← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وأيضا فإن النبي ﵇ توضأ وغسل رجليه، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (١). فهو عموم في كل صلاة. وأيضا قوله للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك" إلى أن قال: واغسل رجليك" (٢). فبين أن الذي أمر الله به غسل الرجلين. وأيضا قوله: "لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه ويديه" إلى قوله: "ويغسل رجليه" (٣). فنفى الإجزاء عن كل عبد إلا بهذه الصفة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. وأيضا قوله لأبي ذر: "التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته" (٤). والرجل من البشرة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. فإن قيل: فقد حصل الإجماع على أنه طاهر بعد مسحه على الخفين، وأن الصلاة جائزة له، فمن زعم أن عليه غسل رجليه، وأن طهارته تنتقض فعليه الدليل، وإلا فنحن متمسكون بموضع الإجماع.

стр. 1402

قيل: إن الإجماع حصل على صفة وهو كون رجليه في الخفين، فلما نزعهما انحل الإجماع، ألا ترى أن الخلاف حاصل. وعلى أن الأصل كان عليه غسل رجليه؛ لأنه محدث، فجوز له الإجماع أن يمسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترتين بالخف، فإذا نزعهما عاد إلى ما كان عليه من وجوب غسلهما، فلم يبق إجماع. فإن قيل: هذا كلام في إبطال استصحاب الحال؛ لأننا قلنا: قد حصل الاتفاق على أنه يجوز له الصلاة قبل نزع الخفين فمن زعم أن حكمه يتغير بنزعه فعليه الدليل. قيل: نحن أيضا نقول باستصحاب الحال، ويجوز الانتقال عنها بالدليل، وقد بينا لأي معنى حصل الإجماع، وهو كونه طاهرا قبل نزع الخف لانستار قدميه، في الخف مع وجود المسح عليهما، وقد زال هذا المعنى بظهور قدميه، وإذا تعلق الحكم بعلة ثم زالت زال الحكم المتعلق بها. يدلك على هذا أن القدمين لو كانا ظاهرتين بعد الحدث وقبل كونهما ممسوحين في الخف لوجب غسلهما، ولكن المسح ناب عن الغسل لكونهما في الخفين، فإذا ظهرا رجعا إلى ما كانا عليه من وجوب الغسل، وصار هذا كالتيمم الذي كان على الإنسان في الأصل أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله، فإذا تعذر ذلك جاز له التيمم ما دام على هذا الحال، فإذا زال العذر زال حكم التيمم الذي هو بدل من الغسل، كذلك هذا كان عليه غسل رجليه بالماء، فإذا أدخلهما في الخف على صفة جاز له بعد الحدث المسح ما دام على هذه الحال، فإذا ظهرت رجلاه زال المعنى الذي من أجله زال المسح على

стр. 1403

الخف بدلا من غسلهما، ورجع الشيء إلى حكمه الأول من وجوب الغسل لأجل الحدث المتقدم. وعلى أننا قد ذكرنا استصحاب حال هي أولى مما ذكرتم، وقلنا: الصلاة في ذمته بيقين. فإن قيل: إن المتيمم لم يرتفع حدثه، وإنما استباح الصلاة بالتيمم وهو محدث (١)، وماسح الخفين مع غسل باقي الأعضاء قد ارتفع حدثه، فلا يصير محدثا بنزعه الخفين. قيل: إنما نقول: إن حكم حدثه ارتفع على صفة، وهو أنه ما دامت رجلاه في الخف بدلا من الغسل فهو تابع للأعضاء المغسولة، فإذا ظهرت الرجلان حتى حضرت صلاة أخرى زال حكم المسح الذي هو بدل عن غسلهما لا بدلا عن جميع الأعضاء، فيجب غسل الرجلين. فإن قيل: فإن الإنسان إذا كان أصلع أو أمرد وجب عليه في الوضوء غسل وجهه ومسح رأسه، ثم لو نبتت لحيته وشعر رأسه جاز له غسل الشعر ومسحه على الرأس، فلو أنه غسل ظاهر لحيته ومسح شعر رأسه ثم حلق ذلك لم تجب عليه إعادة الغسل والمسح، وجاز له أن يصلي قبل أن يحدث، فكذلك في مسألتنا في الخف. قيل: هذا التشبيه غلط؛ لأن الشعر ليس ببدل وهو من نفس الخلقة، وغسله ومسحه عزيمة، كما لو لم يكن، وليس كذلك الخف؛ لأنه في الأصل منفصل ليس من الخلقة في شيء، ألا ترى أنه لو قال لزوجته: "شعرك طالق"

стр. 1404

طلقت، فلو قال لها: "خفك طالق" لم تطلق (١)، فصار مسح الخف بالتيمم أشبه؛ لأنه بدل كالتيمم. فإن قيل: قد نجد في الأصول أن يكون الشيء له حكم في الأصل، ثم يحدث له حكم آخر، ثم يعود إلى مثل الحال الأول، فلا يعود حكمه إلى الأول، ولا يتغير حكمه عما قد حصل عليه. من ذلك عقد التزويج لو وقع في الإحرام لفُسخ عندنا وعندكم (٢)، وكذلك في العدة (٣)، ثم لو عقد في ثم لو عقد في غير الإحرام بشرائطه لكان صحيحا، ثم لو طرأ عليه الإحرام لم يقدح في صحته، ولم يبطل حكم النكاح، وكذلك لو طرأت العدة على زوجته، مثل أن توطأ بشبهة لم يبطل حكم عقده، وإن كانت هذه الحال لو وجدت في الابتداء لم يصح العقد. وكذلك لا يؤثر نزع الخف في صحة الطهارة المتقدمة، وإن كانت

стр. 1405

الرجلان لو كانتا في الابتداء ظاهرتين لم يكن بد من الغسل. قيل: إن هذا التشبيه أيضا غير صحيح، وعروض مسألتنا أن يكون في الابتداء محرما [ويكون هذا] (١)، ظاهر الرجلين، فهذا لا يجوز له المسح على رجليه ولا إدخالهما في الخف إلا بعد الغسل، والمحرم لا يجوز له العقد، فإذا غسل هذا رجليه وأدخلهما في الخف صار بمنزلة من عقد وهو غير محرم في أنه فعل ما له أن يفعل، والآخر أدخل رجليه في الخفين ففعل ما له أن يفعله. فطروء المسح عليه لا يبطل فعله، وطروء الإحرام على الآخر لا يبطل فعله المقدم وهو العقد، فإذا نزع هذا خفه بعد الحدث والمسح فهو بمنزلة المحرم يطلق في حال إحرامه، فإنه يعود إلى حالته الأولى في الابتداء في أنه لا يصح منه التزويج الذي كان يصح منه التزويج الذي كان يصح منه ورجلاه في الخف، بل عاد إلى حالة الابتداء من أنه لا بد من غسل رجليه، كما كان في الأول قبل إدخالهما في الخف، كما عاد المحرم بعد طلاقه إلى الحال التي لو كان عليها في الابتداء من الإحرام لم يجز له عقد التزويج. وعلى أن المحرم إذا طرأ عليه الإحرام بعد تقدم عقده فهو ممنوع من الوطء، كما لو عقد النكاح وهو محرم، والذي أدخل رجليه في الخفين هو غير ممنوع من المسح ما دام على حاله، فبان بهذا أن التشبيه أيضا غير صحيح. وقد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن قالوا: العلل على ضربين: فضرب للابتداء والانتهاء، وضرب للابتداء دون الانتهاء (٢).

стр. 1406

فالضرب الذي للابتداء حسب كالإحرام والعدة كما ذكرتموه. والضرب الذي يستوي حكم ابتدائه وانتهائه كالرضاع، والردة، وملك أحد الزوجين صاحبه، فأدنى ما في ذلك أن لا تكونوا فيما ذكرتموه من اعتبار ما تنازعناه بأسعد منا باعتباره بما ذكرناه من علل الابتداء والانتهاء؛ لأن العقد مع وجود الردة والرضاع لا يجوز، ولو طرأ بعد العقد لأبطله كما كان يبطله في الابتداء، ووجب أن يغلب الأقوى من الاعتبارين، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن مسح الخفين نائب عن الغسل لا محالة؛ لأنه إحدى الطهارتين، ولا تصح نيابته عنه إلا على صفة، وهي أن يكون العضو الذي هو الأصل غير ظاهر؛ لأنه متى ظهر كان الخف أجنبيا منه، لا يكون من المسح بسبيل، فإذا ظهر القدم فقد زال حكم المسح؛ لأن الأصل الذي من أجله صار هذا نائبا عنه قد حضر، فوجب أن يكون على الأصل الذي كان عليه. يدل على صحة هذا التيمم على ما تقدم ذكره، ولهذا نظائر كثيرة في الأصول، منها: أن شهود الأصل لو كانوا حضورا غير مرضى ولا مسافرين، أو فسقوا لم يجز لشهود الفرع أن يؤدوا الشهادة التي على شهادتهم؛ لأن شهادتهم تجوز على صفة هي غيبة شهود الأصل، أو تخلفهم لعذر، ولكونهم عدولا. ومنها: أن الميتة مباحة للمضطر إليها، ثم لو حضر من الحلال ما ينوب منابها ارتفعت الإباحة، وعاد إلى الأصل الذي كان عليه من حضرها لعدم الضرورة. فإن قيل: فلنا نحن شواهد في الأصول، منها: إن عدم الطَّول (١) وخوف

стр. 1407

العنت (١) يبيح التزويج بالأمة المؤمنة (٢)، فإذا تزوج ثم وجد الطول، وزال خوف العنت لم يبطل حكم عقده على الأمة (٣)، وإن كان قد صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يجز له العقد، وكذلك ما تنازعناه. قيل: عروض مسألتنا في نزعه خفيه هو أن يطلق هذا هذه الأمة، فيحصل على الحالة التي لا يجوز معها ابتداء العقد، فيتغير حكمه لا محالة، كما أن نازع الخف قد تغير حكمه، وعاد إلى ما لو كان عليه في الابتداء لم تجز له الصلاة إلا بغسل رجليه. وأجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن اعتبار مسألة الخلاف (٤) أولى؛ لأنه من بابه، والمسح إليه أقرب، وبه أشبه. وأيضا فإن عروض ما ذكروه الصلاة التي أديت في حال المسح وهي صحيحة، وليس أمرها مراعى ولا موقوفا، وكذلك النكاح ليس أمره مراعى، وقد مضى سليما. وأيضا فإن النكاح لا يبطله مضي زمان من غير فعل مؤثر، والمسح يزول

стр. 1408

حكمه عندكم بمضي مدة المقيم ومدة المسافر (١). ويقوي ما نقوله في المسألة أن من عليه رقبة من ظهار أو قتل إذا كان واجدا لها لم يجز له الصوم، فلو لم يجدها ثم دخل في الصوم، ثم وجد الرقبة فإنه يمضي على صيامه ما دام على حاله، فلو أفسد صيام التتابع بغير عذر أو لعذر وهو واجد للرقبة عاد إلى حكم الرقبة التي لا يجوز له مع وجودها في الابتداء العدول إلى الصوم، فصارت الأبدال على طريقة واحدة. ومثل ذلك: هدي القران والتمتع وغيرهما إذا عدمهما حتى دخل في صيام العشرة الأيام، ثم وجد الهدي فإنه يمضي على صيامه، فلو أفسده رجع إلى الهدي الذي في ملكه، فقد استمر هذا في الأصول. والله الموفق. واعتبارنا أولى؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط الصلاة بيقين. فأما الكلام في غسل الرجلين عند نزع الخفين دون استئناف الطهارة من أولها فمبني على جواز تفرقة الوضوء لعذر، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة من أولها. وقد مضى الكلام في الموالاة في موضعه (٢). وقد ذكرنا أن أحد قولي الشافعي أنه يستأنف الطهارة من أولها على كل حال. ويجوز أن ندل على أن عليه غسل رجليه في الحال دون استئناف الطهارة

стр. 1409

بأن نقول: الأصل أن لا شيء عليه قبل نزعهما، ثم قامت دلالة على غسل الرجلين، وبقي الباقي على الأصل. وأيضا فإنه بدل بطل حكمه بظهور مبدله فوجب أن يلزمه غسل ما كان البدل نائبا عنه، دليله التيمم، وذلك أن الإنسان إذا عدم الماء وتيمم فإن التيمم نائب عن غسل جميع الأعضاء، فإذا وجد الماء لزمه غسل جميع الأعضاء التي كان التيمم نائبا عنها، كذلك أيضا مسح الخفين بدل عن غسل الرجلين، ونائب عنهما، فإذا بطل حكمه بالنزع لزمه غسل الرجلين؛ لأن المسح نائب عنهما لا عن غيرهما. فإن قيل: هذا فاسد به إذا أخر غسلهما. قيل: لا يلزم؛ لأنه ليس علّية الاستئناف هي النزع، وإنما العلة لشيء آخر، وهو تأخير غسل الرجلين، وإلا فالواجب بالنزع هو غسل الرجلين فقط. وأيضا فإن مسح الخفين في حكم رفع الحدث؛ لأن الحدث حقيقة [لم] (١) يرتفع لأن مسح الخفين ليس كغسل الرجلين الذي يرتفع معه الحدث حقيقة، والدليل على أنه لا يرفع الحدث حقيقة، وإنما هو تابع للأعضاء المغسولة وهو أن كل طهارة ترفع الحدث لم تبطل قبل وجود الحدث، وكل طهارة لا ترفع الحدث يجوز أن تبطل قبل الحدث، كالتيمم، فلما كان المسح على الخفين يبطل حكمه بنزع الخفين علم أنه لم يرفع الحدث، فإذا لم يرفع الحدث عن الرجلين، وإنما استباح الصلاة بالمسح فإذا نزع الخف فقد بطلت

стр. 1410

الاستباحة، وصار كمن غسل الأعضاء الثلاثة، وبقي غسل رجليه، فيكفيه أن يغسل رجليه. فإن قيل: قد روى صفوان بن عسال قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، ثم نحدث وضوءا بعد ذلك" (١). فأخبر أن النبي ﵇ أمر بالوضوء عند نزع الخف، وإطلاق الوضوء يقتضي وضوءا كاملا. قيل: الخبر يدل على أنه ينزع الخف للجنابة، وإذا كان جنبا أحدث وضوءا كاملا مع غسله، فنقول بموجبه. فإن قيل: فإنه معنى يبطله الحدث فوجب أن يكون انتقاض جزء منه كانتقاض جميعه، أصله الصلاة إذا بطلت ركعة منه بطلت كلها. وأيضا فإن المسح على الخفين يرفع الحدث، بدليل أنها طهارة بالماء، وكل طهارة بالماء فإنها ترفع الحدث كغسل الرجلين، ألا تري أنه يجمع بالمسح على الخفين بين صلوات كثيرة، وكل طهارة يستباح بها الجمع بين الفرضين فإنها ترفع الحدث، كغسل الأعضاء كلها، عكسه التيمم، فإن كان يرفع الحدث فالحدث إذا ارتفع لم يبطل إلا بالحدث، فعلم أن نزع الخفين كالحدث، والمتطهر إذا أحدث لم يكفه غسل الرجلين. قيل: أما القياس على الصلاة فليس بصحيح؛ لأن فساد ركعة يفسد

стр. 1411

الصلاة، فعروضه أن يفسد غسل الرجلين، والرجلان فلم يحصل فيهما غسل، وإنما فسد مسح الخفين، والمسح ليس من جنس المغسول، وإذا فسد رجع الفرض إلى غسل القدمين، حتى تساوي الأعضاء التي غسلت. وقولكم: إن مسح الخفين يرفع الحدث فقد قلنا: إنه يصير في معنى رفع الحدث؛ لأنه تابع للأعضاء المغسولة، وليس كالغسل حقيقة، وما هو في حكم المغسول فهو أضعف من المغسول، فلهذا لم يكن نزع الخف حدثا. وبالله التوفيق. مَسْألة (٧٣): عندنا أن الكمال والسنة في مسح أسفل الخفين وأعلاهما (١). وبه قال الشافعي (٢). وهو مذهب ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص (٣). ومن التابعين الزهري (٤). وقالت طائفة: إن باطن الخف ليس بمحل للمسح مسنونا ولا جائزا (٥).

стр. 1412

وحكي أنه قول أنس بن مالك، وهو مذهب الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه (١). قالوا: لما رواه عروة بن الزبير، عن المغيرة بن شعبة "أن النبي ﵇ مسح على ظهور خفيه" (٢). قالوا: فلا يخلوا أن يكون ﵇ أتى بالجائز أو الكامل، فبطل أن يكون هذا القدر الجائز؛ لأن ما دونه يجوز، أي ما دون جميع ظهر الخفين، فعلم أنه المسح الكامل، فخرج باطن الخفين [عن] (٣) الجواز والكمال. وأيضا فقد أن جابرا مسح ظهور خفيه، وقال: "صنعت كما رأيت

стр. 1413

رسول الله ﵇ صنع" (١). وروى عبد خير عن علي ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف بالمسح أولى من ظاهره، ولكنني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهره" (٢). فمنع علي أن يجري المسح على الباطن، وأن يكون محلا له. والدليل لقولنا: ما رواه إبراهيم بن يحيى، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن وراد كاتب المغيرة، عن المغيرة أن النبي ﷺ "مسح أعلى الخف وأسفله" (٣).

стр. 1414

وهذا نص في مسح أسفله، فلا بد أن يكون ﵇ فعل الجائز أو الكامل. وأيضا فإنه موضع من الخف يحاذي المغسول من القدم، فجاز أن يكون محلا للمسح عليه، أصله ظاهر الخف (١). فأما الجواب عما ذكروه من خبر المغيرة فإننا نقول بموجبه، ويجوز المسح على ظهور الخفين، وهذا لا يمنع أن يكون أسفلهما محلا للمسح، وإنما فعل الجائز ليعلمنا جوازه، ولا يجوز الاقتصار عندنا بالمسح على بعض أعلاهما (٢). ولو جوزنا لم يمتنع أن يكون ﵇ فعل الجائز وبعض الكمال، وأعلمنا أن هذا أيضا يجوز وإن كان قد ترك باقي الكمال في مسح الباطن. وهكذا الجواب عما ذكروه من حديث جابر. وما ذكروه عن علي رضوان الله عليه لا حجة فيه؛ لأنه لم يقل: لو كان الدين بالقياس لجاز المسح على باطن الخف، وإنما قال: "لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخفين بالمسح أولى، ولكني رأيت رسول الله ﷺ مسح

стр. 1415

على ظاهره" (١)، [فلم] (٢) يمنع أن يكون أسفله محلا للمسح، وإنما جعل مسح الظاهر أولى، ولو كان بالقياس لكان باطنه أولى، وهذا يقتضي أن يكون ظاهره أولى. وكذلك نقول: إنه أولى إذا أفرده؛ لأنه لو اقتصر على ظاهره أجزأه، ولو اقتصر بالمسح على باطنه لم يجزئه، وكون الظاهر أولى بالمسح لا يدل على أن أسفله ليس بمحل للمسح، فظاهر الخف هو الجائز، ومسح الأسفل مع الظاهر هو الكامل. وأيضا فإنه ممسوح جرى مجرى البدل من المغسول، فجاز أن يكون جميعه محلا للمسح، [أصله مسح] (٣) الوجه في التيمم. مَسْألة (٧٤): وإن مسح أسفل الخف دون أعلاه لم يجزئه (٤). وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وعامة أصحابه. وهو عندنا إجماع الصحابة.

стр. 1416

وقال المروزي في شرحه (١): يجوز الاقتصار على أسفله (٢). وهو خلاف منصوص الشافعي. واستدل له بما رواه المغيرة أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، قالوا: وإنما مسح أعلاه وأسفله؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح جوازا ومسنونا (٣). قالوا: ولأن انكشاف جزء مما تحت القدم لما كان كانكشاف الجزء من ظاهر القدم في المنع من المسح كذلك أيضا استتاره يجب أن يكون كاستتاره في جواز الاقتصار عليه (٤). والدليل لقولنا: ما روي عن عمر وعلي ﵄ أنها قالا: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكننا رأينا رسول الله ﵇ مسح على ظاهره" (٥). وموضع الدلالة منه: أنهما أخبرا أن المسح على ظاهره أولى، وأن له مزية على باطنه، فإذا جاز الاقتصار على باطنه لم تكن للظاهر مزية عليه؛ لأنه إذا

стр. 1417

أراد الكمال فالجمع بينهما كامل مسنون، وإذا أراد الجواز فجعل الباطن جائزا كالظاهر كان الظاهر والباطن في الكمال سواء، وكذلك في المسنون والجائز، ولم يكن للظاهر مزية على الباطن. وأيضا ما رواه أبو بكرة قال: "رخص رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليها إذا تطهر فلبس أن يمسح على خفيه" (١). والمسح على الخف يقتضي المسح على ظاهره، فثبت بهذا أن الرخصة توجهت إليه وحده. ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على أن الحدث حاصل، والصلاة عليه بيقين، فمن زعم أن حدثه ارتفع، وأن صلاته مجزئة فعليه الدليل. وأيضا فإنه لما لم يجز تعدي مسح الخف إلى غيره من الجورب (٢) وشبهه لم يجز تعدي موضع المسح المنصوص عليه إلى غيره قياسا. وأيضا فإن أسفل الخف يجري مجرى النعل، وظهر القدم يجري مجرى الخف، ألا ترى أن المحرم إذا لبس الخف كانت عليه الفدية، ولو لبس نعلا لم تجب عليه الفدية، ثم قد تقرر أنه لو لبس خفا بلا أسفل وله ظهر القدم كانت عليه فدية، ولو لبس خفا لا ظهر له على القدم وله أسفل القدم لم تجب عليه فدية، فإذا لم يكن بد من أن يجعل أحد الموضعين محلا للجواز فلأن يجعل ما هو في حكم الخف ويجري مجراه أولى مما يجري مجرى النعل.

стр. 1418

وأيضا فإن أسفل الخف [هو باطن الخف] (١)، وباطن الخف لا يكون محلا للمسح، ألا ترى أنه لو أدخل يده في خفه فمسح على باطنه لم يجزئه. فأما قولهم: "إن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله ليبين أنهما جميعا محل للمسح" فهو صحيح، ولكنه ﵇ قصد أن يبين محل المسنون من المسح لا محل الجائز، والمعنى في مسح ظهر الخف هو كونه ظاهرا من الخف، وليس كذلك أسفله؛ لأنه باطن. وما ذكروه من المعنى في الخبر فهو عكس، ولا يقول به أكثر أصحابنا؛ لأنهم اعتبروا جواز المسح بالمنع منه، وهذا لا يجوز فسقط، ولو اقتصرنا في المسألة على الإجماع لكفى. فإن قال قائل: فإنه محل للمسح بالماء، غير مستوعب فوجب أن لا يتعين، كمسح الرأس في الوضوء. قيل: مسح الرأس عندنا مستوعب؛ لأنه عزيمة في الوضوء ليس برخصة (٢)، والمسح على الخفين رخصة، فلا يتعدى به موضع إجازته. فإن قيل: إن كل موضع غسل غطاه خف تام فهو موضع للمسح، كالظاهر من الخف. قيل: فينبغي أن يستوعب جميعه على هذا التعليل، أو يقتصر على موضع الرخصة منه ولا يتعدى بقياس.

стр. 1419

وما قلناه مرجح بما حكيناه من النص على أعلاه، والمنع من التعدي إلى غير الخف، فكذلك موضع الرخصة من المسح، وبالاحتياط للفرض، وإسقاط حكم الطهارة والصلاة وزوال الحدث بيقين. وأيضا فإن الأصول تشهد له، وذلك أننا وجدنا قد تعلق [بالخف أمران حظر وإباحة، فالحظر تعلق] (١) بظاهر القدم في المحرم إذا لم يجد نعلين لبس الخفين، وقطعهما أسفل الكعبين، فكذلك الإباحة يجب أن تتعلق بظاهر القدم دون الباطن. وبالله التوفيق. مَسْألة (٧٥): ويمسح على العصائب والجبائر إذا كان يخاف نزعها، وسواء وضعها على طهر تام أو حدث (٢)، ولا إعادة عليه إذا كان قد صلى (٣). وبه قال أبو حنيفة (٤). والشافعي يقول: إن وضعها على طهارة تامة ثم برأ من مرضه ففي الإعادة قولان (٥)، وإذا شدها على موضع الوضوء والغسل وهو محدث فالإعادة واجبة

стр. 1420

قول واحد (١). والدليل لقولنا: ما روي أن عليا ﵁ قال: "انكسرت إحدى زَنديَّ فشددتها، وسألت النبي عليه لسلام عن الوضوء، فقال: امسح عليها" (٢). ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، فلو كان الحكم يختلف لسأله ﵇ هل شدها على طهر أو هو محدث؟ ثم كان يبين له الحكم في ذلك، فلما لم يسأله، وأطلق له المسح، مع جواز أن يكون شدها وهو محدث علم أن الحكم لا يختلف. وأيضا فإن [ضرورته أشد من] (٣) ضرورة الخف؛ لأنه يمسح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطرا غير مختار، فلم يكلف أن يعصب على الجرح وهو متطهر، مع جواز أن يتفق الجرح والكسر عليه وهو محدث فلا يمكنه الغسل، وليس كذلك الخف، ألا ترى أن الجنب مأخوذ عليه نزع خفه، وليس ذلك على الكسير والمجروح. ولا إعادة عليه؛ لأنه قد صلى على الوجه المأمور به على حسب قدرته، فصار بمنزلة من تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الصلاة فإنه يجب عليه التيمم، ولا إعادة عليه، وكذلك من عجز عن القيام في الصلاة وجب عليه أن

стр. 1421

يصلي على حسب قدرته وطاقته، ثم لا إعادة عليه، وكذلك من لم يقدر على الرقبة في الظهار وقدر على الصيام وجب عليه الصوم، ولا إعادة عليه متى قدر على الرقبة، وكذلك من عجز عن كفارة اليمين حتى دخل في الصوم لم يجب عليه الرجوع [إلى] (١) الكفارة إذا قدر. وهذا كله لأنه قد أدى الفرض على ما وجب عليه (٢). فإن قيل: فإن الصحابة ﵃ قالت: "إن من لم يجد ماء، ولم يقدر على التيمم مثل المصلوب، ومن حبس في الحش إنه يصلي ويعيد الصلاة"، ولم يطرحوا الفرض الذي لزمه بالعجز، ومنهم من قال: "لا يصلي ولكنه يقضي"، فقد بطل ما قلتم. قيل: ليس تقدرون أن تعيّنوا على أحد من الصحابة أنه نص على هذه المسألة، وعندنا أن المصلوب لا يصلي ولا يقضي، وكذلك المهدوم عليه إذا لم يقدر على ماء ولا تيمم (٣). وأما المحبوس في الحش فقد قال مالك في رواية ابن القاسم عنه: إنه يتيمم على الأرض النجسة، ولكنه يعيد في الوقت استحبابا إن قدر على أرض طاهرة، ويجوز أن يصلي في المكان النجس كالثوب النجس إذا لم يجد غيره (٤). وقد قال أصحابنا في المصلوب والمهدوم عليه غير ما حكيناه، وقد

стр. 1422

ذكرت قبل هذا اختلافهم فيه، فلو قلنا إنهما يعيدان الصلاة لما ضر؛ لأن صاحب الجبائر قد مسح على الجبائر، فناب المسح عن الغسل، وكما ناب التيمم عن الغسل، وهؤلاء لم يأتوا بأصل ولا بدل، فافترق الحكم. فإن قيل: فما تقولون فيمن منعه مانع من الماء فصلى؟ قيل: إن كان تيمم لم يكن عليه إعادة، وإن لم يتيمم مع القدرة فعليه الإعادة، وإن لم يقدر على التيمم أيضا فهو كمسألة المصلوب. فإن قيل: لو لطخه إنسان بنجاسة وهو في الصلاة، ومنعه أن يخرج منها حتى صلاها. قيل: لا إعادة عليه؛ لأنه لو ابتدأ الرجل في الصلاة بنجاسة لعذر النسيان استحببنا له الإعادة في الوقت، وليس بواجب. وهذا أيضا إنما يلزم المزني؛ لأنه يقول: لا إعادة على صاحب الجبيرة إذا شد العصائب على طهارة؛ لأنه عاجز، فتلزمه هذه الأسئلة، أو يفرق بينهما فلا يلزمه ذلك. فإن قيل: قد اتفقنا على أنه لو مسح على الخف وقد لبسه على غير طهر أن الإعادة واجبة، فكذلك في العصائب، والمعنى الجامع بينهما أنه مسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، وهو محدث قبل غسله. قيل: هذا غلط فاحش؛ لأن لابس الخف على غير طهر ممنوع من الصلاة، عاص بفعلها وإن مسح الخف، وصاحب الجبائر مأمور بالصلاة، عاص بتركها على ما هو عليه. ثم نقول أيضا: ليس المعنى في الخف ما ذكرتم، وإنما المعنى فيه أنه

стр. 1423

عند كل صلاة قادر على غسل رجليه، وإنما يترك ذلك ترخصا واختيارا للترفه. أو نقول: العلة فيه أنه يجب عليه نزع الخف وغسل رجليه عند الجنابة، وليس كذلك صاحب الجبائر. ثم نعارض بأصل آخر فنقول: اتفقنا على أنه لو تكلف المشقة العظمى في نزع العصائب، فغسل أو مسح بعد تكلفه ونزعها، ثم صلى لم تكن عليه الإعادة، والعلة فيه أنه قد صلى على قدر طاقته، وعلى ما كلف وأمر، فكذلك إذا مسح ولم ينزعها، وقد كان وضعها على غير طهر، فيكون هذا القياس أولى لشهادة الأصول له. وقد روي عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا في غزاة فاشتد عليهم البرد، فأمرهم النبي ﵇ أن يمسحوا على العصائب والتساخين" (١). ولم يقل لهم: إن كنتم لبستموها على طهارة، وذلك للضرورة، والعصائب: العمائم، وقد اتفقنا على أنه لا يجوز المسح على العمائم مع القدرة على مسح الرأس. فإن قيل: ففي الخبر أنه أمرهم بالمسح على التساخين، وهي الخفاف، وقد اتفقنا على أنه لا يجوز المسح عليها إذا لبست على غير طهارة، ولم يسألهم ﵇ هل لبسوها على طهارة؟ كما لم يسألهم عن العمائم. قيل: لو خُلّينا والظاهر لم يكن بين الأمرين فرق، ولكن قامت دلالة في الخف صرنا إليها، وبقي مسح العصائب.

стр. 1424

على أننا فرقنا بين الأمرين من طريق المعنى، فلم يلزم ما ذكرتموه. ويجوز أن نحتج بالظاهر من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، ومن العسر تكليف وضعها على طهارة، أو إعادة الصلاة بعد الرخصة في المسح الذي هو يسر. وأيضا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ) (٢)، فدليله أنه لا يريد التثقيل علينا، وفي وضع العصائب على طهارة تثقيل علينا، وكذلك الإعادة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) أي من ضيق، وهذه عمومات في كل موضع إلا ما خصه الدليل، والله أعلم. ويجوز أن نحتج بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٤)، وهذا واجد للماء، فيجب استعماله على الوجه الذي يقدر عليه، ولا يقدر على استعماله إلا بالمسح على جبيرة، ولم يفرق بين أن يكون وضعها على طهر أو محدثا، فهو عموم إلا أن يقوم دليل. ونقول أيضا: هو خائف من نزعها للغسل، فجاز له المسح عليها عند وجوب الوضوء، أصله إذا وضعها على طهارة، فإذا ثبت المسح سقطت الإعادة؛ لأنه قد أدى الصلوات على ما أمر وكلف كما بيناه، وكما لو كان وضعها على طهارة.

стр. 1425

وأيضا فقد تدركه العلة وهو غير متوضئ، فيخاف أن يصيبه الماء غسلا أو مسحا، فيحتاج إلى تغطية ذلك بالعصائب والخرق، ثم تدركه الطهارة، فكما يخاف من قلعها قد يخاف من الماء قبل شدها فجاز له المسح وسقطت الإعادة. فإن قيل: هو حائل أحدثه بفعله للمسح عليه فوجب أن لا يمسح عليه إذا وضعه على غير طهر كالخفين. قيل: قد ذكرنا الفرق بين ذلك وبين الخفين بما فيه كفاية (١). وفرق آخر وهو أن مسح الخفين عندكم مؤقت، ومسح الجبائر غير مؤقت (٢)؛ لأنه قادر على نزع الخفين غير خائف، وهذا خائف لا يقدر على نزع الجبائر، فبان الفرق بين الموضعين. وأيضا فإن العلة تأتيه بغير اختياره، ويخاف استعمال الماء، فإذا أتته العلة بغير اختيار فوضع الجبائر عليها ضرورة بغير اختياره، فجاز المسح عليها وإن لم يكن وضعها على وضوء، ألا ترى أن الله تعالى قد جوز المسح على شعر الرأس في الوضوء وإن كان حدث على غير وضوء؛ لأنه حدث بغير اختياره، فكذلك يجوز المسح على الجبائر وإن كانت على غير وضوء؛ لأنها حدثت بغير اختياره، فإذا ثبت أن له أن يمسح فمسح وصلى فقد أدى ما كلف على ما كلف، والله الموفق.

стр. 1426

في غسل الجمعة مَسْألة (٧٦): غسل الجمعة سنة، وبه قال جميع الفقهاء إنه ليس بفرض (١). إلا ما روي عن كعب الأحبار أنه قال: "لو وجدت ماء بدينارين لاشتريته" (٢). وهذا يدل على أنه يذهب إلى وجوبه (٣).

стр. 1427

وبه قال داود (١). واحتج بما رواه ابن عمر ابن عمر أن النبي ﵇ قال: "من أتى الجمعة فليغتسل" (٢). وهذا يقتضي الوجوب. وروي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﵇ قال: "غسل الجمعة واجب يوم الجمعة على كل محتلم" (٣). وهذا أشد خبر يحتجون به. وروت حفصة أنه ﵇ قال: "على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة، فمن راح إلى الجمعة فليغتسل" (٤). والدليل لقولنا ما رواه الثوري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فيها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٥).

стр. 1428

والدليل منه من وجهين: أحدهما: أنه جوز الاقتصار على الوضوء بقوله: "فبها ونعمت"، فعلم به أن الغسل ليس بفرض. والوجه الآخر: هو أنه أخرج الاغتسال مخرج الفضيلة. وأيضا ما رواه صفوان بن عسال المرادي قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من غائط ونوم وبول" (١). فأمر ﵇ باستدامة لبس الخف، وذكر نزعه عند الجنابة حسب، فمن زعم أن نزعه يجب لغسل الجمعة خالف ظاهر الخبر، وأوجب ما لم يذكر فيه. ولنا أيضا ما رواه ابن عباس ﵄، وعائشة رحمة الله عليها: "إن الناس كانوا عمال أنفسهم، وكانوا يروحون إلى الجمعة وعليهم الصوف، والمسجد

стр. 1429

ضيق، وروي عليهم الجلود، فكانوا يعرقون، ويتأذى بعضهم بروائح بعض، فقال ﵇: "لو اغتسلتم" (١). أي اغتسلتم لتزول الروائح من العرق، فعلل ﵇ الغسل وبين أنه للتنظيف. وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة، وذلك لما رواه مالك، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر: "أن عثمان دخل في يوم الجمعة، وعمر ﵁ يخطب، فقال لعثمان: أية ساعة هذه؟ فقال: ما زدت على أن توضأت بعد أن انقلبت من السوق، فقال له: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﵇ كان يأمرنا بالغسل؟! " (٢). فترك عثمان الغسل، ولو كان واجبا لم يتركه، ثم إن عمر أقره على ذلك بحضرة الصحابة لم ينكر أحد ذلك، فلو كان واجبا ما أقره على ذلك (٣).

стр. 1430

وقول عمر: "والوضوء أيضا" يعني أنك تأخرت إلى هذا الوقت ولم تغتسل. وقوله: "إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل"، إنما هو على طريق الاستحباب بدليل ما قال ﵇: "من توضأ فبها ونعمت (١)، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، وبهذا الإجماع. وما روي أنه قال: "غسل الجمعة واجب" محمول على وجوب سنة بما ذكرناه من الدلائل. ونقول أيضا: هو غسل لأمر مستقبل لم يتقدم سببه فوجب أن يكون غير واجب، أصله الغسل للحج؛ لأن الغسل الواجب هو ما تقدم سببه.

стр. 1431

ولنا أن نقول: إن هذا الغسل مأمور به لأجل الجمعة أو لصلاة جماعة لا لحدث، فأشبه الغسل لصلاة العيدين، والاستسقاء، وغير ذلك من الحج، فلما لم يكن الغسل لجميع ذلك فرضا لما ذكرناه فكذلك للجمعة. فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال: "غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة" (١). وهذا آكد ما يكون في كونه فرضا. والأخبار التي رويتموها فهي عن أنس وسمرة. وأما يزيد الرقاشي عن أنس فضعيف الحديث، وقد يرويه بعضهم عن الحسن عن سمرة، وليس بالوجه الواضح. وما رويتموه عن عثمان عن عمر رحمة الله عليهما فإنه لم يأمره بالخروج والغسل؛ لأن الوقت كان قد ضاق فيما ذكرتموه. قيل: أما الخبر الذي قال فيه: "غسل الجمعة فريضة" فالفرض هو التقدير في الموضوع: كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنَزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٢)، ومثله أن يقال: فرض القاضي النفقة، أي قدرها (٣)، ولم يُرِد الفرض الذي هو في الشريعة

стр. 1432

مَن تركه فقد عصى، بدليل ما روي عنه أنه قال: "غسل الجمعة سنة" (١)، وبدليل الأخبار التي ذكرناها. وقولكم: "إن يزيد الرقاشي ضعيف" فليس كذلك؛ لأن الأعلام الثقات قد رووا عنه. وأما حديث سمرة، أنه روى بعضهم عن الحسن عن سمرة فلا يضر مثل هذا في الحديث إذا أرسل وأسند. وأما حديث عثمان مع عمر ﵄ فإن كان لم يأمره بالخروج والغسل لضيق في الوقت فذلك أقوى دليل على أنه ليس بفرض إذ لو كان فرضا لكان أولى من استماع الخطبة، ولا يسقط فرض في الجمعة لضيق الوقت، ولم يكن دخل في الصلاة بعد فيقال: تفوته الصلاة، مع أنه لو كان شرطا في صحة الجمعة لم يجز أن يدخل فيها بغير شرطها، و [ليس] (٢) الغسل كالخطبة التي يختص بأدائها الإمام وحده؛ لأن الغسل على ما يزعمون مفترض على كل إنسان في نفسه، فلما لم يخرج عثمان، وقد ترك الغسل عامدا، ولم يأمره عمر ﵁ بالخروج والغسل، ولم ينكر أحد من الصحابة دل ذلك على سقوط فرضه، وعلم أن نكير عمر على عثمان ﵄[ولم يأمره] (٣) بالخروج إنما هو لتركه سنة مؤكدة، ولكن السنن إذا ضاق الوقت وحصل استماع الخطبة الذي هو واجب، خاصة مع استماع الحاضر خطبة الإمام صارت السنن مما قد

стр. 1433

فات وقتها، فيتشاغل عنها بالأهم. وقوله ﵇: "غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة" (١) فإنه ﵇ أراد وجوب سنة، وهو في صفته كغسل الجنابة (٢) بالدلائل التي تقدمت، وبالله التوفيق. فَصْل وينبغي أن يكون غسل الجمعة متصلا بالرواح، وهذا هو المستحب والمسنون (٣). وبه قال أبو حنيفة (٤)، والشافعي (٥). وقال قوم: إنه إن اغتسل قبل الفجر أجزأه (٦). قالوا: إنه لا خلاف أنه لو اغتسل للعيد قبل الفجر أجزأه واعتد به، فكذلك الجمع؛ لأنه غسل ليوم عيد. والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من جاء إلى الجمعة فليغتسل" (٧).

стр. 1434

وفي خبر: "من راح إلى الجمعة" (١). و "من أتى إلى الجمعة" (٢). فقرن الغسل بالمجيء والرواح، والمجيء والرواح قرنا بالغسل أيضا. وكذلك في حديث حفصة أنه ﵇ قال: "على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة فمن راح إلى الجمعة فليغتسل" (٣). فجعل وقته وقت الرواح (٤)، والرواح خلاف التغليس والبكور. وأيضا فقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "الغسل واجب على كل محتلم يوم الجمعة" (٥). ففيه دلالة على أنه لا يجزئ قبل الفجر؛ لأنه قال: "يوم الجمعة"، وقبل الفجر ليس من يوم الجمعة. فإن قيل: ففي هذا دلالة عليكم؛ لأنه جعل جميع النهار وقتا له. قيل: كل النهار ليس وقتا للجمعة؛ لأن غسل الجمعة هو قبلها، فعلم

стр. 1435

أنه أراد قبل الزوال لا قبل الفجر. فإن قيل: قد علمنا أنه ﵇ لم يرد الغسل بعد الرواح والمجيء، وإنما معناه: من أراد المجيء والرواح فليغتسل، وهذا قبل الفجر وبعده يريد الرواح فيغتسل. قيل: فينبغي إذا عزم وأراد المجيء إلى الجمعة يوم الخميس أو ليلة الجمعة أن يغتسل، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١)، أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا عند القيام، كذلك هذا يغتسل عند الرواح، ولولا أن دلالة قامت في جواز تقديم الوضوء لما زُلنا عن الظاهر، وهو وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة. وأيضا فإنه غسل للجمعة قبل يومها فوجب أن لا يعتد به، كما لو اغتسل يوم الخميس. وقال الشافعي: إنه غسلٌ في يوم الجمعة لها قبل فعلها فوجب أن يعتد به، أصله إذا اغتسل قبل الرواح. قيل: هو معتد به (٢)، وإنما الاستحباب ما قلناه. ثم لو قلنا: إنه لا يعتد به من السنة إذا تأخر مضيه إلى الجمعة؛ لأننا قد عرفنا المعنى الذي من أجله أمروا بالغسل فينبغي أن يكون متصلا بالرواح ليكون رواحه متصلا بالنظافة وقطع الروائح من العرق وغيره؛ لأنه بعد رواحه

стр. 1436

ينتظر الصلاة، ولعله يعرق، وتفوح له رائحة، فكل ما كان غسله متصلا برواحه كان أقطع لما يحدث منه بعد الرواح. يقوي هذا: أنه لا يجزئه الغسل قبل الفجر لبعده عن المعنى المراعي. يقوي: هذا ما روي أن الناس كانوا عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئتهم، فتفوح روائحهم، قيل: "لو اغتسلتم" (١). ويجوز أن نقول: قد اتفقنا أنه لو اغتسل لها قبل الفجر لم يجز بعلة أنه غسل سُنَّ لأجل الاجتماع للجمعة، ولقطع الروائح عنهم، فلما لم يتصل ذلك بالرواح لم يجزئه من غسل الجمعة كذلك هذا؛ لأنه غير متصل بالرواح. ونقول أيضا: لو جاز تقدمة الغسل ويكون هو المسنون إذا لم يتعقبه المجيء إلى الجمعة وإن كان مشترطا بالمجيء لجوز تقدمة الغسل قبل يوم الجمعة وإن كان مشترطا في الجمعة، فلما لم يجز ذلك لأنه خلاف الشرط المأمور به كذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.

стр. 1437

ومن كتاب الحيض (١) مَسْألة (٧٧): أقل الحيض عند مالك ﵀ فيما تُترك له الصلاة والصيام (٢) هو أقل

стр. 1438

ما يوجد في النساء، وذلك لمعة أو دفعة (١) من دم (٢). وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام بلياليها (٣). وبمثل هذا قال محمد بن مسلمة في العِدد. وحكي عن مالك مثله في العِدد والاستبراء لا في ترك الصلاة. وقال الشافعي: أقله يوم وليلة (٤). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥). فسماه أذى، وأمر بالاعتزال فيه، ولم يفرق بين قليله وكثيره، فكل دم

стр. 1439

خارج ممن يجوز أن تحيض في زمان يصلح فيه فهو دم حيض إلا أن يقوم دليل. فإن قيل: المحيض ليس هو الحيض، وإنما هو مكان الحيض الذي هو الرحم، فإذا ثبت أنه محيض صح ما قلتم، ولا نسلم أنه يسمى محيضا بخروج دفعة من دم (١). قيل: إنما كنى باسم المحيض عن الدم لأنه يخرج منه، ولم يجعله كناية عن دم مخصوص، فمن زعم أنه كناية عن دم كثير دون دم قليل فعليه الدلالة. وأيضا فقد بين النبي ﵇ صفة دم الحيض فقال: "هو أسود ثخين له رائحة" (٢)، فعلمنا أن المحيض كناية عن الدم الذي هذه صفته، قليلا كان أو

стр. 1440

كثيرا إلا أن تقوم دلالة. وأيضا فإذا كان اسم المحيض كناية عن الرحم فهو يستحق الاسم في حال خروج الحيض وفي خلاله، فالظاهر يقتضي أن نعتزل هذا المكان على كل حال، في حال الدم وفي خلاله، كان الدم قليلا أو كثيرا إلا أن تقوم دلالة (١). وعلى أنهم لا يخالفوننا في اعتزالها في هذا الدم القليل، ولكنهم يراعون أي وقت ينقطع، فإن انقطع دون المدة التي جعلوها حدا لأكثر الحيض كان حيضا، وإن زاد كان حيضا واستحاضة، ويكون الحيض منه هو المحدود في
следующие страницы →