← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1567

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت عبد الواحد

الشوكاني

Полный текст (267 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يكون متصرِّفًا عن أمر الخليفة، كما كان يتصرفُ عن أمرهم الملوكُ الحَمْدانية والبُويهية والسلجوقية، وأنه يريدُ أن يتزوجَ ابنُ الخليفة بابنته، وما زال يخدعُ الخليفة، ويَفتِلُ منه في الذِّروةِ والغارب (١) حتى أسعدَه، ومالَ إلى مقاله، وقال له: يخرجُ هو وأعيانُ البلد لعقدِ النكاح؛ فخرج الخليفةُ وإخوتُه وأولادُه وأعمامُه وأمراؤُه وأعيانُ بغدادَ من كل طبقةٍ من الطبقات التي تتصلُ بالخليفة. وكان الذي عَيَّن الخارجين وسمَّاهم هو الوزير المذكور، فلم يَدَع أحدًا من أركان الدولة يُخشى منه ولا سيَّما مَنْ كان متعصبًا على الشيعة كالأمير مجاهد الدين الدُّويدار، فإنه جعلهم في أول الخارجين لشهودِ العقد، وقد كان أبرَمَ (٢) هو وسلطانُ التتر أنه سيجعلُه وزيرًا كما كان مع الخليفة العباسي، فلما خرج أولئك الأعيانُ والخليفة قَتلهم التترُ جميعًا، ثم دخلوا بغدادَ، فقتلوا مَنْ بها من الطائفتين لم يُبقُوا على شِيعيٍّ ولا سُنِّي، وكان جُمْلَةُ القتلَى كما نقله كثيرٌ من ثقات المؤرِّخين ثمانية عشر لَكًّا (٣) عن ألفِ ألفِ (٤) قتيل، وثمانِمئة ألفِ قتيل. فانظر هذه الفاقرةَ العظيمةَ التي تسبَّبت عن تعصُّبِ الوزير الرافضيِّ لأصحابه من الرافضة لا ﵀، وقد كان يُظهِرُ التأسُّفَ والتندُّمَ، ويقول: إنه ما كان يظنُّ أن الأمرَ يقعُ هكذا، وأنه كان يظنُّ سلامةَ الشيعة، وعدمَ وصول الأمر إليهم حسبما قدَّمه لنفسه ولهم، ولم يَصِل إلى ما

стр. 107

شَرَطه لنفسه من الوزارة ولا غيرها، وغايةُ ما ناله السلامةُ من القتل، ومات بعدَ أن اقترف هذه العظيمةَ بأيامٍ يسيرةٍ دون سَنَة، وكان موتُه كَمَدًا على ما جناهُ على نفسه خصوصًا، وعلى إخوانه من الرافضة وسائرِ المسلمين، وكان في بعض الأوقات يُظهِرُ التجلُّدَ، ويقول: «لا أُبالي بمَن قُتل ولا بمن أُصيب»، بعد أن شَفَى نفسه من الدويدار. فانظر هذه الجاهليةَ التي تظاهرَ بها هذا الرافضيُّ، وانظر ما صَنَع بالمسلمين، وما جناه الخليفةُ على نفسه من استخلاصهِ للوزارة، وأمانتِه على الأسرار، والركونِ إليه في تدبير الدولة!. • [من أقبح صفاتِ الرافضة]: وهكذا مَنْ ألقى مقاليدَ أمره إلى رافضيٍّ وإن كان حقيرًا؛ فإنه لا أمانةَ لرافضيٍّ قطُّ على مَنْ يُخالفُه في مذهبه، ويَدِينُ بغير الرفض؛ بل يَستحلُّ مالَه ودمَه عند أدنى فرصةٍ تلُوحُ له؛ لأنه عنده مباحُ الدم والمال، وكلُّ ما يُظهرُه [الرافضيُّ] من المودةِ فهو تقيَّةٌ يَذهبُ أثرُها بمجرد إمكان الفرصة. وقد جرَّبْنا هذا تجريبًا كثيرًا، فلم نجد رافضيًّا يُخلِصُ المودةَ لغير رافضيٍّ؛ وإنْ آثَرَه بجميع ما يملكُه، وكان له بمنزلةِ الخَوَل (١)، وتودَّد إليه بكل ممكن. ولم نجدْ في مذهبٍ من المذاهبِ المبتدَعة ولا غيرها ما نجدُه عند هؤلاء مِنْ العَدواة لمَن خالفهم. ثم لم نجد عند أحدٍ ما نجدُ عندهم من التجرُّؤ على شَتم الأعراض المحترَمة؛ فإنه يَلعَنُ أقبحَ اللعن، ويَسُبُّ أفظعَ السبِّ كلَّ مَنْ تجري بينه وبينه أدنى خصومةٍ، وأحقرُ جدالٍ، وأقلُّ اختلاف؛ ولعلَّ سببَ هذا واللَّه أعلم أنهم لمَّا تجرَّؤا على سبِّ السلفِ الصالح هان

стр. 108

عليهم سبُّ مَنْ عداهم، ولا جرم؛ فكلُّ شديدِ ذنبٍ يَهُونُ ما دونه، وقد يقعُ بعضُ شياطينهم في عليٍّ كرَّم اللَّه وجهه (١) حَرْدًا (٢) عليه وغضبًا له؛ حيث تَرك حقه؛ بل قد يبلغُ بعضُ ملاعينهم إلى ثَلبِ العِرض الشريف النبويِّ صانه اللَّه قائلًا: «إنه كان عليه الإيضاحُ للناس، وكشفُ أمر الخلافة، ومَن الأقدمُ فيها والأحقُّ بها». وأما تسرُّعُ هذه الطائفةِ إلى الكذب، وإقدامُهم عليه، والتهاوُنُ بأمره، فقد بَلَغ مِنْ سَلَفهم وخَلَفهم إلى حدِّ الكذبِ على اللَّهِ وعلى رسولِه وعلى كتابِه وعلى صالِحِي أُمَّتِه، ووقع منهم في ذلك ما يَقشعرُّ له الجِلد، وناهيك بقومٍ بَلغ الخِذلانُ بغُلاتِهم إلى إنكارِ بعضِ كتاب اللَّه، وتحريفِ البعضِ الآخر، وإنكارِ سُنةِ رسول اللَّه ﷺ !! وجاوز ذلك جماعةٌ من زنادقتهم إلى اعتقاد الألوهية في ملوكهم، بل في شيوخ بلدانِهم!. • [أصلُ الرفض إلحادٌ وزندقة]: ولا غَرْوَ (٣)؛ فأصلُ هذا المَظهَرِ الرافضيِّ مَظهرُ إلحادٍ وزندقة (٤)، جَعله

стр. 109

مَنْ أراد كيدًا للإسلام سِترًا له، فأظهرَ التشيعَ والمحبةَ لآلِ رسول اللَّه ﷺ ؛ استجذابًا لقلوب الناس (١)؛ لأن هذا أمرٌ يَرغبُ فيه كلُّ مسلم، وقصدًا للتغريرِ عليهم، ثم أَظهر للناس أنه لا يَتمُّ القيامُ بحق القرابة إلَّا بترك حقِّ الصحابة، ثم جاوَزَ ذلك إلى إخراجِهم صانهم اللَّه عن سبيل المؤمنين. ومُعظَمُ ما يَقصِدُه بِهذا هو الطعنُ على الشريعة وإبطالُها؛ لأن الصحابةَ رضي اللَّه تعالى عنهم هم الذين رَوَوْا للمسلمين عِلمَ الشريعة من الكتاب والسنة، فإذا تمَّ لهذا الزِّنديق باطنًا الرافضيِّ ظاهرًا القدحُ في الصحابة، وتكفيرُهم، والحكمُ عليهم بالرِّدة: بَطَلت الشريعةُ بأسرها، لأن هؤلاء هم حَمَلتُها الراوونَ لها عن رسول اللَّه ﷺ . فهذا هو العِلَّةُ الغائية (٢) لهم، وجميعُ ما يتظهَّرون به من التشيُّعِ كذبٌ وزُور، ومَن لم يفهمْ هذا فهو حَقيقٌ بأن يتَّهمَ نفسه ويلومَ تقصيره. ولهذا

стр. 110

تجدُهم إذا تمكَّنوا وصارت لهم دولةٌ، يتظاهَرون بِهذا، ويدْعُون الناس إليه؛ كما وقع من القرامطة والباطنية والإسماعلية (١) ومَن نَحَا نَحْوَهم؛ فإنهم لمَّا تمكَّنوا أظهروا صريحَ الكفر والزندقة، وفَعلوا تلك الأفاعيلَ؛ مِنْ الاستهتار بمحارم اللَّه وما عظَّمه، كنقلِهم للحجر الأسود من الحَرَم إلى «هَجَر» (٢)، وكقولِ رئيس القرامطة اللعين لمَّا سَفك دماءَ الحُجَّاجِ بالبيت الحرام، وفَعل به من المنكرات ما هو معروف: لصبَّ علينا النارَ مِنْ فوقنا صبَّا … ولو كان هذا البيتُ للَّهِ ربِّنا محلَّلةً لم تُبْقِ شرقًا ولا غربَا … لأنا حَجَجْنا حِجَّةً جاهليةً ثم قال لِمَنْ بقي في الحَرَم سالمًا من القتل: «يا حَمير، أنتم تقولون: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]»!! .. وقد كان أولُ هذه النِّحلةِ القُرْمُطيةِ: التظهُّرَ بمحبَّةِ أهل البيت، والتوجُّعَ لهم، والعداوةَ لأعدائهم، ثم انتهى أمرُهم إلى مثل هذا!. وهكذا الباطنية؛ فإن مَذهبَهم الذي يتظهَّرون به، ويُبدُونه للناس، هو التشيُّع، ولا يزالُ شياطينُهم يَنقُلون مَنْ دخل معهم فيه مِنْ مرتبةٍ إلى مرتبة حتى يُوقِفُوه على بابِ الكفر وصُراح الزندقة. وإذا تمكَّن بعضُ طواغيتهم فَعَل كما فَعَل عليُّ بن الفضل (٣) الخارج

стр. 111

باليمن من دعاء الناس إلى صَريح الكفر، ودعوى النبوة، ثم الترقِّي إلى دعوى الألوهية، وكما فعله الحاكمُ العُبيدي (١) بمصرَ من أمرِ الناس بالسجودِ له، والقيامِ عند ذِكرِه على صفةٍ معروفة، فكان إذا ذَكره الخطيبُ يومَ الجمعة على المنبر، قام جميعُ مَنْ بالمسجد، ثم يَخِرُّون ساجدين، ثم يقومُ بقيامهم مَنْ يتَّصلُ بالجامع مِنْ أهل الأسواق، ثم يَسري ذلك إلى قيامِ أهل مصر! وما كان يُبديه من الأفعالِ المتناقضة والحماقاتِ الباردة مقصودُه من ذلك تجريبُ أحوال الناس، واختبار طاعتِهم له في الأمور الباطلة، وفي مخالفةِ الشريعة؛ حتى ينقُلَهم إلى ما يريده، وكم نعدِّدُ لك من هذا. وبالجملة: فإذا رأيتَ رجلًا قد انتهى به الرفضُ إلى ذمِّ السلفِ الصالح، والوقيعةِ فيهم وإن كان ينتمي إلى غير مذهب الإمامية (٢)، فلا تشكَّ في أنه مِثلُهم فيما قدمناه لك. • [بعضُ فضائح الرافضة وانتهاكُهم لحرمات اللَّه ﷻ -]: وجرِّبْ هذا إن كنتَ ممن يفهم؛ فقد جرَّبناه، وجرَّبه مَنْ قَبلَنا، فلم يجدُوا رجلًا رافضيًّا يتنزَّهُ عن شيءٍ من محرمات الدين كائنًا ما كان! ولا تغترَّ بالظواهر؛ فإن الرجلَ قد يتركُ المعصيةَ في الملإ، ويكونُ أعفَّ الناسِ

стр. 112

عنها في الظاهر، وهو إذا أمكنته فرصةٌ انتهزها انتهازَ مَنْ لا يخافُ نارًا ولا يرجو جَنةً!. وقد رأيتُ مَنْ كان منهم مؤذِّنًا، ملازمًا للجماعات، فانكشف سارقًا! وآخرُ كان يؤمُّ الناسَ في بعض مساجدِ «صنعاء»، وله سمتٌ حسن، وهديٌ عجيب، وملازمةٌ للطاعة، وكنتُ أُكثِرُ التعجبَ منه: كيف يكون مثلُه رافضيًّا؟ ثم سمعتُ بعد ذلك عنه بأمورٍ تقشعرُّ لها الجلود، وترتجفُ منها القلوب. وكان لي صديقٌ يُكثِرُ المجالسةَ لي والوصولَ إليَّ، وفيه رفضٌ يسير، وهو متنزِّهٌ عن كلِّ محظور، ثم ما زال ذلك يَزيدُ به لأسباب؛ حتى صار يصنِّفُ في مثالبِ جماعةٍ من الصحابة، ثم صار يمزِّقُ أعراضَ جماعةٍ من أحياءِ أهل العلم والأموات، وينسبُهم إلى النَّصْبِ (١)؛ لمجردِ كونِهم لا يوافقونه على رفضه! ثم صار يتَّصلُ به جماعةٌ، ويأخذون عنه من الرفض ما لا يتظاهرُ بمثله أهلُ هذه الديار!. وكنتُ أعرف منه في مبادئِ أمره صلابةً وعِفَّةً، فقلتُ: إذا كان ولابد من رافضيٍّ عفيف، فهذا! ثم سمعتُ عنه بفواقرَ، نسأل اللَّهَ السِّترَ والسلامة. وأمَّا وُثوبُ هذه الطائفةِ على أموالِ اليتامى والمستضعَفينَ ومن يَقدِرون على ظُلمه كائنًا من كان، فلا يَحتاج إلى برهان؛ بل يكفي مُدَّعيَه إحالةُ مُنكِرِهِ على الاستقراء والتتبُّع؛ فإنه سيَظفر عند ذلك بصحةِ ما ذكرناه. ولقد جرَّبتُ أهلَ عصري في هذه المادةِ تجريبًا عظيمًا لتعلُّقي بما تتعلَّقُ به الأطماع، واختباري الناسَ على اختلاف طبقاتِهم. ولا شك أن الدنيا مؤثَرة، وأن الوثوبَ على مصالحها وتقديمَها وانتهازَ

стр. 113

الفُرَص فيما يتعلقُ بها غيرُ مختصٍّ بِهؤلاء، بل هو عامٌّ لكل الفِرَق، والزاهدُ فيها المؤثِرُ للدين عليها هو الشاذُّ النادر، لكنَّ هؤلاء لهم مزيدُ تكالُب، وعظيمُ تهافُت، وشدةُ تهالُك، مع عَدم وقوفٍ عند حدودِ الشرع، واقتصارٍ على ما فيها مِنْ تحليل وتحريم. ومِن أقرب حوادث الرفض في ديارنا هذه: أنه كان جماعةٌ من المتظهِّرين بالعلم، يُملُون على الناس في «جامع صنعاء» في شهر رمضانَ سنةَ ستَّ عشرةَ ومِئةٍ بعد الألف [١١١٦ هـ] في كُتب فضائل عليِّ بن أبى طالب ﵁، وكانوا نحوَ ثلاثةٍ أو أربعة؛ كلُّ واحدٍ منهم قد اجتمع عليه جماعةٌ كثيرةٌ من العامة؛ وكان أحدهم يُملِي على كرسيٍّ مرتفع، ويُسرَجُ حولَه الشمعُ الكثير، فيَجتمعُ من الناس عددٌ كثيرٌ جدًّا لقصد الفرجة كما يُتفق في مثل هذا، وكانوا يُشرِبُون (١) المناقبَ بذكر مثالبِ بعض الصحابة، ويَحُطُّون من بعضهم، ويُصرِّحون بسبِّ البعض، ويتوجَّعون من البعض. وكان ما يصدرُ من هؤلاء مِنْ هذه الأمور إنما هو مطابقةٌ للوزير الرافضيِّ الذي قدَّمتُ لك ذِكرَه، ولا سيَّما صاحبُ الكرسيِّ، وهذا الوزيرُ لم يكن رفضُه لوازعٍ دينيٍّ كما يَتفقُ لكثيرٍ من أهل الجهل المتعلقين بالرفض؛ فهو أنذلُ من ذاك وأقلُّ، ولكنه يَفعل ذلك مساعدةً لجماعةٍ من شياطين المتفقِّهةِ المتعصِّبةِ؛ يدخُلون إليه فيقولون: «إنه لم يَبقَ مَنْ يُحامي عن هذا الأمر سواك، وإنك ركنُ التشيع، وملجأُ أهله … »، ونحو هذه العبارات، فيبالغُ في التظهُّرِ بِهذه الخصلة، ويُحِبُّ نسبةَ ذلك إليه، فكان الرفضُ مُكمِّلًا لمثالبِه، مُتمِّمًا لمعايبه؛ لأنه في كل بابٍ من أبواب القبائح قريعُ دهره، ونَسِيجُ

стр. 114

وَحْدِه!!. • [أفعالُ عوامِّ الرافضة وغَوْغائهم]: فلما (١) تكاثَرَ ما يصدُرُ من أولئك المشتغِلين بما لا يَعنيهم من ثَلبِ السلف؛ مع ما يَنضَمُّ إلى ذلك مِنْ إدخال الضغائن في قلوب العامة، وإيهامِهم أن الناسَ قد تركوا مذهبَ أهل البيت، وفعلوا وفعلوا؛ وكل ذلك كذبٌ؛ فإن الناسَ هم في هذه الديار زَيدية، وكثيرٌ منهم يجاوزُ ذلك فيصيرُ رافضيًّا جَلْدًا، ولم يكن في هذه الديار على خلافِ ذلك إلا الشاذُّ النادر، وهم أكابرُ العلماء ومن يُقتدى بهم، فإنهم يعملون بمقتضى الدليل، ولا ينتمُون إلى مَذهب، ولا يتعصَّبون لأحد؛ فهؤلاء هم الذين يَقصِدُهم أولئك الرافضةُ بكل فاقرة، ويرمونَهم بالحَجَر والمَدَر، ويَسِمُونهم بمِيسَمِ (٢) النَّصْب. فلما تفاقَمَ شرُّ أولئك المدرسِّين، وصار الجامعُ ملعبًا لا متعبَّدًا، واشتَغل بأصواتِهم المُصلُّون عن صلاتهم، والذاكرون عن ذِكرهم، رَجَّح إمامُ العصر (٣) أعزَّ اللَّهُ به الدين مَنْعَ صاحبِ الكرسيِّ من الإملاء في الجامع، وأَمره بالعَود إلى المسجد الذي كان يُملِى فيه، فحضر أولئك المستمِعون على عادتهم وكان الإملاءُ قبل صلاة العشاء، فلما لم يحضُر شيخُهم، ذهب بعضُهم ليجئَ به من بيته، فأخبَرهم أن الإمامَ قد منعه، وأمره بالعَوْدِ إلى حيث كان، فلم يَعذِروه، ولا سَمِعوا منه، ورجعوا إلى الجامع، ثم ثارُوا ثورةً شيطانيةً، وقاموا قَومةً طاغوتية، فمَنعوا من الصلاة في الجامع،

стр. 115

وما زال ينضمُّ إليهم كلُّ رافضيٍّ ومَن له رغبةٌ في إثارةِ الفتنة، حتى صاروا جَمعًا كثيرًا، ثم خَرجوا، فقَصَدوا بيتَ المؤذِّن الذي أَظهر عليهم الرأيَ الإماميَّ فرجَمُوه، حتى كادوا يَهدمونه، وفيه نساءٌ وأطفالٌ قد صاروا في أمرٍ مَريع. هذا؛ وليس لذلك المؤذِّنِ المسكينِ سعيٌ، ولا له قدرةٌ على شيءٍ، ولكنه أَرسَلَ بالرأي الإماميِّ والي الأوقافِ إليه (١)، ووالي الوقفِ أيضًا ليس له سعيٌ في ذلك، ولكنه أرسله إليه بعضُ مَنْ يتصلُ بالمَقام الإمامي. ثم لمَّا فرغوا مِنْ رَجْم بيتِ المؤذِّن، ذهبوا ولهم صُراخٌ عظيمٌ وأصواتٌ شديدةٌ إلى بيت والي الأوقاف، وهو رجلٌ من أهل العلم من آل رسول اللَّه ﷺ ، فرجَموا بيتَه رجْمًا شديدًا، حتى غُشيَ على بعض مَنْ فيه مِنْ الشرائف، فقال لهم قائل: «إن هؤلاء الشرائفَ المرجوماتِ هنَّ بناتُ نبيِّكم ﷺ وبناتُ عليِّ بن أبى طالب، ولم يكنَّ بناتِ معاوية، ولا بناتِ عمرو بن العاص وغيرهما ممن تعادونَهم؛ فما لكم ولهنَّ؟»، فلم يلتفتوا إلى ذلك، واستمرُّوا في الرجم، ثم دخلوا إلى بعض البيت، ونَهبوا بعض متاعه. وبَلَغهم أن واليَ الأوقافِ وولدَه بمسجدٍ قريبٍ من بيتِه، فحاصُوا (٢) حَيصةَ حُمُرِ الوحْش، وصرخوا صرخةَ الحُمُر الأهلية، وذهبوا إلى المسجد عازِمين على قتله، فأَغلق عليه بعضُ الناس مقصورةَ المسجد، فسَلِم. ثم ذهبوا بصُراخهم وجَلَبَتِهم إلى بيتِ بعض أهل العلمِ من أهل البيتِ النبويِّ، وكان يعظُ الناس بالجامع، ويتظهَّرُ ببعضٍ من السُّنة، فرجَموا بيتَه

стр. 116

رجْمًا شديدًا، وفيه شرائفُ وأطفال، ثم ساروا إلى بيت بعض وزراءِ الخليفة لا لذنبٍ إلَّا لكونه ينافسُه ذلك الوزيرُ الرافضي، وكونِه ينتسبُ إلى بعض بطونِ قريش، فرجَمُوه رجْمًا شديدًا، ثم كسَروا بعضَ أبوابه ودخلوا، وكادوا يصلون إلى من فيه، لولا أنه حَماهُ جماعةٌ بالرمي بالبنادق وآخرون بالسلاح. ويتَّصلُ ببيتِ هذا الوزير المرجوم بيتُ وزيرٍ آخَرَ مِنْ أهل العلم، فرجَموه، ورجَمَهم مَنْ في بيت الوزير، حتى أصابوا جماعةً منهم، فتركوه. وسببُ رجْمهم لبيتِ الوزير هذا أنه من جُملةِ مَنْ يتظهَّرُ بعِلم السُّنة. ثم لما كاد ينقضي الليلُ، فارقوا ما هم فيه، وقد أثاروا فتنةً عظيمةً، ومحنةً شديدة. ولمَّا كان النهارُ جَمع الخليفةُ أعوانه، وطَلبني واستشارني؛ فأشرتُ عليه بأن يَحبس أولئك المدرِّسين الذين أثاروا الفتنةَ في الجامع، بسبب ما يَصدُرُ منهم من نكايةِ القلوب وإثارةِ العوام، فحَبَسهم، ثم أشرتُ عليه بأن يأمرَ بتتبُّعِ أولئك الذين رجَموا البيوت، وفعلوا تلك الأفاعيل، ومَن وجدوه حَبَسوه، ويأمرُ بتتبُّعِ جماعةٍ من شياطين الفقهاء المُثيرين للفتنة، ففعل، وحُبسوا جميعًا. ولكنْ لم يَنصحْ والي مدينة «صنعاء»؛ لموافقته للوزير الرافضيِّ في الرفض، ومهابتِه له، ووقوفِه عند ما يختارُه ويرتضيه. وبعد أن اجتمع في الحبس جماعةٌ كثيرةٌ من هؤلاء، أرسل الإمامُ حفظه اللَّه لجماعةٍ من شياطِينهم المباشِرين للفتنة من الفقهاء، فجيء بهم من الحبس إليه، وضربهم بالعِصِيِّ تحت داره، وهو ينظر، ثم أرسل في اليوم

стр. 117

الآخَر لجماعةٍ من أهل السوقِ المباشِرين للفِتنة، فصَنع بهم ما صَنع بأولئك، ثم جعل جماعةً من شياطين الجميع في سلاسل، وأَرسل بهم إلى «جزائر البحر» على هيئةٍ منكرة؛ فسَكنت الفتنةُ سكونًا تامًّا (١). ولقد شهدتُ من التعصُّبات في هذه الفتنةِ ما بَهَرني من الخاصة والعامة. أما الخاصة؛ فإني رأيتُ مِنْ أهل بيتِ الخلافة مِنْ أولاد الإمام، وغيرهم، ومن الوزراء، والأمراء، والقضاة، وأهل العلم مِنْ ذلك ما يُعجَبُ منه؛ فإني لما أشرتُ على الخليفة بما أشرتُ، خرجتُ من المكان الذي هو مستقِرٌّ فيه إلى حُجرته، وفيها أكابرُ أولاده وهم إذ ذاك أمراءُ الأجناد، وعندهم جميعُ الوزراء، وهم جميعًا في أمرٍ مَريجٍ، فيهم مَنْ يَعظُمُ عليه حبسُ أولئك المدرِّسين، ويراه حطًّا في مرتبةِ الرفض، ونقصًا من الرافضة، وقد فَتَل منهم ذلك الوزيرُ الرافضيُّ في الذِّروة والغارب (٢)، وأوهَمَهم أنها ستثورُ فتنةٌ من العامة والأجناد، وما زال بعضُ أولاد الخليفة يردِّدُ عليَّ ذلك، ويرغِّبُني في الرجوع عن الشَّوْرِ (٣) الذي أشرتُ به على الخليفة، ويذكرُ ما قد ألقاه إليه الوزيرُ الرافضيُّ مِنْ خشيةِ ثورةِ الأجناد والعامة، فما زلتُ أعرِّفُه بالصواب، وأذكرُ له أن هذه الفتنةَ لو لم تُحسَم يومَنا هذا بحَبسِ المُثيرين لها، لهَلَك غالبُ الناس في الليلةِ الواصلة، ونَهبوا الأموالَ جِهارًا، وأنه سيصلُ الأمرُ إلى الخليفة وأولاده فضلًا عن غيرهم، وعرَّفتُه أنه ما سيثورُ بسبب ذلك الأجنادُ ولا غيرهم، فإن هذا تسكينٌ للفتنة؛ لا إثارةٌ لها. ولقد حَمِدوا هذه المشورةَ بعد حين، وعَرفوا أنها صواب، وأن بها كان

стр. 118

سكونَ تلك الفتنةِ التي غَلَت مَراجِلُها (١)، وكادت تعمُّ جميعَ أهلِ صنعاء، ثم تَسري بعد ذلك إلى سائرِ الديار اليمنية. وأما العامة؛ فلا يتَّسعُ المَقامُ لسَرد ما شُوهد منهم من الصَّولةِ والجَولة، والاشتغالِ بِهذا الأمر، ولقد كنتُ أرى كثيرًا من المنسوبين إلى العلم يبكُون رحْمةً لإخوانهم المثيرِين للفتنة لِمَا حلَّ بهم من العقوبة. • [تألُّمُ الْمُصنِّفِ ﵀ على حال صنعاء]: ولقد تغيَّرتْ بَهجةُ هذه المدينةِ العظيمة، وتكدَّرت مشاربُها العِلمية، وذهب رونقُ معارفِها بما يصنعه جماعةُ المقصرين المغيِّرين لفطرتِهم السليمة؛ بما حدث من عِلم الروافضِ ودسائسِهم التي هي أضرُّ على المقصِّرين من السُّمِّ القتَّال، وأدوى (٢) على مَنْ لم تستحكم معرفتُه وتَرسَخْ في العلوم قَدمُه من الداء العُضال (٣)؛ على كثرةِ مَنْ فيها من العُلماء المنصِفين، والطلبةِ المتميِّزين، والأذكياءِ الماهرين؛ فإنه قلَّ أن يوجدَ بمدينةٍ من المدائن ما يوجدُ الآن في صنعاءَ من رجوعِ أهلِ العلم بها إلى ما صحَّ عن الشارع، وعدمِ تعويلِهم على الرأي، وطرْحِهم للمذاهب عند قيامِ الدليل الناهض؛ فإن هذه مَزِيَّةٌ وفضيلةٌ لا تكاد تُعرف في سائر الأقطار؛ إلَّا في الفردِ الشاذِّ البالغ مِنْ العلم إلى منزلةٍ عَلِيَّة، مع مراجعتِه لفطرته، وتفكُّره في طروءِ ما طرأ من المتغيِّرات، وتدبُّرِه لما قدمنا ذكرَه من الأسباب الموجبةِ للتعصُّب، الحائلةِ بين المُتمذهِبِين وبين الإنصاف.

стр. 119

• [لِماذا يكتمُ العالِم الْمجتهد الحقَّ الذي عرفه؟]: وهذا النادرُ الشاذُّ يُبالِغُ في الكتم، ويستكثرُ من المجانبة لِمَا يظنُّه الحق، مخافةً مِنْ وثوب المقلِّدة عليهِ وهَتكِهم له؛ لأنهم لا يَقنَعون من العالِم وإن كان في أعلى درجاتِ الاجتهاد إلَّا بأن يكون مِثلَهم مقلِّدًا بحتًا مقتديًا بالعالِم الذي يقلِّدونه هم وأسلافُهم وإن كان هذا العالِمُ الذي يُريدون منه ذلك أعلى رتبةً وأجلَّ قدْرًا وأكثرَ علمًا من عالِمهم الذي يقلِّدونه، كما يجدُه مَنْ له اطلاعٌ على كثيرٍ من أحوال الناس؛ فإنَّ في علماء المذاهب الأربعة مَنْ هو أوسعُ علمًا، وأعلى قدرًا من إمامه الذي ينتمي إليه ويقفُ عند رأيه، ويقتدي بما قاله في عبادته ومعاملته وفي فتاويهِ وقضائه، ويَسري ذلك إلى مصنَّفاته، فيُرجِّحُ فيها ما يرجِّحه إمامُه وإن كان دليلُه ضعيفًا أو موضوعًا، أو لا دليل بيده أصلًا؛ بل مجرد محض الرأي، ويدفعُ من الأدلة المخالِفةِ له ما هو أوضحُ من شمس النهار؛ تارةً بالتأويل المتعسِّف، وحينًا بالزُّور الملفَّق، مع كونه بمكانٍ من العلم لا يَخفَى عنده الصواب، ولا يلتبسُ معه الحق، ولكنه يفعلُ ذلك مخافةً على نفسه من تلك الطبقةِ المشؤومة، أو تأثُّرًا بما قد ظَفِر به من الدنيا والجاه الذي لا يستمرُّ له إلا بالموافقةِ لهم والسلوكِ فيما يُرضيهم. وقد يحملُه على ذلك الحرصُ على نَفَاقِ مصنَّفِه بينهم، واشتهارِه عندهم، وتداوُلهم له. • [عاقبةُ كتمِ الحقِّ في الدنيا والآخرة]: وما كان أغناهُ عن هذه البليَّةِ التي وقع فيها، والجنايةِ التي جناها على نفسه في العاجلة والآجلة!. أما في الآجِلة فظاهر؛ فإن اشتغالَه بذلك التصنيفِ المشتمِلِ على تأثير

стр. 120

رأيِ فردٍ من أفرادِ أهل العلم على ما شَرعه اللَّهُ في مُحكَم كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، مِنْ أعظم الذنوب التي تلقاه بين يدي اللَّه، فإنه ضالٌّ مُضِل، مفتونٌ فاتن، محاربٌ للشريعة المطهَّرة، معاندٌ لها؛ فعليه إثمٌ بما سَنَّه مِنْ هذه السُّنة السيئة، وإثمُ مَنْ عَمِل بها إلى يوم القيامة. وأما في العاجلة، فإن مِثلَ هؤلاء الصُّمِّ البُكم من المقلِّدة، لا يَفرحُ العاقلُ بانتشار مصنَّفاتِه عندهم وشيوعِها بينهم؛ لأنهم لا يَفهَمون العلم، ولا يعرفون أهلَه، ولا فرقَ بينهم وبين العامةِ البحتِ إلَّا مجردُ الدعوى، والتلبُّسِ بلِباس أهل العلم، والقعودِ في مقاعد أهله؛ فكما أن العاقلَ لا يَفرحُ بإقرار جماعةٍ له من البدْوِ والحُرَّاثِ أو السُّوقةِ من أهل الحياكة والحِجامة وسُقَّاطِ أهل المِهن الدنيئة والمَعايشِ الوضيعة، كذلك لا ينبغي له أن يفرحَ بمثل ذلك من المقلِّدة، فإنهم كما قال القائل: فإنْ لم يَكُنْها أو تَكُنْهُ فإنه أخوها غذَّته أُمُّه بلِبانِها (١) ومع هذا، فإنه يُعرِّضُ نفسَه بِهذا التصنيف لاستقصارِ (٢) أهلِ العلم الذين هم أهلُه، وعليهم المعوَّل فيه لغايته، واستحقارِ ما جاء به، والإزراءِ عليه مِنْ كلِّ واحدٍ منهم في عصره ذلك وما بعدَه من العصور، ما دام ذلك المصنَّفُ المشؤوم موجودًا على وجه الأرض كما هو معلوم؛ فإن المحقِّقين مِنْ أهل العلم إذا عَثَروا على شيءٍ من هذه المصنَّفاتِ المتعسِّفةِ الخارجةِ عن الحق، انقبضت أنفسُهم عنه، واسترذلوه (٣)، وسَقط مصنِّفُه

стр. 121

عندهم، ولم يَعُدُّوه من أهل العلم في وِرْدٍ ولا صَدَر، وألحقوه بالطبقةِ التي حَمَلتْه على ذلك الصُّنع الذي صَنَعه لهم، وأخْمَلوا ذِكرَه في مصنفاتِهم التي هي المصنَّفات المعتبَرة. وبالجملة: فما صَنع هذا المصنِّفُ لنفسه بذلك التصنيف إلَّا ما هو خزيٌ له في الدنيا والآخرة، ووبالٌ عليه في الآجِلة والعاجلة. • [من أشدِّ مسالكِ علماء السوءِ قباحةً]: وقد يَسلُكُ بعضُ هؤلاء مَسْلكًا هو أحسن (١) من ذلك المسلك؛ وذلك بأن يُورد الأقوال، ويحتجَّ لكل واحدٍ منها بما احتجَّ به قائلُه، ويستكثرَ من إيراد أدلةِ ما هو الحقُّ منها، ويُخرجَه مِنْ مَخارجه المقبولة، ثم يَذكُر ما قيل من ضعفِ دليل ما قال به مَنْ يعتقدُه أهلُ عصره وقُطره، وينسب ذلك التضعيفَ إلى مَنْ يُعتدُّ به مِنْ أهل العلم، ثم يعترضُ ذلك التضعيفَ باعتراضٍ يَعرف مَنْ هو مِنْ أهل العلم والإتقان سُقوطَه وبطلانَه؛ ركونًا منه على أن ذلك لا يَخفَى على مَنْ له قدمٌ في العلم، وزعمًا أنه قد رَمَز لهم إلى ما هو الحقُّ بإيرادِ دليله الصحيح، وإلى ما يخالفُه بإيرادِ دليلِه الضعيف، وأنه لم يأتِ بما أتى به من الاعتراض الساقطِ والتقويةِ للقول الفاسدِ إلَّا على وجهٍ لا يَخفى على أهل الإتقان، ولا يلتبس عند العارفين، وهو في زعمه قد أرضى الخاصةَ والعامة، وسَلك مسلكًا في غايةِ التحذلقِ ونهايةِ التبصر! وهو لا يشعُر بأن الخاصةَ من أهل التحقيق في غِنًى عن رمزه وهَمْزه وتحذلُقه؛ فإنهم يَعرفون مسالك الحقِّ بدونِ ما زعَمَه، ويأخذون الصوابَ من معادنه،

стр. 122

فنَفاقُ ما جاء به لديهم غايةُ ما فيه أنهم لا يَطعنون عليه بالجهل والقصور والبلادة وبُعدِ الإدراك، ولكنه قد فَتح للمقصِّرين أبوابَ الطعن على الأدلة الصحيحة، وزادهم إلى ما لديهم من البلايا الباطلة بلايا أخرى، وجَعل بينهم وبين الرجوع إلى الحق ردمًا فوق الردم الذي قد كان معمورًا (١)، ورَفَع أبنيةَ الباطل وشيَّدَها، ولم يَهدم منها بتصنيفه حجرًا ولا مَدَرًا؛ لأنه لقَّنهم المطاعنَ على الشرع، وفَتح لهم أبوابَ المقالِ على الأدلة، وهم لا يَعرفون أن اعتراضهم فاسدٌ، وأنه لا يَنفُق ولا يَصلح؛ لقصور أفهامهم عن إدراك ما هو صحيحٌ أو باطل، وضعفِ معارفِهم عن البلوغ إلى درجةِ التمييز؛ فزادَهم بما أفادهم شرًّا إلى شرِّهم، وتعصُّبًا إلى تعصُّبهم، وبُعدًا عن الحق إلى بُعدهم، ولم ينتفع الخاصةُ بشيءٍ مما جاء به من الألغاز؛ بل أَنزل بهم من الضرر ما لم يكن قَبلَه؛ فإنَّ أهل التعصُّب يصُولون عليهم باعتراضهِ ويجُولون، ويدفعون به في وجهِ مَنْ قال بضَعفِ دليل القول الذي قاله مَنْ يُقلِّدونه، ويجعلون ذلك ذريعةً لهم إلى الاغتباط بما هم فيه، والتهالُكِ على ما ألِفُوه، ووجدوا عليه آباءهم. • [التصنيفُ النافع]: وإنما التصنيفُ الذي يَستحقُّ أن يقالَ له: «تصنيف»، والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ اللَّهُ عليهم بيانه، وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه هو أن ينصُروا فيه الحق، ويَخذِلوا به الباطل، ويَهدِموا بحُججه أركانَ البدع، ويَقطعوا به حبائلَ التعصُّب، ويوضِّحوا فيه للناس ما نُزِّل إليهم

стр. 123

من البيِّنات والهدى، ويُبالغوا في إرشادِ العباد إلى الإنصاف، ويحبِّبوا إلى قلوبهم العملَ بالكتابِ والسُّنة، ويُنفِّرُوهم من اتباعِ مَحضِ الرأي وزائفِ المقال وكاسدِ الاجتهاد. ولا يمنعُهم من ذلك ما يُخيِّلُه لهم الشيطانُ ويسوِّلُه مَنْ أن هذا التصنيفَ لا يَنفُقُ عند المقلِّدة، أو يكونُ سببًا لجلب فتنةٍ، أو نزولِ مضرَّةٍ، أو ذهابِ جاهٍ أو مالٍ أو رئاسة؛ فإنَّ اللَّهَ ناصرٌ دينه، ومتمِّمٌ نورَه، وحافظٌ شرعَه، ومؤيِّدٌ مَنْ يؤيده، وجاعلٌ لأهل الحق ودعاةِ الشرع والقائمين بالحُجة سلطانًا وأنصارًا وأتباعًا، وإن كانوا في أرضٍ قد انغمس أهلُها في مَوجات البدع، وتسكَّعوا (١) في متراكَم الضلال، وقد قدمنا الإرشادَ إلى شيءٍ من هذا. • [استفسارٌ وجوابه]: فإن قلت: هؤلاء المتعصبةُ قد طبَّقوا جميعَ أقطارِ الأرض الإسلامية، وصارت المدارسُ والفتاوي (٢) والقضاءُ وجميعُ الأعمال الدينية بأيديهم، فإنَّ كل مملكةٍ من الممالك الإسلامية يَعتزي (٣) أهلُها إلى مذهبٍ من المذاهب، ونِحلةٍ من النِّحل، وكلُّ بلدٍ من البلادِ وقُطرٍ من الأقطار كثُرت أو قلَّت لابد أن يكون أهلُها مقلِّدين لميِّتٍ من الأموات، يأخذون عنه ما يجِدون في مؤلَّفاته ومؤلَّفاتِ أتباعه المقلِّدين له، حتى صارت مسائلُ مذهبهم نُصبَ

стр. 124

أعينهم، لا يتحوَّلون عنها، ولا يخالفونها، ويعتقدُ مَنْ تفاقَم تعصُّبُه من المقلِّدة أن الخروجَ عن ذلك خروجٌ من الدين بأسْره وإن كانت بقيةُ المذاهب على خلافه في تلك المسألة؛ كما نجده في كل مذهبٍ من المذاهب الأربعة وغيرها. فما عَسى يُغني إرشادُ فردٍ من أفرادِ العلم إلى الإنصاف، واتباع نص الدليل في قُطرٍ واسعٍ من أقطار الأرض، أو مدينةٍ كبيرةٍ من مدائنه؛ فإنه بأولِ كلمةٍ تخرجُ منه، وأيسرِ مخالفةٍ يتفوَّهُ بها، يقومُ عليه من المقلِّدة مَنْ يُنغِّصُ عليه مَشرَبَه، ويُكدِّرُ عليه حاله، وأقلُّ الأحوال أن يَسعى به هؤلاء المقلِّدةُ إلى أمثالهم ممن بأيديهم الأمرُ والنهي والدولةُ والصَّولة، فيمنعونه من المعاودة، ويتوعَّدونه بأبلغِ توعُّد، هذا إذا لم يَمنعوه من التدريس والإفتاء بمجرد ذلك، ويحُولون بينه وبين ما أردتَ منه بكلِّ حائل! وما يصنعُ المسكينُ بين مِئِينَ من المقلِّدة؛ كلُّ واحدٍ منهم أجلُّ قدرًا منه، وأنبلُ ذِكرًا، وأحسنُ ثيابًا، وأفرَهُ مركوبًا، وأكثرُ أتباعًا عند ألوفٍ مؤلَّفةٍ من العامة الذين هم بين جُندٍ وسُوقةٍ وحُرَّاثٍ وأهلِ حِرَف، لا يفهمون خطابًا، ولا يَعقِلون حقًّا! فما ظنك بالعامة إذا بَلَغهم الخلافُ بين فردٍ من أفرادِ العلم خامِلِ الذكر وبين جميع مَنْ يعدُّونه عالمًا مِنْ أهل بلدهم من المدرِّسين والقضاةِ والمفتين، وهم عددٌ جَمٌّ، ومقدارٌ ضخمٌ؟! أتُراهم يظنُّون الحقَّ بيد ذلك الفرد ويَتْبَعونه، ويقولون بقوله، ويَدَعون مَنْ يخالفه مِنْ أهل مدينتهم قاطبةً؟! هذا ما لا يكون؛ فإنَّا نجدُ العامةَ في قديم الزمن وحديثه مع الكثرة، ولا سيَّما مَنْ كان له مِنْ أهل العلم نصيبٌ من دولةٍ كالقضاة؛ فإن الواحدَ منهم يَعدِلُ عند العامة ألوفًا من أهل العلم الذين لا مناصبَ لهم ولا دولة؛ فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك

стр. 125

ما يُلقِيهِ إليهم المقلِّدةُ من الكلمات التي تُثيرُ غضبَهم، وتستطير حَمِيَّتَهم، كقولهم: «هذا الرجل يخالفُ إمامكم، ويدعو الناس إلى الخروج من مذهبه، ويُزري عليه، ويقول: إنه جاء بغير الحق، وخالَف الشرع»! فإنهم عند سماع هذا مع ما قد رَسَخ في عقائدهم، وثبت في عقولهم لا يُبالون أيَّ دمٍ سفكوا، وأيَّ عِرض انتهكوا، يَعلمُ هذا كلُّ مَنْ له خبرةٌ بهم وممارسةٌ لهم؟!. قلت: هذا السؤالُ الذي أوردته أيها الطالبُ للحق، الراغبُ في الإنصاف قد أفادنا أنك لم تَفهم ما قدَّمتُه لك في هذا الكتاب حقَّ الفهم، ولم تتصوَّرْه كليةَ التصور؛ فقد كررتُ لك في مواضعَ منه ما تستفيدُ منه جوابَ ما أوردتَه هنا؛ فعاوِدِ النظر، وكرِّر التدبُّر، وأطِلِ الفِكر، بعد أن تبالغَ في تصفيةِ الفطرة، وتستكثرَ من الاستعدادِ للقبول. وهَبْ أنه لم يَتقدَّم ما يَصلحُ أن يكون جوابًا لِما خَطَر ببالك الآن من هذا السؤال، فها أنا أُجيب عليك بجوابين؛ الأول جوابٌ مجمَل، والآخر جوابٌ مفصَّل. • أمَّا الجوابُ الْمُجمَل: فأقول لك بعد التسليم: جميعُ ما أوردتَه في سؤالك هذا؛ مِنْ أن حاملَ العلم ومبلِّغَ الحُجةِ سيُحال بينه وبين ما يريده بأول كلمةٍ تخرجُ منه فيها مخالفةٌ لِما أَلِفه الناس، ولا يَقدِرُ بعدها على شيءٍ من الهداية إلى الحق، والإرشادِ إلى الإنصاف لِمَا قدَّرتَه من أنها ستقومُ عليه القيامة، وتأزَفُ عليه الآزفة (١)، وتَضيقُ عنه دائرةُ الحق، وتنبُو عنه (٢) جميعُ المسامع، وتؤخَذُ عليه

стр. 126

كلُّ وسيلة: فبعدَ هذا كلِّه قد قام بما أَوجب اللَّهُ عليه، وأراد ما طلبه اللَّهُ منه من الهداية، ووفَّى بما أَخذ عليه من العهد، وامتَثل ما ألزمه به من البيان، وصار بذلك من العلماءِ العاملين القائِمِين بنَشر حُجج اللَّه، وإبلاغ شرائعه. وهذا فرضُه ليس عليه غيرُه، ولا يجبُ ما سواه؛ فهو لم يكتم ما علَّمه اللَّه، ولا خان عهدَ اللَّه، ولا خالَف أمره، ولا اشترى به ثمنًا قليلًا، ولا باعه بعرَضٍ من أعراض الدنيا؛ فله أجرُ مَنْ مكَّنه اللَّهُ من ذلك وخلَّى بينه وبينه؛ لأنه قد قام في المقام الذي افترضه اللَّهُ عليه، وسَلَك الطريقةَ التي أمَره بسلوكها، فحال بينه وبينه مَنْ لا يُطيقُ دَفْعَه، ولا يقدِر على مناهضته (١)، فكان ذلك قائمًا بعُذره، مُسقِطًا لفرضه، مُوجبًا لاستحقاقه لثواب ما قد عزم عليه، وأجرِ ما أراده. فأيُّ غنيمةٍ أجلُّ مِنْ غنيمته، ونعمةٍ أكبرُ من نعمته؟ وأين منزلتُه عند اللَّهِ مِنْ منزلةِ مَنْ فتح اللَّهُ عليه مِنْ أبواب معارفهِ ولطائفِ شريعته بما يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، ويَعرفُ به صوابَ القولِ من خطئِه، فكَتَم الحُجة، وآثر على نشرها ما يرجُوه من استدرارِ خُلْفٍ (٢) من أخلافِ الدنيا، ونَيلِ جاهٍ من الجاهات، ورئاسةٍ من الرئاسات، ومَعيشةٍ من المعائش، فمَضى عمرُه وانقضت حياتُه كاتمًا للحُجة، مخالفًا لأمر اللَّه، نابذًا لعهده، طارحًا لما أخذه عليه!. • وأما الجوابُ الْمُفصَّل: فاعلم أنى لم أُرِد بما أرشدتُ إليه في هذا الكتاب ما خَطَر ببالك ولا لومَ

стр. 127

عليَّ؛ فقد كررتُ لك ما قصدتُه تكريرًا لا يخفى على الفَطِن، فهل طلبتُ من حامل الحجةِ أن يقوم بين ظهرانَيِ الناس قائلًا: «اجتنبوا كذا من الرأي، اتبعوا كذا منَ الكتاب والسُّنة»، صارخًا بذلك في المحافل، ناطقًا به في المشاهد، مع علمِه بتراكُم سحائب الجهل، وتلاطُم أمواجِ بحار التعصُّب، وإظلامِ أُفُقِ الإنصاف، واكْفِهْرَارِ (١) وجهِ الاسترشاد؟! فإن هذا وإن كان مُسقِطًا لِمَا افترضه اللَّهُ على مَنْ استخلصه (٢) مِنْ عباده لحَمْل حُجتِه وإبلاغ شريعته، لكنْ لكل عالِمٍ قدوةٌ بأنبياء اللَّه، وأسوةٌ بمن أرسله من رُسُله؛ فقد كانوا عليهم الصلاة والسلام يدبِّرون عبادَ اللَّه بتدبيرات، فيها من الرِّفقِ واللُّطفِ وحُسنِ المَسلك ما لا يخفى على أهل العلم؛ فإن نبيَّنا ﷺ قد تألَّف رؤساءَ المشركين وهم إذ ذاك حديثو عهدٍ بجاهلية، وترك المهاجرين والأنصارَ من الغنيمة وسيوفُهم تقطُرُ من دماء المؤلَّفين (٣) وأتباعِهم ومَن يُشاكِلُهم فيما كانوا عليه. وصحَّ عنه ﷺ أنه ترك مَنْ كان منافقًا على نِفاقه، وعَصَمهم بظاهر كلمة الإسلام، ولم يَكشفهم ويُتلِفْ ما عندهم بعد أن ظَهر منهم ما ظهر من النفاق، كعبد اللَّه بن أُبىِّ بن سَلول رأس المنافقين، وقال: «لا يتحدَّثُ الناسُ أن محمَّدًا يقتُلُ أصحابَه» (٤).

стр. 128

وقد اشتمل الكتابُ والسُّنةُ على ما كان يقعُ من الأنبياء صلواتُ اللَّه عليهم وسلامه مِنْ تدبير أُمَمِهِم، والرِّفقِ بهم، واغتنامِ الفُرص في إرشادهم، وإلقاءِ ما يحدُو بهم إلى الحقِّ في الوقت بعد الوقت والحالةِ بعد الحالة، على حسب ما تقبلُه عقولُهم، وتحتملُه طبائعهم، وتفهمُه أذهانُهم (١). • [كيفية تعامُلِ العالِم مع طبقات الناس]: فالعالِمُ الذي أعطاه اللَّهُ الأمانة، وحَمَّله الحُجة، وأخذ عليه البيان، يُورد الكلامَ مع كل أحدٍ على حسب ما يقبلُه عقلُه، وبقدر استعداده. (١) فإن كان كلامُه مع أهل العلم الذين يَفهمون الحُجة، ويَعقِلون البرهان، ويَعلمون أن اللَّهَ سبحانه لم يتعبد عبادَه إلَّا بما أنزله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وحالَ بينهم وبين الالتفات إلى ذلك، والرجوعِ إليه والعملِ عليه: ما تكدَّرت به فِطَرُهم، وتشوَّشت عنده أفهامُهم، من اعتقادِ أحقيةِ التقليد، أو استعظامِ الأمواتِ من أهل العلم، أو استقصارِ أنفسِهم عن معرفةِ الحق بنص الدليل: فعليه (٢) أن يَعتمد معهم تسهيلَ ما تعاظَموه من الوقوف على الحق قائلًا: إن اللَّه تعبَّد جميعَ هذه الأمةِ بما في الكتاب والسُّنة، ولم يخُصَّ بفَهم ذلك مَنْ كان مِنْ السلف دون مَنْ تَبِعهم من الخلَف، ولا قصُر فضلُه بما شرعه لجميع عباده على أهل عصرٍ دون عصر، أو أهلِ قُطرٍ دون قُطر، أو أهلِ بطنٍ دون بطن؛ فالفَهمُ الذي خَلَقه للسلف خَلَق مِثلَه للخلف،

стр. 129

والعقلُ الذي ركَّبه في الأموات ركَّب مِثلَه في الأحياء، والكتابُ والسنةُ موجودانِ في الأزمنة المتأخرةِ كما كانا في الأزمنةِ المتقدمة، والتعبُّدُ بهما لمن لَحِقَ (١) كالتعبُّد لمن مضى، وعِلمُ لُغةِ العرب موجودٌ في الدفاتر عند المتأخِّرين على وجهٍ لا يَشِذُّ منه شيءٌ؛ بعد أن كان المتقدِّمون يأخُذون عن الرواة حرفًا حرفًا، ويستفيدون من أربابه كلمةً كلمة. وكذلك تفسيرُ الكتاب العزيز موجودٌ في التفاسير التي دوَّنها السلفُ للخَلَف؛ بعد أن كان الواحدُ منهم يَرحلُ في تفسير آيةٍ من كتاب اللَّه إلى الأقطار الشاسعة. وكذلك الأحاديثُ المرويةُ عن رسول اللَّه ﷺ موجودةٌ في الدفاتر التي جَمَعها الأوَّلُ للآخِر؛ بعد أن كان الواحدُ منهم يرحل في طلب الحديثِ الواحد إلى البلاد البعيدة. وهكذا جميعُ العلوم التي يُستعان بها على فهم الكتاب والسنة. فالوقوفُ على الحق، والاطلاعُ على ما شَرَعه اللَّهُ لعباده قد سهَّله اللَّهُ على المتأخِّرين، ويسَّره على وجهٍ لا يحتاجون فيه منَ العناية والتعب إلَّا بعضَ ما كان يحتاجُه مَنْ قبلهم؛ وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى (٢).

стр. 130

ثم إن هذا العالِمَ يوضِّحُ لمن يأخذُ عنه العلمَ في كل بحثٍ ما يقتضيه الدليل، ويوجبُه الإنصاف؛ وهو وإن أبى ذلك في الابتداء فلابد أن يؤثِّر ذلك البيانُ في طبعه قبولًا، وفي فطرته انقيادًا. ويَحرصُ على أن تكون أوقاتُه مشغولةً بتدريس الطلبة في كتب التفسير والحديث وشروحه، وفي كتب الفقهِ التي يتعرَّضُ مؤلِّفُوها لذِكرِ الأدلة والترجيح؛ فإنه في تدريس هذه المؤلفاتِ يتيسَّرُ له من الإرشاد والهداية، وتأسيسِ الحق، وتقريبِ الإنصاف، ما لا يتيسَّر له في غيرها. (٢) وإن كان كلامُه مع مَنْ هو دونَ هذه الطبقة، فأنفعُ ما يُلقيه إليه: هو ترغيبُه في علوم الاجتهاد، وتعريفُه أن المقصودَ بِهذه العلومِ هو الوصولُ إلى ما وصل إليه علماءُ الإسلام؛ فإذا جَدَّ في ذلك فقد انفتحت منه أبوابُ الهداية، ولاحت عليه أنوارُ التوفيق. ثم إذا تأهَّل واستعدَّ لفهم الحُجة، سَلَك معه المسلكَ الأول (١). (٣) ومن كان لا يَهتدي إلى طَلب تلك العلوم بوجهٍ من الوجوه، فأقربُ ما يسلكُه العالِمُ معه، هو أن ينظرَ إلى مَنْ قال مِنْ أهل العلم الذين يعتقدُهم ذلك المقصِّرُ بما قامت عليه الأدلة، وأوجب سلوكَه الإنصاف، فيقول له: «إن قول العالِمِ الفلانيِّ قولٌ راجحٌ؛ لقيام الأدلة عليه». ثم يصنعُ معه هذا الصُّنعَ في المسائل التي يعتقدُها تقليدًا، ويَجمُدُ عليها قصورًا؛ فإن انتفع بذلك فهو المطلوب، وإن لم ينتفع فأقلُّ الأحوال السلامةُ من مَعَرَّته (٢)، والخلوصُ من شرِّه.

стр. 131

(٤) وأما العامةُ الذين لم يتعلَّقوا بشيءٍ من عِلم الرأي، فهم أسرعُ الناس انقيادًا، وأقربُهم إلى القبول؛ إنْ سَلِموا مِنْ بلايا ما يُلقيهِ إليهم المتعصِّبون. وبالجملة: فالعالِمُ المتصدِّي للإرشاد، المتصدِّي للهداية، لا يَخفَى عليه ما يَصلُح منَ الكلام مع مَنْ يتكلم معه. فهذا هو الذي أردتُه مِنْ نشر حُجج اللَّه، وإرشادِ العباد إليها، وقد قدمتُه بأبسطَ من هذا؛ وإنما كررتُه هنا لقصدِ دفع ما سَبق من السؤال. • [السبب الثامن لتَرْك الإنصاف: الاعتماد على قواعد عقلية تخالف الكتاب والسنة]: ومن جُملةِ أسباب التعصب التي لا يشعرُ بها كثيرٌ من المشتغلين بالعلوم: ما يذكره كثيرٌ من المصنِّفين مِنْ أنه: «يَرُدُّ (١) ما خالف القواعد المقرَّرة». فإن مَنْ لا عنايةَ له بالبحث يَسمعُ هذه المقالة، ويَرى ما صَنَعه كثيرٌ من المصنِّفين مِنْ ردِّ الأدلة من الكتاب والسُّنة إذا خالف تلك القاعدة، فيظنُّ أنها في اللوح المحفوظ! فإذا كَشَفها وجدها في الغالب كلمةً تكلَّم بها بعضُ مَنْ يعتقدُه الناس مِنْ أهل العلم الذين قد صاروا تحتَ أطباق الثرى، لا مستندَ لها إلا محضُ الرأي، وبَحْتِ ما يُدَّعى من دلالة العقل. وكثيرًا ما تجدُ في علم الكلام الذي يسمُّونه: «أصولَ الدين» (٢)، قاعدةً قد تقرَّرت بينهم واشتُهرت، وتلقَّنها الآخِرُ من الأول، وخَطُّوها جِسرًا

стр. 132

يدْفعون بها الآياتِ القرآنيةَ والأحاديثَ النبوية؛ فإذا كشفتَ عنها وجدتَها في الأصل كلمةً قالها بعض حكماء الكلام؛ زاعمًا أنه يقتضي ذلك العقلُ ويستحسنُه! وليس إلَّا مجردَ الدعوى على العقل وهو عنها بريءٌ؛ فإنه لم يَقضِ بذلك العقلُ الذي خلقه اللَّهُ في عباده، بل قضى به عقلٌ قد تدنَّس بالبدع، وتكدَّر بالتعصب، وابتُلي بالجهل بما جاء به الشرعُ، وجاء بعده مَنْ هو أشدُّ بلاءً منه، وأسخفُ عقلًا، وأقلُّ عِلمًا، وأبعدُ عن الشرع؛ فجعل ذلك قاعدةً عقليةً ضروريةً، فدَفع بها جميعَ ما جاء عن الشارع (١)، عَرَف هذا مَنْ عرفه، وجَهِله من جهله، ومَن لم يعرف هذا فلْيتَّهم نفسه. فيا للَّهِ العجب مِنْ مَزِيَّةٍ يفتريها على العقل بعضُ مَنْ حُرِم علمَ الشرع، ثم يأتي مَنْ بعده فيجعلُها أصولًا مقررةً وقواعدَ محرَّرة، ويُؤثِرُها على قولِ اللَّه وقولِ الأنبياء. وهكذا تجدُ في عِلم «أصول الفقه» قاعدةً قد أخذها الآخِرُ عن الأول، وتلقَّنها الخلَفُ عن السلف، وبَنَوا عليها القناطر (٢)، وجعلوها إمامًا لأدلةِ الكتاب والسُّنة؛ يُجيزون ما أجازته، ويردُّون ما ردَّته! وليست من قواعد اللغة الكلية، ولا من القوانينِ الشرعية؛ بل لا يستندُ لها إلا الخيالُ المُختل، والظنُّ الفاسد، والرأيُ البحت! ومع هذا فهم يزعمون أن هذا العِلمَ (٣) لا تُقبَلُ فيه إلَّا الأدلةُ القطعية! وهي دعوى ظاهرةُ البطلان، واضحةُ الفساد؛ فإن غالبَها (٤) لا يوجد عليه دليلٌ من الآحاد صحيحٌ ولا حسن؛ بل لا يوجد آحاديٌّ

стр. 133

ضعيف! وغالب ما يوجد الموضوعاتُ التي لا يَمتري مَنْ له حظٌّ من العلم في كَذِبها، كاستدلالهم بمثل: «حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة» (١)، وبمثل: «نحن نحكمُ بالظاهر» (٢)، ونحو هذه الأكاذيب. فالمغرورُ مَنْ اغتُرَّ بِهذه الدُّلَس (٣)، والمخدوعُ مَنْ خُدع بها، وترقَّى بها مِنْ كونها موضوعةً إلى كونها صحيحةً، ثم من كونها صحيحةً إلى كونها قطعيةً!. فياللَّهِ العجبُ مِنْ نَفَاق مثلِ هذه الأمور على كثيرٍ من أهل العلم، وانقراضِ القرنِ بعد القرنِ والعصرِ بعد العصر وهى عندهم مسائلُ قطعية، وقواعدُ مقرَّرة، والذنبُ لمن تكلَّم بها، وذكَرها في مؤلفاته، ولم يقف حيثُ أوقفه اللَّهُ مِنْ جهله بما جاء في الشريعة. وهكذا ما وقع في كثيرٍ من أبوابِ الفقه؛ مِنْ ذكر قواعدَ يُطَرِّدونها (٤) في

стр. 134

جميع المسائل، ويظنُّون أنها من قواعدِ الشرع الثابتة بقطعيَّاتِ الشريعة! ومَن كَشف عن ذلك وجد أكثرَها مبنيًّا على محض الرأي الذي ليس عليه أثارةٌ من علم، ولا يَرجع إلى شيءٍ من الشرع. ومَن خَفِي عليه هذا، فلْيعلم أن قُصورَه وعدَم اشتغاله بالعلم هو الذي جنى عليه، وغَرَّه بما لا يَغترُّ به مَنْ عضَّ على العلم بناجذه، وكَشَف عن الأمور كما ينبغي. فعلى من أراد الوصولَ إلى الحق، والتمسُّكَ بشِعارِ (١) الإنصاف، أن يكشف عن هذه الأمور؛ فإنه إن فعل ذلك هان عليه الخطبُ، ولم يَحُل بينه وبين الحق ما ليس منَ الحق. • [السبب التاسع لتَرك الإنصاف: الاعتماد على كتب الْمُتعصِّبين]: ومِن أسباب الوقوع في غير الإنصاف والتمسُّكِ بذَيلٍ من الاعتساف: أن يأخذ طالبُ الحقِّ أدلةَ المسائل من مجاميع الفقهِ التي يعتزي (٢) مؤلفُها إلى مذهب من المذاهب؛ فإن مَنْ كان كذلك يُبالغ في إيراد أدلةِ مذهبه، ويُطيلُ ذَيلَ الكلام عليها، ويصرِّحُ تارةً بأنها «أدلةٌ»، وتارةً بأنها «حُجج»، وتارةً بأنها «صحيحة»، ثم يطفِّفُ (٣) لخَصمه المخالِفِ؛ فيُورِدُ أدلتَه بصيغةِ التمريض، ويُعنْوِنُها بلفظِ: «الشُّبَه» (٤)، وما يؤدي هذا المعنى. فإذا اقتصر طالبُ الحقِّ على النظر في مِثل هذه المؤلَّفات، وَقع في الباطل وهو يظنُّه الحق، وخالَف الحق وهو يظنه الباطل! والذي

стр. 135

أوقعه في ذلك: اقتصارُه في البحث والنظر على ذلك الكتاب الذي ألَّفه ذلك المتعصِّبُ، وإحسانُ الظن به، وغُفولُه عن أنَّ مواطنَ الأدلة هي مجاميعُ الحديث كالأمَّهات وما يلتحق بها، وأن هؤلاء هم أهل العلم وأربابُه الذين يَعرفون صحيحَه من فاسده كما قدمنا الإشارة إلى هذا. ولا بأس بأن ينظر طالبُ الحق في كتب العلماء المشهورين بالإنصاف، الذين لم يتعصَّبوا لمذهبٍ من المذاهب، ولا انتسَبوا إلى عالِم من العلماء؛ فإنه يستفيدُ بمطالعة مؤلفاتِ المنصِفين كيفيةَ العمل عند التعارض (١)، ويهتدي إلى مواقع الترجيح ومواطنِ ما يَحِقُّ من الاجتهاد على الوجه المطابق. وهكذا كتبُ الكلام وأصول الفقه؛ فإن كلَّ طائفةٍ تَصنعُ هذا الصنعَ في الغالب، فتَصِفُ ما يوافقُ مذهبَها بالحُجج القواطع والأدلةِ الراجحة، وتطفِّفُ للمخالف، فتُورِدُ له ما لا يَعجِزون عن جوابه ودفْعِه، ويتركون ما لا يتمكَّنون من دفعه، وقد يذكرونه على وجهٍ فيه مدخلٌ للدفع، ويُلصقون به ما يَفتح فيه أبوابَ المقال. فلْيَحذَرِ المُنصِفُ من الركون على ما يورده المُتمذهِبون لأنفسهم ولخصومهم من الحُجج؛ فإنه قد عَلِق بكل طائفةٍ من العداوة للأخرى ما يوجب عدمَ القبولِ مِنْ بعضهم في بعض. وبالجملة: فليس المتعصِّبُ بأهلٍ لأَن يؤخذَ الحقُّ من مؤلفاته؛ فإنه إذا لم

стр. 136

يَنتفع بالعلم، ويهتدي بما عَرف منه، فكيف يهتدي به غيرُه، أو يتوصَّلُ بما جَمَعه إلى ما هو الحقُّ؟! فالمُصابُ بالعمى لا يقودُ العُمْيَ، فإنْ فَعل كانت ظلماتٍ بعضُها فوق بعض، والمريضُ لا يُداوي مَنْ هو مصابٌ بمثل مرضه، ولو كان صادقًا فيما يزعمُه من اقتدارِه على المداواة، كانت نفسُه التي بين جَنبيه أحقَّ بذاك منه. • [السببُ العاشر لتَرْكِ الإنصاف: تقليد الْمتعصِّبة في باب: «الجرح والتعديل»]: ومِن جُملةِ الأسباب المانعة من الإنصاف: التقليدُ في عِلم «الجرح والتعديل» لمن فيه عصبيةٌ من المصنِّفين فيه كما يجدُه اللبيبُ كثيرًا؛ فإنه إذا تصدَّى لذلك بعضُ المصابين بالتقليد، كان العدلُ عنده مَنْ يوافقُه في مذهبه الذي يعتقدُه، والمجروحُ من خالفه كائنًا من كان! ومَن خَفِي عليه [هذا]، فلْينظر ما في مصنَّفات الحُفَّاظ بعد انتشار المذاهب وتقيُّدِ الناس بها، وكذلك ما في كتب المؤرخين؛ فإنَّ الموافقة في المذهب حاملةٌ على تَركِ التعرُّضِ لموجِباتِ الجرح، وكتمِ الأسباب المقتضيةِ لذلك (١)؛ فإن وقع التعرُّضُ لشيءٍ منها نادرًا أكثَرَ المصنِّفُ من التأويلاتِ والمرواغات والتعسُّفات الموجبةِ لدفعِ كونِ ذلك الخارج خارجًا! وإنْ كان الكلامُ على أحوال المخالفين، كان الأمرُ بالعكس من ذلك، فالفضائلُ مغموطة، والرذائلُ منشورة؛ من غير تأويلٍ ولا إحسانِ ظنٍّ. وبالجملة: فالاهتمامُ في المُوافِق بذِكر المناقب دونَ المثالب (٢)، وفي

стр. 137

المُخالِفُ بالعكس من ذلك، ولا أقول: إنهم يتعمَّدون الكذبَ ويكتمون الحق فهم أعلى قدرًا، وأشدُّ تورعًا من ذلك؛ ولكن رَسَخ في قلوبهم حبُّ مذاهبهم، فأحسَنوا الظنَّ بأهلها، ونفرت أنفسهم من مذاهب غيرهم، فأساؤوا الظن بأهلها، فتسبَّب عن ذلك ما ذكرْنا، ولم يَشعُروا بأن هذا الصَّنيعَ من أشد التعصُّبِ وأقبح الظلم؛ بل ظنُّوا أن ذلك من نُصرة الدين، ورفْعِ مَنار المُحقِّين، ووضْعِ أمْرِ المُبطِلين؛ غفلةً منهم وتقليدًا (١).

стр. 138

وقد يقعُ ذلك بين أهل المذهبِ الواحد مع اتفاقهم في التقليدِ لإمامٍ واحدٍ، واعتقادِهم بمعتقَدٍ واحد، فإذا تصدَّى أحدُهم لتراجم أهل مذهبه، أطال ذَيلَ الكلام عند ذكر شيوخِه وتلامذته بكل ما يقدرُ عليه، وكذلك يوسِّعُ نطاقَ المَقام عند ترجَمته لمن له عليه أيُّ يدٍ كانت، فإذا تَرجم غيرَ شيوخِه وتلامذتِه وأهلِ مودَّته، طَفَّف لهم تطفيفًا، وأوسعهم ظلمًا وحَيفًا. وإذا كان هذا مع الاتفاقِ في المذهب والمعتقَد، فما ظنُّك بما يكونُ مع الاختلاف في المذهب، والاتفاقِ في التسمي باسمٍ واحد إما باعتبارِ الاعتقاد، أو باعتبار أمرٍ آخر، كأهل المذاهب الأربعة؟! فإنهم اختلفوا في المذاهب، مع اتفاقهم على أنهم أهلُ السُّنة، واشتراكِ غالبهم في اعتقاد قول الأشعريِّ (١)؛ فإن دائرةَ الأَهْوِيةِ (٢) حينئذٍ تتَّسع، ومحبةَ العصبيةِ تكثُر، كما تراه كثيرًا في تراجِم بعضِهم لبعض، خصوصًا فيما بين الحنابلة ومَن عَداهم من أهل المذاهب الأربعة، وكذلك فيما بين الحنفية ومَن عداهم، ومَن نظر في ذلك

стр. 139

بعين الإنصاف علم بالصواب؛ دَع عنك ما يقعُ مع الاختلاف في المذاهب والمعتقَدات؛ فإنه يبلغُ الأمرُ إلى عداوةٍ فوق عداوةِ أهلِ المِلل المختلِفة. فطالبُ الإنصافِ لا يلتفتُ إلى شيءٍ ممَّا يقعُ من الجرح والتعديل بالمذاهب والنِّحل؛ فيُقبَلون جميعًا؛ إلَّا أن يكون ما جاء به المتمذهبُ مقوِّيًا لبدعته، أو كان على مذهبٍ لا يَرى بالكذبِ فيه بأسًا كما هو عند غُلاة الرافضة (١). وأما ما عدا الجرحَ والتعديل بالمذاهب والمعتقَدات، فإن كان المتكلمُ في ذلك بريئًا عن التمذهب والتعصُّب كما يُروى عن السلف قبل انتشار المذاهب، فاحرص عليه، واعمَل به على اعتبار صحةِ الرواية وصدورِه في الواقع، وأما باعتبار كونِهِ جارحًا أو غيرَ جارح، فذلك مفوَّضٌ إلى نظر المجتهد. والذي ينبغي التعويلُ عليه: أن القدحَ إن كان يرجعُ إلى أمر يتعلقُ بالرواية كالكذبِ فيها، وضعفِ الحفظ، والمجازفة، فهذا هو القدحُ المعتبَر. وإن كان يرجعُ إلى شيءٍ آخر، فلا اعتدادَ به؛ وإن كان المتكلمُ متلبِّسًا بشيءٍ من هذه المذاهب، فهو مقبولٌ في جَرْح من يجرِّحُه من الموافقين له، وتزكيةِ مَنْ يُزكِّيه من المخالفين له (٢).

стр. 140

وأما من جاء بما يَقتضي تعديلَ الموافق وجَرْح المخالف؛ فهذا مما ينبغي التوقُّفُ فيه حتى يُعرفَ من طريقٍ غيره، أو يُشتَهرَ اشتهارًا يقبله سامعه. • [السببُ الحادي عشر لتَركِ الإنصاف: الْمُنافسةُ بين الْمُتقاربين في الفضل والْمنزلة]: ومن الأسباب المانعة من الإنصاف: ما يقعُ من المنافسة بين المتقارِبين في الفضائل، أو في الرئاسةِ الدينية أو الدنيوية؛ فإنه إذا نَفخ الشيطانُ في أنفِهما، وترقَّت المنافسةُ، بلغت إلى حدٍّ يَحمل كلَّ واحدٍ منهما على أن يرُدَّ ما جاء به الآخرُ إذا تمكَّن من ذلك، وإن كان صحيحًا جاريًا على منهج الصواب (١). وقد رأينا وسمِعنا مِنْ هذا القبيل عجائبَ؛ صَنَع فيها جماعةٌ مِنْ أهل العلم صَنيعَ أهل الطاغوت (٢)! وردُّوا ما جاء به بعضُهم من الحق، وقابلوه،

стр. 141

بالجدال الباطل، والمِراء القاتل. • [من مذكِّرات الْمُصنِّفِ ﵀ -]: وإني لأذكُرُ أيامَ اشتغال الطلبة بالدرْس عليَّ في كثيرٍ من العلوم، وكنتُ أُجيب عن مسائلَ تَرِدُ إليَّ يحرِّرُها الطلبةُ ويحرِّرُها غيرُهم من أهل العلم من أمكنةٍ قريبةٍ وبعيدة؛ فكان يتعصَّبُ على تلك الأجوبةِ جماعةٌ من المشارِكين لي في تدريس الطلبة في علوم الاجتهادِ وغيرها، وقد يسلُكون مسلكًا غيرَ هذا، فيقعُ منهم الإيهامُ على العوامِّ بمُخالفةِ ذلك الكلامِ لما يقولُه مَنْ يعتقدون قولَه منَ الأموات! فينشأ عن ذلك فتنٌ عظيمة، وحوادثُ جسيمة. وكان بعضُ نُبلائهم يكتبُ على بعضِ ما أكتبُه (١)، ثم يُهديه إلى السائل وإن كان في بلدٍ بعيد، من دون أن يقصده بسؤالٍ، ولا طلبٍ منه تعقُّبَ ما أجبتُ به من المقال، وقد أقفُ على شيءٍ من ذلك، فأجده في غايةٍ من الاعتساف، فأتعقَّبُه تعقُّبًا فيه كَشفُ عَوَارِه، وإيضاحُ بَوَاره (٢). وقد ينضمُّ إلى ذلك ذِكرُ كلمات، والاستشهادُ بأبياتٍ اقتضاها الشبابُ والنشاطُ واشتعالُ الغضب؛ لما أراه منَ التعصُّب والمنافسة على ما ليس لي فيه اختيار؛ فإنَّ ورودَ سؤالاتِ السائلين إليَّ من العامةِ والخاصة، وانثيال (٣) المُستفتِين من كل جهةٍ لم يكن بسَعْيٍ منِّي ولا احتيال، وكذلك اجتماعُ نُبلاء

стр. 142

الطلبة لديَّ، وأخذُهم عنِّي، وتعدُّدُ دُروسهم عندي ليس لي فيه حيلةٌ، ولا هو من جهتي؛ فكان هذا الصنعُ منهم يحملُني على مُجاوبتهم بما لا يُعجِبُني بعدَ الصَّحْو من سُكر الحَدَاثة (١) والقيامِ من رَقْدةِ الشباب، لا لكونه غيرَ حقٍّ أو ليس بصواب، بل لكونِه فيه من سِهام الملام وصوارمِ الخصام ما لا يُناسِبُ هذا المَقام (٢). فإذا كان هذا في المشترِكين في التدريس والإفتاء وهما خارجان عن مناصب الدنيا، لأنهما في ديارنا لا يُقابَلان بشيءٍ من الدنيا لا من سلطانٍ ولا غيرِه من نوع الإنسان؛ فما بالُك بالرئاسات التي لها مدخلٌ في الدين والدنيا، أو التي هي خاصةٌ بالدنيا متمحِّضةٌ لها (٣)! فإنه لا شك أن التنافس بين أهلها أهمُّ من الرئاسات الدينية المحضة التي لم تُشَبْ بشيءٍ من شوائب الدنيا (٤). فينبغي للمنصِف ألَّا يَغفُلَ عن هذا السبب؛ فإن النفسَ قد تنقبضُ عن كلامِ مَنْ كان منافِسًا في رُتبة، معارِضًا في فضيلة وإن كان حقًّا؛ وقد يحصُل مع الناظر فيه زيادةٌ على مجردِ الانقباض؛ فيتكلمُ بلسانه، أو يحرِّرُ بقلمه ما فيه معارضةٌ للحق ودفعٌ للصواب، فيكون مؤثِرًا لحَميَّةِ الجاهلية وعَصَبيةِ الطاغوتِ على الشريعة المطهَّرة، وكفى بِهذا؛ فإنه من الخُذلان

стр. 143

البيِّن. نسأل اللَّه الهدايةَ إلى سبيل الرشاد. • [السبب الثاني عشر لتَرْكِ الإنصاف: التباسُ الرأي الشخصي بعلومِ الاجتهاد]: ومِن أسباب التعصبِ الحائلةِ بين من أُصيب بها وبين التمسُّك بالإنصاف: التباسُ ما هو من الرأي البحت بشيءٍ من العلوم التي هي موادُّ الاجتهاد. وكثيرًا ما يقع ذلك في «أصول الفقه»؛ فإنه قد اختلط فيها المعروفُ بالمنكر، والصحيحُ بالفاسد، والجيدُ بالرديء؛ فربما يتكلمُ أهل هذا العلم على مسائلَ من مسائلِ الرأي، ويحرِّرُونها، ويقرِّرُونها، وليست منه في شيء، ولا تعلُّقَ لها به بوجهٍ. فيأتي الطالبُ لهذا العلم إلى تلك المسائل، فيعتقدُ أنها منه، فيَرُدُّ إليها المسائلَ الفُروعية، ويرجعُ إليها عند تعارض الأدلة، ويعملُ بها في كثيرٍ منَ المباحث؛ زاعمًا أنها من أصول الفقه، ذاهلًا عن كونها من علم الرأي. ولو علم بذلك لم يقعْ فيه ولا رَكَن إليه؛ فيكونُ هذا وأمثالُه قد وقعوا في التعصب، وفارقوا مسلكَ الإنصاف، ورجَعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعُرون بشيءٍ من ذلك، ولا يَفطِنون به، بل يَعتقِدون أنهم متشبِّثون بالحق، متمسِّكون بالدليل، واقِفون على الإنصاف، خارجون عن التعصب! وقلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنْ هذه الدقيقة، وينجُو من غُبار هذه الأعاصير؛ بل هم أقلُّ من القليل!. وما أخطرَ ذلك، وأعظمَ ضررَه، وأشدَّ تأثيرَه، وأكثرَ وقوعَه، وأسرعَ نَفَاقَه

стр. 144

على أهل الإنصاف وأربابِ الاجتهاد!. فإن قلت: إذا كان هذا السبب كما زعمتَ من الغموضِ والدقة، ووقوعِ كثير من المنصفين فيه وهم لا يشعرون؛ فما أحقَّه بالبيان، وأولاهُ بالإيضاح، وأجدَرَه بالكشف! حتى يَتخلَّص عنه الواقعون فيه، وينجوَ منه المتهافِتون عليه (١). قلت: اعلم أن ما كان من «أصول الفقه» راجعًا إلى لُغة العرب رجوعًا ظاهرًا مكشوفًا؛ كبناء العامِّ على الخاص، وحَمْلِ المطلَق على المقيَّد، وردِّ المجمَل إلى المبيِّن، وما يقتضيه الأمرُ والنهيُ ونحو هذه الأمور، فالواجبُ على المجتهد أن يبحثَ عن مواقع الألفاظِ العربية، ومواردِ كلام أهلها، وما كانوا عليه في مثل ذلك؛ فما وافقه فهو الأحقُّ بالقبول، والأولى بالرجوع إليه. فإذا اختلف أهلُ الأصول في شيءٍ من هذه المباحث، كان الحقُّ بيد مَنْ هو أسعدُ بلغة العرب؛ هذا على فرض عدمِ وجودِ دليلٍ شرعيٍّ يدلُّ على ذلك؛ فإن وُجد فهو المقدَّمُ على كل شيء (٢). وإذا أردتَ الزيادة في البيان، والتكثُّرَ من الإيضاح بضربٍ من التمثيل، وطُرُقٍ من التصوير؛ فاعلمْ أنه: قد وقع الخلافُ في أنه: هل يُبنى العامُّ على الخاص مطلقًا، أو مشروطًا بشرطِ أن يكون الخاصُّ متأخرًا؟. ووقع الخلافُ في أنه: هل يُحمل المطلَقُ على المقيَّد مع اختلافِ

стр. 145

السبب أم لا؟. ووقع الخلاف في معنى «الأمر الحقيقي»: هل هو الوجوب أم غيره؟. ووقع الخلافُ في معنى «النهي الحقيقي»: هل هو التحريم أو غيره؟. فإذا أردتَ الوقوفَ على الحقِّ في بحثٍ من هذه الأبحاث، فانظُرْ في اللغة العربية، واعمَلْ على ما هو موافقٌ لها، مطابقٌ لِما كان عليه أهلُها، واجتنِب ما خالفها؛ فإن وجدتَ ما يدلُّ على ذلك من أدلةِ الشرع، كما تقفُ عليه في الأدلة الشرعية من كون الأمر يفيدُ الوجوب، والنهيِ يُفيد التحريم، فالمسألة أصولية؛ لكونها قاعدةً كليةً شرعية؛ لكون دليلِها شرعيًّا؛ كما أن ما يُستفاد من اللغة من القواعد الكلية أصوليةٌ لغويةٌ. فهذه المباحث وما يشابِهُها من مسائل النَّسخ، ومسائل المفهوم والمنطوق الراجعة إلى لغة العرب، المستفادةِ منها على وجهٍ يكونُ قاعدةً كلية هي مسائلُ الأصول، والمرجِّحُ لها الذي يُعرفُ به راجحُها من مرجوحها هو العِلم الذي هي مستفادةٌ منه، مأخوذةٌ من موارده ومصادره. وأما مباحثُ القياس، فغالبُها من بَحْتِ الرأي الذي لا يرجعُ إلى شيءٍ مما تقومُ به الحجة؛ وبيان ذلك: أنهم جَعلوا للعلةِ مسالكَ عشرةً لا تقومُ الحُجة بشيءٍ منها إلَّا ما كان راجعًا إلى الشرع كمَسلك النصِّ على العلَّة، أو ما كان معلومًا من لغةِ العرب كالإلحاق بمسلك إلغاءِ الفارق، وكذلك «قياس الأولى» المسمَّى عند البعض ب «فحوى الخطاب». وأما المباحثُ التي ذكرها أهلُ الأصول في مقاصِدِه، كما فعلوه في مقصدِ الكتاب ومقصدِ السُّنة والإجماع؛ فما كان من تلك المباحثِ الكليةِ مستفادًا من أدلة الشرع فهو أصوليٌّ شرعي، وما كان مستفادًا من مباحثِ
следующие страницы →