الموضع؛ فليس ذلك بشيء، وإن كنتم تريدون في حقهما؛ فإن المقر لم يعترف بأن هذا الميراث مأخوذ منه حتى يتضمن إقراره أنه يرث من الآخر.
وعلى أن إقراره تضمن أنهما وارثان، وأن كل واحد يرث من صاحبه متى مات بلا وارث، فيقبل قول كل واحد منهما في إثبات الميراث من صاحبه وإن لم يثبت نسبه.
وقولكم: "لا ينفك أحدهما من الآخر"؛ غير صحيح؛ لأن أحد الأخوين قد يرث من صاحبه، ولا يرثه صاحبه إذا كان قاتلا، فبطل قولكم: إن الميراث في إحدى الجهتين لا يثبت منفردا عن حكم الأخرى (١).
وأيضا فإنه يبطل بالمشتري يدعي أن بائعه قد أعتق ما باعه؛ فإنه لا يصدق في الثمن، وقد اعترف بحق هو العتق في مقابلته حق آخر وهو الرجوع بالثمن، وأحدهما لا ينفك عن الآخر، وهو أننا متي حكمنا بالحرية في حقهما؛ لم ينفرد عن رد الثمن.
وعلى أن إقرار هذا المقر قد تعلق به استحقاق؛ بدليل أن للمشتري أن يشتريه فيستحق المبيع، فإقراره يتعلق به الاستحقاق، فأما أن يأخذ [أحدهما] (٢)؛ فليس هذا من كلامنا في شيء؛ لأنهما لو تصادقا على البيع؛ لم يكن (١٨٣) له أخذ المبيع إلا بعد الثمن، ولو ثبت النسب ببينة؛ كان له أخذ الميراث، فبان أن افتراقهما من هذا الوجه لا يمنع تعلق الاستحقاق بفعلهما.
стр. 2977
فإن قيل: لا يدخل على علتنا شيء من هذه المسائل التي ذكرتموها؛ لأننا قلنا في علتنا: "مع سلامة الحال"؛ لأن [إقراره] (١) لهذا الآخر بالنسب لا يثبت، وهناك من ينكره غيرهما جميعا، فالحال لم تسلم كما لم تسلم في المسائل التي أوردناها (٢)، وإنما تكون الحال سليمة أن لو قامت البينة في النسب، أو أقر جميع الورثة، كما لو قامت البينة في البيع أو تصادقا فيه، فأما وهناك مانع؛ فإن الحق الذي عليه يثبت ولا يثبت ما له؛ لأن أحدهما قد ينفك من الآخر في الميراث، ألا ترى أن الزوجين يتوارثان ولا نسب بينهما.
[قيل] (٣): قد قلنا: إن القاتل لا يشارك غير القاتل في إرثه من أبيه، ولو مات القاتل؛ ورثه أخوه، والأخ المقر ثابت النسب، والمقر له غير ثابت النسب، فأحدهما أقوى حكما من الآخر، فجاز أن يختلف حالهما في إقراره له بالاستحقاق، فلم يسلم حالهما، فاحترازكم في العلة بسلامة الحال؛ لم يفد شيئا؛ لأن حالهما لم تسلم حتى يكونا في الحكم سواء.
فإن قيل: فإن الأخ القاتل لم يقر له بحق في مقابلته حق.
قيل: إنما أردنا أن الميراث قد ينفك عن النسب، وعلى أن من أقر بعد اشترائه العبد أن البائع كان أعتقه؛ فقد أقر بما يستحق البائع فيه الولاء في مقابلة رد الثمن عليه، ولا ينفك هذا من هذا، ألا ترى أننا لو حكمنا بعتقه على البائع؛ وجب رد الثمن.
стр. 2978
على أن المقر إقراره يتضمن في العاجل استحقاق بعض ما في يده، وليس في مقابلة هذا شيء يجوز أن [يثبت] (١) قبل أن يرث المقر له، فهو إقرار بحق ليس في مقابلته مثله، فقبل [] (٢)(١٨٤) قوله ترثني وأرثك.
فإن قيل: فإنه أقر بمال محال به علي نسب، فوجب إذا لم يثبت النسب؛ أن لا يثبت ذلك المال، أصله الإقرار بمعروف النسب؛ لأنه لم يقر بالمال مصرحا، وإنما أقر بنسب، فالمال من متضمن ذلك النسب.
قيل: إن المال لا يكون محالا على نسب إلا أن يعنوا أنه مضاف إليه، وإضافة الشيء إلى نسب لا يوجب وقوفه على ثبوت ذلك النسب، يدلك عليه أن إقراره في زوجته أنها أخته إحالة تحريم على نسب، وقد ثبت التحريم من غير أن يثبت النسب، وكذلك المشتري يعترف العتق من جهته.
وأيضا فإن النسب في مجهول النسب مجوز، وفي معروفه محكوم ببطلانه، وليس إذا لم يثبت ما هو محكوم ببطلانه؛ ما يجب أن لا يثبت من المجوز، يبين ذلك أن من يعترف في زوجته وهي معروفة النسب أنها أخته؛ لم تحرم عليه، ولو كانت مجهولة؛ لحرمت عليه، فبطل اعتبار معروف النسب بمجهوله (٣).
стр. 2979
ولا يجوز أيضا الاعتبار بمن هو أكثر نسبا من أبيه يقر بأنه أخوه، لأننا قد حكمنا بكذبه أيضا في مسألتنا، فلا يتعلق بقوله "أخي" استحقاق، وفي مسألتنا يجوز أن يكون صادقا؛ فجاز أن يتعلق بقوله استحقاق في حقه، ولا يجوز اعتبار ما هو مجوز بما قد حكم ببطلانه.
فإن قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن مجهول [النسب] (١) لما لم يحكم ببطلانه؛ لم يحكم بصحته، ومعروف النسب مثله؛ لأنه إذا حكم ببطلانه فلم يحكم بصحته، وعمدتهم في المسألة هاتان العلتان.
فنقول: هذا غلط؛ لأن ما لم يحكم ببطلانه ولا بصحته؛ فهو مجوز أن [يحكم] (٢) بصحته؛ فافترقا.
فإن قيل: إن الأصل هو النسب، والميراث فرع له، [وإذا لم يثبت الأصل] (٣)؛ فلا يجوز أن يثبت الإرث الذي هو فرع النسب، ويثبت (١٨٥) إرثه إذا ثبت النسب.
قيل: هذا صحيح لو قلنا: إنه يأخذ إرثا حقيقة، فأما ونحن نقول: إنه يأخذ المال بإقرار المقر أنه يستحقه، وإضافته ذلك إلى النسب الذي لا يثبت لا يمنع من استحقاق هذا المال الذي أقر له أنه يستحقه، مع جواز أن يكون صادقا فيما يذكره، ألا ترى أنه يقول: إن الذي باعني العبد قد كان أعتقه فهو
стр. 2980
حر، وأنا أستحق عليه رد الثمن، فإنه أضاف استحقاقه الثمن إلى حرية لم تثبت، ويجوز أن يكون كما قال، فيقبل إقراره أن العبد حر وإن لم تثبت حريته من جهة البائع، ولم [يستحق] (١) رد الثمن، وكذلك من اعترف أنه تكفل عن رجل بمال عن امرأة، والرجل منكر، فإنه يلزمه غرم المال لمن أقر أنه مكفل له، ولا يصدق في الرجوع عن المكفول عنه وإن كان هذا فرعا لأصل لم يثبت.
فإن قيل: إنه إقرار له بحق بكلمة واحدة بسببين: نسب، وميراث، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، فإذا لم يثبت النسب؛ لم يثبت الميراث.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: إننا لا نثبت ميراثا حقيقة، وإنما يأخذ مالا استحقه بإقرار، لا بإحالة المقر إلى النسب.
وعلى أننا قد بينا أن الإرث والنسب ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه في الأصول، والميراث في إحدى الجهتين ينفرد عن الميراث في الجهة الأخرى، فلأن المبتاع متى اعترف بالعتق [فيدعي] (٢) البائع أنه كان أعتقه؛ رجع عليه بالثمن، ولو كان لم يرجع عليه بشيء؛ كان العتق واقعا، ولأن الوارث لو أقر بدين على الميت؛ لزمه في حقه بمقدار ما يخصه من الدينين، وإن كان لو كذبه المقر له بالدين؛ لم تكن له مطالبته به.
فإن استدلوا باستصحاب الحال، وأن الأصل أن المال له لا يشركه فيه،
стр. 2981
(١٨٦) فمن زعم أنه [شريكه] (١) فيه؛ فعليه الدلالة.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (٢).
فأثبت الميراث للابن، فإذا لم يثبت أنه ابن؛ فلا يعطى الميراث بحكم الظاهر (٣).
قيل: أما استصحاب الحال؛ فقد انتقلنا عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٤).
والمقر قد كسب على نفسه بإقراره أن هذا يستحق بعض ما في يده، وينتقل أيضا عنها ببعض ما ذكرناه.
وأما الآية؛ فنقول بموجبها، وإذا ثبت نسب الابن؛ أخذ الميراث، وفي مسألتنا نعطيه بإقرار المقر بأنه [وارث] (٥) وإن لم يحكم بصحته في الحقيقة، وليس يمتنع أن ينطلق الإرث بالنسب، ويثبت إقرار الإنسان بذلك في حقه وإن لم يثبت ذلك في حق غيره، كما أن الله تعالى قد حكم بالشفعة في البياعات وإن كان استحقاقها بغير أن تثبت حقيقة البيع من البائع والمبتاع، وقد يقر الإنسان بابن فيستحق ميراثه بإقراره، وإن لم تثبت بينة أنهم رأوه ولد
стр. 2982
على فراشه، فيقال ابنه في الظاهر، كذلك هذا الذي أقر لأخيه يستحق بعض ما في يده، ويقال هو أخوه في الظاهر. وبالله التوفيق.
فَصْل
فأما الكلام على أبي حنيفة حيث أعطى نصف ما في يد المقر، وأعطيناه ثلث ما في يده.
فالدليل لقولنا؛ هو أننا اتفقنا على أنه يستحق ثلث ما في يده، واختلفنا في الزيادة عليه، فيحتاج في استحقاقه إلى دليل.
وأيضا فإن معناهما في الأخوة مختلف، وذلك أن المقر يقول: أنا أخ ثابت النسب عند أخي، وأنت عندي غير ثابت النسب عند أخي، ولو ثبت نسبك بشاهدين؛ لم يلزمني غير [حصتك] (١) في يدي، ولا يلزمني لك لإقراري أكثر مما كان يلزمني لو ثبت نسبك بشاهدين (١٨٧) عدلين.
ومما يقوي قول المقر فيما قاله؛ هو أن الإرث يتعلق بالتركة، كما أن الدين والوصية يتعلق بها، ثم قد ثبت أنه لو قال: لفلان على أبينا دين ذكر مبلغه، وقد أوصى لفلان بكذا، وأنكر الباقون؛ فإنه يدفع مما في يده بقدر ما يصيبه لو أقرت الجماعة إلى صاحب الدين وصاحب الوصية، ولا فرق بين الإقرار بالدين والوصية، وبين الإقرار بالنسب؛ لأن معنى ذلك غير مختلف في كونه إقرارا يتعلق بالتركة.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه؛ أنهم لو كانوا إخوة جماعة فشهد
стр. 2983
اثنان منهم بنسبه وكانا عدلين؛ لثبت نسبه، ولزمهما أن يدفعا إليه بالمحاصصة ما يلزم سائر الإخوة، ولو كان الإقرار من أحدهما؛ [ووجب] (١) أن يدفع إليه نصف ما في يده؛ لكان إذا شهد اثنان يجب عليهما أن يدفعا إليه ما يساويهما في الميراث والأخذ، وكان لا يلزم غيرهما بما شهدا به شيء؛ لأن في إلزامنا سائرهم شيئا جر بالشهادة إلى أنفسهما نفعا، وكل جارّ إلى نفسه بشهادته نفعا لا تقبل شهادته، فلما اتفقنا على قبول شهادتهما؛ علمنا أن الذي [يلزمهما] (٢) مع قبولها هو الذي كان] يلزمهما] (٣) لو لم تقبل [شهادتهما] (٤).
فإن قيل: إن إقراره بأن هذا أخوه يتضمن مساواته فيما يصير إليه؛ لأن كل واحد منهما أخ لصاحبه، فلا ينبغي أن يكون أفضل منه، وإذا أعطاه ثلث ما في يده؛ لم يساوه، ولم يفعل ما تضمنه إقراره، فيقول له المقر: أنا وأنت بمنزلة ما لو غصبنا غاصب أكثر التركة، وبقي بعضها؛ لتساوينا فيما نأخذه، فاعمل على أن الأخ الذي جحد بي و وأنت تقر بي بمنزلة غاصب، فينبغي أن يقسم ما في يدك بيننا نصفين.
[قيل:] (٥) فإن المقر يقول له: أنا نسبي من أبي ثابت، قد ساواني فيه أخي الذي جحدك، فنحن لا شك فينا، وأخي ليس بغاصب، وأنت غير ثابت النسب، وإنما تأخذ من يدي ما تضمنه إقراري، وأما (١٨٨) غيره؛
стр. 2984
[] (١) وأخي الذي جحدك، ونسبه ثابت كما أن نسبي ثابت، فلا يجوز أن آخذ أنا أقل مما يأخذ أخي الثابت النسب، و [ليس] (٢) إذا جحدك أخي ما يجب [لك] (٣) أن تأخذ مني غير ما يصيبك لو أقر بك أخي، أو قامت لك به البينة، فإن كان أخي غاصبا؛ فهو غاصب لك بعض حقك، فلا تأخذه مني، وأنا غير غاصب لك في مقدار ما حصل لك في يدي. والله الموفق للصواب.
* * *
* مَسْألة (٣٦):
وإذا مات رجل وخلف ابنا واحدا لا وارث له غيره، فأقر بأخ؛ لم يثبت نسبه، وأعطاه نصف ما في يده (٤).
وبه قال أبو حنيفة (٥).
وقال الشافعي (٦): يثبت نسبه (٧).
والدليل لقولنا؛ هو أن إقرار الابن بأخ هو إقرار بنسب في حق غيره، وليس هذا بأكثر من شهادته له، ولو شهد واحد بنسب يثبت على الغير؛ لم
стр. 2985
يقبل في إثبات النسب بشهادته، فلأن لا يثبت النسب بإقراره على غيره أولى.
ولا يلزم على هذا إذا كان الورثة جماعة فأقروا به، أو أقر اثنان منهم وكانا عدلين؛ لأن النسب يثبت بشهادة اثنين وبالجماعة، فجاز إثباته بقولهم في حق الغير الذي هو أبوهم، ألا تري أن ملك النسب يتعلق بهم كتلعقه بالميت.
وأيضا فإنه إقرار من واحد، فأشبه إذا كان الولد جماعة فأقر أحدهم بنسب من الميت.
وأيضا فإن المدعي إذا كان يريد إثبات نسبه من الميت بقوله وأثبتناه بقول الواحد في حق غيره؛ كان قول المدعي في الميت [كقوله سواء] (١) والأصول تدل على أن المدعي في حق غيره لا يثبت بقول يثبت براءتها وإنما [] (٢) الشهادة.
وأيضا فإن الشهادة آكد من الإقرار [] (٣) حضرا فأقر على المشهود عليه؛ لم يجز، فلو كانت الشهادة أقوى وكانت شهادة الواحد لا يثبت (١٨٩) بها نسب في حق الغير، فلأن لا يثبت بقوله من غير شهادة أولى.
فإن قيل: إن الوارث قائم مقام الميت؛ فصار كإقرار الميت نفسه في حال حياته.
قيل: إن الميت يعترف على نفسه، والوارث يعترف على غيره، وحكم
стр. 2986
إقرار الإنسان على نفسه آكد من إقراره على غيره، [فلما لم] (١) يجز اعتبار أحدهما بالآخر؛ وجب أن يوكل حكم الإقرار الذي يحصل من الوارث بمعنى آخر يضعفه في نفسه، فاعتبرنا تأكيده باعتراف الورثة إذا كان عددهم يبلغ ما يجوز قبوله في الحقوق إذا أقاموا الشهادة.
وأيضا فإن القياس في جميع الورثة إذا كانوا جماعة فأقروا أن لا يثبت النسب من الميت، لأنهم يلحقون بإقرارهم في حق الغير من غير شهادة، ولا يقبل مثل هذا، وإنما استحسنوا في ذلك إذا أقرت الجماعة؛ لأن قولها مما يجوز أن يثبت به النسب إذا أخرجوه مخرج الشهادة، وهذا المعنى لا يوجد في إقرار الواحد بحال.
وأيضا فإن الإقرار بالنسب يصح ممن يملك [نفيه] (٢)، ولما كان الوارث لا يملك نفيه بوجه؛ فكذلك الإقرار به، هذا هو القياس، عكس هذا الموروث لما ملك نفيه؛ ملك إثباته، فلما أجمعنا على أن المقر لا يملك نفي النسب لأن رجلا لو مات وخلف ابنا وحملا، أو اثنين وثلاثة وأكثر وحملا، فنقول: الحمل من أبيهم، وقالوا: ليس هذا الحمل من أبينا؛ لم ينتف الحمل من أبيهم، وإنما أثبتناه بقول الجماعة وإن كان لا ينتفي بنفيهم لما ذكرناه من الاستحسان؛ لأنهم لو أخرجوه مخرج الشهادة؛ لكانوا فيه كالأجانب، فيثبت نسبه.
فإن قيل: لا فرق بين النفي والإثبات، وذلك أنه لا يثبت النسب إلا
стр. 2987
بإقرار جميع الورثة، فأما بإقرار بعضهم؛ فلا، وكذلك النفي لا يكون إلا بأن يوجد النفي من جميع الورثة، إلا أن النفي من جميعهم لا ينافي النسب؛ لأنه لو (١٩٠) مات وخلف حملا وابنا واحدا أو أكثر؛ فإن الحمل محكوم أنه وارث بالفراش، وإذا قالوا كلهم: إن هذا الحمل ليس من أبينا؛ لم ينتف الحمل منه؛ لأنه إقرار بعض الورثة، والحمل من الورثة، ولم يحصل إقراره (١).
قيل: قولكم: "لا يثبت النسب إلا بإقرار جميع الورثة [] (٢) به إذا كانوا اثنين فأكثر، وإذا كان واحدا، فإن كان الوارث واحدا؛ فعليه تكلمنا؛ لأنه لو شهد به؛ لم يثبت، وإذا كانوا اثنين أو أكثر؛ جاز أن يثبت بشهادتهم، فافترق الحكم بين الواحد الوارث وبين الجماعة.
وقولكم: "إن النفي يكون بجماعتهم، وإنما الحمل أحد الورثة ولم يحصل منه قول"؛ غلط؛ لأن الحمل [] (٣) بقولهم، ألا تري أن أمه الذي هو في بطنها لو كانت بائنا منه، أو لم يثبت نكاحها، والورثة جماعة، فقال واحد منهم: هذا الحمل من أبي، وقال الباقون: ليس من أبينا؛ لم يجز إثبات نسبه وجماعة الورثة تنفيه، ولو كان الذي وجد قال: هو أبي؛ لثبت، فعلم أن نفيه وإثباته [معلق بتقرير النسب ولا يفترق] (٤) بإقرار الواحد، فكذلك إذا كان الوارث واحدا؛ لأن نفي الحمل الثابت بقوله لا يثبت بإقراره.
стр. 2988
[] (١) ومما يدل على أنه لا يثبت بالوارث إذا كان واحدا هو أن [] (٢)(١٩١) لذلك.
فإن قيل: إن الأب لو كان ادعاه مع الإمكان؛ لثبت نسبه منه، فلِم أنكرتم أن يقوم الابن في ذلك مقامه.
قلنا: الفرق بينهما هو أن الضرورة دعت إلى قبول قول الأب في الممكن ما يدعيه من الولد إذا كان يتعذر إثبات النسب منه بغير هذا الوجه، وليس كذلك الأخ؛ لأنه يضيفه إلى أمر كان لا يتعذر أن يثبت بالشهادة عليه نسبه منه، فإذا لم يثبت بالشهادة عليه مع إمكان وجودها على إقراره؛ بطل أن يثبت بدعوى الآخر؛ لأن مجرد يدعي لا يقع بها إثبات من غير دلالة توجب تصديقه فيما يدعيه.
ويبين ما قلناه؛ أن من مات وخلف ثلاثة من الولد، فشهد منهم اثنان عدلان لرجل أنه أخوهما، أقر به أبوهما؛ فإن نسبه يثبت؛ وإن كان الأخ الثالث ينكر ذلك، وهذا مذهبنا جميعا، فقد صار الأخ شاهدا على أبيه لأخيه الذي أقر به في إثبات النسب، وصار مجراه في ذلك مجرى الغريب الأجنبي، ولم يقم مقام أبيه فيما يدعيه من نسبه، فلم يجز أن يقوم مقام أبيه في إثبات نسبه؛ لأن الأب يدعيه لنفسه فيثبت بمجرد دعواه، وهذا يدعيه لأبيه ويثبت بشهادته على أبيه كما تثبت بشهادة الأجنبي، فكيف يجوز مع هذا أن يقول قائل: إنه كالأب في الإقرار مع هذا الافتراق.
стр. 2989
فإن قيل: فقد روى الزهري عن عروة، عن عائشة: "أن عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص اختصما في ابن وليدة زمعة، يعني ابن جارية زمعة، فقال سعد: إن أخي عتبة عهد إلي أنه كان قد ألم بها في الجاهلية، فالولد ابن أخي، وقد كانوا يستخلفون مثل هذا، وقال عبد بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فادعى عبد أنه أخوه وابن أخيه، وقال النبي ﵇: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١).
وألحق رسول الله ﷺ الولد بزمعة بدعوى عبد وإقراره، فبطل بهذا مذهب من يخالفنا أنه لا يثبت النسب بقول الواحد، وقول من يقول: لا نسب بقول الواحد أصلا.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أنه قضية في عين، فيحتمل أن يكون المقصد من هذا الخبر هو إثبات الفراش بالأمة في الوطء، فلم يعرض لإلحاق النسب هل يقع بدعوى أخيه أو أبيه إذا كانت الدلائل قد دلت على أن زمعة كان مقرا به، لقوله ﵇ لسودة "احتجبي منه"، وهذا يدل على أنها كانت قبل ذلك غير محتجبة منه إذ كان أخاها، ولم يكن عتبة ادعاه، وإذا ظهرت دعوى عتبة بعد موت زمعة بما ذكره سعد من عهده إليه؛ فعلم أن النسب من زمعة كان هو الثابت في الظاهر قبل وبعد، حتى ادعى سعد لأخيه ما ادعاه فقال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش"، وأمر سودة حينئذ بالاحتجاب منه بعد [أن لم تكن] (٢) متحجبة
стр. 2990
عنه، لما رأى من شبهه بعتبة.
ولو جاز أن يعارض ما قلناه بظاهر هذا الحديث؛ لجاز لآخر أن يعارض بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني لما جاء رجل إلى النبي ﵇ وقال: "إن ابني كان عسيفا (١) على هذا فزنى بامرأته .. " (٢) الخبر بطوله.
فنقول: إن الرجل لما قال: "إن ابني هذا زنى بامرأة هذا" يجب أن لا يحد الرجل في قذفه امرأة غيره وإن دل إقراره عليه أنه زنى بامرأة غيره؛ لأنه قد قام في ذلك مقام [] (٣) على نفسه، ولما اتفقنا على ترك العمل بهذا لأن الدلائل قد دلت [] (٤) تداعياه بترك نفيه عن فراشه، وخبر الرجل الذي ذكر أن ابنه زنى بامراة غيره؛ إنما نقل إلينا لنعرف منه حد الثيب من البكر، ولم يعرض فيه لبيان ما هو سواه؛ لأنه قد عرف بغيره، فكذلك إذا دعى ابن وليد زمعة أن ما سبق من أجل إثبات الفراش في الأمة في الوطء، وإجرائها في ذلك مجرى الزوجة في إثبات الفراش، ولم يعرض فيه الحكم سواه إذ كان ذلك قد علم من غيره.
стр. 2991
وجواب آخر: هو أن ثبوت النسب فيه لم يتعلق بقول عبد بن زمعة وحده، بدليل أنه أحد الورثة، وسودة هي أحد الورثة، وإن كانت سودة مصدقة لأخيها عبد؛ فقد اتفق جميع الورثة على ذلك وهما اثنان، فإن كان يقول عبد وحده؛ فلابد أن يكون الرجوع فيه إلى أمر آخر غير قوله؛ لأن سودة تنكر عليه.
وجواب آخر عن الخبر: وهو أن النبي ﵇ لم يلحق الولد به، وإنما جعله مملوكا له بدليل ما روي في بعض الأخبار أنه قال: "هو لك عبد" (١).
وجواب آخر: وهو أنه لو تجرد قوله ﵇ "هو لك يا عبد"؛ لدل على الملك، لأن اللام في "لك" للتمليك، ولم يصرح فيقول: هو لك أخا (٢)، ولو صح (٣) أنه قال: "هو لك يا عبد"؛ [لم] (٤) يكن مثبتا بقول عبد وحده؛ لأنه بعض الورثة، وقد اتفقنا على أنه بقول بعض الورثة لا يثبت نسبه، فدل على أن نسبه ثبت بأمر آخر، فإذا كان هذا قضية في عين يحتمل جميع ما ذكرناه؛ لم يجز أن نقضي به على بعض ما ذكرناه.
فإن قيل: الدليل على أنه لم يجعله ﵇ مملوكا هو أن عبدا كان معترفا
стр. 2992
بحريته؛ لأنه كان يقول: هو ابن أمة أبي وأنه خلق حرا، فمحال أن يقول هو أنه خلق حرا والنبي ﵇ يجعله مملوكا له.
قيل: قوله: ﵇ "هو لك يا عبد" (١) أي أن قولك يقبل على أبيك [وأنه ولده] (٢) وأنه في الحكم يعتق عليك إن صار ذلك لحقك من الميراث (٣).
فإن قيل: قولكم "إنه لا يثبت نسبه بقوله وحده وهناك أخته سودة لم تقر به"؛ فإننا نقول: عنه جوابان:
أحدهما: أن إقرار سودة به كان قد تقدم عند رسول الله ﷺ ، ثم لما وجد إقرار عبد؛ حكم ﵇ بإقرارهما إذ كانت قد أذنت لعبد بالإقرار عليها (٤).
والجواب الآخر: هو أنه لم يعترف فيه إلا عبد دون سودة، ولكن كان عبد هو جميع الورثة؛ لأن زمعة مات كافرا، وعبد كان كافرا حين موته، وكانت سودة قد أسلمت قبل إسلام عبد، فورثه عبد دون سودة؛ لأن المسلم
стр. 2993
لا يرث مشركا والمشرك يرث المشرك، فكان جميع الميراث لعبد، فلهذا ثبت النسب بإقراره (١)، والدليل على أن إسلامها كان قد سبق إسلام أبيها وأخيها هو أنه قال: "أسلمت أختي وأنا مشرك، وودت أني كنت أسلمْت يوم أسلمَت" (٢).
قيل: يجوز أن يكون إسلام سودة بعد موت أبيها، فلم يثبت هذا من جهة النقل، فلم يخرجا أن يكونا وارثين، وأقل ما في الباب أنه محتمل، فلا نقضي به على ما ذكرناه.
وقولكم في الفصل الأول: "إنه يجوز أن يكون تقدم إقرار سودة عند النبي ﵇، فانضاف إقرارها إلى إقرار عبد"؛ فإننا نقول: هذا أيضا محتمل، ويحتمل غيره، وإذا كان محتملا؛ لم يجز أن يقوم [] (٣) من الخبر أن الأمة تصير فراشا بالوطء [] (٤) من يخالفكم في الابن إذا كان وحده وارثا، ونقول: إن النسب لا يثبت بقول واحد، ووافقتمونا أن النسب يثبت إذا كانوا أكثر من واحد؛ لأنه قد [] (٥) على هذا التأويل وأن نسبه لم يثبت [] (٦) النبي ﵇ يقول: واحتجبي عنه كان قد جعله أخا لها ولعبد؛ لم يأمرها
стр. 2994
بالاحتجاب عنه.
فإن قيل: هذا يدل على صحة قولنا في أنه ألحق الولد بزمعة، وحكم أنه أخوها؛ لأنه لو لم يكن حكم بأنه أخوها؛ لما أمرها بالحجاب عنه؛ لأن آية الحجاب كانت قد نزلت، وسودة كانت تعلم أنه لا يجوز لها أن تظهر للأجانب.
قيل: فمثل هذا يحتج عليكم في أن نسبه كان ثابتا قبل ذلك؛ لأنها لم تكن محتجبة عنه قبل قوله لها "احتجبي عنه"، مع علمها أنه لا يجوز أن تظهر للأجانب.
وفيما يتأولونه في أنه رأى شبها بعتبة فقال لها: احتجبي عنه، وبان له أن يحجب زوجته عن الأقارب (١)؛ مثله نقول نحن أن نسبه كان متقدما فلم تحتجب عنه، ثم قال لها: "احجتبي عنه" لما ذكرتم، فما لكم في الخبر حجة؛ إلا ولنا مثلها.
فإن قيل: إن الوارث قائم مقام الميت؛ فأشبه إذا كان الورثة جماعة.
قيل: إن القياس في الجماعة أن لا يثبت بقولها النسب على الميت إذا لم يخرجوه مخرج الشهادة لولا قيام الدلالة عليه، فلم يحمل على موضع الاستحسان غيره؛ لأن قول الاثنين مما يجوز أن تقطع به الحقوق، ويحكم
стр. 2995
به الحاكم، وقول الواحد لا يثبت به حق على أحد، فلم يجز أن يستدل بثبوت الشيء لقول من تتعلق الأحكام بقوله على إثباته بقول الواحد.
فإن قيل: إنه شخص يستحق جميع المال بالتعصيب؛ فوجب أن يثبت بإقراره النسب الممكن في الظاهر متى لم يكن هناك دافع له؛ كالأب يقر به.
قيل: إن كونه عصبة ليس فيه أكثر من أن له نسبا يستحق به مالا للميت، وهذا معنى لا يؤثر في جواز إقرار بحق، يدل على ذلك أن من استحق على غيره مالا بعقد؛ لم يكن ذلك سببا بجواز إقراره [عليه] (١) النسب.
وأيضا فإن الأب متى أقر؛ فإنما يقر على نفسه، وذكر التعصيب [] (٢) أن يكون عصبة لنفسه.
فإن قيل: إن هذا الإقرار من حقوق الميت، فيقوم وارثه مقامه فيه كالدين والرهن وغير ذلك.
قيل: إن النسب [] (٣) أن يقر عليه بدين، ومعلوم أن إقراره عليه بالدين لا يجوز إقراره [] (٤) وبالله التوفيق.
* * *
стр. 2996
* مَسْألة (٣٧):
إذا أقر رجل لرجل وقال: له علي مال، ولم يذكر مبلغه؛ فليس بمنصوص لمالك، وكان شيخنا أبو بكر يقول: [يقال له] (١): ما شئت، فإن قال: قيراطا أو حبة؛ قُبل ذلك منه، وحلف عليه أن المدعي لا يستحق أكثر من ذلك إن لم يصدقه المدعي على المبلغ الذي ذكره، وادعى أكثر منه (٢).
وبهذا قال أبو حنيفة (٣) والشافعي (٤).
وذكر عن ابن المواز -بعض أصحاب مالك- أنه قال: "يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وإن كان من أهل الذهب؛ فعشرون دينارا، وهو أول نصاب تجب فيه الزكاة" (٥).
قال القاضي أبو الحسن: والذي عندي أنه يجيء على مذهب مالك ﵁
стр. 2997
بأنه يلزمه ربع دينار، فإن كان من أهل الورق؛ فثلاثة دراهم، ووجهه هو أن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ (١).
وقال في موضع آخر: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ (٢).
وقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣). يعني أموالهم.
وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤).
وقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٥).
فذكر الأموال في هذه المواضع، فاقتضى ذلك ذكر ما يتمول، ولم يرد التقدير لمال دون مال، ثم [وجدنا أن] (٦) الشريعة قد تقدر ذلك في مواضع [كالقطع في السرقة] (٧)، وذلك لا يكون أقل من ربع دينار، وأن القطع لا يجب في أقل [ما هو أقل] (٨) في نصب الزكاة.
ثم روي عن عائشة ﵂ "أن النبي ﵇ كان لا يقطع في الشيء التافه وقطع في ربع دينار" (٩).
стр. 2998
فعلمنا أن هذا القدر من المال له حرمة، فثبت تقدير المال الذي أطلقه الله تعالى من هاهنا، فصار في النكاح، وفي القطع، وفي اليمين عند منبر النبي ﵇ مقدرا، ولا يوجد التقدير إلا من أحد ثلاثة أوجه، إما من اللغة، أو من الشرع، أو من العادة، وقد وجدناه مقدرا في الشريعة من الوجه الذي ذكرناه في أقله، فينبغي أن يكون مذهب مالك على هذا؛ لأنه الأقل الذي لا شك فيه عند من يقدر.
أما على مذهبنا؛ فهو ما ذكرناه، وأما على مذهب أبي حنيفة؛ فعشرة دراهم في النكاح والقطع، وعلى مذهب ابن المواز؛ فهو الذي لا يختلف فيه من نصاب الزكاة، وأظن أن ابن المواز ذهب إلى أن هذا موضع إجماع في الشريعة، وما دونه في القطع والنكاح؛ مختلف فيه، غير أن مذهب مالك يقتضي تسوية ذلك في المواضع كلها على أصله في أول التقدير وأقله.
فإن خالفنا أصحاب أبي حنيفة في تقدير إقراره له بمال وأنه ربع دينار؛ بنيناه على أصلنا في مقدار ما يقطع فيه، وما يكون مهرا في النكاح.
فإن خالفنا أصحاب الشافعي؛ بنيناه على ما نقوله نحن وهم في مقدار ما يقطع فيه.
وإن تكلمنا على مذهب ابن المواز؛ فأولى التقدير في المال في الشريعة ما لا خلاف فيه بين الجميع هو نصاب الزكاة.
وأيضا فإن في الناس من جهة العادة من يرى ربع دينار مالا، وليس فيهم من يرى الحبة والفلس مالا، فإذا كان اسم المال ينطلق عند بعضهم
стр. 2999
على هذا المقدار -وإن كان عند الأغنياء لا يتناول هذا القدر-؛ فالكل متفقون على أن القيراط والحبة لا يتناوله اسم مال؛ فينبغي أن يكون أولى بالتقدير بما ينطلق عند بعضهم لأنه [] (١).
ويقوي ما ذهبت إليه أن الله تعالى قال في أولياء الأيتام: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٢) أي أموالهم، ويجوز للولي أن يدفع إلى اليتيم القطعة والدانق وما دون الثلاثة دراهم، ولا يجوز له ما هو أكثر من ذلك؛ لأنه في العادة لا يقال فيه "مال" عند فقير ولا غني، فيقوى التقدير بالربع دينار؛ لأن من الناس من يسميه مالا.
وإن نصرنا مذهب ابن المواز؛ قلنا: إذا حصل الإجماع في الشريعة على تقدير أقل ما ذكره الله تعالى من الأموال؛ فهو نصاب الزكاة، وقد وجدنا التقدير في الشرع وإن كنا قد عدمناه في اللغة، فينبغي أن يكون أصلا يرجع إليه في ذلك، ألا ترى لو قال: لله علي صوم، أو صلاة، أو حج؛ لم يلزمه إلا صلاة شرعية، وصوما شرعيا، وحجا شرعيا، فإذا كان كذلك، ووجد أن ما يثبت المال في الشرع ولا يختلف الناس فيه هو مائتا درهم، أو عشرون دينارا، أو هو القدر الذي يجب فيه الزكاة؛ وجب أن يتعلق إقراره بهذا القدر الذي قد ثبت في الشريعة مقدرا لا خلاف فيه. والله أعلم.
* * *
стр. 3000
فَصْل (١)
فأما إذا أقر؛ فقال: له علي مال عظيم، فقد اختلف الناس فيه، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وإن كان من أهل الذهب؛ فعشرون دينارا (٢).
وقال الشافعي: لا فرق بين قوله "مال" أو "مال عظيم" في أنه لا يتقدر، ويقال له: سم ما شئت (٣)، فإن سمى حبة أو فلسا؛ قبل منه (٤).
[وليس لمالك نص] (٥) فى ذلك (٦)، وكان شيخنا أبو بكر ﵀ يقول بقول الشافعي (٧).
والذي يقوي في نفسي قول أبي حنيفة في هذا؛ هو [أنه إذا قال "مال"؛ فأقل] (٨) المال ربع دينار، فإذا قال "مال عظيم"؛ احتاج إلى صفة تزيد على قوله، وإلا لم يكن بينهما فرق، وقد علم أن قوله "علي مال عظيم"
стр. 3001
بخلاف قوله "علي مال"، فإذا اقتضت الصفة زيادة على موضع عدمها؛ رجع في ذلك إلى أقل تقدير في الشرع بما لا خلاف فيه، وهو أول نصاب الزكاة.
ويبين ذلك أن قول القائل "رجل طويل" فيه زيادة صفة على إطلاق اسم رجل في الأصل، ألا ترى أنه لا يجب أن يسمى كل رجل بأنه طويل والآخر قصير، فقولهم "رجل طويل" يقتضي زيادة صفة لا محالة، فكذلك المال إذا دخل عليه وصف بأنه عظيم؛ اختص بنوع من الأموال دون غيره مما ليس بعظيم، لأن قولهم "عظيم" موضوع لإفادة الكثرة والزيادة، فيقال: مال عظيم، ومال كثير، فيفيد ما لا يفيده قولهم "مال"، والاسم إذا وضع لمعنى؛ لم يجز إبطال معناه وإخراجه عن موضوعه حتى يصير كونه وعدمه بمنزلة واحدة.
وأيضا فإن القليل من المال لا يسمى عظيما في الإطلاق، ولا يفيد عند أحد من الأغنياء ولا الفقير، ألا ترى أن أحدا من الناس لا يطلق على الحبة أنها مال عظيم، ولا بأنها مال، فكيف بقوله عظيم، ومن أقر بشيء؛ لم يكن بد من أن يعبر عنه بما يقتضيه الاسم، إما من جهة اللغة، أو من الشريعة، أو من العادة، وقد وجدناه مقيدا في الشريعة وفي العادة أيضا، وإن كان النادر من الناس لا يسميه عظيما.
ويبين ذلك أن من أقر بدراهم؛ لم يصدق في قوله: أردت درهما واحدا، وإن كانت له أخر كثيرة بخروج استعمال الناس فيه مطلقا ومقيدا، وإن كان قد يجوز أن يقول له قائل: "أنت تحب الدراهم"، وليس معه إلا درهم واحد.
ونقول أيضا: إنه ليس هاهنا غير مذهبين:
стр. 3002
أحدهما: مذهبكم أنه لا يقتضي شيئا مقدرا، وإنما يرجع فيه إليه.
ومذهب من يخالفكم أنه يقتضي مقدرا محدودا.
فإذا ثبت فساد مذهبكم في الرجوع إلى قوله؛ صح قول مخالفكم.
والدليل على فساد ما ذهبتم إليه؛ عرف الناس وعادتهم بأجمعهم في أنه إذا قيل: مات فلان وخلف مالا عظيما، أو قتل وأخذ له مال عظيم؛ لم يَفهم منه أحد يعقل أنه خلف حبة، أو أُخذ منه هذا القدر، فإذا لم يكن هذا في اللسان ولا في العرف؛ سقط قولكم، وصح مذهب من يرجع فيه إلى القدر في الشرع، كما لو قال: الله علي صوم أو صلاة؛ رجع في ذلك إلى ما يقتضيه الشرع.
وأيضا فإن [أبا حنيفة] (١) قد قدر المال العظيم بمائتي درهم لما روي أن عبد الرحمن بن عوف مر برجل يحلف عند المقام فقال: "أعلى دم أو على عظيم من المال"، إذ خشي أن يتهاون الناس بهذا المكان يعني أن يستخفوا به.
فجعل [أبو حنيفة] (٢) القدر الذي يحلف به عند المقام مائتي درهم أو عشرين دينارا، [و] (٣) لا يحلف عنده على أقل منه، هذا مع يسار عبد الرحمن وكثرة ماله، وأن مثله لا يستكثر مائتي درهم.
وأيضا فإن ما ذهب إليه الشافعي يتناقض، وذلك [أنه لم يجعل] (٤)
стр. 3003
للعظيم والكثير حدا ولا للقليل.
وأيضا فإننا نعلم في الجملة أن بين القليل والكثير فرقا، وهم يقولون: لو أقر فقال: "لفلان علي مال قليل" وفسره بعشرة دراهم؛ قبل منه، ولو قال "له علي مال كثير" وفسره بحبة؛ قبل منه، وهذا [فاسد] (١) في الأصول، متناقض في المعقول.
فإن قيل: إن الإقرار إذا صار من المقر؛ فلا يخلو إما أن تكون مردودة إلى عرف اللغة، أو إلى عرف الشرع، أو إلى عرف الناس وعاداتهم، أو يرجع … (٢).
* * *