← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

فكان لا يصلي إلا على من تجب له الجنة بصلاته، ولا يصلي على من له مانع يمنعه من الجنة، فلما كثرت الأموال، وفتح الله تعالى على المسلمين، وتمكن ﷺ من قضاء دين من لم يخلف وفاء؛ كان يصلي على كل أحد ويقول: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك مالا؛ فلورثته، ومن ترك كَلّا (١) فعلي" (٢). وأما قوله ﵇: "فككت رهان أخيك" (٣)؛ فلا تعلق لهم به؛ لأنه يحتمل أن يكون أراد به فك رهانه من الامتناع من صلاة النبي ﷺ ، لأن الميت كان قبل الصلاة محبوسا من صلاته، ممنوعا منها، فلما ضمن عنه؛ فك رهانه من الحبس عن الصلاة. ويحتمل أيضا أن يكون علي ﵁ قال: هما عليَّ، ووَزَنَهما. وعلى أننا قد ذكرنا حديث أبي قتادة، وأنه لما قضى قال له النبي ﵇: "الآن فككت رهان صاحبك" (٤)، فدل على أن عليا وزن الدرهمين. وقولهم: "إن الحق لما تعلق بذمة الضامن وجب أن ينتقل عن ذمة

стр. 2837

المضمون عنه"؛ فإنه باطل إذا غصب شيئا فغصبه منه آخر، فإن الضمان يتعلق بالثاني ولا يسقط عن الأول، والمغصوب منه بالخيار بين أن يطالب أيهما شاء (١). فإن قيل: فكيف يتعلق الحق بمحلين، [ولا] (٢) يجوز أن يكون الجسم في محلين. قيل: إن الحق يتعلق بذمتين وأكثر، كما تتعلق الحقوق بذمة وإن لم يكن الجسم في محلين، ولا أجسام في محل واحد، والله أعلم. وبالله التوفيق. * * * * مَسْألة (١٩): يجوز ضمان المجهول، مثل أن يقول له: أنا ضامن لك ما على زيد، وهو لا يعرف مبلغ ما عليه، أو يضمن ما يجده في دفتره مثبتا عليه، وكذلك يضمن ما لم يجب مثل أن يقول: داين زيدا؛ فما حصل لك عليه؛ فهو علي، وأنا ضامن له، فيجوز (٣). وبه قال أبو حنيفة (٤). وقال الشافعي: لا يجوز (٥).

стр. 2838

وذكر ابن [سريج] (١) أن في ضمان ما لم يجب قولا آخر للشافعي (٢). وقال الثوري، وابن أبي ليلى، والليث: لا يجوز (٣). والدليل لقولنا قوله ﵇: "الزعيم غارم" (٤). ولم يفرق بين من ضمن مجهولا أو معلوما، تقدم وجوبه أو تأخر، إلا أن يقوم دليل. وأيضا فإنه معروف، والمعروف يجوز في المعلوم والمجهول، كالعتق، والهبة، والوصايا. وأيضا فإن الضامن قد عقد على نفسه عقدا فليلزمه الوفاء به، لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥).

стр. 2839

فهو عموم إلا أن يقوم دليل. وأيضا فإن ضمان الدرك (١) متعلق بشرط (٩٦) إن استحق؛ لأن تقديره كأنه قال: إذا استحقت هذه الدار [] (٢) منك؛ فأنا ضامن لما أخذ من ثمنها أو أسقط [] (٣) وإن لم يكن مقدرا في وقت البيع، هذا كله خطر، فإذا كان ذلك متعلقا بالخطر -وقد أجمعوا على جوازه-؛ دل على جواز الكفالة بالخطر (٤). وأيضا فإن الضمان عقد يقصد به المعاونة والتخلص من المطالبة، فجاز تعلقه بالشرط؛ كالكتابة إذا قال له: إن أديت إلي الفائت؛ [فأنت] (٥) حر. وأيضا فإن ضمان الدرك يصح مع جهالة مقدار ما يستحق؛ بدليل أن القدر الذي يستحق في ثان لا يختص بمقدار بعينه دون غيره، وإن أجاز مع الجهالة؛ جاز تعلقه بضرب من الخطر، مثل الطلاق والعتاق. ولا يلزم على هذا المهر في أنه يصح مع الجهالة، ولا يجوز مع الخطر؛ لأنه عندنا لا يجوز في النكاح أن يكون مجهولا كما لا يصح مع الخطر. وعلى أنه قد يقع مع ضرب من الخطر؛ بدليل أنه لو تزوجها على عبد رجل تعلقت التسمية به، فإن اشتراه وسلمه إليها بموجب تلك التسمية؛ جاز

стр. 2840

عندكم، وهذا ضرب من الخطر. وأيضا فإن موضوع الكفالة على الخطر؛ بدليل أن تقديرها كأنه قال للكفيل: إذا رأيت مال الكفالة؛ فلك الرجوع علي، فإذا كان موضوعها وصفتها لما ذكرناه؛ لم يكن تعلقها بالشروط مما ينافيها. فإن قيل: فإن الكفالة إثبات مال في الذمة بحكم العقد، فلم يجز أن يكون مجهولا، كالعوض في البيع. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه فاسد بالنكاح أن مهر المثل يثبت في الذمة بالعقد وهو مجهول المقدار. والجواب الآخر: هو أن الضمان من فعل المعروف، فهو كالعتق، والهبة، والوصية، وليس كذلك البيع؛ لأن المقصد منه المناجزة، والمكايسة، والمغابنة. وأيضا فإن ضمان الدرك يتعلق بمقدار المستحق وهو مجهول. وأيضا فإنه إيجاب حق في ذمته بغير معاوضة، فأشبه الإقرار بالحقوق، فجاز مع الجهالة. فإن قيل: فإنه إثبات مال في الذمة؛ فوجب أن لا يجوز مجهولا، أصله الثمن المجهول، والمهر المجهول. وأيضا فإنه ضمن حقا مجهولا؛ فوجب أن لا يجوز، أصله لو قال: ضمنت بعض ما علي لزيد، أو شيئا مما لك عليه. قيل: أما البيع والمهر؛ فقد تكلمنا عليه.

стр. 2841

وأما قوله: ضمنت لك بعض ما علي لزيد؛ فيصح، ويقال له: ما أردت بالبعض عند القضاء. ويلزم على قولنا رهن المجهول، وأنه وثيقة كالضمان، لأن رهن المجهول يجوز عندنا كضمان المجهول، وقد ذكرناه في كتاب الرهون (١). فإن قيل: فإن ضمان الدرك هو ضمان معلوم؛ يضمن المعلوم، وهو ضمان ما وجب، لأنه إذا استحقت؛ تبينا أن رد الثمن كان واجبا حين الضمان، وليس في هذا الضمان أكثر من أن الاستحقاق ربما وقع لبعض المبيع، فلزم الضامن بعض ما كان ضمنه، وذلك لا يخرج ما ضمن في حال العقد أن يكون معلوما، ألا أنه تري لو أقر بحق لإنسان فضمنه رجل؛ جاز ضمانه؛ وإن أمكن أن يكون المقر له يدعي بعض ذلك ولا يدعيه كله، فيسقط عن الضامن بعض ما كان ضمنه، وذلك لم يخرج المضمون عن أن يكون معلوما حال الضمان. قيل: إنما يقع البيان في ثاني بعد أن كان مجهولا في حال العقد، فكذلك ضمان المجهول يصح بعقد، فإذا ثبت بالبينة مقدار الحق؛ تبينا الآن أنه كان معلوما وقت العقد، وإن لم يعلمه الضامن حين الضمان، فلا فرق بينهما. والله الموفق. * * *

стр. 2842

* مَسْألة (٢٠): مات إنسان وعليه دين؛ فإن خلف وفاء؛ صح ضمان الدين عنه بعد موته بلا خلاف، وإن لم يخلف وفاء؛ فقد اختلف الناس في صحة ضمان الدين عنه. فذهب مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد (١)، إلى أنه يجوز (٢). وقال (٩٨) أبو حنيفة: إذا لم يخلف وفاء؛ لم يجز الضمان عنه بعد موته (٣). والدليل لقولنا ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن جابر قال: "توفي رجل فغسلناه، وكفناه، وحنّطناه، وأتينا به رسول الله ﷺ فقلنا له: تصلي عليه؟ فقال: أعليه دين؟ قالوا نعم، ديناران، فانصرف، فقام أبو قتادة وقال: علي الديناران يا رسول الله، فصلى عليه" (٤).

стр. 2843

فوجه الدلالة منه هو أنه ﵇ كان يمتنع من الصلاة على من عليه دين لا وفاء له، فلما امتنع من الصلاة على هذا؛ علم أنه لم يخلف شيئا ولا وفاء، وقد ضمنه أبو قتادة، فدل ذلك على جواز ضمان دين الميت وإن لم يخلف وفاء. وأيضا فإن النبي ﵇ لم يسأل هل ترك فيصح الضمان، أو لم يترك فلا يصح الضمان، وهذا موضع يحتاج إليه، فلما لم يسأل ويستفصل (١)؛ علم أنه لا فرق بين الضمان في الموضعين جميعا. فإن قيل: قول أبي قتادة: "هما علي" هو إخبار عن الدينارين عليه، وذلك يقتضي أن يكون قد تقدم وجوبهما عليه، لا أنه ضمنهما عن الميت في الحال (٢). قيل: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن في الخبر ما يسقط هذا؛ لأنه روي فيه أن أبا قتادة تحملهما، وقال: "هما علي". وقوله: "تحملهما" يقتضي أنه التزم ذلك في الحال، لا أنه كان لازما له قبل ذلك (٣).

стр. 2844

والثاني: هو أن أفعال النبي ﵇ الصادرة منه على وجه الشرع والدين لا تقع في الظاهر إلا على الوجه الصحيح والعلم به، ولا يقع على وجه الخطأ والذهاب عن معرفة حقيقة الأمر والصواب فيه، إلا أن يلجئه إلى ذلك حال يدل على جوازه، وإذا كان هذا واجبا؛ فمتى حملنا قول أبي قتادة: "هما علي" على ابتداء الضمان لا الإخبار عن لزوم ذلك؛ حملنا امتناع النبي ﵇ من الصلاة عليه على وجه الصواب، لأنه امتنع من الصلاة على من عليه دين ولا وفاء له، ولا ما يجري مجرى الوفاء، وهو الضمان، وذلك كان عادته. وإذا حملنا قوله: "هما علي" على الإخبار عن لزوم الدين له؛ كان امتناعه من الصلاة مخالفا لعادته، وخارجا عنها وعما شرعه، لأنه امتنع من الصلاة عمن عليه دين ولا وفاء له، لكن ذلك مضمون، وكان لا يمتنع من الصلاة على من هذه سبيله، فحمل امتناعه من الصلاة على وجه الصواب؛ أولى من حمله [على] (١) الخطأ، واعتقاد كون الأمر على خلاف ما كان عليه، لأنه إنما يسوغ للمخالف ما قاله إذا صار إلى النبي ﵇ [اعتقاد] (٢) أن الدين ليس بمضمون، وذلك اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به (٣). والثالث: هو أن النبي ﵇ لم يستفصل ويسأل أبا قتادة: هل ضمنتها عنه في حياته أو بعد وفاته؟ كما لم يسأل: هل تركه أو لا؟ فعلم أن الحكم

стр. 2845

لا يختلف بذلك. والرابع: هو أنه لم ينقل في الخبر أنه كان ضمان قبل قوله: "هما علي"، وإنما المنقول هو هذه اللفظة فقط، فمن ادعى أن هناك ضمانا متقدما؛ احتاج إلى نقل. ولنا أيضا حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: "كنا مع النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقال: هل على صاحبكم دين؟ قالوا نعم، درهمان، قال: صلوا على صاحبكم، فقال علي رضوان الله عليه: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه، ثم قال: جزاك الله عن الإسلام خيرا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك" (١). ووجه التعلق به مثل ما ذكرناه في الخبر الأول. وجواب آخر: وهو أن النبي ﵇ قال: "فك الله رهانك كما فككت رهانه". ومعلوم أنه لم يرد بفك الرهان تخليصه من الدين، وإنما أراد به فكه من امتناعه الصلاة عليه، ومعلوم أنه إنما فك رهانه من ذلك في الحال؛ فكأنه قال: "الآن فككت رهانه". وقد روي أنه ﵇ قال لأبي قتادة: "الآن فككت رهان صاحبك" (٢)، فيجب أن يكون الضمان واقعا منه في الحال، ولم يكن ذلك إخبارا عن ضمان متقدم.

стр. 2846

وأيضا فما رواه عبد الحميد بن أبي أمية، عن أنس أنه قال: "الحمد لله الذي حبس السماء أن تقع على الأرض، فقيل له يا أبا حمزة: حدثنا بحديث ينفعنا الله تبارك اسمه به، فقال: من استطاع منكم أن يموت وليس عليه دين فليفعل، فإني شهدت رسول الله ﷺ وقد أتي بجنازة فقيل له: صل عليه، فقال: أليس عليه دين؟ قالوا نعم قال وما [تنفعه] (١) صلاتي وهو مرتهن في قبره، فلو ضمنها رجل منكم قمت وصليت عليه، فإن صلاتي تنفعه" (٢). وهذا نص في أنه ضمان بعد الموت (٣). وأيضا فإنه ممن يصح ضمان دينه حيا؛ فوجب أن يصح عنه ميتا، أصله إذا خلف وفاء (٤). وأيضا فإنه ممن يصح الضمان عنه إذا كان له وفاء؛ فوجب أن يصح وإن لم يكن له وفاء أصله الحي (٥). وأيضا فإن الدين لا يسقط عن الميت بموته، بدليل أنه لو مات وقد

стр. 2847

ضمنه عنه رجل ولم يخلف وفاء؛ لم يسقط الدين عن ذمة الضامن (١)، ولو كان قد سقط بموت من عليه الدين عن ذمته؛ سقط عن الضامن؛ لأنه هو الأصل، والضامن فرع له، وإذا سقط الدين عن الأصل؛ سقط عن الفرع، ألا ترى أنه لو سقط الدين عنه في حياته بالإبراء والأداء؛ سقط عن الضامن، ولما تقرر أن الدين لا يسقط عن ذمة الضامن؛ ثبت أنه لم يسقط عن ذمة المضمون عنه بالموت، ولأنه لو سقط الدين عن ذمته بالموت؛ لوجب إذا مات وخلف وفاء ثم أبرأ صاحب الدين من دينه أن لا يسقط الدين عن التركة؛ لأن الدين قد تحول عن الذمة إلى التركة، فالإبراء صادف محلا لا دين متعلقا به، فلم يعمل في سقوطه عن المحل الذي تعلق به، ألا ترى أنه إذا أجنى جناية، تعلق أرشها برقبته، فإبراء المجنى عليه السيد من الأرش؛ لم يسقط ذلك، لأن العفو صادف محلا ليس الأرش متعلقا به، وإنما الأرش متعلقا برقبة العبد، فلما ثبت وتقرر أنه مات وخلف تركة فأبرأ صاحب الحق الميت من دينه؛ سقط دينه. على أن الدين لم يسقط عن الذمة بالموت (٢). فإن بنوا المسألة على أن الدين يسقط بالموت إذا لم يخلف وفاء؛ فإن هذا الكلام كلام عليه.

стр. 2848

فإن قيل: فإن الدين يضعف ويتشعب بالموت، فإذا ضعف؛ لم يصح: كما أن المكاتب [لما كان] (١) ضعيفا في ذمته؛ لم يصح ضمانه. قيل: إن المكاتب لا يصح الضمان عنه وإن كان له وفاء، وقد ثبت أن الميت يصح عنه الضمان إذا كان له وفاء، فجاز الضمان عنه وإن لم يكن له وفاء. والسبب في المكاتب هو أن دينه غير لازم ولا مستقر، لأنه قد يعجز فيعود رقيقا، فيبطل مال الضامن، وقد تعجز أيضا نفسه وإن كان له وفاء عندكم وعندنا على وجه. فإن قيل: فإن الحق لا بد له من محل، وبالموت قد بطل المحل. قيل: قد ذكرنا أن المحل هو ذمة الميت ودللنا عليه، أو ذمة الضامن وهي موجودة، فكأنه مراعى إذا ضمن عن الميت كانت الذمة باقية. فإن قيل: فإن الموت سبب ينافي الديون من جميع الجهات، فوجب أن يضعف بحكم ما تقدم من الدين، مثل العبادات لما لم تجب بعد الموت؛ ضعف حكم ما تقدم وجوبه عليه، ألا ترى أن ما كان عبادة متعلقة بالبدن يسقط بالاتفاق (٢). وكذلك الردة لما منعت النكاح ابتداء من جميع الجهات؛ أثرت في النكاح المتقدم.

стр. 2849

وكذلك الموت لما بقي النكاح ابتداء من جميع الجهات؛ [بقي] (١) ما تقدم. وإذا ثبت بما ذكرناه أن الدين الذي كان في ذمة الميت صار ناقصا لشيء يعود إلى ضعف الذمة؛ أشبه مال المكاتب في حق المولى. قيل: إن عبادات الأبدان لا تصح البدالة فيها عندنا مع القدرة، ولا مع العجز، فسقطت بالموت، وليس كذلك الدين؛ لأن النيابة تصح فيه مع القدرة والعجز، فلم يسقط بالموت، إذ لو سقط الدين بالموت؛ لم يتعلق بالتركة كما لا تتعلق الأبدان بالتركة. وما ذكرتموه من الردة وأنها تنافي ابتداء النكاح فأثرت في ماضيه؛ فإننا نقول: والعدة تنافي ابتداء النكاح وقد لا تؤثر في [ماضيه] (٢)؛ لأن الطلقة الرجعية توجب العدة وحكم النكاح باق، فيجوز أن ينتفي ابتداء الدين بالموت ولا يسقط ما تقدم. على أننا قد بينا أن الموت لا يسقط ما تقدم من الدين. وعندنا أن حكم المطالبة باق، لأنه لو وصى الميت بوصية؛ صحت، ولو وهب له مال؛ لصح وقضى منه دينه، فعلم بهذا أن حكم المطالبة لم يسقط. وعلى [أن] (٣) ما ذكروه من الرد إلى المكاتب؛ فاسد بالمحجور عليه يقر بدين فيتكفل عنه أجنبي؛ فإنه يصح عندهم.

стр. 2850

فإن قيل: إن الذي أوجب ضعف ذمة المحجور عليه يعود إلى سقوط المطالبة من طريق الحكم فحسب دون معنى آخر هو ضعف، ألا ترى أن ذمة المحجور عليه يجوز أن تثبت الحقوق الصحيحة فيها، وذمة المكاتب لا يجوز ثبوت الحقوق الصحيحة فيها في حق، مولاه، كما لا يجوز ثبوته في ذمة الميت حال موته. قيل: يجوز عندنا ثبوت الحقوق الصحيحة في ذمة المكاتب؛ لأنه يملك ويبيع ويشتري ويستدين، ولا يجوز ذلك في المحجور عليه، فسقط ما ذكروه. فإن قيل: فإن خبر أبي قتادة: "الديناران علي والميت منهما بريء" (١)، فلو كانت كفالة في الحال؛ لكان لا يبرأ منه، فدل على أنه أخبر بحوالة متقدمة. قيل: قوله: "والميت منهما بريء" أي أنني لا أرجع في ضمان، ولا أطالب بما ضمنته إن حدث مال له، لأنه يجوز أن يكون ضمنه على أن لا يرجع بشيء. وبالله التوفيق. * * * * مَسْألة (٢١): من الكفالة: والكفالة بالنفس (٢) جائزة، ......................................................

стр. 2851

إلا في الحدود (١). وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، [والليث] (٢)، وأحمد ابن حنبل، وروي ذلك عن شريح (٣)، وهو الصحيح من قول الشافعي (٤). وذكر المزني أن فيها قولا آخر، لأن الشافعي قال: هي عندي ضعيفة (٥) يعني في القياس (٦). ووجوه أصحابه يقولون: ليس له إلا قول واحد في جوازها (٧).

стр. 2852

والدليل على جوازها قول الله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ (١). وهذه كفالة البدن؛ لأنه منعهم منه حتى [يتكفلوا] (٢) به (٣)، فدل على ما قلناه. وأيضا فإنه إجماع الصحابة رحمة الله عليهم؛ روي "أنه كان لابن عمر على علي بن أبي طالب ﵇ حق فطالبه، فتكفلت به أم كلثوم" (٤). وروي عن ابن مسعود قال: "أخرت بمسجد عبد الله بن النواحة وهو يؤذن ويقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فكذبت سمعي، فوقفت حتى سمعت أصحابه يصرحون بذلك، فرجع وبعث إليه فأحضره، وقال: قد سمعت ما سمعت، ما فعل القرآن؟ قال: إنما كنت أتقيكم به، فأمر به حتى ضربت عنقه، ثم استشار الصحابة في أصحابه فقالوا: يستتابون و [يكفلهم] (٥) عشائرهم، فاستتابهم وكفّلهم عشائرهم" (٦).

стр. 2853

وأيضا فقد ثبت أن ضمان ما في الذمة جائز؛ فكذلك يجوز ضمان ذي الذمة؛ لأن المقصود من التكفل به هو استخراج ما في ذمته. وأيضا فإن الكفالة بالنفس أمر معروف في زمن السلف، وقد كان شريح يفعل ذلك (١) وهو يقضي لعمر وعلي ﵄، وهو ظاهر من الحكام، ولم ينكر ذلك أحد من السلف، فدل على جوازه.

стр. 2854

وأيضا فإن الحضور مستحق على المدعى عليه، بدليل أن عليه الحضور بنفسه، أو أن ينقل ذلك إلى غيره برضا خصمه وبغير رضاه، وإذا كان الحضور مستحقا عليه؛ جاز أن يتعلق ذلك بالعين منه، ألا ترى ترى أن من ادعى رقبة عبد لزمه الحضور لتقام البينة عليه، ويلزم الغير إحضاره وهو المولى، ولا يلزم على هذا الحدود وأن الحضور مستحق على المدعى عليه الحد وإن لم يجز أن يلزم العين إحضاره بالكفالة؛ لأن الاستعداء لا يقع في الحدود، وهو مأمور بالستر على نفسه، فلم يجز أن يقال: إن الحضور مستحق عليه. وأيضا فإن الكفالة بإحضار المدعى عليه يؤثر في المال الذي يدعيه؛ بدليل أنه يتوصل إلى إقامة الشهادة عليه به واستيفائه، فأشبه الكفالة بالمال المدعى. وأيضا فإن الإجارة جائزة، وهي عقد على عين يستوفي الحق منها، فكذلك أن يجب تكون كفالة الوجه جائزة وإن كان العقد على عين تستوفي الحق منها. وأيضا فإن ضمان ما في الذمة جائز؛ لأن فيه رفقا للمضمون عنه؛ لأنه يتمكن بضمان الضامن من التخلص من ملازمة [غريمه] (١) من التصرف والاحتيال في تحصيل الحق، وفيه أيضا رفق للمضمون له لأنه يستوثق من حقه، وهذا المعنى موجود في كفالة البدن؛ لأنه يحصل بها رفق للمكفول له والمكفول به على الوجه الذي ذكرناه، فوجب أن تكون الكفالة جائزة.

стр. 2855

ولنا أن نقول: هو سبب يتوصل به إلى ماله، فأشبه الكفالة بالمال والرهن. وأيضا فإن الكفالة في الأصل عقد وضع للتوثق في الحقوق والديون متى تكفل عن غيره بمال في ذلك وثيقة لصاحب الدين، وللوثيقة بالاحضار أولى وأقرب (١)، بدليل أن ثبوت المال واستحقاق أصله يقف، وإذا غاب؛ لم يكن ذلك فيه، وكذلك بعد القضاء يستوفي منه [نفس] (٢) فيتوصل به إلى ثبوت المال واستيفائه جميعا، فكان هذا أبلغ في التوثق، وأقرب إلى المعنى الذي يتعلق به أصل الكفالة، فيكون بالجواز أولى. وأيضا فإن الكفالة للوثيقة، وهي في العادة بنوعين بمال ونفس، فإذا كان في أحدهما ما يجوز؛ فكذلك في الآخر. فإن قيل: فإنه ضمان عين في الذمة؛ فوجب أن لا يصح، أصله السلف في الأعيان (٣). قيل: إن كفالة الوجه ليست بضمان العين، وإنما هي بحق على العين، وهو إحضارها كالدين الذي عليه، وليس إذا لم يجز [السلف] (٤) في عين ما يجب أن لا يضمن حق من عين (٥)، مثل من أجر داره أو عبده فإنه

стр. 2856

ضامن لحق يستوفي من العين، والحق هو المنافع وإن لم يضمن العين. فإن قيل: إذا لزمه إحضار العين؛ فقد ضمن العين. قيل: قد بينا فساد هذا بالدار والعبد المؤاجرين. فإن قيل: إن كل ما لم يكن مضمونا حين التلف؛ لم يكن مضمونا حال البقاء كالوديعة، وما كان مضمونا حين التلف؛ كان مضمونا حين البقاء كالغصب والعارية، وقد تقرر أن المكفول به لو تعذر رده بموته أو غيبته؛ لم يلزم الكفيلَ شيء (١)، فدل على أنه لا يلزمه الرد والضمان إذا تمكن من الرد. قيل: إن رقبة الحق لا تكون مضمونة في حال التلف ولا في حال البقاء، فهذا قول فاسد. وأيضا فإن الكفالة بالإحضار تثبت للزوم الحضور على المكفول عنه، وموته يوجب سقوط الحضور عنه، فلم يجز أن يلزم كفيله ما قد سقط وامتنع وجوده بحال، وليس كذلك إذا كانت الكفالة بمال؛ لأنه متى ترك مالا؛ فإن حق المدعي يتعلق، مال، ولو لم يكن مال؛ جاز ظهور مال له بعد ذلك، أو يطرأ له مال يتعلق به الضمان، فلم يجز إثبات ما قد ثبت بالشك. فتبين بهذا فساد قياس ما قد سقط على ما لم يسقط، فهذا الاختلاف في حال التلف لا يوجب اختلاف الحقين في حال الحياة، فلم يجز التفريق

стр. 2857

بينهما -مع وجود علة جوازهما- لأجل اختلاف علتيهما في حال التلف. وأيضا فلو ضمن تسليم عين الوديعة؛ لجاز، ولو تكفل بها؛ لم يلزمه شيء، وكذلك تسليم المبيع ولو تلف في يد البائع؛ لسقط عندكم وعندنا على وجه، فبان بهذا جواز سقوط الضمان بعد وجوبه. وعلى أن ما ذكروه يبطل بالوديعة فإنها مضمونة الرد؛ لأنه يلزم المودع ردها على صاحبها متى طالبه بها، ولو تلفت؛ لم يضمنها. فإن قيل: إن المودع لها استحفظ المودع وديعته، وليست بمضمونة عليه عينها، ولا هي مضمونة الرد، وإنما الذي يلزمه رفع اليد عنها والإفراج، فأما أن تكون مضمونة عليه بوجه؛ فلا، أنه تري لو كانت الوديعة عبدا فأبق، والمودع يقدر على رده؛ لم يلزمه الرد، ولو طالبه صاحبها ليحملها إليه؛ لم يلزمه ذلك، بل على صاحبها أن يجيء فيأخذها من عنده، فدل على ما قلناه. قيل: إنما هذا خلاف في عبارة، أليس قد وجب عليه بالوديعة ما لم يكن قبلها واجبا، وهو أن يفرج عنها بعد أن كان قابضا عليها، وهذا القدر مضمون عليه، وهو حق متعلق بالوديعة، وهذا الذي نريد، وأنتم تقولون: لا يتعلق بالكفالة بالنفس شيء أصلا. فإن قيل: فإنه لا فائدة للمكفول له في كفالة الوجه، لأن المكفول به إن حضر؛ فإن صاحب الحق يمكن أن يطالبه بالحق، ويحمله إلى الحاكم، ولا يحتاج إلى الكفيل، وإن غاب -فلم يعلم موضعه أو مات-؛ فإن الكفيل

стр. 2858

لا يلزمه رده، ولا يلزمه الحق الذي عليه (١)، وإذا لم يكن فيها فائدة؛ وجب أن لا يصح. قيل: هذا غلط؛ لأن بطلان الشيء في ثان لا يمنع العقد عليه؛ بدليل أن هلاك المبيع قبل القبض قد يبطل العقد، ولم يمنع ذلك من جواز العقد عليه، وكذلك النكاح وعامة ما يبطل من العقود بمعان تطرأ عليها في ثان. وعلى أن فيها أكثر الفوائد، وهو الرفق الذي ذكرناه للمدعي وللمكفول به. فإن قيل: إنها كفالة تقع البراءة عنها من غير إبراء؛ فلم يصح. قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن وقوع البراءة بموت المكفول هو قولنا (٢)، فلم يجز لمخالفنا أن يستعير مذهبنا ثم يقيس عليه. والثاني: أن هذا غير ممتنع مثل هلاك المبيع قبل القبض، وردة الزوجة في النكاح، وهذا المعنى لا ينفي وقوع العقود في الابتداء؛ فكذلك في مسألتنا. على أن في ضمان المال مثله، وذلك أن المدعى عليه المضمون عنه

стр. 2859

يموت فيرثه المدعي المضمون له ماله، فيذر الضامن من غير إبراء. فإن قيل: فإنه ضمان لا يجب به يجب به مال في الذمة؛ فلا يصح، كالضمان على المكاتب. قيل: إن كفالة [الإحضار] (١) لا تتناول مالا بحال إذا لم يشرط المال، واشترط أنه ليس من المال في شيء، فلم يجز أن يبقى على الذمة مالا يقتضيه، كما لا يقال: إن من اشترى عبدا بألف درهم؛ لم يثبت في ذمته مائة دينار. ولأن صحة الضمان غير موقوفة على ثبوت المال؛ لأن الإنسان قد يضمن ما هو مال وما ليس بمال، فلم يجز تخصيص الضمان بالمال خاصة. ولأن من ادعي عليه عبد في يده؛ فإحضاره عند الحاكم مستحق عليه وإن لم يثبت بذلك عليه ضمان في ذمته، فجاز مثل هذا في حق الكفيل. ولأن مال الكتابة لا يصح ضمانه؛ لأنه لو ثبت في ذمة الكفيل؛ لكان ذلك ثبوتا صحيحا، وليس هو بدين صحيح لازم في الأصل فيؤدي إلى أن يثبت في ذمة الكفيل، بخلاف ما هو ثابت في الأصل فيكون كمالٍ آخر، ولما كان ضمان الحضور يمكن إلزامه لأحدهما -كما يلزم الآخر-؛ جاز أن يسوى بينهما. فإن قيل: إن المستحق على الأول هو الدين، فلا يصح الضمان إلا عن الدين.

стр. 2860

قيل: إن الحضور لازم؛ بدليل القاضي تعدى عليه ليحكم عليه، وإن كان قد حكم عليه، فيحتاج أن يحضر لأداء المال، فصار الحضور مستحقا عليه. فإن قيل: حجاجكم بالآية؛ لا حجة لكم فيه؛ لأن يعقوب ﵇ لم يكن له عند المكفول به حق، وهذه الكفالة لا يقول بها أحد، وإنما تجوز الكفالة إذا كان للمكفول له على المكفول به حق. قيل: إن يعقوب ﵇ كان له على ابنه الذي أرادوا منه حق المقام عنده، فأخذ منهم الكفالة برده وحضوره عنده، وهو كفالة بالنفس، وإن كانت في شريعة من تقدم؛ فإننا نقول بها ما لم يمنع منه مانع. فإن قيل: لا حجة لكم في قصة ابن مسعود أيضا؛ لأن القوم لم يكن لزمهم بعد التوبة حق، ومن لا حق عليه؛ لم يصح التكفيل به. قيل: إن القوم كان عليهم حق المقام [على] (١) الإسلام، والإقرار برسالة النبي ﵇، وكانوا متهمين لئلا يرجعوا عن ذلك، فأخذت الكفالة بحضورهم. فإن قيل: هذا غير مستقيم على أصولكم؛ لأن الكفالة بالوجه فيما يتعلق بالحدود والقتل لا تجوز عندكم (٢). قيل: الكفالة بالوجه عندنا على وجهين: فإن ضمن وجهه وعليه مال فلم يحضره؛ غرم (٣).

стр. 2861

والوجه الآخر: هو أن يقول: أنا ضامن لوجهه لست مما عليه في شيء لم يلزمه (١)؛ غرم ما عليه إن مات أو لم يقدر على حضوره. فعلى هذا الوجه ينبغي أن تصح الكفالة بالوجه في الموضع الذي تجب فيه الحدود، وإذا شرط أنني لست مما عليه في شيء. وعلى أننا [إن] (٢) لم نجوز هذا على هذا الوجه؛ فإن الحجاج بالخبر أيضا صحيح؛ القوم الذين كانوا متهمين قد يجوز أنه كانت في أيديهم أموال يستحقها بيت المال، فضمنهم الحضور لأجل ما في أيديهم من الأموال. والله أعلم. * * * * مَسْألة (٢٢): وضمان الدرك (٣) في البيع جائز (٤).

стр. 2862

وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (١). وهو الصحيح من مذهب الشافعي (٢). وحكى ابن [سريج] (٣) أن له قولا آخر في أنه لا يصح؛ لأنه ضمان ما لم يجب (٤). وقد تكلمنا على جواز ضمان المجهول وما لم يجب (٥)، غير أن هاهنا هو ضمان ما قد وجب والدليل على عين هذه المسألة؛ قوله ﵇: "الزعيم غارم" (٦). ولم يخص ضمان درك من غيره، فهو عموم إلا ما خصه الدليل. وأيضا فإن ضمان الدرك هو رد الثمن عند الاستحقاق، ومتى حصل هناك استحقاق؛ تبينا أن المال كان مضمونا على قابضه، فجاز ضمانه له. وأيضا فإن العمل قد جرى على هذا في سائر الأعصار، يذكرونه في كتب أشريتهم (٧)، ويتداوله الحكام ويحكمون به، فلو كان هذا أمرا لا

стр. 2863

يجوز؛ لأنكره بعضهم ورده، وكان يشتهر الخلاف منه، فلما لم ينقل عن أحد منهم أنه رده وأنكر؛ صار إجماعا. وأيضا فإنه لا يخلو أن يخرج المبيع مستحقا أولا يستحق، فإن لم يستحق؛ فليس هناك ضمان، وإن استحق؛ فإنه ضمان ما قد وجب، لأننا نتبين بالاستحقاق أن الثمن كان واجبا في حال الضمان، وأنه ممن يصح ضمانه في ذلك الوقت. وأيضا فإن ضمان الدرك وثيقة مطلوبة؛ فصار كالرهن. وأيضا فإن الضرورة تدعو إليه في الوثائق، فوجب أن يكون إليه سبيل، يدلك عليه الوثيقة بالشهود هو دونه بجواز موت الشهود، أو نسيانهم، أو زوال عدالتهم، والرهن يتلف ولا يبقى إلى وقت الاستحقاق، فلم يبق إلا ما ذكرناه من الضمان، فإذا وقعت الضرورة في الوثائق إليه؛ وجب أن يجعل له سبيل. وأيضا فإن ضمان الدرك قد وجب سببه وهو القبض والعقد الذي يقتضيه، والضمان يجوز بوجود سببه، أصل ذلك ضمان الدين المؤجل. وأيضا فمن أصلنا جواز الضمان وإن علق بشرط، وليس في ضمان الدرك أكثر من تعلقه بالخطر، وهذه مسألة اتفاق، فأما ضمان يحدثه المشتري من غرس وبناء وغير ذلك؛ فهو ضمان ما لم يجب، وهو عندنا جائز قد مضى الكلام عليه في ضمان المجهول (١). والله الموفق. * * *

стр. 2864

* مَسْألة (٢٣): اختلفت الرواية عن مالك ﵀، فقال: المضمون له مخير بين أن يطالب الضامن أو المضمون عنه إن كان المضمون عنه موسرا (١). وهذا قول أبي حنيفة والشافعي (٢). وقال ليس له مطالبة الضامن إلا بعد تعذر وصوله إلى الحق من جهة المضمون عنه (٣). والدليل لهذا القول؛ هو أن النبي ﵇ قال: "الزعيم غارم" (٤). والغرم حقيقته أن يكون مع بقاء الأصل، فلا يلزمه مع قدرته على أخذ الحق من المضمون عنه. وأيضا فإن الضمان وثيقة فهو كالرهن، وليس للمرتهن أن يأخذ حقه من الرهن إلا بعد تعذر الاستيفاء من الراهن. وأيضا فإن الضامن دخل على وجه المعروف ليتمكن [المضمون له من حقه] (٥) ويتوثق به فلا ينبغي أن يُعنِت الضامن وهو يتمكن من

стр. 2865

مطالبة المضمون عنه. فإن قيل: قوله ﵇: "الزعيم غارم" (١)؛ يفيد اللزوم من غير فرق بين الحالين. قيل: قد ذكرنا أن حقيقة الغرم إنما يكون بعد الفوات، أو بحيث يغرم ويتعذر عليه أخذ العوض، ولهذا يقال: غرمت عنه (٢). فإن قيل: الضمان يفيد تعلق الحق بذمة الضامن من غير تأجيل، فأشبه ذمة المكفول عنه، لأن كل حق يثبت على اثنين؛ فإنه متى لم تقف المطالبة من أحدهما على عجز صاحبه، فإن مطالبة الآخر مثله، مثل دينين على رجلين من غير كفالة. ولأنه يوثق بذمته مثل الحوالة. ولأنه عقد يوجب الضمان في الذمة مثل البيع وقياسا عليه إذا أفلس المضمون عنه [بغلّته] (٣)، وبرد سبب الضمان في الذمة من غير تأجيل. قيل: قولكم: "إن الضمان يفيد تعلق الحق بذمة الضامن من غير تأجيل كالمكفول عنه"؛ فإننا نقول: الضامن مضمون إلى المضمون عنه على طريق الوثيقة لطلب الدين، فهو كالرهن والضمان على رجلين، كل واحد منهما يتضمن (١١٢) نصف الدين، وليست ذمة كل واحد منهما وثيقة من الآخر.

стр. 2866

وأما الحوالة؛ فهي نقل ما في الذمة إلى الذمة الأخرى، فهو كالبيع، والضمان الدين باق في ذمة المضمون عنه، ألا أنه تري مخير عندكم بين مطالبته أو مطالبة الضامن، وليس له في الحوالة مطالبة المحيل (١). وقولكم: "هو عقد يوجب ضمان ما في الذمة كالبيع"؛ فإننا نقول: هو ضمان لما في الذمة مع بقاء الحق في ذمة المضمون عنه، وأما إذا أفلس المضمون عنه؛ فقد تعينت المطالبة وقبض الحق من الضامن كما يتعين في الرهن، إذ هما جميعا ضما إلى ذمة المدين الأصل. والله أعلم. * * *

стр. 2867

* مَسْألة (٢٤): من كتاب الشركة شركة المفاوضة جائزة عندنا وعند أبي حنيفة، غير أنه يخالف مالكا في صورتها فيقول: هي أن يشترك الرجلان في جميع ما يملكانه من ذهب وورق، ولا يبقى لواحد منهما شيء من هذين الجنسين إلا اشتركا فيه، ويكون لكل واحد منهما من هذين الجنسين مثل ما لصاحبه، فإن زاد مال أحدهما على مال الآخر؛ لم تصح بينهما الشركة، وكل ما ربحه أحدهما كان شركة بينهما، وكل ما ضمن أحدهما من غصب وغيره ضمنه الآخر، فإن [ورث] (١) أحدهما مالا [بطلت] (٢) الشركة؛ لأنه زاد ماله على مال صاحبه. ونحن نقول: يجوز أن يزيد ماله على مال صاحبه، ويكون الربح على قدر المالين، ويكون ما ضمنه كل واحد منهما مما هو لتجارتهما؛ فهو بينهما، فأما في الغصب وغيره؛ فلا. وحقيقة المفاوضة عندنا هي أن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه في شراء ما يراه لتجارتهما، وأن يبيع كما يرى، ويوكل ويقارض بعد أن يكون كله لتجارتهما، (١١٢) وبما يتعلق بها، وسواء كان رأس مالهما عروضا على القسمة، أو دراهم، أو دنانير، وسواء كانا شريكين في كل ما يملكانه

стр. 2868

[يجعلانه] (١) في التجارة أو في بعض مالهما، ويفوض أحدهما إلى الآخر ما ذكرناه، وسواء اختلط مالهما حتى لا يتميز أحدهما من الآخر، أو كان متميزا بعد أن يجمعاه وتصير أيديهما جميعا عليه في الشركة (٢). وتصح عند أبي حنيفة وإن لم يجمعاه (٣). وقال الشافعي: لا تجوز الشركة في العروض، ولا تجوز إلا في الدراهم أو الدنانير؛ وأن يخلطا ذلك حتى لا يتميز أحدهما ولا تعرف عينه من الآخر، ويجوز أن يفضل أحدهما الآخر في [رأس] (٤) المال، [ويكون] (٥) الربح على قدر ما لكل واحد منهما من رأس ماله، ثم إذا أصبحا شريكين؛ لم يجز لأحدهما أن يتصرف في الكل إلا بإذن شريكه، وتسمى هذه شركة عنان، وما ضمنه كل واحد منهما يكون في خاصته (٦). وسئل مالك عن شركة العنان فقال: لا أعرفها (٧). وقد اختلف الناس فيها من أي شيء أخذت، وقالوا: هي كلمة مستعملة

стр. 2869

في كلام العرب معروفة، قال الشاعر (١): وشاركنا قريشا في علاها … وفي أحسابها شِرْك العنان وقال قائل: إنما سميت شركة عنان؛ لأن الشريكين يتساويان في هذه الشركة، وكل واحد منهما يساوي صاحبه ويجري مجراه، لهذا مال ولهذا مال، وهما متساويان، ولكل واحد منهما من الربح مثل ما للآخر، فشمله ذلك كعنان الفرسين إذا سار الفرسان معا، لأنهما يتقابلان ويتساويان. ومنهم من قال: معنى شركة العنان أنها شركة ظاهرة، من قولهم: عنّ الشيء إذا ظهر، وليس في الشركة ما تثبت الشركة منهما في أمر ظاهر إلا هذه الشركة، فإنها تثبت الشركة فيها في أمر ظاهر، لأن شركة المفاوضة تثبت الشركة بينهما فيما لم يظهر، وكذلك شركة الأبدان والوجوه. وقال بعضهم: سميت شركة العنان؛ لأن الفارس يمسك بأحد يديه عنان الفرس، ويرسل الأخرى يتصرف فيها كيف شاء. وهذه الشركة تثبت فيها الشركة بين الشريكين في نفس مال الشركة فقط، لا يكون لكل واحد منهما تصرفه فيه لنفسه، ويكون باقي ماله مطلقا له، يتصرف فيه لنفسه كيف شاء كالفارس، وليس كشركة المفاوضة؛ لأنهما يشتركان في جميع التصرف، وليس لأحدهما أن ينفرد بالتصرف فيكون مطلقا له. وقيل: إنما سميت شركة عنان من عنان الفرس كان مطلق التصرف قبل تركيب العنان عليه، فلما ركب عليه العنان؛ [صار (٢) ممنوعا من بعض

стр. 2870

تصرفه، وكذلك أحد الشريكين في شركة العنان يتصرف في ملك صاحبه في مقدار مال الشركة، وهو ممنوع من التصرف في غير ذلك من ماله، كالفرس منع بالعنان من التصرف في بعض الأشياء، ولم يمنع من البعض. وذكر بعض أصحابنا أن شركة العنان هي أن يشتركا في شيء بعينه، ولا يبيع أحدهما إلا بإذن شريكه، أو يشتركا فيشترط أحدهما على صاحبه هذا، فكأن كل واحد منهما يتمسك عنانه من صاحبه وممسك لعنان صاحبه، وهو من المنع، وهذا يجوز (١). وما قلناه في شركة المفاوضة تجوز، وإن كان أبو حنيفة يزيد فيها شيئا حتى يكونا شريكين عنده في ربح المال، وفيما يكتسبانه بالعمل، ولا يكون لأحدهما شيء ينفرد به، ولا يكون مال أحدهما أكثر من الآخر، ويكونان بعد قولهما: "تفاوضنا" (٢)؛ شريكين فيما يكسبه كل واحد بعمله، وفيما يشتريه بعين المال وفي ذمته، وما لزم أحدهما ضمانه من غصب أو سرقة؛ ضمنه الآخر، إلا ما ألزمه الآخر باختياره فإنه لا يضمنه الآخر، وما ليس بكسب بل كان من المباحات كالاحتشاش والاصطياد؛ فلا يكونان شريكين، وإن ورث أحدهما عروضا؛ لم تبطل الشركة، وإن ورث ذهبا أو فضة، بطلت الشركة، لأن ماله زاد على مال صاحبه. ومع هذا كله فإنه لا يخالفنا في المفاوضة على الوجه الذي قلناه.

стр. 2871

وهو مذهب الأوزاعي، وابن أبي ليلى (١)، والثوري. ومنع من ذلك الشافعي (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (٣). وما ذكره الشافعي من شركة العنان تجوز عندنا أيضا (٤)، وإن كنا نجوز غيره. والدليل على جواز شركة المفاوضة قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٥). وهذان قد عقدا عقدا من العقود، فلزمهما الوفاء به بهذا العموم إلا أن يقوم دليل. وأيضا قول النبي ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (٦). وهذان دخلا على شروط، فلزمهما الوفاء بها إلا أن يمنع من ذلك مانع.

стр. 2872

وأيضا قوله ﵇: "تفاوضوا لأنه أعظم بركة" (١). وهذا يفيد جوازها حين ندب إليها إلا أن يمنع منها مانع. وأيضا فإنه نوع شركة تنفرد باسم، فجاز أن يكون فيه صحيح وفاسد مثل العنان. وأيضا فإن ما ذكرناه موضوع الأصول يدل عليه؛ لأن كل نوع من العقود مثل الصرف، والنكاح، والسلم؛ فيها ما يجوز وما لا يجوز لو انفرد، والبيوع تجمع أنواعا، كل نوع منه فيه ما يصح وما لا يصح، إلا أنه ليس يفسد العقد، فكذلك مسألتنا. وأيضا فإن كل عقد جاز على الانفراد؛ فإنه إذا تعلق بالشركة؛ لم يؤثر فيه الجهالة في صفاته، بدليل أن الوكالة لما جازت على الانفراد؛ جاز أن تنعقد عليها شركة العنان؛ لأن لكل واحد منهما أن يأذن لصاحبه في التصرف، ولم تعتبر جهالة صفاته، ألا ترى أنهما لو تشاركا في البيع؛ جاز مع جهالة صفاته، وإن كانت الوكالة على هذا الوجه لا تجوز في حال الانفراد، فكذلك الشركة في المفاوضة تتعلق بها الكفالة والوكالة مع جهالة صفة الكفالة وهو المكفول به، وإن لم يجز ذلك في حال الانفراد على هذه الصفة. وأيضا فإن شركة العنان تنعقد على الوكالة من كل واحد لصاحبه [في] (٢) التصرف، فجاز أن يضم إليها ما هو أعم منها، يدلك عليه أن شركة

стр. 2873

العنان لما جازت خاصة في نوع؛ جازت فيما هو أعم منها، ولا معنى يوجب زيادة على معنى شركة العنان إلا إضافة ذكر الكفالة إليه. وأيضا فإن الشركة تنعقد على المال والربح الذي يحصل فيه، وقد علمنا أن مقدار الربح مجهول وغرر؛ لجواز أن يكون، ويجوز أن لا يكون ولا يعرف مبلغه أيضا، وكفالة أحدهما من صاحبه ليس بمعقود عليه، وإنما هو من أحكام العقد، فإذا كانت الجهالة والغرر فيما هو معقود عليه من الربح [لم] (١) يمنع من صحة الشركة؛ فحال المكفول له أولى أن لا يمنع، ألا ترى أن حكم ما هو معقود عليه أولى بالاعتبار فيما هو من توابع العقد وأحكامه. وأيضا فإن شركة المفاوضة على العنان هو ضمان الكفالة فيما يثبت لأحدهما قبل صاحبه من الحقوق، والضمان قد يثبت في الذمة بمجهول؛ بدليل من استهلك عينا لا يعرف مالكها؛ ثبت ضمانها في ذمته إلى أن يظهر المستحق لها والربح المجهول والغرر ليس يثبت في الأصول في غير الشركة، فإذا جاز أن يسامح في الشركة بما لا يثبت في الأصل بنفسه؛ فجواز الضمان بمجهول -الذي يجوز ثبوته بنفسه في الأصول- أولى أن يتعلق بالشركة. وأيضا فإن الربح قد يكون في مقابلة المال، وقد يكون في مقابلة العمل، ألا ترى أن الربح في شركة العنان في مقابلة المال، والربح في القراض يقابل المال والعمل، وإذا (١١٦) كان كذلك؛ لم يمتنع أن تصح شركة

стр. 2874

المفاوضة وإن كان فيها عمل ومال، ويكون الربح في خاصة كل واحد منهما، لأننا قد بينا أن الربح قد يقابل كل واحد من الأمرين (١). فإن قيل: فقد نهى النبي ﵇ عن الغرر (٢) وشركة المفاوضة فيها غرر عظيم؛ لأنها تتضمن أن ما لزم أحدهما من مال بغصب، أو إتلاف، أو سرقة، أو ضمان؛ لزم الآخر ما يلزمه، وهذا غرر. قيل: هذا لا يلزمنا نحن (٣)؛ لأننا لا نلزم من الضمان إلا ما تعلق بالشركة، فأما الذي ضمن عن أجنبي شيئا أو غير ذلك مما لا يوجد في الشركة؛ لم يلزم. على أن الخبر هو نهيه عن بيع الغرر، وكلامنا في الشركة (٤). وعلى أن الغرر ما الغالب منه أنه لا يسلم، والغالب من الشركة السلامة. فإن قيل: فإن مقدار ما يلزم كل واحد منهما من ذلك غير معلوم، وقد يلزمه، درهم، وقد يلزمه مائة ألف درهم. قيل: عن هذا جوابان:

стр. 2875

أحدهما: أننا قد بينا قبل هذا أن ضمان المجهول يجوز، وأما ما يلزم بالضمان؛ فإنه إذا كان في شيء للشركة؛ جاز؛ لأن العوض يحصل لهما، فالضمان عليهما. فإن قيل: فقد قال ﵇: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١). وهذه الشروط ليست في كتاب الله. قيل: إن جواز المفاوضة قد تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، فهي في كتاب الله تعالى، فمن زعم أنه ليس فيه؛ فعليه أن يبين. وأيضا فإن المفاوضة عقد ولا تسمى شرطا. فإن قيل: فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه بغير إذنه، فوجب أن تكون فاسدة، أصله لو اشتركا على أن يضمن كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية، أو مهر، وذلك أن شركة المفاوضة تتضمن ما يلزم أحدهما من ضمان مال الغاصب، (١١٧) وضمان لزوم الآخر ليس فيه إذن من مال واحد منهما لصاحبه بالغصب والضمان. قيل: أما ضمان الغصب؛ فلا يلزم الآخر شيء، وأما ضمان ما ابتاعه لأجل الشركة؛ فالمفاوضة تقتضي إذن كل واحد منهما لصاحبه فيه، كشركة العنان؛ فإنه يتضمن إذن أحدهما للآخر في البيع والشراء.
следующие страницы →