ينتظر الصلاة، ولعله يعرق، وتفوح له رائحة، فكل ما كان غسله متصلا برواحه كان أقطع لما يحدث منه بعد الرواح.
يقوي هذا: أنه لا يجزئه الغسل قبل الفجر لبعده عن المعنى المراعي.
يقوي: هذا ما روي أن الناس كانوا عمال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئتهم، فتفوح روائحهم، قيل: "لو اغتسلتم" (١).
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا أنه لو اغتسل لها قبل الفجر لم يجز بعلة أنه غسل سُنَّ لأجل الاجتماع للجمعة، ولقطع الروائح عنهم، فلما لم يتصل ذلك بالرواح لم يجزئه من غسل الجمعة كذلك هذا؛ لأنه غير متصل بالرواح.
ونقول أيضا: لو جاز تقدمة الغسل ويكون هو المسنون إذا لم يتعقبه المجيء إلى الجمعة وإن كان مشترطا بالمجيء لجوز تقدمة الغسل قبل يوم الجمعة وإن كان مشترطا في الجمعة، فلما لم يجز ذلك لأنه خلاف الشرط المأمور به كذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.
стр. 1437
ومن كتاب الحيض (١)
مَسْألة (٧٧):
أقل الحيض عند مالك ﵀ فيما تُترك له الصلاة والصيام (٢) هو أقل
стр. 1438
ما يوجد في النساء، وذلك لمعة أو دفعة (١) من دم (٢).
وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام بلياليها (٣).
وبمثل هذا قال محمد بن مسلمة في العِدد.
وحكي عن مالك مثله في العِدد والاستبراء لا في ترك الصلاة.
وقال الشافعي: أقله يوم وليلة (٤).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥).
فسماه أذى، وأمر بالاعتزال فيه، ولم يفرق بين قليله وكثيره، فكل دم
стр. 1439
خارج ممن يجوز أن تحيض في زمان يصلح فيه فهو دم حيض إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: المحيض ليس هو الحيض، وإنما هو مكان الحيض الذي هو الرحم، فإذا ثبت أنه محيض صح ما قلتم، ولا نسلم أنه يسمى محيضا بخروج دفعة من دم (١).
قيل: إنما كنى باسم المحيض عن الدم لأنه يخرج منه، ولم يجعله كناية عن دم مخصوص، فمن زعم أنه كناية عن دم كثير دون دم قليل فعليه الدلالة.
وأيضا فقد بين النبي ﵇ صفة دم الحيض فقال: "هو أسود ثخين له رائحة" (٢)، فعلمنا أن المحيض كناية عن الدم الذي هذه صفته، قليلا كان أو
стр. 1440
كثيرا إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا فإذا كان اسم المحيض كناية عن الرحم فهو يستحق الاسم في حال خروج الحيض وفي خلاله، فالظاهر يقتضي أن نعتزل هذا المكان على كل حال، في حال الدم وفي خلاله، كان الدم قليلا أو كثيرا إلا أن تقوم دلالة (١).
وعلى أنهم لا يخالفوننا في اعتزالها في هذا الدم القليل، ولكنهم يراعون أي وقت ينقطع، فإن انقطع دون المدة التي جعلوها حدا لأكثر الحيض كان حيضا، وإن زاد كان حيضا واستحاضة، ويكون الحيض منه هو المحدود في
стр. 1441
أقل الحيض عندهم على اختلاف بينهم فيه، وإن انقطع دون يوم وليلة عند الشافعي أو ثلاثة أيام عند أبي حنيفة فهو غير حيض.
ولنا أن نستدل في ابتداء المسألة بقول النبي ﵇: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة" (١).
وهذا إنما ذكره ﵇ ليعلمنا أن الحكم يتعلق بوجود الدم الذي هذه صفته، ولم يفرق بين قليله وكثيره إذ لو كانت المدة صفة فيه لم يحذفها منه، كما لم يحذف علامات الدم، فهو عام إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فما رواه عروة عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر، فقال: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت أو ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" (٢).
وإقبالها إنما تعرفه بأمارته ولونه، فلولا أن الجزء الأول الذي تعرفه من الحيض، ومحكوم له بحكمه لم يأمرها بترك الصلاة في إقبالها، ولكان يقول لها: "إذا عرفت الدم وأقبل فلا تتركي الصلاة حتى يمضي يوم وليلة، أو ثلاثة أيام".
وأيضا فإنه لما كان دم النفاس تتعلق الأحكام بوجوده من ترك الصلاة، والصوم، والامتناع من الوطء، ولم يكن لأقله حد غير وجوده وجب أن يكون دم الحيض مثله، لمشاركته إياه في علته.
стр. 1442
فإن قيل: فقد روي في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﷺ قال لها: "اتركي الصلاة يوم حيضتك ويوم محيضك" (١).
فوجب أن يكون اليوم مقدرا فيه.
قيل: هذا دليل لنا وذلك أنه أراد وقت حيضتك، أي في اليوم الذي تحيضين فيه، كما تقول: كلم زيدا يوم يقدم فلان، فإنما معناه في اليوم، أي: وقت قدومه منه، ولم يقل: دعي الصلاة بعد يوم حيضتك وبعد ليلته، فصار هذا حجة لنا.
وأيضا فإن أصل دم الحيض والنفاس المرجوع فيه إلى الوجود في النساء؛ لأنه يختلف فيهن بحسب طباعهن، وبحسب أسنانهن، وبحسب اختلاف الأزمنة عليهن، وباختلاف الحرارة فيهن؛ لأنه يقل ويكثر وينتقل، فجعل ذلك معتبرا بوجوده منهن وفيهن، وقد يوجد من تحيض دفعة كما يوجد من تحيض أكثر من ذلك، ووجد من تحيض أكثر من صاحبتها، فينبغي أن يحكم في ذلك بقدر ما قد وجد ويوجد.
وأيضا فإن النبي ﵇ سمى دم الاستحاضة لما خرج عن عادة النساء دم عرق وفساد (٢)، وهو الزائد على خمسة عشر يوما، أو عشرة أيام، فوجب أن يكون ما دونه دم حيض قليلا كان أو كثيرا.
والدليل على صحة قولنا أيضا: أننا لا نعلم خلافا أن المرأة المبتدأة بالدم
стр. 1443
تترك الصلاة لرؤيته (١)، فلولا أن ذلك دم حيض لم يجز لها ترك الصلاة التي عليها بيقين بدم مشكوك فيه، فثبت بهذا أن رؤية الدم بالمبتدأة دم حيض، إلا أن يتبين أنه ليس بحيض بدليل يقارنه، وهو أن يزيد على خمسة عشر يوما.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (٢).
وأقل ما يقع عليه اسم أيام ثلاثة (٣).
قيل: هذا إنما هو خطاب لامرأة بعينها (٤)، وفتوى لها، ولا يجب إذا
стр. 1444
كانت امرأة على [غير] (١) صفتها أن يكون حالها كحالها (٢)، وخلافنا في امرأة ليست لها أيام وهي مبتدأة، أو تكون لها أيام فيما مضى ثم تتغير، وقد علمنا اختلاف أحوال النساء، واختلاف أحوال الدم عليهن من زيادة ونقصان، وانتقال من زمان إلى زمان.
وعلى أن هذا أمر منه أن لا تزيد على الأيام التي كانت تعتادها، ولم يتعرض للنقصان، فإن كنتم تستدلون من دليل الخطاب، وأن دون ما يسمى أياما لا تترك لها الصلاة فأنتم لا تقولون بدليل الخطاب (٣)، ولو قلتم به لم يمتنع أن يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به بدلالة، وقد ذكرنا أدلة.
ونقول أيضا: لما كان دم الحيض دما تزجيه الرحم يمنع الصوم والصلاة جاز أن يكون أقله ساعة، ودفعة من دم، ودليله دم النفاس.
ونقول أيضا: إن الحيض مما يسقط الصوم والصلاة إذا دام ثلاثة أيام، فوجب أن يحكم لما دونه بحكمه إذا وجد على صفته، كدم النفاس.
أو نقول: الحيض يتغير به حكم الطهر كالنفاس، فيجب أن يستوي حكم قليلهما لاشتراكهما في العلة.
وهذه القياسات بعينها تلزم أصحاب الشافعي أيضا في اليوم والليلة.
فإن قيل: فقد روي عن عثمان بن أبي العاص وأنس في الحيض أنهما قالا: "أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما بعد ذلك فهو استحاضة" (٤).
стр. 1445
قيل: الراوي لحديث أنس هو الجلد بن أيوب، وهو مجهول لا يعرف، فإن صح ذلك فيحتمل أن يكون في امرأة بعينها، كان أقل حيضها ثلاثة أيام وأكثره عشرة، حتى يتفق مع ما قدمناه من الدلائل.
فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فإنه قد روي عن علي ﵁ أن ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة (١).
قيل: يجوز أن يصرف هذا أيضا في امرأة بعينها بدلالة، ويجوز أن يكون هذا في العدة.
على أنه قد روي عنه أنه حضر رجلا خاصم امرأة له طلقها منذ شهر عند شريح، فقالت: انقضت عدتي، فقال علي ﵁ لشريح: قل، فقال شريح:
стр. 1446
إن انقضت عدتها بما يعرفه النساء فقد بانت منه، فقال علي: قالون" (١). أي قد صدقت، فدل هذا على أن ما قل قد يكون حيضا.
فإن قيل: فأنتم لا تجعلون دفعة من دم تعتد بها في العِدة.
قيل: القياس هذا، ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين العدة وغيرها إذا كان الطهر بين الحيضتين تاما، وإنما يستحسن الاستظهار (٢) في العدة احتياطا للفرج والنسب، حتى يخرج من الخلاف، وهذا سمعته من الشيخ أبي بكر ﵀.
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أقل الحيض [ثلاثة أيام] " (٣).
في غالب الوجود، والعرف الدائم في الغالب، فأما دونه فمحكوم له بحكمه؛ لأنه قد وجد، كما أنه ليس في الغالب من تحيض خمسة عشر يوما، وله حكم هو من دون ذلك، ونحمله على ما ذكرناه بالدلائل التي تقدمت أيضا.
стр. 1447
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) (١)، فاحتمل أن يكون أراد كل دم موجود خارج عن العرف العام والخاص، واحتمل أن يكون أراد دما موجودا متعلقا بالعرف الخاص أو العام، فلما [اتفقوا على] (٢) أن ما زاد على خمسة عشر يوما أو سبعة عشر لا يكون حيضا، وإن كان الدم موجودا علم أنه أراد بذلك الوجود المعتاد، لا الوجود النادر الشاذ.
قيل: هذا يلزمك في اليوم والليلة، ويلزم من يقول بالثلاث؛ لأنه ليس هذا هو المعتاد، بل هو نادر، والمعتاد في غالب أحوال النساء السبع والثماني إلى العشر، وما نقص عنه أو زاد إلى الخمسة عشر فهو نادر، فثبت أنه تعالى أراد الموجود المعتاد على حسب اختلافه فيهن.
فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣) فإنما جعل الحيض أذى، ولم يجعل الأذى حيضا (٤)، فبينوا أولا أن هذا حيض حتى نسلم لكم ما تقولون.
قيل: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي ما تتأذون به (٥) كناية عرفنا صفته،
стр. 1448
ولم يفرق فيما يتأذى به بين قليله وكثيره.
وعلى أنه قد بينه النبي ﵇ بقوله: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة" (١)، فكأن الله تعالى قال: قل هو أذى إذا كانت صفته ما قال النبي ﷺ ؟
فإن قيل: فإن قياسكم دم الحيض على دم النفاس لا يستقيم؛ لأن العلة في دم النفاس أنه يجوز أن يزيد على خمسة عشر يوما.
وأيضا فإن أقله قد وجد.
قيل: علتكم هذه لا تتعدى، ولا تصح على أصل أبي حنيفة، وعلى أصحاب الشافعي تصح، ولكن علتنا المتعدية أولى منها.
ثم إذا جاز أن يكون أقل النفاس دفعة من دم كان في الحيض أجوز؛ لأن دم النفاس يجتمع في الرحم على الحمل ويكثر، فكان ينبغي أن لا يعتد بقليله، بل يزاد في أقله كما زيد في أكثره، وأن ينقص من قليل الحيض كما نقص في أكثره عن النفاس، فلما اعتد بالأقل في النفاس كان في الحيض أولى.
стр. 1449
وما ذكروه من أن دفعة من دم قد وجد في النفاس فمثله قد وجد في الحيض، وما حجتنا فيه إلا الوجود.
فإن قال شافعي: إن الأصول تشهد لقولنا، وذلك أن الحيض يسقط الصوم والصلاة، فوجب أن يكون أقله محيطا بإسقاط هذه الفرائض، وأقل زمان يسقط هذه عندنا وعندكم يوم وليلة.
قيل: هذه دعوى، على أن جنس الحيض يسقط جنس الصلاة والصيام، ولما لم يتخصص بصلاة دون صلاة في أكثره لم يتخصص بزمان دون زمان في أكثره ولا في أقله، على أن هذا يلزم في أقل النفاس.
فإن قيل: أكثره مقدر (١) فكذلك أقله.
قيل: دفعة من دم مقدرة، فهي كالنفاس، سواء، وهذا ينقض ما قالوه. وبالله التوفيق.
مَسْألة (٧٨):
قال مالك ﵀: ويستمتع من الحائض بما فوق إزارها، ولا يقرب أسفلها، فأما الاستمتاع بما دون الإزار وهو ما بين السرة والركبة إلى الفرج فظاهر قوله أنه محرم (٢).
стр. 1450
وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما حكاه الطحاوي عنهم (١).
وهو ظاهر قول الشافعي (٢).
وقال محمد بن الحسن: يجوز فيما دون الفرج (٣).
وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٤).
وحكي أن الشافعي قد أشار إليه (٥).
قالوا: لما روى أيوب عن عكرمة عن بعض زوجات النبي ﵇ "أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يباشر امرأته وهي حائض أمرها أن تلقي على
стр. 1451
فرجها ثوبا" (١).
والثوب على الفرج لا يحول بينه وبين ما عداه، فدل على جوازه.
وأيضا فقد قال ﵇ لعائشة ﵂: "ناوليني الخمرة من المسجد، فقالت: إني حائض، فقال: ليست الحيضة في يدك" (٢).
فبين أن كل موضع لا يكون موضعا للحيض لم يتعلق به حكم الحيض، قالوا: وهذا نص.
قالوا: ولأنه لما منع من الإيلاج في الموضع المكروه - وهو الدبر - لم يمنع مما قاربه، وكذلك الفرج في حال الحيض لما منع منه لم يمنع مما قاربه.
والدليل لقولنا: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كنت مع النبي ﷺ في الفراش، فحضت، فقال: مالك لعلك قد حضت، فقلت: نعم، فقال: ائتزري وارجعي" (٣).
стр. 1452
فأمرها أن تأتزر لتحول بينه وبين ذلك الموضع، فعلم أن مباشرة ذلك الموضع أعني ما دون الإزار محرم.
ولنا من الظاهر قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١).
فأمر باعتزالهن جملة في المحيض، ولم يقل: فاعتزلوا موضع الحيض.
فإن قيل: قوله ﴿المحيض﴾ هو موضع الحيض، فكأنه قال: فاعتزلوهن في موضع الحيض (٢)، وكذا نقول.
قيل: المحيض كناية عن الحيض (٣)، فالمراد زمان الحيض الذي يصح أن يكون ظرفا لما يقع الاعتزال فيه، وهو زمان يطرأ فيه الحيض، وقد تقدم، وهو ظرف لنا نحن أيضا فيه نعتزلهن، والرحم ظرف [ومكان للحيض، والزمان ظرف لهما، ولا يصح أن يكون الرحم ظرفا] (٤) لنا، فالمقصود الزمان الذي هو ظرف لنا وللنساء وللحيض جميعا، ولو أراد تعالى موضع الدم لقال: فاعتزلوا موضع الدم، وقد أكد ذلك تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٥)، وهذا يقتضي أن لا نقربهن جملة، ولكن لما سئل النبي ﵇ فقال له السائل: ما ذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: "لتشد عليها إزارها، وشأنك بأعلاها" (٦).
стр. 1453
فأعلمنا أن ما فوق الإزار يجوز أن يقرب، وهو حلال، ودل على أن أسفل الإزار حرام؛ لأنه قال له: "ماذا يحل لي من امرأتي"، فلما أحل له الفوقاني دل على أن السفلاني حرام، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
وهذا الخبر يصلح أن يكون دليلا مبتدأ في هذه المسألة إذا رتب هذا الترتيب.
ثم مع هذا فنحن نعلم أن النبي ﵇ كان أملك لإربه من كل أحد عن المحارم (١)، فلو كان الممنوع منها هو موضع الدم لم يقل النبي ﵇ لعائشة ﵂: "شدي عليك إزراك" (٢)؛ لأنه لا يخاف منه التعرض لمكان الدم الممنوع عنه، ولكنه امتنع مما قارب الموضع؛ لأنه من دواعيه، فامتنع منه لذلك، وقد وقع الامتناع في الشريعة من دواعي الشيء المحرم لغلظه، من ذلك: الخطبة في العدة، ونكاح المحرم وتطيبه؛ لأن ذلك يدعو إلى شهوة الجماع المفسد للحج.
وأيضا فقد روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل فقيل له: "ما يحرم
стр. 1454
على الرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ما تحت الإزار (١). فهذا نص.
فإن قيل: الإزار عبارة عن المئزر، وعبارة عن الجماع والفرج، بدليل حديث سعد: فكشفنا عن مؤتزرهم، فمن أنبت قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري" (٢).
ومما يدل على أن الإزار كناية عن الجماع قول الشاعر:
قوم إذا حاربو شدوا مآزرهم … دون النساء ولو كانت بأطهار (٣)
أراد يشدون مآزرهم أي يمتنعون من الجماع.
قيل: قد يقع اسم الإزار على ما ذكرتم على طريق المجاز والكناية، وإنما يحمل الخبر عليه إذا احتمله، والخبر لا يحتمله؛ لأنه لم يقل: شدي على فرجك، وإنما قال: "شدي عليك إزراك" (٤)، وقال: "يحرم ما تحت
стр. 1455
الإزار" (١)، والذي تحته الفرج وما قاربه، ولا يجوز أن يكون أراد به الجماع؛ لأنه لا يكني عنه بقول: "شدي عليك إزراك" (٢).
وأيضا فإن الإيلاج في الفرج في حال الحيض محرم لأجل الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣)، فإذا ثبت المنع من الفرج للأذى وجب أن يكون ممنوعا مما قاربه؛ لأنه في الغالب يصيبه الأذى؛ إذ دم الحيض يسيل باختياره ويستمسك باختياره.
فإن قيل: علة الفرج دائمة؛ لأن الأذى فيه قائم ودائم، والذي يقاربه يجوز أن يصيبه أذى، ويجوز أن لا يصيبه.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الأذى ليس بدائم في الفرج، وإنما ينصب من الرحم إلى الفرج، فتارة يكثر وتارة يقل، وتارة يمسك، فإذا خرج فالغالب منه ملاقاة ما قاربه.
فإن قيل: دم الحيض إنما منع ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه لم يمنع من ملاقاته، بدليل أنها لو قطرت قطرة من دم الحيض على وجهها لم يمنع من ملاقاة وجهها؛ لأن الدم ليس في محله، كذلك لا يمنع من ملاقاة ما قارب الفرج وإن أصابه دم الحيض.
قيل: وعن هذا جوابان:
أحدهما: أنه يمنع من ملاقاة دم الحيض إذا كان جاريا، فكذلك إذا
стр. 1456
كان على الوجه منع منه؛ لأن مباشرة النجاسة لا تجوز.
والجواب الثاني: أن دم الحيض إنما يمنع من ملاقاته إذا سال من محله، وجرى من موضعه، وعلى ما يقارب الفرج يسيل من موضعه، فأما على وجهها فلا يسيل من موضعه، فلم يثبت حكم المنع من ملاقاته.
وعلى أن ما قارب الشيء قد يكون في حكمه، ويفارق ما بعد منه.
فأما حديث أيوب عن عكرمة (١) فهو حجة لنا؛ لأنه ﵇ أمرها بأن تلقي الثوب على فرجها، وقد علم أن الثوب إذا حصل على الفرج غطاه، وغطى غيره مما يقاربه، فصار كالمئزر.
وأما قوله لعائشة ﵂: "ليست الحيضة في يدك" (٢) فإنما كان كذلك؛ لأن ما يصيبه من سيلان الدم من الفرج فهو في حكمه (٣).
على أن الذي قال لها هذا هو الذي قال لها: "شدي عليك إزراك وعودي إلى مضجعك" (٤).
وقال للرجل: "شأنك بأعلاها" (٥).
стр. 1457
وقال: "ما تحت الإزار حرام" (١).
فإن قيل: فإنما منع من وطئها من أجل الدم الذي هو الحيض، فوجب أن يكون المنع مقصورا على موضعه.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يكون الغسل مقصورا على ذلك الموضع؛ لأن الغسل وجب لأجل الدم، فلما وجب غسل جميع البدن دل على أن الدم قد أحدث في جميع البدن حكما، وأوجب منع الوطء في الموضع، وما قاربه خوف الذريعة، كما قال ﵇: "ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" (٢)، وقال في الفأرة تقع في السمن: "تطرح وما حولها" (٣)، فحكم لما قاربه بحكمه.
وقد روى عمير - مولى عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: "ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: لك منها ما فوق الإزار، وليس لك ما تحته" (٤).
فإن قيل: فقد روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يباشر نساءه وهن حيض في إزار واحد (٥).
стр. 1458
وروي أنها قالت: "كل شيء منها له حلال إلا الجماع" (١).
وعن أنس مثله (٢).
قيل: لا دلالة في هذا؛ لأنه ﵇ كان يقسم لنسائه، ولا يأتي إحداهن في يوم الأخرى (٣)، فإن أرادت أنه كان يباشر كل امرأة في إزار واحد وعليها مئزرها فليس فيه أنه يستمتع بما دون الإزار، وقد ثبت عنه تحريم ما دون الإزار.
وأما قولها: "كل شيء منها حلال إلا الجماع" فهو حجتنا؛ لأن الجماع يكون في الفرج وخارجه وما قاربه، فكأنها قالت: كلها حلال إلا ما تحت الإزار، وهو موضع الجماع، ويصلح له بدلالة ما ذكرناه [عنها] (٤)، وبالدلائل الأخرى.
وأيضا فقول النبي ﷺ أولى من قول الصحابي.
وأيضا فإنه يحظر وخبر الصحابي يبيح، فالحظر أولى، والله الموفق.
стр. 1459
مَسْألة (٧٩):
إذا انقطع دم الحائض لم يجز وطؤها حتى تغتسل، سواء انقطع قبل تناهي حيضها أو بعد أكثره (١).
وهو مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء (٢).
وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - جاز وطؤها قبل غسلها، وإن انقطع لدون أكثر حيضها في دون العشر لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب عنده بآخر الوقت (٣)، فإذا مضى آخر الوقت وجبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة (٤).
стр. 1460
وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإن لم تغسله لم يجز (١).
وبه قال طائفة من أصحاب الحديث (٢).
واحتجوا (٣) بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤) أي ينقطع دمهن، فمنع تعالى من قربان الحائض، وجعل للمنع غاية هي انقطاع الدم، فعلم أن الحكم بعد الغاية بخلافه قبلها.
قالوا: ولأنها أمنت من معاودة دم الحيض فجاز وطؤها، كما لو اغتسلت، أو لأن الصوم قد حل لها فوجب أن يحل وطؤها، كما لو اغتسلت.
قالوا: وأيضا فإن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها، كذلك هاهنا إنما كان المنع لأجل الحيض وقد زال، فوجب أن يزول المنع.
قالوا: ولأن الحيض قد زال، وإنما بقي عليها استحقاق الغسل، واستحقاق الغسل لا يمنع من الوطء كالجنابة.
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ (٥).
стр. 1461
والاستدلال من هذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنها قد قرئت بقراءتين: ﴿حتى يطهرن﴾ مخففة (١)، و ﴿حتى يطّهّرن﴾ مشددة (٢)، أي يتطهرن بالماء، فأراد انقطاع دمهن وتطهرهن بالماء وإلا تناقض.
والدليل الثاني منها: هو أنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ (٣) أي يفعلن الطهارة، فأضاف فعل التطهر إليهن، وانقطاع الدم ليس إليهن فعله (٤)، فعلم أنه أراد التطهر بالماء، ثم إنه تعالى أثنى على من فعل هذه الطهارة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٥)، والثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم ليس من جهة المرأة، فلا يقع الثناء عليه، قال الله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (٦).
فإذا تقرر أن المراد به فعل الطهارة بالماء صار كأنه تعالى قال: "ولا تقربوهن حتى يطهرن، أي ينقطع دمهن، ويتطهرن بالماء" لأنه قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٧) أي تطهرن بالماء، وهذا كقوله: "لا تعط زيدا شيئا حتى
стр. 1462
يدخل الدار، فإذا دخل الدار وقعد فأعطه درهما"، يقتضي أن لا يستحق الدرهم إلا بوجود الشرطين، أما دخول الدار من غير قعود فلا يستحق به شيئا.
فإن قيل: هذا غلط في اللغة، وخلاف موجبها؛ لأن قوله: ﴿حتى يطهرن﴾ شرط، وقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جواب الشرط، وجواب الشرط يتعلق بما يتعلق به الشرط، فقوله تعالى ﴿فإذا تطهرن﴾ أي انقطع دمهن حتى يكون جوابا لقوله: ﴿حتى يطهرن﴾، إذ لا يصح أن يجعل جوابه فإذا اغتسلن؛ لأنه خلاف اللغة، كقولهم: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأعطه، فقوله: "فإذا دخل" يقتضي أن يكون الدخول هو الدخول المشروط لا صفة أخرى (١).
قيل: عن هذا جوابان (٢):
أحدهما: أن جواب الشرط يقتضي أن يكون ما تعلق به الشرط، لا صفة أخرى ومعنى آخر كما ذكرتم، ولكنه لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جوابا له أصلا لما ذكرناه من الوجهين، وذلك أنه تعالى أضاف الفعل إلى النساء، وأثنى على من فعل ذلك، وهذا لا يحتمل انقطاع الدم، فإذا لم يحتمل أن يكون هذا جوابا له، ولا بد للشرط من جواب علم أن جوابه مضمر، فكأنه قال: ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، فلا تحل إلا بوجود شرطين.
والجواب الثاني: هو أن الشرط في الآية الطهارة بالماء بالقراءة
стр. 1463
التي ذكرناها ﴿حتى يطهرن﴾، وبقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، وهذا يسقط كلامهم أصلا.
فإن قيل: قولكم: ﴿فإذا تطهرن﴾ أضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم" غلط؛ لأن يطهرن بمعنى يفعلن، كما يقال: ينكسر وإن لم يكن هو فعل ذلك، فمعنى قوله: ﴿تطهرن﴾ أي طهرن (١).
قيل: هذا غلط؛ لأن الفعل أضيف إلى الحائض لا إلى الدم.
على أن الحقيقة معنا في ذلك فلا ننقله إلى المجاز، ويفيدنا أيضا منع الوطء إلا بيقين لغلظ أمره، فإن أعادوا دلالتهم من الآية، وأن التحريم تعلق بغاية هي انقطاع الدم، والحكم إذا علق بغاية دل على ما عداها بخلافها.
قيل: هذا صحيح إذا كانت الغاية واحدة، فأما إذا علق على غايتين وشرطين فإنما يكون الحكم بخلافه بعد وجود الشرطين جميعا لا بعد أحدهما.
فإن قيل: فإننا نستعمل القراءتين جميعا في قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ و ﴿تطهرن﴾، فنحمل الخفيفة على انقطاع الدم الذي هو أكثر الحيض، ونحمل ﴿تطهرن﴾ على من انقطع دمها في دون العشر، فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن القراءتين جميعا لم يتجردا عن قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ أي تفعلن، فحصلت الإباحة في القراءتين بشرط ثان مصرحا ومستدلا عليه
стр. 1464
بقوله: ﴿حتى يطهرن﴾ ثم لم يتجرد قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ فخفف من القراءة الأخرى بالتثقيل، ومعناها غير معنى المخففة، وإنما المثقلة للاغتسال، فينبغي أن يجمعا بين قوله: ﴿يطهرن﴾ و ﴿يطّهرن﴾، فلا يجوز الوطء إلا بعدهما جميعا، لعلة قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) يقتضي عقد النكاح، ثم أضيف إلى العقد الوطء بالدلالة من السنة، فإضافة الغسل إلى انقطاع الدم أولى بالدليل المتصل به من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾.
فإن قيل: ما قلناه أولى؛ لأنه يفيد حكمين في حالين مختلفين.
قيل: حكمهما على ما قلتم يتضاد؛ لأنه تعالى علق الشرطين في جميع ذوات الحيض إذا انقطع عنهن الدم في القراءتين جميعا، فاستعمال أحدهما فيهن جميعا ينفي الشرط الآخر فيهن.
فإن قيل: تحمل القراءة الخفيفة فيهن جميعا على الجواز، والثقيلة على الاستحباب، وهو أن يكون الوطء بعد الغسل.
قيل: إنما يجوز ذلك لو تجردت القراءتان من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾، فأما وقد جعل شرط الإباحة هو الاغتسال بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فلا يجوز أن يحمل على غير الوجوب.
ويجوز أن نقول: إن بقاء حكم حدث الحيض يمنع من وطئها حتى تغتسل، كما إذا انقطع دمها قبل العشر ولما تغتسل، ولم يمر عليها وقت صلاة.
стр. 1465
فإن قيل: هو منتقض بها إذا انقطع دمها ولم تجد الماء فتيممت، فإن حكم دم الحيض باق؛ لأن حدثها لا يرتفع وهو باق، ومع هذا فيجوز وطؤها قبل أن تغتسل.
قيل: هذا غلط علينا، ولا يجوز له وطؤها بالتيمم (١)؛ لأنه حين يولج ينتقض حكم تيممها، فتكون في حكم الحيض كما كانت قبل التيمم.
ويجوز أن نقول: هي ممنوعة من الصلاة بحكم الحيض مع قدرتها على الغسل فلم يجز وطؤها، أصله ما ذكرناه من انقطاع الدم قبل العشر وقبل مضي وقت صلاة.
فإن قيل: العلة الأولى منتقضة بالكتابية تحت المسلم إذا انقطع دمها ثم اغتسلت فإن حدثها لا يرتفع؛ لأنه لا نية لها صحيحة في العبادة، ومع هذا فإن زوجها يطؤها.
قيل: عن هذا جوابان (٢):
أحدهما: أن حدثها بالحيض قد ارتفع بغسلها، وإن كانت ممنوعة من الصلاة؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الغسل لمعنيين: أحدهما: استباحة الزوج الوطء، والآخر: للصلاة، فيرتفع منع الزوج ويبقى المنع من الصلاة، ألا ترى أن الزوج يطأ الجنب والمحدثة بغير الحيض، وهي لا تصلي.
فإن قيل: المعنى في المنع من وطئها قبل العشر إذا انقطع دمها هو:
стр. 1466
أنها لا تأمن معاودة الدم الذي هو حيض، فلهذا لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة.
قيل: هذا باطل به إذا اغتسلت أو مر عليها وقت صلاة فإنها لا تأمن معاودة الدم، وقد جاز وطؤها، فسقط هذا.
ونقول أيضا: هذه مسلمة يجب الاغتسال عليها عن حيض سابق، فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل، دليله إذا انقطع دون العشر.
وإنما احترزت بقولي: "مسلمة" لاختلاف الرواية عن: مالك ﵀ في الكتابية فإنه قال: لا تجبر الذمية على الغسل من الحيض، ويطؤها زوجها (١).
ونقول أيضا: كل معنى حرم الوطء وغيره فإن الوطء لا يحل مع بقاء شيء مما حرم معه، أصله الحج والصوم؛ لأن الإحرام بالحج يمنع الوطء، والقبلة، واللباس المطيب، والمباشرة، ثم لا يحل الوطء مع بقاء شيء من هذه المحرمات، وكذلك الصوم (٢).
وأيضا فإن كل موضع حرم الوطء وغيره ساوى ما حُرم معه فيه في وجوب الكفارة، وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما حرم معه فيه الوطء وغيره من الأكل والشرب ساوى الوطء فيه سائر ما حرم عليه، وانفرد الوطء بالكفارة عند بعض الفقهاء، وكذلك من طلق امرأته ثلاثا حرم عليه وطؤها وقبلتها والتلذذ بها، ثم ساوى الوطء ما حرم معه في الحكم، وانفرد الوطء بتحليلها للزوج الأول، فكذلك الحيض لما منع الوطء والصلاة والصوم فإن
стр. 1467
لم تكن للوطء مزية على غيره مما حرم معه فلا يحل إلا بعد أن تحل الصلاة مع رفع الحدث، أو يكون مثلها.
فأما ما احتجوا به من الآية فقد جعلناها حجة لنا من الوجوه التي ذكرناها.
وأما قياسهم فقد عبروا عنه بعبارتين:
إحداهما أن قالوا: يجوز لها أن تصوم فجاز أن توطأ.
وهذا ينتقض بها إذا انقطع دمها في دون العشر وقبل الفجر فإنها تصوم إذا طلع الفجر الثاني، ثم لا يحل وطؤها حتى تغتسل أو تطلع الشمس (١)؛ لأن وقت الصلاة يمضي ويفوت إذا طلعت الشمس.
والعبارة الأخرى: أنها أمنت معاودة الدم إذا انقطع بعد العشر.
فنقول: لا تأثير لهذه العلة إذا اغتسلت، فسواء أمنت من معاودة الدم أو لم تأمن فإن وطأها يجوز، ألا ترى أن الدم إذا انقطع قبل العشر ثم اغتسلت فإنه يطؤها وهي لا تأمن من معاودة الدم.
على أن المعنى في الأصل أنها اغتسلت عند انقطاع دمها، يشهد لذلك غسلها قبل العشر.
стр. 1468
وقولهم: "إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها" فإننا نقول: العلة قد تزول وتخلفها علة أخرى، كما تقولون في النجس يزال بالبول، وكما نقول جميعا: إن الصائمة لا يجوز وطؤها لأجل الصوم، ثم لو حاضت في خلال الصوم زال حكم الصوم، وانتقل منع الوطء بالصوم، فصار ممنوعا بالحيض، فكذلك أيضا يكون ممنوعا من وطء الحائض لأجل الحيض، ثم يزول الحيض، وصار المنع باقيا لأجل الغسل.
وجواب آخر: وهو أجود من الأول، وهو أن العلة المانعة عندنا هي بقاء حكم حدث الحيض، وهذا لا يزول إلا بالغسل له.
وقولهم: "إن استحقاق الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة" عنه جوابان:
أحدهما: أن الذي يمنع الوطء هو بقاء حكم حدث الحيض.
والجواب الآخر: هو أن الجنابة حجة لنا؛ لأن الوطء لا يمنع الوطء، فكذلك أيضا حدثه لا يمنع الوطء، وحدثه هو الجنابة، ولما كان الحيض يمنع الوطء جاز أن يكون حدثه مانعا من الوطء، والله أعلم.
وعلى أن اعتبارنا أولى؛ لأن رد الوطء إلى الوطء أولى، ولأنه يصح فيه الوجود والسلب، ويرجع إلى الاحتياط في باب الفروج، ويستند إلى ما قبله من استصحاب الحال في المنع من الوطء قبل انقطاع الدم، وإلى ظاهر القرآن.
ثم نقول: إنهم لو اعتبروا الاعتبار الصحيح لكان ينبغي أن يجري الأمر على خلاف ما رتبوه؛ لأنه إذا انقطع دمها فيما دون العشر فلا يخلو أن يكون
стр. 1469
الذي يُحل وطأها هو انقطاع الدم، أو مجيء وقت صلاة يبيح الوطء وإن لم تغتسل؛ لأن مجيء الوقت ليس إليها، ولا يمكنها فعله، والله تعالى علق إباحة الوطء بشرط تفعله هي وهو التطهير بقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، ولم يقل: فإذا جاء وقت الصلاة، ولقد كان ينبغي أن يكون ممنوعا من وطئها إذا جاء وقت الصلاة ولم تغتسل أشد منعه قبل ذلك؛ لأنها قبل مجيء وقت الصلاة لا تكون عاصية بترك الغسل؛ لأن الصلاة لا تلزمها، وإذا حضر وقت صلاة ولم تغتسل كانت عاصية، فكان ينبغي أن تكون بمنع الوطء أولى، فثبت بهذا أن الذي يبيح وطؤها هو الغسل بعد انقطاع الدم، سواء انقطع قبل العشر أو بعده، حضر وقت صلاة أو لم يحضر.
وقد قال مجاهد وعكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ قالا: يغتسلن بالماء (١).
وكذلك قال سالم بن عبد الله، وعطاء، وسليمان بن يسار، والقاسم، والليث بن سعد، والزهري، وغيرهم: إنه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل (٢). وبالله التوفيق.
стр. 1470
مَسْألة (٨٠):
وأكثر الحيض عند مالك ﵀ خمسة عشر خمسة عشر يوما (١).
وبه قال الشافعي (٢).
وقال أبو حنيفة عشرة أيام (٣).
والدليل لقولنا: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٤).
ولم يفرق بين حكم الدم في العشرة وبعدها، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: بينوا أن ما بعد العشرة حيض حتى نسلم ما تقولون.
قيل: قد تكلمنا على هذا، وبينا أن النبي ﷺ قال: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة" (٥)، وبينا أيضا أنه قال تعالى: ﴿هُوَ أَذًى﴾ (٦) أي ما تتأذون
стр. 1471
به، فكل دم تتأذى به المرأة فهو حيض حتى يقوم الدليل (١).
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) (٢).
فأطلق ولم يخص دما من دم.
وأيضا ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: "ميقات حيض النساء وطهرهن شهر" (٣).
فظاهر هذا أنه نصفان: نصف للحيض، ونصف للطهر.
وما روي أنه قال في المرأة: "إنها ناقصة العقل والدين"، وبين أن نقصان دينها أن تصلي نصف دهرها، وفي حديث: نصف عمرها، وشطر عمرها (٤).
وأيضا قوله ﵇ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإنه دم أسود يعرف، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" (٥).
فأحالها على إقباله وإدباره، ولم يقل: إذا مضت عشرة أيام، فهو عام.
وقوله أيضا للأخرى: "لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن" (٦).
стр. 1472
ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة أيام.
وقوله أيضا: "دم الحيض أسود ثخين له رائحة" (١)، فأعلم أن الحكم يتعلق بدم هذه صفته، ولم يقيده بمدة عشرة أيام ولا غيرها، فلا ينتقل عن حكمه إلا بدليل.
[وأيضا فقد حصل الحيض عليها في العشر بيقين، فلا ينتقل عنه بالزيادة عليه إلا بدليل] (٢).
وأيضا فإن كل وقت من الشهر أبقى لأقل الطهر وقتا جاز أن يكون ذلك الوقت كله حيضا، دليله العشرة الأيام لما كانت تبقي من الشهر ما يجوز أن يكون وقتا لأقل الطهر فالعشرة كلها حيض، كذلك الخمسة عشر لما أبقت من الشهر وقتا لأقل الطهر جاز أن تكون كلها حيضا.
وأيضا فإن كل شفع من العدد قد حكم له بحكم الحيض فالاتفاق إذا
стр. 1473
أضيف إليه نصف صار به وترا جاز أن يكون بمجموعه حيضا، دليل ذلك: الستة الأيام لما أضيف إليها نصفها فصارت شفعا (١) وهي وتر وتكون حيضا، كذلك [العشر] (٢) تكون حيضا باتفاق، فإذا أضيف إليها نصفها صارت به وترا جاز أن تكون كلها حيضا.
وأيضا فإن العشرة الأيام موجودة في النساء في العرف والعادة وجبلة وخلقة، فيجوز أن يكون على تلك العادة زيادة في الحيض، أصله الستة الأيام والسبعة والثمانية.
فإن قيل: فإن الصلاة في الأصل قبل الحيض عليها بيقين، فلا تسقط عنها إلا بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالعشر، ولم يتيقن فيما بعدها.
قيل: بإزاء هذا مثله، وهو أننا تيقنا سقوط الصلاة عنها في العشر، فلا ينتقل عن هذا اليقين حتى نوجب عليها بعدها شيئا إلا بيقين، والصلاة وإن كانت عليها في الأصل بيقين فإنها تسقط بإقبال الحيض بيقين؛ لأننا لا نقطع على يقين ما تعلق عليها من حكم الحيض؛ لأنها قد تحيض وتطهر قبل العشر، فلا يتحقق الوقت الذي ينقطع فيه، فلا ينبغي أن ننتقل عن حكمه إذا أقبل إلا بيقين، ولسنا نتيقن على العشرة أنها أكثر؛ لأن الخلاف قائم فيها.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٣)، فتجب عليها المحافظة في كل وقت إلا في الوقت الذي حصل بالاتفاق أنه حيض، وقد
стр. 1474
اتفقنا في العشرة أنها حيض.
قيل: إنما تجب المحافظة على من عليه الصلاة بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالحيض، ولم نتيقن وجوبها عليها بعد العشرة.
على أنه لو ثبت العموم لكان مخصوصا ببعض ما ذكرناه.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "تحيضي في علم الله ستا أو سبعا" (١)، فلا يجوز الزيادة عليها إلا بدليل، وقد قام دليل العشرة، فنحن عليه حتى يقوم دليل بالزيادة.
قيل: هذا وارد في امرأة بعينها مبتدأة اتصل بها الدم، ولم يكن لها تمييز ولا أيام ترجع إليها، فردها إلى عادة النساء سواها.
ألا تراه كيف قال لفاطمة بنت أبي حبيش وهي مميزة: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي" (٢).
وعلى أنه لما لم يدل على أنها لا تحيض عشرة أيام لما قامت من الأدلة عندكم فكذلك لا يدل على أنها لا تحيض خمسة عشر يوما لما ذكرناه من الأدلة.
فإن قيل: فقد روي أنه قال: "اقعدي أيام أقرائك" (٣).
стр. 1475
وقال: "لتنظر عدد الأيام والليالي" (١)، وهذه عبارة عما دون العشرة.
قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول: أيام أبي بكر، وأيام عمر، فتكون عبارة عما هو أكثر من عشرة بكثير (٢)، وقد قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مَّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٥)، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة، ولو أراد الأيام الأقل الذي هو ثلاثة لم يمنع أن تقوم الدلالة على الزيادة إلى خمسة عشر، كما قامت لكم الدلالة في الزيادة إلى عشرة أيام.
وعلى أن الخبرين وردا على امرأة اشتبهت عليها حال حيضتها لا أنها عرفت أيامها.
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "أكثر الحيض عشرة أيام" (٦).
قيل: هذا لم يصح عندنا، ولو صح لكان محمولا على ما تأولناه أنه قضية في امرأة بعينها.