← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

إليه؛ فإننا نقول: تفرده بروايته لا يرد خبره؛ لأنه لو كان هكذا؛ لوجب أن لا يقبل خبر [انفُرد] (١) بروايته، ومع أنه كذلك؛ فإنه لم [يخف] (٢) نقله على الصحابة، ولولا ذلك ما وصل إلينا نحن، وما أنكره واحد من الصحابة، وإذا لم ينقل إنكاره؛ دل على صحته. والأخبار مستعملة على ظواهرها لا ترد إلا بأن ينكرها من يقبل نكيره. وأما اختلاف المتن؛ فإن اختلفت الألفاظ والمعنى واحد؛ لم يضر؛ لأن قوله: "اقتلوا من جرت عليه المواسي" (٣)؛ كناية عن من أنبت، فاستحق أن يحلق عانته بالموسى، فلا فرق بين هذا وبين قوله: "اقتلوا من أنبت". وعلى أن ذكر المواسي في خبر آخر وهو قوله: "تجب الجزية على من جرت عليه المواسي" (٤)، فإن هذا الخبر حجة لنا؛ لأن الجزية لا تجب إلا على (٢) بالغ، فجعل جريان المواسي علامة على البلوغ حتى تجب الجزية. وقولكم: إنه يحتمل أن يكون جعل جريان المواسي دلالة على اعتبار

стр. 2697

مقدار ثماني عشرة سنة؛ [مردود] (١)؛ لأن الغلام يغلظ شعره ويخشن قبل ذلك، حتى يصير بمنزلة الرجال في حلق عانته. فإن قيل: إن الاحتلام هو الأمر الذي يقع به البلوغ، يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢). والحكم إذا تعلق بشرط؛ دل على نفي ما سواه عند قوم من أصحابنا (٣)، وقد علق تحريم دخول دار الغير من غير إذن بالاحتلام، فدليله يفيد إباحة دخولها بغير إذن قبل الاحتلام. أو نقول: منع البالغ من دخول دار غيره بغير إذن، ثم ألحق الذين لم يبلغوا بهم بقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٤). فصار تقدير الآية أمر البالغين بالاستئذان، وإلحاق الذين لم يبلغوا الحلم بهم، والاستئذان [تعلق] (٥) بالبلوغ، فكان المفهوم منه تعلق البلوغ بالاحتلام [وما كان من] (٦) مفهوم الآية.

стр. 2698

وأيضًا فقد روي: "رفع القلم عن ثلاثة"، [و] (١) فيه: "وعن الصبي حتى يحتلم" (٢). فجعل علة خروجه عن الصبى إلى البلوغ وجود الاحتلام (٣). قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٤)؛ فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يقل: "إذا احتلموا"، وإنما قال: "إذا بلغوا الحلم"، أي الحال التي يكون في مثلها الحلم، ومن أنبت؛ فقد بلغ الحال التي في مثلها يحتلم، وهذا مثل قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ (٥). لم يرد إذا نكحوا، وإنما معناه: إذا بلغوا الحال التي في مثلها يَنكحون فيها. والجواب الآخر: هو أنه ذكر الأطفال إذا (٣) احتلموا، ومن أنبت فليس بطفل، ولكنه قد يحتلم قبل أن ينبت، فإنما أراد من هذه صفته، ألا ترى أنه لو لم يحتلم أصلًا؛ لم يخرجه ذلك أن يكون في حكم البالغين. وأيضًا فإنه لا يمتنع أن يذكر الله تعالى [الاحتلام] (٦) فيكون علامة للبلوغ، ويذكر رسول الله ﷺ الإنبات فيكون علامة أخرى على البلوغ، كما

стр. 2699

قامت الدلالة على أنه لو لم يحتلم ولم ينبت وبلغ تسع عشرة سنة؛ كان بالغًا؛ لأن الاحتلام قد يختلف في الناس، فمنهم من يحتلم لاثنتي عشر سنة، ومنهم من يحتلم لأكثر منها، كما أن الإنبات يختلف فيهم، فقد ينبت من سنه هذا القدر، وينبت من سنه أكثر من ذلك. وقوله ﵇: "رفع القلم عنه حتى يحتلم" (١)، فيكون احتلامه قبل إنباته، ويرتفع عنه القلم حتى ينبت إذا كان إنباته قبل احتلامه؛ لأن الحالين يختلف في الناس (٢). فإن قيل: فإن خروج الشعر يختلف باختلاف حال الصبي في موضع عانته، كما يختلف ذلك بأحوال سائر بدنه، فلما لم يكن ذلك دلالة في أحد الأمرين على البلوغ؛ فكذلك الآخر. ولأن شعر الوجه أدل على البلوغ من غيره، فإن لم يقع به استدلال لاختلاف أحوال الصبيان فيه؛ فما سواه أولى بذلك. قيل: قولكم: "إن خروج الشعر يختلف باختلاف حال الصبيان"؛ فإننا نقول مثله في الاحتلام، فإنه يختلف باختلاف حال الصبيان، وقد جعل دليلًا على البلوغ، وأما سائر بدنه؛ فإنه يفارق موضع الإنبات؛ لأن الذكر نفسه منه يكون الاحتلام، فله اختصاص من سائر الأعضاء، فلا يمتنع أن يكون الشعر عليه (٤) وعلى ما قاربه مخصوصًا من بين سائر الشعر على البدن، فكيف

стр. 2700

وقد جعل صاحب الشريعة الأمرين دلالة على البلوغ. وقولكم: "إن شعر [الوجه] (١) أدل على البلوغ من غيره"؛ غلط (٢)؛ لأن صاحب الشريعة لم يجعل [لشيء] (٣) من الوجه ولا ما يخرج منه دليلًا (٤) على البلوغ، وقد جعل في الذكر وفرج المرأة ما يدل على البلوغ مثل المني والحيض، فجعل ما علاهما من الشعر دليلًا على البلوغ أيضًا. فإن قيل: فإن الشعر نما من البدن على أصل الخلقة؛ فلا يدل على البلوغ؛ أصله السِّمَن وكثرة الشحم على الأعضاء. وأيضًا فإن الإنبات شعر يخرج بمعالجة؛ فلا يجعل حدا للبلوغ، مثل ظهور شعر الوجه. قيل: قد ذكرنا أنه لما لم يعتبر حكم البلوغ بشيء من سائر الأعضاء غير الفرج؛ لم يعتبر الشعر النامي عليه، ولما جعل في الفرج شيئًا يدل على البلوغ؛ كان الشعر النامي عليه بخلاف غيره من الشعر. وقولكم: "إنه شعر يخرج بمعالجة"؛ فإننا نقول: ليس الغالب معالجة خروج العانة، وإنما يعالج حتى لا ينبت، وليس كذلك الغالب في الوجه. ثم إننا [نعتبر] (٥) شعر العانة الذي لم يعالج دلالة على البلوغ، فإن

стр. 2701

جاز أن يعالج في إنسان من الناس حتى يخرج؛ اعتبرنا سن من لم يعالج وقد أنبت، فإن كان قد أنبت في مثل سنه بالعلاج؛ قلنا: هذا لم يخرج بالعلاج، وإنما خرج لأن من هو في مثل سنه قد أنبت، وليس تُعلق الأحكام على النادر، بل على الغالب من أمور الناس أنهم لا يعالجون العانة حتى تنبت، فلم يلزم ما ذكروه. فَصْل فأما تفرقة الشافعي (٥) [بين المسلمين] (١) والمشركين بالإنبات على أحد [قوليه؛ فهو مردود] (٢)؛ لأن الظاهر من قول النبي ﷺ : "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم" (٣)، لم يفرق فيه بين المسلمين والكافرين، وكذلك [لم تختلف] (٤) أحكامهم في الحيض، فإذا استوت أحوالهم في أن هذا بلوغ [أو] (٥) دليل على البلوغ؛ وجب أن لا يفترق حكمهم في الإنبات أيضًا. فإن قيل: الفرق بينهم من وجهين: أحدهما: هو أن المشرك لا تلحقه التهمة في أن يعالج ذلك حتى ينبت؛ لأن المشرك يتعلق عليه بالإنبات حكم القتل، والمطالبة بالجزية، فلا يتهم في أنه اكتسب ذلك لنفسه بإنبات الشعر، فكان شعره دلالة على البلوغ، والمسلم متهم في أنه قصد الإنبات بالعلاج ليستفيد به التصرف في الملك،

стр. 2702

والولاية على الأخوات، وكمال الأحكام، فإذا لحقته هذه التهمة فيه؛ لم يدل ذلك على بلوغه. والوجه الثاني: هو أن الكافر لا يمكن معرفة بلوغه بالسن؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهة قول المشركين، وقولهم فيما يتعلق [بالأحكام] (١) غير مقبول، ولم يعلم أيضًا بلوغه إلا من جهة الاحتلام؛ لأن قوله ثَم: "احتلم" غير مقبول، فتوصلنا إلى معرفته بالإنبات، وليس كذلك المسلم؛ لأن معرفة سنه ممكن من جهة من يعرف ذلك من المسلمين، فلم تكن بنا حاجة إلى أن نجعل الإنبات بلوغًا فيهم (٢). قيل: أما الوجه الأول؛ فلا فرق بينهما؛ لأن الكافر إن لم يتهم في قوله لأجل تعلق الجزية به، والمطالبة بالإسلام، والقتل؛ فإنه متهم أيضًا في أن يتصرف في أمواله، وفي المطالبة بها، وبما يجب له من غيرها، ويستحق الولايات وغير ذلك (٦) [] (٣) من أداء الجزية، فإن لم تلحقه التهمة فيما ذكرناه [] (٤) الحاكم يتعلق عليه من لحوق القود والحدود [] (٥) المطالبة بحضور الصلوات، وغير ذلك مما يجب على المسلمين، فما منهم إلا من تلحقه التهمة في شيء، ولا تلحقه في غيره (٦). وأما الفرق الثاني؛ فليس بفرق؛ لأن المشرك قد يعلم سنه من المسلمين

стр. 2703

أيضًا، وممن يجوز أن يكون مشركًا ثم أسلم، فليس هذا مما لا يمكن، ولا هو محال. وقولكم: "إنه لم يعلم أيضًا احتلامه إلا من قوله"؛ فقد قلتم: إنه لا يتهم في معالجة الشعر لتعلق الجزية به، فكذلك لا يتهم في قوله: قد احتلمت؛ لأن الجزية تتعلق عليه والمطالبة بالقتل كما قلتم في الإنبات. وعلى أن المسلم لا يعلم احتلامه إلا من قوله، فينبغي أن يتوقف عنه لأنه قد يتهم في قوله، والإنبات حال يمكن أن نشاهدها منه؛ فهو أولى بالقبول؛ وإن جاز أن تدخله تهمة كما تدخل في قوله: قد احتلمت. ثم إننا نقول: كل موضع يمكننا أن نتحققه من المسلم والكافر؛ فإننا نعمل عليه؛ إما بقول غيره، أو بمشاهدة، وما لا نعرفه إلا من قوله؛ فإن كان يقول ذلك لشيء يتهم فيه؛ لم نقبله، وإن كان بشيء عليه لا له، ولا يتهم فيه؛ قبلناه، فلا فرق بين المسلم والكافر. والله أعلم. ونقول أيضًا: إن كل ما جاز أن يكون علامة للبلوغ في الكافر؛ جاز أن يكون علامة للبلوغ في المسلم؛ أصله السنون الكبيرة، أو ما لا يختلف فيه. والله الموفق. فَصْل فأما اعتبار الشافعي خمس عشرة سنة في البلوغ؛ فلا نقول به، ولا أبو حنيفة (٧). فكذلك داود يقول مثل قولنا.

стр. 2704

والدليل لقولنا [قوله تعالى] (١): ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٢). والحكم متى علق [بشيء؛ دل] (٣) على أن ما عداه بخلافه إلا أن يقوم دليل (٤)، وقد علق تعالى الحكم [على] (٥) بلوغ الحلم، فلا يتعلق بغيره من سن ولا إنبات إلا بدليل (٦). وأيضًا قول النبي ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة، منها: وعن الصبي حتى يحتلم" (٧). و"حتى" للغاية (٨)، فجعل غاية خروجه عن حال الصبا إلى البلوغ [هي] (٩) وجود الاحتلام، سواء كانت له خمس عشر سنة، أو أكثر، إلا أن يقوم دليل الخطاب بخلافه. فإن قيل: فإنه إذا بلغ خمس عشرة سنة؛ لم يسلم أنه صبي، فلا تعلق لكم بالخبر.

стр. 2705

قيل: إن الخبر يفيد أن الصبي يخرج عن هذه الحال بوجود الاحتلام، كما قال: "وعن المجنون حتى يفيق"، وإذا أفاق؛ فليس بمجنون، "وعن النائم حتى ينتبه"، وإذا انتبه؛ فليس بنائم، فكذلك يخرج عن الصبى بوجود الاحتلام، ولا يخرج لغيره إلا بدليل، وهذا كما يقال: "ليس على فقير زكاة حتى يستغني"، فإنه يخرج عن الفقر بوجود الغنى. وأيضًا فإن الخمس عشرة سنة مدة لم يحصل فيها احتلام، ولا إنبات، ولا إجماع على وجود التكليف عليه؛ فأشبه ما دون الخمس عشرة سنة، لأن هذا العدد سبب لوجوب الصلاة عليه، والصيام، وغير ذلك من العبادات. ويجوز أن نفرض الكلام في أن الثمان عشرة سنة وما أشبهها يجوز أن يعلق عليها البلوغ إذا [لم] (١) يكن احتلام ولا إنبات؛ فنقول: قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٢). فروي عن ابن عباس في تفسير (٨) [الأشد أنه ثماني] (٣) عشرة سنة (٤)، ومثل هذا لا يعلم إلا من جهة التوقيف [ … ] (٥) وقد تعلق تسليم المال إليه

стр. 2706

ببلوغ هذه المدة إلا أن يقوم [دليل] (١). وقد أجمعوا على اعتبار البلوغ في دفع المال إليه وتسليمه مطلقًا، فلما علق ذلك بهذا القدر؛ دل على أن ما عداه بخلافه، وعلى أن البلوغ يتعلق بهذا القدر من السن دون غيره إلا أن يقوم دليل. وأيضًا فقد روي أن النبي ﵇ قال: "أيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ؛ فعليه حجة" (٢). وقوله: "حج" يقتضي حجه بنفسه لا أن يحج [به غيره] (٣)، ولا يمكن الصبي الذي له دون ثمان سنين أن يحج بنفسه، وتمام عشر حجج يقع في عشر سنين، فدل على أن البلوغ لا يكون في خمس عشرة سنة، وأنه يتعلق في ثمان عشرة سنة. وأيضًا فإن المقادير التي تتعلق بها الصلاة والصيام لا تثبت إلا بتوقيف، أو اتفاق؛ كمدة الإقامة، وقد حصل الإتفاق على المدة التي ذكرناها. فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "عرضت على النبي ﷺ [يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت

стр. 2707

عليه] (١) عام الخندق ولي خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة" (٢). ووجه الدلالة من الخبر هو أنه ذكر أنه رد عام أحد ولم يره بلغ، وأجازه عام الخندق وله خمس عشرة سنة، وذلك يوجب أنه قد بلغ عام الخندق. فالدليل على أنه قد بلغ عام الخندق شيئان: أحدهما: أنه قال: "ردني عام أحد ولم يرني بلغت"، فأخبر أن الرد في [تلك] (٣) السنة إنما كان لأجل أنه لم يكن بلغ، وإذا رد في تلك السنة لأجل أنه لم يبلغ [لم يقبل] (٤) في السنة الثانية وهو غير بالغ فيها، بل إنما يقبل لزوال المعنى الذي (٩) كان موجودًا في السنة الأولى، وهو عدم البلوغ. والشيء الثاني: هو [أنه قال] (٥): "أجازني في المقاتلة"، والمقاتلة هم الذين يحضرون الصف، ويتعين عليهم القتال، ومن شرط ذلك البلوغ، والنبي ﵇ كان لا يمنع الصبيان والنساء من الخروج معه، وإنما لا يجيز في المقاتلة إلا الرجال، فثبت بهذا أن ابن عمر كان بالغًا في سنة الخندق، وإذا ثبت أنه كان بالغًا؛ فلا شيء يمكن أن يقال إذا بلغ به إلا السن، لأنه لم ينقل في

стр. 2708

الخبر غير السن، فعلم أن البلوغ كان به. وطريقة أخرى: وهي أن الراوي إذا نقل الحكم ونقل معه شيئًا؛ كان الظاهر أن الحكم تعلق بذلك السبب، كما روي "أن ماعزا زنا فرجم" (١)، "وأن النبي ﵇ سها فسجد" (٢). فإذا ثبت ذلك؛ فإن ابن عمر "روى أنه عرض على النبي ﵇ وله أربع عشرة سنة فرده، وعرض علي وله خمس عشرة سنة فأجازه" (٣). فالظاهر أن الرد تعلق بالسن المنقول معه، والقبول تعلق بالسن المنقول معه. وروي عن ابن عمر أنه قال: "عرضت على النبي ﵇ عام بدر ولي ثلاث عشرة سنة فردني، [وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة] (٤)، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة" (٥). قيل: إن حديث ابن عمر قد روي مختلفًا، فذكر في بعض الأخبار: "أنه عرض عليه عام أحد وله ثلاث عشرة سنة فرده، وأنه عرض عليه بعد ذلك وله أربع عشرة سنة فأجازه" (٦).

стр. 2709

رواه أحمد بن حنبل بإسناد صحيح. ولم يثبت في الخبر ذكر البلوغ الذي تتعلق به الأحكام في الشريعة، والخلاف في هذا وقع، وإنما ذكر الإجازة (١) في القتال، وهذا المعنى يتعلق بالقوة والجلد؛ لأن (١٠) الحال كانت حال قتال عندما عرض ابن عمر، فإذا اختلف في السبب في عرض ابن عمر وإجازته ورده؛ علم أن الغرض [هنا] (٢) القوة والجلد، فصار الحكم متعلقًا بهذا السبب. ومن أصل الجميع أن الحكم متى نقل مع سببه تعلق به، والسبب هو السن، والحكم هو الإجازة في القتال، فكأنه أجازه للقتال بهذا السن. فأما وجوب أحكام الشرع من الصيام والصلاة؛ فلم يجر له ذكر فيكون السن سببه، فصار ما ذكرتموه من الحكم وتعلقه بالسبب حجة لنا من هذه الوجوه التي هي حضور القتال ومن أجلها عرض، وحصلت الإجازة لهذا المعنى بوجود السن، ونحن نجيز قتال الصبي إذا بلغ هذا السن، ويسهم له مع المقاتلة إذا قاتل. فقول ابن عمر: "فلم يرني بلغت" الحد الذي يجيز فيه مثلي. وقوله: "بلغت"؛ ليس مطلقًا إذا كانت الحال والإجازة مقرونة به. وقوله: "أجازني في المقاتلة عند هذا السن"؛ هو الذي نقوله؛ لأنه

стр. 2710

عرض لأجل القتال، فأجازه لأنه بلغ حد القتال، وإنما يكون قول القائل: "قد بلغت" مطلقًا يتعلق به أحكام الشرع؛ إذا لم يكن له سبب خرج الكلام عليه، فأما إذا كانت الحال حال قتال، وعرض لأجلها؛ فقوله: "لم يرني بلغت"؛ معناه: من يقاتل، فهو مفيد بهذا السبب، ألا ترى أن قائلًا لو ذكر السفر وبلوغ البلدان حتى يقال بلغت، فقال: بلغت، أو لم أبلغ؛ علم أنه أراد لم يبلغ إليها؛ لأن الكلام خرج على هذا السبب. وقولكم: "إن النبي ﵇ لم يكن يجيز في المقاتلة إلا الرجال البالغين"؛ غلط؛ لأنه كان يجيز الولدان إذا بلغوا حد من يقاتل، ألا ترى أن سمرة قال: "عرضت عليه في بعض (١١) غزواته فردني، وعرض عليه غلام غيري فأجازه، فقلت: يا رسول الله! قبلته ورددتني، فلو صارعني؛ لصرعته، فقال: صارعه، فصارعته فصرعته، فأجازني" (١). [فإن] (٢) قيل: إن الإجازة في القتال لا تتعلق بالسن، وإنما تتعلق بالقوة. قيل: إن بالسن يستدل في العادة على القوة والجلد. وعلى أن علم رسول الله ﷺ لسن ابن عمر، أو جريان ذلك بحضرته؛ لم ينقل في الخبر حتى يخرج كلامه عليه، وإنما يجب أن يجعل كلامه ﵇ متعلقًا بسبب متى أخرجه عليه، وهذا أمر لم يثبت، فيحتاج مدعيه إلى دليل بأن الحال التي جرت هي حال الحرب، وأن الغرض كان لأجل القتال، فلو قال ﵇ لابن عمر: "إنك ما بلغت"؛ لكان كلامه محمولًا على القتال، أي

стр. 2711

ما بلغت حد القتال، فكيف ولم ينقل قوله ﵇ في ذلك، فقول ابن عمر ليس بشرع، فأحسن أحواله أن يحمل قوله: "إن النبي ﵇ ردني لأني لم أبلغ، وأجازني لأني بلغت" على الحال التي جرت من القتال (١). وعلى أنه يجوز أن يكون ابن عمر بلغ في الخمس عشرة سنة إما بالحلم، أو بالإنبات؛ لأن قوله: "بلغت" مفهوم بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٢)، ولم يعلق بالسن، فقول القائل: "بلغت" إذا أطلقه؛ لا يعقل منه بلوغ خمس عشرة سنة، وإنما هو عبارة عما يكون به، ولا يكون بالغًا إلا بما ذكره الله تعالى أو رسوله ﵇، ولم يذكر الله تعالى ولا رسوله ﵇ السن، ولا أنه علامة البلوغ، فلم يكن الحكم [متعلقًا] (٣) به. فإن قيل: فقد روى أنس أن النبي ﵇ قال: "إذا كان للغلام خمس عشرة سنة؛ كتب ما له وما (١٢) عليه من الحدود" (٤). وهذا نص. قيل: هذا خبر محال لا يعرف، ولا يعمل عليه. وقوله: "كتب ما له وما عليه" يفيد أن له شيئًا، وعليه شيء؛ حتى يكتب

стр. 2712

ببلوغه خمس عشرة سنة، فيحتاج أن يثبت أن عليه شيئًا حتى يكتب. وعلى أنه لو احتلم قبل الخمس عشرة سنة؛ لكان بلوغًا بإجماع، وكتب ما له وما عليه، وأخذت منه الحدود التي تجب عليه، وكذلك لو أنبت قبلها؛ لكان بلوغًا عندنا وعندكم على أصح القولين، فإذا كان هذا مضمرًا في الخبر؛ فتقديره: إلا أن يكون احتلم قبلها، فإذا كان كذلك؛ قلنا: فالنبي ﵇ لو صح هذا عنه؛ فإنه قصد إلى أبلغ ما يكون في العادة الغالبة؛ لأن الإنبات والاحتلام يكون إلى هذه الغاية. ويجوز أن نفرض الكلام في أن الصبي إذا لم يحتلم ولم ينبت فزنا وسرق؛ لم يقم عليه الحد لخمس عشرة سنة، فإن سلموا ذلك؛ صح قولنا بأنها ليست بلوغًا، وإن لم يسلموه؛ قلنا: الأصل أن الحد لا يجب إلا بدليل. وأيضًا قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم" (١). ورفع القلم يفيد رفع المأثم والحد وغيره من الأحكام التي تكتب على البالغ، فجعل شرط رفع القلم عدم الاحتلام، ودليله أنه إذا احتلم؛ تعلقت الأحكام عليه. وأيضًا فإن نفس الفعل منه مختلف في كونه زنا، فوجب أن يمنع من إقامة الحد في هذا القدر من السن؛ دليله ما دون هذا القدر من السن إذا وجد الإنبات على إحدى الروايتين عن مالك ﵀، وعلى أحد القولين للشافعي في المسلمين. وبالله التوفيق.

стр. 2713

مسألة (٢): (١٣) وإذا بلغ اليتيم وكان ضابطًا لماله، يحسن التصرف فيه، ولا يبذره؛ سلم إليه وإن كان غير مرضي في دينه، فإن لم يكن مصلحًا لماله، ولا ضابطًا له، - وهو عدل في دينه -؛ لم يسلم إليه (١). وبه قال أبو حنيفة، ولكنه يقول: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة؛ دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط؛ لأنه لا يرى الحجر ابتداء على البالغ وإن كان مفسدًا لماله. وتبعه زفر. وبقولنا قال أبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأنه لا يدفع ماله حتى يكون ضابطًا له غير مبذر (٢). وقال الشافعي: لا يدفع إليه ماله حتى يكون عدلًا في دينه غير فاسق، ويكون ضابطًا لماله غير مبذر له (٣). فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة فيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة. وحصل الخلاف مع الشافعي في أنه لا يفك حجره إلا بشرطين: هما

стр. 2714

العدالة، وضبط المال، ونحن نقول بشرط واحد هو إصلاح ماله، وضبطه له. فنتكلم أولًا على أبي حنيفة في دفعه إليه بعد خمس وعشرين سنة وإن كان مبذرًا لماله. والدليل لقولنا هو أننا قد اتفقنا على كونه محجورًا عليه، لا يدفع إليه ماله قبل خمس وعشرين سنة، فمن زعم أنه يفك حجره، ويدفع إليه ماله بعدها؛ فعليه الدليل. وأيضًا قول تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). فجعل شرط دفع أموالهم وجود الرشد، ومن كان مبذرًا لماله، مضيعًا له، ولا يحسن النظر فيه؛ فهو غير رشيد، الدليل على هذا هو أنه إنما لم يدفع إليه ماله قبل هذه المدة [لوجود] (٢) هذا المعنى فيه؛ وهو عدم الرشد. فإن قيل: هذه الآية حجة لنا من (١٤) وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ نكرة في إثبات، يقتضي أي رشد كان دُفعت إليهم أموالهم، ومن له خمس وعشرون سنة [وهو عدل] (٣)؛ فقد حصل منه رشد. والوجه الآخر: هو أن قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الفاء للعقب،

стр. 2715

فالظاهر يقتضي أنه إن آنس منهم رشدًا عقيب البلوغ؛ فقد حصل الشرط، فدليله ما بعد البلوغ بمدة بخلافه، فالظاهر لا يتناول من له خمس وعشرون سنة. قيل: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، فإن كان "رشدًا" هاهنا نكرة في الإثبات؛ فإن دليل الخطاب يقتضي أنه إذا لم يؤنس منهم رشد؛ لم يدفع إليهم، فهو نفي في نكرة، لأن الصريح إذا كان إثباتًا في نكرة؛ اقتضى دليله أن يكون نفيًا في نكرة، والنفي في النكرة يقتضي أنس الرشد، فإن لم يؤنس منهم كل الرشد؛ لم يدفع إليهم. وجواب آخر: وهو أنه تعالى أراد رشدًا على صفة، وهو أن يكون ضابطًا لماله غير مبذر له، بدليل ما دون الخمس وعشرين سنة، فإذا ثبت أن الرشد المراد هو هذا؛ فمتى عدم كان الحكم بخلافه. وقولكم: "إن قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الفاء للعقب"؛ غلط؛ لأن هاهنا مراده لتعلق الكلام بعضه ببعض، وهي جواب للشرط في قوله ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، والفاء التي للعقب هي على قوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، أي إذا آنستم منهم الرشد؛ فادفعوا إليهم عقيب الرشد. فإن قيل: فإن الرشد هو العقل (٢)، وهو الشرط في زوال الحجر عنه، وتسليم المال إليه. قيل: لا يجوز أن يحمل الرشد المذكور في الآية على العقل حسب؛

стр. 2716

لأن الآية (١٥) تقتضي رشدًا يتوصل إلى معرفته بالاختبار والابتلاء، لأنه أمر بالابتلاء ليؤنس فيه الرشد، والرشد الذي يتوصل إلى معرفته بالاختبار والابتلاء إنما هو الصلاح في المال وضبطه (١)؛ لأنه إنما حجر عليه خوف الفقر بتضييع المال، وهذا لا يعلم إلا بتجربة واختبار، و [العقل] (٢) لا يفتقر في معرفته إلى اختبار، بل يعلم ذلك بالمشاهدة من أول [وهلة] (٣). ووجه آخر من التعلق لنا بالآية: وهو أنها تقتضي أن المال لا يدفع إليه إلا أن يوجد منه رشد، والرشد هو إصلاح المال، وعند أبي حنيفة أنه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة؛ سلم المال إليه وإن لم يوجد منه الرشد، وهذا خلاف الظاهر.

стр. 2717

ووجه آخر: وهو أن الآية تقتضي وقوع الاختبار قبل البلوغ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١)، فأمر بالابتلاء وجعل له غاية هي بلوغ النكاح، و"حتى" من حروف الغايات وهي لانتهائها (٢)، فاقتضى ذلك أن الاختبار قبل البلوغ. ومن قال: إن الاختبار قبل البلوغ؛ إما أن يقول إن إصلاح المال شرط (٣)، أو يقول: إصلاح الدين والمال شرط؛ لأنهم يقولون: يختبر في ذلك قبل البلوغ، فإذا بلغ وهو على تلك الصفة؛ رفع الحجر عنه (٤)، وعند المخالف أنه يختبر في إصلاح المال بعد البلوغ، وإذا ثبت أن الاختبار يكون قبل البلوغ؛ ثبت ما قلناه. وأيضًا فإنه بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو غير رشيد في ماله؛ فوجب أن لا يسلم إليه ماله، أصله ما قبل الخمس وعشرين، أو إذا كان مجنونًا. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٥). فأجاز تعالى تسليم المال إلى من بلغ أشده (١٦) من غير شرط إيناس

стр. 2718

الرشد، ولا يوضع بتناوله إلا بعد خمس وعشرين سنة، ألا ترى أن ما قبلها مجمع عليه في أن المال لا يسلم إليه. وأيضًا فإنما منع ماله منه لإيناس الرشد فيه طلبًا لمصلحته، وتبقية المال عليه، ومتى بلغ خمسًا وعشرين سنة؛ فقد زال هذا المعنى، ألا ترى أنه يصير جدًّا متى بلغ هذا الحد بجواز أن يتزوج لاثني عشرة سنة، ويولد له لستة أشهر، ويبلغ ولده لاثني عشرة سنة، ويولد له لستة أشهر، ومن صار جدًّا ولم يؤت رشدًا؛ فقد أيس منه هذا المعنى (١)، فلو منعناه بعد ذلك؛ لكان حجرًا عليه في التصرف من غير انتظار شرط آخر (٢)، ومن أصل أبي حنيفة أن الحجر لا يجوز في مال الحر العاقل بوجه (٣). قيل: ليس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٤) بيان لأشده، ولا أمر بدفع ماله إليه، فيحتاج إلى بيان، وبلوغ أشده عندنا هو ما فسره في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وهذا صريح، فبُيِّن به ما أجمل هناك.

стр. 2719

ثم دليله أنه إذا لم يؤنس رشده؛ لم يدفع إليه ماله، والإجماع الذي حصل قبل الخمس وعشرين هو لمعنى، وذلك المعنى موجود فيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة. وقولكم: "إنه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة جاز أن يصير جدًّا"؛ فإننا نقول: ليس إذا بلغ هذا السن وجاز أن يصير جدًّا؛ ما يجب أن يدفع إليه ماله؛ لأن هذا المعنى يوجد في المجنون ولا يدفع إليه ماله، وإنما ينبغي أن يراعى بمن منع من ماله في صغره وقبل الخمس وعشرين، فإذا كان ذلك المعنى باقيًا؛ فالحجر. وقولكم: "إن أبا حنيفة (١٧) يقول: إن الحجر لا يجوز في مال الحر العاقل"؛ فإننا فيه اختلفنا، وهذا أصل لنا في الحجر على الحر العاقل. فإن قيل: إن مال الإنسان المميز قد يمنع منه في وقت؛ مثل من أجر عبده أو داره، ولا يجوز أن يمنع منه على التأبيد من غير إيجاب حق فيه، فكذلك يجوز منع المال عن السفيه في وقت مقدر بطلب شرط يوجد في المستقبل؛ كانقضاء مدة الإجارة، ولم يجز أن يمنع منه ماله على التأبيد. ولأن المانع من تسليم ماله إليه على التأبيد؛ لا يخلو أن يكون [لمعنى] (١) فيه، أو في المال. ولا يجوز أن يكون لمعنى فيه؛ لأن أصح المعاني التي تمنع من تسليم المال على التأبيد هي الجنون التي تدوم، فأما إذا كان عاقلًا؛ فلا يمنع ذلك منه لمعنى فيه، دليله المريض.

стр. 2720

ولا يجوز أن يكون لمعنى في المال؛ لأن المعاني التي تعود إلى المال في باب المنع منه إيجاب حق فيه، وهذا لم يحصل. قيل: قولكم: "إن الإنسان يمنع من ماله في وقت كالإجارة"؛ فإننا نقول: إن الإجارة تحصل مع جواز أن يبطل الشيء المستأجر فيبطل معنى الإجارة، والحجر أيضًا يحصل مع جواز أن يحدث الرشد فيبطل الحجر، فلا فرق بينهما، ولسنا نقطع أن الحجر يكون على التأبيد؛ بجواز حدوث الرشد، وإنما يراعى المعنى الذي أوجب الحجر، فإذا وجد؛ حصل الحجر، فما دام ذلك المعنى الموجب للحجر موجودًا؛ فالحجر موجود، وإن حدث ما يزيله؛ زال، وكذلك المجنون يحجر عليه، وقد يجوز أن يفيق قبل الحجر عليه. وقولكم: "لا يخلو أن يكون المانع من تسليم ماله إليه لمعنى في المال [أو] (١) فيه"؛ فإننا نقول: المعنى الموجب هو كونه غير مصلح (١٨) لماله، مبذر له، أو لا يحسن التصرف فيه، فما دام هذا المعنى موجودًا؛ فهو كالجنون. ثم إننا نقول: لو جاز أن يجعل الخمس وعشرين حدًّا في دفع ماله إليه؛ لجاز لآخر أن يجعل ما دونها حدًّا؛ لأن الدليل لم يقم على ما حددوه. ويجوز أن يستدل بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٢)، ومن كان مبذرًا لماله؛ فهو سفيه. وكذلك قوله ﵇: "خذوا على أيدي سفهائكم" (٣).

стр. 2721

والأخذ على أيديهم يقتضي منعهم من التصرف في أموالهم وغير ذلك، إلا أن يقوم دليل. فإن قيل: فقد روى الحسن عن النبي ﵇: "لا حجر على حر" (١). فهو عام. قيل: هو مخصوص بالدليل الذي خصه إذا كان له دون خمس وعشرين سنة، وإذا ثبت لنا هذا؛ فلا فرق بين أن يبتدأ الحجر عليه وهو [كبير] (٢)، وبين أن لا ينقل حجره إن كبر. فإن قيل: فقد قال ﵇: "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت، أو لبست فأبليت" (٣). فدل على أنه إذا بذره في غير هذا؛ لم يحجر عليه؛ لأنه ﵇ لم يأمر بالحجر عليه. وأيضًا فإنه مكلف يقبل إقراره على نفسه؛ فوجب أن لا يحجر عليه إذا كان عاقلًا مالكًا، دليله إذا بذر ماله في طاعة الله . وأيضًا فلو منع من البيع والشراء والهبة؛ لمنع من الوصية، والكتابة، والخلع، والطلاق، والإقرار بالجناية. قيل: أما قوله ﵇: "مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت" (٤)، إنما هو

стр. 2722

على طريق التزهيد في الحرص على جمع المال، وترك إنفاقه فيما ذكره ﵇، فحث على أن لا يضيق (١٩) على نفسه ويمتنع من الصدقات، فإنه لا يحصل له من ذلك إلا الوجوه التي ذكرها ﵇، والثاني يحصل لغيره. وأما قياسكم على من بذر في طاعة الله ؛ فإن ذلك لا يقال له مبذر، وإنما التبذير أن يضع الشيء في غير موضعه. على أنه يلزم فيمن له دون خمس وعشرين سنة. وقولكم: "لو منع من البيع والشراء؛ لمنع من الوصية والكتابة"؛ فإننا نقول: إنه إذا كان ضابطًا لماله، صحيح النظر فيه، [وكاتَب] (١)؛ فإنه يجوز أن يسامح فيها؛ لأنه لو أعتق بغير كتابة؛ لجاز، فأما في مسألتنا"؛ فإنه إن كاتب وكان الحظ في الكتابة؛ أمضيناه، وإلا رددنا الكتابة. والوصية عندنا تجوز من الصبي؛ لأن [الحجر] (٢) إنما وقع عليه لجواز أن يبذر المال ويضيعه فيبقى فقيرًا، وفي الموت قد أمن هذا منه. [وأما] (٣) الخلع؛ فإنه يأخذ مالا لا يخرج عن يده شيئًا. ثم هذا كله يلزم فيه إذا كان له دون خمس وعشرين سنة. ويجوز أن يستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٤).

стр. 2723

فأخبر أن للسفيه وليًّا، ولم يفرق بين الصغير، أو من له دون خمس وعشرين سنة، أو أكثر منها. ثم لو قلنا: إن السفيه المراد به الكبير؛ جاز؛ لأنه اسم ذم، والصغير لا يذم، فدل على أنه من أنفق ماله وبذره في غير طاعة الله ، وقد سئل رسول الله ﷺ الحجر على حبان بن منقذ لأنه كان يغبن في تجاراته وبياعاته؛ فلم ينكر [النبي ﷺ ] (١) عليهم الحجر عليه لأجل الغبن (٢)، [فمنعه] (٣) من التبذير أولى بالحجر عليه، وإن كان بالغًا عاقلًا. (٢٠) وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" (٤). ومعلوم أن تبذير المال في غير طاعة الله منكر، فوجب أن يمنعه الحاكم منه، ولا يمكن منعه منه إلا بالحجر عليه، ولم يفرق بين صغير وكبير في ذلك. وأيضًا فقد روي عن عبد الله بن جعفر" أنه اشترى ضيعة بأربعين ألفًا، فجاء علي - صلوات الله عليه - إلى عثمان ﵁ فسأله أن يحجر عليه، فمضى عبد الله بن جعفر إلى الزبير بن العوام، وشاركه في ذلك، فقال عثمان لعلي ﵄ لما راجعه فيه: كيف أحجر على من شريكه الزبير" (٥).

стр. 2724

فتبين بهذا أنهم مجمعون على جواز الحجر على المبذر. وقد روي عن عائشة ﵂ أنها أخذت في تفرقة المال والتصرف فيه، أرسل إليها مروان بن الحكم - وكان يومئذ أمير المدينة -: "إنك إن أمسكت عن تفريق المال وإلا حجرت عليك" (١). فلم تنكر هي ولا غيرها عليه ما قال، ولكنها كانت تفرقه في سبيل الله وفي الخير، وهو ظن أنها تهبه لغير وجه الثواب، فقال ذلك على ظنه. وما قلناه؛ هو مذهب عثمان، وعلي، والزبير، وابنه عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وعائشة (٢)، وهو قول شريح، وجماعة من التابعين، والأوزاعي، وأهل الشام (٣). فَصْل فأما الكلام على الشافعي في حجره على الفاسق وإن كان مصلحًا لماله، ضابطًا له غير مبذر؛ فالدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (٤).

стр. 2725

فهو نكرة في إثبات شائع على البدل، وأي رشد حصل (١) منهم؛ وجب أن تدفع إليهم أموالهم (٢١) إلا أن يقوم دليل. وأيضًا فإن الفسق لا يوجب الحجر، والدليل على ذلك أنه قد حمل إلى رسول الله ﷺ من شرب خمرًا فحده، ومن سرق فقطعه، ومن زنا فأقام عليه الحد، وكذلك من قذف، ثم إلى الصحابة رحمة الله عليهم، وهم الأئمة من بعده، فلم ينقل أنه ﵇ ولا واحدًا منهم حجر على أحد ممن أقيم عليه الحد، مع فسق من حد منهم، فلو وجب الحجر؛ لحجروا وسألوا عن أقوالهم وأظهره، وكان نقله يستفيض لأنه حكم عظيم، فإذا لم يحجر على الفاسق - وإن طرأ فسقه -؛ لم يحجر على البالغ لأجل فسقه. وأيضًا فلو كان الفسق يوجب الحجر؛ لكان الكفر - الذي هو أعظم المعاصي وأبلغ في الفسق - أولى بذلك، فإذا كان أعظم المعاصي وما هو أبلغ في الفسق لا يوجب حجرًا في المال؛ فما هو دونه أولى بذلك. وإذا ثبت بما ذكرناه أن الفسق الطارئ لا يوجب الحجر؛ وجب أن يكون الأصل كذلك، ألا ترى أن الجنون لما أوجب الحجر إذا طرأ؛ كان كذلك إذا بلغ وهو مجنون، ومثله الرق وما كان من سائر الصفات التي لا يتعلق بها الحجر إذا كانت في حال البلوغ موجودة؛ لم يوجبه إذا طرأت؛ لأن الخلاف فيمن تقدم حصل من وجهين، فمنهم من اعتبر التبذير والسعة، ومنهم من لا يعتبر ذلك، فأما عدالة الدين؛ فلم يعتبرها أحد، فكان اعتباره يؤدي إلى مخالفة الإجماع (٢).

стр. 2726

وأيضًا فإن الفسق لا يقدح في التصرف في المال، ولا يوجب التبذير، ألا ترى أن الفاسق قد يضنّ (١) بماله، ويبالغ في حفظه، حتى ربما كان فيه أبلغ من العدل. وأيضًا فإن (٢٢) الفسق معنى لا يؤثر في الأموال؛ فلا يوجب الحجر في الأموال بالعدالة. وأيضًا فإن الفسق في الكافر لا يوجب الحجر عليه، فكذلك في المسلم، دليله سائر أفعاله. وأيضًا فإنه لا يمنع من تزويجه (٢)، فلا نمنعه التصرف في ماله إذا كان غير مضيع، كالحرية. وأيضًا فإنه مكلف غير مبذر لماله، فيجب أن لا يحجر عليه، دليله إذا كان مصلحًا لدينه وماله. وأيضًا فإنه كان محجورًا عليه في النكاح والمال، فإذا بلغ عاقلًا؛ زال الحجر عنه في النكاح، فيجب أن يزول في المال. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣). فينبغي أن يحصل الرشد باتفاق، ولا يطلق عليه اسم رشيد إلا بإجماع الدين وضبط المال، بل إطلاق الرشد في باب الدين أخص، ألا ترى إلى

стр. 2727

قوله تعالى في قصة لوط: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (١). قيل: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ نكرة في إثبات، ولم يرد كل الرشد، ولو أراده؛ لقال: "فإن آنستم منهم الرشد"، وإذا قيل "رجل رشيد"؛ اقتضى أن يكون رشيدًا في كل أموره، فقول لوط ﵇: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٢) أراد الكمال من جميع وجوه الرشد. فإن قيل: فإن الآية تقتضي أن الاختبار يقع قبل البلوغ؛ لأنه قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، و"حتى" لانتهاء الغاية، فاقتضى ذلك أن الاختبار قبل البلوغ، ولا يقول أحد: إن الاختبار قبل البلوغ؛ إلا من يقول: إن صلاح الدين والمال شرط، لأنه يقول: يختبر في ذلك قبل البلوغ، فإذا بلغ (٢٣) وهو على هذه الصفة؛ رفع الحجر عنه، وإذا ثبت أن الاختبار قبل البلوغ؛ ثبت ما قلناه. قيل: نحن نقول: إنه يختبر قبل البلوغ في النظر في ماله فلا يحتاج إلى العدالة. فإن قيل: فإنه بلغ غير رشيد في دينه، فوجب أن لا يسلم إليه ماله، أصله إذا بلغ مجنونًا وكان مبذرًا لماله، فاسقًا في دينه. قيل: المجنون غير مكلف، لا يصح منه التصرف في ماله، والمبذر الفاسق غير رشيد أصلًا، وهو الأصل الذي يوجب الحجر، وإذا كان ضابطًا

стр. 2728

لماله غير عدل؛ لم يستحق الحجر، وإنما الحجر يكون لحفظ المال خوف الفقر. فإن قيل: فإن ما ذكرتموه من الإجماع ليس كذلك؛ لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: "الرشد هو البلوغ والحلم والوقار" (١). والفاسق ليس له وقار. وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: "الرشد إصلاح المال والدين" (٢). قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن الحلم والوقار قد يوجد فيمن يرى به وهو فاسق أكثر من العدل. والجواب الآخر: هو أن قول ابن عباس والحسن "الرشد" بالألف واللام؛ يقتضي كل الرشد التام، والله تعالى قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، فنكّره، ولم يقل: الرشد، فأي رشد حصل؛ فقد تناوله الظاهر إلا أن يقوم دليل، فلم يحصل الخلاف في الموضع الذي تنازعنا فيه. والله أعلم. فَصْل فأما الجارية؛ فلا ينفك حجرها حتى تبلغ، وتتزوج، ويدخل بها زوجها، ويعلم أنها ضابطة لمالها (٣).

стр. 2729

وقال أبو حنيفة والشافعي (١): يدفع إليها مالها وينفك حجرها، وإن لم تتزوج (٢). فالدليل لقولنا قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا (٢٤) النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣). وحقيقة بلوغ النكاح هو أن تتزوج حتى تحصل منكوحة ثم يؤنس رشدها. فإن قيل: إنما أراد بلوغ حال يصلح أن تنكح فيها. قيل: لم يقل: "حتى إذا بلغوا وقت النكاح ولا حال النكاح"، وإنما قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. وعلى أنه جعل إيناس الرشد بالاختبار قبل حال النكاح كما يكون قبل الحلم. فإن قيل: لو أراد نفس النكاح؛ لكان يقول: "حتى إذا نُكِحوا".

стр. 2730

قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لا فرق بين قوله: "حتى إذا نُكحوا" وبين قوله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، كما لا فرق بين أن يقال: بلغ الحلم أو احتلم، ألا ترى إلى قول ابن عمر لما عرض على النبي ﵇ قال: "لم يرني بلغت" (١). والجواب الآخر: هو أنه لو قال: "حتى إذا نكحوا"؛ اقتضى دفع المال إليهم وإن نُكحوا قبل البلوغ، فأفادنا بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلوغ الإدراك والنكاح. وأيضًا فإن بياعات النساء بعضهن من بعض ومعاملاتهن بإذن، لأن السعي في المعاش والمعاملات للرجال، فالاختبار يقع بمعاملات الرجال ومداخلتهن، وإذا لم تتزوج؛ فإنها لم تعرف معاملات الرجال، ولم [تجرب] (٢) عشرتهم، ولم تختبرهم، فإذا تزوجت ودخل بها الزوج؛ فقد عرفت معاملة الرجال واختلافهم، وعلمت كيف تتحرز في [مالها] (٣)، فلا فرق بينها وبين الذكر في الحجر. فإن قيل: فإنها بالغ رشيدة؛ فوجب أن يسلم إليها مالها، أصله إذا تزوجت ودخل بها الزوج، وإذا عنست وإن لم تتزوج، بل هي قبل أن تتزوج أولى بتسليم مالها إليها منها بعد التزويج، لأنها قبل التزويج (٢٥) تحتاط لمالها، وتشح عليه؛ لما تحتاج إليه من الجهاز وتحصيل الزوج، فإذا تزوجت؛ فقد

стр. 2731

استغنت عن جمع المال، وحصلت لنفسها ما كانت تطلبه بالشح والشفقة على المال، فإذا سلم إليها في حال [لا] (١) داعي لها إلى جمع المال؛ كان تسليمه إليها في حال اجتمعت لها دواعي على جمع المال؛ [أولى] (٢). قيل: أما قولكم: إنها بالغ رشيدة؛ ففيه اختلفنا، فعندنا لا تكون رشيدة إلا على ما قلناه، وإذا تزوجت؛ فهي كالبلوغ، ثم إيناس الرشد شيء آخر، فلم يسلم قولكم: إنها رشيدة. وأما المعنسة التي لها أربعون أو خمسون؛ فقد اختلف قول مالك فيها، فقال: "لا يدفع إليها مالها"، وقال: "إن كانت تعامل الناس؛ دفع إليها"، لأن من بلغ هذا السن وعامل الناس؛ خبر الأمور وعرفها، وعرف وجه الاحتياط في ماله، فحصل اختباره، وليس كذلك في مسألتنا، وإن كانت معنسة لا تعامل الناس وهي [مجردة] (٣)؛ لم يدفع إليها مالها. وقولكم: "إنها قبل التزويج أولى؛ لأنها تحتاط لمالها وتشح عليه"؛ فإننا نقول: وإن شحت عليه؛ لم تعرف كيف تشتري الجهاز، وكيف تتصرف فيه، وليس الرشد هو الشح على المال حسب، بل يحتاج معه إلا علم بالتصرف فيه ووجه الاحتياط له، وبعد التزويج ودخول الزوج تعرف ما لم تكن تعرفه قبل، [و] (٤) هذا معلوم لا محالة؛ لأن أكثر الحياء يزول عنها، وتتدرب وتعرف وجه التصرف في المال، ولو قلنا: إن شحها عليه بعد التزويج

стр. 2732

أشد؛ لكان صحيحًا؛ لأنها تخاف الولد، ومجيء النسل، وأن يطلقها هذا الزوج بعد الدخول بها، فتحتاج من التجمل للزوج الثاني بالمال أكثر مما كانت تريده وهي (٢٦) بكر لم تفتض. فإن قيل: فإنها بلغت رشدًا فوجب أن يسلم [إليها] (١) المال، أصله الغلام. قيل: هذه أيضًا دعوى؛ لأننا لا نسلم أن الرشد يحصل إلا بالاختبار، ولا يحصل الاختبار إلا بالتزويج والدخول. فإن قيل: هي أولى بتسليم مالها إليها قبل تزويجها من الغلام؛ لأنها تشح بمالها قبل التزويج؛ لما ذكرناه من جمعها للجهاز، والغلام قبل التزويج وحيد لا يشح. قيل: لسنا نقنع في فك الحجر بالشح، ولا السخاء يمنع من فك الحجر، وإنما يحتاج إلى معرفة التصرف في المال، وضبطه بالبيع والشراء، ومعرفة مصالحه، وهذا لا تعرفه قبل التزويج ومعاملة الرجال. فإن قيل: فإن التزويج عقد على استباحة منافعها مثل الإجارة، ومعلوم أن الإجارة لا تكون سببًا في تسليم المال إليها، فكذلك عقد النكاح. وأيضًا فإنها تتمكن من التصرف في مالها والاحتياط فيه مع عدم الزوجية ما لا تتمكن في حال وجودها، يدل على ذلك أنه لا يد لأحد عليها، ولا اعتراض قبل الزوجية، فإذا جاز تصرفها في إحدى الحالتين؛ فجوازه

стр. 2733

في الأخرى أولى. قيل: إننا لم نجعل التزويج سببًا في دفع المال؛ وإنما جعلناه سببًا تختبر معه، ألا ترى أنه لو تزوجت وكانت مبذرة غير ضابطة، لم يدفع إليها شيئًا. وقولكم: "إنها تتمكن من التصرف قبل التزويج لأنه لا يد عليها"؛ فإننا نقول: إنها تتمكن إذا اختبرت، ولا تختبر قبل التزويج، وهي تحت الزوج تتصرف بعد أن اختبرت، وعرفت الرجال، وكيف وجه التصرف. وبالله التوفيق. مسألة (٣): قد دخل الكلام في الحجر ابتداء على البالغ المبذر في مسألة الصبي إذا (٢٧) أدرك وبلغ خمسًا وعشرين سنة وهو مبذر، وأنه لا يدفع إليه ماله، ورأيت أن أفرد هذه المسألة حتى تتميز من تلك. والدليل على أنه يبتدأ الحجر على البالغ إذا كان مبذرًا لماله غير مصلح له؛ هو أن المسألة تجري مجرى الإجماع عليها، أعني إجماع الصحابة، لأنه مذهب عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وعائشة، وشريح بعدهم، وجماعة من التابعين، وهو قول أهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، و [أبي] (١) يوسف، ومحمد. والمخالف هو أبو حنيفة وزفر (٢)، فلا ينبغي أن يترك قول إجماع

стр. 2734

الصحابة وما عليه التابعون وأهل المدينة بأسرهم بقول أبي حنيفة (١). والدليل لقولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٢). والسفيه هو ضد الرشيد، وهو المبذر لماله المضيع له، لا يفكر كيف وقع إقراره؛ لهوان المال عنده، وقد أثبت الله تعالى له ولمن ذكر معه في الآية وليًّا يمل عنه أي يقر، فدلت الآية على أن للسفيه وليًّا يقر عنه، وهذا يسقط قول المخالف؛ لأنه [لا] (٣) يجعل له وليًّا يقر عنه، والآية تتضمن ثلاثة أجناس: وهي الولاية على السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، فالسفيه ضد الرشيد، وهو الذي يبذر ماله، والضعيف الصبي، والذي لا يستطيع أن يمل هو المجنون. فإن قيل: إنما أراد تعالى بالسفيه المجنون (٤)، ونحن نقول بأن للمجنون وليًّا.

стр. 2735

قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن السفيه صفة ذم يستحقها من اكتسب فعلًا مذمومًا، فلا يجوز حمله على المجنون؛ (٢٨) لأنه ليس بمذموم، ولا يلحقه الذم إذا لم يكتسب جنونه، ولا حدث باختياره، وكذلك الصبي. والجواب الآخر: هو أن الآية تتضمن السفيه، والضعيف، [والذي] (١) لا يستطيع أن يمل هو، فإذا نحن حملنا السفيه على المبذر، والضعيف على الصغير، والذي لا يستطيع أن يمل هو على المجنون؛ حملنا كل كلمة من ذلك على معنى وفائدة غير فائدة صاحبتها، وأنتم تحملون السفيه على المجنون، وتسقطون حكم إحدى الكلمات، ومن لا يسقط من الحكم شيئًا، وحمل كل كلمة مفردة على حكم مفرد؛ كان أولى ممن جعل الكلمتين في حكم الكلمة الواحدة. فإن قيل: هذه الآية [تقتضي] (٢) أن المبذر يداين ويمل بمعنى يقر؛ لأنه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وذلك عام في المبذر وغير المبذر، ثم قال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. وذلك أيضًا عام في المبذر وغيره.
следующие страницы →