← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1567

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت عبد الواحد

الشوكاني

Полный текст (267 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 212

بابٍ غيرِ هذا البابِ لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غايةٍ وفائدة (١).

стр. 213

• [من أراد الطب]: ومَن كان مريدًا لعلم الطب، فعليه بمطالعة كتب «جالينوس»، فإنها أنفعُ شيءٍ في هذا الفن باتفاقِ مَنْ جاء بعدَه منَ المشتغلين بِهذه الصناعة إلا النادر القليل. وقد انتقى منها جماعةٌ من المتأخِّرين ستةَ عشرَ كتابًا، وشرحوها شروحًا مفيدة. فإن تعذَّر عليه ذلك، فأكمَلُ ما وقفتُ عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركَّبات والعلاجات كتاب «القانون» لابن سينا، و «كامل الصناعة» المشهور ب «المَلكي» لعليِّ بن العباس. ومِن أنفع المختصرات في هذا الفن: «الذخيرة» لثابت بن قرة؛ فإنها قد تضمَّنت من العلاجات النافعة والأدوية المجرَّبة مع اختصارها ما هو قائمٌ مقامَ كثيرٍ من المطوَّلات. ومِن أنفعِ ما في هذا الفن باعتبار خواصِّ الأدويةِ المفردة، وبعض المركَّبات: «تذكرة الشيخ داود الأنطاكي»، ولو كمُل بالمعالجات لكان مغنيًا عن غيره، ولكنه انقطعَ بعدَ أن شرع في الكلام على معالجاتِ العِلل على حروف «أبجد»؛ فوصل إلى حرف «الطاء»، ثم انقطع الكتاب.

стр. 214

ومن أنفع الكتب في هذا الفن «الموجز» (١) وشروحه. وبالجملة: فمَن كان قاصدًا إلى علمٍ من العلوم، كان عليه أن يتوصَّل إليه بالمؤلَّفات المشهورة بنفعِ مَنْ اشتغل بها، المحرَّرةِ أحسنَ تحرير، المهذَّبةِ أبلغ تهذيب، وقد قدَّمْنا في كل فنٍّ ما فيه إرشادٌ إلى أحسن المؤلفات فيه. • [طلبُ الاطِّلاع على الْمَذاهب الْمَشهورة]: وكثيرًا ما يَقصِدُ الطالبُ الذي لم يتدرَّب بأخلاق المُنصفين، ويتهذَّب بإرشادِ المحققين الاطلاعَ على مذهبٍ من المذاهب المشهورة، ولم تكن له في غيره رغبةٌ، ولا عنده لما سواه نشاطٌ، فأقربُ الطرُقِ إلى إدراك مقصدهِ ونَيلِ مأربه: أن يبتدئَ بحفظِ مختصَرٍ من مختصرات أهل ذلك المذهب؛ «كالكنز» (٢) في مذهب الحنفية، و «المنهاج» (٣) في مذهب الشافعية؛ فإذا صار ذلك المختصر محفوظًا له، متقَنًا على وجهٍ يَستغني به عن حَمْل الكتاب، شرع في تفهُّم معانيه، وتدبُّرِ مسائلهِ على شيخٍ من شيوخ ذلك الفن، حتى يكون جامعًا بين حفظِ ذلك المختصر وفَهمِ معانيه، مع كونه مكرِّرًا لدرسه، متدبِّرًا لمعانيهِ الوقتَ بعدَ الوقت، حتى يرسَخَ حفظُه رسوخًا يأمنُ معه من التفلُّت. ثم يشتغلُ بدرسِ شرحٍ مختصرٍ من شروحِه على شيخٍ من الشيوخ، ثم يترقَّى إلى ما هو أكثرُ منه فوائد، وأكملُ مسائل.

стр. 215

ثم يُكِبُّ على مطالعةِ مؤلَّفاتِ المحقِّقين من أهل ذلك الفن، فيَضُمُّ ما وجده من المسائل خارجًا عن ذلك المختصر الذي صار محفوظًا له إليه، على وجهٍ يستحضرُه عند الحاجة إليه. ولكنه إذا لم يكن لديهِ منَ العلم إلَّا ما قد صار عنده من فقهِ ذلك المذهب، فلا ريب أنه يكون عاميَّ الفهم، سيئَ الإدراك، عظيمَ البلادة، غليظَ الطبع؛ فعليه أن يبتدئَ بتهذيب (١) فهمِه، وتلقيحِ فكرهِ بشيءٍ من مختصَرات النحو، ومجاميعِ الأدب، حتى تثبُتَ له الفقاهةُ الصُّورية (٢)، وأما الفقاهةُ الحقيقية؛ فلا يتصفُ بها إلا المجتهدُ؛ بلا خلافٍ بين المحققين. * * *

стр. 216

الفصل الرابع مباحثُ قيمةٌ تُنيرُ الطريقَ لطالب العلم

стр. 217

الفصل الرابع مباحثُ قيمةٌ تُنيرُ الطريقَ لطالبِ العلم وإذ قد عرفتَ ما ينبغي لكل طبقةٍ من تلك الطبقات من المعارف العِلمية، فلْنكمِّلْ لك الفائدةَ بذِكر مباحثَ يَنتفع بها طالبُ الحق، ومريدُ الإنصاف انتفاعًا عامًّا، ويرتقي بها إلى مكانٍ يَستغني به عن كثيرٍ من الجزئيات. • [بناءُ الشريعة على جَلبِ الْمصالح ودَفعِ الْمفاسِد]: فمنها: أن يعلم أن هذه الشريعةَ المطهَّرةَ السهلةَ السَّمْحةَ مبنيةٌ على جلب المصالح ودفعِ المفاسد، ومَن تَتبَّع الوقائعَ الكائنةَ من الأنبياء، والقصصَ المحكيةَ في كتب اللَّهِ المنزَّلة، عَلِم ذلك علمًا لا يشوبُه شكٌّ، ولا تخالطُه شبهة، وقد وقع ذلك من نبيِّنا ﷺ وقوعًا لا يُنكرُه مَنْ له أدنى علمٍ بالشريعة المطهرة؛ فإنه ﷺ لمَّا تبيَّن له نِفاقُ بعض المنافقين، واستحقاقُه للقتل بحكم الشرع، قال: «لا يَتحَدَّثُ الناسُ بأنَّ محمَّدًا يقتُل أصحابَه» (١)، فتَرك قتلَه لجلب مصلحةٍ هي أتمُّ نفعًا للإسلام، وأكثرُ عائدةً على أهله، ودَفْعِ مفسدةٍ هي أعظمُ من المفسدة الكائنة بتركِ قتله. وبيانُ ذلك: أنه إذا تحدَّث الناسُ بمثل هذا الحديث، وشاع بينهم شيوعًا لا يَتبينُ عنده السبب؛ كان ذلك من أعظم المنفِّراتِ لأهل الشركِ عن الدخول في الدين، لأنه يصُدُّ أسماعَهم ذلك الحديثُ (٢)، فيظنُّون عنده أنَّ ما يعتقدونه

стр. 218

مِنْ السلامةِ من القتل بالدخول في الإسلام غيرُ صحيح، فيَهربون منه هربًا شديدًا، ويَبعُدون عنه بُعدًا عظيمًا. وهكذا وقع منه ﷺ التأثيرُ (١) لجماعةٍ ممن لم تَثبُتُ قدمُه في الإسلام بغنائم «حُنين» كأبي سفيان، والأقرع بن حابس، وعُيينةَ بنِ حصن؛ فكان يعطي الواحدَ من هؤلاء وأمثالهم المِئةَ من الإبل وما يقومُ مقام ذلك، والمهاجرون والأنصارُ الذين هم المُقاتِلةُ المستحقُّون للغنيمة ينظرون إلى ذلك التأثير، ووقع في أنفُسهم ما وقع، حتى قال قائلهم: «يرحَمُ اللَّهُ رسولَ اللَّه ﷺ ؛ يعطي هؤلاء، وسيوفُنا تقطُرُ من الدماء!»، فلما علموا بما أراده النبيُّ ﷺ من المصلحةِ العائدة على الإسلام وأهله بتأليف مثل هؤلاء وتأثيرهم بالغنيمة، قَبِلوه أتمَّ قبول، وطابت أنفسُهم أكملَ طِيبةٍ (٢). وهكذا وقع منه ﷺ العزمُ على مُصالحةِ الأحزاب بثُلُثِ ثِمارِ المدينة؛ ظنًّا منه بأن في ذلك جلبَ مصلحةٍ ودَفعَ مَفسدة، فلمَّا تبيَّن له أن التركَ أجلبُ للمصلحة وأدفعُ للمفسدة، صار إليه (٣). وهكذا وَقع منه ﷺ النهيُ عن تلقيحِ النخل، فلما تبيَّن له ما في ذلك من المصلحة لأهله، أَذِنَ لهم به (٤).

стр. 219

وهكذا وقع منه الإذنُ بالعَرايا (١) لمَّا شَكى إليه الفقراءُ ما يَلحقُهم من المفسدة بالمَنع من شراءِ الرُّطَبِ بالتمر؛ مع عِظَم الخطرِ فيما هو مَظِنةُ الرِّبا (٢). وكم يَعُدُّ العادُّ من هذه الأمور!!. وبالجملة: فكل ما وقع من النسخ والتخصيص والتقييد في هذه الشريعة المطهرة، فسببُه جلبُ المصالح، أو دفعُ المفاسد؛ فإن كلَّ عالِمٍ يعلمُ أن نسخَ الحكمِ بحكمٍ آخَرَ يخالفُه، لم يكن إلَّا لِمَا في الناسخ من جلبِ مصلحةٍ أو دفع مفسدةٍ زائدةٍ على ما في الأول من النفع والدفع. وهكذا إخراجُ بعضِ ما يتناولُه العامُ بالتخصيص، أو ما يصلُحُ إطلاقُ المطلَقِ عليه بالتقييد؛ كما وقع في قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، وقوله : ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ونحو ذلك كثيرٌ جدًّا. وقد كان ديدنُه ﷺ وهِجِّيَراهُ: الإرشادَ إلى التيسير دون التَّعسير، وإلى التبشير دون التنفير؛ فكان يقول: «يسِّرُوا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا» (٣). وكان ﷺ يُرشد إلى الأُلفةِ واجتماع الأمر، وينفِّرُ عن الفرقةِ والاختلاف، لِما في الألفة والاجتماع من الجلبِ للمصالح والدفع للمفاسد، وفي الفُرقة والاختلاف مِنْ عكس ذلك.

стр. 220

فالعالِمُ المرتاضُ (١) بما جاءنا عن الشارع الذي بعثه اللَّهُ تعالى متمِّمًا لمكارم الأخلاق، إذا أَخذ نفسَه في تعليم العبادِ وإرشادهم إلى الحق، وجَذْبِهم عن الباطل، ودَفْعِهم عن البدع، والأخْذِ بحُجَزِهم (٢) عن كل مَزْلقةٍ من المزالقِ ومَدْحضةٍ من المَداحض (٣)، بالأخلاق النبوية، والشمائلِ المُصطَفَوية الواردةِ في الكتاب العزيز والسُّنة المطهرة، فيَسَّرَ ولم يُعسِّرْ، وبشَّرَ ولم يُنفِّر، وأرشدَ إلى ائتلاف القلوب واجتماعها، ونَهى عن التفرُّق والاختلاف، وجعلَ غايةَ هَمِّه وأقصى رغبتِه جلبَ المصالح الدينية للعباد، ودفعَ المفاسد عنهم: كان (٤) مِنْ أنفع دعاة المسلمين، وأنجع (٥) الحاملين لحُجج ربِّ العالمين، وانجذبت له القلوب، ومالت إليه الأنفس، وتذلَّل له الصعبُ، وتَسهَّلَ عليه الوعْرُ، وانقلب له المتعصِّبُ منصفًا، والمبتدعُ متسنِّنًا، ورَغِب في الخير مَنْ لم يكن يرغبُ فيه، ومال إلى الكتاب والسُّنة مَنْ كان يَميل عنهما، وتردَّى (٦) بأثواب الرواية مَنْ كان متجلببًا بالرأي، ومشى في رياض الاجتهاد، واقتطف مِنْ طَيِّب ثمراته، واستنشق من عابِقِ (٧) رياحينه مَنْ كان معتقَلًا في سجن التقليد، مكبَّلًا (٨) بالقِيل والقال، مكتوفًا بآراء الرجال.

стр. 221

فإن قلت: ما ذكرتَه من انبناءِ الشريعة المطهَّرة على جلب المصالح، ودفع المفاسد، ماذا تريدُ به؟ هل يلاحَظُ ذلك النفعُ والدفع مطلقًا، أو في حالةٍ من الحالات؟. قلت: لا أريدُ بما قدمتُه إلَّا أنَّ ما لم يَرِدْ فيه نصٌّ يخصُّه، ولا اشتمل عليه عمومٌ، ولا تناوله إطلاق: فحَقٌّ (١) على العالِمِ المرشِدِ للعباد الطالبِ للحق أن يستحضرَ ذلك، ويرشدَ إليه، ويهتمَّ به، ويدعو إليه، وأما مواقعُ النصوص، ومواردُ أدلة الكتاب والسُّنة، ومواطنُ قيام الحجج، فلا جلبَ نفعٍ ولا دفعَ ضُرٍّ أولى من ذلك، وأقربُ منه إلى الخير، وأولى منه بالبركة، فهو في الحقيقةِ مصالحُ مجلوبة، ومفاسدُ مدفوعة. وإن قصَّرت بعضُ العقولِ عن إدراك ذلك، والإحاطةِ بكُنْهه (٢)، والوقوفِ على حقيقته، فمِن قصورها أُتِيَتْ، ومِن ضعفِ إدراكها دُهِيت (٣). ومن تدبَّر ذلك كلَّ التدبر، وتأمَّله حقَّ التأمُّل، لم يَخْفَ عليه، فإن كلَّ جزئيٍّ من جزئياتِ الشريعة التي قام الدليلُ على طلبها، والتعبُّدِ بها للكلِّ أو البعض مطلقًا أو مقيدًا؛ لابد أن يشتملَ على جلب مصلحةٍ أو مصالح؛ عَرَفها مَنْ عَرَفها، وجَهِلها مَنْ جهلها، وكلُّ جزئيٍّ من جزئياتِ الشريعة الواردةِ بالنهي عن أمرٍ أو أمور، لابد أن يكون المنهيُّ عنه مشتملًا على مفسدةٍ أو مفاسدَ تندفع بالنهي عنها. ولمزيد التتبُّعِ وكثرةِ التدبُّرِ في ذلك مدخليةٌ جليلة، ولا سيَّما مع استحضار الاستعانةِ باللَّه، والتوكل عليه، والتفويضِ إليه.

стр. 222

• [أهميةُ التعرُّفِ على القواعدِ العامَّةِ للشريعة]: ومما يستعينُ به طالبُ الحق ومريدُ الإنصاف على ما يريدُه من ربط المسائل بالدلائل، والخروجِ من آراء الرجال المتلاعبةِ بأهلها من امينٍ إلى شمال: أن يتدبَّر الدلائلَ العامة، ويتفكَّرَ فيما يندرجُ تحتها من المسائل بوجهٍ من وجوهِ الدلالة المعتبرة؛ فإنه إذا تمرَّن على ذلك وتدرَّب، صار مستحضِرًا لدليلِ كلِّ ما يُسأل عنه من الأحكام الشرعية كائنًا ما كان، وعَرَف معنى قوله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ومن أمعَنَ النظر فيما وقع منه ﷺ مِنْ استخراج الأحكام الشرعية من كتاب اللَّه تعالى، زاده ذلك بصيرةً؛ كما ثبت عنه أنه لمَّا سُئل عن الحُمُر الأهلية، فقال: «لم أَجِدْ إلَّا هذه الآيةَ الفاذَّة (١): ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] (٢)» (٣)؛

стр. 223

فإنَّ في هذا وأمثالِه أعظمَ عبرةٍ للمعتبرين، وأجلَّ بصيرةٍ للمتبصِّرين، وأوضحَ قدوةٍ للمقتدين من العلماء المجتهدين. وثبت أنه ﷺ قال لعمرو بن العاص: «صَلَّيتَ بأصحابك وأنت جُنبٌ يا عمرُو؟»، فقال: سمعتُ اللَّه يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فقرَّره النبيُّ ﷺ ، وضحك، ولم يقُل شيئًا (١). وهذا بابٌ واسعٌ يطول تعداده. وهكذا التفكُّرُ في الكلِّياتِ الصادرةِ عمن أُعطيَ جوامعَ الكلم، وأفصحِ مَنْ نطق بالضاد؛ كقوله ﷺ : «إنما الأعمالُ بالنيَّات» (٢)؛ فإن هذا اللفظَ الموجزَ والعبارةَ المختصَرةَ صالحةٌ للاستدلالِ بها على كلِّ جزءٍ من جزئياتِ الشرع، فتدخلُ ما حصلت فيه النيةُ في عِدادِ الأعمال المقبولة، ويخرجُ ما لم تحصُلْ فيه النيةُ إلى حيِّزِ الأعمالِ المردودة، وتصيرُ بها المباحثاتُ قرباتٍ وعبادات؛ أقلُّ أحوالِها الاندراجُ تحتَ حقائقِ المندوبات، ويَبطُل كثيرٌ من الصور الحاكيةِ (٣) لما هو من العبادات بفقدِ النية وعدم وجودها، أو وجودها لا على الوجه المعتبَر؛ وكقوله ﷺ : «كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ» (٤)، و «مَنْ غشَّنا فليسَ منَّا» (٥)، و «الحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّن» (٦)، و «كلُّ أمرٍ ليسَ عليه أمرُنا فهو

стр. 224

ردٌّ» (١). فإن كلَّ فردٍ من أفراد هذه العبارات وأمثالها صالحٌ لجعله قضيةً كبرى للشكلِ الأول؛ فلا يبقى فردٌ من الأفراد إلَّا وأمكنَ إدراجُه تحت هذه الكلية باجتلاب قضيةٍ صغرى سهلةِ الحصول؛ تقول مثلًا: «هذا أمرٌ ليس عليه أمرُ النبي ﷺ ، وكلُّ أمرٍ ليس عليه أمره ردٌّ؛ فهذا ردٌّ»؛ فلا يبقى فعلٌ ولا قولٌ ولا اعتقادٌ لم يأتِ به الشرع، إلا وأمكن الاستدلالُ على ردِّه بِهذا الحديث الصحيح؛ وهكذا العملُ في سائر الكليات. والمتحلِّي بالمعارف العلمية يستغني بمجردِ الإشارةِ والإيقاظ؛ لأن الموادَّ قد حَصَلت له بما حصَّله من العلوم، ومارَسه من المعارف، فربما يغفُلُ عن إخراج ما في القُوةِ إلى الفعل، فإذا نُبِّه على ذلك تَنبَّه، وكان العملُ عليه سهلًا والانتفاعُ بالعلوم يسيرًا. • [لزومُ العملِ بالظاهر ما لم تَدُلَّ قرينةٌ على خلافه]: ومِن جُملةِ ما ينبغي له تصوُّرُه ويُعِينُه استحضاره: أن يَعلمَ أنَّ هذه الشريعةَ المباركةَ هي ما اشتَمل عليه الكتابُ والسُّنةُ من الأوامرِ والنواهي، والترغيباتِ والتنفيرات، وسائرِ ما له مدخلٌ في التكليف؛ مِنْ غير قصدٍ إلى التعمية والإلغاز (٢)، ولا إرادةٍ لغير ما يفيدُه الظاهرُ ويدلُّ عليه التركيب، ويَفهمُه أهلُ اللسان العربي؛ فمن زعم أن حرفًا من حروف الكتابِ والسُّنةِ لا يُراد به

стр. 225

المعنى الحقيقيُّ والمدلولُ الواضح، فقد زَعم على اللَّه ورسولِه زعمًا يخالفُ اللفظَ الذي جاءنا عنهما. فإن كان ذلك (١) لمسوِّغٍ شرعيٍّ، تتوقفُ عليه الصحةُ الشرعية، أو العقلية التي يتفقُ العقلاء عليها لا مجردُ ما يدَّعيه أهلُ المذاهبِ والنِّحَلِ على العقل مطابقًا لما قد حبَّبه إليهم التعصُّبُ، فأدناه من عقولهم البُعدُ عن الإنصاف، فلا بأس بذلك، وإلَّا؛ فدعوى التجوُّز (٢) مردودةٌ، مضروبٌ بها في وجهِ صاحبها. فاحرِصْ على هذا؛ فإنه وإن وقع الاتفاقُ على أصالةِ المعنى الحقيقي، وعدمِ جوازِ الانتقال عنه إلَّا لعلاقةٍ وقرينة كما صُرِّح به في الأصول وغيرها، فالعملُ في كتب التفسيرِ والحديثِ والفقهِ يخالفُ هذا لمن تدبَّره وأعمَلَ فكره، ولم يغترَّ بالظواهر، ولا جَمَدَ على قبول ما يقالُ مِنْ دون بحثٍ عن موارده ومصادره. وكثيرًا ما يجدُ [المنصِفُ] المتعصِّبين يُحامون عن مذاهبهم، ويؤثرونها على نصوص الكتاب والسنة، فإذا جاءهم نصٌّ لا يَجِدون عنه متحوَّلًا (٣)، وأعياهم (٤) ردُّه، وأعجزهم دفعُه؛ ادَّعَوا أنه مجاز، وذكروا للتجوُّزِ علاقةً هي من البعدِ بمكانٍ، وقرينةً ليس لها في ذلك المَقام وجود، ولا تدْعو إليها حاجة! وأعانهم على هذه الترَّهات (٥) استكثارُهم من تعدادِ أنواع القرائن والعلاقات، حتى جعلوا مِنْ جُملةِ ما هو من العلاقات المسوِّغة للتجوز

стр. 226

«التضاد»!!. فانظر هذا التلاعب؛ وتدبَّر هذه الأبوابَ التي فتحوها على أدلةِ الكتاب والسنة، وقَبِلها عنهم مَنْ لم يُمعِنِ النظرَ ويُطِلِ التدبر، فجعلها عِلمًا، وقَبِلها على كتاب اللَّهِ وسُنةِ رسولِه ﷺ ! وأصلُها دعوى افتراها على أهل اللغة متعصِّبٌ قد آثر مذهبَه على الكتاب والسُّنة، لم يستطع التصريحَ بترجيح المذهبِ على الدليل، فدقَّق الفكر، وأعمَلَ النظر، عنادًا للَّهِ تعالى، وبغيًا على شريعته، وخِداعًا لعباده؛ فقال: «هذا الدليل وإن كان معناه الحقيقيُّ يخالفُ ما نذهب إليه فهو هاهنا مجاز، والعلاقةُ كذا، والقرينةُ كذا»!! ولا علاقةَ ولا قرينة! فيأتي بعدَ عصرِ هذا المتعصِّبِ مَنْ لا يبحث عن المقاصد، ولا يتدبرُ المسالكَ كما ينبغي، فيجعلُ تلك العلاقةَ التي افتراها ذلك المتعصِّبُ مِنْ جُملةِ العلائق المسوِّغةِ للتجوُّز، ولهذا صارت العلاقاتُ قريبًا من ثلاثين علاقة! ثم لما كان من جُملةِ أنواع القرائن: القرائنُ العرفيةُ والعقلية، افترى كلُّ متعصِّبٍ على العقل والعُرف ما شاء، وصَنَع في مواطن الخلاف ما أراد. واللَّه المستعان. • [الحَذَرُ من الحِيَلِ المخالفةِ للشريعةِ المطهَّرة]: ومِن جُملةِ ما يستعينُ به [المُنصِفُ] على الحق، ويأمنُ معه مِنْ الدخول في الباطل وهو لا يشعر: أن يقرِّر عند نفسه أن هذه الشريعةَ لمَّا كانت مِنْ عند عالِمِ الغيب والشهادة، الذي لا يُغادِرُ (١) صغيرةً ولا كبيرةً إلَّا أحصاها، ويعلمُ ما تُكِنُّ الصدورُ وتُخفيه الضمائر، ويحُولُ بين المرء وقلبه (٢)؛ كانت

стр. 227

المخادعةُ بالحيل الباطلة، والتخلصُ مما طلبه بالوسائل الفاسدة: من أعظم المعاصي له، وأقبحِ التجرُّؤ عليه، وجميعُ هذه الحِيَل التي دوَّنها أهلُ الرأي (١) هي ضدٌّ لما شرعه، وعنادٌ له، ومراوغةٌ لأحكامه، ومجادلةٌ باطلةٌ لما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ . ومَن تفكَّر في الأمر كما ينبغي، وتدبَّره كما يجب، اقشعرَّ له جِلدُه، وقَفَّ (٢) عنده شعرُه؛ فإن هذا الذي وَضع للعباد هذه الحِيل، كأنه يقول لهم: «هذا الحكمُ الذي أوجبه اللَّهُ عليكم أو حرَّمه قد وجدتُ لكم منه مَخرجًا، وعنه مُتحوَّلًا بذِهني الدقيق، وفكري العميق: هو كذا وكذا!». فهذا المخذولُ قد بلغ منَ التجرِّي (٣) على اللَّهِ تعالى مبلغًا يتقاصَرُ (٤) عنه الوصفُ؛ لأنه ذَهب يعاندُه ويُضادُّ ما تَعَبَّدنا بهِ بمجرد رأيه الفايل (٥) وتخيُّلِه الباطل، مُقِرًّا على نفسه بقَبيح صُنعِه، وأنه جاء بما يُريحُ العبادَ من الحُكم الشرعي؛ فإن كان مع هذا معتقدًا أن ذلك التحيُّلَ الذي جاء به يحلِّلُ الحرام،

стр. 228

ويحرِّمُ الحلال، فهو مع كذبِهِ على اللَّهِ وافترائه على شريعته قد ضمَّ إلى ذلك ما يَستلزمُ أنه يدَّعي لنفسِهِ أنه يُشرِّعُ للعباد من عند نفسِهِ غيرَ ما شَرَعه لهم، وذلك لا يكون إلا للَّهِ سبحانه، فإن كان هذا المخذولُ يدَّعي لنفسه الألوهيةَ مع اللَّهِ سبحانه، فحَسبُكَ من شرٍّ سماعه (١)، وإن كان لا يدَّعي لنفسِه ذلك، فيقال له: ما بالُك تصنع هذا الصنع، وأي أمر ألجأك إليه وأوقعك فيه؟!. فإن قال: رأيتُ اللَّهَ قد صَنع مثلَ هذا في قصةِ أيوب ﵇ (٢)، وصَنَعه رسول اللَّه ﷺ في المريض الذي زَنى (٣).

стр. 229

فيقال له: ما أنت وهذا لا كثَّر اللَّهُ في أهل العلم من أمثالك؟! ومن أنت حتى تَجعلَ لنفسك ما جَعَله اللَّهُ لنفسه، فلو كان هذا الأمرُ الفظيعُ سائغًا لأحدٍ من عباد اللَّه، لكان لهم أن يَشرَعوا كما شرع، ويَنسخوا من أحكام الدين ما شاؤوا كما نَسَخ، ثم أيُّ جامعٍ بين هذه وبين ما شَرعه اللَّهُ من ذلك؟! فإنه مجردُ خروجٍ من مأثَم، وتحلُّلٍ من يمينٍ قد شَرع اللَّهُ تعالى فيها إتيانَ الذي هو خَير كما تواترت بذلك الأحاديثُ الصحيحة؛ حتى ثبت في «الصحيح» أن رسول اللَّه ﷺ حَلف على ذلك، فقال: «واللَّهِ لا أَحلِفُ على شيءٍ، فأرَى غيرَه خيرًا منه، إلَّا أَتيتُ الذي هو خيرٌ، وكَفَّرتُ عن يَميني» (١). فأين هذا مما يَصنَعُه أُسراءُ التقليد من الكذب على اللَّهِ تعالى، وعلى شريعتِه، وعلى عباده؟!. أما الكذبُ على اللَّه: فلِكونِهم زَعموا عليه أنه أَذِنَ لهم وسوَّغه لهم، وهو كذبٌ بحتٌ وزُورٌ محض، وإن كانوا لا يعتقدون ذلك؛ بل جَعلوه مِنْ عند أنفسهم جُرأةً وعنادًا ومكرًا وخداعًا؛ فالأمرُ أشد، والقضيةُ أعظم. وأما كذبُهم على الشريعة: فلِكونِهم جعلوا ما نَصَبوه من الحِيل الملعونةِ والذرائعِ الشيطانية والوسائلِ الطاغوتية: مِنْ جُملة الشريعة ومِن مسائلها،

стр. 230

ودوَّنوه في كُتب العبادات والمعاملات. وأما الكذب على عباده: فلكونِهم ذهبوا إليهم، فخَدعوهم وماكروهم بأنَّ ما أوجبه اللَّهُ من كذا ليس بواجب، وما حرَّمه من كذا ليس بمحرَّم إذا فعلوا كذا، أو قالوا كذا!. وما أشبهَ هذا بما كان يصنعُه رؤساءُ الجاهليةِ لأهلها من التلاعب بهم، كما يتلاعَبُ الصِّبيانُ والمجانين! وكما يصنعه المُجَّانُ (١) وأهلُ الدُّعابة! فإن تحريمَ البَحيرةِ، والسائبةِ، والوصيلةِ، والحام (٢)، وكذلك ما كانوا يفعلونه من

стр. 231

النَّسِيء (١)، وما كانوا عليه من المَيسر والأزلام (٢)، وما كانوا يعتمِدونه مع مَنْ يطوف بالبيت الحرام من تلك الأفعال التي هي أشبهُ بأفعال المجانين؛ كالتعرِّي وما يُشاكِلُه (٣) لا مَقصِدَ لرؤساءِ الجاهلية بِهذه الأمورِ التي كانوا يفعلونَها ويأمرون العِبادَ بها إلا مجردُ ارتفاعِ الذِّكْر، وإظهارِ اقتدارهم على تنفيذِ ما يُريدونه، وقبولِ الناس لِما يأمرونَهم به، وإن كانت أمورًا متكرِّرة، وبلايا متعددة، وأعمالًا شاقةً. فتدبَّرْ هذا وتأمَّلْه لتكونَ على حذَرٍ من نَفاقِ ما جاؤوا به من الحيل الباطلة عندك، وإلَّا كنتَ كالبهيمة التي لا تمنعُ ظهرَها مِنْ راكبٍ، ولا تستعصي على

стр. 232

مستعمِل. وقد دلَّت أدلةُ الكتاب والسُّنة على هذا، وكفاك بما قصَّهُ اللَّهُ سبحانه علينا من حِيلةِ أهلِ السَّبت (١)، وقد أورد البخاريُّ في كتاب «الحيل» من «صحيحه» ما يَشفِي ويَكفي (٢)، ولبعض المتأخرين في هذا مصنَّفٌ حافل (٣)، استوعب فيه جميعَ الأدلة، وهي معلومةٌ لعلماءِ الكِتاب والسُّنة، ولكننا اقتصرنا ها هنا على بيانِ الأسباب التي تنشأُ عنها الحِيل، والمفاسدِ التي تتأثر عنها ليكونَ ذلك أوقع للمنصِف، وأوقعَ في نفسه، كما هو دَأْبُنا في هذا المختصَر؛ فإنا نُشيرُ إلى القضية التي ينبغي اجتنابُها بكلماتٍ لا تَنبُو (٤) عنها مسامعُ المُنصِفين، ولا تُنكِرُها قلوبُهم، ولا تَبعُدُ عنها أفهامُهم، وإذا حَصَل المقصودُ بالاختصار؛ لم تَبْقَ للتطويل حاجةٌ، وقد ينفعُ القليلُ نفعًا لا يبلغُه الكثير (٥)؛ على أنَّا لم نكن بصَددِ نشرِ الأدلة وإيراد ألفاظها؛ فإنها معروفةٌ مدوَّنة؛ بل نحن بصددِ الإرشاد إلى الإنصافِ بعباراتٍ تشتملُ على معانٍ قد تحتجبُ عن كثيرٍ من الأذهان، وتبعُد عن غالب الأفهام.

стр. 233

• [ضرورةُ فَهمِ الحقائقِ الشرعيَّة من الْمُسمَّيات]: ومن جُملة ما ينبغي له استحضارُه: ألَّا يَغترَّ بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسمياتِ وحقائقِها، فقد يُسمَّى الشيءُ باسمٍ شرعي، وهو ليس من الشرع في شيء، بل هو طاغوتٌ بحتٌ، وذلك كما يقعُ مِنْ بعض مَنْ نَزَعه عِرقٌ (١) إلى ما كانت عليه الجاهليةُ من عدم توريثِ الإناث، فإنهم يُخرِجون أموالَهم أو أكثرَها أو أحسَنَها إلى الذكور مِنْ أولادهم بصورة الهِبةِ والنَّذْرِ والوصيةِ أو الوقف؛ فيأتي مَنْ لا يبحثُ عن الحقائق؛ فيُنزِّلُ ذلك منزلةَ التصرفات الشرعية؛ اغترارًا منه بأن الشارعَ سوَّغ للناسِ الهِبَةَ والنذرَ والوصية؛ غيرَ مُلتفِتٍ إلى أن هذا لم يكنْ له من ذلك إلا مجردُ الاسم الذي أحدَثه فاعلُه، ولا اعتبار بالأسماء؛ بل الاعتبارُ بالمسمَّيات، فالهبةُ الشرعية هي التي أرشد إليها النبيُّ ﷺ لمَّا سأله بَشير والد النُّعمان عن تخصيصِ ولدِه النعمانِ بشيءٍ من ماله، وطَلَب منه أن يَشهد على ذلك، فقال: «لا أَشْهَدُ على جَور»، ووقع منه الأمرُ بالتسوية بين الأولاد، وهو حديثٌ صحيح، له طرق متعددة (٢). فالهبةُ المشتملةُ على التفضيل المخالفِ لفرائض اللَّهِ ليست بِهبةٍ شرعية؛ بل هي جَورٌ مضادٌّ لِما شَرعه اللَّه، فإطلاقُ اسم «الهبة» عليها مخادَعةٌ للَّه ولعباده؛ فلا يَنفُذُ من ذلك شيء، بل هو باطلٌ رَدٌّ (٣)، لكونه ليس على أمر

стр. 234

النبيِّ ﷺ . وهكذا مَنْ خَصَّص بعضَ ورثتِه بنَذْرٍ يُخالفُ ما شَرعه اللَّهُ من الفرائض؛ فهذا ليس هو النذرَ الذي شَرَعه اللَّهُ، بل هو نذرٌ طاغُوتي، فإن النذرَ الذي شَرعه اللَّهُ سبحانه هو الذي يقولُ فيه النبيُّ ﷺ : «النَّذرُ ما ابتُغي به وجهُ اللَّه» (١)، ويقول: «لا نَذْرَ في معصيةِ اللَّه» كما هو ثابت في «الصحيح» (٢). وهذا الناذرُ أخرَج بعضَ ماله إلى بعضِ ورثته مخالفًا لما فَرَضه اللَّهُ تعالى من المواريث، ثم سمَّى ذلك البعض «نذرًا»؛ لم يَبتغِ به وجهَ اللَّه، ولا أطاعه به؛ بل ابتغى به وجهَ الشيطان الذي وَسوَس له بأنْ يُخالِفَ الشرع، وأطاعه بمعصية اللَّه. وهكذا مَنْ أخرج بعضَ مالِهِ على تلك الصفةِ بالوَصية؛ فإن هذه الوَصيةَ المتضمِّنةَ للمفاضلةِ بينَ الوَرثةِ ليستَ الوصيةَ التي شَرَعها اللَّهُ لعباده؛ بل وصيةٌ طاغوتية، فإن الوصيةَ الشرعيةَ هي التي يقولُ فيها النبي ﷺ : «إن اللَّهَ أَعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا وَصيَّةَ لوارثٍ» (٣)، ويقول فيها الربُّ ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ (٤)﴾ [النساء: ١٢]، ويقول فيها:

стр. 235

﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا (١) فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. والمراد بالإصلاح: إبطالُ ما جاء من الفساد في وصيته (٢). وقد وَرَد عن النبي ﷺ أن الضِّرارَ في الوصية من أسبابِ النار، وأنه يُحبِطُ عبادةَ العمر، كما أخرج ذلك جماعةٌ، وصحَّحَه من صحَّحه (٣).

стр. 236

فمَن جاءته مِنْ هذه الوصايا المُشتملةِ على الضِّرار بوجهٍ من الوجوه، فأنفَذَها من الثُّلث، مستدلًّا على ذلك بمِثل حديث: «الثلُثُ؛ والثلثُ كثيرٌ» (١)، وبمثل ما ورد من سائر الآياتِ والأحاديثِ القاضيةِ بالوصيةِ على الإطلاق، فقد غَلِطَ غلطًا بيِّنًا؛ فإن هذه الوصيةَ التي قال فيها النبيُّ ﷺ : «الثلثُ؛ والثلُثُ كثيرٌ» هي وصيةُ قُربةٍ، كما في القصة المشهورة الثابتةِ في الأمهات: أن سعدَ بن أبى وقاص استأذن رسولَ اللَّه ﷺ أن يتصدَّق بجميع ماله، فما زال يُنازِلُه حتى قال له: «الثلثُ، والثلثُ كثير». وهكذا ما ورد من قوله ﷺ : «إن اللَّهَ جَعل لكم ثُلُثَ أموالِكم في آخِرِ أعماركم»؛ فإنه قيَّده بقوله في آخِره: «زيادةً في حسناتكم» (٢)، ولا يزيدُ في الحسنات إلَّا ما كان قُربةً، وأما وصايا الضِّرارِ المتضمِّنةُ لمخالفةِ ما شَرَعه اللَّهُ فهي زيادةٌ في السيئات، لا زيادةٌ في الحسنات.

стр. 237

فتبيَّن لك أن هذه الوصيةَ التي أَذِن بها النبيُّ ﷺ ليست وصيةَ الضِّرار؛ فإن تلك قد أخرجها اللَّهُ من عموم مشروعية الوصية بقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وأخرجها النبيُّ ﷺ بما تقدم من الوعيدِ الشديدِ لمن يضارُّ في وصيته، ويمنعُ الوصيةَ للوارث؛ حتى ثبت في بعض الروايات بلفظ: «لا تَجوزُ وصيةٌ لوارث» (١). وقد أوضحتُه في أبحاثٍ متعددةٍ من مصنفاتي. وليس المرادُ هاهنا إلَّا إرشادَ طالبِ الإنصاف إلى عدمِ الاغترار بما يفعلُه المتلاعبون بأحكام الشرع؛ من تسمية أمورٍ تصدُرُ عنهم من الطاغوت، بأسماءٍ شرعيةٍ، مخادَعةً لأنفسهم، واستدراجًا لمن لا فَهمَ عنده ولا بحث عن الحقائق (٢). وهذه الذريعةُ (٣) الشيطانية، قد عمَّت وطمَّت؛ خصوصًا أهل البادية؛ فإنه

стр. 238

بقي في أنفسِهم ما كانت عليه الجاهليةُ الأولى من عدم توريث الإناث، ومَن لا حظَّ له عندهم من الورثة وإن كانوا ذكورًا، فأرادوا الاقتداءَ بهم، ولكنهم لما كانوا مخبُوطين بسوط الشرع، مقهورين بسَيفه، نصَّبوا هذه الوسائل الملعونة؛ فقالوا: «نَذَرْنا، وَهَبْنا، أو وَصَّيْنا»! وساعدهم على ذلك طائفةٌ من المقصِّرين الذين لا يَعقِلون الصواب، ولا يفهمون ربطَ المسبَّبات بأسبابها، فحرَّروا لهم تحريراتٍ على أبلغ ما يُفيدُ النفوذَ والصحة، طمعًا فيما يتعجَّلونه من الحُطام الذي هو مِنْ أقبح أنواع السُّحت (١)؛ فإن ما يأخذونه على ذلك هو حرامٌ؛ كما ثبت عن الشارع من تحريم حُلوانِ الكاهن وأجرِ البَغِيِّ (٢)، وما يأخذُه مَنْ يُعلِّمُ كتابَ اللَّه (٣)، ونحو ذلك من الأمور.

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 240

ولا يشكُّ مَنْ يفهمُ الحججَ الشرعية أن سببَ تحريم ذلك هو كونُه على تحليلِ حرامٍ أو تحريمِ حلال. وهذا الذي يَكتبُ هذه المَكاتيبَ الطاغوتيةَ المتضمِّنةَ لمخالفةِ ما شرعه اللَّه لعباده من المواريث، وقدَّره لهم في كتابه، وقيَّده بعدم الضرار هو أَوْلى بتحريم ما يأخذُه من أولئك.

стр. 241

وقد يقومُ شيطانٌ من شياطين المقلِّدة ومخذولٌ من مخذولي المشتغلين بالرأي، فيُجادلُ عن هذه الوصايا والنذور الهبات ونحوِها، ويُنزِّلُها منزلةَ الوصايا والنذور والهبات الشرعية، ويورد ما قاله مَنْ يقلِّدُه ممن يستعظمُ الناسُ كلامَه ويقتدون بمذهبه، ويَحكي لهم ما صرَّح به في هذه الأبواب ونحوها من مصنَّفاته غيرَ متعقِّلٍ الفرقَ بين هذه الطواغيت وبين تلك الأمور الشرعية، ولا فاهمٍ للمُغايرة الكلية، ولا متأمِّلٍ للأسباب التي تصدرُ عنها تلك الأمور، وأنَّ أهل العلم بأسرهم إنما تكلَّموا في مصنَّفاتِهم على الأمور الشرعية لا الأمور الجاهلية، وأن مجردَ الاسم لا يحلِّلُ الحرام، ولا يحرِّمُ الحلال؛ كما لو سُمِّيتِ الخمرُ ماءً أو الماءُ خَمرًا؛ فإنه لو كان الحكمُ يدور على التسمية، لكان الخمرُ المسمى ماءً حلالًا، وكان الماءُ المسمى خَمرًا حرامًا! وهذا خرقٌ للشرع، وهتكٌ للدين. ومن اغترَّ به فليس من النوع الإنساني؛ بل من النوع البهيمي؛ ولا ينبغي الكلامُ معه، بل يقال له: هذا الذي فيه النزاعُ ليس هو ما تكلَّمَ عليه من تقلِّدُه وتقتدي به؛ بل هو شيءٌ آخر يضادُّه ويخالفُه؛ لأن أهل الشرع إنما يتكلمون على الأمور الشرعية، وهذا ليس شرعيًّا، بل طاغوتيًّا. فإن فهم هذا استراح منه، وإن لم يفهمه ففي السكوتِ راحةٌ مِنْ تحمُّلِ كَرْبِ مخاطبةِ السفهاء. ولقد وقعنا مع جماعةٍ من مقصِّري القضاةِ والمُفتِين في هذه المسألة في أمورٍ عظيمة، وخطوبٍ جسيمة، وفِتنٍ كبيرة، لا يتسعُ المقام لبسطها، والحقُّ منصور، والباطلُ مخذول، وللَّهِ الحمد. وأعظمُ ما يتمسَّكون به منَ التغرير على العوامِّ، والتزويرِ على الملوك ومَن يقدر على القيام بنصرهم: استكثارُهم من قولهم: «هذا خالَف المذهب، فعل

стр. 242

كذا، قال كذا»! ولم يخالف في الواقع إلا الطاغوتُ، ولا نصرَ إلا الشرع. فلْيَحذرْ طالبُ العلم من الاغترار بمثل ذلك، والرَّوعةِ منه؛ فإن العاقبة للمتقين، واللَّهُ ناصرُ المحقين، والأعمالُ بالنيات. ولقد تلطَّف المحبُّون لهذه الطواغيت، والمساعِدون لهم على كَتْبها لمَّا صمَّمتُ على إبطالها، وأبطلها كلُّ مَنْ تَرِدُ عليه من قاضٍ أو غيره، بعد أن وقع بيني وبينهم ما أشرتُ إليه سابقًا؛ فكان من جُملةِ ما عدَلوا إليه من الذرائع والوسائل: الإقرارُ للذكور أو لمن يحبُّون بديونٍ ونفقاتٍ ومكتسبات، ولم يَنفُقْ ذلك عليَّ، ولا التفتُّ إليه، بل كشفتُ عن أصل كلِّ إقرار، فما كان صادرًا عن هذه المقاصد الفاسدة أبطلته. ومن جُملةِ ما تلطَّف به مَنْ له أولادٌ ذكورًا وإناثًا: أن يَعمِدوا إلى أولاد أولادهم الذكور، فيَنذِرون عليهم، ويُوصُون لهم، ويقولون: إنهم فعلوا ذلك لغير وارثٍ، ولم يفعلوا ذلك إلا لقصدِ تقليلِ نصيبِ بناتِهم، وتوفيرِ نصيب الذكور. وقد تتبَّعتُ هذا، فما وجدتُ أحدًا يوصي لأولادِ أولاده، أو ينذِرُ عليهم إلا ومعه بناتٌ، أو له ميلٌ إلى بعض الأولاد دون بعض، ولا يفعلون ذلك لمقصدٍ صالحٍ إلا في أندرِ الحالات وأقلِّها. ومن جُملةِ هذه الوصايا الطاغوتية، والنذورِ الشيطانية: ما يفعلُه كثيرٌ من الناس مِنْ النذور والوصايا على قبورِ الأموات؛ فإنه لا مَقصِدَ لهم بذلك إلا استجلابَ الخير، واستدفاعَ الشرِّ من صاحب القبر، وهو قد صار بين أطباقِ الثرى، يَعجِزُ عن نفع نفسه فضلًا عن نفع غيره! فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك، بل يتوجهُ على أهل الولايات صرفُه في مصالح المسلمين، ويُعرِّفون الناس

стр. 243

بقُبح ما يصنعونه من ذلك، وأنه من الأمور التي لا يحلُّ اعتقادُها، وأن الضرَّ والنفعَ، واستجلابَ الخير، واستدفاعَ الشر بيدِ اللَّه ، ليس لغيره فيه حكمٌ، ولا له عليه اقتدار؛ فإن رجعوا عن ذلك وتابوا، وإلَّا انتقل صاحبُ الولاية معهم إلى ما هو أشدُّ من ذلك، ولا يدَعُهم حتى يتوبوا. وهكذا ما يقعُ من الأوقافِ على القبور، فإنها من الحُبَس الشيطانية، والدُّلَس الطاغوتية، ولا يحلُّ تقريرُ شيءٍ منها، ولا السكوتُ عنه؛ بل صرفها في مصالح المسلمين من أهم الأمورِ وأوجبها؛ فإن في عدم إنكارها وإبطالِها مفسدةً عظيمة، تنشأُ عنها الاعتقاداتُ الباطلة المُفضيةُ بصاحبها إلى نوعٍ من أنواع الشِّرك وهو لا يشعر. • [الإجماع، والقياس، والاجتهاد، والاستحسان]: ومِن جُملةِ ما ينبغي لطالب الحقِّ أن يتصوَّرَه، ويحذرَ مِنْ قبوله بدونِ كشفٍ عنه: ما يجعلُه كثيرٌ من أهل العلم دليلًا يَستدِلُّون به على إثبات الأحكام الشرعية على العباد، وهو: الإجماعُ، والقياسُ، والاجتهاد، والاستحسان. (١) الإجماع: فأما الإجماعُ؛ فقد أوضحتُ في كثيرٍ من مؤلفاتي أنه ليس بدليلٍ شرعيٍّ على فرض إمكانه؛ لعدم ورودِ دليلٍ يدلُّ على حُجِّيَّتِه (١)، وأوضحتُ أنه ليس بممكنٍ (٢)؛ لاتساع البلادِ الإسلامية، وكثرةِ الحاملين للعلم، وخُمولِ (٣)

стр. 244

كثيرٍ منهم في كلِّ عصرٍ من الأعصار منذ قام الإسلامُ إلى هذه الغاية، وتعذُّرِ الاستقراءِ التامِّ لما عند كل واحدٍ منهم، وأن الأعمار الطويلة لا تتسع لذلك فضلًا عن الأعمار القصيرة؛ فإن المدينةَ الواسعةَ قد يَعجِزُ مَنْ هو مِنْ أهلها أن يعرفَ ما عند كل فردٍ من أفراد علمائها، بل قد يَعجِزُ عن معرفةِ كل عالِمٍ فيها كما هو مشاهَدٌ محسوسٌ معلومٌ لكل فرد، فكيف بالمدائن المتباينة؟ فكيف بجميع الأقطار الإسلاميةِ بَدْوِها وحَضَرها، ومَدائنِها وقُراها؟ فقد يوجدُ في زاويةٍ من الزوايا التي لا يؤبهُ لها، ولا يُرفع الرأسُ إليها مَنْ يَقِلُّ نظيرُه من المشاهير في الأمصار الواسعة، ومع هذا فهذه المذاهبُ قد طَبَقت الأقطار، وصارت عند المنتمِين إلى الإسلام قدوةً يَقتدون بها، لا يخرجُ عنها، ويجتهدُ رأيه، ويعملُ بما قام عليه الدليلُ: إلَّا الفردُ بعد الفرد، والواحدُ بعد الواحد، وهم على غايةِ الكَتْم لما عندهم، والتستُّرِ بما لديهم، خوفًا من المتمذهِبين، لأنهم قد جعلوا المذهبَ الذي هم عليه حجةً شرعيةً على كل فردٍ من أفراد العباد، لا يخرجُ عنه خارجٌ، ولا يخالفُه مخالفٌ إلَّا مزَّقوا عِرضَه، وأهانوه، وأخافوه، والدولةُ في كل أرضٍ معهم وفي أيديهم، والملوكُ معهم لأنهم من جِنسهم في القصور والبعدِ عن الحقائق، وإذا وُجد النادرُ من الملوك، والشاذُّ من السلاطين له مِنْ الإدراك والفهم للحقائق ما يَعرفُ به الحقَّ والمحقِّين، فهو تحت حكم المقلِّدة وطَوعَ أمرهم لأنهم جُندُه ورعيَّتُه، فإذا خالفهم خالفوه، فيظنُّ عند ذلك ذهابَ مُلكِه، وخروجَ الأمر من يده. وإذا كان الحالُ هكذا؛ فكيف يمكن الوقوفُ على ما عند كلِّ عالِمٍ من علماء الإسلام؟ هذا باعتبار الأحياء، وهو في أهل العصور المنقرضةِ من

стр. 245

الأمواتِ أشدُّ بعدًا، وأعظمُ تعذُّرًا؛ فإنه لا سبيل إلى ذلك إلَّا ما يوجد في المصنَّفات، وما كُلُّ مَنْ يُعتدُّ به في الإجماع يشتغلُ بالتصنيف؛ بل المشتغلون بذلك منهم هم القليلُ النادر؛ ومع هذا فمن اشتغل منهم بالتصنيف لا يَحظَى بانتشار مؤلَّفاته منهم إلا أقلُّهم، وهذا معلومٌ لكل أحد لا يكادُ يلتبس. ولا شك أن من الملوكِ مَنْ يُصرُّ على أمرٍ مخالفٍ للشرع، فلا يستطيعُ أحدٌ من أهل العلم أن ينكرَ عليه، أو يُظهرَ مخالفته تقيةً ومحاذَرةً ورغبةً في السلامةِ وفرارًا من المحنة. وبالجملة فالدنيا مؤثَرةٌ في كل عصر، وإذا عَجز المَلِكُ عن إظهار مذهبه على فرضِ أنه من أهل الإدراك، والحالُ أن بيده السيفَ والسوط، فما ظنُّك بعالِمٍ مستضعَفٍ لم يكن بيده إلَّا أقلامُه ومَحبرتُه؟!. ومما أحكيهِ لك مما أدركتُه في أيام الحداثة وزمن الصِّبا: أن الإمام المهديَّ العباس بن الحسين رحِمه اللَّه تعالى أحدَ ملوك اليمن، ووالدَ إمامنا الإمام المنصور حفظه اللَّه، كان له إدراكٌ تام، وفهمٌ ثاقب، واتصل بمقامِه مِنْ أكابر العلماء المُنصِفين العالِمين بالأدلة جماعةٌ، فأظهر في الصلاةِ سُننًا كانت متروكةً بترك المُتمذهِبين لها، فقامت قيامةُ جماعةٍ من المتفيهقين (١) المقلدين، وأثاروا حفائظَ جماعةٍ من شياطين البُدْوان الذين لا يَعرفون من الإسلام إلا اسمَه، ولا يَدْرُون من الدين إلا رسْمَه، فتجمَّعوا في بَوَاديهم، وقالوا: «قد خرج الإمام من مذهب الشيعة إلى مذهبِ السنة، ومن الاقتداء بعلِيِّ بن أبى طالب إلى الاقتداء بمعاوية» كما لقَّنهم هذه المقالةَ شياطينُ المقلدة! ثم خرجوا عليه في جندٍ يَعجِزُ عن مقاومتهم، فما وَسِعَه

стр. 246

إلا مصانعتُهم بالمال، والإعلانُ بترك تلك السنن التي هي أوضحُ من شمس النهار!. وأحكي لك أيضًا حادثةً أشنعَ من هذه، كائنةً في عام تحرير هذه الأحرُف (١)، هي أني لم أزَل منذ اتصلتُ بخليفة عصرنا حفظه اللَّه مرغِّبًا له فى العدل في الرعية على الوجهِ الذي ورد الشرعُ به، ورَفعِ المظالِمِ المخالفةِ لقطعيَّات الشريعة كالمَكْس (٢) ونحوه، والاقتصارِ على ما ورد به الشرع، وعدمِ مجاوزته في شيءٍ، فألهمه اللَّه سبحانه إلى الإجابة إلى ذلك بعد طول مداراةٍ وترغيب، فجعلتُ مكتوبًا محكيًّا عنه مضمونُه: أنه قد أمر عُمَّاله بالعدل في الرعية، ورَفْعِ كلِّ مَظلِمة، والاقتصارِ على ما ورد به الشرعُ في كل شيء، وأن من لم يمتثل هذا الأمرَ كان على القاضي في ذلك القُطْرِ أن يُنهيَ أمرَه إلى حضرةِ الإمام؛ حتى يُحِلَّ به من العقوبة ما يردعُه ويردعُ أمثاله، وفي هذا المكتوب: التشديدُ في الربا، والسياسةِ الشيطانية، والأخذِ على قُضاةِ الأقطار أن يبعثُوا مَنْ يُعلِّمُ الناس أمرَ دينهم، من الصلاة والصيام والحج والزكاة والتوحيد؛ على الوجه المطابق لمراد اللَّه . وقرَّر الإمامُ ذلك، وأنفَذه، وأظهَره في الناس، فقامت شياطينُ المقلِّدةِ، وفراعينُ البُدْوان، وخَوَنةُ الوزراء في وجهِ هذا الأمر قيامًا يَبكي له الإسلام، ويموتُ كمدًا عنده الأعلام، فجَعلوا هذا المعروف منكرًا، وما كان الأمرُ السابقُ عليه من المنكر معروفًا. وليس العجبُ ممن له حظٌّ في المظالِم، ونصيبٌ من المَكس، وقِسطٌ من السُّحت؛ فقد يفعل ذلك مَنْ يُؤثِرُ الدنيا على الدين، ويَبيعُ الآجل بالعاجل؛

стр. 247

ولكنَّ العجبَ من جماعةٍ لا حظَّ لهم في شيءٍ من ذلك، ولهم حظٌّ من العلم، ونصيبٌ من الورع، متكِئين على أرائكهم، عاكفينَ على دفاترهم، صاروا يُنكرون من هذا الأمر ما يَعمَلون أنه مخالفةٌ لقطعيَّاتِ الشريعة، مع علمهم بحُكم مَنْ خالفها، واعترافِهم بأن هذا هو الحقُّ الذي اتفقت عليه الكتبُ المُنزَّلةُ والرسلُ المرسَلة، لكنهم يتركون تدبيرَ الشرع، ويعُودون لتدبير الدولة وما يُصلحهم ويَصلُح لهم، حتى كأنهم من أهل الولايات، ومِن القابضين للجبايات! وظَهر ما عندهم، وتكلَّموا به للناس، حتى اعتقد مَنْ لا حقيقة لديه من العامة، ومَن يلتحقُ بهم مِنْ أصحاب الدولة ومَن شابَههم: أني أرشدتُ إلى خطأ، وأمرتُ بمنكر، فاجتمع مِنْ جميع ما قدمتُ ذِكرَه تشوُّشُ خاطرِ الإمام، ومَن له رغبةٌ في شرائع الإسلام. فتوقف الأمر، ولم يُنفِذْه مَنْ يقدرُ على التنفيذ ممن له رغبةٌ فيه، ووَجد أعداءُ اللَّه من الظَّلَمة المجال، فبالغوا في المخالفةِ والمدافعةِ والمحاولةِ والمصاولة؛ فاسمع هذه الأعجوبة، واعتبر بها، وإني لا أشكُّ أن اللَّه سبحانه مُنفِذٌ شرعَه، وناصرٌ مَنْ نصره، وخاذلٌ مَنْ خذله، ومُتمُّ نورِه على رغم أنف من أباه، ولكن للباطل صَولة، وللشيطان جَولة، حتى يَقِرَّ الحقُّ في قراره، ويتمَّ منَ العدل ورفعِ الظلم ما أمر اللَّهُ به، ومن رام أن ينصُرَ باطلًا أو يدفعَ حقًّا، فهو مركوس (١)، من غير فرقٍ بين رئيسٍ ومرؤوس، وإذا جاء نَهرُ اللَّهِ بَطَل نَهرُ مَعقِل، وعند عزائم الرَّحْمن يندفعُ كيدُ الشيطان. (٢) القياس: وأما القياسُ، فاعلم أنه قد رسمه أهلُ الأصول بأنه: «مساواةُ أصلٍ للفرع

стр. 248

في عِلة حُكمه». ثم شرَطوه بشروطٍ، وقيَّدوه بقيود، وهى معلومةٌ عند مَنْ يعرفُ الفن، لكنهم توسَّعوا في هذه المساواة، وأثبتوها بأمورٍ هي مجرد خيال، ليس على ثبوته أثارةٌ من علم. وبيانه: أنهم جعلوا مسالكَ العلة أنواعًا، فأكثرُ ما قيل: إنها عشرة، ثم جميعُ هذه المسالك إلَّا القليل هي بحتُ الرأي، ومحصَّلُ الدعاوى المجردة؛ فعليك أن تضعَ قدمَك موضعَ المنع، وتقومَ في مقام الإنكار، حتى يوجبَ عليك المصيرُ إلى شيء منها ما لا يُقدَرُ على دفعه، ولا يُشَكُّ في صحته، كمَسلك النصِّ على العِلَّة (١)، ومَسلكِ القطع بانتفاءِ الفارق (٢)، ومِثلُ هذا فحوى الخطاب (٣)، وما شابَهَ هذه الأمور. وإياك أن تُثبت أحكامَ اللَّهِ بخيالاتٍ تقعُ لكَ أو لعالِمٍ مثلِكَ مِنْ سابق الأمة أو لاحقِها؛ فإن عليك من الوِزر والوبالِ ما قدمنا ذِكرَه في هذا الكتاب.

стр. 249

وبالجملة: فالقياسُ الذي يذكرُه أهلُ الأصول ليس بدليلٍ شرعيٍّ تقوم به الحُجةُ على أحدٍ من عباد اللَّه، ولا جاء دليلٌ شرعيٌّ يدلُّ على حُجِّيته، وإن زَعم ذلك مَنْ لا خبرةَ له بالأدلة الشرعية، ولا بكيفيةِ الاستدلال بها، يعرفُ هذا من يعرفه، وينكرُه من ينكرُه (١). وأما ما كانت العلةُ فيه منصوصةً، فالدليلُ هو ذلك النصُّ على العِلة؛ لأن الشارعَ كأنه صرَّح باعتبارها إذا وُجدت في شيءٍ من المسائل، مِنْ غير فرقٍ بين كونِه أصلًا أو فرعًا، وهكذا ما وقع القطعُ فيه بنفي الفارق، فإنه بِهذا القدْرِ قد صار الأمرانِ اللذانِ لا فارقَ بينهما شيئًا واحدًا؛ ما دلَّ على أحدهما دلَّ على الآخر، مِنْ دون تعديةٍ، ولا اعتماد أصليةٍ ولا فرعية. وأما «فحوى الخطاب» و «لَحْنُه» (٢)، فهذان هما راجعانِ إلى المفهوم والمنطوق، وإن سمَّاها بعضُ أهل العلم بقياس الفحوى. وبحثُ العمل بالمفهوم خارجٌ عما نحن بصدده. وقد جاءت لغةُ العرب الحاكيةُ لِمَا كانوا يفهمونه، ويتحاوَرون به، ويعمَلون عليه: أن مثل هذا المفهومِ كان معتبرًا لديهم مأخوذًا به عندهم؛ ولهذا قال من قال من العلماء: «إنه منطوقٌ لا مفهوم». ولقد تلاعب كثيرٌ مِنْ أهل الرأي بالكتاب والسُّنةِ تلاعبًا لا يخفى إلَّا على مَنْ لا يعرفُ الإنصاف بِهذه الذريعةِ القياسية، وعوَّلوا على ما هو منه أوهنُ مِنْ بيت العنكبوت، وقدَّموه على آياتٍ قرآنيةٍ وأحاديثَ نبوية.

стр. 250

وما هذه بأوَّلِ فاقرةٍ (١) جاء بها الشيطان، وحسَّنها لنوع الإنسان، وذاد (٢) بها عبادَ اللَّه عن شرائعه. ومن أنكر هذا، فلينظر المصنفاتِ في الفقه، ويتَّبِعْ مسائلَها المَبنِيةَ على مجرد القياس المبنيِّ على غير أساس، مع وجود أدلةٍ نيرة وبراهينَ مرْضية، ومن هذا الباب دخل أهلُ الرأي، وإليه خرجوا مِنْ أبواب الأدلةِ الثابتة في كتاب اللَّه وسُنة رسوله ﷺ . وهامةُ هِمَّتِهِ في الثريَّا … فكنْ رجُلًا رِجلُه في الثَّرى وكلُّ مَنْ له فهمٌ لا يعزُبُ (٣) عنه أن اللَّه تعالى لم يتعبَّدْ عبادَه بمجرد قولِ عالِمٍ من العلماء أنه قد أفاده مسلكَ «تخريج المناط»، أو «تنقيح المناط»، أو «الشَّبَه»، أو «الدوران» (٤) أو نحو هذا الهذيان؛ هذا على فَرض أنه لم يوجَد في الكتاب والسُّنة ما يخالفُ هذا المسلكَ الذي لا يسلكُه المتورِّعون، ولا يمشي عليه المتديِّنون، فكيف إذا كان الدليلُ المخالفُ له واضحَ المنار، ظاهرَ الاشتهار، قريبَ الديار لمن سافر إليه من أهل الاعتبار؟. والكلامُ في هذا البحث طويلُ الذيول، وقد أفرده جماعةٌ من أهل العلم بالتصنيف، وليس المرادُ هنا إلا مجردَ التنبيهِ لطالب العلم، وإني وإن حذَّرته عن العمل بِهذا القياس، فلا أُحذِّرُه عن العلم به، وتطويلِ الباع في معرفتِهِ والإحاطةِ بما جاء به المصنِّفون من أهل الأصول في مباحثه؛ فإنه لا يعرفُ
следующие страницы →