إلا مصانعتُهم بالمال، والإعلانُ بترك تلك السنن التي هي أوضحُ من شمس النهار!.
وأحكي لك أيضًا حادثةً أشنعَ من هذه، كائنةً في عام تحرير هذه الأحرُف (١)، هي أني لم أزَل منذ اتصلتُ بخليفة عصرنا حفظه اللَّه مرغِّبًا له فى العدل في الرعية على الوجهِ الذي ورد الشرعُ به، ورَفعِ المظالِمِ المخالفةِ لقطعيَّات الشريعة كالمَكْس (٢) ونحوه، والاقتصارِ على ما ورد به الشرع، وعدمِ مجاوزته في شيءٍ، فألهمه اللَّه سبحانه إلى الإجابة إلى ذلك بعد طول مداراةٍ وترغيب، فجعلتُ مكتوبًا محكيًّا عنه مضمونُه: أنه قد أمر عُمَّاله بالعدل في الرعية، ورَفْعِ كلِّ مَظلِمة، والاقتصارِ على ما ورد به الشرعُ في كل شيء، وأن من لم يمتثل هذا الأمرَ كان على القاضي في ذلك القُطْرِ أن يُنهيَ أمرَه إلى حضرةِ الإمام؛ حتى يُحِلَّ به من العقوبة ما يردعُه ويردعُ أمثاله، وفي هذا المكتوب: التشديدُ في الربا، والسياسةِ الشيطانية، والأخذِ على قُضاةِ الأقطار أن يبعثُوا مَنْ يُعلِّمُ الناس أمرَ دينهم، من الصلاة والصيام والحج والزكاة والتوحيد؛ على الوجه المطابق لمراد اللَّه .
وقرَّر الإمامُ ذلك، وأنفَذه، وأظهَره في الناس، فقامت شياطينُ المقلِّدةِ، وفراعينُ البُدْوان، وخَوَنةُ الوزراء في وجهِ هذا الأمر قيامًا يَبكي له الإسلام، ويموتُ كمدًا عنده الأعلام، فجَعلوا هذا المعروف منكرًا، وما كان الأمرُ السابقُ عليه من المنكر معروفًا.
وليس العجبُ ممن له حظٌّ في المظالِم، ونصيبٌ من المَكس، وقِسطٌ من السُّحت؛ فقد يفعل ذلك مَنْ يُؤثِرُ الدنيا على الدين، ويَبيعُ الآجل بالعاجل؛
стр. 247
ولكنَّ العجبَ من جماعةٍ لا حظَّ لهم في شيءٍ من ذلك، ولهم حظٌّ من العلم، ونصيبٌ من الورع، متكِئين على أرائكهم، عاكفينَ على دفاترهم، صاروا يُنكرون من هذا الأمر ما يَعمَلون أنه مخالفةٌ لقطعيَّاتِ الشريعة، مع علمهم بحُكم مَنْ خالفها، واعترافِهم بأن هذا هو الحقُّ الذي اتفقت عليه الكتبُ المُنزَّلةُ والرسلُ المرسَلة، لكنهم يتركون تدبيرَ الشرع، ويعُودون لتدبير الدولة وما يُصلحهم ويَصلُح لهم، حتى كأنهم من أهل الولايات، ومِن القابضين للجبايات! وظَهر ما عندهم، وتكلَّموا به للناس، حتى اعتقد مَنْ لا حقيقة لديه من العامة، ومَن يلتحقُ بهم مِنْ أصحاب الدولة ومَن شابَههم: أني أرشدتُ إلى خطأ، وأمرتُ بمنكر، فاجتمع مِنْ جميع ما قدمتُ ذِكرَه تشوُّشُ خاطرِ الإمام، ومَن له رغبةٌ في شرائع الإسلام.
فتوقف الأمر، ولم يُنفِذْه مَنْ يقدرُ على التنفيذ ممن له رغبةٌ فيه، ووَجد أعداءُ اللَّه من الظَّلَمة المجال، فبالغوا في المخالفةِ والمدافعةِ والمحاولةِ والمصاولة؛ فاسمع هذه الأعجوبة، واعتبر بها، وإني لا أشكُّ أن اللَّه سبحانه مُنفِذٌ شرعَه، وناصرٌ مَنْ نصره، وخاذلٌ مَنْ خذله، ومُتمُّ نورِه على رغم أنف من أباه، ولكن للباطل صَولة، وللشيطان جَولة، حتى يَقِرَّ الحقُّ في قراره، ويتمَّ منَ العدل ورفعِ الظلم ما أمر اللَّهُ به، ومن رام أن ينصُرَ باطلًا أو يدفعَ حقًّا، فهو مركوس (١)، من غير فرقٍ بين رئيسٍ ومرؤوس، وإذا جاء نَهرُ اللَّهِ بَطَل نَهرُ مَعقِل، وعند عزائم الرَّحْمن يندفعُ كيدُ الشيطان.
(٢) القياس:
وأما القياسُ، فاعلم أنه قد رسمه أهلُ الأصول بأنه: «مساواةُ أصلٍ للفرع
стр. 248
في عِلة حُكمه». ثم شرَطوه بشروطٍ، وقيَّدوه بقيود، وهى معلومةٌ عند مَنْ يعرفُ الفن، لكنهم توسَّعوا في هذه المساواة، وأثبتوها بأمورٍ هي مجرد خيال، ليس على ثبوته أثارةٌ من علم.
وبيانه: أنهم جعلوا مسالكَ العلة أنواعًا، فأكثرُ ما قيل: إنها عشرة، ثم جميعُ هذه المسالك إلَّا القليل هي بحتُ الرأي، ومحصَّلُ الدعاوى المجردة؛ فعليك أن تضعَ قدمَك موضعَ المنع، وتقومَ في مقام الإنكار، حتى يوجبَ عليك المصيرُ إلى شيء منها ما لا يُقدَرُ على دفعه، ولا يُشَكُّ في صحته، كمَسلك النصِّ على العِلَّة (١)، ومَسلكِ القطع بانتفاءِ الفارق (٢)، ومِثلُ هذا فحوى الخطاب (٣)، وما شابَهَ هذه الأمور.
وإياك أن تُثبت أحكامَ اللَّهِ بخيالاتٍ تقعُ لكَ أو لعالِمٍ مثلِكَ مِنْ سابق الأمة أو لاحقِها؛ فإن عليك من الوِزر والوبالِ ما قدمنا ذِكرَه في هذا الكتاب.
стр. 249
وبالجملة: فالقياسُ الذي يذكرُه أهلُ الأصول ليس بدليلٍ شرعيٍّ تقوم به الحُجةُ على أحدٍ من عباد اللَّه، ولا جاء دليلٌ شرعيٌّ يدلُّ على حُجِّيته، وإن زَعم ذلك مَنْ لا خبرةَ له بالأدلة الشرعية، ولا بكيفيةِ الاستدلال بها، يعرفُ هذا من يعرفه، وينكرُه من ينكرُه (١).
وأما ما كانت العلةُ فيه منصوصةً، فالدليلُ هو ذلك النصُّ على العِلة؛ لأن الشارعَ كأنه صرَّح باعتبارها إذا وُجدت في شيءٍ من المسائل، مِنْ غير فرقٍ بين كونِه أصلًا أو فرعًا، وهكذا ما وقع القطعُ فيه بنفي الفارق، فإنه بِهذا القدْرِ قد صار الأمرانِ اللذانِ لا فارقَ بينهما شيئًا واحدًا؛ ما دلَّ على أحدهما دلَّ على الآخر، مِنْ دون تعديةٍ، ولا اعتماد أصليةٍ ولا فرعية.
وأما «فحوى الخطاب» و «لَحْنُه» (٢)، فهذان هما راجعانِ إلى المفهوم والمنطوق، وإن سمَّاها بعضُ أهل العلم بقياس الفحوى. وبحثُ العمل بالمفهوم خارجٌ عما نحن بصدده.
وقد جاءت لغةُ العرب الحاكيةُ لِمَا كانوا يفهمونه، ويتحاوَرون به، ويعمَلون عليه: أن مثل هذا المفهومِ كان معتبرًا لديهم مأخوذًا به عندهم؛ ولهذا قال من قال من العلماء: «إنه منطوقٌ لا مفهوم».
ولقد تلاعب كثيرٌ مِنْ أهل الرأي بالكتاب والسُّنةِ تلاعبًا لا يخفى إلَّا على مَنْ لا يعرفُ الإنصاف بِهذه الذريعةِ القياسية، وعوَّلوا على ما هو منه أوهنُ مِنْ بيت العنكبوت، وقدَّموه على آياتٍ قرآنيةٍ وأحاديثَ نبوية.
стр. 250
وما هذه بأوَّلِ فاقرةٍ (١) جاء بها الشيطان، وحسَّنها لنوع الإنسان، وذاد (٢) بها عبادَ اللَّه عن شرائعه.
ومن أنكر هذا، فلينظر المصنفاتِ في الفقه، ويتَّبِعْ مسائلَها المَبنِيةَ على مجرد القياس المبنيِّ على غير أساس، مع وجود أدلةٍ نيرة وبراهينَ مرْضية، ومن هذا الباب دخل أهلُ الرأي، وإليه خرجوا مِنْ أبواب الأدلةِ الثابتة في كتاب اللَّه وسُنة رسوله ﷺ .
وهامةُ هِمَّتِهِ في الثريَّا … فكنْ رجُلًا رِجلُه في الثَّرى
وكلُّ مَنْ له فهمٌ لا يعزُبُ (٣) عنه أن اللَّه تعالى لم يتعبَّدْ عبادَه بمجرد قولِ عالِمٍ من العلماء أنه قد أفاده مسلكَ «تخريج المناط»، أو «تنقيح المناط»، أو «الشَّبَه»، أو «الدوران» (٤) أو نحو هذا الهذيان؛ هذا على فَرض أنه لم يوجَد في الكتاب والسُّنة ما يخالفُ هذا المسلكَ الذي لا يسلكُه المتورِّعون، ولا يمشي عليه المتديِّنون، فكيف إذا كان الدليلُ المخالفُ له واضحَ المنار، ظاهرَ الاشتهار، قريبَ الديار لمن سافر إليه من أهل الاعتبار؟.
والكلامُ في هذا البحث طويلُ الذيول، وقد أفرده جماعةٌ من أهل العلم بالتصنيف، وليس المرادُ هنا إلا مجردَ التنبيهِ لطالب العلم، وإني وإن حذَّرته عن العمل بِهذا القياس، فلا أُحذِّرُه عن العلم به، وتطويلِ الباع في معرفتِهِ والإحاطةِ بما جاء به المصنِّفون من أهل الأصول في مباحثه؛ فإنه لا يعرفُ
стр. 251
صحةَ ما قلتُه إلا مَنْ عرفه حقَّ معرفته، وقد يُعرفُ الشيءُ ليُجتَنبَ ويُحذَر، ويُعرف الشرُّ لا للشر؛ لكن لتوقِّيه، ومن لا يعرفُ الشرَّ يقعْ فيه.
(٣) الاستحسان:
وأما الاستحسان، فاعلم أنهم رسَموه (١) بأنه: «دليلٌ يَقتدحُ في نفس المجتهد، ويعسُر عليه التعبيرُ عنه» (٢).
وأنت لا يخفى عليك إن بقي لك نصيبٌ من فهم، وحظٌّ من إنصاف أن اللَّه ﵎ لم يتعبَّدْ أحدًا من عباده بدليلٍ يَستدلُّ به أحدٌ من علماء الأمة، ويمكنُه التعبيرُ عنه، وإبرازُه من القوةِ إلى الفعل، إلَّا إذا كان صحيحًا تقوم به الحجة؛ فكيف يتعبَّدُهم بما انقدح في نفْسِ فردٍ من أفرادهم على وجهٍ لا يمكنُه التعبيرُ عنه، ولا إبرازُه إلى الخارج؟ فإن هذا الذي انقدح (٣) في نفسه، لا ندري ما هو ولا كيف هو! فكيف يكونُ حُجةً على أحدٍ من الناس، وقد عَجَز صاحبُه عن بيانه وعسُرت عليه ترجمته؟.
فيا لَلَّهِ العجبُ من هذا الهذَيان! وكيف استجاز قائلُه أن يحكم عليه، وأنه
стр. 252
دليلٌ شرعي، ويفتري على الشرع ما ليس منه، وعلى اللَّه ما لم يَقُلْه؟!.
وبالجملة: تِبيانُ فسادِ هذا لا يحتاجُ إلى إيضاح، وأفهامُ البشر وإن بلغت في الضَّعف أيَّ مبلغ، وقاربت أفهامَ الدواب فهي لا تطلبُ البرهانَ على بطلان هذا الهذيان، ولو احتاج محتاجٌ إلى الاستدلال على بطلان هذا الباطل، لزمه أن يدفعَ فِريةَ كلِّ مُفترٍ على اللَّه، وللَّهِ درُّ الإمام الشافعيِّ حيث يقول: «مَنْ استحسن فقد شَرَع».
(٤) الاجتهاد:
وأما الاجتهاد، فقد رسموه بأنه: «استفراغُ الفقيهِ الوُسعَ لتحصيل ظنٍّ (١) بحكمٍ شرعيٍّ».
ولا شكَّ أن هذا الظنَّ الكائنَ بعد الاستفراغ وإن تعبَّدَ اللَّهُ به ذلك المستفرِغ؛ لكونه فرَضه عند فَقدِ الدليل، كما تقدَّم البحثُ عن هذا والاستدلالُ عليه، لكنَّ الشأنَ في كونِ هذا الظنِّ حُجةً على أحدٍ من عباد اللَّه ممن لم يقعْ له هذا الظن، ولا تقدَّم له استفراغُ الوُسع؛ فإن الحجَّةَ الشرعيةَ ليست ظنونَ بعض المكلَّفين بالشرع المتعبَّدين به على البعض الآخر، ولا جاء في الشريعة حرفٌ واحدٌ مما يُفيد هذا ويدلُّ عليه؛ بل صرَّح الكتابُ العزيز بالنهي عن اتباعِ الظن، وأنه لا يُغني من الحق شيئًا، وأن بعضه إثمٌ؛ وهذه الأدلةُ الكليةُ توجبُ على الإنسان ألَّا يعملَ بظنه في شيءٍ كائنًا ما كان؛ إلَّا ما خصَّصه الشرع، فكيف بظنِّ غيره (٢)؟.
стр. 253
فيا معشرَ المقلِّدة، اسمعوا وعُوْا (١)؛ فإنكم إنما تتبِعُون ظنونًا خطرت لقوم، [وإنما] الحُجةُ من اللَّه بما في كتابه وسُنةِ نبيهِ ﷺ قائمةٌ عليهم كما هي قائمةٌ عليكم، وهم متعبَّدون بها كتعبُّدكم بها، فما لكم ولهم؟! وماذا عليكم من ظنونِهم؟! فقد أسفَر (٢) الصبحُ لذي عَينين، وارتفع ما على قلوب قومٍ من الرَّيْن (٣)، إن بقي للهداية مجال، ولاستماع الصوابِ احتمال، وقد كررتُ الكلام في المقام بما لا يُحتاج معه إلى التطويل هنا.
* * *
стр. 254
الفصل الخامس
أهمُّ المفاسدِ الماحقةِ
لبركةِ العِلم
стр. 255
الفصل الخامس أهمُّ الْمفاسدِ الْمَاحقةِ لبَركةِ العِلم
واعلم أن المفاسد الماحقةَ لبركة العلم، والمفرِّقةَ لكلمة المسلمين، كثيرةٌ جدًّا، والإحاطةُ بها تتعسر، وقد ذكرنا هنا ما حضر عند التحرير.
• [أعظمُ مصيبَتين حلَّتا بدار الإسلام]:
وأعظم ما أُصيب به دينُ الإسلام من الدواهي الكبار، والمفاسدِ التي لا يوقف لها في الضرر على مقدار، أمران:
أحدهما: هذه المذاهبُ التي ذهبت ببهجةِ الإسلام، وغيَّرت رونقَه، وجهَّمت (١) وجهه؛ وقد قدَّمنا في هذا ما يَستغني [به العاقلُ] عن الزيادة، إن بقي له فهمٌ يرجع به إلى الحق، ويخرج به من الباطل.
والأمر الثاني: هذه الاعتقاداتُ التي حدثت لهذه الأُمَّة في صالحي الأموات، حتى صار الرجلُ يَقرِنُ مَنْ يعتقدُه مِنْ الأموات بمن يقلِّدُه منهم؛ فيقول: إمامُه في المذهب فلان، وشيخُه في الاعتقادِ والمحبة فلان.
وهذا يقوله ظاهرًا، وهو لو كُوشف ونَطق بما في ضميره، لقال: وشيخه الذي يعوِّلُ عليه في زعمه عند الشدائد في قضاء حاجاته ونَيل مطالبه فلان. وصُمِّي بصمَّامٍ مِنْ خَلفٍ وأمام.
стр. 256
فإن هذه [هي] الداهيةُ الدَّهْياء، والمصيبةُ الصمَّاءُ العمياء؛ فقد كان أوائلُ المقلِّدةِ يعتمدون على أئمتهم في المسائلِ الشرعية، ويُعوِّلون على آرائهم، ويَقفِون عند اختياراتِهم، ويَدَعون نصوصَ الكتاب والسنة، ولكنهم لا يُنزِلون حوائجَهم بغير اللَّه ، ولا يُناجُون سواه، ولا يَرجُون غيرَه، ولا يُعوِّلون إلَّا عليه، ولا يطلبون إلَّا منه.
فهم وإن خَلَطوا صَومَهم وصلاتَهم وحَجَّهم وزَكاتَهم وسائرَ عباداتِهم ومعاملاتِهم بآراء الرجال، وقلَّدوا في كثيرٍ من تفاصيلها ما لم يأذنِ اللَّهُ بتقليده، وأخذوا دينَهم على الوجه الذي لم يأمر اللَّهُ به ولا ارتضاه لهم؛ لكنهم لم يُخلِّطوا في معنى «لا إله إلا اللَّه»، ولا تلاعبوا بالتوحيد، ولا دَخلوا في أدوار الشرك، ومضايقِ الجُحود، وبلايا الجاهليةِ وما كانوا عليه.
وأما هؤلاء، فعَمَدوا إلى جماعةٍ من الأموات الذين لا يستطيعون توصيةً ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ [يس]، فقَصدوهم في المهمَّات، وعكَفوا على قبورهم، ونذَروا لهم النذور، ونحَروا لهم النحاير (١)، وفَزِعوا إليهم عند المهمات:
فتارةً يطلبون منهم من الحاجات ما لا يقدرُ عليه إلا اللَّهُ ، وخصُّوهم بالنداءِ، وأفردوهم بالطلب.
وتارةً ينادونَهم مع اللَّه ، ويصرخون بأسمائهم مع اسم اللَّه سبحانه، فيأتون بكلماتٍ تقشعرُّ لها جلودُ مَنْ يعلم معنى «لا إله إلا اللَّه»، ويعرفُ مدلول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص]، وتلاعَب بهم الشيطان في ذلك، ونَقَلهم مِنْ مرتبةٍ إلى مرتبة، ومن منزلةٍ إلى منزلة؛ حتى استعظموا مِنْ جانب
стр. 257
هؤلاء الأموات الذين خلقهم اللَّهُ ورزقهم وأحياهم وأماتَهم ما لا يستعظمونه من جانبِ بارئ البرية، وخالقِ الخلق جلَّ اسمُه، وتعالى قدْرُه، ولا إله غيره، وأفضى ذلك إلى أن أحدَهم يحلفُ باللَّه تعالى فاجرًا، ولا يحلفُ بمن يعتقدُه من الأموات، ويُقدِمُ على المعصية في المساجد التي هي بيوت اللَّه، ولا يُقدِمُ عليها عند قبرِ مَنْ يعتقده.
وتزايَدَ الشرُّ، وعظُمت المحنة، وتفاقمت المصيبة، حتى صار كثيرٌ منهم يَنسِبون ما أصابهم منَ الخير في النفْس والأموال والأهل إلى ذلك الميت، وما أصابهم منَ الشرِّ في ذلك إليه، وقد صار تحت أطباقِ الثرى، وغُيِّب عن أعيُنِ البشر، وصار مشغولًا عاجزًا عن جرِّ نفعٍ إليه أو دَفعِ ضُرٍّ عنه، منتظرًا لما يَنتظر له مثلُه من الأموات، لا يدري ما نزل به من هؤلاء النُّوَكاء، ولا يشعرُ بما ألصقوه به، ولو علم بذلك لجالدهم بالسيف، ودَفَعهم بما يقدرُ عليه.
ومن أعظم الذرائع الشيطانية، والوسائلِ الطاغوتية: أنهم بالَغوا في التأنُّقِ في عمارةِ قبور مَنْ يعتقدونه من الصالحين، ونَصَبوا عليها القِباب، وجعلوا على أبوابها الحُجَّاب (١)، ووضعوا عليها من السُّتور العاليةِ والآلاتِ الرائعة ما يُبهِرُ الناظرَ إليه، ويُدخِلُ الرَّوعةَ (٢) في قلبه، ويدْعوه إلى التعظيم، كما جُبلت عليه طبائعُ العوامِّ من دخول المهابة في قلوبِهم، والروعةِ في عقولِهم بما يتعاطاهُ المريدون لذلك؛ كما يفعلُه غالبُ ملوك الدنيا، مِنْ المبالغة في تزيين منازلهم، وتعظيمها، والتأنُّقِ في بنائها، والاستكثارِ من الحُجَّاب والخدم، والصياحِ، والجَلَبة، وارتباطِ (٣) الأُسودِ ونحوها من الحيوانات، ولُبسِ
стр. 258
فاخر الثياب؛ قاصِدين بذلك تربيةَ المهابة لهم والمخافةِ منهم.
وصَنَعَ هؤلاء القُبوريُّون كصُنعهم، ففعلوا في الأموات مِنْ جوالِب التعظيم وأسبابِ الهيبة ما يكون له من التأثيرِ في قلوب مَنْ يزورُهم من العامة ما لا يُقادَرُ قَدْرُه، ثم يزيدُ ذلك قليلًا قليلًا؛ حتى يحصلَ لهم من الاعتقاد في أولئك الأموات ما يقدحُ في إسلامهم، ويَخدِشُ في توحيدهم.
ولو اتبع الناسُ ما أَرشد إليه الشارعُ من تسوية القبور، كما ثبت في «صحيح مسلم» وغيره، من حديث أبى الهَيَّاج، قال: قال لي عليُّ بن أبى طالب: أَلَا أبعثُك (١) على ما بعثني عليه رسولُ اللَّه ﷺ ؟: «ألَّا تَدَعَ قبرًا مُشرفًا (٢) إلَّا سوَّيتَه، ولا تِمثالًا إلَّا طَمَسْته (٣)» (٤).
فانظر كيف بعث رسولُ اللَّه ﷺ أميرًا لهدم القبور المُشرِفةِ وطَمس
стр. 259
التماثيل، هو أمير المؤمنين عليُّ بن أبى طالب ﵁! ثم بعث عليٌّ أيامَ خلافته أميرًا على ذلك، هو أبو الهيَّاج!.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والحاكم، من حديث جابر: أن النبيَّ ﷺ : «نَهى أن يُجصَّصَ القبرُ (١)، وأن يُبنى عليه، وأن يُكتب عليه، وأن يُوطأ». وأخرجه مسلم في «صحيحه» بدون ذكر الكتابة (٢).
• قال الحاكمُ: «النهيُ عن الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحةٌ غريبةٌ». قال: «والعملُ من أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك؛ يعني: يقرِّون كتابةَ الاسم من دون إنكار» انتهى.
وأقول: لا حُجةَ في أحدٍ خالَف السنةَ الثابتةَ عن رسول اللَّه ﷺ كائنًا مَنْ كان؛ قلَّ عددُهم أو كثُر، فليس لهم أن يُشرِّعوا للناس غير ما شرَعه اللَّهُ، بل يَحمِلون على الخطأ وعدمِ العناية بأمرِ الشرع والتساهلِ في أمر الدين، وما هذا بأولِ بابٍ من أبواب الشرع أهْمله الناسُ، وخالفوا فيه السُّننَ الواضحة والشرائعَ الثابتة، ولا سيَّما بعد أن استعلَى الجهلُ على العلم، وغَلبت آراءُ الرجال ما جاء في الكتاب والسُّنة، وصار التقليدُ والتمذهبُ هو المعروفَ عند الجمهور وغيرُه المنكر، ولا اعتبارَ بسكوتِ أهل العلم الذين هم أهلُه؛ فإنهم مغلوبون مكثُورون مخبُوطون بسَوطِ العامة الذين منهم السلاطينُ وجنودهم كما قدَّمنا الإشارةَ إلى هذا، وإطباقُ أهل المشرق والمغرب على الكتابةِ هو كإطباقهم على رَفعِ القبور وتجصيصِها، ووَضْعِ القبابِ عليها
стр. 260
وجعلها مساجدَ؛ فخالفوا ما تقدم عنه ﷺ ، مع مخالفتِهم لِما ثبت في «الصحيح» عنه ثبوتًا لا يخالفُه فيه مخالفٌ؛ من أن النبي ﷺ قال: «لا تَجعلوا قبري مسجدًا، ولا تَجعلوا قبري وَثنًا يُعبد» (١)، «لَعَن اللَّهُ اليهودَ؛ اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (٢).
وكان هذا القولُ مِنْ آخِرِ ما قاله في مرضِ موته، كما ثبت أن آخِرَ ما قاله ﷺ الأمرُ بإخراج اليهود من جزيرةِ العرب (٣)، والنهيُ عن اتخاذِ قبره مسجدًا، وتنفيذُ جيش أسامة (٤).
ثم كان الواقعُ من أمَّته بعد هذا التأكيد أنهم بنَوا على قبرهِ الشريف قُبةً! وما زال ملوكُ الإسلام يبالِغون في تحسينها وتزيينِها ورفع سَمْكِها (٥)،
стр. 261
ووضعوا القِباب، ورفعوا القبور، وكانوا يفعلون هذا بأهلِ الصلاح، ثم تزايَدَ الشرُّ، وصاروا يفعلون ذلك لمن له رئاسةٌ دنيوية وإن كان مِنْ أفجر الفجرة، وقد يُوصي الميتُ في وصيتِه بذلك!.
وأعجبُ من هذا كلِّه: تصريحُ جماعةٍ من أهل الفقه بأنه لا بأس بذلك إذا كان الميتُ فاضلًا! ودوَّنوه في مصنَّفاتِهِم التي هي مدارسُ الطلبة، وضرَبوا بما ذكرناه مِنْ الأدلة في وجهِ من جاء بها، ورَمَوا بها خلفَ الحائط، ولم يَرْدعهم دينٌ، ولا وَزِعهم (١) حياءٌ، وقابلوا بما أسلفنا بقولهم: «إنه قد استَحسن رفعَ هذه القبابِ وتزيينَ هذه القبور بعضُ السلف»!.
فلا كثَّر اللَّهُ في أهل العلم من أمثالِكم ولا مِنْ أمثالِ مَنْ استحسن مخالفةَ الشرع من السلف الذين صرتُم تَقوَّلون عليهم بما لم يقُولوه؛ فإنه إذا صحَّ ما تزعمونه مِنْ أنه استَحسن ذلك بعضُ السلف، فلا حجةَ في استحسانِ من استحسنَ مخالفةَ الشرع كائنًا من كان؛ فإنه أولُ مبتدِعٍ ومخالفٍ للشرع، وعاصٍ للَّهِ ورسولِه وللشريعةِ المطهرة.
ولقد تزلزل بِهذا السبب أقدامُ كثيرٍ مِنْ العِباد عن الإسلام، وذهب بِهذه الذريعةِ إيمانُ جماهيرَ من الأنام، فإنا للَّهِ وإنا إليه راجعون؛ فإنه لو كانت القبورُ على الصفةِ التي شرعها اللَّهُ وعلَّمها رسولُ اللَّه ﷺ لأمَّته، لم يحدُث من هذه الاعتقادات الفاسدة شيء.
ولا يشكُّ عاقلٌ أن أعظم ما أدخل فاسدَ الاعتقادِ في صدور كثيرٍ من العِباد: هو هذا الأمر، مع سكوتِ العلماء عن البيان الذي أمرهم اللَّهُ به، ومجاملتِهم للعامة، إمَّا مع عِلمهم بما في هذا الأمر منَ الخَطَر، أو مع غَلبةِ العادات
стр. 262
الطارئةِ عليهم لِما عندهم من العلم؛ حتى ذهب ذلك بما يعلمونه، ومَحَق بركته، وأبطل ثمرته.
ومما أحكيهِ لك: أنه كان يبلغُني وأنا في الطلب للعلم والاشتغالِ به ما يصنعُه أهلُ القطر التِّهامي من الاجتماع لزيارةِ جماعةٍ من المعتقَدِين لديهم، وما يحدثُ منهم عند ذلك من النَّهيقِ الذي لا يعودُ صاحبه إلى الإسلام سالِمًا؛ مع عدم إنكارِ مَنْ بتلك الديارِ مِنْ العلماء؛ بل كان الكثيرُ منهم يَحضُرون تلك المجامع، ويَشهَدون تلك الزيارات، فتكونُ المنكراتُ وما يحدثُ من أنواع الشرك بمرأًى منهم ومَسمَع، فكتبتُ رسالةً إلى العلماء من أهل تلك الديار على يدِ رجلٍ من أهل العلم الراحِلين إلى هنالك، فلما عاد أخبرني بما حَصَل من الاستنكار منهم لما كتبتُه إليهم، وعدمِ الاعتداد به والالتفاتِ إليه، فقضيتُ من ذلك العجب! ثم لمَّا وَلِيَ القضاءَ ببعض البنادر التِّهاميةِ بعضُ علماءِ صنعاءَ الأكابر، وشاهَد مِنْ هذه المنكرات ما حَمَله على أن يحرِّر إليَّ سؤالًا، فأجبتُه برسالةٍ مطوَّلةٍ سميتُها «الدرُّ النضيد في إخلاص التوحيد»، وأمرتُه أن يكتبَ نُسَخًا ويرسلَها إلى القضاةِ في تلك الديار، ففعل، ولم يؤثِّر ذلك شيئًا، بل كتب كثيرٌ من علماءِ تلك الديارِ على رسالتي مناقشاتٍ واعتراضات، فلم تَمضِ إلا أيامٌ قلائل حتى نزل بهم السيف، وهَدم اللَّهُ تلك الطواغيت، وذهب بتلك الاعتقادات الفاسدة؛ فهي الآن صافيةٌ عن تلك الأمور التي كان يتلوَّثُ بها أهلُها، فلا يقدرُ أحدٌ منهم أن يستغيثَ بغير اللَّهِ سبحانه، أو يُناديَ مَيْتًا من الأموات، أو يُجريَ ذكره على لسانه، ولكنه لم يَغسل أدرانَهم (١) ويُذيبَ الكدوراتِ التي كانت تشوبُ صافي إسلامهم إلا
стр. 263
السيفُ، وهو الحكمُ العدلُ فيمَن استحكمت عليه نزغاتُ الشيطان الرجيم، ولم تردعه قوارعُ آيات الرَّحْمن الرحيم.
• [جنايةُ جُهَّالِ الْمتصوِّفة على الإسلام وأهلِه]:
ويلتحقُ بالأمرين المذكورين أمرٌ ثالث وإن لم تكن مفسدتُه كمفسدتِهما، ولا شمولُه كشمولِهما، وهو ما صار عليه هذه الطائفةُ المدعوَّةُ ب «المتصوفة»، فقد كان أولَ هذا الأمر يطلقُ هذا الاسم على مَنْ بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلى مبلغ، ومشى على هَدْيِ الشريعة المطهَّرة، وأعرضَ عن الدنيا، وصدَّ عن زينتها، ولم يغترَّ ببهجتها، ثم حدث أقوامٌ جعلوا هذا الأمرَ طريقًا إلى الدنيا، ومَدْرجًا إلى التلاعب بأحكام الشرع، ومَسلكًا إلى أبوابِ اللهو والخلاعة، ثم جعلوا لهم شيخًا يُعلِّمُهم كيفيةَ السلوك، فمنهم مَنْ يكون مَقصِدُه صالحًا، وطريقتُه حسنةً، فيُلقِّنُ أتباعه كلماتٍ تُباعدُهم من الدنيا، وتقرِّبُهم من الآخرة، وينقلُهم من رتبةٍ إلى رتبةٍ على أعرافٍ يتعارفونَها، ولكنه لا يخلو غالبُ ذلك من مخالفةٍ للشرع، وخروجٍ عن كثيرٍ من آدابه، والخيرُ كلُّ الخير في الكتاب والسُّنة، فما خرج عن ذلك فلا خيرَ فيه وإن جاءنا به أزهدُ الناس في الدنيا وأرغبُهم في الآخرة، وأتقاهم للَّهِ تعالى وأخشاهم له في الظاهر؛ فإنه لا زهدَ لمن لم يَمشِ على الهدي النبوي، ولا تَقوى ولا خشيةَ لمن لم يسلُك الصراط المستقيم؛ فإن الأمورَ لا تكونُ طاعاتٍ بالتعب فيها والنصَب وإيقاعها على أبلغِ الوجوه؛ بل إنما تكون طاعاتٍ خالصةً مَحضةً مباركةً نافعةً بموافقةِ الشرع، والمشيِ على الطريقةِ المحمدية.
واعتبِرْ بالخوارج؛ فقد وَصَفهم النبيُّ ﷺ بما وصف مِنْ تلك العبادات والمجاهدات التي لا تبلغُ عبادتُنا ولا مجاهدتُنا إلى شيءٍ منها، ولا تُعتبر
стр. 264
بالنسبة إليها، ومع هذا فقال: «إنها لا تُجاوِزُ تراقيَهم»، وقال: «إنهم يمرُقون من الدِّين كما يَمرُقُ السَّهمُ منَ الرَّمِية» (١)، وقال: «إنهم كلابُ النار» (٢).
فانظر كيف كانت مجاهداتُهم وعباداتُهم وقيامُهم الليلَ وصيامُهم النهار نقمةً عليهم وبليةً ومحنةً لهم، لم تعُد عليهم بنفعٍ قطُّ إلَّا ما أصيبوا به من الخَسار والنكالِ (٣) والوبال، فكانت تلك الطاعاتُ الصُّوريةُ من صلاةٍ وصيامٍ وتَهجُّدٍ وقيامٍ هي نفسَ المعاصي الموجبةَ للنار!.
وهكذا كلُّ مَنْ رام (٤) أن يُطيعَ اللَّهَ على غير الوجهِ الذي شرعه لعباده وارتضاه لهم، فإنه ربما يُلحق بالخوارج بجامع وقوعِ ما أطاعوا اللَّهَ به على غير ما شرعه لهم في كتابه وعلى لسان رسولِه ﷺ ، وإني أخشى أن يكونَ مِنْ هذا القَبيل ما يقعُ مِنْ كثيرٍ مِنْ المتصوفة مِنْ تلك الأقوالِ والأفعال التي ظاهرُها التنفيرُ عن الدنيا والبعدُ عن أهلها والفرارُ عن زينتها؛ مع تلك الوظائفِ التي يلازمونَها من التخشُّعِ والانكسارِ والتلهُّبِ والتأسفِ والصراخ تارةً والهدوء تارةً أخرى، والرياضاتِ والمجاهدات، وملازمةِ أذكارٍ يَذكُرون بها لم تَرِدْ في الشرعِ؛ على صفاتٍ لم يأذَنِ اللَّهُ بها، مع ملازمةِ تلك الثياب الخشنةِ الدَّرنة، والقعودِ في تلك المَساطبِ القذِرة، وما ينضمُّ إلى ذلك من ذلك الهُيامِ والشطحِ والأحوالِ التي لو كان فيها خيرٌ لكانت لرسولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 265
وأصحابه الذين هم خير القرون.
ولا أُنكِرُ أنَّ في هذه الطائفةِ مَنْ قد بَلغ في تهذيب نفسِه وغَسْلِها منَ الطواغيتِ الباطنة والأصنامِ المستورةِ عن الناس كالحسدِ، والكِبر، والعُجب، والرياءِ، ومحبةِ الثناءِ والشرف والمال والجاه مَبلغًا عظيمًا، وارتقى مرتقًى جَسيمًا، ولكني أكرهُ له أن يَتداوَى بغير الكتابِ والسُّنة، وأن يتطبَّبَ بغير الطبِّ الذي اختاره اللَّهُ لعباده؛ فإنَّ في القوارعِ (١) القرآنية والزواجِرِ المُصطَفَوية ما يَغسِلُ كلَّ قَذَر، ويَرْحَضُ (٢) كلَّ دَرَن، ويَدمَغُ كلَّ شُبهة، ويدفعُ كلَّ عارضٍ من عَوارضِ السُّوء، فأنا أُحبُّ لكلِّ عليلٍ في الدين أن يتداوى بِهذا الدواء، فيَعكُفُ (٣) على تلاوةِ كتاب اللَّهِ متدبِّرًا له متفهِّمًا لمعانيه؛ باحثًا عن مشكلاته، سائلًا عن مُعضِلاته (٤)، ويُديمُ النظرَ في كتب السنة المعتبرة عند أهلِ الإسلام كالأمهات السِّتِّ وما يلحق بها، ويَستكثرُ من مُطالعةِ السيرةِ النبوية، ويتدبَّرُ ما كان يفعلُه رسولُ اللَّه ﷺ في ليلِه ونهاره، ويتفكَّرُ في أخلاقه وشمائله (٥)، وهَدْيهِ وسَمْتِه (٦)، وما كان عليه أصحابُه، وكيف كان هَديُهم في عباداتِهم ومعاملاتِهم، فإنه إذا تداوى بِهذا الدواء ولاحَظَتْهُ العنايةُ الربانية (٧)،
стр. 266
وهَذَّبته الهِدايةُ الإلهية، فاز بكل خير؛ مع ما له من الأجرِ الكثير والثوابِ الكبير في مباشرة هذه الأسباب، وإذا حال بينه وبين الانتفاع بِهذه الأمورِ حائلٌ، ومَنعه من الظفَرِ بما يترتبُ عليها مانع، فقد نال بتلك الأسباب التي باشَرها أجرًا عظيمًا؛ لأنه طَلب الخير من مَعدِنه، ورامَ نَيلَ الرُّشدِ من مَوطنه، فكان له في تلك الأشغال منَ الأجر ما لِطلبةِ علمِ الشرع؛ لأنه قد جَهِدَ نفسَه في الأسباب، ولم يُفتحْ له الباب.
فانظرْ كم بين هاذين الأمرينِ من المسافةِ الطويلة، فإن طالب الرشدِ بغير الأسباب الشرعيةِ لا يأمَنُ على نفسِه بعد الوصول إلى مطلوبه مِنْ أن يكون صُنعُهُ كصُنعِ الخوارج في خسرانِهم بما ظنُّوه رِبحًا ووقوعِهم في الظُّلْمةِ وقد كانوا يظنُّون أنهم يُلاقُون صُبحًا؛ لأنهم خالفوا الطريقةَ التي أَرشدَ اللَّهُ إليها عبادَه وأمرهم بسلوكها، وإذا كان هذا الأمرُ مجوَّزًا في طلبةِ الخيرَ من غير طريقِ الشرع كصُلحاء الصوفية الذين لا رغبةَ لهم في غير تهذيبِ أخلاقهم على وجهٍ يوجبُ زُهدَهم فيما ترغب النفوسُ إليه، وتتهالكُ الطبائعُ البشرية عليه، فما ظنُّك بمن كان مِنْ متصوِّفةِ الفلاسفة الذين يدورُون بمُرقَّعاتِهم وأبدانِهم القَشِفة وثيابِهم الخَشِنة، ووجوههم المُصفرَّة حولَ ما يقوله الفلاسفةُ من تلك المقالات التي هي ضدُّ الشرع وخلافٌ له، ويَنهَقون عند إدراك شيءٍ من تلك المعارف الشيطانية نَهيقًا مُنكرًا، ويُسمُّون ذلك «حالًا»! وهو عند التحقيق حالٌ حائلٌ (١) عن طريق الدين، وخيالٌ مائلٌ عن سبيل المؤمنين، وللرد على هؤلاء جَمعتُ الرسالةَ التي سميتها: «الصوارم الحداد»، هي من المجموعاتِ التي جَمعتُها في أيام الحداثةِ وأوائل الشباب.
стр. 267
وبعد هذا كلِّه فلستُ أجهل أن في رجال هذه الطائفةِ المسماة ب «الصوفية» مَنْ جَمع اللَّهُ له بين الملازمة لهذه الشريعة المطهرةِ والمَشيِ على الطريقةِ المحمدية والصراطِ الإسلامي، مع كونه قد صار مِنْ تصفيةِ باطنِه من كُدوراتِ الكِبرِ والعُجبِ والحسدِ والرياء ونحوها، بحيث يَتقاصرُ عنه غيرُه، ويَعجِزُ عنه سواه.
ولكني في هذا المُصنَّف بسبب الإرشاد إلى العمل بالكتاب والسُّنة، والتنفيرِ عما عداهما كائنًا ما كان، فلستُ أُحبُّ لمن أراد القُربَ إلى اللَّه والفوزَ بما لديه، والظَّفَرَ بما عنده، أن يتسبَّب إلى ذلك بسببٍ خارج عنهما من رياضةٍ، أو مجاهدةٍ، أو خَلوةٍ، أو مراقبة، أو يأخذَ عن شيخٍ من شيوخ الطريقة الصوفية شيئًا من الاصطلاحات الموصِّلةِ إلى اللَّهِ عندهم؛ بل يطلُبُ علمَ الكتاب والسنة، ويأخذُهما عن العلماءِ المُتقِنين لهما، المؤثِرين لهما على غيرهما، المتجنِّبين لعلم الرأي وما يوصِّلُ إليه، النافرين عن التقليد وما يَحمِلُ عليه؛ فإنه إذا فعل ذلك سَلَك مسلكَ النبوة، وظَفِر بِهَدْي الصحابة، وسَلِم من البدع كائنةً ما كانت، فعند ذلك يُحمَدُ مَسراه (١)، ويُشكر مسعاه (٢)، ويفوزُ بخيرِ أُولاه وأُخراه.
* * *