← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وهو مذهب الأوزاعي، وابن أبي ليلى (١)، والثوري. ومنع من ذلك الشافعي (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (٣). وما ذكره الشافعي من شركة العنان تجوز عندنا أيضا (٤)، وإن كنا نجوز غيره. والدليل على جواز شركة المفاوضة قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥). وهذان قد عقدا عقدا من العقود، فلزمهما الوفاء به بهذا العموم إلا أن يقوم دليل. وأيضا قول النبي ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٦). وهذان دخلا على شروط، فلزمهما الوفاء بها إلا أن يمنع من ذلك مانع.

стр. 2872

وأيضا قوله ﵇: "تفاوضوا لأنه أعظم بركة" (١). وهذا يفيد جوازها حين ندب إليها إلا أن يمنع منها مانع. وأيضا فإنه نوع شركة تنفرد باسم، فجاز أن يكون فيه صحيح وفاسد مثل العنان. وأيضا فإن ما ذكرناه موضوع الأصول يدل عليه؛ لأن كل نوع من العقود مثل الصرف، والنكاح، والسلم؛ فيها ما يجوز وما لا يجوز لو انفرد، والبيوع تجمع أنواعا، كل نوع منه فيه ما يصح وما لا يصح، إلا أنه ليس يفسد العقد، فكذلك مسألتنا. وأيضا فإن كل عقد جاز على الانفراد؛ فإنه إذا تعلق بالشركة؛ لم يؤثر فيه الجهالة في صفاته، بدليل أن الوكالة لما جازت على الانفراد؛ جاز أن تنعقد عليها شركة العنان؛ لأن لكل واحد منهما أن يأذن لصاحبه في التصرف، ولم تعتبر جهالة صفاته، ألا ترى أنهما لو تشاركا في البيع؛ جاز مع جهالة صفاته، وإن كانت الوكالة على هذا الوجه لا تجوز في حال الانفراد، فكذلك الشركة في المفاوضة تتعلق بها الكفالة والوكالة مع جهالة صفة الكفالة وهو المكفول به، وإن لم يجز ذلك في حال الانفراد على هذه الصفة. وأيضا فإن شركة العنان تنعقد على الوكالة من كل واحد لصاحبه [في] (٢) التصرف، فجاز أن يضم إليها ما هو أعم منها، يدلك عليه أن شركة

стр. 2873

العنان لما جازت خاصة في نوع؛ جازت فيما هو أعم منها، ولا معنى يوجب زيادة على معنى شركة العنان إلا إضافة ذكر الكفالة إليه. وأيضا فإن الشركة تنعقد على المال والربح الذي يحصل فيه، وقد علمنا أن مقدار الربح مجهول وغرر؛ لجواز أن يكون، ويجوز أن لا يكون ولا يعرف مبلغه أيضا، وكفالة أحدهما من صاحبه ليس بمعقود عليه، وإنما هو من أحكام العقد، فإذا كانت الجهالة والغرر فيما هو معقود عليه من الربح [لم] (١) يمنع من صحة الشركة؛ فحال المكفول له أولى أن لا يمنع، ألا ترى أن حكم ما هو معقود عليه أولى بالاعتبار فيما هو من توابع العقد وأحكامه. وأيضا فإن شركة المفاوضة على العنان هو ضمان الكفالة فيما يثبت لأحدهما قبل صاحبه من الحقوق، والضمان قد يثبت في الذمة بمجهول؛ بدليل من استهلك عينا لا يعرف مالكها؛ ثبت ضمانها في ذمته إلى أن يظهر المستحق لها والربح المجهول والغرر ليس يثبت في الأصول في غير الشركة، فإذا جاز أن يسامح في الشركة بما لا يثبت في الأصل بنفسه؛ فجواز الضمان بمجهول -الذي يجوز ثبوته بنفسه في الأصول- أولى أن يتعلق بالشركة. وأيضا فإن الربح قد يكون في مقابلة المال، وقد يكون في مقابلة العمل، ألا ترى أن الربح في شركة العنان في مقابلة المال، والربح في القراض يقابل المال والعمل، وإذا (١١٦) كان كذلك؛ لم يمتنع أن تصح شركة

стр. 2874

المفاوضة وإن كان فيها عمل ومال، ويكون الربح في خاصة كل واحد منهما، لأننا قد بينا أن الربح قد يقابل كل واحد من الأمرين (١). فإن قيل: فقد نهى النبي ﵇ عن الغرر (٢) وشركة المفاوضة فيها غرر عظيم؛ لأنها تتضمن أن ما لزم أحدهما من مال بغصب، أو إتلاف، أو سرقة، أو ضمان؛ لزم الآخر ما يلزمه، وهذا غرر. قيل: هذا لا يلزمنا نحن (٣)؛ لأننا لا نلزم من الضمان إلا ما تعلق بالشركة، فأما الذي ضمن عن أجنبي شيئا أو غير ذلك مما لا يوجد في الشركة؛ لم يلزم. على أن الخبر هو نهيه عن بيع الغرر، وكلامنا في الشركة (٤). وعلى أن الغرر ما الغالب منه أنه لا يسلم، والغالب من الشركة السلامة. فإن قيل: فإن مقدار ما يلزم كل واحد منهما من ذلك غير معلوم، وقد يلزمه، درهم، وقد يلزمه مائة ألف درهم. قيل: عن هذا جوابان:

стр. 2875

أحدهما: أننا قد بينا قبل هذا أن ضمان المجهول يجوز، وأما ما يلزم بالضمان؛ فإنه إذا كان في شيء للشركة؛ جاز؛ لأن العوض يحصل لهما، فالضمان عليهما. فإن قيل: فقد قال ﵇: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١). وهذه الشروط ليست في كتاب الله. قيل: إن جواز المفاوضة قد تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، فهي في كتاب الله تعالى، فمن زعم أنه ليس فيه؛ فعليه أن يبين. وأيضا فإن المفاوضة عقد ولا تسمى شرطا. فإن قيل: فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه بغير إذنه، فوجب أن تكون فاسدة، أصله لو اشتركا على أن يضمن كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية، أو مهر، وذلك أن شركة المفاوضة تتضمن ما يلزم أحدهما من ضمان مال الغاصب، (١١٧) وضمان لزوم الآخر ليس فيه إذن من مال واحد منهما لصاحبه بالغصب والضمان. قيل: أما ضمان الغصب؛ فلا يلزم الآخر شيء، وأما ضمان ما ابتاعه لأجل الشركة؛ فالمفاوضة تقتضي إذن كل واحد منهما لصاحبه فيه، كشركة العنان؛ فإنه يتضمن إذن أحدهما للآخر في البيع والشراء.

стр. 2876

[وأما] (١) ما يقوله أبو حنيفة من تساوي المالين؛ فإنه لا يجوز بالعروض، وأن ضمان الغصب يلزم من لم يغصب، وأن ما يكسبه أحدهما في غير مال الشركة يكون الآخر فيه شريكا؛ فإننا لا نقول بشيء منه، فلا ينبغي أن يجعل أصل يقاس عليه، فإنه لا يلزمنا. فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) عام، ونهيه عن الغرر أخص منه. قيل: قد ذكرنا أن الخبر هو نهيه عن [بيع] (٣) الغرر، فلا يدخل تحته الشركة، وذكرنا أن الغرر ما الغالب منه أن لا [يسلم] (٤)، والغالب من الشركة السلامة، فليس هذا [غررا] (٥)، ولو كان غررا؛ لكانت شركة العنان غررا. فإن قيل: قوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٦) عام، وقوله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٧)؛ أخص منه. قيل: قد ذكرنا أن كتاب الله تعالى يتضمن هذا الشرط؛ لأنه عقد يتناوله قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٨)، فيحتاج مخالفنا إلى دليل يقطع أنه ليس في كتاب الله، ولا متضمنه.

стр. 2877

مع أننا قد ذكرنا الخبر وهو قوله ﵇: "تفاوضوا لأنه أعظم للبركة" (١) مضافا إلى قوله "المؤمنون عند شروطهم" (٢). ومحال أن يأمرنا ﵇ بالتفاوض وليس بمتضمن في كتاب الله مع قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). وقد ذكر الله تعالى الشركة وجوازها في كتابه في غير موضع، فتضمنت ما يسمى شركة إلا أن يمنع منه دليل. وبالله التوفيق. فَصْل فأما ما جوزه أبو حنيفة من المفاوضة يتضمن أن يكون ما يكسبه أحدهما من غير مال الشركة يكون بينهما، وأنه لا يجوز مع اختلاف مبلغ المالين، مثل أن [يكون] (٤) لأحدهما ألف وللآخر ألفان، وأن ما يلزم يلزم أحدهما من ضمان بالغصب يلزم الآخر، وأنها لا تجوز بالعروض؛ فإنه غلط لا يجوز عندنا (٥). والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). وهذا يفيد أن يأكلاه من تجارة تقع من أحدهما مع الآخر، وإذا كسب

стр. 2878

أحدهما شيئا من مال لنفسه؛ فهو من تجارة مع غير شريكه، وليس بينه وبين شريكه فيه تجارة. وأيضا فإن النبي ﵇ نهي عن الغرر (١)، وأشد الغرر أن يكون لأحدهما مال فيتلف الآخر أموال الناس بالغصوب، فيؤخذ مال الآخر عنه من حيث لا يعتاض من ماله شيئا، وهو لم يجن فيما غرم من الغصب جناية، وليس كذلك ما يأخذه شريكه بالضمان للتجارة؛ [لأن لم يعوض عنه فحصل للشريك] (٢). وأيضا قوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٣). وهذه الشروط التي يتضمنها عقد المفاوضة عندهم ليست في كتاب الله ذكرها صريحا ولا مضمنا. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤)، فهو عام. قيل: المراد منها أحكام العقود، وما لم يكن عقدا شرعيا؛ فمن الوفاء بحكمه إبطاله؛ لأن هذا هو حكمه. على أنه لو ثبت العموم فيه؛ لكان نهيه ﵇ عن الغرر أخص منه، وقد بينا وجه الغرر، وقد روي النهي عن الغرر وعن بيع الغرر، فنستعمل الخبرين جميعا في البيع وفي كل ما فيه غرر (٥)، ولا يلزمنا إذا جوزنا الغرر اليسير أن

стр. 2879

نجوز الغرر الكثير، لأن الغرر اليسير لا تخلو منه البياعات والأصول، ويمنع منها الكثير، فكلما قل الغرر؛ جاز، فعلى الوجه الذي نجيزه نحن في المفاوضة يكون الغرر أقل، وقد اتفقنا على جوازه، ولم نتفق على ما ذكروه. وأيضا فإنهما اشتركا على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ماله الذي لم يخلطه بمال صاحبه، فوجب أن تجوز الشركة إذا اشتركا ببعض ما يملكه كل واحد منهما من الذهب والفضة، أو اشتركا بكل ما يملكه كل واحد منهما لكن مال أحدهما أكثر من الآخر، لأن عند أبي حنيفة أنه ليس تصح الشركة لتفاضل المالين، ولا ببعض ما لكل واحد منهما، فكان القياس على أصولهم يمنع مما جوزه. فإن قيل: فأنتم تجوزون الشركة على هذا الوجه، وهو أن يتفاضلا في المال، وأن يشتركا ببعض ما يملكه كل واحد منهما، فكيف تقيسون عليه. قيل: إنما أردنا أن نعلمكم أن المعنى الذي منعتم لأجله الشركة موجود فيما جوزتموه؛ ليسقط ما جوزتموه، وهذا مثل ما لديكم من تناقض أصولكم إن وجد فيها تناقض (١). وعند أبي حنيفة أيضا أنه ليس من صحة الشركة جمع المالين، بل كل واحد منهما يتصرف في مال نفسه، وما يحصل له من الربح في ماله؛ يشاركه الآخر فيه، وقد عللنا لفساد هذا.

стр. 2880

وأيضا فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه لغير تجارتهما؛ فوجب أن يكون فاسدا، أصله لو اشتركا على أن يلزم كل واحد منهما ما يلزم صاحبه من أرش جناية أو مهر، فكذلك في ضمان الغصب والسرق. وأيضا فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه بفعل الممنوع منه، فوجب أن يكون باطلا، أصله لو لم يكن لهما مال واشتركا على أن يكون الكسب بينهما، وما يلزم كل واحد منهما من ضمان الغصب والسرق؛ يشاركه الآخر فيه، ولا خلاف أن هذا باطل. وأيضا فإن ضمان ما يقتضيه بسرقة كل واحد منهما مما تتضمنه الشركة على قولهم، وليس الغصب من الشركة في شيء، كما أن ما يجنيه من غير ذلك ليس من الشركة في شيء، وكما أن ما يحتشه أو يصيده كل واحد منهما ليس من الشركة في أموالهما في شيء، فلم يصح أن تتضمنه الشركة. فإن قيل: فإن شركة المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة، وتعلق الكفالة بها كتعلقها بالعنان، والذي تزيد المفاوضة على العنان هو ضمان الكفالة فيما يثبت لأحدهما قِبل صاحبه من الحقوق، والضمان قد يثبت في الذمة [بمجهول] (١)؛ بدليل أن من استهلك عينا لا يعرف مالكها؛ ثبت ضمانها في ذمته إلى أن يظهر المستحق لها، والربح المجهول والغرر ليس يثبت في الأصول في غير الشركة، فإذا جاز أن يسامح في الشركة فيما لا يثبت في الأصول بنفسه؛ فجواز الضمان بالمجهول الذي يجوز ثبوته بنفسه في الأصول أولى أن يتعلق بالشركة.

стр. 2881

قيل: لسنا ننكر أن تتعلق المفاوضة بالكفالة، وضمان ما ثبت في الذمة من المجهول؛ لأننا نجيز أن يضمن كل واحد منهما ما يشتريه لتجارتهما، وقد يكون الآخر شريكا فيه، وإنما ننكر أن يضمن أحدهما ما يغصبه الآخر أو يسرقه، أو يوكل في غير شركتهما، فأما في شركتهما؛ فلا بأس؛ لأنهما اشتركا في مالهما على أن ينمياه، وأن يعملا ما فيه مصلحة لتجارتهما، وما يؤدي إلى تنمية مالهما، فأما غير ذلك؛ فلا. والله الموفق. فَصْل (١) ولا تصح الشركة إذا لم يجمعا ماليهما حتى تكون أيديهما جميعا عليه (٢). وقال أبو حنيفة: تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما في يده (٣)، [لأن الشركة عنده جائزة بالقول وإن لم يحضر المال] (٤). وقال الشافعي: لا يصح [إلا] (٥) أن يكون رأس مالهما نوعا واحدا فيخلط (١٢١) ولا يتميز (٦)، ...........................

стр. 2882

ولا يعرف عين أحدهما من عين الآخر (١). والدليل على أبي حنيفة؛ هو أن الشركة مأخوذة من الاشتراك، وإذا لم يجمعا ماليهما؛ لم يحصل منهما اشتراك في شيء، بل هما منفردان كما كانا، ولم يظهر منهما غير قولهما قد اشتركنا والشركة تحتاج إلى القول والفعل في الأموال، ألا ترى أنه لو كان لأحدهما مال والآخر لا مال له، فقال صاحب المال للآخر: قد شاركتك على المال الذي في يدي، وعملا على ذلك؛ لم تصح الشركة، فكذلك إذا كان كل واحد منهما منفردا بماله لم تصح الشركة؛ لأن تعلق كل واحد منهما [بماله] (٢)، ولا حق له في الآخر. وأيضا فإن المالين لم يجتمعا، فصار بمنزلة أن يكون من جهة أحدهما جمل، ومن جهة الآخر نقل به، كل واحد منهما على الشركة. وأيضا فإن مال كل واحد منهما متميز في يد صاحبه؛ فلم ينعقد بينهما فيه شركة، أصله إذا أخرج كل واحد منهما طعاما ولم يجمعاه. فإن قيل: إن الطعامين لو خلطا؛ لم تنعقد الشركة. قيل: ليس كذلك؛ [لأنهما] (٣) إذا جمعا في موضع واحد وخلطا؛

стр. 2883

صحت الشركة عندنا. وأيضا فإن الربح أحد موجبي الشركة، فوجب أن لا يتعلق بالمالين إذا لم يجمعا، أصله النقصان؛ لأن عندهم أنهما إذا لم يخلطا ماليهما واشتركا؛ كان الربح بينهما، وما كان من خسران؛ فإنه لا يلزمهما على قدر المالين، بل يلزم كل واحد منها خسران [على قدر] (١) ماله، فيكونان شريكين في الربح، ولا يكونان شريكين في الخسران وإن لم يخلط المالين. وبالله التوفيق. فَصْل فأما الكلام على الشافعي في أن الشركة تصح عندنا إذا جمعا المالين، وإن تميز أحدهما في عينه عن الآخر مثل الدراهم البيض مع السود، وعنده لا يصح. فالدليل لقولنا هو أن حقيقة الشركة أن يحصلا شريكين فيما يخرجه كل واحد منهما، قد ملك صاحبه نصف ماله الذي أخرجه، فهو كما لو أخرجا عرضين، [فكأن] (٢) كل واحد منهما يقول لصاحبه: قد بعتك نصف عرضي بنصف عرضك، فإن ما كان لكل متميز قد شاع في مالهما جميعا؛ فكذلك في الدراهم البيض مع السود. وليس يخالفنا أصحاب الشافعي في العرضين إذا كان على هذا الوجه

стр. 2884

الذي فسرناه، وإنما [يخالفوننا] (١) في الشركة في العرض إذا لم يقل أحدهما لصاحبه هذا القول، وعندنا إذا قالا: قد اشتركنا و [جمعا] (٢) ماليهما؛ حصل منهما معنى هذا القول. فإن قيل: فإن هذا يلزمكم فيه إذا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن مالكا كره ذلك وقد جوزه. والوجه [الآخر] (٣): هو أننا تكلمنا على الجنس الواحد إذا [جمعاه] (٤) وكان عين أحدهما متميزا من الآخر، والدراهم والدنانير جنسان وإن كانا جميعا ثمنا وقيمة، غير أنه إذا كان لأحدهما دراهم ولآخر دنانير بقيمة الدراهم؛ صار في معنى الصرف، وأيديهما عليه، وهذا لا يصح (٥). فإن قيل: فهذا يلزم في الدراهم منهما جميعا لأنه صرف.

стр. 2885

قيل: التهمة تبعد في بيع دراهم بمثلها، وتقرب في الدنانير بالدراهم، فيصير القصد الصرف، والشركة بيع. فإن قيل: إنما منعنا الشركة في العرضين؛ لأن الشركة مأخوذة من الاشتراك (١)، وإذا تميز المالان؛ لم يحصل بينهما اشتراك في شيء، بل مال كل واحد منهما قائم بعينه، ولم يعلق كل واحد منهما بغير ماله، ولا حق له الآخر، وإذا لم يحصل بينهما اشتراك في شيء؛ وجب أن لا تكون بينهما شركة. قالوا: ونكتة هذا الباب هو أنهما لو صارا شريكين في [العرضين] (٢)؛ لم يكن بد عند الحساب والمفاصلة من أن يرجع كل واحد منهما إلى رأس المال، لأن الشريكين إذا تفاصلا؛ رد كل واحد منهما رأس ماله واقتسما الربح، فلا يخلو أن يرجع كل واحد منهما إلى مثل عرضه، أو إلى قيمة عرضه، أو إلى ثمن عرضه، فيبطل أن يرجع كل واحد منهما إلى مثل عرضه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أمرين فاسدين: أحدهما: أن ينفرد أحدهما بجميع الربح؛ لأنه إذا كان لكل واحد منهما ثوب قيمته مائة، وتصرفا حتى صار المال مائتين وخمسين، وأردنا عند المحاسبة أن [نشتري] (٣) لكل واحد منهما مثل ثوبه؛ فقد يكون قيمة مثل ثوب

стр. 2886

أحدهما في ذلك الوقت مائة وخمسين، وقيمة مثل ثوب الآخر مائة، فإذا اشترينا لكل واحد منهما مثل ثوبه؛ انفرد من اشترينا له مثل ثوبه بمائة وخمسين بجميع ربح مال الشركة وهو الخمسون، والشركة تقتضي أن أحدهما لا ينفرد بالربح، ولكنهما يشتركان فيه. والثاني: هو أن ذلك يؤدي إلى أن يأخذ أحدهما نصف ربح رأس مال صاحبه؛ لأنه إذا كان لكل واحد منهما ثوب قيمته مائة، وزادت قيمة أحدهما فصارت مائة وخمسين، ولم يزد المال على ذلك وأراد المحاسبة؛ فإن لكل واحد منهما أن يأخذ أرش ماله ويشتركا في الربح وهو الخمسون، وذلك إنما هو ربح رأس مال أحدهما، والآخر يأخذ نصف ربح رأس مال صاحبه، والشركة تقتضي أن كل واحد من الشريكين يأخذ ربح رأس مال [نفسه] (١)، ولا يأخذ شيئا من ربح مال صاحبه، وإذا كان ذلك يؤدي إلى هذين الأمرين الفاسدين؛ وجب أن لا يرد كل واحد منهما عند المحاسبة إلى مثل عرضه. وبطل أن يرد كل واحد منهما إلى قيمة عرضه عند الشركة؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما ذكرناه من أن يأخذ كل واحد منهما جميع الربح، ويؤدي إلى أن يأخذ ربح نصف رأس مال صاحبه. ويبطل أن يكون رأس مال كل واحد منهما ثمن عرضه، لأن الثمن لم يكن موجودا في حال العقد، وإنما ينض (٢) بالبيع، ولا يجوز أن يثبت بينهما شركة في شيء يوجد فيما بعد، لأن الشركة لا تتعلق بالصفات، ولا تنعقد

стр. 2887

فيما لم يوجد بعد، وإنما يوجد في ثاني. فإذا بطلت هذه الوجوه كلها؛ ثبت أنه لا يمكن ردهما عند المحاسبة إلى رأس مال، وإذا لم يمكن ذلك؛ وجب أن لا تنعقد بينهما شركة. قيل: إننا نجوز الشركة في العروض على القيمة وإن كانت أعيانهما متميزة، ونردهما عند المحاسبة إلى قيمة ما حصل به عرضه وقت الشركة، فهما في التقدير كأن كل واحد منهما باع نصف عرضه بنصف عرض صاحبه، والثمن ما وقعت به القيمة، فكأن كل واحد منهما أخرج قيمة عرضه، فهو كما يشتريان العرض من أجنبي بما أخرجاه من القيمة، فإن حصل بعد ذلك ربح؛ فهو بينهما على قدر ما لكل واحد من القيمة، وإن كانت وضيعة؛ فكذلك، ألا ترى أن كل واحد منهما إن أخرج قيمة عرضه فخلطاه، واشتريا به سلعة؛ لكان أمرهما كذلك، فلم يلزمنا هذا الدليل في أن الشركة تصح إذا جمعا المال وإن كانت العينان متميزتين. وجميع ما ذكروه من فساد الرجوع إلى قيمة عرض كل واحد منهما يلزم فيهما إذا أخرجا طعامين من جنس واحد (١)، أو زيتا وماء إذا خلط لم يتميز، ثم قوماه فاختلفت قيمته؛ فإن كل واحد منهما يرجع عند المحاسبة بقدر قيمة ماله، جواز أن يدخله ما ذكروه في قيمة العروض. والله الموفق. * * *

стр. 2888

فَصْل (١) وإذا كان رأس مالهما متساويا واشترط أحدهما أن يكون له من الربح أكثر مما لصاحبه، مثل أن يقول: أنا أحذق منك بالبيع والشراء وأبصر؛ فإن الشركة فاسدة عندنا وعند الشافعي (٢). وقال أبو حنيفة (٣): يصح ذلك إذا كان الذي اشترط ذلك أحذق في التجارة وأكثر عملا؛ ولا يجوز أن يشترط الزيادة من [نقص] (٤) عمله (٥). واستدل أصحابه بأن الشركة كالقراض؛ لأن في الشركة لكل واحد منهما مالا، وفي القراض لأحدهما مال وللآخر عمل، فعمل العامل أقيم مقام المال. ثم قد تقرر أنه يكون الربح في القراض على ما يتفقان عليه، فكذلك في الشركة. وأيضا فإن أحدهما قد يكون أكثر عملا من الآخر، فجاز أن يشترط له زيادة ربح، فتكون تلك الزيادة في مقابلة عمله، والباقي مستفاد بالمال. والدليل لقولنا هو أن هذا شرط ينافي ما يقتضيه إطلاق الشركة؛ فوجب أن يفسدها، أصله لو شرطا أن يكون جميع الربح لأحدهما، لأنه لا خلاف

стр. 2889

أن مقتضى إطلاق الشركة أن الربح يكون مستفادا على قدر المالين (١). أو نقول: هو شرط أن يكون لأحدهما أكثر مما للآخر من الربح مع تساويهما في رأس المال، دليله إذا شرط الذي ليس بأحذق ولا أكثر عملا أن يكون له أكثر الربح. وأيضا فإن الربح أحد موجبي الشركة؛ فوجب إذا شرطا أن لا يقسط ذلك على قدر المالين أن يفسده، أصله الخسران؛ لأنه لا خلاف أنهما إذا اشتركا على أنه إن كان هناك نقصان لم يلتزماه على قدر المالين، بل يلتزم أحدهما أكثر من الآخر؛ انفسدت الشركة، فكذلك الربح (٢). وأيضا فإن الربح نماء المالين؛ فوجب أن يكون مُقسّطا على قدر المالين، أصله غلة الدار والدكان. وعند أبي حنيفة أنهما إذا اشترطا الزيادة؛ قسم الربح على ما اتفقا عليه، ولم يقسط على قدر المالين. وعندنا أن ذلك يقسط على قدر المالين وإن اشترطا الزيادة. وأيضا فإن أصل الشركة موضوع على أن الربح فيها يقابل المال وينقسط عليه، ولا قسط لعمل واحد من الشريكين من الربح، ولا يقابله شيء منه.

стр. 2890

والدليل على ذلك؛ أنهما لو أطلقا [الشركة] (١)، وتصرف أحدهما في المال وعمل فيه، ولم يعمل الآخر؛ قسط الربح على المالين، ولم يقابل عمل العامل شيء من الربح، وإذا كان كذلك؛ فإذا اشترطا الزيادة لمن له عمل فقد جعلا في الشركة لما لا يقابله [عمل] (٢) [شيئا] (٣) من الربح، والشركة إذا شرطا فيها بعض الربح لمن لا قسط له من الربح؛ بطلت الشركة، كما لو اشترط أن يكون ثلث الربح لأحدهما والثلث [للآخر] (٤) وما بقي لأجنبي. فأما ما ذكروه من القراض؛ فليس له مقتضى في الربح فينافي الشرط مقتضاه فيفسده، وإنما الربح فيه على ما يتفقان عليه، ألا تري أنه لو سلم المال إليه وقال: تصرف فيه ولم يتوافقا على حكم الربح؛ كان الربح كله لرب المال؛ لأن الربح فيه إنما ينصرف إلى الوجه الذي يتوافقان عليه، وليس كذلك الشركة؛ لأن لها مقتضى في الربح وهو استحقاقه على قدر المالين، فإذا اشترطا ما ينافي مقتضاه؛ بطل. وقولهم: "إن من كان له عمل فإنه يجوز أن يشترط الزيادة"؛ فقد بينا فساده وقلنا: إن الشركة تقتضي أن العمل لا قسط له من الربح، فإذا اشترط الزيادة لمن له فيها فضل عمل؛ صرف بعض الربح إلى ما لا يقابله شيء من الربح، فأوجب فساد العقد. والله أعلم. * * *

стр. 2891

* مَسْألة (٢٥): شركة الأبدان عندنا في الصنائع جائزة، إذا اشتركا في صنعة واحدة، وعملا في موضع واحد (١). وقال أبو حنيفة: تجوز وإن اختلفت صنعتاهما وافترق موضعهما (٢). وجوزها أحمد وإسحاق في كل شيء (٣). وقال الشافعي (٤): لا تجوز شركة الأبدان (٥) على وجه. والدليل أن الشركة على هذا الوجه [جائزة؛ أنها] (٦) موجودة في سائر الأمصار، متقدمة في سائر الأعصار، معمول بها، لا ينقل عن أحد من السلف والخلف نكير فيها، فلم يجز مخالفة إجماعهم (٧)، لأنه محال أن يعلموا بفعل عصرهم يخالف حكم الشريعة فلا ينكرونه.

стр. 2892

ويجوز أن نحتج بالظواهر من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). وبظاهر قول النبي ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٢). ولكل مسلم شرطه، فهذه عمومات في كل عقد وشرط إلا أن يمنع منه دليل. وأيضا فإنه نوع من الشركة تنفرد باسم؛ فأشبه سائر الشرك الموجودة. وأيضا فإنه نوع شركة فوجب أن يكون فيه ما يصح وما يفسد، أصله شركة العنان. وأيضا فقد ثبت أن القراض يجوز، والعامل يأخذ الربح بعمله، وعمله لم يكن لازما، فجواز شركة البدن وأخذ كل واحد منهما الربح بالعمل؛ أولى، لأن عملهما يلزم، فإذا أجرا أنفسهما ليخيطا قميصا؛ كان عملهما لازما، وعمل المقارض لا يلزم. وأيضا فإنه ليس يمتنع أن يأخذ رجل شيئا بعمل غيره؛ بدليل أن رجلا لو أخذ ثوبا ليقصره بمائة درهم، فاستأجر رجلا بخمسين فقصّره؛ فإنه يأخذ المائة ويعطي منها للآخر خمسين، ويكون له الباقي من حيث لم يحصل في ذلك أثر عمل، بل حصلت الصنعة من الآخر، فكذلك لا يمتنع من شركة البدن أن يأخذ كل واحد منهما الربح بعمل صاحبه. وأيضا فإن المقصود في شركة المال العمل الذي يقع فيها، بدليل أن

стр. 2893

نماء المال واستحقاق الربح يرتفع بالعمل، فصار هو المقصود في المال، ومتى شرطاه في شركة الصنائع؛ فقد أوقعا العقد على المعنى المقصود بالعقد على المال، فوجب أن يثبت ذلك ويصح. وأيضا فإن المضاربة تصح على مال وعمل وهما يختلفان، وفي مسألتنا يحصل العملان متفقين، فإذا جازت الشركة مع اختلافهما؛ فجوازها مع اتفاقهما أولى (١). وأيضا فإن الشريكين في المال متى اشتريا بالمال؛ صار ما يشتريه كل واحد منهما نصف قيمته مضمونا مع صاحبه، فصار ذلك سببا لاستحقاقه الربح، فدل ذلك على اعتبار الضمان في استحقاق الربح، ويتحصل ذلك في مسألتنا. فإن قيل: فقد قال ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٢). قيل: إن العقد لا يسمى شرطا، وهذا عقد شركة، فإن أرادوا به ما تضمنه العقد من الشروط لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣)؛ فقد تناول هذا العقد وما تضمنه من الشروط، فصار في كتاب الله تعالى. فإن قيل: فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ما يستفاد بعمله، فوجب أن يكون فاسدا، أصله لو اشتركا على أن يكون ما

стр. 2894

حصل فيهما من الاصطياد والاحتشاش شركة بينهما. أو نقول: اشتركا في عين مال؛ فوجب أن تكون شركتهما باطلة، أصله ما ذكرناه. قيل: إن اشتركا على أن يعملا في الصيد والاحتشاش؛ جاز (١)، فأما أن يشتركا في صنعة ويكونا شريكين في غيرها؛ فلا يجوز، وهذا كما بيناه في شركة المال، وشركة الأبدان في صنعة واحدة هي كما يشتركان في جنس واحد من العمل. على أن ما ذكروه يلزمهم في شركة العنان؛ لأن كل واحد منهما يشارك صاحبه فيما ربح على ما في يده وتصرفه. فإن قيل: فإن هذا يستحقه بماله وإن كان ذلك حصل بتصرف صاحبه. قيل: كذلك نقول في مسألتنا: يستحق ضمانه وإن كان بعمل صاحبه. فإن قيل: فإن الأصل في شركة الأبدان هو العمل، والربح مستفاد به، والأصل في شركة العنان هو المال، والربح مستفاد به، ثم قد تقرر أن المال في شركة العنان إذا كان مجهولا؛ كانت الشركة باطلة؛ لأنه لا بد في شركة العنان أن يكون المالان معلومي القدر بالوزن، أو معلومي الأجزاء؛ مثل أن يخرج أحدهما كف دراهم والآخر كف دراهم، فخلطاه، فقالا: اشتركنا في هذا؛ لم تكن بينهما شركة؛ لأنه لا يعلم مقدار ما لكل واحد

стр. 2895

منهما من مال صاحبه لا من جهة الوزن، ولا من جهة أخرى، فكذلك يجب أن تكون شركة الأبدان باطلة؛ لأن الأصل فيها العمل، ومقدار عمل كل واحد منهما من عمل صاحبه غير معلوم أصلا (١). قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أننا قد بينا أن المقصود في شركة المال ما يحصل، وما يعمله كل واحد منهما من عمل صاحبه غير محصور، ومع هذا فقد جاز. وجواب آخر: وهو أن الصنعة إذا كانت واحدة وعملا في مكان واحد؛ لم يكد أن يقع بينهما تفاوت فيما يعمله كل واحد منهما. وجواب آخر: وهو أن العقد وإن انعقد على العمل؛ فإن استحقاق [الربح] (٢) يتعلق بضمان العمل الذي يتقبله كل واحد منهما، وهما سواء في الضمان على ما يشترطانه. وأيضا فإن العمل من جهة المضارب معقود عليه، وبه يستحق الربح وهو مجهول، ولا يقال إنه تبع للمال؛ لأن المال لغيره، وبه يستحق الربح، وهو العمل للمضارب وبه يستحق الربح، فلا يكون أحدهما تابعا للآخر، ولو صار تابعا للمال؛ لوجب أن يستحق الربح بالمتبوع الذي هو المال دون التابع الذي هو العمل. ولأن الربح في مقابلة عمله فأشبه الأجرة، ولا يكون عمل الأجير تابعا للأجرة.

стр. 2896

فإن قيل: فإن الشركة إنما تصح إذا كان كل واحد منهما يستحق ربحا في مقابلة أمر كان منه، ألا ترى أن شركة العنان كل واحد من الشريكين فيها يأخذ الربح في مقابلة ماله، وشركة البدن تتضمن أن كل واحد منهما يستحق ربحا لم يخرج في مقابلة عمل، لأن أحدهما إن عمل؛ كانت أجرته مستحقة له ولشريكه، وتلك الأجرة إنما تخرج في مقابلة ما عمل العامل، وشريكه يستحق نصيبه من غير أن أَخرج في مقابلته عملا، فوجب أن تكون الشركة فاسدة. قيل: [إنهما] (١) إذا عملا في صنعة واحدة؛ فقد حصل ما يأخذه كل واحد منهما نصفه بعمله والنصف الآخر بنصف عمل صاحبه، كما يأخذ الآخر منه مثله، فصار كل واحد منهما كأنه قد استأجر صاحبه بنصف عمله، وقد بينا جواز ما هو أضعف هو من هذا، وهو الصانع يأخذ أجرة ثوب مائة درهم، ثم يستأجر عليه من يعمله بخمسين، فيحصل له خمسون بعمل غيره على التحديد، فأخذه بعمل غيره كما يأخذ غيره بعمله؛ أولى بالجواز. وعلى أنهما إذا اشتركا في صنعة واحدة مثل خياطة قميص، وشرطا أجرته درهما؛ فقد حصل لكل واحد منهما نصفه بالشركة، فكان ذلك معلوما كضامن المال في شركة العنان، وإنما يتوجه ما ذكروه على من جوز أن يشتركا في صنعتين (٢)، أما نحن؛ فلا يلزمنا هذا. فإن قيل: قد ثبت أنهما لو اتفقا على أن يكونا شريكين في كسب أحدهما [دون ما] (٣) يكسبه الآخر فيه؛ كانت الشركة فاسدة، فيجب أن تكون شركة

стр. 2897

الأبدان فاسدة من أصلها؛ لأنها [تجر] (١) إلى هذا، وذلك أن أحد الشريكين [قد يعتل ويمرض ويقتسم مع الآخر] (٢) الأجر، فيكونان شريكين في كسب أحدهما، ولا يحصل لهما شركة في كسب الآخر، فوجب أن تكون فاسدة. [قيل] (٣): جواز علة أحدهما ليس هو الغالب، وإنما يدخلان على السلامة، فلو [افترضنا] (٤) جواز هذا وجواز الموت؛ لفسدت شركة العنان والمضاربة؛ لأن في شركة العنان يجوز حدوث علة أحدهما قبل الآخر، غير أن دخولهما في الأصل على السلامة، ألا ترى أن عقد السلم يصح ويكون السلم فيه على أجل معلوم، مع جواز أن يحدث الموت قبل ذلك، فيحل أجل المسلم فيه، ويلزم على هذا أن لا يجوز بيع الأعيان بالثمن، فشبه بجواز (٥) أن يحدث الموت فيحل، فلما كانت العقود تقع على السلامة في الغالب؛ لم يفسدها ما يجوز أن يحدث بعدها. وعلى أنهما إذا اعتل أحدهما علة طويلة؛ كان ما يعمله له دون شريكه؛ فإنما ذلك في العلة الخفيفة مثل اليومين والثلاثة. وبالله التوفيق. * * *

стр. 2898

* مَسْألة (٢٦): شركة الوجوه باطلة عندنا وعند الشافعي (١). وقال أبو حنيفة: هي جائزة (٢). وصورتها: أن لا يكون لهما رأس مال، ويقول أحدهما للآخر: اشتركنا على أن كل ما اشتراه كل واحد منا في الذمة؛ كان شركة بيننا (٣). والدليل لقولنا هو أن الأصل شركة شرعية، فمن زعم أن هذه شركة شرعية؛ فعليه الدليل (٤). وأيضا فإن حقيقة الشركة أن يكون عند العقد شيء يشتركان فيه، إما رأس مال، أو شركة بدن على صنعة موجودة في أبدانهما، وليس ههنا مال،

стр. 2899

ولا صنعة موجودة في أبدانهما، وليس يراعى في صحة الشركة وجود القول حسب، ألا ترى أنهما لو قالا: "اشتركنا على أن يكون الربح كله لأحدنا"؛ لم يجز. وكذلك عندهم لا تصح الشركة في الاصطياد والاحتشاش، فعلم أنها تحتاج إلى أوصاف تجوز في الشرع، وليس في الشرع ما يدل على جوازها فيما تنازعناه. وأيضا فإنها شركة على الذمم دون المال والعمل، فوجب أن لا [تصح] (١)، دليله إذا شرطا أن يكون الربح كله لأحدهما. فإن قيل: ليس لهذه العلة تأثير، وإنما بطلت الشركة ها هنا لوجود هذا الشرط، ألا ترى أنهما لو اشترطاه في شركة العنان؛ لبطلت. قيل: لها تأثير فيما اختلفنا فيه؛ لأن الشركة إذا عريت من هذا الشرط؛ صحت عندكم، وإذا حصل هذا الشرط؛ بطلت عندنا وعندكم، فصار بطلانها لاجتماع الوصفين، ما ذكرتموه وما ذكرناه جميعا، ألا ترى أن هذا الوصف الذي زدناه لو انفرد؛ لبطلت الشركة، فكذلك يجب إذا انفرد ما وصفتموه عن هذه الزيادة أن يبطل؛ لأننا قد جعلناهما جميعا علة الحكم، فإن جاز أن يصح بانفراد أحد الصفتين؛ جاز أن يصح [بانفراد] (٢) الأخرى. ولا يلزمنا هذا في شركة العنان والأبدان؛ لأننا اتفقنا على جوازها، وعلى أن دخول هذا الوصف بانفراده يفسدها، ولم نتفق في مسألتنا هذه،

стр. 2900

فأدخلنا هذه الصفة لنستفيد بها بطلان العقد الذي جوزتموه. فإن قيل: هذا يلزمنا ويلزمكم في شركة الأبدان؛ إذ علل أصحاب الشافعي لبطلانها بهذه العلة. قيل: هذا بالعاجل قد صح لنا معكم، فإذا ألزَمَنا هذا أصحاب الشافعي؛ نازعناهم في العلة، والعلة التي لا تتعدى عندنا وعندهم صحيحة، وأنتم نازعتمونا في هذه، [فصارت] (١) [علتكم] (٢) في الأصل غير متعدية؛ فلم يصح عندكم. ويجوز أن نستدل في أصل المسألة بنهيه ﵇ عن الغرر (٣)، ومن أعظم الغرر أن يلزم أحدهما ما لا يعلمه مما يجوز أن يضمنه الآخر من حيث لا أصل لهما من المال يرجعان إليه. وقوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٤). وما كان في كتاب الله فإننا نعلمه إما صريحا أو مضمنا، ولسنا نجد جوازه في كتاب الله تعالى. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥). وهذا يتضمن كل عقد لكل شرط إلا أن يقوم دليل على [عدم] (٦) جوازها

стр. 2901

في الشريعة؛ فحكمها هو بطلانها وأن لا تمضى (١). ثم لو ثبت الحكم؛ لكان نهيه ﵇ عن الغرر أخص منها. فإن قيل: فقد قال ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٢). قيل: شروط المؤمنين هي الشروط الصحيحة في الشرع، فيحتاج أن يعلم جواز هذه الشروط في الشريعة. على أن المؤمنين عند شروطهم إلا أن [تكون] (٣) غررا، فإنها لا تجوز؛ لنهيه ﵇ عن الغرر. فإن قيل: إن شركة الوجوه تنعقد على الوكالة؛ يدلك عليه أن ما يشتريه كل واحد يكون بعضه مشتريا لنفسه، وبعضه على وجه الوكالة للآخر، وهذه الوكالة تصح في حال الانفراد، فلأن تجوز إذا تعلقت بصفة؛ أولى، يدلك عليه أن حال الشيء وهو مفرد أضعف منه إذا كان متعلقا بغيره، لأن كل وكالة تجوز على الانفراد عن عقد الشركة؛ فإنها تجوز متى تعلقت بشرطه، أصله العنان. ولأن إذن كل واحد منهما لصاحبه في الشركة لا يخلو أن يكون العقد منعقدا على الملك الذي يحصل لكل واحد والضمان الذي يلزمه الثمن الذي عند شريكه، فإن كان منعقدا على الملك؛ فالربح يجوز استحقاقه بالملك، وإن كان على الضمان؛ فإنه سبب لاستحقاق الربح، بدليل أن المبيع لما

стр. 2902

دخل في ضمان المشتري بالقبض على غير وجه المحظور؛ كان متى تصرف فيه كان الربح له. ولأن الضمان ينعقد عليه صحة الشركة؛ بدليل أن العروض لما كانت لا تكون في الحقيقة على بائعها مثلها بدليل أن هلاكها قبل القبض لا يوجب ضمان مثلها؛ فلم تجز الشركة فيها، ولما كانت الدراهم إذا وقع العقد عليها كانت مضمونة في الحقيقة على من ثبتت في ذمته؛ جازت الشركة فيها، فبان أن جواز الشركة يختص بالضمان، وفي شركة الوجوه ضمان على المشتري على كل واحد، خاصة إذا كانا متفاوضين، فجاز استحقاق الربح به. قيل: أما قولكم: "إن شركة الوجوه تنعقد على الوكالة"؛ فإننا نقول: إن الوكالة في حال الانفراد على هذا الوجه لا تصح، ألا ترى أن الذي يجوز أن يشتريه أحدهما قد يشتريه الآخر؛ فيكون كل واحد منهما وكيلا لصاحبه وفي ذلك الشيء بعينه، مثل أن يقول: أنت وكيلي في شراء هذا الثوب وأنا وكيلك في شرائه، وإنما يجوز مثل هذا في الشركة إذا كان لهما مال الرفق بالشركة، فما يضمنه أحدهما [يشركه] (١) الآخر في ضمانه، ولكل واحد منهما أصل يرجع إليه الآخر فيما ضمنه عنه، وإذا لم يكن لهما مال؛ كان القصد من الشركة الغرر، وإذا كان لهما مال؛ [فالضمان] (٢) تبع، والعقود إذا لم يُحصِّل المقصود منها الغررَ؛ جازت. وقولكم: "إن إذن كل واحد منهما لصاحبه لا يخلو من أحد الوجهين

стр. 2903

المذكورين"؛ فإننا نقول: إن الضمان في الانفراد لا يجوز بعوض؛ لأنه من فعل المعروف، وإنما نجوزه في شركة العنان والمفاوضة إذا كان لهما مال، لأن وجود ماليهما هو الذي يستحق لأجل الربح، والضمان فيه تبع. وقولكم: "إن الضمان ينعقد عليه صحة الشركة إلى آخر الفصل"؛ فإننا نقول: إن الضمان في الشركة يجوز على الوجه الذي قلناه، وهو إذا كان لهما مال يكون هو الأصل الذي يستحق به الربح، فيكون الضمان منه تبعا؛ لأن الضمان في الانفراد لا يجوز عندنا بعوض، فلم يلزم ما ذكرتموه. فإن [قيل: إن] (١) موضوع الأصول إن كان نوع انفرد باسم؛ ففيه ما يصح من العقود، بدليل أن البيع يجمع أنواعا مثل السلم والصرف وبيع الأعيان، وكل نوع منها يتضمن ما هو صحيح. قيل: ما انفرد باسم على الإطلاق؛ فهو كما ذكرتم، وشركة الوجوه مقيدة كما يقال شركة فاسدة، وعلى أن شركة الوجوه ليس فيها شيء صحيح يكون الفاسد تبعا له، وإنما الأصل فاسد، فلم يصح ما ذكرتموه. والله أعلم. * * *

стр. 2904

* مَسْألة (٢٧): من كتاب الوكالة وتجوز وكالة (١) الحاضر وإن لم يرض خصمه بذلك إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم (٢). وقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد: تجوز وكالة الحاضر وإن كان الوكيل عدوا للخصم (٣). وهو مذهب ابن أبي ليلى (٤). وقال أبو حنيفة: لا تجوز وكالة الحاضر إلا برضا خصمه، إلا أن يكون الموكل مريضا، أو على سفر ثلاثة أيام؛ فإنها تجوز (٥).

стр. 2905

والدليل لقولنا في جواز ذلك إجماع الصحابة؛ فروي أن عليا ابن أبي طالب ﵁ وكل عقيلا عند أبي بكر الصديق أو عمر ﵄، وقال: "هذا عقيل، فما قضي عليه؛ فعلي، وما قضي له؛ فلي" (١). فوكله في الخصومات وغيرها لأنه قال: "ما قضي عليه فعلي، وما قضي له فلي"، والقضاء على الرجل وله إنما يكون بعد الخصومة، ثم لما كان في أيام عثمان ﵁؛ نازعه طلحة في قفيز أخذ بها علي ﵁ في أرضه، فوكل عبد الله بن جعفر، وقال علي: "إن الخصومة يتقحمها الشيطان، وإنى أكره أن أحضرها، فركب عثمان مع قوم إلى الموضع وأشرفوا عليه" (٢). فوكل علي ﵁ في الخصومة، وقبلها عبد الله بن جعفر، وأقرها عثمان ﵁، فصار إجماعا منهم على جوازها (٣). فإن قيل: فلعل عليا أراد أن يغيب فوكل من يخاصم عنه بعد ثلاثة أيام، وهذا عندنا جائز. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أنه لم ينقل أنه غاب، وكان قليل الغيبة عن المدينة، وإنما

стр. 2906

كثرت غيبته في حال [إمامته] (١). والجواب الثاني: هو أن هذا يسقط التعليل الذي علله وقال: "إن الخصومة يتقحمها الشيطان وأنا أكره حضورها"، فأخبر أنه إنما وكل لما ذكره، ولو أراد الغيبة؛ لم يعلل هذا التعليل، وكان يقول: إني أريد أن أغيب. ثم لو لم يذكر هذا، ولو كان عند عثمان ﵁ أن وكالة الحاضر لا تجوز؛ لكان يسأله فيقول: كيف توكل وأنت حاضر، أتريد الغيبة؟ حتى يزول الإشكال، فلما لم يسأله عثمان عن ذلك، ولا عبد الله بن جعفر، ولم يذكر هو أيضا ذلك؛ علم أن الأمر أيضا لا يختلف بالحضور والغيبة. فإن قيل: فيجوز أن يكون وصى طلحة بتوكيله. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه لم ينقل ذلك. والثاني: أنه يسقط التعليل أيضا؛ لأن عليا علل فقال: "أوكل لأن الشيطان يتقحم الخصومة، وإنني أكره حضورها"، وهذا يقتضي أن التوكيل كان لأجل ذلك المعنى لا لمعنى غيره، ولو كان وكل لأن طلحة رضي بالتوكيل؛ لقال: وكلت لأن طلحة رضي بذلك. وأيضا فإن كل من جاز له التوكيل مع الغيبة؛ جاز له مع الحضور، كالمريض. وأيضا فإن كل من جاز له التوكيل مع رضى خصمه بالتوكيل؛ جاز له

стр. 2907

التوكيل بغير رضاه إذا لم يكن الموكل عدوا له، أصله الغائب والمريض. فإن قيل: المعنى في المريض أن له عذرا، وعليه مشقة في الحضور؛ فلم يلزمه الحضور، وليس كذلك الصحيح. قيل: لو كان حقا للمدعي؛ لم يجز تركه لأجل العذر (١)، ألا ترى أن بدل الحق لما كان حقا للمدعي؛ لم يجز تركه [لأجل العذر] (٢). وأيضا فإنه استعان بغيره فيما تدخله النيابة؛ فوجب أن يصح، أصله لو وكله في البيع والشراء وغير ذلك، فكذلك في الخصومات. وأيضا فإن حضور المدعى عليه ليس بحق للمدعي؛ بدليل أنه لو انفرد الحق على يد وكيله، أو على يد من أنفذ إليه ليحضره؛ لم يلزمه الحضور، فلو كان حضوره حقا للمدعي؛ لم يسقط عنه وإن أنفذ الحق، ألا ترى أن نفس الحق لما كان حقا للمدعي؛ لم يسقط عن المدعى عليه وإن حضر. وأيضا فإنه لو كان مريضا؛ لم يلزمه الحضور، وكان له أن يوكل، ولو كان حضوره حقا للمدعي؛ لم يجز له تركه لأجل المرض، كما أن الحق لا يسقط عن المريض لأجل مرضه. فإن قيل: المعنى فيه إذا أنفذ الحق أن المدعي وصل إلى غرضه وهو الحق، فلا فائدة في حضوره، وليس كذلك إذا لم يحضر وأراد أن يوكل؛ لأن

стр. 2908

المدعي لا يتوصل إلى غرضه؛ لأن المدعى عليه قد يكون ضعيف الحجة، عاجزا في الخصومة، ويكون الوكيل الذي يوكله عالما بموضع الحجة، شديد الخصومة، فسقط غرض المدعي، فكان في حضور المدعى عليه فائدة. قيل: هذا يبطل بالمريض؛ لأن له أن لا يحضر [ويوكل] (١) وإن سقط بتركه الحضور غرض المدعي. وعلى أنه لو كان المعنى فيه إذا وكل ولم يحضر أن وكيله يكون أقوم بالحجة منه، فيسقط غرض المدعي في حضور المدعى عليه؛ لوجب إذا وكل من هو دونه في الخصومة ومعرفة الحجة أن يجوز في أخرى، وفي أخرى أن لا يجوز للمدعي؛ لأن الحظ فيه للموكل، ولم يسقط غرضه في حضور المدعى عليه، بل لو حضر؛ لخصمه، ووكيله لا يجري مجراه، فلما لم يجز ذلك؛ [دل] (٢) على فساد اعتبارهم. فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "من ولي القضاء بين اثنين؛ فليُسوِّ بينهما في المجلس والنظر" (٣). وليس من التسوية بينهما أن يكون أحدهما مبتذلا في مجلس الحكم، والآخر [مصانا] (٤) في داره وتجاراته.

стр. 2909

ولأنه لما أمر بالتسوية في مجلسهما، وترك تقديمه على صاحبه؛ كان دلالة على ما هو أبلغ منه، وزوال التسوية بأن يكون أحدهما في منزله والآخر في مجلس حكمه أكثر؛ فصار أولى. وأيضا فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال في كتابه إلى خليفته: "سو بين الخصوم في لحظك ومجلسك" (١). والأمر بالتسوية بين الخصمين ينتفي بإحضار أحدهما وترك الآخر، وهذا بحضرة الصحابة بغير خلاف. قيل: أما قول النبي ﵇: "من ولي القضاء بين اثنين؛ فليسو بينهما في المجلس" (٢)؛ عنه أجوبة: أحدها: أن حقيقة هذا يقتضي إذا كانا حاضرين؛ لأنه لا يقال: "سويت بين اثنين" إذا كان أحدهما حاضرا والآخر غائبا. وجواب آخر: وهو أن المعلوم من هذا أنه أريد إذا حضر؛ بدليل أحدهما أنه لو كان غائبا أو مريضا؛ لم يتوجه إليه الخطاب، فلا يحكم لأحدهما حتى يسمع من الآخر. وجواب آخر: وهو أن الوكيل يقوم مقام الموكل وهو قاض بينهما، فيجب أن يسوي بينهما لأنه والي القضاء بين اثنين، فالخبر يتناول كل اثنين. وجواب آخر: وهو أننا نعتبر التسوية بين الخصوم، ولأننا نجعل للمدعى

стр. 2910

عليه أن يوكل ولا يحضر، ونجعل للمدعي أيضا أن يوكل ولا يحضر، وهذا هو التسوية بين الخصمين، وإنما كنا نعدل عن التسوية لو جعلنا ذلك لأحدهما دون صاحبه، فيكون أحدهما قد [صُنّاه] (١) في منزله وابتذلنا الآخر بالحضور مجلس الآخر (٢)، ولو كان ما ذكروه هو المعنى المقصود؛ لما جاز في الغائب والمريض أيضا. فإن قيل: فإننا نعتبر العموم في قوله: "من ولي القضاء بين اثنين فليسو بينهما" (٣) إلا أن يقوم دليل. قيل: قد قلنا: إن المقصود منه إذا حضرا، وعلى أننا نستعمله على العموم [في كل] (٤) اثنين ولي عليهما القضاء وهو وال على المدعى عليه وعلى الوكيل، وهما اثنان والوكيل خصم. وقولكم: "لما أمر بالتسوية في مجلسيهما كان دلالة على ما هو أبلغ منه"؛ فإننا نقول: الغرض التسوية بينهما في المجلس، سواء حضر الموكل مع خصمه أو الوكيل مع خصم الموكل، الدليل على هذا وجوبه في وكيل الغائب والمريض مع الخصم. وأما قول عمر لخليفته [سو بين الخصوم] (٥) المعنى فيه كما ذكرناه في الخبر عن النبي ﵇.
следующие страницы →