← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال المزني: يصلون واجبا ولا إعادة عليهم (١). وقد يحتمل قول أشهب مثل هذا. ووجه القول أنه لا تجب عليهم الصلاة ولا القضاء، لقول النبي: ﵇: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٢). وهذا دليل على سقوط حكمها إذا صلى بغير طهور، وإذا سقط عنه أن يصلي بغير طهور وعقله معه، وهو ذاكر غير ناس لم يجب القضاء، كالمراهق والحائض. وكذلك قوله ﵇: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه" (٣). وهذا غير قادر على ذلك. وقوله ﵇ لعمار: "إنما كان يكفيك هكذا" (٤) في التيمم حين لم يقدر على استعمال الماء، فدليله أن غير ذلك لا يكفيه جملة، ولم يقل: إنما يكفيك أن تصلي إن لم تقدر على الماء والتيمم. وأيضا فإنه ممن معه عقله، وقد عجز عن استعمال الماء والتيمم بأمر

стр. 1332

لا يمكنه دفعه، فأشبه الحائض. فإن قيل: الحائض مع قدرتها على الماء لا تصلي، وليس كذلك هذا، فالحائض ليست عاجزة. قيل: عجزها عن استعمال الماء بالشرع، وعجز ذلك بعدم القدرة، ولا يخرجهما أن يكونا عاجزين، وإن افترق وجه عجزهما. ويجوز أن يستدل باستصحاب الحال، فإن ذمته بريئة من وجوب شيء حتى يقوم دليل. وأيضا فلو وجب عليه ابتداء الدخول [لوجب] (١) أن يسقط فرضه، فلما قالوا: لا يسقط فرضه لم يجب عليه، كالنوافل. وأيضا فلو وجب عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضي لأوجبنا عليه صلاتي فرض من جنس واحد، في يوم واحد، كظهرين وعصرين، وهذا لا يجوز، فكيف وقد قال النبي ﵇: "لا ظهرين في يوم" (٢) يعني واجبتين (٣).

стр. 1333

ووجه قول المزني الذي يحتمله قول أشهب هو أن كل من أدى الفرض على ما كلفه لم يلزمه قضاؤه (١)، كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والعاجز عن أركان الصلاة، يصلي على حسب حاله، وكذلك المسايف والمسافر يحبس الماء خوفا على نفسه من العطش يتيمم، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم الإعادة. فإن قيل: الدليل على أنهم تلزمهم الصلاة في وقتها والقضاء إذا قدروا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٢). وهو عام في كل أحد، إلا أن الفرض لا يسقط لقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٣). قيل: هذا الخبر يقضي على الآية، فصار تقدير قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٤) إذا كنت طاهرا، وقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥) أي

стр. 1334

لا يصلي بغير طهور، وإن أراد: لا حكم لصلاة فلا حكم لها في أن تبتدأ ولا تجزئ. فإن قيل: فإنه مكلف أدرك الوقت فوجب أن تلزمه إقامة فرض الوقت، كالمريض والمعذور، ومن عجز عن القيام والقراءة [وغيرهما] (١) لمرض. قيل: إن أردتم أنه مكلف بهذه الصلاة على هذا الوجه ففيه اختلفنا، وإن أردتم أن عقله معه فقولكم: تلزمه إقامة فرض الوقت فإنه لا فرض عليه في هذا الوقت إلا أن يقدر على الوضوء أو التيمم، وفي هذا أيضا اختلفنا. فأما المريض العاجز عن القيام وغيره فإنما لزمهم أن يصلوا إن كانوا على طهارة، فأما لو لم يقدروا على الوضوء والتيمم فإن حكمهم حكم المربوط والذي تحت الهدم. فإن قيل: إن المربوط قادر على الركوع والسجود، وإنما الحائل منعه منه قيل: كلامنا فيه إذا لم يقدر على الطهارة أصلا، فإن كان المربوط والذي تحت الهدم على طهارة أو يمكنه الوضوء والتيمم فواجب عليهم أي يصلوا في الوقت، ولا إعادة عليهم كالمسايف. ووجه قول ابن القاسم على ما خرجناه من وجوب الإعادة هو أن الله تعالى قد أوجب على العاقل البالغ من المسلمين الصلاة لوقتها، فلا تسقط

стр. 1335

عنه إلا بدليل، وعجزه عن الطهارتين جميعا، ومعه، عقله، وليس ممن يحيض لا يسقط عنه حكم الصلاة؛ لأنه إذا عجز عن فرض الصلاة وعقله معه لم يسقط عنه حكمها، فعجزه عن شرط أخذ عليه للصلاة [لا يسقط عنه حكمها] (١). قيل: الدخول فيها أولى أن لا يسقط حكم الصلاة، ألا ترى أن المريض إذا لم يقدر على القيام، والمسايف، وغيره ممن لا يقدر على الركوع والسجود لا يسقط عنهم أحكام الصلاة. وأيضا فإن النائم [الذي] (٢) قد غاب عقله حتى خرج وقت الصلاة لم يسقط عنه حكمها، فمن معه عقله وهو ممن يصح منه أداؤها في الحال لو كان على طهر أولى أن لا يسقط عنه حكم الصلاة، والله أعلم. فإن قيل على الوجه الأول: إن قولكم "لو كان يلزمه الدخول فيها لوجب أن يسقط فرضه" باطل بمن أدرك الإمام في السجود، وبمن أفسد حجه، يلزمه المضي ولا يسقط فرضه. قيل: هذا لا يدخل على ما ذكرناه؛ لأنه لا يجب عليه أن يدخل مع الإمام في السجود، ولو دخل معه لم يكن هذا القدر مما يعتد به لو كان على طهارة، والصلاة كلها إذا دخل فيها يعتد بها لو كان طاهرا، والذي أفسد حجه لو كان في الابتداء لم يدخل فيه، وهذا توجبون عليه أن يدخل في الصلاة مع أنها لا تجزئه، فلم يشتبها. فإن قيل: إن قولكم: "هذا يؤدي إلى إيجاب ظهرين في يوم" فإننا نقول:

стр. 1336

هذا غير ممتنع، كما إذا فاتته صلاة من خمس صلوات ونسيها فإنه يصلي خمس صلوات. قيل: هذا يصلي خمس صلوات مختلفة حتى يصيب تلك الصلاة، وفي مسألتنا توجبون عليه أن يصلي الظهر على أنه يعيدها بعينها واجبا، وهذا إيجاب ظهرين في يوم واحد فلا يجب، والله الموفق. * * * مسألة: من كتاب المسح على الخفين (٦٥): اتفق العلماء - ومالك منهم - على جواز المسح على الخفين. ورويت عن مالك ﵀ فيه روايات (١)، والذي استقر عليه مذهبه

стр. 1337

ومذهب أصحابه جوازه. ومذهب الخوارج أنه لا يجوز أصلا؛ لأن القرآن لم يَرِد به. وقالت الشيعة: لا يجوز؛ لأن عليا ﵁ امتنع منه (١). والدليل لقول الفقهاء ما روي فيه عن رسول الله ﷺ من الطرق التي اشتهرت وظهرت، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحضر والسفر. فممن نقل ذلك عنه ﵇ عمر بن الخطاب (٢)، وعلي بن أبي طالب (٣)، وسعد بن أبي وقاص (٤)، وخزيمة بن ثابت (٥)، والمغيرة بن شعبة (٦)،

стр. 1338

وصفوان بن عسال (١)، وأبو بكرة (٢)، وأبي بن عمارة ﵃ (٣)، وقد صلى النبي ﵇ في بيته القبلتين (٤)، وبلال خادم النبي ﵇ (٥)،، وجرير بن عبد الله (٦)، وأنس بن مالك (٧) وهو خادم النبي ﵇ مذ كان صبيا، وغير هذه الطائفة ممن يكثر عددهم، حتى قال الحسن البصري: إنه روى المسح على الخفين عن النبي ﷺ سبعون نفسا" (٨)، فنقلوه فعلا منه ﵇، وقولا، وأمرا لغيره في الحضر والسفر في أحوال متفرقة، وبألفاظ مختلفة، منها ما بدأ هو بفعله، ومنها أجوبة عن أسئلة سائلين، حتى جرى ذلك مجرى التواتر، وخرج عن

стр. 1339

طريق خبر الواحد (١). ثم عملت الصحابة ﵃ بذلك في حياته وبعد وفاته، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس، وعائشة، وسعد، وزيد بن ثابت (٢)، والصحابة كلهم (٣). ولم يرد بعضهم على بعض ذلك، بل كان من لم يسافر معه ﵇ يحيل على من سافر، كقول عائشة للسائل: "ائت عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فيعلم كيف المسح" (٤). ومنهم من كان يسافر معه ﷺ ، ثم يبعد عنه، فيحيل على من قرب منه مثل علي، وبلال، وأنس، والمغيرة، فإن هؤلاء ممن كان يختصه لفطانته وخدمته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٥) فنصبهما

стр. 1340

عطفا على غسل الوجه واليدين، فوجب أن يكون الفرض فيه الغسل. وأيضا فإن المسح في ظاهر القرآن ورد في الرجلين حسب دون الخفين بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) بالخفض عطفا على الرأس. قيل: الجواب عن السؤال الأول في الآية من وجهين: أحدهما: أنها قرئت بالنصب، وقرئت بالخفض (٢)، فيحمل النصب على غسل الرجلين والخفض على المسح على الخفين؛ لأن الآية تقتضي المسح. والجواب الثاني: أن قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ منصوب عام فيمن كان لابسا للخف ومن لا خف له، فنحمله على من ليس بلابس للخف. وأما السؤل الثاني وإن كان في الآية ذكر الرجلين لا ذكر الخفين فإنه لا يمتنع أن يرد القرآن بذكر شيء، وترد السنة بجواز شيء آخر، فيكون بيانا للمراد بظاهر الآية، فيصير تقدير القراءة بالخفض: "وامسحوا برؤوسكم وخفافكم". ويجوز أن يعبر عن الخف إذا كانت الرجل فيه بالرجل كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (٣) أراد صلاة الفجر، فعبر عن الصلاة بالقرآن؛ لأنه يكون فيها. ويجوز أن يكون تقدير الآية أيضا: "وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إن

стр. 1341

اخترتم مباشرتها بالماء، وإن اخترتم فامسحوا على الخفين" بدليل مسح النبي ﷺ على خفيه، وأمره بذلك (١). ومن الدليل على صحة قولنا: ما رواه سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام عن جرير بن عبد الله البجلي: أنه توضأ ومسح على الخفين، فقيل له: أو تفعل ذلك؟ فقال: كيف لا وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك؟ فقيل له: قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: سبحان الله! وهل أسلمت إلا بعد المائدة" (٢). وهذا نص؛ لأن سائر أخبارنا يحملونها على أن مسحه كان قبل نزول المائدة، وأن الآية نسخت ذلك، وهذا بعد المائدة. وأيضا فإن حديث المغيرة بن شعبة الثابت الذي لا يتداخله شك أنه كان مع النبي ﷺ في غزوة [تبوك، وهي آخر غزوة] (٣) غزاها النبي ﷺ ، فذهب النبي ﷺ لحاجته، فاتبعه المغيرة بماء، فسكب عليه، فتوضأ ومسح على خفيه". رواه الزهري عن عباد بن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة (٤).

стр. 1342

ورواه الزهري أيضا وغيره عن حمزة بن المغيرة عن المغيرة (١). ورواه الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة (٢). ورواه نافع بن جبير بن مطعم، عن عروة بن المغيرة عن المغيرة (٣). ورواه الأشعث بن سليم (٤)، عن الأسود بن هلال، عن المغيرة (٥). فاتفقت الروايات وغيرها مما لم نذكره عن المغيرة عنه ﵇ بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات (٦)، فيسقط بهذا قول من يقول: إن آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأنه متقدم؛ لأن غزوة تبوك آخر غزاة كانت بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذه الغزاة (٧). فإن قيل: إن إجماع الصحابة معنا فروي عن علي أنه قال: "ما أبالي

стр. 1343

أمسح على الخفين، أو على ظهر عير بالفلاة" (١). وروي عن أبي هريرة أنه كره ذلك (٢). وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لأن تقطع رجلاي أحب إلي من المسح على الخفين" (٣). وروي عن ابن عباس أنه قال: "سبق كتاب الله المسح على الخفين" (٤). وروي أن أبا مسعود البدري قال: مسح رسول الله ﷺ على الخفين فقال له علي ﵇: قبل المائدة أو بعدها؟ فسكت أبو مسعود" (٥). فدل على أن الخبر منسوخ بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٦) لأنه في المائدة، وبيّن علي أن المسح قبلها.

стр. 1344

قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لم ينقل عن أحد منهم نقلا صحيحا أنه قال: لا يجوز. والجواب الآخر: أننا نسلم ما حكي عنهم، ولكنهم رجعوا عنه؛ لأننا قد روينا فعلهم وفعل الأئمة منهم بعد النبي ﷺ ، والنسخ بعد النبي ﷺ لا يكون، وكيف يمتنعون منه وقد روينا عنهم ذلك، ولكن المسح على الخفين كان بالمدينة قليلا لقلة حاجتهم إليه؛ لأن أرض الحجاز يقل فيها البرد الذي يحتاج معه إلى لبس الخفاف، ولهذا قالت عائشة ﵂ للسائل: "ائت عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ (١)، فكان أكثر، فكان أكثر مسحه ومسحهم على الخفاف إنما هو في الأسفار التي يحتاج فيها إلى لبس الخفاف، كما روي أن الطائفة التي اشتد عليهم البرد في سفرهم فأمرهم ﷺ بالمسح على العصائب والتساخين (٢). والعصائب: العمائم، والتساخين الخفاف. وكذلك أنكر ابن عمر على سعد بالكوفة، فلما عرف ذلك مسح بعد ذلك بالمدينة (٣). وأيضا فإن السائل لما قالت له عائشة: "ائت عليا فاسأله"، فقال علي للسائل: قال النبي ﷺ "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة" (٤).

стр. 1345

وروي عن علي ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالقياس لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخف" (١). وأما حديث أبي هريرة فقد روي عنه أنه قال: "مسح النبي ﷺ على الخفين" (٢). وروي أنه هو مسح على الخفين (٣) وما ذكروه عن عائشة ﵂ فعنه جوابان: أحدهما: أنه قد روي عنها أنها قالت: مسح رسول الله ﷺ على الخفين إلى أن مات" (٤). وقالت لشريح بن هانئ: "سل عليا" (٥). والجواب الثاني: فإنه يجوز أنها كانت تكره المسح على الخفين وتقول: غسل رجلي أسهل في نفسي، والإنسان قد يختار العزائم على الرخص لقوته في الدين، ولم تقل: إنه لا يجوز (٦). وأما حديث ابن عباس ﵁ فقد روي عن عطاء قال: سألت ابن عباس عن المسح على الخفين فقال: مسح النبي ﷺ على الخفين. فقلت له: إن

стр. 1346

عكرمة روى عنك أنك تقول: سبق القرآن المسح على الخفين، فقال: كذب عكرمة" (١) يعني غلط (٢). وأما قول علي ﵁ لأبي مسعود فإنما قال له ذلك لأن أبا مسعود البدري كان قعد عن بيعة علي، فأراد أن يبين للناس ضعف علمه وقلته، وأنه لا يعلم الناسخ من المنسوخ، ولم يقصد به أن الخبر منسوخ، بدليل ما رويناه عن علي ﵁ في المسح (٣). فإن قيل: فإنها طهارة من حدث فلا يجوز فيها المسح على الخفين كالجنابة. وأيضا فإنه حائل منفصل عن العضو فوجب أن لا يجوز المسح عليه لغير عذر كالعمامة. وقولهم: "منفصل" احتراز من الشعر. قيل: أما القياس على الجنابة فعنه جوابان: أحدهما: أن القياس إذا أدى إلى إسقاط السنن سقط، وقد ذكرنا عن النبي ﷺ جواز المسح.

стр. 1347

والجواب الآخر هو أن الجنابة أغلظ من الوضوء، حتى إنه يسقط مسح الرأس بالماء ويصير، غسلا ويجب غسل جميع البدن الذي كان يسقط في الوضوء، فلم يجز المسح فيه على الخفين، وكيف يجوز أن يغتسل ويغسل ساقيه إلى حد الكعبين وهو لابس للخف؟ فبان بهذا مخالفة أمر الجنابة للوضوء المبني على التخفيف، وسقط فيه غسل أكثر البدن، وجوز فيه مسح الرأس دون غسله فلم يشتبها. وأما القياس على مسح العمامة فهو أيضا فاسد؛ لأن فيه إسقاط جواز المسح الثابت بالسنة. على أننا نفرق بينهما فنقول: لما كانت الرجلان يقع السعي عليهما وظهورهما أكثر من ظهور الرأس واليدين في غالب الحال، والوجه أكثر صبرا على البرد والحر منهما، لكثرة مباشرة ذلك بالوجه، وجري العادة به، فجازت الرخصة في الرجلين للمشقة التي تلحق في نزع الخفين عند كل طهارة، والحاجة إليه أكثر؛ لأن نزعه يؤدي إلى التخلف عن رفقته، والانقطاع عن العجلة في السفر الذي قال النبي ﷺ فيه: "إنه قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الأوبة إلى أهله" (١)، والعمامة لا تلحق المشقة في أن يدخل يده تحتها فيمسح رأسه، فكان الفرض فيه مسح الرأس دون العمامة. فإن استدلوا باستصحاب الحال وأن الصلاة في ذمته فمن زعم أنها تسقط بطهارة فيها المسح على الخفين فعليه الدليل. وبما روي رسول الله ﷺ توضأ وغسل رجليه، وقال: "هذا وضوء

стр. 1348

لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١)، فدليله أنها لا تقبل بالمسح على الخفين. قيل: أما استصحاب الحال فلنا مثله؛ لأن أصل الذمة بريئة من وجوب الطهارة على الصفة التي تذكرونها دون جواز المسح على الخفين. ولا نسلم لكم أن الصلاة في ذمته إلا على جواز المسح على الخفين في الطهارة. ثم لو ثبت لكم ذلك لكان مسح النبي ﷺ على الخفين، والصلاة بذلك تدل على سقوط الصلاة من ذمته. وأما احتجاجكم بالخبر فإن الحديث الصحيح روي أنه توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢)، ومن مسح على خفيه فقد توضأ. ثم لو ثبت الحديث على ما ذكرتم لم يمتنع أن يكون قوله ﵇ متوجها إلى من أظهر رجليه ولم يلبس الخف، فأما من سترهما بالخف فإنه يجوز له المسح بدليل الأخبار المروية في جواز المسح حتى نستعمل سنته وأقواله كلها، ولا نسقط بعضها، وبالله التوفيق (٣).

стр. 1349

مسألة (٦٦): وليس للمسح على الخفين عند مالك ﵀ حد محدود، لا لمقيم ولا المسافر، يمسح ما بدا له ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة (١). وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وهو قول الشافعي في القديم (٢). وعن مالك فيه روايات لا تصح، والصحيح ما حكيناه. وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد هو موقت محدود، فللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة من وقت ما أحدثا (٣). وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحق (٤).

стр. 1350

والدليل لقولنا ما رواه عمر وأنس أن النبي ﷺ قال: "إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل فيهما، ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة" (١). فأباح المسح ما لم يحدث أحد هذين، إما النزع أو الجنابة، ولم يخص وقتا من وقت. وأيضا ما روي عن عطاء بن يسار قال: سألتُ ميمونة زوجَ النبي ﷺ عن المسح على الخفين فقلت: "أفي كل ساعة يمسح على الخفين؟ فقالت: نعم" (٢). ولم تخص وقتا من وقت. وأيضا ما روي أن النبي ﷺ "مسح على خفيه في رواية المغيرة" (٣). وفي حديث حذيفة أتى سباطة قوم فبال قائما، ثم توضأ فمسح على خفيه (٤). وأيضا قول النبي ﷺ : "إذا لبستهما على طهر فامسح عليهما" (٥). فثبت عنه ﵇ جواز المسح، ولم يثبت عنه فيه توقيت.

стр. 1351

وأيضا ما روي عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة" (١). وروي فيه: "والله لو استزدناه لزادنا" (٢). وروي: "لو استزاده السائل لزاده" (٣). والصحابي لا يجوز أن يقطع على علم رسول الله ﷺ أنه يزيد السائل إذا استزاد حتى يحلف عليه، ويكون ذلك ظنا منه، بل إنما يكون ذلك إذا تحقق بعلم قد تقدم منه عِلمُه من النبي ﵇ في جواز الزيادة على ذلك. وأيضا ما روي عن أبيّ بن عمارة أنه قال: "سألت رسول الله ﷺ عن المسح فقلت: أمسح على الخفين؟ فقال: "امسح" فقلت: يوما؟ فقال: ويومين، وثلاثة وما شئت" (٤). ورواه سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثني عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة - وصلى رسول الله ﷺ في بيته القبلتين أنه قال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: نعم ويومين، قلت: وثلاثة يا رسول الله؟ قال: نعم، حتى بلغ سبعا، ثم قال رسول الله ﷺ : نعم وما بدا لك" (٥).

стр. 1352

ورواه يحيى بن معين قال: حدثنا عمرو بن الربيع، قال: حدثني يحيى بن أيوب بإسناد مثله (١). وقد روي أيضا من حديث أنس عن النبي ﵇ مثله (٢). وروي عن عقبة بن عامر أنه قدم المدينة فدخل على عمر بن الخطاب ﵁ وعليه خفان في يوم جمعة، فقال عمر: منذ كم لبستهما أو تمسحُ عليهما؟ قال: منذ الجمعة وهذه الجمعة. فقال: أصبت السنة" (٣). والصحابي إذا أطلق السنة فهي سنة النبي ﷺ . فإن قيل: ما استدللتم به من ظواهر الأخبار التي قبل حديث خزيمة وأبي بن عمارة فإنها عموم يخصها ما روي عن شريح بن هانئ قال: "أتيت عائشة فسألتها عن المسح على الخفين فقالت سل عليا فإنه كان يسافر مع النبي ﷺ ، قال: فأتيت عليا فسألته فقال: قال رسول الله ﷺ : يمسح المسافر

стр. 1353

ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة" (١). وروى صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة" (٢). وروى صفوان قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم (٣). وروى عوف بن مالك الأشجعي قال: "كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأمر المسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة" (٤). قالوا: والاستدلال من هذه الأخبار من وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ فرق في المسح بين المسافر والمقيم، فسقط قول من قال: إنه غير موقت؛ لأنه لا يفرق بينهما. والوجه الآخر أن النبي ﷺ جعل وقت المسح للمسافر محدودا بالثلاثة، وللمقيم يوما وليلة، والحد الوارد في الشرع إنما يفيد أحد أمرين: المنع من النقصان عنه، أو المنع من مجاوزته، كآخر وقت الظهر،

стр. 1354

والميقات لما جاز قبله علم أنه للمنع من المجاوزة عنه، فلما تقرر أن للمسافر أن يمسح دون ثلاثة الأيام، وللمقيم دون اليوم والليلة علم أنه حد للمنع من مجاوزته. ثم دليل الخطاب بخلاف المذكور، فلا يجوز خلاف ما حد في أخبارنا. قيل: عن هذه الأخبار أجوبة: أحدها: أن عبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث، وقد قال: "لا يصح عن النبي ﷺ في التوقيت في المسح على الخفين حديث". وقال أيضا: "حديثان لا أصل لهما، التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح على الخفين" (١). وأما حديث صفوان بن عسال فإنما رواه، عاصم، عن زر، عن صفوان، وعاصم قد تكلم أصحاب الحديث في حفظه، فقال يحيى بن معين: [كل] (٢) عاصم روى الحديث فهو ضعيف (٣). وكذلك طعن علي أبي عبد الله الجدلي في روايته عن خزيمة، فتكلم

стр. 1355

في دينه فقيل: إنه كان صاحب راية المختار بن أبي عبيد (١)، وإن كان في حديثه: "لو مضى السائل في حديثه لزاده" (٢). وجواب آخر: وهو أن في بعضها أنه خرج من النبي ﵇ على سؤال سأل سائل عن جواز المسح ثلاثا، وسأل عن جواز المسح للمقيم يوما وليلة، فقال: نعم، ولم يرد بهذا الحد الذي لا يتجاوز. ولو لم ينقل أنها وردت على سؤال سائل لجاز أن تحمل على ذلك؛ لأنه قد روي عن الحسن أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يوقتون في المسح على الخفين" (٣).

стр. 1356

وروي هشام بن حسان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان لا يوقت في المسح على الخفين" (١). فإذا كان كذلك لم يثبت الحد بمثل هذا؛ لأن الحدود سبيلها أن تثبت بما ثبت به المسح، فلو كانت كنفس المسح لوردت مورده، ولم يختلف فيها (٢)، ألا ترى أن الحدود والمقادير لم تثبت بمثل هذا.

стр. 1357

وجواب آخر وهو أنه لو ثبت الحد فيما رويتموه لم يمتنع أن يكون متقدما، ثم يرد ما فيه زيادة حكم، وقد روينا عن أبي بن عمارة ما رواه عن النبي ﷺ من مضيه إلى السبعة، ثم قال: "نعم وما بدا لك" (١). وقبول الزيادة في الحكم يجوز، فتستعمل الأخبار كلها، فمن اختار أن ثلاثا جاز، ومن اختار التجاوز جاز. وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ تكلم على الغالب من أمر المقيم أنه يمسح يوما وليلة؛ لأنه أكثر ما يلبس في الحضر، وأن الغالب من المسافر أن يبقى خفه في رجله ثلاثة أيام، وأمر بالاختيار من ذلك، ولم يُرِد منع من تجاوز ذلك، ولا جعله حدا لا يتجاوز، ولو أراد ذلك لأكده بأن يقول: ولا يجوز تجاوز ذلك، حتى لا يختلف فيه، فلما وقع خلاف الصحابة في ذلك علم أنه لم يُرد الحد. فإن قيل: فقد روى عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أبي بكرة أنه قال: "رخص رسول الله ﷺ للمسافرين ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم في يوم وليلة إذا تطهر ولبس الخفين أن يمسح عليهما" (٢). وهذا أجود خبر لهم، والاستدلال لهم به من وجهين: أحدهما: كما استدلوا به من الأخبار المتقدمة. ووجه آخر: وهو أن الراوي: قال أرخص في المسح، والرخصة هي ورود إباحة على أصل محظور (٣)، فعلم أن المسح على الخفين كان محرما

стр. 1358

محظورا، وإذا كان محظورا فالقدر الذي أبيح جاز فعله، فأما الزائد عليه فمحرم على أصل الحظر. قيل: قد قلنا: إنه لا يصح في التوقيت حديث (١)، فإن صح هذا جاز أن يكون ﷺ أرخص في هذا، ولم يمنع من الزيادة عليه بما ذكرناه، فيكون هذا أيضا جوابا لسائل: سأل: هل يرخص له في هذا القدر؟ فخرج جوابه له عنه، ولم يرد أن يكون ذلك حدا إذ لو أراد الحد لم يزد على ذلك في حديث أبي ابن عمارة (٢). وأيضا فيحتمل أن تكون الرخصة متوجهة إلى نفس المسح دون أن يتعرض للتوقيت بالدلائل التي تقدمت. وأيضا فإنه قد نبه على أنه رخصة للحاجة، وسائر الرخص مباحة ما دامت الحاجة، كالفطر والقصر في السفر، والتيمم للمريض، وشد الجبائر، وأكل الميتة، وما أشبه ذلك، ولم يقع فيها حد ما دامت الحاجة، فكذلك إن احتاج إلى لبس الخف أكثر من ذلك مسح ما دامت حاجته. فإن قيل: المسح على الخفين رخصة كما ذكرتم، غير أنه ﵇ أرخص

стр. 1359

للمسافر في ثلاثة أيام، وللمقيم في يوم وليلة، والرخص إنما تستباح على قدر الحاجة، فأما الزيادة على قدر الحاجة فلا كأكل الميتة لما كان رخصة جاز فيه قدر الحاجة، ووجدنا الحاجة في المسح للمقيم تدعوه في يوم وليلة؛ لأنه إنما يستديم لبس الخف يوما وليلة، فأما استدامته في أكثر من ذلك فعليه فيه مشقة، فالحاجة هي في نزعه بعد اليوم والليلة، وفي المسافر ثلاثة أيام؛ لأنه وإن احتاج إلى المسح على خفيه فإنما يستديمه ثلاثة أيام، والمشقة عليه في نزعه في هذا القدر، فلم يجز أن يمسح في أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن لبسه أكثر من هذا غير محتاج إليه، وعليه فيه مشقة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن لبس الخفين قد أبيح مع زوال المشقة، ولولا هذا لما جاز لبسه إلا مع وجود مع المشقة، فإذا أرخص فيه مع عدم المشقة وجب أن يجوز المسح ما دام الإنسان مختار للبسه. والجواب الآخر: هو أنه لو ثبت أنه أرخص فيه للمشقة فإن الفطر والقصر في السفر أبيح لأجل المشقة التي تلحق، وليس ذلك محدودا، وقد يكون من الملوك الذين يترفهون في سفرهم أكثر من ترفه غيرهم في المقام، ويلبسون خفافهم أكثر من لبس غيرهم، وقد يحتاج المسافر إلى لبس الخف أكثر من ثلاثة أيام أيضا، وخاصة في السفر في مواضع الثلوج، والجد في السفر، وغير ذلك، ألا ترى إلى قول عقبة لعمر ﵁: مسحتُ من الجمعة إلى الجمعة (١)، فقولكم: "إن المشقة تلحق في هذا القدر، وأن لبسه في

стр. 1360

الزيادة عليها فيه المشقة" غلط، ونحن نعلم أن العسكر في الغزوات قد يشتد خوفهم ليلا ونهارا، ويكون البرد الشديد يثقل عليهم نزع خفافهم، ولو أنه بعد خمسة أيام، فلم يثبت ما ذكروه. فإن قيل: إن الطهارة على ثلاثة أضرب: فطهارة ترفع الحدث عن جميع الأعضاء، وهي الطهارة بالماء، فيجوز أن يصلي بها غير موقت. والثاني: طهارة لا ترفع الحدث عن جميع الأعضاء أصلا (١)، وهو التيمم، فيصلي بها مؤقتا لا يصلي به إلا صلاة واحدة، لا يجمع فيه بين صلاتي فرض (٢). والثالث: طهارة فيها المسح على الخفين، فلا يرتفع الحدث عن الرجلين، فهو دون الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وفوق التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فلم يبلغ حكم الطهارة التي فيها المسح على الخفين مرتبة الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وكانت أبلغ من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فجاز أن يصلي بها أكثر من صلاة واحدة، ولم تبلغ مرتبة الطهارة التي ترفع الحدث عن جميع الأعضاء في أنه يصلي بها غير موقت. قيل: إن هذا التقسيم مليح في ظاهره، فاسد في باطنه، وذلك أنه يفسد بالمسح على الجبائر، فإن المسح عليها لا يرفع الحدث عن العضو الذي

стр. 1361

تحتها، كما لا يرفعه المسح على الخف، وهو في المسح على الجبائر غير مؤقت، وليس حكمه حكم الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وهو أعلى مرتبة من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فسقط هذا. وجواب آخر: وهو أن المسح على الخف تابع لنا في الأعضاء المغسولة، فالحدث يرتفع أصلا كما يرتفع بالماء، وكما هو في الجبائر، وليس يجوز أن يجمع في طهارة واحدة تطهير وحدث على ما بيناه فيمن معه ماء قليل لا يكفيه فإنه يتيمم ولا يستعمله (١). وجواب آخر: وهو أن المسح على الخفين أبيح مع القدرة على نزعهما، والجبائر أبيح المسح عليها للضرورة، كما أبيح التيمم للضرورة، فصارت الرخصة في المسح على الخفين أبلغ منها في الجبائر، فإذا جاز أن يمسح على الجبائر غير مؤقت وهو في معنى التيمم كان في المسح على الخفين أولى بالجواز، وصار المسح على الخفين بمنزلة الغسل، ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين قد جاز بالمسح كما جاز بالغسل، وإن لم يجز ذلك في التيمم. وأيضا فإن مسح جميع الرأس في الطهارة أعلى رتبة من مسح بعضه، وجوزتم الاقتصار على البعض مع قدرته على مسح كله (٢)، كما جاز مسح الخفين مع قدرته على نزعهما وغسل الرجلين فلما جاز أن يصلي بمسح بعض رأسه غير مؤقت كان في مسح الخفين كذلك. ولا يلزم على هذا أن بمسح بعض الرأس بالماء يُرفع الحدث، وليس

стр. 1362

كذلك المسح على الخفين؛ لأن هذا يلزم في الجبائر مثله. وأيضا فقد كان ينبغي على ما وصفتموه أن الحدث عن الرجل وحدها لا يرتفع أن تجعلوا الثلاثة الأعضاء التي ارتفع عنها الحدث تقديرا على الحساب يكون له أن يصلي بها ثلاث صلوات، أو ثلاثة أيام في الحضر والسفر، فيكون مؤقتا على هذا الوجه، فأما أن يكون للحاضر وقت وللمسافر وقت، وقد اشتركا فيما ارتفع الحدث عنه، وفيما لم يرتفع عنه فلا معنى للتفرقة. فإن قيل: ما ذكرتموه من حديث خزيمة عنه جوابان: أحدهما: أنه [إنما] (١) كان ظنا من خزيمة لا تحقيقا؛ لأنه ربما كان ﵇ يزيد، وربما لم يزد كيف وقد نقل في الخبر أنه قال: "ظننت أننا لو استزدناه زادنا" (٢)؟ والجواب الثاني: هو أنه لو تحقق أن النبي ﵇ كان يزيدهم أن لو سألوه الزيادة فإنما يكون للزيادة حكم إذا فعله النبي ﵇ وأمر به، فأما قبل أن يأذن فيه فلا حكم له، وإن تحقق منه أنه كان يزيد. قيل: قد نقل في خبر خزيمة ما ذكرناه، فلا يجوز أن يظن بالصحابي أن ينقل إلينا أن السائل لو استزاده، لزاده، ويكون ذلك تخمينا وظنا منه، فيقطع على حكم صاحب الشريعة أنه يفعل ذلك من غير علم منه قد سبق بذلك، فإن صح أنه قال ظنا فإنه يجوز أن يكون الظن بمعنى اليقين

стр. 1363

كما قال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ (١)، وهذا كثير، فيطابق معنى ما قطع عليه في الخبر ولا يتنافى. وأما الفصل الثاني فإن الصحابي إذا تحقق من النبي ﵇ أنه كان يزيد السائل لو سأله عنه فقد تحقق جوازه، ولا يحتاج إلى إيجاد الفعل؛ لأننا قد نعلم جواز أشياء وأنها مباحة في شرعنا وإن لم يفعلها، وقد نعلم إباحة الشيء من جهة النبي ﵇ بعلم متقدم، وأن المسح أكثر من ثلاث يجوز، فلا يحتاج إلى أن يأمر به في كل وقت، ولو سئل عنه لأجاب بإباحته، فلم يلزم ما ذكروه. فإن قيل: ما ذكرتموه عن أبيّ بن عمارة فإننا نقول: إن الرجل إنما سأله عن جواز المسح لا عن كيفيته ومقداره (٢)، ألا ترى أنه قال: يا رسول الله! أمسح؟ " (٣)، ولم يقل: كم أستديم المسح؟ فالنبي ﵇ بين له جواز المسح، ونحن نقول: إن المسافر يمسح أبدا يومين وثلاثة وسبعة، ولكن على الصفة التي نقولها وخبرنا قصد به بيان المدة والوقت. قيل: أُبيّ بن عمارة سأل عن جواز المسح وعن صفته، هل هو مؤقت أم لا؟ فقال له ﵇ حين سأله عن اليومين والثلاثة: نعم وسبعا وما بدا لك" (٤)، ففهم عنه أنه يجوز غير مؤقت، هذا ظاهر الخبر، فحمله عليه وحمل

стр. 1364

خبر الثلاثة على سؤال سائل أولى؛ لأن في هذا زيادة حكم مستفاد، يشهد له سائر الرخص؛ لأنها لست مؤقتة، وإنما هي على حسب الحاجة. فإن قيل: خبر عقبة بن عامر مع عمر ﵁ عليه سؤالان: أحدهما أننا قد نقلنا عن الصحابة خلافه، فلا يكون قوله حجة. والآخر: هو أنه قد اختلف فيه، فقيل: قدم على أبي بكر (١)، وقيل: إنه قدم على عمر (٢) وفيه ألفاظ مختلفة (٣). قيل: إن صح نقلكم عن بعض الصحابة في التوقيت فهو متأول على ما تأولنا عليه قول النبي ﵇ من سؤال سائل، ويكون جوابه لعقبة بأنه أصاب السنة أولى (٤).

стр. 1365

وأيضا فإن الإمام من الصحابة إذا قال في الخطبة (١) بحضرة الصحابة مثل هذا كان أولى من قول غيره. وأما اختلاف الرواية فيه عن أبي بكر أو عمر فإنه يجوز أن يكون في سفرتين، إحداهما أنه قدم فيها على أبي بكر، والأخرى على عمر، ولو نسي الراوي القدوم على من كان منهما، وضبط حديث المسح على الخفين لما ضر ذلك؛ لأن الفائدة من الحكم المقصود جواز المسح المدة التي ذكرناه، وهذا بمنزلة أن يقول النبي ﷺ قولا يتعلق به حكم، فقال أحد الراويين: إن النبي ﵇ قاله في وقت، وقال الآخر: إنه قاله في غير ذلك الوقت، وقد ضبطا القول الذي يتعلق به الحكم واتفقا عليه لم يضر ذلك، ولزم العمل بالقول الذي قاله ﵇، فكذلك هاهنا إذا ضبط الراوي القول في المسح ونقله، واختلف الرواة فيه، فقال بعضهم: هذا القول كان من أبي بكر، وقال بعضهم: إنه كان من عمر عمل عليه؛ لأن كل واحد منهما إمام يقتدى به، يقبل قوله، مع جواز أن يكون القول قد تكرر منهما جميعا. ويجوز أن نقول: هو ممسوح في الطهارة فوجب أن لا يكون محدودا، أصله مسح الرأس والجبائر. وأيضا فإن الفرض متعلق بالرجلين إذا كانتا باديتين، فإذا سترهما الخف انتقل الفرض إليه على حسب أصله، كاللحية إذا نبتت على الوجه، وسترت بشرة الوجه، لما انتقل الفرض إليها من بشرة الوجه انتقل إليها على حسب ما كان متعلقا بالبشرة على التأبيد من غير توقيت.

стр. 1366

وأيضا فإن المسح مسحان: مسح على الجبائر، ومسح على الخفين، فلما تقرر أن المسح على الجبيرة غير مؤقت فكذلك المسح على الخفين [غير مؤقت؛ لأن كليهما] (١) رخصة. فإن قيل: مسح الرأس واللحية عزيمتان، ومسح الخفين رخصة، ألا ترى أنه لو مسح شعر لحيته ورأسه، ثم سقط شعره لم ينتقض حكم مسحه، ولو مسح على خفيه ثم بدت رجله انتقض حكم مسحه، فأما مسح الجبائر فلا فرق بينها وبين الخفين؛ لأن مسح الجبيرة ما دامت الحاجة، وقد بينا أن حاجة المسح إلى الخفين هي ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم (٢). قيل: أما قولكم: "إن مسح الرأس عزيمة فلهذا لم يتوقت وليس كذلك مسح الخفين" فجوابه أنه لا تأثير لهذه العلة؛ لأن الجبيرة ليست بعزيمة، وهي غير مؤقتة مثل العزيمة، على أن العلة المتعدية أولى من غير المتعدية (٣).

стр. 1367

وقولكم: "إن حاجة المسح على الخفين ما ذكرتموه "فقد بينا فساده، وأن الحاجة قد تدعو إلى أكثر من ذلك، فسقط أيضا، وصار كالجبائر وسائر الرخص، وبالله التوفيق. * * * مسألة (٦٧): والتيمم لا يرفع الحدث عندنا وعند سائر الفقهاء (١). وقال داود: إنه يرفع الحديث (٢).

стр. 1368

والدليل لقولنا وقول الجماعة هو أنه محدث قبل التيمم، فمن زعم أن حدثه ارتفع فعليه الدليل. وأيضا ما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: "ولّاني النبي ﷺ غزاة ذات السلاسل، فأجنبت، فخشيت إن اغتسلت هلكت، فتيممت وصليت بالناس، ثم أتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال: أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) فضحك مني" (٢). فموضع الدليل هو أنه ﵇ سوغ له التيمم، وسماه مع ذلك جنبا (٣).

стр. 1369

وأيضا فلا خلاف أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد ذلك فإنه يغتسل واجبا، ولولا الجنابة لم يجب عليه الغسل بعد التيمم؛ [لأنه لا جنابة مستأنفة] (١)، فلما وجب عليه أن يغتسل بعد التيمم، ولم تحدث منه جنابة مستأنفة علم أن الجنابة باقية؛ لأن وجود الماء ليس بجنابة، فلولا أن حدث الجنابة لم يرتفع لم يجب عليه الغسل (٢). فإن قيل: هذا الغسل عبادة مستأنفة [لا لأجل] (٣) الجنابة المتقدمة. قيل: لولا الجنابة المتقدمة لم تجب هذه العبادة، ألا ترى أنه لو لم يكن جنبا لم يجب عليه هذا الغسل (٤). وأيضا فإنه طهارة ضرورة فوجب أن لا ترفع الحدث، أصله طهارة المستحاضة (٥)، وأصحابنا يختلفون هل الاستحاضة حدث عفي عن الوضوء لها، أو ليست بحدث؟ والله الموفق. * * *

стр. 1370

مسألة (٦٨): ومن توضأ فغسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف الآخر، ثم أحدث، ثم أحدث لم يجز له أن يمسح على الخفين حتى يكون طاهرا الطهارة التامة قبل لبسهما، ولبس أحدهما (١). و [الحيلة] (٢) له في جواز المسح أن ينزع الخف الأول ثم يلبسه، فيحصل لبسه حينئذ بعد كمال طهارته. وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣). وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يجوز له المسح عليه (٤). وهو قول مطرف من أصحاب مالك (٥). وأبو حنيفة يخالفنا في أعظم من هذا؛ لأنه يعتبر في جواز المسح ورود الحدث على الوضوء، سواء لبس الخفين وهو محدث أو غير محدث؛ لأنه يقول: لو أن محدثا لبس خفيه ثم غسل باقي أعضائه، ثم أدخل الماء في خفيه حتى انغسلت رجلاه، أو خاض في الماء ثم أحدث بعد ذلك جاز له المسح.
следующие страницы →