معه، والعلم عند الله تعالى. وأما تسميته بنكت العيون فهو محتمل لأن يكون ابن القطان قصد بذلك كتاب ابن القصار هذا، أو اختصاره للقاضي عبد الوهاب، وقد ناقش ذلك الدكتور فاروق حمادة كما أشرت سابقا، والظاهرُ أن هذا العنوان هو اسم لاختصار القاضي عبد الوهاب لكتاب ابن القصار؛ لأن النصوص التي نقلها ابن القطان في الإقناع توافق ما في اختصار القاضي عبد الوهاب، كما أشار إلى ذلك الدكتور فاروق حمادة، وإن كان هذا الأخير تردد في هذا الاختصار لمن هو، هل هو للقاضي عبد الوهاب أو لشيخه ابن القصار، ولكن الكتاب طبع، وقد أقام محققه الدلائل أنه للقاضي عبد الوهاب، وبالله التوفيق. وأما تسمية الكتاب بعيون المجالس فقد ذكره الشيخ عليش كما تقدم، ويفهم أيضًا من كلام الحطاب في المواهب، وقد تقدم أيضًا، وقد استنبطت ذلك أيضًا من خاتمة اختصار القاضي عبد الوهاب لكتاب ابن القصار حيث قال: "هذه آخر مسألة في كتاب عيون المجالس، وقد جردتها في هذا الجزء ليقرب حفظها، ويسهل طلبها لمن التمس مسألة منه بعينها، ولمن أراد حفظ المذهب فقط، فإن طلب الحجة على المسألة فليرجع إلى الأصل … ". وهذا عند التأمل يظهر أنه اختصر عيون المجالس، والسياق يعين عليه؛ لأنه بعد أن ذكر العنوان قال "وقد جردتها" أي مسائل عيون المجالس الذي هو الأصل، ثم قال: "في هذا الجزء" ولم يسمه، والظاهر أنه يخبر أن المسألة آخر مسائل الأصل، ولو كان اسما لكتابه لقال: "في كتابي عيون المجالس"، أو "من كتابي"، أو من هذا الكتاب، والله أعلم.

стр. 64

وقد اعتمد محقق المختصر على هذه الكلمة فجعلها الدليل الأقوى لاختيار عنوان الاختصار أنه عيون المجالس، وهى حجة ضعيفة كما ترى، أو محتملة على الأقل، والعلم عند الله. على أن هناك أيضًا ما يؤيد كون "عيون المجالس" اسما لمختصر القاضي عبد الوهاب، وذلك أن الحطاب في مواهب الجليل سماه بذلك في مسألة حكم المرتد من كتاب الحدود (٦/ ٢٨٩) قال فيها: "وفي عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: إذا ارتد ثم تاب، ثم ارتد ثم تاب لم يُعزَّر في المرة الأولى، ويجوز أن يُعزَّر في المرة الثانية والثالثة والرابعة إذا رجع إلى الإسلام .. ". وهذا النص نقله عن الحطاب محقق مختصر القاضي عبد الوهاب، وجعله من بين أدلته على اختياره لهذه التسمية. ثم وقفت على كتاب عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب بتحقيق علي بورويبة، فرأيته أشار إلى أن القاضي عبد الوهاب كان يعبر عن الأصل أحيانا - أي عيون الأدلة لابن القصار - بعيون المجالس، وأتى لذلك بدليلين: الأول منهما ما أشرت إليه من العبارة التي اختارها الأستاذ مباي، والثاني: عبارة وقعت في المسألة (١٤٥٩) بترقيم الأستاذ بورويبة و (١٣٥٠) بترقيم الأستاذ امباي، وفيها: وقد ذكرها في كتاب عيون المجالس، وذكرها هاهنا يطول. قلت: ولي مع هذا وقفتان: الأولى مع الأستاذ بورويبة، وهو أنه علق على ذلك في الهامش بقوله: لعله يقصد كتاب الأصل عيون الأدلة.

стр. 65

قلت: ولا شك عندي في ذلك، وهذا مما يرجح تسمية الكتاب الأصل بعيون المجالس، إلا أن الأقسام المذكورة لم تذكر في النسخة المغربية، وهو الراجح؛ لأنه لو ذكرها هنا ما احتاج أن يقول: "وقد ذكر الأقسام في عيون المجالس"، فلو قلت: أراد تفصيلها، فالجواب: ذلك معلوم لا يحتاج أن ينص على ذلك؛ لأن كتابه مختصر من التفصيل المذكور في الأصل، وليس هو خاصا بهذه المسألة. ثانيا: الأستاذ امباي أيضًا علق على الموضع المذكور بقوله: صوابه عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار .. وهو الذي اختصره القاضي عبد الوهاب في هذا المختصر. قلت: وفي كلا التأويلين ضعف كما ترى، خاصة إذا أضفت إلى هذا ما ذكره القاضي عبد الوهاب في ختام مختصره: هذه آخر مسألة من كتاب عيون المجالس، فهو ظاهر أنه يسمي الأصل بعيون المجالس. وعليه فإما أن نقول: إن لكتاب ابن القصار عند القاضي عبد الوهاب اسمين: عيون المجالس، وعيون الأدلة. لكن المنصوص عليه من قبله هو الأول دون الثاني، والثاني نص عليه غيره لا هو فيما أعلم. وإما أن نقول: إن الاسم الأصح هو عيون المجالس؛ لأنه الذي أثبته القاضي عبد الوهاب، وهو أعرف بشيخه من غيره. ثم إن لي رأيا آخر في هذا، وهو أن يكون المقصود بعيون المجالس في هذا الموضع كتابا مستقلا للقاضي عبد الوهاب، وقد نسبه إليه غير واحد كما تقدم، فيكون مقصوده أن ما ذكره ابن القصار من الأقسام المذكورة ذكرها

стр. 66

هو أيضًا فى كتابه عيون المجالس، خاصة إذا علمت أن العبارة المتقدمة أشار الأستاذ امباي إلى أنها هكذا: "وقد ذكرت الأقسام"، وهذا يحتمل رفع التاء فيتم المقصود الذي رميت إليه، ويحتمل ضم الذال المعجمة مبنيا لما لم يسم فاعله، فتكون الإشارة حينئذ لكتاب ابن القصار. لكن كلامه في خاتمة الكتاب لا يساعد على التأويل الأول، إنما يساعد على الثاني. وعلى أي فتسمية كتاب ابن القصار بعيون المجالس فيها من القوة ما فيها. والله أعلم. هذا وذكر الأستاذ امباي دليلا آخر، وهو أن أبا الوليد بن خيرة شرحه شرحا جيدا، سماه: فوائد الدارس المشرفة على عيون المجالس"، فلينظر. فلينظر. وممن نسب عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب الحطاب في مواهب الجليل (٦/ ٢٨٢) و (٢/ ٣٠٧) وابن فرحون في التبصرة (٢/ ٢٩٦) وابن تيمية في الحسبة ص (٦٨) وابن دحية الكلبي في أداء ما وجب (١/ ٥٢) والذي يظهر لي في ختام هذا المبحث أن أقرب هذه الأسماء إلى الكتاب، وأقواها حجة لمن تأمل ما أوردته في هذا الباب عنوانان: الأول: عيون المجالس، وأقوى ما عندي في ترجيحه هو ما تقدم من نص كلام القاضي عبد الوهاب في اختصاره في موضعين، والنفس أميل إلى هذا العنوان لولا ما أثاره من احتمالات تقدمت الإشارة إليها، وإن كانت

стр. 67

بالنسبة لي احتمالات ضعيفة جدا، لكن أضيف إليها نسبة الكتاب بهذا العنوان للقاضي عبد الوهاب، فحصل الاشتراك في نسبته إذن للقاضيين، ويحتمل عندي أن يكون من نسبه إلي القاضي عبد الوهاب إنما اعتمد على ما اعتمد عليه الباحث الأستاذ امباي مما جاء في آخر المختصر، مع شهرة الكتاب بعيون الأدلة لابن القصار. وكل هذا لا ينفي عندي قوة في تسمية الكتاب بعيون المجالس. عيون الأدلة: ويبقى هذا هو العنوان الذي لم يقع اشتراك في نسبته إليه بينه وبين تلميذه عبد الوهاب، وبذلك يكون أولى بالاختيار والترجيح من هذه الجهة، وقد نسبه إليه أكثر المترجمين على خلاف بينهم في بعض الإضافات عليه، أعني قولهم: عيون الأدلة في مسائل الخلاف، أو عيون الأدلة وإيضاح الملة. والذي يظهر أن من اقتصر منهم على تسميته بعيون الأدلة إنما أراد بذلك الاختصار، فيبقى حينئذ النظر في الزيادة عليه. والذي أختاره من ذلك هو ما أثبتّه على غلاف الكتاب: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار؛ نظرا لأن الزيادات الأخرى إنما وردت عند المترجمين المتأخرين كحاجي خليفة وإسماعيل البغدادي وعمر رضا كحالة، وما أثبتته هو المرسوم على غلاف الأسفار الأربعة المتقدم ذكرها، وبه اشتهر الكتاب، والعلم عند الله تعالى. وبعد هذا كله، أرى أن أجمع في تسمية الكتاب على الغلاف بين التسميتين، نظرا لقوتهما عندي، ولكل منهما مرجحات، الأول ترجح بكون

стр. 68

القاضي عبد الوهاب نص عليه وهو تلميذ لصاحب الأصل، والثاني لشهرته بذلك حتى عند علماء خارج المذهب، والترجيح بينهما صعب، وعليه فسأجعله هكذا: عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار (عيون المجالس) المبحث الثاني في تحقيق نسبته للمصنف من تأمل ما ذكرته في تسمية الكتاب علم أن ذلك المقدار، كاف في إثبات الكتاب لابن القصار، ولم يبق عنده شك ولا ارتياب، ويغنيه عن المراء والجدال، فهو أمر اتفق عليه كل من ترجم له ممن ذكرت، وإن كانوا اختلفوا في الاسم الصواب للكتاب. فإن طلبت مزيدا من البراهين والأدلة، على إثبات أن له عيون الأدلة، فأقول: ١ - أنه الاسم المدون على غلاف الأسفار الأربعة التي عثر عليها. ٢ - جاء في آخر السفر الأول: "كمل السفر الأول من عيون الأدلة على مذهب مالك بن أنس، إملاء الشيخ الفقيه أبي الحسن علي بن أحمد البغدادي المالكي ﵀". ٣ - أن المصنف أكثر من ذكر شيخه أبي بكر الأبهري، وقد تقدم بيان أنه كان أشد ملازمة للأبهري، وقد برز ذلك بوضوح في ذكر المصنف اختيارات شيخه، وميله لها، وتعبيره بقوله: وهو الذي كان شيخنا أبو بكر

стр. 69

الأبهري يختاره، ولم يذكر غيره من الشيوخ بهذا اللفظ. ٤ - نقل أهل العلم عن ابن القصار من كتابه هذا، إما صريحا أو تلويحا، سواء كانوا من علماء المذهب كالقرافي وخليل (١) والحطاب وغيرهم، فقد نقلوا عنه اختياراته أحيانا، وحكايته لبعض أقوال مالك أحيانا أخرى، وقد أثبتُّ ذلك في مواضعه. وأيضا نقل عنه أصحاب المذاهب الأخرى، فقد نقل عنه ابن الملقن في التوضيح نصوصا بحرفها، أثبتُّ بعضها في مواضعها، وكذا فعل الحافظ ابن حجر ﵀. ٥ - نقل كثير من علماء المذهب آراء وأقوال ابن القصار الأصولية من مقدمته لكتابه عيون الأدلة، كالباجي والقرافي وحلولو وغيرهم، وقد ذكر الأستاذ السليماني طرفا منهم ص (٢٢) ٦ - تكرار لفظ "قال القاضي أبو الحسن" في مواضع من الكتاب، بل وردت هذه الجملة في مطلع السفر الأول، وفي مطلع النسخة المصرية من المقدمة من الأصول في الفقه، فإن كان هذا اللفظ من المصنف فالأمر واضح، وإن كان من النساخ - وهو الظاهر - فهو دليل قوي أيضًا على المراد. ٧ - اختصار القاضي عبد الوهاب لهذا الكتاب، وقد تقدمت الإشارة إليه. * * * _________ (١) انظر (٨/ ٢٢٠) و (٨/ ٢٣٢).

стр. 70

المبحث الثالث سبب تأليف الكتاب لقد أغنانا المصنف عن البحث عن سبب تأليف الكتاب، إذ قد نص على ذلك بنفسه فقال: "سألتموني -أرشدكم الله- أن أجمع لكم ما وقع إلي من الأدلة في مسائل الخلاف بين مالك بن أنس ﵀ وبين من خالفه من فقهاء الأمصار رحمة الله عليهم، وأن أبين ما علمته من الحجج في ذلك. وأنا أذكر لكم جملة من ذلك بمشيئة الله، وعونه، لتعلموا أن مالكا ﵀ كان موفقا في مذهبه، متبعا لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة، النظر، الصحيح، وأن الله خصه بحسن الاختيار، ولطيف الحكمة، وجودة الاعتبار". والظاهر أن السائلين من العلماء، أو من طلبة العلم عنده، والله أعلم. المبحث الرابع موضوع الكتاب تقدم أن المصنف ﵀ افتتح كتابه العيون بمقدمة أصولية مختصرة بين يدي مقصوده الأعظم الذي هو مسائل الخلاف الفقهية، التي خالف فيها مالكا غيرُه، وقد بين ﵀ نفسه ذلك عندما أنهى الكلام في مسائل الأصول فقال: "هذه مقدمة من الأصول في الفقه، ذكرتها في مسائل الخلاف ليفهمها أصحابنا، ولم أستقص الحجج عليها؛ لأنه لم يكن مقصودي ذلك". فهذا نص صريح منه أنه لم يكن مقصوده مسائل أصول الفقه، وأنه إنما

стр. 71

ذكرها ليجتمع للمستفيد الأمران: علم أصول الفقه، والفروع الفقهية، وقد نص على ذلك أيضا بقوله: "وقد رأيت أن أقدم لكم بين يدي المسائل جملة من الأصول التي وقفت عليها من مذهبه، وما يليق به مذهبه، وأن أذكر لكل أصل نكتة ليُجمع لكم الأمران جميعا، أعني: علم أصوله، ومسائل الخلاف من فروعه إن شاء الله تعالى". وهذا الذي اختاره المصنف من الجمع بين الأصول والفروع صنيع حسن، ومهيع جميل، يبين الارتباط الوثيق بين العلمين، وأن الأول أصل للثاني، ومعين على فهمه فهما صحيحا، بل الغاية منه أن تصير عند الفقيه قدرة على استنباط الأحكام، وبدونه يخبط خبط عشواء، ويركب متن عمياء. "وهذه الطريقة لم ينفرد بها المصنف ﵀، فهذا ابن جرير الطبري بدأ كتابه الفقهي "لطيف القول" بمقدمة في أصول الفقه، سماها بعد ذلك الرسالة. وهذا أبو بكر البيهقي بدأ كتابه معرفة السنن والآثار بمقدمة وأبواب في أصول الشافعي ﵀. وكذلك أبو بكر الجصاص الحنفي بدأ كتابه "أحكام القرآن" بمقدمة في الأصول، صارت بعد ذلك كتابا مستقلا معروفا بأصول الجصاص. وأما من المالكية فقد مشى على هذه الطريقة جماعة منهم القرافي المالكي، فإنه بدأ كتابه الذخيرة بمقدمة في الأصول، ثم أفردها وسماها "تنقيح الفصول"، ثم شرحها في كتابه "شرح تنقيح الفصول".

стр. 72

وكذلك فعل ابن رشد الكبير في كتابه "المقدمات الممهدات". وتبعه في ذلك حفيده ابن رشد في أول كتابه "بداية المجتهد"، ولكن بشكل مختصر جدا. ولأبي بكر الطرطوشي تعليقة في الخلاف، يبدو من خلال النقولات عنها أنه بدأها بمقدمة أصولية، استفاد فيها من ابن القصار" (١). وإذا ثبت ذلك تبين لك أن موضوع الكتاب هو في مسائل الفروع الفقهية، ولم يناقش المصنف كل الفروع، بل كان هدفه المسائل التي وقع فيها الخلاف بين مالك وبين غيره من فقهاء الأمصار، محتجا لمذهب مالك، ذابا عنه، مبينا وجه مأخذه، ذاكرا حجج مخالفيه، مع بيان وجه ضعفها أو مرجوحيتها، وقد نص على ذلك بقوله: "سألتموني - أرشدكم الله - أن أجمع لكم ما وقع إلي من الأدلة في مسائل الخلاف بين مالك بن أنس ﵀ وبين من خالفه من فقهاء الأمصار رحمة الله عليهم، وأن أبين ما علمته من الحجج في ذلك. وأنا أذكر لكم جملة من ذلك بمشيئة الله وعونه، لتعلموا أن مالكا ﵀ كان موفقا في مذهبه، متبعا لكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة، والنظر الصحيح، وأن الله خصه بحسن الاختيار، ولطيف الحكمة، وجودة الاعتبار". فهذا كلام واضح في بابه، كاشف عن مغزى الكتاب ولبابه. وقد قدمت لك فيما سبق من سر تسمية الكتاب بعيون المسائل أنه _________ (١) مقدمة مصطفى مخدوم (٨١ - ٨٢).

стр. 73

اختار من كل باب عيون مسائله، ولم يستقص كل مسائله، إذ لم يكن ذلك من غرضه ومأربه. وقد طرق المصنف كل كتب الفقه المشهورة عند العلماء، ابتداء بكتاب الطهارة، مرورا بكتاب الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والنكاح وما يتبعه والبيوع وما يتبعها، والجنايات وما يتعلق بها، وغير ذلك، وختاما بكتاب الفرائض. وإذا علمت أن الكتاب لم يعثر على أكثره فقد تبين من خلال اختصاره للقاضي عبد الوهاب أنه طرق كل كتب الفقه وأبوابه، مع اختلاف في ترتيب بعض المسائل بينه وبين صاحب الأصل. وأما موضوعات الكتاب التي تيسر تحقيقها فهي: * المقدمة من الأصول في الفقه: وقد تقدم الحديث عن موضوعاتها. كتاب الطهارة: ويحتوي هذا الكتاب على ست وثمانين مسألة، وهو من الكتب التي حفظت بأكملها، ابتدأه المصنف بحكم غسل اليدين قبل الوضوء عند الاستيقاظ من النوم، ثم ما يتعلق بالوضوء وفرائضه وسننه وصفته، وأحكام المياه، والتيمم، والمسح على الخفين، والغسل، والحيض والنفاس، خاتما له ببعض أحكام المستحاضة. كتاب الصلاة: وعدة المسائل الموجودة منه ست وخمسون مسألة، تحدث فيه المصنف

стр. 74

عن الأذان وأحكامه، ومواقيت الصلاة، وفرائض الصلاة وسننها ومستحباتها، وصفتها، وختمه بمسألة في أحكام المسبوق، وبها انتهى السفر الأول من الكتاب. وكانت تتمة هذا الكتاب ضمن السفر الثاني الذي لا يزال مفقودا، وأول مسائله في سجود القرآن. كتاب الجهاد وعدة المسائل التي ناقشها المصنف في هذا الكتاب مع كتاب الجزية سبع وأربعون مسألة، المحفوظ منها الآن أربع وثلاثون مسألة، فقدت المسألة الأولى من الكتاب المتعلقة بحكم الجهاد، ليبدأ هذا الجزء بحكم استحقاق القاتل لسلبه من الكفار، وكان آخر مسألة فيه حكم أخذ الجزية من الشيخ الفاني. كتاب النكاح ويحتوي هذا الكتاب في الأصل على أربع وستين مسألة، القدر الذي وجدته منها وعملت عليه ثلاث وثلاثون مسألة، ابتدأه المصنف بحكم النكاح، ثم ذكر أحكام الأولياء وشرائط النكاح، وما يتعلق به من أحكام مختلفة، وكانت آخر مسألة تتحدث عن المحرمات في النكاح، وبالضبط في تحريم أم المرأة وشرط ذلك. أبواب من المعاملات وكانت من نصيب الجزء الثامن والعشرين، وناقش فيها المصنف:

стр. 75

* كتاب الحجر * كتاب الصلح * كتاب الحوالة * كتاب الضمان * كتاب الكفالة * كتاب الشركة * كتاب الوكالة * كتاب الإقرار وبلغت عدة مسائله سبعا وثلاثين مسألة، وقد ضاع من كتاب الحجر أربع مسائل من بدايته، وضاع من كتاب الإقرار خمس عشرة مسألة، وهي أكثره، والله المستعان. وقد احتوى هذا الجزء أيضا على ثلاث مسائل من كتاب الرهن، مسألتان تامتان، والثالثة غير تامة، ولم أقم بتحقيقها لعدم وضوحها، ولوجود طمس كثير بها، على أن كتاب الرهن في الأصل فيه أربع وعشرون مسألة، وهذا يعني أن أكثره مفقود.
следующие страницы →