استغنت عن جمع المال، وحصلت لنفسها ما كانت تطلبه بالشح والشفقة على المال، فإذا سلم إليها في حال [لا] (١) داعي لها إلى جمع المال؛ كان تسليمه إليها في حال اجتمعت لها دواعي على جمع المال؛ [أولى] (٢).
قيل: أما قولكم: إنها بالغ رشيدة؛ ففيه اختلفنا، فعندنا لا تكون رشيدة إلا على ما قلناه، وإذا تزوجت؛ فهي كالبلوغ، ثم إيناس الرشد شيء آخر، فلم يسلم قولكم: إنها رشيدة.
وأما المعنسة التي لها أربعون أو خمسون؛ فقد اختلف قول مالك فيها، فقال: "لا يدفع إليها مالها"، وقال: "إن كانت تعامل الناس؛ دفع إليها"، لأن من بلغ هذا السن وعامل الناس؛ خبر الأمور وعرفها، وعرف وجه الاحتياط في ماله، فحصل اختباره، وليس كذلك في مسألتنا، وإن كانت معنسة لا تعامل الناس وهي [مجردة] (٣)؛ لم يدفع إليها مالها.
وقولكم: "إنها قبل التزويج أولى؛ لأنها تحتاط لمالها وتشح عليه"؛ فإننا نقول: وإن شحت عليه؛ لم تعرف كيف تشتري الجهاز، وكيف تتصرف فيه، وليس الرشد هو الشح على المال حسب، بل يحتاج معه إلا علم بالتصرف فيه ووجه الاحتياط له، وبعد التزويج ودخول الزوج تعرف ما لم تكن تعرفه قبل، [و] (٤) هذا معلوم لا محالة؛ لأن أكثر الحياء يزول عنها، وتتدرب وتعرف وجه التصرف في المال، ولو قلنا: إن شحها عليه بعد التزويج
стр. 2732
أشد؛ لكان صحيحًا؛ لأنها تخاف الولد، ومجيء النسل، وأن يطلقها هذا الزوج بعد الدخول بها، فتحتاج من التجمل للزوج الثاني بالمال أكثر مما كانت تريده وهي (٢٦) بكر لم تفتض.
فإن قيل: فإنها بلغت رشدًا فوجب أن يسلم [إليها] (١) المال، أصله الغلام.
قيل: هذه أيضًا دعوى؛ لأننا لا نسلم أن الرشد يحصل إلا بالاختبار، ولا يحصل الاختبار إلا بالتزويج والدخول.
فإن قيل: هي أولى بتسليم مالها إليها قبل تزويجها من الغلام؛ لأنها تشح بمالها قبل التزويج؛ لما ذكرناه من جمعها للجهاز، والغلام قبل التزويج وحيد لا يشح.
قيل: لسنا نقنع في فك الحجر بالشح، ولا السخاء يمنع من فك الحجر، وإنما يحتاج إلى معرفة التصرف في المال، وضبطه بالبيع والشراء، ومعرفة مصالحه، وهذا لا تعرفه قبل التزويج ومعاملة الرجال.
فإن قيل: فإن التزويج عقد على استباحة منافعها مثل الإجارة، ومعلوم أن الإجارة لا تكون سببًا في تسليم المال إليها، فكذلك عقد النكاح.
وأيضًا فإنها تتمكن من التصرف في مالها والاحتياط فيه مع عدم الزوجية ما لا تتمكن في حال وجودها، يدل على ذلك أنه لا يد لأحد عليها، ولا اعتراض قبل الزوجية، فإذا جاز تصرفها في إحدى الحالتين؛ فجوازه
стр. 2733
في الأخرى أولى.
قيل: إننا لم نجعل التزويج سببًا في دفع المال؛ وإنما جعلناه سببًا تختبر معه، ألا ترى أنه لو تزوجت وكانت مبذرة غير ضابطة، لم يدفع إليها شيئًا.
وقولكم: "إنها تتمكن من التصرف قبل التزويج لأنه لا يد عليها"؛ فإننا نقول: إنها تتمكن إذا اختبرت، ولا تختبر قبل التزويج، وهي تحت الزوج تتصرف بعد أن اختبرت، وعرفت الرجال، وكيف وجه التصرف. وبالله التوفيق.
مسألة (٣):
قد دخل الكلام في الحجر ابتداء على البالغ المبذر في مسألة الصبي إذا (٢٧) أدرك وبلغ خمسًا وعشرين سنة وهو مبذر، وأنه لا يدفع إليه ماله، ورأيت أن أفرد هذه المسألة حتى تتميز من تلك.
والدليل على أنه يبتدأ الحجر على البالغ إذا كان مبذرًا لماله غير مصلح له؛ هو أن المسألة تجري مجرى الإجماع عليها، أعني إجماع الصحابة، لأنه مذهب عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وعائشة، وشريح بعدهم، وجماعة من التابعين، وهو قول أهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، و [أبي] (١) يوسف، ومحمد.
والمخالف هو أبو حنيفة وزفر (٢)، فلا ينبغي أن يترك قول إجماع
стр. 2734
الصحابة وما عليه التابعون وأهل المدينة بأسرهم بقول أبي حنيفة (١).
والدليل لقولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٢).
والسفيه هو ضد الرشيد، وهو المبذر لماله المضيع له، لا يفكر كيف وقع إقراره؛ لهوان المال عنده، وقد أثبت الله تعالى له ولمن ذكر معه في الآية وليًّا يمل عنه أي يقر، فدلت الآية على أن للسفيه وليًّا يقر عنه، وهذا يسقط قول المخالف؛ لأنه [لا] (٣) يجعل له وليًّا يقر عنه، والآية تتضمن ثلاثة أجناس: وهي الولاية على السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، فالسفيه ضد الرشيد، وهو الذي يبذر ماله، والضعيف الصبي، والذي لا يستطيع أن يمل هو المجنون.
فإن قيل: إنما أراد تعالى بالسفيه المجنون (٤)، ونحن نقول بأن للمجنون وليًّا.
стр. 2735
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن السفيه صفة ذم يستحقها من اكتسب فعلًا مذمومًا، فلا يجوز حمله على المجنون؛ (٢٨) لأنه ليس بمذموم، ولا يلحقه الذم إذا لم يكتسب جنونه، ولا حدث باختياره، وكذلك الصبي.
والجواب الآخر: هو أن الآية تتضمن السفيه، والضعيف، [والذي] (١) لا يستطيع أن يمل هو، فإذا نحن حملنا السفيه على المبذر، والضعيف على الصغير، والذي لا يستطيع أن يمل هو على المجنون؛ حملنا كل كلمة من ذلك على معنى وفائدة غير فائدة صاحبتها، وأنتم تحملون السفيه على المجنون، وتسقطون حكم إحدى الكلمات، ومن لا يسقط من الحكم شيئًا، وحمل كل كلمة مفردة على حكم مفرد؛ كان أولى ممن جعل الكلمتين في حكم الكلمة الواحدة.
فإن قيل: هذه الآية [تقتضي] (٢) أن المبذر يداين ويمل بمعنى يقر؛ لأنه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وذلك عام في المبذر وغير المبذر، ثم قال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
وذلك أيضًا عام في المبذر وغيره.
стр. 2736
[قيل:] (١) وإنما كان يكون المبذر داخلًا تحت حكم ذلك الخطاب لو تجرد الخطاب، ولم يتعقبه إخراجه من جملة من يصلح الخطاب له، ولكنه تعالى ذكر المداينة، وذكر أن الذي عليه الحق يمل، ثم استثنى من ذلك السفيه وهو المبذر، فقال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، فتبين أنه لم يدخل تحت الخطاب المتقدم، فصار تقدير الآية كأنه قال: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليملل الذي عليه الحق، إلا أن يكون سفيها فليملل وليه بالعدل"، فدل ذلك على أن المبذر لم يدخل تحت الخطاب المتقدم.
فإن قيل: إن قوله (٢٩) تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ لم يرد به ولي السفيه، وإنما أراد به ولي الحق، فكلفه أن [يملي] (٢) بالحق، وفائدة ذلك أنه إذا أقر بأن له على السفيه مائة درهم؛ علم به سقوط ما زاد على ذلك (٣).
قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أننا إذا احتملنا الآية على إقرار ولي السفيه؛ حملناها على فائدة، وهي أن السفيه يقر عنه وليه، وأنتم إذا حملتموها على إقرار صاحب الحق؛ حملتموها على ما لا يتعلق به فائدة؛ لأن إقرار صاحب الحق لا يتعلق
стр. 2737
به فائدة إذا لم يحكم له بما أقر به.
فإن قيل: فإنه يتعلق به؛ لأنه إذا أقر بأن حقه عشرة؛ علم سقوط ما زاد عليها.
قيل: هذا لا يستفاد من إقراره، بل إنما يستفاد من إقراره بثبوت العشرة، وذلك لا يحكم له به، وسقوط ما زاد على العشرة لا يستفاد بإقراره، وإنما يستفاد ذلك بإبرائه وسقوط دعواه.
وأيضًا فإن الزائد على العشرة مستفاد ببراءة الذمة في الأجل، كما كانت بريئة من العشرة قبل الإقرار بها.
والجواب الآخر: هو أنه تعالى قال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
فأخبر أن الذي عليه الحق هو الذي يقر، ثم عطف عليه بحكم السفيه فقال: "فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا فليقر وليه"، فيجب أن يكون المراد به إقرار ولي السفيه لما تعذر الإقرار من السفيه؛ لأن المعطوف به في حكم المعطوف عليه.
والجواب الثالث: هو أنه تعالى ذكر السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، ثم قال: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ أي يقر، وخصهم بذلك، فيجب أن يكون المراد به إقرار الولي عنهم؛ لأنهم يختصون بذلك ولا يشركهم فيه الرشيد (٣٠)، ولا يجوز حمله على إقرار صاحب الحق؛ لأن إقرار صاحب الحق ليس هو معنى يختص به للمذكورين في الآية، بل الرشيد
стр. 2738
والسفيه فيه سواء، فحمله على ذلك إسقاط لفائدة تخصيص المذكورين.
فإن قيل: كيف جاز لكم حمل ذلك على إقرار الولي وعندكم أن الولي إنما يتصرف في المال على وجه الحظ والتربية، وإقراره على المال غير مقبول.
قيل: ليس كذلك؛ لأن الولي قد يقر في المال في مواضع، ويصح إقراره فيها:
أحدها: البيع ثم الشراء، فإذا باع شيئًا من المال؛ أقر بالعقد وقبض الثمن، وكتب عنه الكتاب به، وإذا اشترى شيئًا؛ أقر بالعقد، وقبض المبيع، وقبل إقراره فيه، ووقعت الشهادة عليه.
والثاني: في السَّلم، فإذا أسلم شيئًا في شيء وضبطه بصفاته، وضبط الأجل، وأقر بذلك؛ قبل إقراره فيه، ولم يكن لغيره أن يطالب بزيادة على الصفة التي أقر بها، ولا بأجل قبل أجله.
ومما يدل على صحة قولنا؛ ما روي "أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضًا سبِخة بستين ألف درهم، وغُبن فيها، فقال له علي ﵇: إني أحجر عليك، فمضى عبد الله إلى الزبير فشكا إليه، فقال له: شاركني، فشاركه فمضى علي إلى عثمان ﵇، وطلب منه أن يحجر عليه، فقال عثمان: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟! " (١).
وهذا إجماع منهم على الحجر على البالغ المبذر لماله؛ لأن عليًّا قال لعبد الله لما غبن في بيعه بما لا يتغابن الناس بمثله: "أحجر عليك"، ولم ينكر عبد الله ذلك، ولكنه عدل إلى الشكاية، وفر من الحجر، والزبير قصد تخليصه
стр. 2739
من الحجر بأن شاركه، ولم ينكر قول علي في الحجر، وعثمان [لم] (١) ينكر الحجر على البالغ (٣١)، بل قال: "كيف أحجر على من شريكه الزبير"، لأن الزبير كان معروفًا بالحضانة وضبط المال، فكان تقدير قول عثمان: كيف أحجر عليه؛ فإنما يحجر لأجل التبذير وهو الغبن، فلو كان مغبونًا؛ لم يشركه الزبير، فامتنع من الحجر عليه لهذا، وعلل لأنه لم يحصل منه تبذير ولا غبن في بيعه، وهذا يصير منه إلى أنه يحجر على البالغ المبذر، فصار هذا إجماعًا منهم على ما قلناه (٢).
وروي أن عثمان مر بأرض سبخة فقال: "لمن هذه الأرض؟ فقيل: كانت لفلان وباعها على عبد الله بن جعفر بستين ألف درهم، فقال: ما يسرني أن تكون لي بنعلين، فالتقى بعلي بن أبي طالب فقال له: لم لا تأخذ على يدي [ابن] (٣) أخيك وتحجر عليه" (٤).
стр. 2740
وروي أن عبد الله بن الزبير لما بلغه كثرة صلاة عائشة وعطاياها قال: "لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فسمعت ذلك عائشة، فحلفت أن لا تكلمه، فبلغ ذلك ابن الزبير فركب وأتاها، وسألها أن تكفر عن يمينها، فكفرت عن يمينها وكلمته" (١).
فذهب ابن الزبير إلى أن ما يحصل من عائشة من كثرة العطاء وتفريق المال تبذير منها، تستحق به الحجر، وعائشة - رحمة الله عليها - أنكرت ذلك وسخطته؛ لأنها كانت تصرف مالها في وجوه القرب، والتبذير الذي تستحق به الحجر إنما هو صرف المال في وجوه المعاصي، أو إضاعته من غير نفع يحصل به، فأما من تصدق بماله وصرفه في الطاعات؛ لم يستحق الحجر (٢).
وأيضًا فإن كل من كان في منع [ماله] (٣) منه نظر له، وإصلاح لماله؛ فإنه يستحق منع المال؛ أصله الصبي لما منع ماله منه نظرًا له وإبقاء لماله؛ لأنه لو مكن من المال أتلفه، فمنع منه المال، وكذلك البالغ المبذر.
стр. 2741
وأيضًا فإن الصبي إنما حجر (٣٢) عليه لما خيف عليه من إتلاف المال وأن يبقى فقيرًا، وهذا المعنى موجود في الكبير المبذر.
وأيضًا فإن الكبير المبذر ربما بذر ماله فيما يأثم فيه، والصبي لا إثم عليه؛ لأنه ليس بمكلف، ولا يلحقه العقاب، فإذا حجر على الصبي لأجل تبذيره الذي لا إثم عليه؛ [كان] (١) الحجر على البالغ المبذر لماله فيما يأثم فيه أولى.
وأيضًا فإنه بالغ غير رشيد في ماله، فوجب أن يمنع منه، دليله إذا بلغ عاقلًا غير مصلح لماله.
فإن قيل: فإننا لا نمنعه إذا بلغ على طريق الوجوب، وإنما نقوله استحبابًا.
قيل: إن قلتم هذا؛ فإننا لم نعلل صفة المنع، وإنما عللنا لإثبات المنع فقط، [وأما] (٢) كيف يمنع؛ لم نتعرض له.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣).
فخاطب المؤمنين، وأباحهم المداينة، والمبذر من جملة المؤمنين، فوجب أن تجوز له المداينة، وقال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ولم يخص.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤) فهو عموم في المبذر وغيره
стр. 2742
إلا أن يقوم دليل.
قيل: قد ذكرنا أنه لو اقتصر على ذلك؛ لكان السفيه داخلًا في حكم الظاهر، فإنه يداين ويقر، ولكنه عقب ذلك بإقرار السفيه بحكم، وإخراجه عن حكم الخطاب المتقدم فقال: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها فإن وليه يقر﴾.
والثاني: فإننا نقول: خبرونا أي أحوال السفيه دل الظاهر على جواز مداينته فيها، وجواز إقراره؟
فإن قلتم: اقتضى أن له ذلك قبل أن يحجر عليه؛ قلنا لكم: فلا خلاف في ذلك؛ لأننا نقول: إن تصرفه نافذ ما لم يحجر عليه.
وإن قلتم: يقتضي أن له المداينة في الحجر؛ قلنا لكم: فلا خلاف بيننا (٣٣) أن الحاكم إذا كان يرى الحجر فحجر على السفيه؛ فإنه ليس له أن يداين بعد ذلك، ولا أن يقر بدين، فالظاهر لا يدل على موضع فيه خلاف، لأن الخلاف إنما هو في جواز الحجر عليه، وليس في الآية تعرض لذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١)؛ فإنما يتوجه إلى من يصح منه البيع، والمحجور عليه لا يصح منه البيع، وقبل الحجر ليس كلامنا في بيعه.
على أنه لو كان عامًّا؛ لجاز أن يخص بدليل.
فإن قيل: فقد روى قتادة عن أنس: "أن رجلًا كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فأتى أهلُه النبي ﷺ ، فقال له: لا تبع، فقال: لا أصبر على البيع،
стр. 2743
فقال له: إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا" (١).
ولم يحجر عليه، ولو كان الحجر على البالغ المبذر جائزًا؛ لحجر عليه؛ لأنه كان يغبن في البيع.
وأيضًا فإنه ممن يقبل إقراره في نفسه؛ فوجب أن يقبل إقراره في ماله، أصله الرشيد.
وأيضًا فإن الحقوق المتعلقة بالمال آكد وأكثر ثبوتًا من حقوق الأبدان؛ لأن الحق المتعلق بالبدن يسقط بالشبهة، فإذا لم يكن للحاكم أن يحجر عليه في أضعف الحقين؛ لم يجز له أن يحجر عليه في آكدهما وأقواهما (٢).
قيل: أما حديث أنس وقول النبي ﵇ للرجل: "لا خلابة"؛ فإنه قضية في عين، ولم يذكر في الخبر أن الرجل كان يغبن في بيعه بما لا يتغابن الناس بمثله، فيحتمل أن يكون الرجل ممن يغبن بما لا تنفك التجارة منه، وهذا مقدار ما يتغابن الناس بمثله، ولكنه أبدًا مغبون، فأراد أهله أن يحجر النبي عليه فلم يفعل، فقال له: "قل: لا خلابة، ليكون لك الخيار ثلاثًا فتستدرك الغبن في مدة الخيار"، ولو أوجبت الصورة الحجر عليه؛ لفعل.
وقولكم: إنه ممن يقبل إقراره في (٣٤) نفسه فيجب أن يقبل إقراره في ماله إلى آخر الفصل.
فإننا نقول: إنه لم يحجر عليه في إقراره بحقوق الأبدان؛ لأنه ليس
стр. 2744
بمتهم فيها؛ إذ الإنسان لا يتهم على نفسه أن يقر بالقتل ليقتل، وإذا لم يتهم في ذلك؛ لم يحجر عليه، وليس كذلك المال؛ لأنه متهم فيه؛ لأنه إذا كان سفيهًا مبذرًا؛ فإنه لا يبالي بتضييع ماله وفي أي وجه انصرف، فلم يقبل إقراره فيه، ألا ترى أن العبد يقبل إقراره فيما [يقتضي] (١) للعقوبة فيه ببدنه، ولا يقبل إقراره فيما يتعلق بالمال؛ لأنه لا يتهم في أن تحل العقوبة ببدنه، ويتهم في المال أن يخرجه عن سيده.
فإن قيل: فإن [تصرف] (٢) الإنسان في ماله بنفسه؛ أوسع وأكثر من تصرف غيره في ماله، بدليل أن الغير إذا تصرف في ماله؛ فإنما يتصرف فيما له فيه الحظ، ولا يهب شيئًا من ماله ولا يتصدق، وهو يتصرف في مال نفسه فيما له فيه حظ، وفيما لا حظ له فيه.
ثم قد تقرر أنه لو أبطل هو على نفسه عقوده المستقبلة فقال: "أبطلت ما أعقده في المستقبل"؛ لم يكن له ذلك؛ فلأن لا يملك الحاكم إبطال عقوده المستقبلة [أولى] (٣).
وأيضًا فإن ما يستقبل من عقوده؛ لم يعقد ولم يوجد، والعقد الذي لم يعقد لا يملك إبطاله أحد.
قيل: قولكم: "إن تصرف الإنسان في ماله أوسع من تصرف غيره إلى آخر الفصل"؛ فإننا نقول: إن الحاكم لا يبطل عقوده المستقبلة، وإنما يحجر
стр. 2745
عليه، فإذا حجر عليه؛ صار ممنوعًا من التصرف، فلم تنعقد عقوده؛ لأنها تقع ممن لا تصرف له.
وهذا هو [الجواب] (١) عن الفصل الثاني؛ لأننا نقول: إن عقد [ … ] (٢) فبطل قبل وجوده، وإنما نقول بالحجر عليه لكون عقوده في (٣٥) المستقبل باطلة إذا عقدها؛ لأنه محجور عليه. والله أعلم.
فإن قيل: فإن التبذير يكثر في كل عصر من الناس، ولم ينقل عن رسول الله ﷺ بيان حكم فيه، ولا عن أحد من الأئمة [أنه] (٣) حجر لأجل ذلك، فدل على ما ذكرناه (٤).
وأيضًا فإن السفيه لا ينافي العقل والتمييز؛ فلا يوجب حجرا في أمواله، أصله السخاء في الصدقة، وصلة الرحم، والهبة.
ولأنه يصرف ماله في ملاذه وما تدعوه إليه نفسه مع بقاء عقله، فأشبه من تكثر نفقة نفسه، والتنعم بماله، والزيادة على ما يحتاج إليه.
وأيضًا فإن المبذر صرف ماله إلى جهة غير مأذون فيها، فأشبه من اشترى خمرًا وخنزيرًا.
قيل: أما عصر النبي ﵇ وعصر الصحابة؛ فكان خير الأعصار، ألا ترى أن ماعزًا ابتدأ بإقراره بالزنا وقال: طهرني (٥)، وكانوا يحفظون فروجهم
стр. 2746
وأموالهم، والنادر منهم من يسفه، ولعله هذا لم يظهر، ولعلمهم أيضًا بأن الحجر على مثل هذا من أصلح الأمور لم يحتاجوا إلى نقله؛ لأن الدلائل عليه ظاهرة قوية.
وأما القياس على الصدقة وصلة الرحم؛ فإن هذا لا يكون سفهًا ولا تبذيرًا؛ لأنه يطلب القربة، مع علمه بموضع المال وحسن التصرف.
وأما من يشتري بماله الخمر والخنازير؛ فإنه يحجر عليه، إلا [أن] (١) تكون وقعت منه غلطة، وأنه ينتبه لها ويعود إلى الصواب.
وأما من يسرف في النفقة على نفسه وملاذه على [الداوم] (٢) حتى يخرج به إلى الحد الذي فيه [الكثير] (٣)؛ فإنه يحجر عليه أيضًا إذا كان يفضل عنه ما يرمي به، ولا يطعمه، ولا يتصدق به.
فإن قيل: فإن الحجر لا يؤثر في نكاحه، وهو عقد يتضمن عوضًا، وهذا المعنى موجود في البيع، ومن ذلك التزويج بغير إذن غيره، وملك البيع، (٣٦) أصله غير السفيه.
قيل: لا يجوز عندنا أن يتزوج إذا حجر عليه في المال إلا بإذن وليه كالبيع (٤)، فلم يصح القياس.
فإن قيل: فإن كل معنى أوجب الحجر في التصرف؛ فإنه لا يقف على
стр. 2747
حجر الحاكم، أصله الجنون، والصغر، والرق.
قيل: الجنون والصغر والرق ظاهره يعلم بالمشاهدة، ومسألتنا تحتاج أن تثبت بالاختبار ومعرفة العادة من الفاعل، وهي أمور ربما كتمت فيحتاج إلى ثبوتها عند الحاكم، واجتهاده فيها.
فإن قيل: فإن خبر عبد الله بن جعفر؛ لا حجة فيه؛ لأنه لو كان ما فعله يوجب حجرًا عليه؛ لكان قد لزم عثمان حق الله تعالى، فكان لا يجوز إسقاطه عن نفسه بمشاركته للزبير، ولا كان يسوغ للزبير أن يفعله، فكان [اتفاقهما] (١) على ذلك دلالة أنهما لا يريان الحجر.
ولو كان أيضًا عبد الله اشترى بما لا يتغابن الناس بمثله؛ لكان الحجر مستحقًا عليه وعلى الزبير جميعًا، وامتناع عثمان ﵀ من ذلك دلالة على أنه ليس بحق الله تعالى (٢).
قيل: إنه يجوز أن يكون عبد الله اشترى بما فيه تفاوت، فلما شاركه الزبير؛ صار التفاوت بينهما، فدخل على كل واحد منهما من الغبن ما يتغابن الناس بمثله، فزال معنى الحجر، وهي فعلة واحدة مبتدأة من عبد الله، وكان عند علي أن من فعل هذا - ولو مرة - استحق الحجر، غير أن المعنى في هذه المرة قد زال بمشاركة الزبير، ولو أقام عبد الله عليها؛ لحجر، ولكنه زال بمشارك الزبير، فلم يقع الحجر.
فإن قيل: فقد اختار عثمان ﵀ الأرض التي ابتاعها عبد الله بستين
стр. 2748
ألفًا فقال: "ما يسرني أن تكون لي بنعلين"، فدل هذا على تفاوت الغبن، فكان يجب أن يحجر على الزبير (٣٧) وعبد الله جميعًا (١).
قيل: عثمان ﵀ لم يعلم قيمة الأرض، وإنما ذكر أنها لا تصلح له هو بهذا الثمن، وقد لا يرضى شيئًا ويستغْلاه؛ وهو عند غيره مرضي.
وبالله التوفيق.
مَسْألة (٤):
ولا يجوز لامرأة تحت زوج أن تتصرف في أكثر من ثلث مالها على غير معاوضة إلا بإذن زوجها (٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي (٣): لها أن تهب جميع مالها وتتصدق به، ولا اعتراض له عليها (٤).
والدليل لقولنا ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ : قال: "لا يحل لامرأة يملك زوجها عصمتها أن تتصرف في مالها إلا بإذنه" (٥).
стр. 2749
فظاهره يحظر عليها التصرف في جميع مالها إلا بإذنه، إلا ما خصته الدلالة من الثلث فإنه إجماع، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا؛ فإننا نقول بالمراسيل.
وأيضًا قوله ﵇: "تنكح المرأة لثلاث: لدينها، ومالها، وجمالها" (١).
فأخبر أن الرجل ينكح المرأة لأجل المال ورغبته فيه، كما ينكحها رغبة في الدين والجمال، فلو جاز لها أن تخرج مالها كله بغير معاوضة؛ لزال المعنى الذي [تزوجها] (٢) من أجله (٣).
وأيضًا فقد جرت عادة الناس أنهم يبذلون الصداق ويبالغون فيه رغبة في المال كما يبذلونه للجمال، وأنهم يرغبون في من لها المال أتم الرغبة؛ خوف العواقب ومجيء النسل، ودفع الحاجة في وقت، والرفاهية التي تلحقهم؛ لأن المرأة الموسرة تستحي أن تتقصى في صغار الأمور مما يجب لها، وتسامح [ … ] (٤) به نفس الزوج رجاء الميراث، وخاصة على مذهبكم إن [كان لها] (٥) منه الأولاد، وأعسر بنفقتهم وهي موسرة؛ لزمتها النفقة على الأولاد، (٣٨) وعندنا ترضعهم إلى أن تفطمهم (٦)، فله حظ في مالها، وليس
стр. 2750
كذلك الفقير؛ لأنها مضطرة إلى الاستقصاء فيما يجب لها، ولا يترفه الزوج من جهتها بشيء، ولا يترجى فضلها ولا عافيتها (١)، وإذا كان كذلك وقد تزوج؛ وجب أن تمنع هي من إخراج مالها على غير معاوضة، وإنما جعلنا لها الثلث كما جعلنا للمريض الذي يمنع من الثلثين لأجل ورثته (٢).
فإن قيل: فقد روي "أن النبي ﵇ صلى يوم العيد، ثم أقبل على النساء فوعظهن وقال: تصدقن ولو من حُلِيّكن، فتصدقن" (٣).
وكان ذلك واقعًا منهن بغير إذن الأزواج؛ لأن النساء يقعدن منفردات عن الرجال.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن المرأة يجوز لها أن تتصرف بثلثها فما دونه، وليس للأزواج الاعتراض عليهن فيه، والنساء تصدقن بما دون الثلث، فقلنا بموجب الخبر (٤).
وجواب آخر: وهو أن النبي ﵇ قد قال لأبي لبابة: "تصدق بالثلث" (٥).
стр. 2751
وإذا سبق هذا منه؛ علم أنه لم يندب النساء إلى أكثر من الثلث، والثلث لا اعتراض للأزواج فيه.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكن النساء [اللواتي تصدقن] (١) بلا أزواج، أو يكون مع بعضهن أزواجهن فأجازوا لهن الصدقة وإن كانت أكثر من ثلث أموالهن.
فإن قيل: فقد ندبهن إلى الصدقة عمومًا، ولم يخص منهن من لها زوج ممن لا زوج لها.
قيل: ندبه لهن إلى صدقة الثلث فدونه جائز.
فإن قيل: فإنها بالغة رشيدة؛ فوجب أن يجوز لها التصرف في مالها من غير إذن الزوج، أصله إذا كبرت وعنست.
وأيضًا فإنه شخص سلم إليه ماله، فوجب أن يكون له التصرف فيه، أصله الغلام.
قيل: أما المعنسة؛ فإن كان لها زوج؛ فلا فرق بينها وبين (٣٩) الشابة التي بلا زوج إذا كانت بمعاوضة، فليس له أن يمنعها من التصرف في مالها كله إذا لم تحاب فيه محاباة تزيد على ثلثها.
وأما القياس على الغلام؛ فغير صحيح؛ لأنه يملك عصمة نفسه، وهذه
стр. 2752
يملك زوجها عصمتها.
فإن قيل: فإننا نحمل الخبر الذي رواه عمرو بن شعيب (١) [على] (٢) امرأة زوجها وليها وهي في حجره.
قيل: هذا غلط؛ لأنها إن كانت في [الحجر] (٣) فائدة لها في التصرف لا يصح (٤)، والنبي ﵇ قال: "لا تتصرف إلا بإذنه" (٥) علم أنه لا فائدة فيه؛ لأن المرأة والرجل إذا كانا في الحجر بمنزلة سواء، فلا فائدة في تخصيصه المرأة بذلك، والله أعلم.
مَسْألة (٥):
وإذا قلنا إن [البالغ] (٦) إذا [بذر] (٧) ماله حجر عليه؛ فإنه لا يكون محجورًا عليه إلا بحكم الحاكم (٨).
وبه قال الشافعي وأبو يوسف (٩).
стр. 2753
وقال محمد (١): يصير محجورًا عليه قبل أن يحكم الحاكم (٢).
والدليل لقولنا هو أن ابتداء الحجر عليه يقف على استبراء حاله واختباره، والعلم بما يتلفه، وأن ذلك عادة له، وهذا أمر يحتاج إلى الاجتهاد فيه، فيقف على اجتهاد الحاكم كاختبار الغبن.
وأيضًا فإن جواز تصرفه أو بطلانه على هذا الوجه مختلف فيه، فلا ينصرف من أحد الوجهين إلى الآخر إلا بفعل الحاكم، مثل الأشياء المختلف فيها من بيع المدَبَّر (٣) وأم الولد.
وأيضًا فإنه عاقل مميز؛ فلا يبطل تصرفه إلا بأمر حادث، مثل سائر بياعاته.
فإن قيل: فإن السبب الموجب للحجر عليه هو عدم قيامه بمصالحه، فأشبه المجنون والصبي.
وأيضًا فإن الحجر يثبت عليه لتبقية ماله ويجوز أن يكثر تصرفه قبل علم الحاكم فيؤدي ذلك إلى إبطال حقه وتلف ماله، وهذا لا يصح.
قيل: أما المجنون والصبي؛ (٤٠) فحالهما ظاهرة مشاهدة، لا يحتاج في أمرهما إلى اجتهاد الحاكم، وليس كذلك هذا؛ لأنه يحتاج إلى اختبار حاله وتصرفه على أي وجه يقع، فافترق الحكم في ذلك.
فأما الفصل الثاني؛ فإننا نقول: إنه قبل علم الحاكم مختلف في حكمه
стр. 2754
هل يستأنف الحجر أو لا، فإذا ثبت هذا؛ لم يعتبر ما مضى منه، واحتيج إلى الحجر عليه حتى ينقطع الخلاف، وهذا كما نقوله في الحجر على المفلس. وبالله التوفيق.
مَسْألة (٦):
وكل من حجر عليه بحكم أو بغيره؛ فإنه لا ينفك حجره عندنا إلا بحكم (١).
واختلف قول الشافعي في الصبي إذا بلغ رشيدًا، فقال في أحد قوليه: ينفك حجره بغير حكم.
وقال مثل قولنا (٢).
وكذلك اختلف قوله في فك الحجر عن المفلس (٣)، وقال في المجنون قولًا واحدًا: إنه إذا عقل؛ انفك حجره من غير حكم (٤).
ووافقنا في السفيه إذا ضبط ماله فقال: لا ينفك حجره إلا بحكم الحاكم (٥).
والباب كله عندنا واحد؛ لأن الاختبار فيهم عند دفع المال إليهم لا بد منه.
стр. 2755
فالمجنون إذا كان بلغ مطبقًا ثم أفاق؛ فإنه لم يختبر حاله، فيعرف ضبطه ونظره في ماله، وإن كان الجنون حدث عليه ثم أفاق؛ فقد يجوز أن يؤثر فيه الجنون ويغيره عما كان عليه قبله، فلا بد من اختباره
وأما الصبي؛ فلا بد أن يجتهد في اختباره، وهذا يتعلق بالحاكم؛ فإذا تقرر خبره عنده، واجتهد فيه؛ احتاج إلى فك حجره.
والمفلس إذا قسم ماله؛ لم يرتفع الحجر عليه حتى يختبر حاله (١)؛ لئلا يكون قد طرأ له مال، أو تغيرت أخلاقه في مدة الحجر عليه؛ فإن الفلس ربما أعمى القلب، وغيّر الخلق والطبع، وتحدثه نفسه في الحجر عليه إن لم يكن أكل جميع (٤١) المال حتى لا يبقي للغرماء شيئًا، فإن الحجر واحد فيحتاج أن يختبر ويجتهد فيه، ثم يفك حجره حتى يظهر للناس أن الحجر قد زال عنه فيعاملونه، فلعله أن يستفيد مالًا يقضي به باقي غرمائه الذين فلس لأجلهم، وجميع المعاني التي حجر على السفيه من أجلها - إذا فك حجره من الاختبار والنظر في حاله - يحتاج إليها هؤلاء. والله أعلم.
مَسْألة (٧):
السفيه [المحجور] (٢) عليه إذا طلق أو خالع؛ جاز طلاقه وخلعه.
وهذا مذهب العلماء إلا ابن أبي ليلى و [أبا] (٣) يوسف فإنهما قالا:
стр. 2756
لا يصح خلعه ولا طلاقه (١).
قالوا: لأن البضع يجري مجرى المال؛ بدليل أنه يملك بمال، ويزال الملك عنه بمال، ولو أن شاهدين شهدا أن فلانًا طلق امرأته وتزوجت، ثم رجعا عن شهادتهما وقالا: أخطأنا؛ لزمهما له المهر؛ كما لو شهدا على رجلين بدين لرجل ثم رجعا عن شهادتهما؛ فإنه يلزمهما ضمان ذلك المال، وإذا ثبت أن البضع تجري مجرى المال - وقد تقرر أنه لا ينفك تصرفه في المال -؛ فكذلك في البضع.
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢).
فعم كل مُطلِّق.
وقال النبي ﵇: "الطلاق لمن أخذ بالساق" (٣).
فهو عموم.
وأيضًا فليس السفيه بأنقص حالًا من العبد، وقد تقرر أن العبد يصح طلاقه وخلعه؛ فكذلك السفيه.
стр. 2757
وأيضًا فإن الطلاق والخلع حظ له بكل حال، وذلك أنه إن طلق قبل الدخول؛ استفاد نصف الصداق، وإن طلق بعد الدخول؛ أسقط عن نفسه النفقة، والكسوة، وغير ذلك، وإن خالع؛ استفاد عوض الذي يأخذه، وإذا كان ذلك حظًّا له بكل وجه؛ كان له فعله؛ لأنه (٤٢) إنما يمنع مما لا حظ فيه له، أو من جنس يكون له فيه الحظ تارة، ولا يكون له حظ فيها أخرى.
وأيضًا فإن البضع ليس بمال، ولا يجري مجرى المال؛ بدليل أن العبد يطلق ويخالع، فلو كان ذلك مالًا؛ لم يكن له ذلك، ولا يزيل ملكه كما لا يزيله عن المال إلا بإذن سيده.
وأيضًا فإنه لا يوهب ولا يورث، فثبت أنه ليس بمال، فلا يمنع السفيه، ألا ترى أن إقراره على نفسه لما لم يكن مالًا ولا يجري مجرى المال؛ قبل قوله، وقد فسد قولهم: إنه يجري مجرى المال بما ذكرناه.
فأما الشاهدان على رجل بالطلاق؛ فإن كان بعد الدخول؛ لم يلزمهما شيء من الصداق، إذا رجعا؛ لأن الصداق كله مستحق على الرجوع، فلم يتلفا عليه شيئًا من الصداق، وإن كان قبل الدخول؛ فلم يلزمهما لأجل أنه مال، قال: وإنما لزمهما لأجل ما أتلفاه بشهادتهما، ألا ترى أنهما لو شهدا على رجل بقتل، فقتل، ثم رجعا وقالا: أخطأنا؛ لزمهما ضمان الدية، ولم يكن ما شهد فيه مالًا، وإنما ضمنا لأجل ما حصل من الإتلاف بشهادتهما. والله أعلم.
стр. 2758
مَسْألة (٨):
إذا كان [الوصي] (١) أو الأمين فقيرًا؛ جاز أن يأكل من مال اليتيم بمقدار إجارة مثله (٢).
وبه قال الشافعي (٣).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له تناول شيء من ماله (٤).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٦).
وإذا كان قيِّما بأمره، وناظرًا في مصالحه، وكان محتاجًا؛ فمِن التي هي أحسن أن يأكل بالمعروف (٤٣) كما قال الله تعالى، عوضًا عن نظره وانقطاعه عن معاشه، مع كونه أمينًا محتاطًا لليتيم.
وأيضًا فإن هذا وإن كان من فعل المعروف؛ فإنه يجوز أن يأخذ عليه عوضًا، ألا ترى أن الله تعالى جعل للعاملين على الصدقات قسطًا من الصدقات
стр. 2759
التي يأخذونها للفقراء (١).
وأيضًا فإن الإمام ناظر في أمور المسلمين، و [قائم] (٢) عليهم للنظر في مصالحهم، وقد أباحه الله تعالى أن يأخذ ما يكفيه من بيت المال، فكذلك والي اليتيم (٣).
وأيضًا فإنه ليس على الإنسان أن ينقطع عن معيشته والنظر في مصلحة غيره بغير عوض، فإن تطوع؛ فهو حسن، وإن لم يتطوع - وكانت المصلحة نظره -؛ جاز أن يأخذ عوضًا على ذلك، ألا ترى "أن أبا بكر الصديق - رضوان الله عليه - لما ولي الخلافة؛ دخل السوق يطلب المعاش، فرآه عمر رحمة الله عليه، فجمع المهاجرين والأنصار، وقال لهم: إن خليفة
стр. 2760
رسول الله ﷺ يقوم بأموركم، وينوب عنكم، وإنه من المسلمين كولي اليتيم من اليتيم، فقدروا له كل يوم درهمين وأربعة دوانيق" (١).
ففيه دليلان:
أحدهما أنه لو لم يجز لولي اليتيم أن يأخذ من ماله شيئًا؛ لم يقع التشبيه به موضعه.
والدليل الآخر: هو أنهم قدروا له درهمين وأربعة دوانيق كل يوم، وفي جملة المسلمين الأيتام والمجانين.
فإن قيل: فإن التشبيه بعمال الصدقات؛ غير صحيح؛ لأن أولئك يأخذون بإذن الإمام (٢).
وما ذكرتموه من حال الإمام؛ فإننا نقول: إن بيت مال المسلمين محفوظ لمصالحهم ومنافعهم، فأقل الأحوال أن يكون الإمام كواحد منهم.
стр. 2761
وأما قصة أبي بكر؛ فلا يلزم؛ لأنه إنما شبهه (٤١) بولي اليتيم في قيامه بأمور المسلمين، ولم يقل عمر: يجب أن يفرض له كما يفرض لولي اليتيم.
وعلى أنه دلالة عليكم؛ لأن عمر شبهه بولي اليتيم في أنه يحتاج أن يفرض له ويقدر، ولم يقل: هو مستحق لذلك من غير فرض المسلمين له، فكذلك في ولي اليتيم لا يستحق أن يفرض الغير له، وهذا هو الذي يقتضيه الكلام في حقيقته.
قيل: أما عمال الصدقات؛ فإن الله تعالى جعل لهم ذلك، فنبه على كل من عمل شيئًا ينوب فيه عن غيره مما فيه مصلحته؛ فإنه يجوز له أن يأخذ العوض، وإن كان الاستحباب لهم أن يتطوعوا، فلو أنفذ الإمام عمال الصدقات ولم يقل لهم خذوا [أجرا] (١)؛ لجاز لهم أن يأخذوه إذا لم يتطوعوا بتركه، والله تعالى قد قال في والي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، فندب الغني إلى التطوع بالنظر، وأباحه إن كان فقيرًا أن يأكل بالمعروف (٣)، كما جعل الله تعالى لعمال الصدقات، وإن كانوا
стр. 2762
أغنياء؛ استحببنا لهم أن يتطوعوا، فإن أخذوا الأجرة؛ جاز.
وقولكم في الإمام: "إن بيت المال محفوظ لمصالح المسلمين؛ فأقل الأحوال أن يكون كواحد منهم"؛ فإننا نقول: هو كواحد منهم، ولكنه هو ذا يستند بزيادة عليهم؛ وهو ما يأخذه لأجل نظره وقيامه بمصالحهم.
وقولكم: "إن عمر شبه أبا بكر الصديق - رحمة الله عليهما - بولي اليتيم في النظر في أمورهم، والقيام بمصالحهم، وأنه لم يقل: يجب أن يفرض له، وأيضًا فإنه شبهه بوالي اليتيم فإنه يحتاج أن يفرض له ويقدر، ولم يقل هو مستحق لذلك من غير فرض"؛ فإننا نقول: هو تخصيص للتشبيه، وعمر لم (٤٥) يخصص، وإنما شبهه بوالي اليتيم عمومًا في النظر وأخذ الرزق، وإنما التقدير لوالي اليتيم؛ فليس يحتاج إلى تقدير الإمام، ولا إلى فرضه له؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١).
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
وإنما لا يحتاج إلى تقدير الإمام لأنه قد يأكل ويأخذ أقل من إجارة مثله وقد رضي بذلك، فإن طلب التقدير والفرض؛ جاز أن يقدر له، ويفرض إجارة مثله إذا عمل، أو يدخل على مقدر مفروض قبل نظره.
فإن قيل: فإن الوصي تصرف بأمر سابق؛ فأشبه الوكيل، فلما لم يكن للوكيل الانتفاع بما وكل فيه؛ فكذلك الوصي.
стр. 2763
وأيضًا فإنه مؤتمن في حفظ مال الصبي مثل المودع، فلا يثبت له فيه الإنفاق إلا بإذن، أصله المودع (١).
وأيضًا فإن المنافع لا قيمة لها إلا بحكم عقد يقتضيها، وعقد الوصية لم يشرط فيه المنفعة، ولا يجوز أن يستحقها.
وأيضًا فإن الموصي استعان بالوصي في التصرف، فأشبه من استعان بخدمة غيره، فلا تكون له عليه نفقة ولا أجرة.
قيل: أما القياس على الوكيل؛ فغير صحيح؛ لأن الوكالة تنفسخ بالموت، وللموكل أن يتصرف مع الوكيل، وليس كذلك الوصي، فهو كعامل الصدقات، [فهو] (٢) بالإمام أشبه.
وعلى أن الوكيل في البيع والشراء - وهو مفوض إليه - يجوز أن يأخذ من المال الذي يحصل في يده بمقدار أجرته، فأما المودع؛ فإنه لا يراد إلا للحفظ فقط، فالوصي مؤتمن، ومع هذا يحتاج أن يتصرف لليتيم، وينمي ماله، ويراعي اليتيم في خدمته، ومأكله، ومشربه، وحفظه، وتأديبه، (٤٦) فهو عامل مع الحفظ.
وقولكم: "إن المنافع لا قيمة لها إلا بحكم عقد يقتضيه، وعقد الوصية لم يشترط فيه المنفعة"؛ فإننا نقول: عقد الوصية يقتضي المنفعة من الوصي بالتصرف والقيام بأمر اليتيم وإن لم يشترط؛ لأن المقصود من الوصية وموضوعها لهذا، فهو كولاية الإمام والحاكم.
стр. 2764
وقولكم: "إن الموصي [استعان] (١) بالوصي في التصرف"؛ فإننا نقول: إن الإمام معين، والحاكم معين للإمام، وعمال الصدقات استعان بهم الإمام على جباية الصدقات ومع هذا فلهم ما يأخذونه، ومن استعان عبدًا بإذن سيده؛ فإن استعانه على شرط أن لا يأخذ شيئًا؛ فإنه لا يأخذ، وإن استعانه مطلقًا من غير شرط وطلب السيد منه أجره؛ فله ذلك.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
وهذا يمنع من أكل المال بغير وجه التجارة والتراضي.
قيل: هذه الآية حجة لنا؛ لأن التجارة لا تؤكل، وإنما أراد أكل ما يكون عن تجارة، فهو عام في كل تجارة، والموصي قد رضي أن يتجر الوصي بمال اليتيم؛ ورضي الوصي بذلك، فإذا باع له شيئًا؛ جاز أن يأكل منه بالمعروف؛ لأنه أكل من مال من تجارة.
فإن قيل: فإن الآية تقتضي أن يكون ما يأكله من تجارة بينه وبين صاحب المال.
قيل: ليس في ذكر التجارة تخصيص التجارة الموصي أو الوصي، أو أن يكون من تجارة متقدمة بعد أن يكون المال من تجارة، فهذا يقتضي أنه إذا كان مال الموصي قد حصل من تجارة؛ جاز أن يأكل الموصي منه، وكذلك من تجارة يتجر بها الوصي في مال اليتيم، فإذا ثبت أنه قد أبيح له أن يأكل من
стр. 2765
مال اليتيم إذا كان أصله من (٤٧) تجارة؛ جاز أن يأكل من مال اليتيم [إذا] (١) كان من غير وجه التجارة؛ [لأنه] (٢) لا أحد يفرق بين الموضعين.
فإن قيل: فإذا كان الله تعالى قد أمر الناظر في أمر اليتيم أن يستعفف إذا كان الناظر غنيًّا؛ اقتضى الأمر له بالاستعفاف الوجوب، فإذا وجب عليه أن يستعفف؛ لم يجز له أخذ شيء من مال اليتيم، وإذا وجب هذا في الغني؛ وجب في الناظر الفقير؛ لأنه لا أحد يفرق بينهما.
قيل: وإذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقد أباح للفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، فإذا ثبت هذا في الفقير؛ جاز في الغني؛ لأنه لا أحد يفرق بينهما، ولكننا نحمل قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ على الندب. والله أعلم.
стр. 2766
كتاب الصلح
مَسْألة (٩):
الصلح (١) على الإنكار جائز، وصورته أن يدعي إنسان على إنسان شيئًا فينكره، ولا تكون للمدعي بينة، فيصالحه المدعى عليه على شيء يعطيه، فيجوز عندنا له أخذه، ويملكه المدعي (٢).
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٣).
وقال الشافعي: الصلح باطل، ولا يملك المدعي ما يأخذه من الصلح، ويجب عليه أن يرده (٤).
وبه قال ابن أبي ليلى (٥).
стр. 2767
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١).
والإصلاح هو ما قطع الخصومة على جميل بين المتخاصمين، فهو عموم إلا ما قام دليله.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢).
وهذا أيضًا عموم.
فإن قيل: هذه الآية نزلت على سبب؛ وهو اختلاف أصحاب (٤٨) رسول الله ﷺ في الأنفال (٣) قبل أن ينزل قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٤).
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا نقول بعموم اللفظ وإن نزل على سبب (٥).
والجواب الآخر: أن فيه تنبيهًا على إصلاح ذات البين في كل خلاف إلا أن يمنع منه دليل.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٦) فهو عموم.
стр. 2768
وأيضًا قوله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" (١).
فعم ولم يخص صلحًا على إقرار من صلح على إنكار، رواه أبو هريرة عنه ﵇.
وقد روى كثير بن زياد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين" (٢).
فإن قيل: ما تلوتموه من الآيات إذا ثبت العموم فيها؛ فهي مخصوصة، وكذلك قوله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" بقوله ﵇: "إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٣).
والصلح على الإنكار صلح يحرم حلالًا، ويحل ما كان حرامًا؛ لأن المدعي كانت تحل له الدعوى والمطالبة بالحق، ويحرم عليه أخذ المال؛ لأنه لم يكن حقق دعواه، فلما صالح؛ قدم عليه الدعوى والمطالبة، وحل له أخذ المال.
قيل: لو أريد بقوله ﵇ ما ذكرتموه من الصلح الذي يحل الحرام ويحرم
стр. 2769
الحلال؛ لبطل الصلح على الإقرار؛ لأن المدعي قد كانت له المطالبة بجميع حقه الذي أقر به المدعى عليه وأن يستوفيه، فلما صالح؛ حرم عليه ما كان له حلالًا؛ لأن كل صلح حرم حلالًا؛ فهو باطل، وكل صلح أحل حرامًا؛ فهو باطل، وقد أحل أيضًا الصلح على الإقرار ما (٤٩) كان حرامًا على المقر من منعه باقي ما أقر به؛ لأن الصلح لما حصل؛ جاز له أن يمنع الباقي بعد أن لم يكن له منعه، فإذا جاز الصلح على الإقرار - وفيه المعنى الذي ذكرتموه -؛ علمنا أنه ﵇ لم يرد بالصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال ما ذكرتموه، وإنما أراد أنه لا يجوز الصلح على خمر أو خنزير، فيكون قد أحل هذا الحرام، وأن يصالحه على شيء ويشترط عليه أن لا [يبيعه] (١) فيحرم عليه، فصلحه الحلال من البيع.
وعلى أن قوله ﵇: "إلا صلحًا أحل حرامًا" (٢) يفيد ما أطلق فيه اسم التحريم، فأما ما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فلا يقال: إنه محرم على الإطلاق، وإنما يقال: هو محرم عند زيد وفي اجتهاده.
ولأن النبي ﵇ إنما يطلق اسم التحريم حكاية على تحريم سابق فيما كان منصوصًا عليه في القرآن، وأما ما فوض فيه الاجتهاد، ويسوغ لهم القول فيه؛ فغير جائز أن نسميه محرمًا ونطلق التحريم في ذلك.
وعلى أن ما ذكرتموه يبطل نفس الخبر؛ لأن قوله: "الصلح جائز بين المسلمين"؛ قد فهم منه جواز الصلح على مال الغير، فلو كان المراد بالتحريم أخذ مال يستبيحه بالصلح؛ لكان قد نفى ما أثبته، وهذا غير جائز، فعلم أن
стр. 2770
المراد ما ذكرناه.
وأيضًا فإن الصلح يقصد به إسقاط الحق والبراءة؛ بدليل أنه يقع على دون حقه على ما جرت به العادة، فما قصد به إسقاط الحقوق؛ لا يؤثر فيه الجحود، أصله من أعتق عبدًا يجحده الرق لم يعترف به؛ أن ذلك العتق نافذ.
وأيضًا فقد يجوز أن يكون المدعي صادقًا فيما ادعاه، فيكون الصلح واقعًا عن مال يحكم ببطلانه فجاز مثل الصلح على الإقرار، ألا ترى (٥٠) أن المقر يجوز أن يكون صادقًا فيما يقر به، ويجوز أن يكون كاذبًا، غير أنا لما لم نحكم ببطلان إقراره بالمال؛ جاز صلحه.
وأيضًا فإن الصلح سبب لإسقاط الخصومة؛ فجاز مع الإنكار، كالاستحلاف.
وأيضًا فلو وهب له ما ادعاه عليه؛ صحت هبته، بدليل أن المدعى عليه لو أقر بعد ذلك بالمال؛ لسلم له، وكل ما تعلق الحكم بهبته؛ جاز الصلح عنه، أصله الدين يقر به.
وأيضًا فإن هذا العقد سمي في الشرع صلحًا، فجاز وإن لم يكن من جهة كل واحد منهما مال، أصله الصلح من دم العمد.
وأيضًا فإن اليمين التي تَثبت للمدعي على المدعى عليه حق ثابت يجوز أن يؤدي سقوطه إلى استحقاق المال، مثل أن يَنكُل (١) عن اليمين ويردها على المدعي، فجاز أن يؤخذ عنه المال على وجه الصلح لإسقاطه