← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قيل: إن كان الصداع يضره الماء البارد الشديد البرد حتى يخاف منه تزايد الصداع فله أن يتيمم، فأما إن كان الصداع من شدة الحمى ينفعه الماء فإنه يستعمله، وكذلك الحمى التي تُكسر بالماء، فالمعنى في هذا النوع أنه لا يخاف مرضا ولا زيادة فيه، بل هو ينفعه. فإن جعلوا العلة في الصحيح قيل: إن كان الصحيح يخاف أن تحدث به علة مثل النزلة من شدة برد الماء إن اغتسل وهو جنب، أو يخاف حمى فإنه يتيمم، وإن لم يخف شيئًا من ذلك فالمعنى فيه أنه غير خائف، وليس كذلك المريض الذي يخاف تزايد ما به؛ لأن تزايده من أسباب التلف، وقياسنا أولى بشهادة الأصول؛ له. فإن قيل: إن الله تعالى ما أباح للمريض التيمم إلا وأباح للمسافر التيمم لأنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١)، ثم تقرر أن المسافر الواجد للماء لا يجوز له أن يتيمم إلا عند الخوف من التلف. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن المسافر إذا خاف العطش فليس يخاف التلف، وليس كل عطش يخاف منه التلف، وله أن يحبس الماء خوف العطش، والإنسان لا يعلم مقدار ما يحدث له من العطش، فينبغي أن يكون المريض الخائف من حدوث المرض أو تزايده كالخائف من العطش أو تزايده. والجواب الآخر: هو أن المسافر لو لم يخف العطش وخاف استعمال

стр. 1297

الماء لحدوث مرض فإنه يتيمم، فلم يلزم ما ذكروه. ووجه قول مالك في الرواية الأخرى أنه لا يتيمم إلا عند خوف التلف ما ذكرته من الحجاج للمخالفين، والله أعلم. وقد تضمن حجاجنا فيما مضى من الكلام على عطاء والحسن، فتؤخذ من خبر عمرو بن العاص حين ولاه النبي ﵇ الغزاة، وأنه تيمم لما خاف التلف، وأخبر النبي ﵇ بذلك فقال له: "أصليت بالناس وأنت جنب؟ فاحتج بالآية فتيمم مع وجود الماء، ولم ينكر عليه، ولا أمره بالإعادة" (١). وبما ذكرناه أيضًا من تغيير الفروض بلحوق المشقة وإن لم يخف معه التلف، مثل الصائم يفطر وإن لم يخف التلف إذا كان مريضا يخاف الصوم، ومثل (٢١٧) صلاته جالسا وإن لم يخف التلف من القيام، ومثل ما ذكرناه من قطاع الطريق، وترك الخروج إلى الحج، والسعي إلى الجمعة، ففيه كفاية، والله الموفق. وما قاله محمد وأبو يوسف من أنه إن كان مقيما تيمم وصلى وأعاد تكون الحجاج عليه ما احتججنا به على الشافعي في الحاضر إذا عدم الماء فتيمم وصلى؛ لأنه قد أدى ما كلف ووجب عليه من التيمم والصلاة، وكل من صلى على ما أمر به سقط فرضه، ولم تجب عليه الإعادة (٢). والله أعلم.

стр. 1298

مسألة (٦٢): عند مالك ﵀ أن من كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسله من الجنابة، مثل أن يكفيه لبعض أعضائه، ولا يكفي الباقي فإنه يتيمم، ولا يجب عليه استعماله، وكذلك لو كان معه ما يكفي بعض أعضائه في الوضوء، ولا يكفي جميع أعضائه فإنه يتيمم ويترك الماء الذي لا يكفيه (١). وبه قال أبو حنيفة (٢)، والمزني، والشافعي في أحد قوليه، وهو القديم (٣). وقال في الجديد (٤): يستعمل الماء في بعض أعضائه ويتيمم للباقي (٥). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٦). فأمر تعالى بغسل الأعضاء، وبطهارة جميع البدن في الجنابة، ولم يذكر بأي شيء يغسل ويتطهر، فلما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٧) علمنا أنه أراد غسل

стр. 1299

جميع ذلك بالماء، وعلمنا أن بعدم ما يكفي غسل ما تقدم ذكره [لا] (١) يجب الغسل، ومن معه ماء يكفي لبعض ما أمر بغسله فإنه غير واجد لما يكفي ما تقدم ذكره، فوجب عليه التيمم؛ لأنه بدل الماء المقصود به غسل جميع الأعضاء. فإن قيل: السؤال عليكم من هذه الآية من وجوه: أحدها: أن الله تعالى لو أراد عدم ما يكفي جميع تلك الأعضاء التي قدم ذكرها لعرفه بالألف واللام فقال: "فلم تجدوا الماء"؛ لأن إعادة المذكور كذا يكون معرفا، فلما قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٢) ونكره كان شائعا في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا. والسؤال الثاني: هو أنا لا نخالفكم في وجوب التيمم، وإنما خلافنا في الماء القليل قبل التيمم. والثالث: أن الآية حجة لنا، والمعنى فيه: فلم تجدوا ماء أصلا، فإنه غير قادر على استعماله أصلا، فلهذا يكون فرضه التيمم، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه واجد لماء، قادر على استعماله، فكان فرضه استعماله. قيل: عن هذا أجوبة: فأما السؤال الأول فساقط؛ لأن الله تعالى لم يذكر في أول الآية بأي شيء تغسل، بماء أو غيره، فلم يجر للماء ذكر فيحتاج إلى إعادته بالتعريف

стр. 1300

فرُدِّد (١) منكرا، ونبهنا تعالى بذكره أنه أراد غسل الأعضاء بماء دون غيره من المائعات، ولكنه ما يكفي الأعضاء التي تقدمت، ألا ترى أنه لو صرح فقال: "فلم تجدوا ماء يكفيكم لتلك الأعضاء فتيمموا" لصح. وعلى أنه لو ذكر تعالى في أول الآية ماء منكرا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب أن يعرف بالألف واللام؛ لأنه لو عرفه لصار الأمر مقصورا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاده بلفظ منكر ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا لجميع الأعضاء وجب التيمم (٢). ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٣). فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول، ولهذا قال ابن عباس ﵁: "لن يغلب عسر يسرين" (٤).

стр. 1301

ومثل هذا من الكلام لو قال قائل لغلامه: "اطلب لي خياطا يخيط لي قميصا وجُبة (١) وقُلنْسية (٢)، فإن لم تجد خياطا فجئني بكذا" لكان كلاما صحيحا، ولم يجز أن يقول له: فإن لم تجد الخياط؛ لأنه يصير معرفا في إنسان بعينه. وأما السؤال الثاني واتفاقنا على التيمم فإن الآية تقتضي أننا إذا عدمنا ماء يكفي جميع الأعضاء التي تقدم ذكرها وجب التيمم، فإذا لم نعدم ماء هذه صفته، وإنما عدمنا بعضه وجب أن لا نتيمم، فلما أجمعنا على وجوب التيمم سقط وجوب استعمال الماء الذي لا يكفي. وأما السؤال الثالث: فإن دليل الخطاب يلزم؛ لأنه قال: فلم تجدوا ماء أصلا فتيمموا، فدليله أنه إذا وجدنا ماء أي ماء كان لا نتيمم، وهذا واجد لماء على ما تذكرون، فوجب أن لا يتيمم، فلما قلتم يتيمم علمنا أن المراد:

стр. 1302

فلم تجدوا ماء يكفيكم فتيمموا، وهذا غير واجد لماء يكفيه، فوجب أن يتيمم، ويترك الماء الذي لا يكفيه؛ لأنه إن استعمله وتيمم ترك حكم الآية. فإن قيل: فإن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١)، فمن قدر على غسل وجهه توجه الخطاب إليه بالأمر، فينبغي أن يستعمل القدر الذي يتهيأ له من الماء في غسل وجهه، فقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) أباح التيمم بشرط العدم، والوجود يمنع منه (٣). قيل: إن الله تعالى لم يقتصر على غسل الوجه دون باقي الأعضاء، ألا ترى أنه لم يذكر الماء حتى ذكر غسل الأعضاء كلها، وفرغ من ذكر حكم طهارة الجنابة، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٤)، فثبت أنه أراد ماء للحكم الذي تقدم ذكره، فلا فرق بين ذكر الوجه وبين غيره من المذكورين؛ لأن حكم الجميع حكم واحد في أن الطهارة لا تتم إلا بجميعه، فهي في حكم العضو الواحد، فعلمنا أنه أباح التيمم عند عدم الماء الذي تعلق الحكم به في الطهارتين جميعًا. وقولكم: "إن الوجود يمنع العدم" فإننا نقول: إنما الوجود لماء يكفي الطهارة كلها يمنع التيمم، وليس هاهنا ماء هذه صفته، وقد كان أيضًا ينبغي على ما تقولون أن لا يجوز التيمم أصلا؛ لأن الوجود الحاصل ينفيه، فلما أوجبتم التيمم سقط حكم الماء الموجود.

стр. 1303

فإن قيل: إنما أوجبنا التيمم بعد استعماله هذا القدر من الماء في بعض أعضائه، ثم يصير عادما لما يكفي باقي الأعضاء، فيجب عليه أن يتيمم. قيل: هذا لا يلزم من وجهين: أحدهما: أن الأمر بغسل الأعضاء كلها قد تقدم على فعلنا جملة الطهارة، وذكر كيف الحكم فيها، فلما انقضى ذكرها قال: وإن كنتم يا محدثين مأمورين بالطهارة على غير هذه الصفة في وجود الماء الذي تتطهرون به فاعدلوا إلى التيمم، ولم يقل: فاغسلوا بماء، فإن لم تجدوا بعد ذلك ماء لباقي الأعضاء فتيمموا. والوجه الثاني: هو أنه كان يجب إذا غسلنا وجوهنا أن نمسح أيدينا حسب بالتيمم، فلما قلتم: إنه يتيمم تيمما [تاما] (١) علمنا سقوط ما ذكرتم، وأن ذلك الماء لم يفد شيئًا؛ لأن التيمم الذي هو بدل في عدم الماء الكافي للأعضاء كلها مقصود بحاله. ولنا أن نستدل بقول النبي ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" (٢). وهذا عام، سواء وجد ماء أو لم يجده إلا أن تقوم دلالة. فإن أوردوا الآية فقد تكلم عليه بما تقدم ذكره. فإن قيل: فقد: فقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: "التيمم طهور المسلم

стр. 1304

ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته" (١). ففيه دلالتان: أحدهما: يفيد كونه طهورا بشرط عدم الماء. والثاني: إيجاب إمساس بشرته بالماء عند الوجود، ولم يفرق بين ماء قليل يكفيه أو لا يكفيه. قيل: قوله ﵇: "التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء" (٢) فعرف الماء بالألف واللام؛ لأنه منكر في آية الوضوء، فالمراد به ما يكفي لجملة الوضوء، فلما عرفه بالخبر علمنا أنه مشار به إلى المعهود، وهو الكافي للوضوء أو غسل الجنابة. وقوله: "فليمسه بشرته" يدل على ما قلناه أيضًا؛ لأنه لم يقل: فليمسسه بعض بشرته، فالظاهر منه أنه إذا وجد ماء يكفيه لإمساس بشرته كله استعمله، ودليله أنه إذا وجد ماء يكفي بعض بشرته لم يستعمله، فسقط ما ذكروه. ونقول أيضًا: إنه لا يقدر على رفع حدثه بهذا القدر من الماء، فوجب أن يكون فرضه التيمم، كما [لو] (٣) لم يجد الماء أصلا. وأيضا فإنه لا يلزمه الجمع بين البدل والمبدل منه جميعًا، ألا ترى أن الواجد لبعض الرقبة هو عادم للبعض، فصار كالعادم للكل في أن فرضه

стр. 1305

الصيام، ولا يعتق بعض الرقبة المقدور عليه، كذلك أيضًا العادم لبعض الماء كالعادم للكل. ونقول أيضًا: قد اتفقنا على أنه لو عدم جملة الماء وجب عليه التيمم بدلا عن الأعضاء كلها، وكذلك إذا وجد بعض الماء وجب أن يتيمم عن الأعضاء كلها بعلة أن حدثه غير مرتفع بهذا التيمم. فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله، فوجب أن يلزمه استعماله، أصله إذا وجد ما يكفيه. وأيضا فإن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن بعضها، أصله البدن في الجنابة، فنقيس جواز التيمم للرِّجل على جواز التيمم للأعضاء الأربعة؛ لأن الرِّجل هي بعض الأعضاء الأربعة، كما أن الأعضاء هي بعض جميع البدن؛ لأن الجنب حدثه متعلق بجميع البدن، وهو يتيمم فيمسح وجهه ويديه. قيل: أما إذا وجد ماء يكفيه لجميع أعضائه فإن حدثه يرتفع، وإذا استعمل الماء القليل وتيمم لم يرتفع حدثه، فلم يجز رده إليه، وكان رده إلى من لا يجد الماء أصلا [أولى] (١)؛ لأن التيمم لا يرفع حدثه. وأما قولكم: "إن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيم عن بعضها" باطل به إذا لم يجد الماء أصلا، فإنه يصح أن يتيمم عن الأربعة الأعضاء، ولا يصح يتيمم عن بعضها، وكذلك إذا لم يجد الماء

стр. 1306

أصلا تيمم عن الجنابة فيمسح وجهه ويديه، ولا يصح تيممه عن وجهه دون يديه، ولو مسح وجهه ويديه ونوى به عن يديه حسب لم يجزئه، وإن كان لو نوى به الجميع أجزأه. فإن قيل: إن حكم كل عضو غير متعلق بعضو آخر، بل لكل عضو حكم نفسه، ألا ترى أنه لو قُطع شيء من أعضائه لم يسقط فرض الطهارة عما لم يقطع من أعضائه، كذلك أيضًا العجز عن طهارة بعض الأعضاء لا يكون عجزا عن طهارة جميع الأعضاء (١). قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن قطع العضو يسقط حكمه في التيمم والطهارة بالماء جميعًا، ولم يجز إذا وجد ماء لجميع بدنه يجمع بين استعمال الماء وبين التيمم؛ لأن الماء يرفع الحدث، فإذا وجد بعض الماء الذي لا يرتفع معه الحدث صار في حكم من لا يجده أصلا. والجواب الآخر: هو أن لكل عضو حكما في نفسه في باب الغسل الذي هو الفعل، ولكن الطهارة لا تتم به دون غيره، ألا ترى أنه لو بقي عليه عضو واحد لم يغسله مع قدرته لم [تتم] (٢) الطهارة. وكذلك لو مسح وجهه في التيمم دون يديه مع القدرة لم يستبح الصلاة، ثم لو قطعت إحدى يديه أو رجليه وغسل الباقي ارتفع حدثه. وكذلك لو قطعت إحدى يديه وعدم الماء فمسح وجهه ويده الباقية

стр. 1307

لاستباح الصلاة، وهو مع وجود اليد المقطوعة بخلاف ذلك. وإنما كلامنا في أن لا يجتمع الغسل والتيمم في حال واحدة؛ لأن استعمال الماء القليل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث، ولا بد معه من التيمم، فلم يستفد باستعمال الماء شيئًا؛ لأن التيمم الذي هو بدل عن جميع الأعضاء لا بد منه؛ لأن حدثه غير مرتفع، بمنزلته لو لم يجد الماء أصلا. والجواب الآخر: هو إذا غسل وجهه بالماء القليل وتيمم، ومسح وجهه ويديه فقد حصل وجهه مغسولا ممسوحا، وإن كان للوجه حكم نفسه، فيكفي فيه غسله، ولا يحتاج إلى مسحه بالتراب؛ لأن حكم نفسه بالغسل قد زال ومضى، فينبغي أن يكون المسح فيما لم يغسل، فيكون للمغسول حكم نفسه، وللممسوح حكم نفسه. فلما قلتم: يمسح الوجه بالتراب بعد غسله علمنا أنكم لم تجعلوا له حكما في نفسه في إحدى الحالين، بل جمعتم له حكمين: أحدهما: الغسل، والآخر: المسح الذي هو حكم اليدين، ولا يجوز أن يجمع في عضو واحد المبدل والبدل إذ لو جاز في واحد من الأعضاء لجاز في جميعها، وليس جمع الغسل والمسح في الوجه والحدث لا يرتفع بأولى من أن يجمع في اليدين تيممين والحدث غير مرتفع، فبان سقوط ما ذكروه. فإن قيل: فإننا ما ألزمناه الجمع بين المبدل والبدل، وإنما يتيمم عن الرجل التي سقط عنها الغسل، ولا يتيمم عن الذي غسله، كما نقول: إذا كان جنبا تيمم عن جميع البدن بأن يمسح وجهه ويديه، وإن كان محدثا فحدثه متعلق ببعض تلك الجملة أعني البدن في الجنابة، ثم يتيمم فيمسح وجهه

стр. 1308

ويديه، فجاز له أن يتيمم لبعض جملة البدن كما جاز لجملة البدن، كذلك لما جاز التيمم للأعضاء الأربعة جاز التيمم لبعضها، وهو الرجل. قيل: إن الجنب إذا لم يجد الماء تيمم فمسح وجهه ويديه، وسقط حكم باقي بدنه، فلم يجتمع فيه غسل ومسح، بل سقط جملة، فناب عنه مسح الوجه واليدين، فوزان هذا أن لا يجتمع في عضو واحد من الأربعة الأعضاء غسل ومسح، بل يسقط جملة، ألا ترى أن عادم الماء في الأربعة الأعضاء يتيمم فيمسح وجهه ويديه، ويسقط حكم رأسه ورجليه، وليس كذلك إذا غسل وجهه ثم تيمم، يمسح وجهه ويديه؛ لأنه يجتمع في الوجه الغسل والمسح جميعًا، وهذا مبدل وبدل في عضو واحد، فلم يلزم. [فإن قيل] (١): ما ذكرتموه من وجود بعض الرقبة في الكفارة وعدم البعض لا يلزمنا؛ لأنه دعوى بلا دليل. على أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن صيام الشهرين اللذين هما بدل عن الرقبة في الكفارة لما لم يجز أن يكونا بدلا عن بعض الرقبة لم يلزمه أن يأتي ببعض الرقبة وبالصوم، ولما جاز التيمم الذي هو بدل عن جميع البدن أن يكون بدلا عن بعض البدن كذلك أيضًا جاز أن يقع عن بعض الأعضاء الأربعة وهو الرجل. والفرق الثاني: هو أنه لا يستفيد بعتق بعض الرقبة إذا أتى بصوم شهرين شيئًا، لا في هذه الكفارة ولا في كفارة أخرى؛ لأنه إذا وجد تمام الرقبة في

стр. 1309

كفارة أخرى لم يبن على البعض الذي مضى في الكفارة الأولى، فلهذا لم يلزمه عتق بعض الرقبة، فكان فرضه الصيام أو الإطعام، وليس كذلك في الماء؛ لأنه يستفيد باستعمال الماء الذي وجده، وهو أنه إذا وجد الماء الذي يتمم به غسل باقي الأعضاء غسل به العضو الذي لم يغسله (١) وبنى عليه، وارتفع حدثه فلهذا لزمه (٢). قيل: أما ما ذكرتموه أنه دعوى بلا دليل فمحال؛ لأننا قلنا: إن البدل والمبدل لا يجتمعان، كما أن بعض الرقبة هو مبدل فلا يجتمع معه الصيام، كذلك غسل الوجه بالماء القليل لا يجتمع معه التيمم؛ لأن الماء القليل مبدل والتيمم بدله. وأما الفرق الأول فليس بشيء؛ لأنه لم يجز أن يجتمع في الكفارة عتق عن مبدل وصيام هو بدل، بل يسقط حكم بعض الرقبة أصلا، وعدل إلى البدل الذي هو الصيام (٣) كذلك يجب أن يسقط حكم الماء القليل في الطهارة ويعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولا يجتمع في الوجه غسل وهو مبدل مع مسح هو بدل، وقد ذكرنا أن التيمم في الجنابة يسقط حكم سائر البدن أصلا، فلا يجتمع فيه غسل ومسح؛ لأن الخلاف فيه واحد، فكذلك يسقط حكم الماء القليل أصلا في الوجه، ويعدل إلى التيمم الذي هو البدل، ولا يجتمع

стр. 1310

في الوجه غسل في [الوضوء] (١) ومسح في التيمم. وأما الفرق الثاني فليس بشيء أيضًا؛ لأن الذي استعمل الماء القليل في بعض الأعضاء ويتيمم لتلك الصلاة لو وجد عند صلاة أخرى ماء قليلا يكفي باقي أعضائه التي لم يغسلها في الصلاة الأولى لم يبن؛ لأن تفرقة الوضوء عندنا لا يجوز في صلاة واحدة (٢)، فكيف في صلاتين، وحدثه قائم في الأولى بالتيمم الذي كان منه، فلا هو يستفيد بالأولى شيئًا إذا تيمم، ولا في الثانية وهو يتيمم؛ لأن حدثه باق كما كان. فإن قيل: إن الطهارة شرط من شرائط الصلاة، لا تصح دونه، فوجب أن يكون العجز عن بعضها لا يسقط الفرض في باقيها، كستر العورة. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ستر العورة ليس من شرائط الصلاة التي تختصها، فإنما هو فرض في الجملة يستر عورته عن أعين المخلوقين (٣)، والطهارة من فروض الصلاة تختصها. وأيضا فإنه إذا صلى بعض الصلاة بغير سترة، ثم وجد السترة في خلالها استتر وبنى على صلاته، فعروض هذا أن يتيمم ويصلي بعض الصلاة، ثم يجد الماء، فينبغي أن يستعمله لباقي صلاته، ونحن وأنتم لا نقول هذا. وإن استعمل الماء وتيمم، ثم دخل في الصلاة، ثم وجد ماء يكفيه لما

стр. 1311

بقي من أعضائه يجب أن يستعمله ويبني على صلاته، وأنتم لا تقولون هذا أيضًا. فإن قيل: فإن الطهارة عبادة على البدن يؤتى بها جزءا فجزءا، لا تجمع أفعالا متغايرة، فوجب أن يكون العدول إلى البدل عن الأصل فيه لا يصح إلا عند العجز عن كمال الأصل. دليل ذلك: الصلاة لا يسقط عنه ما قدر عليه من الركوع والسجود لعجزه عن القيام، ولا يسقط القيام لعجزه عن الركوع. قيل: هذا غلط؛ لأننا قد بينا أن عجزه عن الماء المأمور به لجملة الطهارة يدخل تحت شرط العدم. وأيضا فإن العاجز في الصلاة عن ركن من أركانها يأتي ببدله حسب مع عجزه عنه، ولا يحتاج إلى بدل لما لم يعجز عنه، وأنتم توجبون على هذا تيمما كاملا مع استعمال الماء في وجهه، فيجتمع في وجهه غسل ومسح، ولم يكن عاجزا عن غسل الوجه وقد غسله، فكان ينبغي أن يبقى عليه بدل غسل يديه حسب، فلما أوجبتم عليه التيمم الكلي الذي هو بدل عن غسل جميع الأعضاء علمنا أن غسل وجهه لم يفده شيئًا. وعلى أن هذا ينعكس عليكم بوجود بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ينبغي أن لا يسقط حكم ما وجده من الرقبة وقدر عليه من أجل ما لا يقدر عليه، كما قلتم في الصلاة. ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الماء، وعدم بعض الأصل كعدم

стр. 1312

الأصل، دليل ذلك: الرقبة في الكفارة إذا ملك بعضها ولم يقدر على الباقي صار حكم ما قدر عليه منها في حكم عدم الكل، فوجب العدول إلى البدل، وترك استعمال ما يجده منها. فإن قيل: إنما عدل إلى الصوم في الكفارة مع وجود بعض الرقبة؛ لأن اسم رقبة لا يتناول بعض رقبة، والماء القليل يتناوله اسم ماء كما يتناول الكثير (١). قيل: إن أردت أن اسم "ماء" يكفي لعضوين يقع على اسم ماء يكفي لأربعة أعضاء فإن هذا محال، وقد بينا أن المراد بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٢) يكفي للوضوء وللجنابة. والكلام معكم في الحكم، فالتفرقة بالأسماء لا معنى له، ألا ترى أنه تعالى قال في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ (٣)، فأضاف اسم جنس الصيام إلى الأصل المذكور، فلو قال قائل: أنا إذا صمت يوما أو شهرا فإنه يقع عليه اسم صوم، كما يقع على صوم شهرين اسم صوم، فأجوز بعض الصيام إذا قدر عليه، وأستعمل الإطعام عن الباقي، وأفرق بينه وبين الرقبة؛ لأن بعضها لا يتناوله اسم رقبة، وصوم يوم من شهرين يتناوله اسم صوم لكان قوله ساقطا؛ لأنا نقول له: إذا أضيف اسم الجنس إلى شيء فالمقصود الاسم على الصفة التي وصف عليها، فكذلك قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٤) أي

стр. 1313

ماء يكفي الوضوء فتيمموا، فالمقصود أنه عدم ماء هذه صفته. وعلى أن ذلك الخطاب يقتضي أن لا يتيمم مع وجود الماء القليل، فإن قام دليل جواز التيمم زيادة على الماء جاز أن يقوم دليل على إسقاط الماء، والاكتفاء بالتيمم إذ حدثه لا يرتفع مع استعمال الماء والتيمم. فإن قيل: فقد روي عن رسول الله ﷺ في الرجل الذي أصابته شجة واحتلم، فسأل بعض الصحابة هل من رخصة؟ فلم يرخص له في المسح فاغتسل فمات … الحديث إلى قول النبي ﵇: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده" (١). فأخبر النبي ﵇ عن الجمع بين التيمم والغسل بالماء لما قدر عليه، والمسح على ما عجز عنه. قيل: هذا كلام في مسألة أخرى خارجة عن مسألتنا وذلك أنه إن كان قادرا على غسل أكثر بدنه، عاجزا عن غسل أقله فإنه يمسح على ما عجز عن غسله، ويغسل الأكثر، ويصير في حكم المغتسل لزوال حدثه، فلا يكون لتيممه معنى؛ لأنه لا يرفع الحدث، وما مسح عليه وغسل الباقي قد ارتفع حدثه بذلك، كما لو مسح على خفيه مع غسل بعض أعضائه لم يحتج معه إلى تيمم؛ لأن حدثه قد ارتفع، ولو كان أكثر بدنه جريحا لا يستطيع غسله ولم يبق منه إلا يد أو رجل صحيحة فإنه يتيمم حسب، لا يلزمه غير ذلك (٢)، فثبت أن الحديث لم يَرِد لما ظننتموه.

стр. 1314

على أنه قد روي فيه: "إنما يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده" (١). فأفرد التيمم عن المسح والغسل، ولا دلالة لكم في الخبر؛ لأننا نقول: إنه لا يجمع بينهما. فإن قيل: وجدنا الإبدال على ضربين: ضرب منها يتبعض، وضرب لا يتبعض، والماء مما يتبعض في الاستعمال في العرف والدين، والرقبة لا تتبعض، فوجود الجزء من المتبعض في منع بدله كوجود الكل، يدل على ذلك أن من وجد شيئًا من طعام حلال يقع موقعا لكنه لا يشبع، ولا لكل الجوع يدفع فإنه بالإجماع يبدأ بالحلال فيتناوله، ثم يصله بما قد أبيح للضرورة إن دامت حاجته إليه، كذلك في مسألتنا. قيل: هذا غير صحيح في التشبيه وذلك أنه قد استوى في سد الرمق الحلال والحرام، ألا ترى أن الماء النجس والماء الطاهر في شربهما للضرورة على منزلة واحدة، وقد اختلف حكمهما في الطهارة، حتى جعل بدل الماء النجس التيمم إذا عدم الماء الطاهر، ولم يجز استعمال الماء الطاهر والماء النجس في الطهارة. ثم إن هذا ينقلب عليكم في الوضوء والتيمم جميعًا؛ لأنه مع استعمال الماء الذي يكفي لغسل وجهه لا يتممه بالتيمم الذي هو بدل عند الضرورة، وإنما يأتي بالتيمم الكامل على صفته لو لم يجد ماء أصلا.

стр. 1315

وأيضا فإن التراب عندكم شرط في التيمم (١)، وهو مما يتبعض لو لم يقدر منه إلا على ما يمسح به وجهه فقط، مثل أن يكون في بحر ولا يقدر على ماء، ولا يجد من التراب إلا ما يكفيه لضربة واحدة لوجهه، فإنه لا يجب عليه استعمال الضربة لوجهه؛ لأنها لا تفيده شيئًا (٢)، وهذا هو بدل مما يتبعض، وهو عبادة على البدن. وأيضا فإن ما ذكرتموه على الإطلاق يتبعض في الصوم؛ لأن صوم التتابع في الشهرين هو بدل على البدن، وهو يتبعض في الشهرين؛ لأن صيام يوم ويومين هو بعض الشهرين، كما أن غسل الوجه بماء يكفيه هو بعض ما يكفي الكل، وهو أيضًا بعض الأعضاء، فإذا لم يكن واجد الماء القليل في حكم من عدم الكل لزم الذي يقدر [على صيام بعض الشهرين أن يكون في حكم من يقدر] (٣) على الكل، فيلزمه صيام ما قدر عليه وأن يتممه بالإطعام، وبكل الإطعام أيضًا في كفارة الظهار، فلما لم يجب ذلك فكذلك في مسألتنا. فإن قيل: لما كانت المعتدة متى قاربت حد الإياس، وقد اعتدت بقرء، ثم خرجت بعده من الحيضة إلى الإياس فإنها تعتد بالأشهر، فتكون جامعة بين البدل والمبدل منه، فكذلك لا يمتنع أن يكون الذي يجد بعض ما يكفيه لوضوئه جامعا بين البدل والمبدل منه.

стр. 1316

[قيل] (١): هذا مع أنه دعوى منتقض بالذي يقدر على نصف رقبة ولا يقدر على باقيها، فإنه لا يلزمه عتق نصف الرقبة وصيام شهر، وكذلك لو عجز عن الرقبة وقدر على إطعام ثلاثين مسكينا، وعلى صيام شهر لم يلزمه الجمع بينهما. ومع هذا فإن العدة بالشهور ليست بدلا، بل هي أصل في نفسها، والحيض أصل في نفسه، والوضع من الحمل أصل في نفسه، فالعدة بالأقراء لمن عادتها الحيض، والعدة بثلاثة أشهر لمن لم تحض ولليائسة من المحيض، والوضع للحامل، وأربعة أشهر وعشرة أيام للمتوفى عنها زوجها، وليست واحدة من ذلك بدلا عن الأخرى. وعلى أن التي حاضت حيضة لم تقطع على عدتها في الابتداء، ولو تيقنت عدتها لعملت عليها، فهي تعمل على الظاهر، ولا تقطع على حقيقة ذلك إلا بعد انقضائها، فعروض مسألتنا أن يكون من معه ماء قليل يغلب على ظنه أنه يكفيه، ثم لا يكون كذلك فإنه يعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولو تحقق من أول أمره أنه لا يكفيه لم يجب عليه استعماله، ووجب التيمم الذي هو بدل. فإن قيل: فيجب استعماله لعله إلى أن يستعمله يقدر على ما يتمم به طهارته فيبني عليه. قيل: هذا يلزم في واجد بعض الرقبة فإنه يعتقها، ثم يجوز أن يملك الباقي فيبني عليه. وكذلك يلزم في الصيام لبعض الشهرين والإطعام، وبالله التوفيق.

стр. 1317

فَصْل إذا كان أكثر بدنه جريحا لا يقدر على استعمال الماء عليه (١)، ولم تبق له إلا يد أو رجل فإنه يسقط عنه غسل ذلك ويتيمم (٢). وبه قال أبو حنيفة (٣). وقال الشافعي: يغسل الصحيح منه ويتيمم (٤). والأصل في هذا الفصل ما قدمنا ذكره في المسألة التي تقدمت إذا كان معه ماء قليل لا يكفيه لطهارته فإنه لا يلزمه استعماله ويتيمم؛ لأن استعماله لا يفيده شيئًا؛ إذ لا بد له من التيمم الذي قد جعل بدلا عن الكل فلا يجمع شيء من المبدل مع البدل. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٥) إلى آخر الآية، فلا يسقط فرض ما قدر عليه من أجل ما عجز عنه. قيل: لم يذكر الله تعالى في الآية الجمع بين استعمال الماء والتيمم،

стр. 1318

إنما ذكر الماء إذا قدر عليه، أو التيمم مع عدمه وتعذر استعماله، وهذا ممن قد تعذر عليه استعماله في جملة الأعضاء أو أكثرها، فصار من أهل التيمم لا من أهل الماء. ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الطهارة بالماء، فلا يجوز الجمع بين الأصل والبدل الذي ينوب مناب جملته مفردا، كالرقبة في كفارة الظهار. فإن قيل: هو منتقض بالمسح على الخفين والجبائر مع غسل الباقي. قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأننا قلنا: لا يجوز جمع الأصل مع البدل الذي ينوب مناب جملته مفردا، والمسح على الخفين والجبيرة ليس هما بدلا ينوب في الإفراد عن جميع الأصل. وأيضا فإن الخفين بدل من غسل الرجلين اللتين تحتهما، لا بدلا عن جملة الأعضاء، فالحدث يرتفع وإن مسح على الخفين والجبيرة، وليس كذلك التيمم؛ لأنه بدل عن الجملة، ألا تري أنه لو لم يجد ماء أصلا كان هذا التيمم هو البدل، والحدث غير مرتفع. وأسئلة هذه المسألة هي أسئلة المسألة التي تقدمت، فتنقل الأجوبة هناك إلى الأسئلة هاهنا، وبالله التوفيق.

стр. 1319

مسألة (٦٣): ومن نسي الماء في رحله حتى تيمم وصلى أعاد في الوقت (١). وروي عن مالك أنه لا يعيد، وإن أعاد فحسن (٢). وروى المدنيون عنه أنه يعيد أبدا (٣). وبهذا قال الشافعي في قوله الجديد، وبه قال أبو يوسف. وبالرواية الأولى أنه لا إعادة عليه قال أبو حنيفة، ومحمد، والشافعي في قوله القديم (٤). والدليل لقوله لا إعادة عليه: قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٥) وهذا تيمم وهو غير واجد، فدخل تحت الأمر، سواء نسي الماء في رحله أو لم يكن في رحله؛ لأنه قد طلبَ طلب مثله فلم يجد، ولم يكلف إصابة الماء، وإنما كلف الطلب. وأيضا قول النبي ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت" (٦).

стр. 1320

وهذا عام، سواء [نسي] (١) الماء في رحله أو لم يكن في رحله. وأيضا فإن الاعتبار في الماء بالقدرة على استعماله لا بالملك، ألا ترى أن المسافر إذا لم يقدر على الماء جاز له أن يتيمم ويصلي، وإن كان الماء في ملكه بحيث لا يقدر عليه، مثل أن يحول بينه وبينه بلد آخر، أو غير ذلك، فإذا ثبت ذلك فالناسي للماء في رحله لا يوصف بأنه قادر عليه وعلى استعماله، فلم يلزمه الإعادة. وأيضا فإنه لو كان في برية وطلب الماء حوله وبقربه فلم يجده، ولم يقف عليه، فتيمم وصلى، ثم ظهر له بقربه بئر فيها ماء فإنه لا إعادة عليه، كذلك إذا ظهر له الماء في رحله. وأيضا فقد ذكرنا فيما تقدم أن كل من لزمه فرض التيمم والصلاة، فتيمم وصلى على ما كلف لم تلزمه الإعادة، ولا خلاف أن هذا ممن قد لزمه التيمم والصلاة، وقد فعل ذلك، فلا إعادة عليه. وأيضا فإنه معذور في نسيانه، فهو كمن لم يكن في ملكه، أو كان مريضا يخاف التلف من استعمال الماء، فكل معذور في تيممه إذا صلى لم تلزمه الإعادة، قياسا عليه إذا لم يكن في ملكه، أو كان مريضا. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) وقول النبي ﵇: "الصعيد وضوء المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته" (٣).

стр. 1321

فأباح تعالى هو ورسوله ﵇ التيمم إذا لم يجد الماء، ومنع منه إذا وجده، وإنما يقال: "لم يجد" إذا طلب فلم يجد، وأما إذا لم يجده من غير طلب فإنه لا يقال له: لم يجده، وإنما يقال: لم يصبه أو ليس عنده (١). فإذا ثبت ذلك فالذي نسي الماء في رحله لا يقال له: لم يجد الماء؛ لأنه لم يطلبه، وأول الطلب يكون من رحله، ثم ما حوله، فلم يعتد بتيممه وصلاته. قيل: هذا قد طلب طلب مثله، وبدأ برحله، والإنسان قد يعتقد الشيء في رحله فيطلبه وينسى موضعه، فهو طالب له فلم يجده، فصار عادما له بعد أن طلبه، فهو غير واحد. على أن الإنسان قد ينسى أن في رحله ماء، فيطلب من حوله فلا يجد، وهذا قد طلب من غير رحله فلم يجد، وأنتم تقولون: إذا نسي الماء في رحله، واجتهد في الطلب من غير رحله فلم يجد، وتيمم وصلى فإنه يعيد الصلاة، مع أنه قد اجتهد في الطلب من غير رحله فلم يجد، فصار ظاهر الآية حجة لنا، وحجة عليكم. فإن قيل: فإن التيمم بدل عن مبدل، لو كان عالما قادرا على مبدله لم يعتد به، فوجب إذا كان ناسيا له أن لا يعتد به، أصله إذا نسي أنه قادر على الرقبة فصام لم يعتد بصومه. قيل: الفرق بين الموضعين: هو أنه قد يجوز أن يعدل عن الماء إلى

стр. 1322

التيمم مع وجود الماء على وجه ما (١)، ولم يجز العدول عن الرقبة مع وجودها على وجه ما، فبان بهذا أن الرخصة قد تدخل في ترك الماء مع وجوده لعذر، ولا تدخل الرخصة في ترك الرقبة مع وجودها، فبان الفرق. وأيضا فإن التيمم روعي فيه خوف فوات وقت الصلاة، وليس للرقبة وقت يخاف فواته، فلهذا أعاد عتق الرقبة، ولم يعد الصلاة، والله أعلم. فإن قيل: فإنه أمر متعلق بالطهارة، فوجب أن يكون الناسي [فيه] (٢) كالعامد في وجوب الإعادة، كالمتطهر بالماء النجس لا فرق بين أن يستعمله ناسيا أو متعمدا في أن عليه الإعادة. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الماء النجس لم يجز استعماله في الطهارة على وجه، لا مع القدرة ولا مع العجز، وقد جاز التيمم مع وجود الماء الطاهر على وجه. والجواب الآخر: هو أن الماء لا يتنجس عندنا إلا بتغير أحد أوصافه (٣)، فهو أمر متيقن يبعد أن ينسى صاحبه كونه نجسا (٤)، وإن كان يجوز أن يستعمله مستعمل على طريق الجهل. فإن قيل: قد وجدنا شرائط الصلاة كلها مبنية على أن لا فرق بين أن

стр. 1323

يتركها ناسيا أو عامدا في إيجاب الإعادة، مثل الاستقبال للقبلة، وستر العورة، وإزالة النجاسة، والتكبير، والقيام، والركوع، والسجود، وغير ذلك، فكذلك الطهارة بالماء، ألا ترى أنه لو نسي نفس الطهارة لكان كتركها عامدا في وجوب إعادة الصلاة، فكذلك نسيانه الماء كتركه عمدا في وجوب إعادة الصلاة. قيل: إن أصل التيمم إنما أبيح لمراعاة الوقت، أعني وقت الصلاة الذي يخاف فواته، فأي موضع يخاف فوات الصلاة فيه مع تعذر الماء عليه لزمه التيمم، والذي نسي الماء في رحله ولا يجد غيره يخاف فوت وقت الصلاة الحاضرة فلزمه التيمم باتفاق، كالمسافر لا يجد الماء، وكالمريض الخائف من استعمال الماء، وليس كذلك ما ذكرتموه من سائر الأوصاف؛ لأن تلك لازمة، سواء خاف فوات [وقت] (١) الصلاة أم لا، فبان الفرق، ألا ترى أن المتمتع إذا لم يحضره يسر وهو موسر ببلده فإنه يعدل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام في الحج خوف فواتها، ولا يعيد إذا قدر على [الهدي] (٢) بعد ذلك. على أن ستر العورة عندنا ليس بفرض (٣)، وكذلك إزالة النجاسة (٤)، والذي نسي القبلة أيضًا فصلى إلى غيرها إن ذكر بعد خروج [وقت] (٥) الصلاة لم تلزمه الإعادة (٦).

стр. 1324

على أن هذه الأشياء إذا نسيها فإنه لم يأت بها ولا ببدلها، والذي نسي الماء قد أتى بالبدل الذي هو التيمم، ولا يلزم على هذا من نسي الطهارة بالماء والتيمم جميعًا؛ لأنه لم يأت ببدل، وكذلك من نسي القيام والركوع والسجود وغير ذلك، فلم يلزم ما ذكرتموه. فإن قيل: قولكم: "إن الاعتبار في جواز التيمم بعدم القدرة على استعمال الماء لا بعدمه في الملك" إلى آخر الفصل فإننا نقول: إنما يعتبر جواز التيمم بعدم القدرة على الماء إذا لم يُنسب هو في ترك تلك القدرة إلى التفريط، فأما إذا نسب في ترك تلك القدرة إلى التفريط فلا يكون كعدم القدرة، بل يكون كوجود القدرة عليه، والإنسان إذا كان في ملكه ماء في بلد آخر، ولا ماء معه في موضعه فإنه يتيمم؛ لأنه غير منسوب إلى التفريط في ترك هذه القدرة. فأما من نسي الماء في رحله فهو مفرط في ترك هذه القدرة وإن كان لا يقدر على استعماله، فلم يكن كعدم القدرة عليه. وأما ما ذكرتموه من البئر يظهر عليها بعد تيممه وصلاته فإننا نقول: لا فرق بين البئر وبين ناسي الماء في رحله وذلك متى كان مفرطا فيه لزمته الإعادة، ومثل أن يكون قد عرف تلك البئر أصلا، فإننا ننظر فيه، فإن كان مفرطا في طلبها، مثل أن يكون لها أعلام لا تخفى، وعليها أمثال وآثار مثلها تعلم، ففرط في طلب ذلك فإن عليه الإعادة، وإن كانت البئر في موضع خفي مغطى بشيء حيث لا يعثر عليه فلا إعادة عليه، واعتبار طلب الماء في الرحل على هذه الصفة متى كان مفرطا في طلبه فعليه الإعادة، وإن لم يكن مفرطا فلا إعادة عليه، فإذا كان ذلك سقط ما ذكرتموه ولم يلزمنا.

стр. 1325

قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أننا على هذا الوجه متفقون؛ لأننا نقول: إن طلب في رحله طلب مثله فلم يجده، وظهر أنه قد خبأه في موضع خفي عليه عند الطلب فإنه غير مفرط، فلا إعادة عليه، وإن ترك الطلب أصلا في رحله فإنه مفرط، وعليه الإعادة. والجواب الآخر: هو أن يكون نسي أن في رحله ماء أصلا، وكان عنده أنه لا ماء عنده، فطلب من غير رحله فلم يجد فإن هذا أيضًا لا يكون مفرطا؛ لأن النسيان عذر أتاه من قبل الله تعالى، فكان عنده أنه لا ماء في رحله، فطلب من جهة أخرى، فلم يفرط فيما عليه من الطلب، فصار بمنزلة من غلب على ظنه أنه لا ماء في هذه الجهة، فطلبه من جهة أخرى فلم يجد، وليس عليه أن يطلب الماء من جميع الجهات، وإنما هو على ما يغلب على ظنه أنه يجده في تلك الجهة، فيكون الخلاف هاهنا واقعا، وفي الأول اتفاق. والأولى عندي أنه إن لم يتعرض لطلب الماء في رحله أصلا أن يكون مفرطا عليه الإعادة، ويكون هذا وجه قول مالك: إنه يعيد أبدا. ويكون وجه قوله: "لا إعادة عليه" إذا طلبه في رحله فلم يجده؛ لأنه خفي موضعه من رحله، فلم يفرط، والله الموفق. ويجوز أن نحرر لموضع الخلاف قياسا فنقول: قد تيمم لعذر هو عجزه عن استعمال الماء حين خاف فوات الوقت فلم تجب عليه الإعادة، أصله المريض والمسافر إذا لم يجد الماء، ورد المعذور بالتيمم إلى مثله أولى من رده إلى غير جنسه. وبالله التوفيق.

стр. 1326

فَصل قد مضى الكلام في الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فوتها الكلام على أبي حنيفة، وفي آخره كلام عن الشعبي والطبري لم أستقصه. ورأيت أن أفرده هاهنا، وذلك أن الشعبي وابن جرير الطبري يقولان: صلاة الجنازة غير مفتقرة إلى الطهارة أصلا لا بالماء ولا بالتيمم، وليست عندهما صلاة، وإنما هي دعاء (١). قالا: هي كالصلاة على النبي ﵇، ألا ترى أنها لا تفتقر إلى ركوع وسجود، فلم تفتقر إلى الطهارة. والوجه أن ندل على أنها تسمى صلاة (٢). والدليل على ذلك ما روي أن النبي ﵇ "صلى على النجاشي وكبر أربعا" (٣). وما روي أنه ﵇ صلى على مسكينة (٤).

стр. 1327

روي أنه ﵇ صلى على شهداء أحد (١). وروي أنه لم يصل (٢). وروي أنه صلى على حمزة (٣). فإذا ثبت أنها تسمى صلاة فقال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٤) فأمر بغسل هذه الأربعة الأعضاء لمن قام إلى الصلاة، والألف واللام في الصلاة للجنس، فهو عموم في كل ما يسمى صلاة إلا أن تقوم دلالة. وأيضا قول النبي ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥). فهو عام في كل صلاة ما لم يمنع منه دليل. وقال: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء" (٦). وأيضا فإن كل عبادة افتقر افتتاحها إلى التوجه إلى القبلة والتكبير فإنها

стр. 1328

مفتقرة إلى الطهارة، أصله سائر الصلوات. وأيضا فإن صلاة الجنازة مفتقرة إلى التوجه وستر العورة، وإزالة النجاسة والتكبير، وقطع الكلام فيها، وكذلك هي في وجوب الطهارة مثل سائر الصلوات. وأما قولهم: إنها لم تفتقر إلى ركوع وسجود فلم تفتقر إلى طهارة فإننا نقول: الصلوات تختلف، فمنها أربع ركعات، ومنها ثلاث، ومنها ركعتان، ومنها ركعة هي الوتر، ومنها ما فيه ركوعان (١)، ومنها ما لا ركوع فيه ولا سجود كالطواف، وقال ﵇: "الطواف بالبيت صلاة" (٢). فليس من أجل خلافها للصلوات ما يخرج عن جميع أحكامها، ألا ترى أنها قد شاركت الصلوات في التوجه والتكبير والسلام، فهي مثلها في الطهارة. فأما الصلاة على النبي ﵇ فإنها قول لا فعل، ألا ترى أنها لا تفتقر إلى شيء مما في الصلوات من الأفعال، فلم تفتقر إلى الطهارة. والله أعلم. مسألة (٦٤): اختلف أصحاب مالك ﵀ وإياهم - في المهدوم عليه، والمربوط على خشبة تحضرهم الصلاة. فذكر ابن القاسم أن عليهم إعادة الصلاة، وهذا يدل أنهم يصلون في

стр. 1329

الوقت بالإيماء، ويعيدون إذا قدروا؛ لأنه لم يقل: يقضون، وإنما قال: يعيدون. وأيضا يعيد من قد صلى، وظاهر قوله "يعيدون" واجبا. وقال أشهب: لا إعادة عليهم، وظاهر هذا يدل على أنهم يصلون في الوقت، فيحتمل أن يصلوا واجبا ولا إعادة، ويحتمل أن يريد: يصلون استحبابا، ولا إعادة عليهم (١). وعندي أنهم إن كانوا على طهارة فإنهم يقدرون على الصلاة إيماء، فيجب عليهم أن يصلوا على حسب قدرتهم، كالمريض والمسايف. وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول ابن القاسم في الإعادة أنها مستحبة (٢)، وإن لم يقدروا على استعمال الماء ولا التيمم لم يصلوا ولا إعادة عليهم (٣).

стр. 1330

ويحمل قول أشهب على أنهم يصلون استحبابا ولا إعادة عليهم، ويحتمل أن يصلوا واجبا ولا إعادة عليهم (١). وحكي عن أبي حنيفة أنهم لا يصلون، ولا إعادة عليهم (٢)، وهذا الذي أختاره (٣). واختلف قول الشافعي في: هل يصلون في الوقت على طريق الوجوب أو الاستحباب، ولم يختلف قوله في أن عليهم الإعادة (٤).

стр. 1331

وقال المزني: يصلون واجبا ولا إعادة عليهم (١). وقد يحتمل قول أشهب مثل هذا. ووجه القول أنه لا تجب عليهم الصلاة ولا القضاء، لقول النبي: ﵇: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٢). وهذا دليل على سقوط حكمها إذا صلى بغير طهور، وإذا سقط عنه أن يصلي بغير طهور وعقله معه، وهو ذاكر غير ناس لم يجب القضاء، كالمراهق والحائض. وكذلك قوله ﵇: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه" (٣). وهذا غير قادر على ذلك. وقوله ﵇ لعمار: "إنما كان يكفيك هكذا" (٤) في التيمم حين لم يقدر على استعمال الماء، فدليله أن غير ذلك لا يكفيه جملة، ولم يقل: إنما يكفيك أن تصلي إن لم تقدر على الماء والتيمم. وأيضا فإنه ممن معه عقله، وقد عجز عن استعمال الماء والتيمم بأمر

стр. 1332

لا يمكنه دفعه، فأشبه الحائض. فإن قيل: الحائض مع قدرتها على الماء لا تصلي، وليس كذلك هذا، فالحائض ليست عاجزة. قيل: عجزها عن استعمال الماء بالشرع، وعجز ذلك بعدم القدرة، ولا يخرجهما أن يكونا عاجزين، وإن افترق وجه عجزهما. ويجوز أن يستدل باستصحاب الحال، فإن ذمته بريئة من وجوب شيء حتى يقوم دليل. وأيضا فلو وجب عليه ابتداء الدخول [لوجب] (١) أن يسقط فرضه، فلما قالوا: لا يسقط فرضه لم يجب عليه، كالنوافل. وأيضا فلو وجب عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضي لأوجبنا عليه صلاتي فرض من جنس واحد، في يوم واحد، كظهرين وعصرين، وهذا لا يجوز، فكيف وقد قال النبي ﵇: "لا ظهرين في يوم" (٢) يعني واجبتين (٣).

стр. 1333

ووجه قول المزني الذي يحتمله قول أشهب هو أن كل من أدى الفرض على ما كلفه لم يلزمه قضاؤه (١)، كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والعاجز عن أركان الصلاة، يصلي على حسب حاله، وكذلك المسايف والمسافر يحبس الماء خوفا على نفسه من العطش يتيمم، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم الإعادة. فإن قيل: الدليل على أنهم تلزمهم الصلاة في وقتها والقضاء إذا قدروا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٢). وهو عام في كل أحد، إلا أن الفرض لا يسقط لقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٣). قيل: هذا الخبر يقضي على الآية، فصار تقدير قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٤) إذا كنت طاهرا، وقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٥) أي

стр. 1334

لا يصلي بغير طهور، وإن أراد: لا حكم لصلاة فلا حكم لها في أن تبتدأ ولا تجزئ. فإن قيل: فإنه مكلف أدرك الوقت فوجب أن تلزمه إقامة فرض الوقت، كالمريض والمعذور، ومن عجز عن القيام والقراءة [وغيرهما] (١) لمرض. قيل: إن أردتم أنه مكلف بهذه الصلاة على هذا الوجه ففيه اختلفنا، وإن أردتم أن عقله معه فقولكم: تلزمه إقامة فرض الوقت فإنه لا فرض عليه في هذا الوقت إلا أن يقدر على الوضوء أو التيمم، وفي هذا أيضا اختلفنا. فأما المريض العاجز عن القيام وغيره فإنما لزمهم أن يصلوا إن كانوا على طهارة، فأما لو لم يقدروا على الوضوء والتيمم فإن حكمهم حكم المربوط والذي تحت الهدم. فإن قيل: إن المربوط قادر على الركوع والسجود، وإنما الحائل منعه منه قيل: كلامنا فيه إذا لم يقدر على الطهارة أصلا، فإن كان المربوط والذي تحت الهدم على طهارة أو يمكنه الوضوء والتيمم فواجب عليهم أي يصلوا في الوقت، ولا إعادة عليهم كالمسايف. ووجه قول ابن القاسم على ما خرجناه من وجوب الإعادة هو أن الله تعالى قد أوجب على العاقل البالغ من المسلمين الصلاة لوقتها، فلا تسقط

стр. 1335

عنه إلا بدليل، وعجزه عن الطهارتين جميعا، ومعه، عقله، وليس ممن يحيض لا يسقط عنه حكم الصلاة؛ لأنه إذا عجز عن فرض الصلاة وعقله معه لم يسقط عنه حكمها، فعجزه عن شرط أخذ عليه للصلاة [لا يسقط عنه حكمها] (١). قيل: الدخول فيها أولى أن لا يسقط حكم الصلاة، ألا ترى أن المريض إذا لم يقدر على القيام، والمسايف، وغيره ممن لا يقدر على الركوع والسجود لا يسقط عنهم أحكام الصلاة. وأيضا فإن النائم [الذي] (٢) قد غاب عقله حتى خرج وقت الصلاة لم يسقط عنه حكمها، فمن معه عقله وهو ممن يصح منه أداؤها في الحال لو كان على طهر أولى أن لا يسقط عنه حكم الصلاة، والله أعلم. فإن قيل على الوجه الأول: إن قولكم "لو كان يلزمه الدخول فيها لوجب أن يسقط فرضه" باطل بمن أدرك الإمام في السجود، وبمن أفسد حجه، يلزمه المضي ولا يسقط فرضه. قيل: هذا لا يدخل على ما ذكرناه؛ لأنه لا يجب عليه أن يدخل مع الإمام في السجود، ولو دخل معه لم يكن هذا القدر مما يعتد به لو كان على طهارة، والصلاة كلها إذا دخل فيها يعتد بها لو كان طاهرا، والذي أفسد حجه لو كان في الابتداء لم يدخل فيه، وهذا توجبون عليه أن يدخل في الصلاة مع أنها لا تجزئه، فلم يشتبها. فإن قيل: إن قولكم: "هذا يؤدي إلى إيجاب ظهرين في يوم" فإننا نقول:
следующие страницы →