← Фикх малики

Фикх малики · id 1566

عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار - ط أسفار

ابن القصار

Полный текст (3 003 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

المشتري الاسترخاص واستنقاص الثمن، فلم يجز أن يكون الشخص الواحد بائعا مشتريا؛ لأنه لا يمكن أن يطلب الزيادة في الثمن، ويطلب نقصانه والغبن فيه، وإذا استحال أن يجتمع المعنيان في الشخص الواحد بائعا ومشتريا؛ [لم يجز أن يبيعه من نفسه] (١). قيل: ليس يستحيل ذلك في الشخص الواحد إذا كان المبيع لغيره والشراء له؛ لأنه قد يطلب للبائع الذي هو غيره ما ذكرتموه، ويطلب لنفسه ما ذكرتموه.، فإذا عدل أو [جاء بالموكل] (٢)؛ حصل الغرض المطلوب للبائع، ألا ترى أن هذا موجود في الأب يشتري من مال ابنه لنفسه. فإن قيل: فإن الأب لا يطلب الفضل لنفسه مع الابن، ولا يقصد مغابنته (٣). قيل: إننا ننظر فيما عمله الوكيل، فإذا لم يحاب نفسه؛ حصل ما يطلبه البائع، وينبغي إذا زاد أيضا على غيره في القيمة أن يجوز، وأنتم لا تجوزونه مع حصول غرض المالك في البيع، فلم يلزم ما ذكرتموه. وإذا اعتبرنا ما صنعه الوكيل فلم نجده متهما فيما فعله؛ صار في معنى الأب لزوال التهمة عنه في محاباة نفسه، ولا يلزمنا نحن الفرق بين الأب والوصي وبين الوكيل؛ لأن الأمر فيه واحد، وقد قدمنا الكلام على الجميع. والله الموفق.

стр. 2942

* مَسْألة (٣٢): إذا وكله في البيع مطلقا وقال له: "بع"؛ [فعندنا أن ذلك يقتضي بيعه بثمن المثل، نقدا بنقد البلد، فإن باعه بمثل ما لا يتغابن الناس في مثله، أو نَساء، أو بغير نقد البلد] (١)؛ لم يجز بيعه إلا برضا الموكل (٢). وبه قال الشافعي (٣)، وأبو يوسف، [ومحمد، وأحمد،] (٤) وأبو ثور (٥). وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيعه كيف شاء نقدا أو نساء، وبثمن مثله، [ودون ثمن المثل] (٦)، وبما لا يتغابن الناس بمثله (٧)، وبنقد البلد وغير نقده (٨). فأما إذا وكله في شراء عبد؛ فقد اتفقوا مع أبي حنيفة أنه لا يجوز أن يشتريه بأكثر من ثمن مثله، ولا إلى أجل. والدليل لقولنا في البيع وأن للمالك الخيار؛ قد تقدم في البيوع، لأنه

стр. 2943

خلاف على الجماعة. والدليل على عين هذه المسألة؛ هو أنه توكيل في عقد معاوضة؛ فوجب أن لا يجوز فيه التغابن المتفاوت، أصله التوكيل بالشراء؛ لأنه لو وكله بالشراء؛ لم يملك أن يشتري بما لا يتغابن الناس بمثله، فكذلك فيما ذكرناه. فإن قيل: الفرق بين الموضعين؛ هو أنه إذا وكله بالبيع فإن الموكل يملك السلعة ويملك بيعها نقدا أو نساء، وبثمن مثلها وبأقل وأكثر، فجاز أن يملك وكيله ذلك، وليس كذلك الشراء؛ لأن الموكل لا يملك المشترى ولا أن يشتريه بأقل من ثمن مثله، وإنما يملك أن يشتريه بثمن مثله، فلم يكن لوكيله أن يشتري إلا بثمن مثله كالموكل. قيل: لا فرق بين الموضعين؛ لأن الوكيل في الموضعين جميعا يتصرف في مال الموكل؛ لأنه إذا وكله بالبيع؛ ملك بيعه، وإذا وكله بالشراء؛ ملك الشراء بماله، و [للموكل] (١) أن يبيع بثمن مثله وبأقل منه؛ لأن الموكل في نفسه يملك ذلك، فيجب أن يملك الشراء بثمن مثله وبأكثر منه؛ لأن الموكل نفسه يملك ذلك، فلا فرق بينهما. وأيضا فإن كل جهة إذا ملك بها الشراء لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن مثله؛ فإنه إذا ملك بها البيع؛ لم يجز له أن يبيع بأقل من ثمن موكله، دليله الوصية؛ لأن الوصي إذا أوصى إليه بالشراء؛ لم يملك أن يشتري بأكثر من ثمن مثله، [وإذا أوصى بالبيع] (٢) إليه؛ لم يملك أن يبيع بأقل من ثمن

стр. 2944

مثله [ … ] (١) فكذلك الوكيل، بل الوكيل أولى بذلك؛ لأن الوصي آكد وأقوى تصرفا من الوكيل، بدليل أن الوصي لا يملك عزله وصرفه عن تصرفه، والوكيل يملك الموكل عزله عن الوكالة. وأيضا فإن المحاباة تجري مجرى الهبة؛ بدليل أن المريض إذا باع وحابى في البيع؛ وقف مقدار المحاباة على الثلث، ولو وهب شيئا؛ لكان أيضا كذلك معتبرا من الثلث، ثم قد تقرر أن الوكيل إذا وهب شيئا من المبيع؛ لم يجز، وكان بيعه مردودا، وكذلك محاباته في البيع في بعض الثمن، ولا يدخل على هذا ما يتغابن الناس بمثله (٢)؛ لأنه مأذون له فيه، فهو كما لو أذن له أن يهب له منه جزءا. ومما يدل على أنه لا يجوز له أن يبيعه إلى أجل؛ هو أنه لا خلاف أنه لو قال له "بعه نساء"؛ لم يجز، بخلاف لو قال له "بعه نقدا" (٣)؛ كان له ذلك، وإنما الخلاف فيه إذا أطلق ولم يذكر له نقدا ولا نساء، وقلنا نحن: يقتضي بيع النقد، وقال المخالف: لا يقتضي ذلك، فالذي يقطع الخلاف هو معرفة ما يقتضيه البيع المطلق في الشرع، وقد تقرر أن مطلق البيع الشرعي يقتضي [النقد] (٤)؛ بدليل أنه لو قال لرجل "بعتك هذا الشيء

стр. 2945

[نقدا"] (١)؛ لكان كما قال، ولو قال "بعتك هذا [نسيئة"] (٢)؛ لكان كما قال، وإذا قال له "بعتك هذا بكذا وكذا" وأطلق ولم يذكر نقدا ولا نساء؛ اقتضى ذلك بيعا بنقد، فثبت أن مقتضى البيع المطلق النقد (٣)، كحال الموكل مع الوكيل، فقوله له "بع" إذن ببيع مطلق، فوجب أن [يكون ما ينطلق] (٤) إليه، وهو بيع النقد؛ لأنه أذن له في بيع مطلق، وقد تقرر أن البيع المطلق يقتضي النقد، وإذا اقتضى ذلك؛ لم يجز للوكيل [ … ] (٥) اقتضاء الإذن؛ لأن قول الموكل "بع"؛ يقتضي قول الوكيل [ … ] (٦) الأمر. وأيضا فإن العقد إذا كان الثمن فيه مؤجلا؛ كان [ … ] (٧) المثمن فيه مؤجلا، فهو بيع بدين، وإذا كان المثمن والثمن معجلين؛ فإن ذلك بيع حاضر، ثم قد ثبت أنه لو وكله بشراء عبد؛ لم يكن له أن يشتريه إلى أجل؛ لأن مقتضى ذلك النقد، ولم يجز أيضا أن يسلم له في عبد، فكذلك إذا أذن له في بيع عبد؛ وجب أن يكون مقتضاه بيعا حاضرا؛ لأنه مطلق، فلا يجوز بيعه بدين. ومما يدل على أنه لا يجوز أن يبيعه بغير نقد البلد؛ هو أن معرفة النقد لا بد منه، وجهله في عقد البيع يؤذن بفساده، وقد يكون معلوما بالصفة مثل

стр. 2946

أن يقول: "بعتكه بكذا وكذا درهما" [ … ] (١) فإذا لم يوصف وأطلق العقد؛ انصرف العقد إلى نقد البلد، أو الغالب منه مما تباع به تلك السلعة، فإذا كان في البلد نقد معلوم على صفة واحدة؛ صح العقد، وإن كان مختلفا والغالب منه مما تباع به مثل تلك السلعة [معلوم؛ صح العقد] (٢)، وإن كان النقد مختلفا كله؛ فسد العقد إلا أن يتبين أي نقد هو من تلك النقود، وإذا قال الموكل "بع"؛ فقد أطلق ولم يصف النقد، فيجب أن ينصرف ذلك إلى نقد البلد، ويتعلق به أو بما ذكرناه من الغالب أن تلك السلعة تباع به، فلا يجوز للوكيل أن يعدل عن ذلك إلا بإذن. فإن قيل: إن قول الموكل "بع هذه العين"؛ أمر مطلق، وظاهر اللفظ العموم، فعلى أي وجه باع؛ فقد دخل تحت العموم إلا أن يقوم دليل. قيل: قد بينا أن قوله "بع" يقتضي أن يقول له "قد بعتك" مطلقا، وإذا قال الإنسان "قد بعت سلعتي"؛ اقتضى في الشرع بيع النقد، واقتضى أن يكون بنقد البلد، واقتضى أيضا أن يكون فيه حظ للمالك، إذ الوضع يقتضي أن المالك يطلب للنقد والفضل، ألا ترى أنه لو وكله بالشراء؛ اقتضى في الشريعة أن يشتريه بثمن مثله، [وبما] (٣) يتغابن الناس بمثله، وعلى الوصف الذي يقوله في البيع. فإن قيل: الظاهر اقتضى ما يسمى شراء إلا أن يقوم دليل.

стр. 2947

قيل: ليس الدليل أكثر من حمله على مطلق الشرع، فالبيع والشراء في هذا سواء (١). فإن قيل: قول من مكلف، فصح حمله على العموم، أصله قول النبي ﵇؛ لأن قوله إذا احتمل العموم؛ صح حمله عليه، فكذلك في قول الموكل "بع" يحمل على العموم في كل بيع إلا أن يمنع منه دليل. قيل: هذا باطل في الشراء إذا قال له "اشتر" هو قول من مكلف، ولا يصح حمله على العموم. فإن قيل: الدليل على أنه يجوز أن يبيع إلى أجل هو أن الأجل شرط يلحق بالعقد، فصح أن يملكه الوكيل، أصله خيار الثلاث. وأيضا فإن الأجل من صفات العقد، والوكيل يملك صفات العقد، ألا ترى أنه يملك بيعه بدراهم [ … ] (٢) كما يملك بيعه بدراهم سود، فوجب أن يملك بيعه إلى أجل (٣). قيل: قولكم: "إن الأجل شرط يلحق بالعقد فيجب أن يملكه كخيار الثلاث"؛ فإنه باطل بالشراء، فإن الأجل فيه شرط ملحق بالعقد ولا يملكه الوكيل. على أن المعنى في خيار الثلاث هو أن الوكيل يملكه في الشراء فجاز

стр. 2948

أن يملكه في البيع، وليس كذلك الأجل؛ لأن الوكيل لا يملكه. [وأيضا فإنه] (١) باطل به إذا وكله في الشراء؛ فإن الأجل صفة فيه والوكيل لا يمكله. فإن قيل: فإن عادة الناس في البياعات المخادعة وطلب النقصان في الأثمان، وقد علم ذلك الموكل، فلو كان غرضه مقدارا من الثمن؛ لبينه له، ولأنه سمى ما يصح أن يكون ثمنا في بيعه مال موكله، فأشبه إذا باعه بمثل القيمة. ولا يلزم على مثل هذا الوصي والأب؛ لأن تصرفهما من طريق الحكم دون الأمر، فلا يعترض على قولنا. ولا يلزم عنه ما ذكروه في الشراء؛ لأن تصرفه من طريق الحكم دون الأمر؛ بدليل أن أمر الإنسان لا يصح في ملك غيره، ولو جعلناه متصرفا بأمر؛ لصار مأمورا بالتصرف في ملك الغير. قيل: أما قولكم: "إن عادة الناس في البياعات المخادعة وطلب النقصان في الأثمان"؛ بإزائه أن عادتهم في بيع أملاكهم المخادعة وطلب الزيادة في الأثمان لا النقصان، والوكيل وُكل في البيع الذي عادة الموكل فيه المخادعة وطلب الزيادة في الأثمان، وعلى ذلك دخل الوكيل، فلم يحتج الموكل أن يبين له قدر الثمن لجواز أن يبعه بأكثر منه، ألا ترى أن المشتري عادته المخادعة والاستنقاص في الثمن، فإذا وكل في الشراء؛ دخل الوكيل على ذلك، فلم

стр. 2949

يقدر له مقدار ما يشتري به، فلم يملك أن يشتريه بأكثر من قيمة مثله. وأما القياس عليه إذا باعه بثمن مثله؛ فإن المعنى فيه هو أن الوكيل لم يحاب، ولا أزال غرض الموكل. وقولكم: "إنه لا يلزم ذلك الأب والوصي والوكيل بالشراء؛ لأن تصرفهم من طريق الحكم بدليل أن الإنسان لا يملك الأمر في غيره"؛ فإننا نقول: هو إذا أمره بالشراء؛ فقد أمر بالتصرف في ملكه الذي هو الثمن، ومع هذا لم يملكه أن يشتري بأكثر من ثمن مثله، ولو كان هذا صحيحا؛ لكان أيضا إذا وكل في البيع فقد ملكه التصرف في ملك المشتري وهو الثمن، وهذا لا يصح فلما كان إذا وكله في البيع فقد ملكه التصرف في ملك نفسه وهو البيع، وكان في توكيله بالشراء قد ملكه التصرف في الثمن الذي هو ملكه أيضا، ثم لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن مثله؛ لم يجز أن يبيع بأقل من ثمن مثله ولا فرق. فإن قيل: الشراء المانع منه حق الوكيل وهو التهمة التي تلحقه كذلك عليه أن الوكيل بالشراء ينتقل إليه الشيء، ومن جهته ينتقل إلى غيره، فإذا اشترى بثمن كثير؛ فقد حصل مغبونا فيه، فلو ألزم موكله ذلك بأمره؛ لكان قد تخلص من الغبن، فيحصل متهما في تصرفه في حق الغير. قيل: مثله سواء في البيع؛ لأن الوكيل يحصل متهما، والثمن الذي ينتقل إليه من جهته ينتقل إلى غيره، فإذا باع بثمن قليل؛ فقد حصل مغبونا فيه، فلو ألزم موكله ذلك بأمره؛ لكان قد تخلص من الغبن، فيحصل متهما في تصرفه في حق الغير ولا فصل.

стр. 2950

فإن قيل: فإنه ملك البيع في حق من لا يولي عليه؛ فأشبه المالك في نفسه، فجاز تقليل الثمن. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: لا يلزمنا نحن؛ لأن المالك نفسه إذا باع بما لا يتغابن الناس بمثله؛ كان له الخيار في الفسخ أو الإجازة، فله الخيار في بيع وكيله. والجواب الآخر: هو أنه يبطل بالتوكيل في الشراء؛ لأن الوكيل بائع للثمن، فقد ملك بيعه في جواز من لا يولى عليه، فأشبه المالك بنفسه، فلما بطل هذا في الشراء؛ بطل في البيع. فإن قيل: لا يقع عليه اسم مشتري إذا هو باع، فلم يلزم ما ذكرتموه. قيل: أنتم كنتم تطلبون العموم في البيع، والعموم يتناول بيع الثمن كما يتناول بيع المثمن. فإن قيل: على الوكيل أن يملك البيع بثمن إلى أجل لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). ولم يفرق بين الوكيل والمالك. قيل: عنه جوابان: أحدهما: أنه إذا ثبت الدين إلى أجل؛ كتب، وكلامنا في هذا [هل] (٢)

стр. 2951

يثبت هذا الدين أم لا؟ فإذا منعنا منه في الأصل؛ لم يثبت ها هنا دين يكتب. والجواب الآخر: هو أنه خطاب للوكيل، فعليه أن يكتب، أو المندوب أن يكتب، وإذا كتب؛ نظر فيما للبائع، فإن رضي به؛ جاز، وإن أبطله؛ بطل، كما نقول في جهة المشتري، فإن الوكيل إذا اشترى بالدين؛ دخل تحت الآية، ثم لا يلزم موكله ذلك إلا باختياره. فإن قيل: فإن لفظ البيع لا يخلو إما أن يعتبر ظاهره، أو العادة الجارية في المأمور به، فإن اعتبر ظاهره؛ فإن البيع ظاهر في الحال، والموكل يقال باع مؤجلا وباع حالّا، وإن اعتبر بالعادة؛ فإن الناس يتعارفون البيع المؤجل كما يتعارفون الحالّ، فوجب اعتبار العادة فيهما. قيل: إن البيع المطلق يعتبر ظاهره في الشريعة ثم العادة تطابقه، فإذا أطلق "فقد باع"؛ اقتضى النقد؛ لأنه إذا باع بالنَساء؛ قيل: قد باع بأجل، فقيد فأخرج عن إطلاقه. والدليل على ذلك أن البائع إذا قال للمشتري: "هذا الثوب بعشرة دراهم"؛ اقتضى النقد، وإن كان يقال فيه: باع بنقد، وباع بأجل، ألا ترى أن اسم الشراء يصح فيه أن يقال: اشترى بنقد، واشترى بنسيئة، ومع هذا فإذا قال البائع "بعتك" وقال "اشتريت"؛ اقتضى النقد،، ثم كان كذلك في شراء الوكيل، فكذلك يكون في بيع الوكيل، وبالله التوفيق. * * *

стр. 2952

* مَسْألة (٣٣): ومن كان عليه حق لرجل سواء كان ذلك دينا في ذمته، أو عينا قائمة في يده مثل العارية والوديعة، فجاء رجل وقال له: قد وكلني صاحب الحق عليك في قبض ذلك [منك] (١)، وصدقه الذي عليه الحق في أنه وكيل، ولم يكن على الوكالة بينة، فهل يجبر الذي عليه الحق على دفع ذلك إلى الوكيل أم لا؟ لست أعرفها منصوصة [لمالك] (٢)، والصحيح عندي على مذهبه أنه لا يجبر على تسليم ذلك إلى الوكيل (٣). وبه قال الشافعي (٤). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إنه يجبر على تسليم ما في ذمته. وأما الأعيان القائمة؛ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجبر على ذلك. وقال محمد: يجبر كتسليم ما في الذمة (٥). والدليل لما قلناه؛ هو أن الدين ثبت عليه، لا يلزمه دفعه إلى غير

стр. 2953

صاحبه إلا بدليل. وأيضا فإن الدين ثابت في ذمته، وما ثبت في ذمته؛ لا يبرأ منه إلا بإبراء صاحبه أو دفعه إليه، وبدفعه إلى الوكيل لا يبرأ إلا ببينة تثبت بالوكالة، فأما باعتراف من عليه الدين؛ فلا، ألا ترى أن صاحب الحق لو أنكر الوكالة؛ لحلف ولم [يبرأ] (١) الذي عليه الحق، فلا يلزمه دفعه إلى وكيل لم تثبت وكالته؛ كالأعيان الحاضرة. وأيضا فإن الذي عليه الحق إذا اعترف بالوكالة من غير بينة عليها؛ فإنه معترف على غيره، فلا يلزمه ما اعترف به على غيره. ولنا أيضا قوله ﵇: "على اليد ما قبضت حتى ترده" (٢). معناه: إلى من قبضته منه، فدليله أنه ليس عليها أن ترده إلى غيره. فإن قيل: إن المقر بالوكالة مقر بثبوت المطالبة قبله، فوجب أن يلزمه موجب إقراره، مثل من أقر لرجل بدين أن إقراره لما تضمن ثبوت المطالبة له؛ لزمه تسليم المال إليه. قيل: إقراره بالوكالة من غير بينة لا تتضمن ثبوت حق مطالبته في نفسه؛ لأنه يقول: إنما يثبت لك حق مطالبتي بشيء إذا دفعته إليك وأشهدت به عليك؛ برئت من الحق، كما لو دفعته إلى صاحبه وأشهدت به عليه، لأن

стр. 2954

الوكيل يقوم مقام الموكل في القبض وإبراء من عليه الحق، فلما كنت لو دفعته إليك لم أبرأ منه لجواز أن ينكر صاحبه الوكالة فيأخذ مني الحق ثَم؛ لم يكن إقراري بالوكالة يثبت لك به حق مطالبتي بذلك. فإن قيل: الفرق بين الأعيان وما في الذمة؛ هو أن الإقرار بالدَّين اعتراف بثبوت المطالبة قبله، فهو مقر بحق عليه فلزمه، ألا ترى أن ما يعطيه هو غير ماله، ولو حضر الموكل فجحد؛ لكان دينه بحاله كما كان، فأما الأعيان الحاضرة فاعترافه فيها اعتراف على العين، ولو سلمها بحضر [ … ] (١) وجحد كانت العين التي أخذها الوكيل تالفة، فلم يقبل إقراره في جواز الغير وإن أجاز إقراره على نفسه. قيل: قولكم: "إن الإقرار بالدين اعتراف بثبوت حق المطالبة قبله"؛ فإننا قد بينا أنه لا يثبت به حق المطالبة قبله، فإنما يثبت على الوجه الذي إذا وقع ما توجبه المطالبة سقط الدين عن الذمة، كما لو دفع إلى صاحبه، فصار ها هنا مقرا في حق الغير فلا يقبل، فلا فرق بين هذا وبين الأعيان الحاضرة، ألا ترى أنه في الجميع يبرأ بالدفع على صاحبه، ولا يبرأ بدفعه إلى هذا الوكيل. فإن قيل: إن الذي اعترف بالوكالة مقر على نفسه وعلى غيره، فما اعترف به على نفسه؛ جاز، ولا يعتبر فيه جواز أن يحضر الغير فيستحقه، يدلك عليه أن من أقر بعين لإنسان، ثم ادعى أن هذه العين قد ادعاها فلان، وله بينة في ذلك، فأنا لا أسلم مخافة أن يستحقها ويطالبني بها؛ لم يكن له

стр. 2955

ذلك، وإن كان فلان متى أثبت ما يدعيه؛ لم يبرأ الدافع مما دفعه بنفسه إلى المقر له. قيل: قد ذكرنا أنه ليس معترفا على نفسه بشيء يلزمه، وإنما هو معترف بجواز تصرف الوكيل في مال الموكل بغير بينة، وإقراره على الموكل لا يقبل؛ لأنه يقول للوكيل: إقراري لك بجواز التصرف وقبض مال الموكل إنما يقبل متى إذا كنت أبرأ بدفع المال إليك، كما أن إقراري لصاحب الحق بدينه يبرئني إذا دفعته إليه، فلما كان دفعي إليك لا يبرئني؛ صار إقراري بالوكالة اعترافا في حق الغير لا اعترافا على نفسي، لأن اعترافي على نفسي بشيء أبرأ به إذا دفعته كما أبرأ بدفعه إلى الموكل، فلما كنتَ لا تقوم مقام الموكل في إبرائي؛ لم يلزمني دفع الدين إليك، فدل على صحة هذا إذا كان للوكيل بينة على الموكل بالوكالة لبرئ الدافع بدفع الحق إلى الوكيل، وبعدم البينة وإقراره لا يبرأ، فلم يجبر على الدفع. فأما من أقر أن هذه الدار لفلان، ولكن فلان قد ادعاها وله بينة بذلك؛ فإننا نقول: إن فلانا إذا أقام البينة؛ أخذها من يد من أقررت أنت أنها له، وأنت تكون بمنزلة شاهد، فإن لم تقبل شهادتك؛ لم يلزمك شيء، اللهم إلا أن يقر بها الإنسان، ثم يقر بها للآخر، فإنه قد أتلف بإقرار الأول على الثاني ما أقر به، فلزمه ما أتلف بإقراره، وبإقراره بالوكالة نقول: إنما أقر لك بشيء إذا ثبت برئت بالدفع إليك كما لو كانت البينة ثابتة على الوكالة، فأما إذا لم أبرأ؛ فلا يلزمني بإقراري لك بالوكالة شيء؛ لأنه إقرار على غيري، فأخذك ما تستحقه علي فلا يقبل إقراري.

стр. 2956

ويجوز أن نقول: إن الذي عليه الحق إنما يلزمه الدفع الذي يبرأ به، ألا ترى أنه لو كان عليه بينة يطالبه صاحبه به؛ لكان له أن يمنعه حتى يحضر تلك الوثيقة وتسقط شهادة الشهود؛ لأن مجرد الدفع لا تبرأ ذمته في الحكم، لأنه متى أراد صاحب الحق بعد قبض حقه أن يقيم عليه البينة ويأخذ حقه منه مرة أخرى؛ أمكنه ذلك، فكان لمن عليه الحق أن لا يدفع إلا دفعا يبرأ به، فكذلك إذا أقر بالوكالة؛ لم يلزمه أن يدفع إلا دفعا تبرأ به ذمته من المطالبة، كما يدفع على صاحبه. والله أعلم. * * *

стр. 2957

* مَسْألة (٣٤): من كتاب الإقرار الإقرار (١) [بالدين] (٢) في الصحة والمرض يتحاصّون (٣) جميعا على قدر حقوقهم، أما إذا كانت التركة تفي الجميع؛ فلا خلاف أنهم جميعا يستوفون ديونهم، وإنما الكلام فيه إذا لم يخلف وفاء (٤). فعندنا وعند الشافعي أنهم جميعا يتحاصون في الموجود على قدر ديونهم (٥). وقال أبو حنيفة: غريم الصحة مقدم على غريم المرض، فيبدأ باستيفاء حقه، فإن فضل منه شيء؛ صرف الفضل إلى غريم المرض، وإن لم يفضل شيء؛ فلا شيء له (٦).

стр. 2958

وهذا عندنا نحن إذا كان الإقرار لمن لا يتهم فيه، وأما إذا كان لوارث متهم فيه، مثل أن يقر لزوجته بدين، أو ليتيمه، أو لبعض ولده ممن يتهم في شأنه؛ فإن إقراره غير مقبول (١). وعند أبي حنيفة لا يقبل إقراره لوارث أصلا، والشافعي في إقراره في المرض على قولين إذا كان لوارث (٢). والدليل لقولنا في هذه المسألة (٣) هو أن كل إقرار لو ثبت في المرض بالبينة ساوى ما ثبت مثله في الصحة؛ جاز إذا ثبت في المرض بإقراره أن يساوي ما ثبت في حال الصحة بإقراره، أصل ذلك الإقرار بوارث. ونقول أيضا: لا خلاف بيننا أن هذا المريض لو أقر بوارث؛ للزم إقراره، وورث هذا الوارث كما يرث المقر به في الصحة، كذلك يجب في الإقرار بمال قبله لاستوائهما مع ثبوت البينة. ونقول أيضا: هو دين لزمه في حال مرضه؛ فوجب أن يساوي حكم الدين الذي لزمه في صحته، دليله إذا قامت به البينة في المرض، وجميع ما يذكرونه يفسد بالبينة. وأيضا فإننا قد وجدناه في هذه الحال قد انتفت عنه جميع التهم، وهي حالة يتخوف الإنسان فيها، ويتخوف الورود على الله تعالى، فلم تبق حال

стр. 2959

يتهم فيها أنه قصد إبطال حق الغرماء، فلا فرق بين إقراره وبين قيام البينة عليه وإقراره في الصحة، بل إذا انتفت عدالتهم الظاهرة؛ فهو في المرض أولى أن يقوى إقراره. فإن قيل: إن التصرف في حال الصحة أقوى وآكد منها في حال المرض، بدليل أنه يتصرف في الصحة بهبة جميع المال أو صدقته وينفذ ذلك، ولا ينفذ في حال مرضه، فإذا كان الإقرار في الصحة [أقوى] (١)؛ وجب أن يكون مقدما على الإقرار في المرض. وأيضا فإن حقوق الغرماء تتعلق بعين المال بنفس المرض، وإذا أقر في مرضه بحق يثبت بعد تعلق حقوق [غرماء] (٢) الصحة بعين المال؛ فوجب أن يكون مؤخرا عن حقوقهم. قيل: قولكم: "إن التصرف في حال الصحة آكد منه في حال المرض بدليل جواز هبة ماله"؛ عنه جوابان: أحدهما: أننا لا نسلم أن التصرف في حال الصحة على الإطلاق آكد منه في المرض؛ لأن التصرف الذي هو آكد من حال المرض هو التصرف بالإتلاف من الهبة والصدقة، فأما التصرف بالإقرار إذا لم يظهر فيه تهمة؛ فهو في الصحة والمرض سواء، ليس أحدهما أقوى من الآخر؛ إذ لو كان في الصحة أقوى من المرض؛ لوجب أن لا يقبل الذي في المرض أصلا، كما نقوله نحن إذا أقر في مرضه لمن يتهم في بابه.

стр. 2960

ويدل على صحة هذا إقراره بوارث لما كان تصرفا بإقرار لا تهمة في ظاهره؛ كان حكمه في الصحة والمرض سواء. والجواب الآخر: هو أن ما ذكرتموه باطل بالبينة، وذلك أن التصرف في الصحة آكد منه في المرض، ومع هذا لا فرق بين البينة في الصحة وبينها في المرض. وأما قولكم: "إن حقوق غرماء الصحة تتعلق بالعين بنفس المرض"؛ فإننا نقول: إن حقوقهم لا تتعلق بعين مالهم، وإنما تتعلق بأعيان التركة بعد الموت، ألا ترى أنه لو لم يكن عليه غرماء؛ لكان على الصفة التي تكون عليه فيها غرماء هبته وصدقته بجميع ماله لا ينفذ، ونقض عقد الهبة بجميع ماله لا يدل على تعلق حقوقهم بالعين، ألا تري أن المريض يهب ويتصدق ويستدين في مرضه، ثم يموت ولا يفي ماله بدين فتبطل هبته وصدقته، ثم لا يدل هذا على أن هذا الدين كان متعلقا بعين ماله حتى تصرف فيه بالهبة والصدقة. [فإن قلتم: إن المفلس إذا حكم عليه بالفلس ثم أقر بدين؛ قدم غرماؤه] (١) الذين كانوا قبل الحجر قد أقر لهم، كذلك إذا أقر المريض لم يشارك المقر له غرماء الصحة. وأيضا فإنه متهم؛ لأن الإنسان قد يميل إلى بعض ورثته أكثر مما يميل إلى الآخرين، فتلحقه التهمة في هذا الإقرار في قصده إلى منع المال عن بعضهم.

стр. 2961

قيل: إن المفلس إذا أقر بعد الحجر؛ إنما أخر المقر له عمن تقدمه قبل الحجر؛ لأن البينة لو قامت له بذلك؛ لم يشركهم وكان مؤخرا، كذلك الإقرار له بعد الحجر، وليس كذلك المريض؛ لأنه لو قامت للمقر له بينة بدينه؛ لشارك غرماء الصحة، كذلك إذا ثبت إقراره. وجواب آخر: وهو أن المفلس ذمته باقية، والمال يغدو ويروح، وفي الموت تبطل الذمة، فلا يبقى للمقر له ذمة يرجع إليها. وفرق آخر بين المفلس وبين المريض: وهو أن المفلس محجور عليه، ممنوع من التصرف في ماله، ألا تري أنه لا يجوز له أن يبيع ماله وإن كان بثمن مثله، فإذا كانت هذه منزلته؛ كان إقراره في هذه الحال مؤخرا، فلم يساو حكم من ثبت له عليه قبل الحجر والفلس، وليس كذلك المريض؛ لأنه غير محجور عليه في بيع ماله بثمن مثله، وله أن يقر على نفسه من ماله ما يحتاج إليه ولا بد له منه، وإن أدى إلى فناء ماله، فلهذا كان إقراره في مرضه غير مؤخر. وقولكم: "إن المريض متهم؛ لأنه قد يميل إلى بعض ورثته"؛ فإننا نقول: إن كل موضع تدخله التهمة فيه؛ فإن إقراره غير مقبول أصلا بعد الموت (١)، إلا أن يجيزه الورثة فإنه يقبل إقراره فيما لا تهمة فيه في الظاهر، فلا يلزم ما ذكرتموه. فإن قيل: [إن المريض الذي لا دين عليه لما لم يتعلق بثلث ماله حق

стр. 2962

لورثته؛ لم يمنع من] (١) التصرف فيه على وجه التبرع، ولما تعلق حقهم في مقدار الثلثين؛ منع من التصرف لحقهم، فكذلك حق الغرماء لما منع التصرف في جميع المال في حال مرضه؛ دل ذلك على تعلق حقهم به. وأيضا فإن من كان صحيح القول متى منع من التصرف في ماله بحق غيره على وجه كان ذلك جائزا له؛ فإن ذلك المنع يدل على تعلق حق الغير بماله أو بالحادث منه، يدلك عليه الراهن والمؤاجر، ولما منع في حين المرض بحق غرمائه؛ دل ذلك على تعلق حقهم بماله (٢). قيل: قولكم: "إن المريض الذي لا دين عليه لما لم يتعلق بثلث ماله حق لورثته؛ لم يمنع من التصرف فيه، ولما تعلق حقهم بالثلثين منع من التصرف لحقهم، فكذلك هو ممنوع لأجل الغرماء"؛ فإننا نقول: إنه ممنوع من تنفيذ الثلث، غير ممنوع من الوصية به، ولا يدل ذلك على أنه إذا طرأ عليه دين في مرضه؛ أن الثلث لا يبطل، وكذلك هو ممنوع من الثلثين بجواز أن يطرأ دين يبطل أن يكون للورثة حق، ويجوز أن يحدث وارث آخر، وأن يموت ورثته قبله، فيصير الثلثان لوارث آخر، ومع هذا كله لو طرأ عليه دين بإقراره ولم يتقدمه دين قبل المرض؛ لكانت التركة كلها مصروفة في دينه الذي أقر به فى مرضه، فلما كان دينه الذي يقر به في مرضه يبطل جميع وصيته بالثلث ويبطل الثلثين؛ وجب أن يساوي دين الصحة؛ لأن هذه أيضا صورته ومرتبته.

стр. 2963

وعلى أننا نحن أيضا نمنع الصحيح من إخراج ماله على غير معاوضة إذا كان عليه دين يستغرق ما في يديه، ولم يكن ذلك لأن حقوق الغرماء تتعلق بالأعيان. وأما الراهن والمؤاجر؛ فإن الحق تعلق بالأعيان، وقد بينا أن حقوق الغرماء لا تتعلق بالأعيان إلا بعد الموت وخراب الذمة والفلس على وجه، ثم قد بينا أن إقراره بالدين في المرض قد يتعلق بالأعيان كما يتعلق بها دين الصحة، ألا تري أنه لو لم يكن عليه من الدين إلا ما أقر به في المرض؛ لصار الدين أحق بالتركة من الورثة كما لو انفرد دين الصحة. وعلى أننا لو قلنا: إن الدين في الموت أيضا لا يتعلق بأعيان التركة؛ لكان صحيحا، لأن للورثة أن يقضوا الدين من أموالهم وتكون الأعيان لهم، ثم لو تلفت الأعيان؛ لم يسقط دينهم؛ لأنه لو طرأ للميت مال من وصية أو هبة؛ فقضينا منه الدين، لم يتعلق بأعيان التركة، إذ لو تعلق بها؛ لتلف بتلفه، ولم يكن للورثة أن يقضوا الدين من أموالهم ويأخذون أعيان التركة. فإن قيل: إن حق الغرماء لا يتعلق بالمال في منع التصرف، وإنما يتعلق بما يوفيه المالك حقه على تمامه ووفائه، وتصرفه يؤدي إلى تسهيل هذا المعنى، فلم يؤد ذلك إلى إبطال حقه، وتعلق الحقوق بالمال على ضربين: منه ما يتعلق بالمال على وجه منع المالك من التصرف فيه مثل حق المرتد.

стр. 2964

و [ضرب] (١) آخر يتعلق بالمال، لكن يتصرف فيؤدي حقه منه، وهذا لا يؤدي إلى الحجر، ولا يقال حق يتعلق بالمال يملكون أخذه وإمساكه كالرهن؛ لأن هذا الحق تعلق بعين المال على وجه للمالك نقله عنه إلى غيره، فيصير ذلك كالجناية المتعلقة برقبة العبد، فلا ينفي ذلك جواز تصرف المولى ومنع [ … ] (٢) الجناية حتى يختار المولى ذلك، وإذا ثبت بما ذكرناه أن حق غرماء الصحة تعلق بعين المال؛ كان حقهم مقدما على حق غيرهم؛ لأن أحدا لا يفصل بين الموضعين؛ لأن تعلقهم بالمال لما سبق دين المرض؛ وجب أن يكونوا [أولى كالراهن] (٣) لما سبق حقه إلى العين قبل ثبوت دين المرض؛ كان هو أولى بالتقديم. قيل: قولكم: "إن حق الغرماء لا يتعلق بالمال في منع التصرف وإنما يتعلق به لتوفية الحق إلى آخر الفصل"؛ فإننا نقول: قد حصلت القضية معكم، أخبرونا أليس لو لم يكن عليه دين؛ كانت هذه صفة لا تمنع من التصرف على هذا الوجه، ويمنع من هبة جميع ماله، وله أن ينفق على نفسه وإن أدى إلى فناء ماله، فإذا كانت هذه صفته، لا فرق فيها بين أن يكون عليه دين أو لا دين عليه؛ علم أنه لم يكن محجورا عليه من أحد الغرماء، ولا تعلق حقهم بالعين، إذ لو تعلق بها؛ لأثر في تصرفه تأثيرا تبين به الفرق بين كون الدين عليه وبين عدمه، فإذا كان هذا هكذا؛ استوى حكم دين الصحة والمرض كما يستوي بالبينة، والرهن بخلاف هذا؛ لأنه يمتنع من

стр. 2965

بيعه ومن التصرف فيه، مع كون الدين في الذمة لا متعلقا بعين الرهن، وإنما له إمساك الرهن والمنع من التصرف فيه ليستوفي حقه، والمريض ليس ممنوعا من التصرف ليستوفي منه الحق، وأما العبد الجاني؛ فإن الجناية تعلقت بالرقبة، ثم لو جنى العبد جناية أخرى قبل الحكم على الأولى؛ لتعلقت الجناية الثانية بالرقبة كما تعلقت الجناية التي قبلها، ولم يكن للمتقدمة مزية على الثانية، فكذلك دين الصحة والمرض، ولو لزم ما ذكرتموه في البينة؛ لتقدم حق [غرماء] (١) الصحة وتعلقه بالأعيان قبل تعلق الحق الثاني بالبينة. والله أعلم. * * * * مَسْألة (٣٥): إذا أقر المريض لوارث بدين؛ نظر؛ فإن كان لا يتهم فيه؛ قبل [إقراره، مثل أن تكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين؛ فإنه يقبل، ولو كان إقراره ليتيمته؛ لم يقبل؛ لأنه متهم في أن يزيد لبنته على حقها من الميراث، وينقص ميراث ابن عمه] (٢)، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على بنته فيقبل إقراره (٣).

стр. 2966

[وقال أبو حنيفة: لا يصح إقراره] (١) لوارث بحال (٢). واختلف أصحاب الشافعي؛ فقال بعضهم (٣): يجيء على قولين، ومنهم من قال: يلزم قولا واحدا (٤). والدليل لقولنا؛ هو أنه يتهم في إقراره لبنته إما لينقص ابن العم ويكون ماله [يستغرقه] (٥) الدين، فيعلم أن ورثته لا يستحقون شيئا مع الدين، فيقر لوارثه بدين ليحاص به، فيصير إليه من التركة ما لم يكن يصير إليه لولا إقراره، فلم يقبل لهذه العلة، ومعلوم أن الإنسان مطبوع على الميل إلى بعض الوارثين أكثر من بعض، وعلى الميل إليهم دون الأجانب. وأيضا فإن المريض محجور عليه إما لأجل ورثته، أو لأجل ديون عليه، أو تطرأ عليه. والدليل على أنه محجور عليه في الدين -كما ذكرنا- هو أن هبته لجميع ماله وصدقته به؛ لا تصح، فإذا كان محجورا عليه؛ لم يقبل إقراره في المرض الذي يتهم فيه. فإن قيل: كل من صح إقراره لغير الوارث؛ صح إقراره للوارث؛

стр. 2967

كالصحيح، وعكسه المجنون والمحجور عليه بسفه (١). قيل: إن الصحيح غير محجور عليه، ألا ترى أنه يصرف ماله كله في العطية والهبة إلى وارث وغير وارث، فالتهمة عنه زائلة، والمريض محجور عليه، فيتهم في إقراره للوارث على الوجه الذي ذكرناه. وعلى أننا نقول بموجب هذه العلة؛ فيجوز إقراره للوارث في الموضع الذي تنتفي عنه التهمة، مثل أن يقر لابن عمه بدين وله بنت؛ فإن هذه العلة منتقضة، وذلك أن المريض لو قال: كنت وهبت لزيد بن عبد الله - رجل أجنبي - سلعة، وأقبضته إياها، ثم إنني أتلفتها عليه؛ لكان هذا الإقرار منه لازما، ولو أقر بهذا الإقرار لوارث؛ لم [يلزم؛ لأن] (٢) تهمة المريض له لا تصح. فإن قيل: هذا لا يلزم على علتنا؛ لأننا عللنا (١٧٧) لعين المقر، ولم نعين لعين الإقرار؛ لأننا قلنا: كل شخص، ولم نقل: كل إقرار. قيل: قولكم ألزمناكم إلا عين المقر (٣)؛ لأنه هو بعينه لو أقر لأجنبي بما ذكرناه وأقر للوارث بمثل ذلك؛ قبل إقراره لأجنبي، ولم يقبل إقراره للوارث، وعين المقر عين واحدة وإن اختلفت أشخاص المقر لهم، كما أن إقراره للوارث عندكم بمنزلة إقراره للأجنبي، وشخصاهما مختلف، وعين المقر واحدة، لأنكم قلتم: كل من صح إقراره لغير وارث؛ صح إقراره لوارث.

стр. 2968

فإن قيل: كل من صح منه الإقرار بوارث؛ صح منه الإقرار لوارث، أصله الصحيح. قيل: نحن كذا نقول في إقراره بالوارث إن كان يتهم فيه؛ لم يقبل إقراره، مثل أن لا يكون له وارث وله عبد مملوك أصله من بلد لم يدخله المولى، فيقر أنه ولده بميله إليه وإقباله عليه، فلا فرق في موضع التهمة بين إقراره بوارث وبين إقراره لوارث، وإذا لم يتهم؛ قبل في الموضعين جميعا. فإن قيل: كل من صح إقراره له في الصحة؛ صح إقراره له في المرض، أصله غير الوارث. قيل: قد ذكرنا أنه لو صرح بالتهمة في الصحة بأن يهب ماله كله للوارث؛ صح، وفي المرض لا يصح، فاختلف حكم الصحة والمرض، فلما كان في المرض لا تصح هبته؛ لم يصح إقراره له؛ [لأنه] (١) متهم أن يقصد ما منع منه. فإن قيل: لا خلاف بيننا أن المريض لو أقر بوارث؛ لصح إقراره، ووجدنا الإقرار بوارث يتضمن لا محالة الإقرار بثلاثة أشياء: بالنسب، والولاية؛ وهو أنه إذا مات صلى هو عليه، والإقرار بالمال أيضا؛ لأنه إذا ثبت وارثا؛ أخذ ماله إذا مات، فإذا كان إقراره بوارث يتضمن الإقرار بالمال وشيئا آخر؛ فإذا أقر بمال له فهو أولى أن يصح، وهو معنى صحيح. قيل: قد ذكرنا أنه لا فرق بين إقراره لوارث وبين إقراره بوارث في

стр. 2969

المرض؛ لأنه متهم (١٧٨) فيه، فأغنى عن إعادته، فلم يلزم ما ذكرتموه. وعلى أن العادة أن الإنسان يقصد تخصيص وارث ببعض ماله، ولم تجر العادة بأن يقر بنسب لا أصل له، وإذا كان كذلك؛ حصلت التهمة في الإقرار بالدين. وأيضا فليس العادة أن يدخل في قبيلته من ليس منها، ولا أن يوصل نفسه بمن نسب بينه وبينه، وقد يخص وارثه بزيادة المال. فإن قيل: إننا وجدنا المريض أبعد في التهمة من الصحيح، فإنه في حال يرِد على الله جل اسمه، فهو في هذه الحالة يتجنب المعاصي ما لا يتجنبه في حال الصحة (١)، فإذا أقر بحق لوارث؛ حمل على الحق الذي لا يجوز غيره؛ لانتفاء التهمة منه. قيل: لو كان المريض على ما تذكرونه (٢)؛ لجاز إقراره في المسألة التي ذكرناها إذا أقر أنه وهب في صحته لوارث له سلعة وصفها وأقبضه إياها ثم أتلفها عليه، كما يقبل هذا الإقرار لأجنبي، فلما قبل إقراره بذلك لأجنبي، ولم يقبل للوارث؛ ثبت أن التهمة غير منتفية عنه ونقول أيضا: إن المرض يوجب حجرا في حق ورثته؛ يدلك على ذلك أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات لا يملك وضعه لوارثه

стр. 2970

على وجه الهبة والمنحة، فدل ذلك على ثبوت الحجر عليه فيه لأجله، ألا ترى أنه لو لم يكن محجورا عليه [لملك] (١) أن يضع حقه حيث أراد، يبين ذلك حال صحته لما كان غير محجور عليه في حق وارثه [ملك] (٢) أن يضع ماله فيه حيث يريد على ما يريد. ونقول أيضا: إن إقراره على الوجه الذي ذكرناه نتهمه في تفضيل أحد الوارثين فيما يستحقه على صاحبه بقوله، فأشبه أن يوصي له بمال، فلا يجوز. وأيضا فإن حال المرض حال يقصد الإنسان فيها بطبعه إلى تفضيل بعض ورثته، فإذا أقر له بمال على الوجه الذي ذكرناه؛ فالظاهر منه أنه يقصد تفضيله بالإقرار عوضا (١٧٩) [عما لا يلزمه إليه] (٣) بوصيته أو بهبته، وإذا كان ظاهر أمره تخصيصه بأن يقوم مقام ما منع منه؛ صار كالوصية التي ظاهرها التوصل إلى تفضيله بإقامة الوصية مقام ما منع من تفضيله بالميراث، فإذا منع من أحد الأمرين؛ وجب أن يمنع من الآخر. فإن قيل: إن الإقرار إخبار عن واجب قد سبق؛ فأشبه إقراره لأجنبي. قيل: إن الإقرار إخبار أن المقر له أحق بالشيء من المقر ومن غيره، ويحتمل أن يكون لأمر سابق، ويحتمل أن يكون لحق واجب في الحال، فسقط اعتبار الأمر بما سبق. ويبطل أيضا ما ذكروه بمن أقر في مرضه بعين عبد له في صحته، أو

стр. 2971

أنه كان وهب هذا العبد من وارثه؛ فإنه لا يصدق فيه (١). * * * * مَسْألة (٣٥): إذا مات رجل وخلف [ابنين] (٢)، أو ثلاثة، أو أكثر، فأقر أحدهم بأخ آخر، وأنكر الباقون؛ فإن نسبه لا يثبت عندنا ولا عند [أبي حنيفة و] (٣) الشافعي. ولكنه عندنا وعند أبي حنيفة يشاركه فيما في يده بإقراره أنه أخ مثله، وابن للميت كما أنه هو ابنه (٤). وقلنا نحن: [يعطيه] (٥) الذي أقر مما يأخذه مقدار ما يصيبه من الميراث بقدر قسطه مما يصير له (٦).

стр. 2972

وتقدير المسألة: رجل مات وخلف [ابنين] (١)، فأقر أحدهما بثالث؛ فإن المقر يعطيه ثلث ما في يده، وهو الذي يصيبه من حقه لو أقر له الآخر أو قامت به البينة. وقال أبو حنيفة: يعطيه نصف ما في يده (٢). وقال الشافعي: لا يأخذ شيئا من الميراث أصلا (٣)؛ لأن نسبه لم يثبت (٤). فنتكلم أولا على الشافعي في استحقاقه القدر الذي أقر به أخوه. والدليل لقولنا؛ هو أن قول المقر "هذا أخي" يتضمن إقرارا بشيئين: أحدهما: النسب، والآخر الإرث، وأنه شريكه فيه، والإقرار إذا تضمن شيئين؛ جاز أن يقبل أحدهما ويرد الآخر، إن كان أحدهما إقرارا على نفسه، والآخر إقرارا على غيره، فإقراره بالنسب هو إقرار (١٨٠) على الميت، وإقراره بالميراث وأنه شريكه فيه إقرار على نفسه، فيقبل إقراره على نفسه، ولا يقبل إقراره على غيره، فهذا بمنزلة ما لو قال: بعت هذا العبد منك بألف درهم و [أعتقتُه] (٥)، والآخر ينكر ذلك، فقد حصل إقراره بالعتق وأنه يستحق الثمن

стр. 2973

على المبتاع، فلم يقبل إقراره في الثمن على المشتري لأنه إقرار على غيره، وقبل في العتق؛ لأنه إقرار على نفسه بأن العبد حر. وهو أيضا بمنزلة ما لو قال لعبده: أعتقتك على ألف درهم، وقال لزوجته: طلقتك على ألف درهم، وكل واحد منهما منكر، فإن العبد يعتق عليه، وتطلق الزوجة، ولا يثبت عليهما شيء من الدراهم، فقد قبل قوله في تحريم ذلك على نفسه، [ولم] (١) يقبل إقراره عليهما. وهو أيضا بمنزلة قوله لزوجته إنها أخته؛ فإن النسب لا يثبت، ويثبت تحريمها عليه. وإذا كانت هذه الأصول تشهد على ما ذكرناه؛ كان كذلك في قوله: هذا أخي ووارث معي، وكذلك لو قال لإنسان: بعتك إياك بألف درهم، وأنكر ذلك الشراء، لم يقبل قوله في البيع، وقبل في كونه حرا، كذلك أيضا لا يقبل قوله في نسب أبيه، ويقبل في ثبوت الإرث معه واستحقاق ما في يده. وأيضا فإن الإرث يتعلق بالتركة كما أن الدين يتعلق بها، ثم قد ثبت أنه لو قال: لفلان على والدنا المتوفى دين، وأنكر باقي الورثة؛ قبل قوله في نصيبه، ولم يقبل في نصيب غيره، كذلك قوله: هذا أخي؛ يتضمن الإرث، فوجب أن يقبل قوله أنه يستحق بعض ما في يده، وإن لم يقبل على غيره إذا لم يحكم ببطلان قوله. وأيضا فإن الإرث يستفاد بأمرين: بنسب وسبب، فأما النسب؛ فمعروف،

стр. 2974

وأما السبب؛ فالزوجية، ثم قد ثبت أنه لو قال: هذه المرأة زوجة أبينا، توفي وهما على الزوجية، لا أعلم أنها بانت منه، وأنكر باقي الورثة؛ فإن قوله لا يثبت في الزوجية، ويقبل (١٨١) في نصيبه مما في يده من الميراث (١)، كذلك إقراره بالنسب (٢). وأيضا فإن الإرث قد يصح للحمل، ويتعلق بغرر وخطر، فوجب إذا أقر به؛ أن يقبل في نصيبه وإن لم يقبل في نصيب غيره، كالوصية لو قال: "أوصى أبي بثلاثة"، وأنكر باقي الورثة؛ فإنه يقبل قوله في نصيبه الذي في يده، وإن لم يقبل في أنصبة الباقين، كذلك في الإرث لأنه لم يحكم بكذبه. وأيضا فإنه إقرار بمال لم يثبت فيه كذبه، مضاف إلى جهة؛ فوجب أن يكون عدم الحكم بصحة تلك الجهة لا يؤذن ببطلان إقراره، أصله إذا قال: هذا العبد لفلان أودعنيه، وقال السيد: لا! بل غصبنيه؛ فإنه قد أقر بالعبد له، وأضاف إقراره إلى كونه وديعة، فلم يحكم بأنه وديعة، ومع هذا فقد صح الإقرار به، كذلك أيضا عدم الحكم بالنسب لا يبطل إقراره بالملك. فإن قيل: فإنه أقر بحق له في مقابلة ذلك الحق حق عليه، لا ينفك

стр. 2975

أحدهما من الآخر، فوجب إذا لم يقبل قوله في الحق الذي له؛ أن لا يقبل في الحق الذي عليه، أصله إذا قال: "بعت هذه الدار من زيد بألف درهم"، وأنكر زيد الشراء، فإنه أقر لزيد بحق وهو كون الدار له بالشراء، وادعى في مقابلة الدار حقا هو الثمن، فلما لم يثبت له الثمن؛ لم يثبت عليه استحقاق المثمن. كذلك قوله: "هذا أخي" إقرار للمقر له بحق، أي أنه يشاركني فيما في يدي؛ لأننا أخوان ورثنا جميعا من أبينا، وادعى لنفسه في مقابلته حقا هو إذا مات هذا المقر له ورثه المقر؛ لأنه إذا ثبتت الأخوة؛ فمحال أن يرث أحدهما من أبيه ولا يرث الآخر، مع استواء حرمتهما وسلامة الحال، ومحال أن لا يرث كل واحد منهما صاحبه، فهو لا محالة إقرار بحق عليه وبحق له، فالحق الذي عليه هو أن المال الذي في يده يشاركه فيه المقر له، والحق الذي له هو أن هذا المقر له إذا مات ورثه، (١٨٢) ولا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأنه لا يجوز أن يرثا جميعا من أبيهما ثم لا يرث كل واحد من صاحبه مع سلامة الحال، ثم لا خلاف أن حقه لم يثبت؛ لأنه لو مات المقر له لم يرثه المقر بالإجماع، فوجب أن لا يثبت الحق الذي عليه، وفي البيع لا ينفك الثمن من المثمن أيضا، والثمن حق له، والمثمن حق للمشتري (١). قيل: أما قولكم: "إن المقر أقر بحق في مقابلته حق له"؛ غلط؛ لأن المقر اعترف أن هذا المقر له ورث من أبيه، وهذا لا يفيد أن الميت يرث منه، ولا يصح ذلك فيه، فإن كان المراد بقولكم "في مقابلته حق" هذا

стр. 2976

الموضع؛ فليس ذلك بشيء، وإن كنتم تريدون في حقهما؛ فإن المقر لم يعترف بأن هذا الميراث مأخوذ منه حتى يتضمن إقراره أنه يرث من الآخر. وعلى أن إقراره تضمن أنهما وارثان، وأن كل واحد يرث من صاحبه متى مات بلا وارث، فيقبل قول كل واحد منهما في إثبات الميراث من صاحبه وإن لم يثبت نسبه. وقولكم: "لا ينفك أحدهما من الآخر"؛ غير صحيح؛ لأن أحد الأخوين قد يرث من صاحبه، ولا يرثه صاحبه إذا كان قاتلا، فبطل قولكم: إن الميراث في إحدى الجهتين لا يثبت منفردا عن حكم الأخرى (١). وأيضا فإنه يبطل بالمشتري يدعي أن بائعه قد أعتق ما باعه؛ فإنه لا يصدق في الثمن، وقد اعترف بحق هو العتق في مقابلته حق آخر وهو الرجوع بالثمن، وأحدهما لا ينفك عن الآخر، وهو أننا متي حكمنا بالحرية في حقهما؛ لم ينفرد عن رد الثمن. وعلى أن إقرار هذا المقر قد تعلق به استحقاق؛ بدليل أن للمشتري أن يشتريه فيستحق المبيع، فإقراره يتعلق به الاستحقاق، فأما أن يأخذ [أحدهما] (٢)؛ فليس هذا من كلامنا في شيء؛ لأنهما لو تصادقا على البيع؛ لم يكن (١٨٣) له أخذ المبيع إلا بعد الثمن، ولو ثبت النسب ببينة؛ كان له أخذ الميراث، فبان أن افتراقهما من هذا الوجه لا يمنع تعلق الاستحقاق بفعلهما.

стр. 2977

فإن قيل: لا يدخل على علتنا شيء من هذه المسائل التي ذكرتموها؛ لأننا قلنا في علتنا: "مع سلامة الحال"؛ لأن [إقراره] (١) لهذا الآخر بالنسب لا يثبت، وهناك من ينكره غيرهما جميعا، فالحال لم تسلم كما لم تسلم في المسائل التي أوردناها (٢)، وإنما تكون الحال سليمة أن لو قامت البينة في النسب، أو أقر جميع الورثة، كما لو قامت البينة في البيع أو تصادقا فيه، فأما وهناك مانع؛ فإن الحق الذي عليه يثبت ولا يثبت ما له؛ لأن أحدهما قد ينفك من الآخر في الميراث، ألا ترى أن الزوجين يتوارثان ولا نسب بينهما. [قيل] (٣): قد قلنا: إن القاتل لا يشارك غير القاتل في إرثه من أبيه، ولو مات القاتل؛ ورثه أخوه، والأخ المقر ثابت النسب، والمقر له غير ثابت النسب، فأحدهما أقوى حكما من الآخر، فجاز أن يختلف حالهما في إقراره له بالاستحقاق، فلم يسلم حالهما، فاحترازكم في العلة بسلامة الحال؛ لم يفد شيئا؛ لأن حالهما لم تسلم حتى يكونا في الحكم سواء. فإن قيل: فإن الأخ القاتل لم يقر له بحق في مقابلته حق. قيل: إنما أردنا أن الميراث قد ينفك عن النسب، وعلى أن من أقر بعد اشترائه العبد أن البائع كان أعتقه؛ فقد أقر بما يستحق البائع فيه الولاء في مقابلة رد الثمن عليه، ولا ينفك هذا من هذا، ألا ترى أننا لو حكمنا بعتقه على البائع؛ وجب رد الثمن.

стр. 2978

على أن المقر إقراره يتضمن في العاجل استحقاق بعض ما في يده، وليس في مقابلة هذا شيء يجوز أن [يثبت] (١) قبل أن يرث المقر له، فهو إقرار بحق ليس في مقابلته مثله، فقبل [] (٢) (١٨٤) قوله ترثني وأرثك. فإن قيل: فإنه أقر بمال محال به علي نسب، فوجب إذا لم يثبت النسب؛ أن لا يثبت ذلك المال، أصله الإقرار بمعروف النسب؛ لأنه لم يقر بالمال مصرحا، وإنما أقر بنسب، فالمال من متضمن ذلك النسب. قيل: إن المال لا يكون محالا على نسب إلا أن يعنوا أنه مضاف إليه، وإضافة الشيء إلى نسب لا يوجب وقوفه على ثبوت ذلك النسب، يدلك عليه أن إقراره في زوجته أنها أخته إحالة تحريم على نسب، وقد ثبت التحريم من غير أن يثبت النسب، وكذلك المشتري يعترف العتق من جهته. وأيضا فإن النسب في مجهول النسب مجوز، وفي معروفه محكوم ببطلانه، وليس إذا لم يثبت ما هو محكوم ببطلانه؛ ما يجب أن لا يثبت من المجوز، يبين ذلك أن من يعترف في زوجته وهي معروفة النسب أنها أخته؛ لم تحرم عليه، ولو كانت مجهولة؛ لحرمت عليه، فبطل اعتبار معروف النسب بمجهوله (٣).

стр. 2979

ولا يجوز أيضا الاعتبار بمن هو أكثر نسبا من أبيه يقر بأنه أخوه، لأننا قد حكمنا بكذبه أيضا في مسألتنا، فلا يتعلق بقوله "أخي" استحقاق، وفي مسألتنا يجوز أن يكون صادقا؛ فجاز أن يتعلق بقوله استحقاق في حقه، ولا يجوز اعتبار ما هو مجوز بما قد حكم ببطلانه. فإن قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن مجهول [النسب] (١) لما لم يحكم ببطلانه؛ لم يحكم بصحته، ومعروف النسب مثله؛ لأنه إذا حكم ببطلانه فلم يحكم بصحته، وعمدتهم في المسألة هاتان العلتان. فنقول: هذا غلط؛ لأن ما لم يحكم ببطلانه ولا بصحته؛ فهو مجوز أن [يحكم] (٢) بصحته؛ فافترقا. فإن قيل: إن الأصل هو النسب، والميراث فرع له، [وإذا لم يثبت الأصل] (٣)؛ فلا يجوز أن يثبت الإرث الذي هو فرع النسب، ويثبت (١٨٥) إرثه إذا ثبت النسب. قيل: هذا صحيح لو قلنا: إنه يأخذ إرثا حقيقة، فأما ونحن نقول: إنه يأخذ المال بإقرار المقر أنه يستحقه، وإضافته ذلك إلى النسب الذي لا يثبت لا يمنع من استحقاق هذا المال الذي أقر له أنه يستحقه، مع جواز أن يكون صادقا فيما يذكره، ألا ترى أنه يقول: إن الذي باعني العبد قد كان أعتقه فهو

стр. 2980

حر، وأنا أستحق عليه رد الثمن، فإنه أضاف استحقاقه الثمن إلى حرية لم تثبت، ويجوز أن يكون كما قال، فيقبل إقراره أن العبد حر وإن لم تثبت حريته من جهة البائع، ولم [يستحق] (١) رد الثمن، وكذلك من اعترف أنه تكفل عن رجل بمال عن امرأة، والرجل منكر، فإنه يلزمه غرم المال لمن أقر أنه مكفل له، ولا يصدق في الرجوع عن المكفول عنه وإن كان هذا فرعا لأصل لم يثبت. فإن قيل: إنه إقرار له بحق بكلمة واحدة بسببين: نسب، وميراث، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، فإذا لم يثبت النسب؛ لم يثبت الميراث. قيل: عنه جوابان: أحدهما: إننا لا نثبت ميراثا حقيقة، وإنما يأخذ مالا استحقه بإقرار، لا بإحالة المقر إلى النسب. وعلى أننا قد بينا أن الإرث والنسب ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه في الأصول، والميراث في إحدى الجهتين ينفرد عن الميراث في الجهة الأخرى، فلأن المبتاع متى اعترف بالعتق [فيدعي] (٢) البائع أنه كان أعتقه؛ رجع عليه بالثمن، ولو كان لم يرجع عليه بشيء؛ كان العتق واقعا، ولأن الوارث لو أقر بدين على الميت؛ لزمه في حقه بمقدار ما يخصه من الدينين، وإن كان لو كذبه المقر له بالدين؛ لم تكن له مطالبته به. فإن استدلوا باستصحاب الحال، وأن الأصل أن المال له لا يشركه فيه،
следующие страницы →