بالجدال الباطل، والمِراء القاتل.
• [من مذكِّرات الْمُصنِّفِ ﵀ -]:
وإني لأذكُرُ أيامَ اشتغال الطلبة بالدرْس عليَّ في كثيرٍ من العلوم، وكنتُ أُجيب عن مسائلَ تَرِدُ إليَّ يحرِّرُها الطلبةُ ويحرِّرُها غيرُهم من أهل العلم من أمكنةٍ قريبةٍ وبعيدة؛ فكان يتعصَّبُ على تلك الأجوبةِ جماعةٌ من المشارِكين لي في تدريس الطلبة في علوم الاجتهادِ وغيرها، وقد يسلُكون مسلكًا غيرَ هذا، فيقعُ منهم الإيهامُ على العوامِّ بمُخالفةِ ذلك الكلامِ لما يقولُه مَنْ يعتقدون قولَه منَ الأموات! فينشأ عن ذلك فتنٌ عظيمة، وحوادثُ جسيمة.
وكان بعضُ نُبلائهم يكتبُ على بعضِ ما أكتبُه (١)، ثم يُهديه إلى السائل وإن كان في بلدٍ بعيد، من دون أن يقصده بسؤالٍ، ولا طلبٍ منه تعقُّبَ ما أجبتُ به من المقال، وقد أقفُ على شيءٍ من ذلك، فأجده في غايةٍ من الاعتساف، فأتعقَّبُه تعقُّبًا فيه كَشفُ عَوَارِه، وإيضاحُ بَوَاره (٢).
وقد ينضمُّ إلى ذلك ذِكرُ كلمات، والاستشهادُ بأبياتٍ اقتضاها الشبابُ والنشاطُ واشتعالُ الغضب؛ لما أراه منَ التعصُّب والمنافسة على ما ليس لي فيه اختيار؛ فإنَّ ورودَ سؤالاتِ السائلين إليَّ من العامةِ والخاصة، وانثيال (٣) المُستفتِين من كل جهةٍ لم يكن بسَعْيٍ منِّي ولا احتيال، وكذلك اجتماعُ نُبلاء
стр. 142
الطلبة لديَّ، وأخذُهم عنِّي، وتعدُّدُ دُروسهم عندي ليس لي فيه حيلةٌ، ولا هو من جهتي؛ فكان هذا الصنعُ منهم يحملُني على مُجاوبتهم بما لا يُعجِبُني بعدَ الصَّحْو من سُكر الحَدَاثة (١) والقيامِ من رَقْدةِ الشباب، لا لكونه غيرَ حقٍّ أو ليس بصواب، بل لكونِه فيه من سِهام الملام وصوارمِ الخصام ما لا يُناسِبُ هذا المَقام (٢).
فإذا كان هذا في المشترِكين في التدريس والإفتاء وهما خارجان عن مناصب الدنيا، لأنهما في ديارنا لا يُقابَلان بشيءٍ من الدنيا لا من سلطانٍ ولا غيرِه من نوع الإنسان؛ فما بالُك بالرئاسات التي لها مدخلٌ في الدين والدنيا، أو التي هي خاصةٌ بالدنيا متمحِّضةٌ لها (٣)! فإنه لا شك أن التنافس بين أهلها أهمُّ من الرئاسات الدينية المحضة التي لم تُشَبْ بشيءٍ من شوائب الدنيا (٤).
فينبغي للمنصِف ألَّا يَغفُلَ عن هذا السبب؛ فإن النفسَ قد تنقبضُ عن كلامِ مَنْ كان منافِسًا في رُتبة، معارِضًا في فضيلة وإن كان حقًّا؛ وقد يحصُل مع الناظر فيه زيادةٌ على مجردِ الانقباض؛ فيتكلمُ بلسانه، أو يحرِّرُ بقلمه ما فيه معارضةٌ للحق ودفعٌ للصواب، فيكون مؤثِرًا لحَميَّةِ الجاهلية وعَصَبيةِ الطاغوتِ على الشريعة المطهَّرة، وكفى بِهذا؛ فإنه من الخُذلان
стр. 143
البيِّن. نسأل اللَّه الهدايةَ إلى سبيل الرشاد.
• [السبب الثاني عشر لتَرْكِ الإنصاف: التباسُ الرأي الشخصي بعلومِ الاجتهاد]:
ومِن أسباب التعصبِ الحائلةِ بين من أُصيب بها وبين التمسُّك بالإنصاف: التباسُ ما هو من الرأي البحت بشيءٍ من العلوم التي هي موادُّ الاجتهاد.
وكثيرًا ما يقع ذلك في «أصول الفقه»؛ فإنه قد اختلط فيها المعروفُ بالمنكر، والصحيحُ بالفاسد، والجيدُ بالرديء؛ فربما يتكلمُ أهل هذا العلم على مسائلَ من مسائلِ الرأي، ويحرِّرُونها، ويقرِّرُونها، وليست منه في شيء، ولا تعلُّقَ لها به بوجهٍ.
فيأتي الطالبُ لهذا العلم إلى تلك المسائل، فيعتقدُ أنها منه، فيَرُدُّ إليها المسائلَ الفُروعية، ويرجعُ إليها عند تعارض الأدلة، ويعملُ بها في كثيرٍ منَ المباحث؛ زاعمًا أنها من أصول الفقه، ذاهلًا عن كونها من علم الرأي.
ولو علم بذلك لم يقعْ فيه ولا رَكَن إليه؛ فيكونُ هذا وأمثالُه قد وقعوا في التعصب، وفارقوا مسلكَ الإنصاف، ورجَعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعُرون بشيءٍ من ذلك، ولا يَفطِنون به، بل يَعتقِدون أنهم متشبِّثون بالحق، متمسِّكون بالدليل، واقِفون على الإنصاف، خارجون عن التعصب! وقلَّ مَنْ يَسلَمُ مِنْ هذه الدقيقة، وينجُو من غُبار هذه الأعاصير؛ بل هم أقلُّ من القليل!.
وما أخطرَ ذلك، وأعظمَ ضررَه، وأشدَّ تأثيرَه، وأكثرَ وقوعَه، وأسرعَ نَفَاقَه
стр. 144
على أهل الإنصاف وأربابِ الاجتهاد!.
فإن قلت: إذا كان هذا السبب كما زعمتَ من الغموضِ والدقة، ووقوعِ كثير من المنصفين فيه وهم لا يشعرون؛ فما أحقَّه بالبيان، وأولاهُ بالإيضاح، وأجدَرَه بالكشف! حتى يَتخلَّص عنه الواقعون فيه، وينجوَ منه المتهافِتون عليه (١).
قلت: اعلم أن ما كان من «أصول الفقه» راجعًا إلى لُغة العرب رجوعًا ظاهرًا مكشوفًا؛ كبناء العامِّ على الخاص، وحَمْلِ المطلَق على المقيَّد، وردِّ المجمَل إلى المبيِّن، وما يقتضيه الأمرُ والنهيُ ونحو هذه الأمور، فالواجبُ على المجتهد أن يبحثَ عن مواقع الألفاظِ العربية، ومواردِ كلام أهلها، وما كانوا عليه في مثل ذلك؛ فما وافقه فهو الأحقُّ بالقبول، والأولى بالرجوع إليه.
فإذا اختلف أهلُ الأصول في شيءٍ من هذه المباحث، كان الحقُّ بيد مَنْ هو أسعدُ بلغة العرب؛ هذا على فرض عدمِ وجودِ دليلٍ شرعيٍّ يدلُّ على ذلك؛ فإن وُجد فهو المقدَّمُ على كل شيء (٢).
وإذا أردتَ الزيادة في البيان، والتكثُّرَ من الإيضاح بضربٍ من التمثيل، وطُرُقٍ من التصوير؛ فاعلمْ أنه:
قد وقع الخلافُ في أنه: هل يُبنى العامُّ على الخاص مطلقًا، أو مشروطًا بشرطِ أن يكون الخاصُّ متأخرًا؟.
ووقع الخلافُ في أنه: هل يُحمل المطلَقُ على المقيَّد مع اختلافِ
стр. 145
السبب أم لا؟.
ووقع الخلاف في معنى «الأمر الحقيقي»: هل هو الوجوب أم غيره؟.
ووقع الخلافُ في معنى «النهي الحقيقي»: هل هو التحريم أو غيره؟.
فإذا أردتَ الوقوفَ على الحقِّ في بحثٍ من هذه الأبحاث، فانظُرْ في اللغة العربية، واعمَلْ على ما هو موافقٌ لها، مطابقٌ لِما كان عليه أهلُها، واجتنِب ما خالفها؛ فإن وجدتَ ما يدلُّ على ذلك من أدلةِ الشرع، كما تقفُ عليه في الأدلة الشرعية من كون الأمر يفيدُ الوجوب، والنهيِ يُفيد التحريم، فالمسألة أصولية؛ لكونها قاعدةً كليةً شرعية؛ لكون دليلِها شرعيًّا؛ كما أن ما يُستفاد من اللغة من القواعد الكلية أصوليةٌ لغويةٌ.
فهذه المباحث وما يشابِهُها من مسائل النَّسخ، ومسائل المفهوم والمنطوق الراجعة إلى لغة العرب، المستفادةِ منها على وجهٍ يكونُ قاعدةً كلية هي مسائلُ الأصول، والمرجِّحُ لها الذي يُعرفُ به راجحُها من مرجوحها هو العِلم الذي هي مستفادةٌ منه، مأخوذةٌ من موارده ومصادره.
وأما مباحثُ القياس، فغالبُها من بَحْتِ الرأي الذي لا يرجعُ إلى شيءٍ مما تقومُ به الحجة؛ وبيان ذلك: أنهم جَعلوا للعلةِ مسالكَ عشرةً لا تقومُ الحُجة بشيءٍ منها إلَّا ما كان راجعًا إلى الشرع كمَسلك النصِّ على العلَّة، أو ما كان معلومًا من لغةِ العرب كالإلحاق بمسلك إلغاءِ الفارق، وكذلك «قياس الأولى» المسمَّى عند البعض ب «فحوى الخطاب».
وأما المباحثُ التي ذكرها أهلُ الأصول في مقاصِدِه، كما فعلوه في مقصدِ الكتاب ومقصدِ السُّنة والإجماع؛ فما كان من تلك المباحثِ الكليةِ مستفادًا من أدلة الشرع فهو أصوليٌّ شرعي، وما كان مستفادًا من مباحثِ
стр. 146
اللغة، فهو أصوليٌّ لُغوي، وما كان مستفادًا من غير هاذين، فهو من علم الرأي الذي كرَّرنا عليك التحذير منه.
ومن المقاصد المذكورة في الكتب الأصولية التي هي مِنْ محضِ الرأي: الاستحسانُ، والاستصحابُ، والتلازم.
وأما المباحثُ المتعلقةُ بالاجتهاد والتقليد، وشَرعِ من قبلنا، والكلام على أقوالِ أصحابه ﷺ ؛ فهي شرعيةٌ؛ فما انتُهض عليه دليلُ الشرع منها فهو حق، وما خالفه فباطل.
وأما المباحثُ المتعلِّقة بالترجيح؛ فإن كان المرجِّحُ مستفادًا من الشرع فهو شرعيٌّ، وإن كان مستفادًا من علمٍ من العلوم المدوَّنة فالاعتبار بذلك العلم؛ فإن كان له مَدخلٌ في الترجيح كعلم اللغة، فإنه مقبول، وإن كان لا مدخلَ له إلا مجردُ الدعوى كعلم الرأي، فإنه مردود.
وإذا تقرر هذا، ظهر لك منه فائدتان:
الأولى: إرشادُك إلى أن بعض ما دوَّنه أهلُ الأصول في الكتب الأصولية ليس من الأصول في شيء، بل هو من علمِ الرأي الذي هو عن الشرع وما يُتوصَّلُ إليه به من العلوم بمَعزِل.
الثانية: إرشادُك إلى العلوم التي تُستمدُّ منها المسائلُ المدوَّنة في الأصول؛ لترجعَ إليها عند النظر في تلك المسائل، حتى تكونَ على بصيرة، ويصفوَ لك هذا العلمُ، ويَخلُصَ عن شَوبِ الكذب.
فإن قلت: إذا كان الأمرُ كما ذكرتَه، فما تقول فيما يزعمُه أهلُ الأصول من أنه لا يُقبل في إثباتِ مسائله إلَّا الأدلةُ القطعية؟.
قلت: هذه دعوى منهم، يكذِّبُها العمل، ويدفعُها ما دوَّنوه في هذا العلم
стр. 147
من أدلةِ مسائله.
فإن قلت: إذا كان استمدادُ هذا العلمِ عندهم من الكلام والعربيةِ والأحكام كما صرَّحوا به؛ فليس ذلك دعوى مجردةً؛ فإنهم قد صرَّحوا في «علم الكلام» بأنه لا يُقبل في إثباتِ مسائله إلَّا الأدلةَ القطعية، وصرحوا في الكلام على نَقل اللغة أنها لا تثبُت بالآحاد، وإذا كان ما منه الاستمدادُ مثبَتًا ببراهينَ قطعيةٍ، كان ما استُمدَّ منه مثلَه في ذلك؟.
قلت: هذه دعوى على دعوى، وظلماتٌ بعضُها فوق بعض.
أما «علم الكلام»، فغالبُ مسائله مبنيةٌ على مجرد الدعاوى على العقل التي هي كسَرابٍ بِقِيعةٍ (١)؛ إذا جاءه طالبُ الهدايةِ لم يجد شيئًا وقد قدَّمنا الإشارةَ إلى هذا (٢)، وأما ما كان من مسائله مأخوذًا من الشرع؛ فهي مسائلُ شرعية، ولا فرقَ بين شرعيٍّ وشرعيٍّ من هذه الحَيثية.
وأما «اللغة»، فقد وقع الخلافُ بين أهل العلم: هل يُشترط في إثباتِها أن يكون النقلُ متواترًا أم لا؟ والحقُّ بيدِ مَنْ لم يُثبت هذا الشرط؛ فإنَّ سابِقَ المشتغِلِين بنقل علم اللغةِ ولاحِقَهم قد رأيناهم يُثبتونها لمجردِ وجودِ الحرفِ في بيتٍ من أبياتِ شعرائهم، وكلمةٍ من كلماتِ بُلغائهم، ومن أنكر
стр. 148
هذا فهو مكابرٌ لا يستحقُّ تطويلَ الكلام معه.
* * *
стр. 149
الفصل الثالث ما ينبغي لطالب العلم أن يتعلَّمه
стр. 150
الفصل الثالث ما ينبغي لطالبِ العلم أن يتعلَّمَه
وإذ قد انتهى بنا الكلامُ في بيان الأسبابِ المانعةِ من الإنصاف إلى هذه الغاية، وتغلغل بنا البحثُ إلى ذِكر ما ذكرناه من تلك الدقائق التي ينبغي لكل عالِمٍ ومتعلِّمٍ أن تكون نُصبَ عينيه في إقدامه وإحجامه، وأن تكون ثابتةً في تصوُّره في جميع أحوالِه وما أحقَّها بذلك، وأَوْلاها بالحرص على ما هنالك! فإنها فوائدُ لا توجد في كتاب، وفرائدُ لا يخلو أكثرُها عن قوةِ (١) كثيرٍ من المرشدين المحققين؛ وإن حال بينهم وبين إبرازها إلى الفعل حجاب. فلنتكلم الآن على ما ينبغي لطالب العلم أن يتعلَّمه من العلوم.
• [طَبقاتُ طَلَبةِ العلم]:
فأقول: إنها لمَّا كانت تتفاوتُ المطالبُ في هذا الشأن، وتتبايَنُ (٢) المقاصدُ بتفاوتِ هِمم الطالبين وأغراضِ القاصدين:
١ - فقد ترتفع هِمةُ البعض منهم، فيَقصِدُ البلوغَ إلى مرتبةٍ في الطلب لعلم الشرع مقدِّمًا لها، يكونُ عند تحصيلها إمامًا مرجوعًا إليه، مستفادًا منه، مأخوذًا بقوله، مدرِّسًا، مفتيًا، مصنِّفًا.
٢ - وقد تَقصُرُ هِمتُه عن هذه الغاية؛ فتكون غايةُ مقصده، ومعظمُ مَطلَبه،
стр. 151
ونهايةُ رغبته: أن يعرفَ ما طلبَه منه الشارعُ من أحكام التكليف والوضعِ على وجهٍ يَستقلُّ فيه بنفسه، ولا يَحتاجُ إلى غيره؛ من دون أن يَتصوَّرَ البلوغَ إلى ما تصوَّره أهلُ الطبقةِ الأولى من تعدِّي فوائدِ معارفهم إلى غيرهم، والقيامِ في مقام أكابرِ الأئمة، ونحاريرِ (١) هذه الأمة.
٣ - وقد يكون نهايةُ ما يريده، وغايةُ ما يطلبه: أمرًا دون أهل الطبقة الثانية؛ وذلك كما يكون من جماعةٍ يرغبُون إلى إصلاح ألسنتهم، وتقويمِ أفهامهم بما يقتِدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع، وعدمِ تحريفه وتصحيفه، وتغييرِ إعرابه؛ مِنْ دون قصدٍ منهم إلى الاستقلال؛ بل يَعزِمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض، والاحتياجِ إلى الترجيح.
فهذه ثلاثُ طبقاتٍ للطلبة من المتشرِّعين الطالبين للاطلاع على ما جاء في الكتاب والسُّنة إمَّا كُلًّا أو بعضًا، بحسب اختلافِ المقاصد وتفاوت المطالب.
٤ - وثَمَّ طبقةٌ رابعةٌ؛ يَقصدون الوصول إلى علمٍ من العلوم، أو عِلمَين أو أكثر لغرضٍ من الأغراض الدينية والدنيوية؛ مِنْ دون تصوُّرِ الوصول إلى عِلم الشرع.
فكانت الطبقات أربعًا.
• [عالي الهمَّة لا يَرضَى بدون الطبقة الأولى]:
وينبغي لمن كان صادقَ الرغبة، قويَّ الفهم، ثاقبَ النظر، عزيزَ النفس، شهمَ الطبع، عاليَ الهمة، ساميَ الغريزة: ألَّا يرضى لنفسه بالدون، ولا يقنع
стр. 152
بما دون الغاية، ولا يقعدْ عن الجِدِّ والاجتهاد المبلِّغَينِ له إلى أعلى ما يُراد وأرفعِ ما يستفاد؛ فإن النفوسَ الأبيَّة والهممَ العليَّة لا تَرضَى بدون الغاية في المطالب الدنيويَّة من جاهٍ، أو مال، أو رئاسة، أو صناعة، أو حرفة؛ حتى قال قائلهم:
فلا تقنعْ بما دونَ النجومْ … إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومْ
كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمْ … فطعمُ الموتِ في أمرٍ حقيرْ
• وقال آخرُ مشيرًا إلى هذا المعنى:
فكن عبدًا لخالقه مطيعَا … إذا لم تكن مَلِكًا مُطاعًا
كما تَهواه فاتركْها جميعَا … وإن لم تَمْلِكِ الدنيا جميعًا
يُنيلانِ الفتى شَرَفًا رفيعَا … هما شيئانِ مِنْ مُلْكٍ ونُسْكٍ
• وقال آخر:
سُرادقَهُ أو باكيًا لحِمامِ … فإما مكانًا يَضربُ النَّجمُ دونَه
وقد ورد هذا المعنى كثيرًا في النظم والنثر، وهو المطلبُ الذي تَنشط إليه الهممُ الشريفة، وتقبلُه النفوسُ العَلِيَّة.
وإذا كان هذا شأنَهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعةُ الزوال، قريبة الاضمحلال (١)؛ فكيف لا يكونُ ذلك (٢) مِنْ مطالِب المتوجِّهين إلى ما هو أشرفُ مطلبًا، وأعلى مكسبًا، وأرفعُ مرادًا، وأجلُّ خطرًا، وأعظمُ قدْرًا، وأعْوَدُ نفعًا، وأتمُّ فائدةً وهي المَطالبُ الدينيةُ، مع كون العلم أعلاها وأَوْلاها
стр. 153
بكل فضيلة، وأجلَّها وأكملَها في حصول المقصود، وهو الخيرُ الأُخروي! فإن اللَّه سبحانه قد قَرَن العلماءَ في كتابه بنفسه والملائكةِ، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
وقَصَر الخشيةَ له التي هي سبب الفوز لديه عليهم؛ فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وأخبر عبادَه بأنه يرفعُ علماء أمتِه درجات، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وأخبرنا رسول اللَّه ﷺ «بأنَّ العلماءَ وَرَثةُ الأنبياء» (١).
وناهيك بِهذه المَزِيَّةِ الجليلة، والمنقبةِ النبيلة.
فأكرِمْ بنفسٍ تطلُبُ غايةَ المطالب في أشرف المكاسب، وأحبِبْ برجلٍ أرادَ من الفضائل ما لا تُدانيه فضيلة، ولا تُساميه منقبة، ولا تُقاربه مكرُمة، فليس بعد ما يتصوَّرُه أهلُ الطبقة الأولى متصوَّرٌ؛ فإن نالوه على الوجه الذي تصوَّروه، فقد ظفِروا من خير العاجلة والآجلة، وشرفِ الدنيا والآخرة بما لا يَظفر به إلَّا مَنْ صَنع صَنيعهم، ونال نَيلَهم، وبَلغ مبالغَهم. وإن اخترمهم (٢) دونه مُخترِم، وحال بينهم وبينه حائل، فقد أعذَروا، وليس على من طَلب جسيمًا ورام أمرًا عظيمًا إن منعتْه عنه الموانع وصرَفته عنه الصوارف من بأس.
стр. 154
• وما أحسنَ ما قاله الشريفُ الرَّضي المُوسوِي:
وَقَّاحةً تَحتَ عَالَمٍ وَقَاحْ (١) … لابدَّ أن أَركَبَها صعبةً
دون الذي أمَّلتُ أو بالنجاحْ … أُجهِدُها أن تَنثني بالرَّدى
أو بطلٌ ذَاقَ الردَى فاستراحْ … إمَّا فتًى نال المُنى فاشتفَى
وكنتُ في أيام الطلب وعصرِ الشباب، قد نَظمتُ قصيدةً في هذا المعنى على هذا النمط، أذكرُ منها الآن أبياتًا هي:
آن لها بعد الوَحَى أن تُراحْ (٢) … قد أتعبَ السَّيرُ رِحالي وقد
غايةِ أُمنيَّتهِ بالنجاحْ … فما يَهابُ العَتبَ مَنْ فاز مِنْ
يمينُه ألقى العصا واستراحْ … سعى فلما ظَفِرَتْ بالمُنى
فيا أيها العالِمُ الصعلوك (٣)، قد ظفِرتَ برتبةٍ أرفعَ مِنْ رتب الملوك، ونِلتَ من المعالي أعلاها، ومِن المناقب والفضائل أُوْلاها بالشرف وأَولاها؛ فإنَّ كلَّ المعالي الدنيوية وإن تناهَت (٤) فليست باعتبار المعالي العلميةِ والشرفِ الحاصل بها في وِرْدٍ ولا صَدَر؛ فإنه يحصل للعالِم أولًا وبالذات: الفوزُ بالنعيم الأخرويِّ الدائم السرمديِّ (٥) الذي لا تَعدِلُ منه الدنيا بأسْرها قِيْدَ شَوْط (٦)، بل مِقدار سَوط.
стр. 155
ويحصل له ثانيًا وبالعرَض (١) مِنْ شرف الدنيا ما يَصغُر عنده كلُّ شرف، ويتقاصرُ دونه كلُّ مجد، ويتضاءلُ لديه كلُّ فَخر، وإنَّ مَنْ فهم مقدارَ ما في العلوم منَ العلوِّ، كان عند نفسه أعزَّ قدرًا وأعلى مَحِلًّا، وأجلَّ رتبةً من الملوك، وإن كان متضايَقَ المعيشة، يركبُ نعليه، ويَلبَسُ طِمرَيه (٢).
• وقلتُ في هذا المعنى من أبيات:
مَرحَ الأغرِّ بجانب الميدانِ … قد كنتُ ذا طمرين أمرحُ في العُلا
أو خاملًا فأريدَ شُهرَةَ شاني (٣) … ما كنتُ مضطهَدًا فأطلُبَ رفعةً
فاحرص أيها الطالبُ على أن تكون من أهل الطبقة الأولى؛ فإنك إذا ترقَّيتَ من البدايةِ التصوُّرية إلى العِلَّةِ الغائية (٤) التي هي أولُ الفكر، وآخر العمل، كنتَ فَرْدَ العالَم، وواحدَ الدهر، وقريعَ الناس، وفخرَ العصر، ورئيسَ القَرْن.
وأيُّ شرفٍ يُسامي شرفَك، أو فخرٍ يُداني فخرَك، وأنت تأخذُ دينَك عن اللَّهِ وعن رسوله ﷺ ، لا تقلِّدُ في ذلك أحدًا، ولا تقتدي بقولِ رجل، ولا تقفُ عند رأيٍ، ولا تَخضعُ لغير الدليل، ولا تُعوِّلُ على غير النقد (٥)؟!.
هذه واللَّهِ رتبةٌ تسمو على السماء، ومنزلةٌ تتقاصرُ عندها النجوم؛ فكيف بك إذا كنتَ مع هذه المَزِيَّة مَرجِعًا في دين اللَّه، مَلجَأً لعبادِ اللَّه،
стр. 156
مترجِمًا لكتاب اللَّه وسنةِ رسول اللَّه ﷺ ، يدومُ لك الأجر، ويستمرُّ لك النفع، ويعودُ لك الخيرُ وأنت بين أطباقِ الثرى، وفي عِداد الموتى، بعد مِئِينَ من السنين!!.
ولا يحولُ بينك وبين هذا المَطلب الشريف ما تُنازِعُك نفسُك إليه من مطالِب الدنيا التي تروقُها وتودُّ الظفَرَ بها؛ فإنها حاصلةٌ لك على الوجه الذي تُحبُّ والسبيلِ الذي تريد، بعدَ تحصيلِك لِمَا أرشدتُك إليه من الرتبة العليَّة (١)، وتكونُ إذ ذاك مخطوبًا لا خاطبًا، ومطلوبًا لا طالبًا.
وعلى فرض أنها تُكدِي (٢) عليك المطالب، وتُعانِدُ الأسباب، فلستَ تَعدِمُ الكفافَ الذي لابد لك منه؛ فما رأينا عالمًا ولا متعلِّمًا مات جوعًا، ولا أعوَزَه الحالُ حتى انكشفت عورتُه عُرْيًا، أو لم يجد مكانًا يُكِنُّه (٣)، ومنزلًا يَسكنُه، وليس الدنيا إلا هذه الأمور، وما عداها فضلاتٌ مُشغِلةٌ للأحياء مُهلكةٌ للأموات.
وإذا مِتُّ لستُ أَعدِمُ قبرَا … أنا إن عِشتُ لستُ أعدِمُ قوتًا
وعلى العاقل أن يعلمَ أنه لن يصيبَه إلَّا ما كتبه اللَّه له، ولا يعدُوه (٤) ما قدَّره له، وأنه قد فُرغ من أمرِ رزقِه الذي فَرضه اللَّه له؛ فلا القعودُ يَصُدُّه، ولا السعيُ وإتعابُ النفس يوجبُ الوصولَ إلى ما لم يأذن به اللَّه.
وهذا معلومٌ من الشرع، قد تَوافَقت عليه صرائحُ الكتاب والسنة، وتطابقت
стр. 157
عليه الشرائع، وإذا كان الأمر هكذا، فما أحقَّ هذا النوعَ العاقلَ من الحيوان (١) الذي دارت رَحَى التكليفِ عليه، ونِيطت (٢) أسبابُ الخير والشرِّ به، أن يشتغلَ بطلب ما أَمَره اللَّهُ بطلبه، وتحصيلِ ما خَلَقه اللَّهُ لتحصيله، وهو الامتثالُ لما أمرَه به من طاعته، والانتهاءُ عمَّا نهاه عنه من معاصيه.
وإن أعظمَ ما يريدُه اللَّهُ منه، ويقرِّبُه إليه، ويفوزُ به عنده، أن يُشغِلَ نفسَه ويستغرقَ أوقاتِه في طلب معرفةِ هذه الشريعة التي شَرَعها اللَّه لعباده، ويُنفِقَ ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسُلُ اللَّه إلى عباده، ونزلت به ملائكتُه؛ فإن جميع ما يريدُه اللَّهُ من عباده عاجلًا وآجلًا وما وعدهم به من خيرٍ وشرٍّ قد صار في هذه الشريعة.
فأكرِمْ برجلٍ تاقت نفسُه عن أن يكون عبدَ بَطْنِه إلى أن يكون عبدَ دينِه (٣)، حتى ينالَه على الوجه الأكمل، ويعرفَه على الوجهِ الذي أراده اللَّهُ منه، ويُرشدَ إليه مِنْ عباده مَنْ أراد له الرشاد، ويَهدي به مَنْ استحق الهداية (٤).
فانظر أعزَّك اللَّهُ كم الفرقُ بين الرجلين! وتأمَّلْ قدْرَ مسافةِ التفاوت بين الأمرين! هذا يستغرقُ جميعَ أوقاته، ويُنفقُ كلَّ ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه ومَلبسه وما لابد منه قام أو قعد، سعى أو وقف، وهذا يقابله بسعيٍ غيرِ هذا السعي، وعملٍ غيرِ ذلك العمل، فيُنفقُ ساعاته، ويستغرقُ أوقاتَه في طلب ما جاء عن اللَّه وعن رسوله ﷺ من التكاليف التي كَلَّف بها عباده، وما أَذِن به من إبلاغه إليهم من أمورِ دنياهم وأُخراهم لينتفعَ
стр. 158
بذلك، ثم ينفعَ به مَنْ يشاءُ اللَّهُ من عباده، ويُبلِّغَ إليهم حُجةَ اللَّه، ويعرِّفَهم شرائعه.
فلقد تعاظَم الفرقُ بين النوعين، وتفاوَتَ تفاوتًا يقصُرُ التعبيرُ عنه، ويَعجِزُ البيانُ له إلَّا على وجه الإجمال؛ بأن يقال: إن أحدَ النوعَينِ قد التحق بالدواب، والآخَرَ بالملائكة؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما قد سعى سعيًا شابَهَ مَنْ التَحَق به؛ فإن الدابةَ يستعملُها مالكُها في مصالحه، ويقوم بطعامها وشرابها وما تحتاجُ إليه.
ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة، وتأمَّله حقَّ التأمل، وجد عيشَ مَنْ شَغَل نفسه بالطاعة، وفرَّغها للعلم، ولم يلتفتْ إلى ما تدعو إليه الحاجةُ من أمر دنياه: أرفَهَ (١)، وحالَه أقوم، وسرورَه أتم، وتلك حكمةُ اللَّه البالغةُ التي يتبيَّنُ عندها أنه لن يعدوَ المرءُ ما قُدِّر له، ولن يفوتَه ما كان يُدرِكُه.
وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابتٌ في الشريعة، مصرَّحٌ به في غير موطنٍ منها، قد أجراه اللَّهُ على لسانِ الجبابرة من عباده وعُتاةِ أمته؛ حتى قال الحَجَّاجُ بن يوسف الثَّقَفى في بعض خُطَبه ما معناه: «أيُّها الناس، إن اللَّهَ كفانا أمرَ الرِّزق، وأمَرَنا بالعبادة، فسَعينا لما كُفِيناه، وتركنا السعيَ للذي أُمِرْنا به؛ فليتَنا أُمِرنا بطلب الرزق، وكُفِينا العبادة، حتى نكون كما أرادهُ اللَّه منا».
هذا معنى كلامه لا لفظُه، فلما بلغ كلامُه هذا بعضَ السلف المعاصِرينَ له؛ قال: «إن اللَّهَ لا يُخرجُ الفاجرَ من هذه الدارَ وفي قلبه حِكمةٌ ينتفعُ بها العبادُ إلا أخرجها منه، وإن هذا مما أَخرجه من الحجاج».
فانظرْ هذا الجبار؛ كيف لم يَخْفَ عليه هذا الأمر مع ما هو فيه من
стр. 159
التجبُّر، وسَفكِ الدماء، وهَتْكِ الحُرُم، والتجرؤِ على اللَّهِ وعلى عبادِه، وتعدِّي حدوده!! فما أحقَّه بألَّا يَخفَى على مَنْ هو ألينُ منه قلبًا وأقلُّ منه ظُلمًا، وأخفُّ منه تجبُّرًا، وأقربُ منه خيرًا، وأبعدُ منه من شرًّا!.
وإنَّ مَنْ تَصوَّرَ هذا الأمرَ حقَّ التصور، وتعقَّلَه كما ينبغي، انتفع به انتفاعًا عظيمًا، ونال به منَ الفوائد جسيمًا، والهدايةُ بيد الهادي ﷻ ، وتقدَّست أسماؤه.
• [أثرُ النيَّةِ الصالحةِ في بلوغ الْمَعالي]:
وإنَّ لحُسنِ النية، وإخلاصِ العمل تأثيرًا عظيمًا في هذا المعنى، فمن تعكَّست عليه بعضُ أموره من طلبةِ العلم، أو أكدَتْ عليه مطالبُه، وتضايقت مقاصدُه، فلْيَعلم أنه بذنبِه أُصيب، وبعدم إخلاصه عُوقب، أو أنه أُصيب بشيءٍ من ذلك محنةً له وابتلاءً واختبارًا؛ ليَنظُرَ [ربُّه] كيف صبرُه واحتماله، ثم يُفيض عليه بعد ذلك مِنْ خزائن الخير ومخازن العطايا ما لم يكن بحسبان، ولا يَبلغُ إليه تصوُّره؛ فلْيَعضَّ على العلم بناجِذه، ويشُدَّ عليه يدَه، ويشرحْ به صدرَه؛ فإنه لا محالةَ واصلٌ إلى المنزل الذي ذكرنا، نائلٌ للمرتبة التي بيَّنَّا.
• وما أحسَنَ ما حكاه بعضُ أهل العلم عن الحكيم «أفلاطون»! فإنه قال: «الفضائل مُرَّةُ الأوائل، حُلوةُ العواقب، والرذائلُ حلوةُ الأوائل، مُرَّةُ العواقب».
وقد صَدق؛ فإنَّ مَنْ شَغل أوائلَ عمره وعنفوانَ شبابه بطلب الفضائل، لابد له أن يَفطِمَ نفسه عن بعض شهواتِها، ويَحبِسَها عن الأمور التي يَشتغل بها أترابُه (١) ومعارفُه من الملاهي، ومجالس الراحة، وشهوات الشباب،
стр. 160
فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك اللذاتِ والخلاعات، وَجَد في نفسه بحُكم الشباب، وحداثةِ السن، ومَيلِ الطبع إلى ما هناك مرارةً، واحتاج إلى مجاهدةٍ يَرُدُّ بها جامِحَ طبعِه، ومتفلِّتَ هواه، ومتوثِّبَ نشاطِه، ولا يتمُّ له ذلك إلَّا بإلجام شهوتِه بلِجام الصبر، ورباطِها بمَربطِ العِفة.
• [صَبْرًا يا طالب الْمَعالي]:
وكيف لا يجدُ مرارةَ الحبس للنفس مَنْ كان في زاويةٍ من زاويا المساجد، ومقصورةٍ من مقاصِرِ المدارس، لا ينظرُ إلَّا في دَفتر، ولا يتكلمُ إلا في فنٍّ من الفنون، ولا يتحدثُ إلَّا إلى عالِمٍ أو متعلِّم! وأترابُه ومعارفُه من قرابته وجيرانِه وذَوِي سِنه وأهلِ نشأته وبلدِه يتقلَّبون في رافهِ العيش ورائقِ القصف (١).
وإذا انضمَّ لذلك الطالبِ إلى هذه المرارةِ الحاصلةِ له بعَزفِ النفس عن شهواتِها مرارةٌ أخرى، هي إعوازُ الحال (٢)، وضِيقُ المكسب، وحقارةُ الدخْل، فإنه لابد أن يَجِدَ من المرارةِ المتضاعِفة ما يَعظُمُ عنده موقعُه، لكنه يذهب عنه ذلك قليلًا قليلًا.
فأولُ عُقدةٍ تنحلُّ عنه مِنْ عُقَدِ هذه المرارة: عندما يتصورُ ما يؤول به الأمرُ وينتهي إليه حالُه من الوصول إلى ما قد وَصل إليه مَنْ يَجِدُه في عصره من العلماء، ثم تنحلُّ عنه العقدةُ الثانية بفَهم المباحث، وحِفظِ المسائل، وإدراكِ الدقائق؛ فإنه عند ذلك يجدُ من اللذةِ والحلاوةِ ما يَذهَبُ بكل مرارة.
ثم إذا نال مِنْ المعارف حظًّا، وأحرَزَ منها نصيبًا، ودخل في عِدادِ أهل
стр. 161
العلم، كان مُتقلبًا في اللذات النفسانية التي هي اللذاتُ بالحقيقة، ولا يَعدِمُ عند ذلك من اللذات الجُسمانيةِ ما هو أفضل وأَحلَى من اللذات التي يتقلَّبُ فيها كلُّ مَنْ كان مِنْ أترابه.
وهو إذا وازَنَ بين نفسِه الشريفة وبين فردٍ من معارفِه الذين لم يشتغلوا بما اشتغل به، اغتَبط (١) بنفسه غايةَ الاغتباط، ووَجد من السرور والحُبور ما لا يُقادَرُ قَدْرُه؛ هذا باعتبار ما يجدُه من اللذةِ النفسانيةِ عندما يجدُ نفسه عالمةً ونفسَ معارفه جاهلةً.
ويزدادُ ذلك بما يحصُلُ له من لوزام العلم؛ من الجلالة، والفخامة، وبُعدِ الصِّيت، وعِظَمِ الشهرة، ونَبالةِ الذِّكر، ورِفعةِ المَحِلِّ، والرجوع إليه في مسائل الدين، وتقديمه على غيره في مطالب الدنيا، وخضوعِ مَنْ كان يُزري عليه، ويَستخفُّ بمكانِه من بني عصره، فإذا جَمَعهم مجلسٌ من مجالس الدنيا، كانوا له بمنزلةِ الخدم، وإن كان على غايةٍ من الإفلاس والعَدم (٢).
ثم إذا تناهَى حالُه، وبَلغ منَ الحظ في العلم إلى مكانٍ عليٍّ، انثال (١) عليه الطلبة للعلوم، وأقبل إليه المُستفتُونَ في أمرِ الدين، واحتاجَ إليه ملوكُ الدنيا فضلًا عن غيرهم؛ فيكون عند هذا عيشُه حلوًا مَحضًا، وعُمرُه مغمورًا باللذات النفسانية والجُسمانية، ويرتفعُ أمرُه عن هذه الدرجة ارتفاعًا لا يُقادَرُ قَدْرُه إذا تَصوَّر ما له عند اللَّه من عظيم المنزلة، وعَلِيِّ الرُّتبة، وعظيمِ الجزاءِ الذي هو المقصود أولًا وبالذات من علوم الدين.
وكنتُ في أوائل أيام طلبي للعلم في سنِّ البلوغ أو بعدها بقليل، تصورتُ ما ذكرتُه هنا فقلت:
فلا داعٍ لديَّ ولا مجيبُ … سددتُ الأُذنَ عَنْ داعي التَّصابي
لِمَجْدِ الشَّيبِ فلْيَهُنِ المَشيبُ (٢) … وأنفقتُ الشَّبيبةَ غيرَ وانٍ
وقلت أيضًا في هذا المعنى:
وشوقًا لانتشاقي منه رِيْحَا (٣) … وأُبدي رغبةً لنُجُودِ نَجْدٍ
وأضحَى بين أهليهِ طريْحَا … وما بسِوى العقيقِ أقام قلبي
وأما كونُ الرذائلِ حُلوةَ الأوائل مُرَّةَ العواقب، فصِدقُ هذا غيرُ خافٍ على ذي لُب؛ فإن مَنْ أرسل عِنانَ شبابه في البطالات، وحلَّ رِباطَ نفسه فأجراها في ميادينِ اللذات، أدرك منَ اللذة الجُسمانيةِ مِنْ ذلك بحسب ما يُتفق له
стр. 164
منها، ولا سيَّما إذا كان ذا مالٍ وجمال؛ ولكنها تنقضي عنه اللذةُ، وتفارقُه هذه الحلاوةُ إذا تكامَل عقلُه، ورَجَح فهمُه، وقَوِيَ فِكرُه؛ فإنه لا يدري عند ذلك ما يَدْهَمُه من المرارات التي منها الندامةُ على ما اقترفه من معاصي اللَّه، ثم الحسرةُ على ما فوَّته من العُمر في غير طائل، ثم الكُربةُ على ما أنفقَه من المالِ في غير حِلَّه، ولم يَفُز منَ الجميع بشيء، ولا ظَفِر من الكل بطائل.
وتزدادُ حسرتُه، وتتعاظمُ كُربتُه إذا قاس نفسَه بنفسِ مَنْ اشتغل بطلب المعالي مِنْ أترابه في مُقتبَلِ شبابه؛ فإنه لا يزال عند موازنةِ ذاته بذاته وصفاتِه بصفاته في حسراتٍ متجددة، وزفَراتٍ متصاعِدة، ولا سيَّما إذا كان بيتُه في العلمِ طويلَ الدعائم، وسَلَفُه من المتأهِّلين لتلك المعالي والمكارم، فإنه حينئذٍ تَذهَبُ عنه سَكرةُ البطالة، وتنقشعُ عنه عَمايةُ الجهالة؛ بكروبٍ طويلةٍ وهُمومٍ ثقيلة، وقد فات ما فات، وحِيل بين العَير والنَّزَوان (١)، وحال الجَريضُ دون القَريض (٢) ..................................................
стр. 165
وفي الصيفِ ضَيَّعْتِ اللبن (١).
فانظر أعزَّك اللَّهُ أيُّ الرجلين أربَحُ صفقةً، وأكثرُ فائدةً، وأعظمُ عائدةً! فقد بُيِّن الصبحُ لذي عينين، وعند الصباح يَحمَدُ القومُ السُّرَى (٢).
стр. 166
• [ما يحتاجه طلبةُ العلم على اختلاف طبقاتِهم]:
ولْنَعُدِ الآن إلى بيانِ ما يَحتاج إليه أهلُ تلك الطبقات من العلوم (١)، وما ينبغي لهم أن يشتغلوا به، فنقول:
стр. 167
[الطبقةُ الأولى من حَمَلةِ العلم]
أمَّا أهلُ الطبقة الأولى التي هي [في] أرفعِ مكانٍ وأعزِّ محلٍّ يَرتقي إليه علماءُ الشريعة، على حسب ما قدمنا بيانه، فينبغي لمن تَصوَّر الوصولَ إليها، وقَصَد الإدراك لها:
• [علم النحو]:
أن يَشرع بعلم «النحو»، مبتدئًا بالمختصَرات، كمنظومة الحريري المُسمَّاة بال «مُلحة» وشروحها؛ فإذا فهم ذلك وأتقنه، انتقل إلى «كافية ابن الحاجب» وشروحِها، و «مغني اللبيب» وشروحه.
هذا باعتبار هذه الديار اليمنية إذا كان طالبُ العلم فيها؛ لأنه يجدُ شيوخَ هذه المصنَّفات، ولا يجدُ شيوخ غيرها من مصنفاتِ النحو، إلا باعتبار الوِجادة (١) لا باعتبار السماع؛ فإذا كان ناشئًا في أرضٍ يشتغلون فيها بغير هذه المصنَّفات، فعليه الاشتغالُ بما اشتغل به مشائخُ تلك الأرض، مبتدئًا بما هو أقربُها تناولًا، منتهيًا إلى ما هو النهايةُ للمشتغلين بذلك الفنِّ وذلك القُطر (٢).
стр. 168
فاعرِفْ هذا، واعلم أنَّ ما أُسمِّيه هاهنا إنما هو باعتبارِ ما يَشتغلُ به الناسُ في الديار اليمنية؛ فمن كان في غيرها فلْيأخذ عن شيوخها في كلِّ فنٍّ مقدارًا يوافق ما أذكره هنا.
واعلمْ أنه لا يستغني طالبُ العلمِ المتصوَّرُ (١) المتبحِّرُ في علم الشريعة، العازمُ على أن يكون من أهل الطبقة الأولى: عن (٢) إتقانِ ما اشتمل عليه شرح الرضي على «الكافية» من المباحث اللطيفة، والفوائدِ الشريفة، وكذلك ما في «مغنى اللبيب» من المسائل الغريبة، ويكون اشتغالُه بسماع شروحِ المختصرات، بعد أن تكونَ هذه المختصَراتُ محفوظةً له حفظًا يُمليهِ عن ظهر قلبه، ويُبديهِ من طرَف لسانه. وأقلُّ الأحوالِ أن يحفظَ مختصرًا منها هو أكثرُها مسائل، وأنفعُها فوائد.
ولا يفوتُه النظر في مثل «الألفية» لابن مالك وشروحها، و «التسهيل» وشرحه، و «المفصَّل» للزمخشري، و «الكتاب» لسيبويه؛ فإنه يجدُ في هذه الكتب من لطائف المسائل النحوية، ودقائقِ المباحث العربية، ما لم يكن قد وَجَده في تلك.
وينبغي للطالب المذكور: أن يطَّلعَ على مختصراتِ «المنطق»، ويأخذَه عن شيوخه، ويَفهمَ معانيه، بعد أن يفهم «النحو»، ليفهم ما يبتدئُ به من كُتبه
стр. 169
ليستعينَ بذلك على فَهم ما يُورده المصنِّفون في مطوَّلات كتب النحو ومتوسِّطاتِها من المباحث النحوية، ويكفيه في ذلك مثل المختصر المعروف ب «إيساغوجي»، أو «تهذيب السعد» وشرح من شروحهما. وسيأتي بيان ما ينبغي الاشتغال به من فنِّ المنطق إن شاء اللَّه (١).
وليس المرادُ هنا إلا الاستعانةُ بمعرفة مباحثِ التصورات والتصديقات إجمالًا؛ لئلَّا يَعثُر على بحثٍ من مباحث العربية من نحوٍ أو صرفٍ أو بيان قد سَلك فيه صاحبُ الكتاب مسلكًا على النمط الذي سلكه أهلُ المنطق، فلا يفهمه، كما يقعُ كثيرًا في الحدود والإلزامات؛ فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المَناطِقة، فإذا كان الطالبُ عاطلًا عن علم المنطق بالمرة، لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي (٢).
• [علم الصَّرف]:
ثم بعد ثبوت المَلَكة له في «النحو» وإن لم يكن قد فرغ من سماع ما سميناه، يشرع في الاشتغال بعلم «الصرف»، ك «الشافية» وشرحها، و «الريحانية»، و «لامية الأفعال».
ولا يكون عالمًا بعلم الصرف كما ينبغي إلا بعد أن تكون «الشافية» من محفوظاته؛ لانتشار مسائلِ فنِّ الصرف، وطولِ ذَيل قواعده، وتشعُّبِ أبوابه.
ولا يفوته الاشتغالُ ب «شرح الرضي على الشافية»، بعد أن يشتغل بما هو أخصرُ منه من شرحها، ك «شرح الجاربردي» و «لطف اللَّه الغياث»؛ فإن فيه
стр. 170
من الفوائد الصرفية ما لا يوجد في غيره.
• [علوم البلاغة]:
ثم ينبغي له بعد ثبوت المَلكةُ له نحوًا وصرفًا وإن لم يكن قد فرغ من سماع كتب الفَنَّينِ أن يشرعَ في علم المعاني والبيان (١)، فيبتدئ بحفظ مختصرٍ من مختصراتِ الفن، يشتملُ على مهمَّاتِ مسائله، ك «التلخيص» و «شرح السعد» المختصر وما عليه من الحواشي، وشرحه المطوَّل وحواشيه، فإنه إذا حَفِظ هذا المختصر، وحقق الشرحَين المذكورين وحواشِيَهما، بلغ إلى مكانٍ من الفن مَكين، فقد أحاطت هذه الجملةُ بما في مؤلفات المتقدِّمين من شُراح «المفتاح» ونحوه.
وإذا ظَفِر بشيءٍ من مؤلفات عبد القاهر الجُرجانى والسَّكَّاكي في هذا الفن، فلْيُمْعِنِ (٢) النظرَ فيه؛ فإنه يقفُ في تلك المؤلفات على فوائد.
• [علم الوَضْع والْمُناظرة]:
وينبغي له حالَ الاشتغال بِهذا الفن، أن يشتغلَ بفنونٍ مختصَرةٍ قريبةِ المأخذ، قليلةِ المباحث، كفنِّ الوضع، وفنِّ المناظرة، ويكفيه في الأول رسالة «الوضع» وشرحٍ من شروحها، وفي الثاني «آداب البحث العضدية» وشرحٍ من شروحها.
وقد تشعَّبت مسائلُ علم المناظرة في الأزمنةِ الأخيرة، فوَصَل رجلٌ من الأكراد من طلبة العلم ومعه رسالةٌ وشرحها، يَذكر أنها لبعض علماء الهند،
стр. 171
ولم يُعرف اسمه، وفيها من الفوائد وشروحِها والتفاصيل ما لا يوجد في «الآداب العضدية» وشروحها؛ إلا ما هو بالنسبة إليه كالرموز، وقد نقلها الناسُ عنه، وانتشرت بين علماءِ صنعاء، وهي في نحو ثلاثةِ كراريس، مشتملةٌ على مقدمةٍ وتسعة مباحث، ولا يستغني طالبُ هذا الفنِّ عن إمعان النظر فيها.
وقد اشتغلتُ بِهذه الرسالة، وقابلتُها معه على نسخته، ولم يكن له من الفهم والاستعدادِ ما يبلغ به إلى أن تؤخذ عنه هذه الرسالة وشرحها روايةً ولا درايةً، مع كونه كان من أهل الصلاح، والإكباب على الطلب، والرغبةِ في العلم.
وكما تشعَّبت مباحثُ علم «المناظرة»، فقد تشعَّبت أيضًا عند المتأخرين مباحثُ علم «البديع»؛ فإن الموجود في كتب المتقدِّمين من أنواعه اللفظية والمعنوية دون أربعين نوعًا، وعند أهل البديعيَّات زيادةٌ على مئةٍ وخمسينَ نوعًا، وأخبَرنى الشيخ عبد الرَّحْمن بن أحمد الرئيس من علماء الحرم المكي عند وفوده إلى صنعاء: أنه قد أنهاها بعضُ المتأخرين إلى نحو سَبْعِمِئةِ نوع، وأنه وقف على رسالةٍ أو منظومةٍ الشك منى لبعض المتأخرين، تشتمل على ذلك. وأنا بحمد اللَّه قد استخرجتُ أنواعًا من البديع، وذكرتُ لها أسماءً خارجةً عن الأسماء التي ذكرها أهل هذا العلم، وذكرت أبياتًا اشتملت على ذلك (١).
• [الْمَعاجم]:
ثم ينبغي له أن يُكِبَّ على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان مفرداتِها،
стр. 172
ك «الصِّحَاح»، و «القاموس»، و «شمس العلوم وضياء الحلوم»، و «ديوان الأدب»، ونحو ذلك من المؤلَّفات المشتملةِ على بيان اللغة العربية عمومًا أو خصوصًا، كالمؤلفات المختصَّة بغريبِ القرآن والحديث.
• [الْمَنطق]:
ثم يَشتغل بعد هذا بعلم «المنطق»، فيحفظ مختصرًا من مختصراته، ك «التهذيب» أو «الشمسية»، ثم يأخذ في سماع شروحهما على أهل الفن؛ فإن العلم بِهذا الفن على الوجهِ الذي ينبغي يستفيدُ به الطالبُ مزيدَ إدراك، وكمالَ استعدادٍ عند وُرود الحُجج العقلية عليه. وأقلُّ الأحوال أن يكون على بصيرةٍ عند وقوفه على المباحث التي يوردها المؤلِّفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية؛ كما يفعلُه كثيرٌ من المؤلِّفين في الأصول والبيانِ والنحو (١).
стр. 173
• [علم أصول الفقه]:
ثم يشتغلُ بفنِّ أصول الفقه، بعد أن يحفظ مختصرًا من مختصراته المشتملةِ على مهمَّاتِ مسائله، ك «مختصر المنتهى»، أو «جمع الجوامع»، أو «الغاية»، ثم يشتغلُ بسَماع شروحِ هذه المختصرات، ك «شرح العضد على المختصر»، و «شرح المحلِّي على جَمْع الجوامع»، و «شرح ابن الإمام على الغاية»، وينبغي له أن يطوِّل الباع في هذا الفن، ويطِّلعَ على مؤلَّفات أهل المذاهب المختلفة؛ ك «التنقيح» و «التوضيح» و «التلويح» و «المنار»، و «تحرير ابن الهمام»، وليس في هذه المؤلفات مثل «التحرير» المذكور وشرحه.
ومن أنفع ما يُستعان به على بلوغ درجة التحقيق في هذا الفنِّ: الإكباب على الحواشي التي ألَّفها المحقِّقون على «الشرح العضدي» وعلى «شرح الجمع».
• [أصولُ الدين]:
ثم ينبغي له بعد إتقان فن «أصول الفقه» وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطوَّلاته، أن يشتغلَ بفن الكلام المسمى ب «أصول الدين» (١)، ويأخذ من مؤلفاتِ الأشعرية بنصيب، ومن مؤلَّفات المعتزلة بنصيب، ومن مؤلفات الماتُريدية بنصيب، ومن مؤلفات المتوسِّطين بين هذه الفرق كالزيدية بنصيب (٢)؛ فإنه إذا فعل كلَّ هذا عَرف الاعتقاداتِ كما ينبغي، وأنصفَ كلَّ
стр. 174
فرقةٍ بالترجيح أو التجريح على بصيرةٍ، وقابَل كلَّ قولٍ بالقبول أو الردِّ على حقيقة.
ومن أحسن مؤلفات المعتزلة: «المجتبى»، ومن أحسن مؤلفات متأخِّري الأشعرية: «المواقف العضُدية» وشرحها للشريف، و «المقاصد السعدية» وشرحها له.
وإياكَ أن يَثنِيَك عن الاشتغال بِهذا الفنِّ ما تسمعُه من كلماتِ بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيدِ فيه والتقليل لفائدته؛ فإنك إن عمِلتَ على ذلك، وقبلتَ ما يُقال في الفن قبل معرفته، كنتَ مقلِّدًا فيما لا تدري ما هو؛ وذلك لا يليق بما تطلبُه من المرتبة العلية، والكونِ في الطبقة الأوَّلية؛ بل اعرفه حقَّ معرفته، وأنت بعد ذلك مفوَّضٌ فيما تقولُه مِنْ مدحٍ أو قدْح؛ فإنه لا يقال لك حينئذٍ: أنت تمدح ما لا تعرفه، أو تقدح فيما لا تدري ما هو.
على أنه يتعلقُ بذلك فائدةٌ وزيادةُ بصيرةٍ في علوم أخرى، كعلم التفسير، وعلم تفسير الحديث؛ فإنك إذا بلغت إلى ذلك علمتَ ما في العلم بِهذا الفنِّ من الفائدة، لا سيما عند قراءة «كشَّاف» الزمخشرى (١) ومن سلك مسلكه؛ فإن في مباحثهم من التدقيقاتِ الراجعةِ إلى «علم الكلام» ما لا يفهمُها حقَّ
стр. 175
الفهم إلا مَنْ عرف الفنَّ، واطَّلع على مذاهب المعتزلة والأشعرية وسائر الفرق.
• [دعوةُ الْمُصنِّفِ ﵀ للتمسُّكِ بهدي السَّلفِ الصالح]:
وإني أقول بعد هذا: إنه لا ينبغي لعالِمٍ أن يَدينَ بغير ما دان به السلفُ الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ من الوقوفِ على ما تقتضيهِ أدلةُ الكتابِ والسُّنة، وإبرازِ الصفات كما جاءت، وردِّ عِلمِ المتشابهِ (١) إلى اللَّهِ سبحانه، وعدمِ الاعتداد بشيءٍ من تلك القواعدِ المدوَّنةِ في هذا العلم (٢) المبنيةِ على شفا جُرُفٍ هارٍ من أدلة العقل التي لا تُعقل، ولا تثبُت إلَّا بمجرد الدعاوَى والافتراء على العقل بما يطابقُ الهوى، ولا سيَّما إذا كانت مخالِفةً لأدلة الشرع الثابتة في الكتابِ والسُّنة؛ فإنها حينئذٍ حديثُ خرافة، ولُعبةُ لاعب، فلا سبيل للعِبادِ يتوصَّلون به إلى معرفةِ ما يتعلقُ بالرب سبحانه، وبالوعدِ والوعيد، والجنة والنار، والمبدإ والمعاد؛ إلا ما جاءت به الأنبياء صلواتُ اللَّه عليهم وسلامه عن اللَّه سبحانه، وليس للعقول وصولٌ إلى تلك الأمور، ومن زَعم ذلكَ فقد كَلَّف العقولَ ما أراحها اللَّهُ منه، ولم يتعبَّدْها به؛ بل غايةُ ما تُدرِكُه، وجُلُّ ما تَصِلُ إليه هو: ثبوتُ الخالق الباري، وأن هذه المصنوعاتِ لها صانع، وهذه الموجوداتِ لها مُوجِد (٣)، وما عدا
стр. 176
ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب اللَّه وعلى ألسُنِ رُسُله فلا يُستفاد من العقل؛ بل من ذلك النقلِ الذي منه جاءت، وإلينا به وَصلت.
واعلمْ أنى عند الاشتغال ب «علم الكلام»، وممارسةِ تلك المذاهب والنِّحل، لم أَزدَدْ بها إلا حَيرةً، ولا استفدتُ منها إلا العلمَ بأن تلك المقالات خزعبلاتٌ (١)؛ فقلت إذ ذاك مشيرًا إلى ما استفدته من هذا العلم:
ومِن نظري بعدَ طولِ التدبُّرِ … وغايةُ ما حَصَّلتُه مِنْ مَباحثي
فما عِلمُ مَنْ لم يَلْقَ غيرَ التحيُّرِ؟! … هو الوقفُ ما بين الطريقينِ حَيرةً
وما قَنِعَتْ نفسي بدونِ التبحُّرِ … على أنني قد خُضْتُ منه غِمارَهُ
وعند هذا رميتُ بتلك القواعدِ من حالقٍ، وطرحتُها خلف الحائط، ورجعت إلى الطريقةِ المربوطةِ بأدلة الكتاب والسُّنة، المَعمودةِ (٢) بالأعمدةِ التي هي أوثقُ ما يَعتمد عليه عِبادُ اللَّه، وهم الصحابةُ ومَن جاء بعدهم مِنْ علماء الأمة المقتدِين بهم، السالكين مسالكَهم؛ فطاحت الحَيرة، وانجابت ظُلمةُ العَماية، وانقشعتْ سحابةُ الجهالة، وانكشفت ستورُ الغِواية، وللَّهِ الحمد (٣).
على أني وللَّهِ الشكر لم أشتغل بِهذا الفنِّ إلَّا بعد رسوخ القدَم في أدلة
стр. 177
الكتاب والسُّنة، فكنتُ إذا عَرَضتْ مسألةٌ من مسائله مبنيةٌ على غير أساس؛ رجعتُ إلى ما يدفعُها من علم الشرع، ويدمغُ زائفها (١) من أنوار الكتاب والسنة، ولكنى كنتُ أُقدِّرُ في نفسي أنه لو لم يكن لديَّ إلا تلك القواعدُ والمقالات، فلا أجدُ حينئذٍ إلا حيرةً، ولا أمشي إلا في ظُلمة، ثم إذا ضربتُ بها وجهَ قائلها، ودخلت إلى تلك المسائل مِنْ الباب الذي أَمر اللَّهُ بالدخول منه، كنتُ حينئذٍ في راحةٍ من تلك الحيرة، وفي دَعَةٍ من تلك الخُزعبلات، والحمدُ للَّهِ رب العالمين عَدَدَ ما حَمِدَه الحامدون بكل لسانٍ في كل زمان.
• [علم التفسير]:
ثم بعد إحرازِ هذه العلوم، يشتغلُ بعلم التفسير، فيأخذُ عن الشيوخ ما يحتاج مثلُه إلى الأخذ ك «الكشاف» (٢)، ويُكبُّ على كتب التفسير على اختلافِ أنواعها، وتبايُنِ مقاديرها، ويعتمدُ في تفسير كلام اللَّه سبحانه ما ثبت عن رسول اللَّه ﷺ ، ثم عن الصحابة؛ فإنهم مع كونِهم أعلمَ من غيرهم بمقاصدِ الشارع، هم أيضًا من أهلِ اللسان العربي؛ فما وجده من تفاسير رسول اللَّه ﷺ في الكتب المعتبرة كالأمهات وما يلتحق بها قدَّمه على غيره؛ بل يتعيَّنُ عليه الأخذُ به، ولا يحلُّ له مخالفتُه، وأجْمعُ مؤلَّفٍ في ذلك وأنفعُه وأكثرهُ فائدة: «الدر المنثور» للسيوطي.
وما ذكرنا مِنْ تقديم ما وَرد عن الصحابة مقيَّدٌ بما إذا لم يخالِف ما يُعلم من لغةِ العرب، ولم تكن تلك المخالفةُ لأجل معنًى شرعيٍّ؛ فإن كانت لمعنًى شرعيٍّ فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدَّمةٌ على اللغوية.
стр. 178
وينبغي له أن يُطوِّلَ الباع في هذا العلم، ويطالعَ مطوَّلاتِ التفاسير، ك «مفاتيح الغيب» للرازي (١)؛ فإن المعاني المأخوذةَ من كتاب اللَّه سبحانه كثيرةُ العدد، يَستخرج منها كلُّ عالِمٍ بحسب استعداده، وقدْرِ مَلَكته في العلوم.
ولا يَغترَّ بما يزعمُه بعضُ أهل العلم مِنْ أنه يكفي الاطلاعُ على تفسير آياتِ الكتاب العزيز، كما وقع لكثيرٍ من التآليف في تفسير آياتٍ مخصوصةٍ مسمِّيًا لها ب «آيات الأحكام» كالموزعي (٢)، وصاحب «الثمرات» (٣)؛ فإن القرآنَ جميعَه حتى قَصصَه وأمثالَه لا يخلو من فوائدَ متعلِّقةٍ بالأحكام الشرعية، ولطائفَ لا يأتي الحصرُ عليها لها مدخلٌ في الدين؛ يعرفُ هذا مَنْ يعرفه، ويجهلُه من يجهله.
وينبغي أن يقدِّم على قراءة التفاسير الاطلاعَ على علوم الأداء، وكلِّ ما كان له مدخلٌ في التلاوة (٤)، وسائرِ العلوم المتعلِّقة بالكتاب العزيز، وما أنفع
стр. 179
«الإتقان» للسيوطي في مثل هذه الأمور.
ثم لا يُهمِلُ النظرَ في الكتب المدوَّنة في القراءات، وما يتعلق بها، ك «الشاطبية» وشرحها، و «الطيِّبة» وشروحها.
• [كُتب السُّنة]:
إذا عرفتَ ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى، فاعلمْ أن أعظمَ العلوم فائدةً، وأكثرَها نفعًا، وأوسعَها قدْرًا، وأجلَّها خطرًا: علمُ السُّنة المطهَّرة؛ فإنه الذي تكفَّل ببيان الكتاب العزيز، ثم استقلَّ بما لا ينحصرُ من الأحكام.
ولستُ أقول: إن الطالبَ يشتغلُ به في وقتٍ معيَّن، ولا أقولُ: إنه يقدِّمُه على هذه العلوم المتقدمة، أو يؤخرُه عنها؛ بل أقول: إنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يُقيمَ لسانه بما يحتاجُ إليه من النحو أن يُقبِلَ على سماع الكتب التي جَمَعَ فيها أهلُ العلم متونَ الأحاديث مقطوعةَ الأسانيد، ك: «جامع الأصول»، و «المشارق»، و «كنز العمال»، و «المنتقى» لابن تيمية (١)، و «بلوغ المرام» لابن حجر، و «العمدة» (٢).
стр. 180
ثم يَسمعُ الكتب التي فيها الأسانيد، كالأمهات الست، و «مسند أحمد»، و «صحيح ابن خزيمة»، و «ابن حبان»، و «ابن الجارود»، و «سنن الدَّارَقُطْني»، و «البيهقى».
وبالجملة: فما بلغتْ إليه قُدرتُه، ووَجَد في أهل عصره و [عند] شيوخه مِنْ كُتب السُّنةِ جدَّ في سماعه، واجتهد بحسْب ما يمكنه، ويكون هذا الاشتغالُ بِهذا العلمِ الجليل مصاحِبًا لاشتغالِه بجميع العلوم المتقدِّمة من البداية إلى النهاية.
فإذا قَضَى وَطَره (١) من سماع كُتب المتْن والإسناد، اشتغل بشُروح هذه المؤلَّفات؛ فيَسمع منها ما تيسَّر له سماعُه، ويطالعُ ما لم يتيسَّرْ له سماعُه.
• [علمُ الجرح والتعديل]:
ويستكثرُ من النظَر في المؤلَّفات في عِلم «الجرح والتعديل»، ولا يقتصر على المختصرات، فقد يكتفي مؤلِّفوها بقولِ فردٍ من أفرادِ أئمة الجرح والتعديل؛ بل يتوسَّعُ في هذا العلم بكلِّ ممكن، وأنفعُ ما يَنتفع به: «سير أعلام النبلاء» (٢)، و «تاريخ الإسلام»، و «تذكرة الحُفَّاظ»، و «الميزان»؛ فإنه يجد في هذه المؤلَّفات من الاختلاف في المترجَم له، وذِكر أسباب الجرح والتعديل، ما لا يجدُه في غيرها ك «تهذيب الكمال» وفروعه (٣).
• [علم مصطلح الحديث]:
وهذا بعدَ أن يشتغلَ بشيءٍ من علم اصطلاح أهل الحديث، كمؤلفات