بالاستصحاب، قال: لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا الاستصحاب.
٣_ استصحاب الحكم الثابت: فالأصل بقاء الملك والأصل بقاء الزوجية، فالشرع دل على ثبوت الملك حتى يثبت بالحجة ما يزيله، ودل على ثبوت الزوجية حتى يثبت الطلاق.
وهو الذي عرفه العلماء بأنه ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير (١)
المسألة الثانية: الاحتجاج به .
قال الزركشي: ولا نعرف في الثلاثة خلافاً عندنا، ونقل ابن إمام الكاملية أن الأوّلين حجة جزما، والثالث حجة كذلك؛ لأنه عمل بدلالة النصوص (٢).
ونقل القاضي أبو يعلى الإجماع، فقال: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه. وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم. (٣)
أما ما نُقل عن الحنفية من الخلاف في النوع الثالث: فالمنقول عنهم أنه حجة للدفع لا للرفع. والمالكية يوافقون الشافعية في القول بالاستصحاب (٤).
قلت: ولا ينبغي أن يكون خلاف في النوع الثاني كذلك؛ لأن دلالته من لفظه.
المسألة الثالثة: استصحاب الإجماع وبيان الخلاف فيه .
٤_ استصحاب الإجماع السابق هو النوع الرابع من الاستصحاب، وهذا النوع لا يكاد يسلم؛ لأن المخالف يعارضه باستصحاب آخر، ولذلك قال الشافعية
стр. 317
فيمن رأى الماء في الصلاة وهو متيمم يستصحب الصحة؛ لأنه دخل صلاته بإجماع.
وقوبل أن ذمّته مشغولة بالفرض بالإجماع ولا تخرج منه إلا بالإجماع؛ لهذا فأكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على عدم الاحتجاج به، واحتج به الآمدي، وابن سريج، والمزني، والصيرفي. (١)
стр. 318
ترتيب الأدلة والترجيح بينها
стр. 319
- وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، وذلك كالظاهر والمؤول فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي.
- والموجب للعلم على الموجب للظن، وذلك كالمتواتر والآحاد، فيقدم الأول إلا أن يكون عاماً فيخص بالثاني، كما تقدم من تخصيص الكتاب بالسنة.
- والنطق من كتاب أو سنة على القياس إلا أن يكون النطق عاماً، فيخص بالقياس كما تقدم.
- والقياس الجلي على الخفي، وذلك كقياس العلة على قياس الشبه.
_ فإن وجد في النطق من كتاب أو سنة ما يغير الأصل، أي: العدم الأصلي الذي يعبر عن استصحابه باستصحاب الحال، فواضح أنه يعمل بالنطق. وإلا، أي: وإن لم يوجد ذلك، فيستصحب الحال، أي: العدم الأصلي أي يعمل به.
[الشرح والإيضاح]
ترتيب الأدلة مبحث هام يذكره الأصوليون لضبط مراتب الأدلة ؛ حتى لا يستدل العالم بدليل مع وجود الأقوى منه في الترتيب والتقديم، والأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (١)
المسألة الأولى: بيان قاعدة هامة وأصل كلي في الباب، ذكره المصنف وشرحه، وبيان دخوله في كل أبواب الأصول .
стр. 320
قوله: "وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي"، هذه قاعدة كلية جامعة مانعة تدخل في كل باب، إذ لابد للمجتهد من معرفة الجلي من الخفي في كل الأدلة.
والأدلة هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه القاعدة تدخل في جميعها، ففي القرآن الكريم يقدم الدليل الجلي على الخفي.
والجلي: شامل للنص والظاهر، والنص مقدم على الظاهر.
والخفي: كالمؤول بأنواع التأويل، من صرف عن الحقيقة إلى المجاز أو دعوى الإضمار أو التركيب أو دعوى التأكيد أو التقديم والتأخير أو دعوى الخصوص أو التقييد.
وقد قدمنا لك في بابها جميعها مع أمثلتها.
وجميع ما تقدم من الأبواب: في الأحكام السبعة، واللغات، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنص، وأفعال النبي ﷺ وتقريراته وأقواله، والإجماع والقياس، والاستصحاب، والحظر والإباحة، كلها فيها جلي وخفي، فيقدم الجلي الواضح الدلالة على ما خفيت دلالته.
ففي الأحكام الخمسة: قدم الحظر على البقية؛ لأنه دفع مفسدة، وهي مقدمة على جلب مصلحة في الجملة، وقدم الندب على الإباحة؛ لأنه ناقل. وقدم الواجب على الندب. وقدمت الكراهة على الندب.
وفي اللغات: يقدم ما له معنى واحد على ما احتمل معان بالاشتراك، وتقدم الحقيقة على المجاز، ويقدم المقتضى على الإيماء والتنبيه، ويقدم الإيماء والتنبيه على المفهوم، ويقدم المنطوق على المفهوم. وهكذا ..
ويقدم مثبت من الأخبار على النافي إلا في الحدود فيقدم الدرء على الاثبات.
стр. 321
وفي الأمر والنهي: يقدم النهي على الأمر؛ لأنه صريح مفيد للتكرار والدوام، ولأنه دفع مفسدة.
وفي العام: يقدم بعض الألفاظ على بعض، فيقدم العام بأدوات الشرط: كمن، وما، وأي، على العام بنفي الجنس؛ لأن الشرطي نص على التعليل. ويقدم العام على الخاص إلا عند التعارض فيقدم الخاص.
أما الإجماع: فبعض الأصوليين قدمه على الكتاب والسنة وهذا غلط، وقد حمله صاحب المذكرة على الإجماع القطعي المستند لنص، (١) وهذا مخالف لما صرّحوا به من أن الإجماع مقدم على الكتاب والسنة سواء القطعي القولي أو الآحادي القولي أو السكوتي المتواتر أو الآحادي.
جاء في مختصر التحرير: وهو أنواع، أحدها: الإجماع النطقي المتواتر وهو أعلاها، ثم يليه الإجماع النطقي الثابت بالآحاد، ثم يليه الإجماع السكوتي المتواتر، ثم يليه الإجماع السكوتي الثابت بالآحاد، فهذه الأنواع الأربعة كلها مقدمة على باقي الأدلة. (٢)
وهكذا يقدم الإجماع القولي القاطع على غيره من السكوتي.
وأما في القياس: فيقدم الجلي على الخفي في جميع القياسات، وقد تقدم بيان الجلي والخفي في محله من القياس.
وأما في الاستصحاب: فيقدم الجلي وهو المجمع عليه، وهو النوع الأول من الاستصحاب وقد قدمناه في بابه.
قوله: "وذلك كالظاهر والمؤول، فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي".
стр. 322
الإشارة في قوله "ذلك" راجعة إلى الجلي على الخفي، أي: وذلك التقديم مثاله كالظاهر والمؤول، وتقديم الحقيقة على المجاز، وقد ضرب مثالين متعلقان بالألفاظ.
المسألة الثانية: خمس قواعد مستخلصة من كلام المصنف في ترتيب الأدلة .
القاعدة الأولى: يبدأ النظر في الكتاب والسنة.
وأغفل المصنف تقديم الإجماع على الكتاب والسنة كما فعل جمع من الأصوليين؛ لأنه مسلك ضعيف، إذ كيف يقدم الإجماع على نص الكتاب والسنة.
القاعدة الثانية: يقدم الموجب للعلم على الموجب للظن.
فعلى المجتهد البدء بالتواتر إن وجد، وإلا فالآحاد.
إلا في حالة أن يكون المتواتر عاما والآحاد خاصا فيخص به كما تقدم في تخصيص المتواتر بالآحاد.
القاعدة الثالثة: ويقدم النطق من الكتاب والسنة على الدليل الرابع في الرتبة وهو القياس.
فلا يلجأ إلى القياس مع الكتاب والسنن، أما إذا حصل تعارض بين القياس والمنقول من كتاب وسنة، فالقياس يرد ويسمى فاسد الإعتبار.
القاعدة الرابعة: يقدم القياس الجلي على الخفي.
القاعدة الخامسة: يقدم النطق من كتاب أو سنة على الاستصحاب.
وما تقدم في هذا الباب هو خاص بترتيب الأدلة، أما حالها عند التعارض فهو مبحث آخر تقدم في باب مستقل وقد تقدم في بابه.
وقد قسم الأصوليون ذلك إلى: ما كان التعارض بين منقولين أو معقولين أو منقول ومعقول.
стр. 323
أما المنقولين: فالترجيح بينهما يكون بالسند، والمتن، والخارج.
وأما المعقولين وهو القياس: فالترجيح راجع إلى الأصل، والفرع، والخارج.
وأما بين منقول ومعقول: أي بين الكتاب والسنة والقياس، فالمقدّم هو النطق من كتاب أوسنة. إلا أن يكون النطق عاما كما قال المصنف.
قوله القياس الجلي على الخفي.
القياس الجلي: منه ما قطع فيه بإلغاء الفارق، أو كان احتمال الفارق ضعيفاً، وتقدمت أنواعه.
والقياس الخفي: منه ما كان احتمال تأثير الفارق فيه قوياً، ومنه تفريق أبي حنيفة بين القتل بالمثقل والمحدد، فأوجب القصاص في الثاني دون الأول.
والفرق أن المثقل أصل وضعه للتأديب، لا للقتل وهذه شبهة تدرأ الحد.
ورد هذا بأن احتمال قوة الفرق لا يمنع إلغاءه لاعتبار آخر كما هنا، فإن إزهاق المهجة هو المعتبر مع ما يقتل غالباً.
قوله: "فإن وجد في النطق من كتاب وسنة" أي: وما هو راجع إليهما: كالإجماع والقياس والمفهوم، فإن هذه إذا وجدت لم يلجأ إلى الاستصحاب.
стр. 324
شروط المفتي والمستفتي
стр. 325
ومن شرط المفتي وهو المجتهد أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً، خلافاً ومذهباً، أي بمسائل الفقه، وقواعده وفروعه، وبما فيها من الخلاف، ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولاً آخر، لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه.
وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال الراوين للأخبار؛ ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح.
وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه، وما ذكره من قوله عارفاً إلى آخره من جملة آلة الاجتهاد.
ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك.
ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا.
فإن لم يكن الشخص من أهل التقليد بأن كان من أهل الاجتهاد، فليس له أن يستفتي كما قال، وليس للعالم أي: المجتهد أن يقلد لتمكنه من الاجتهاد.
والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، فعلى هذا قبول قول النبي ﷺ فيما يذكره من الأحكام يسمى تقليداً.
ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، أي لا تعلم مأخذه في ذلك.
فإن قلنا إن النبي ﷺ كان يقول بالقياس، ...
بأن يجتهد فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً، لاحتمال أن يكون عن اجتهاد.
стр. 326
وإن قلنا إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فلا يسمى قبول قوله تقليداً، لاستناده إلى الوحي.
[الشرح والإيضاح]
قوله: ومن شرط المفتي وهو المجتهد .
أتى بمن التبعيضية؛ لأنه لم يتقص شروط المفتي، (١)
وإنما ذكر هنا شرطاً وحداً وهو
стр. 327
الاجتهاد، ثم بين أن هذا الشرط يشتمل على: العلم بالفقه، ولابد أن يكون علمه بالفقه أصلا وفرعا، خلافا ومذهبا.
وأصلا هنا تشمل الأول: علمه بأصول الفقه وقواعده، وعلمه بأصول المسائل الفقهية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وعلمه بمسائل الفقه الكبرى في كل باب؛ لأنها أصول الأبواب.
وأما قوله: "وفرعا"، فمعناه علمه بفروع المسائل.
وأما قوله: "وخلافا"، فمعناه اطّلاعه على الخلاف الفقهي ومحله، وبالضرورة على الاجماع؛ لأن من اطلع على محلات الخلاف علم مواطن الإجماع.
ومعنى قوله: "مذهبا"، علمه بفقه المذهب.
وإنما شرط فيه ذلك؛ لأن معرفته بالخلاف تطلعه على أدلة كل فريق، ومناهجهم في الاستدلال وتقرير المسائل، وهذا يفيده في تحرير المسألة ومحل النزاع فيها، ومعرفة الحق فيها.
ويستفيد معرفة مواطن الإجماع فيعمل به ولا يخرقه إن كان صحيحا.
هل يجوز الخروج عن الخلاف السابق المستقر وإحداث قول آخر .
قوله: "ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولاً آخر؛ لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه".
المسألة من حيث هي أعني هل يجوز إحداث قول ثالث بعد القولين أو قول آخر بعد انحصار الخلاف في أقوال، وبتتبع كلام أهل الأصول فيها تبين أن هذه المسألة فيها
стр. 328
ثلاثة مذاهب: (١)
الأول: المنع مطلقا؛ لأنه خرق للإجماع على عدم قول آخر.
وهذا ما ذهب إليه الجمهور: منهم عامة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
قال في البحر: وهذا وهو قول الجمهور، وقال إلكيا: إنه الصحيح وبه الفتوى، وقال ابن برهان: إنه مذهبنا، وجزم به القفال الشاشي في كتابه، والقاضي أبو الطيب، وكذا الروياني، والصيرفي، ... وهو مذهب عامة الفقهاء، ونص عليه الشافعي.
القول الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول لبعض الحنفية، كذا نقلوا عن الحنفية لكن بالرجوع إلى مصادر الحنفية تبين أنهم متفقون على المنع من إحداث قول ثالث بعد اختلاف الصحابة، أما غير الصحابة فذهب البعض إلى المنع، والآخرون إلى الجواز، والجواز منقول كذلك عن داود، وأنكر ذلك النقل ابن حزم.
القول الثالث: التفصيل، وهو إحداث قول فيه اشتراك مع القولين، قال في البحر المحيط: "وهو الحق عند المتأخرين أن الثالث إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه، وإلا جاز، وكلام الشافعي في الرسالة.
قلت: ودليل الجواز فعل التابعين مع الصحابة، ومثال هذه المسألة مسألة الحرام، وهي: إذا قال لزوجته أنت عليّ حرام، فإن الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل، وأحدث مسروق قولاً سادساً، وقال لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد. يعني أنه ليس بشيء.
стр. 329
وكذلك أحدث ابن سيرين قولاً ثالثاً في مسألة زوجة وأبوين، وزوج وأبوين، فذهب ابن عباس إلى أن لها ثلث الجميع في المسألتين، وذهب الصحابة إلى أن لها ثلث الباقي في المسألتين، وفصل ابن سيرين، فقال: بثلث المال للأم في مسألة زوجة وأبوين، وقال: بثلث الباقي للأم في مسألة زوج وأبوين، ولم ينكر عليه أحد.
وكذلك قال الصحابة: أن الجد مع الأخوة إما يسقطهم أو يقاسمهم، وجاء ابن حزم فقال: الجد ساقط بالأخوة.
وقال أحمد في مسألة قراءة الجنب للقرآن: بأن له أن يقرأ بعض الآية، مع أن الصحابة قالوا بقولين فقط هو المنع مطلقا، والجواز مطلقا، وهكذا فعل مالك، ومنهم من أجاز للحائض لا للجنب، ولم ينكر عليهم.
مسائل مشابهة لهذه المسألة نذكرها تتميما للفائدة . (١)
١_ أما إحداث تفصيل بعد قولين تقدما، أحدهما نفيا والآخر إثباتا، فهذا جائز عند الأكثر من العلماء.
٢_ وكذلك إحداث دليل آخر جائز عند الأكثر؛ لأن من سبق غير متعبد باستيعاب الأدلة في المسألة، بل يكتفي بواحد.
٣_ وكذلك إحداث تأويل آخر ليس فيه إبطال ما تقدم، جوزه الجمهور.
٤_ أما الإجماع من المتأخرين على أحد القولين أو الأقوال المتقدمة فليس إجماعا عند الجمهور؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها كما قال الشافعي، وقال أكثر الحنفية أنه إجماع، وثمَّ أقوال أخرى.
قوله: وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام.
стр. 330
ذكر ستة أمور تُشترط للمجتهد إضافة للعلم بالفقه أصلاً، وفرعاً، وخلافاً، ومذهباً:
١_معرفة بما يحتاج له من النحو.
٢_ معرفة ما يحتاج له من اللغة.
٣_ معرفة الرجال.
٤_ معرفة آيات الأحكام وتفسيرها.
٥_ العلم بأحاديث الأحكام وما تحويه من الأحكام.
٦_قواعد الأصول.
قوله: عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة .
معرفة لغة العرب؛ لأن الشرع نزل بها فمن لم يعرفها لا يكون مجتهداً، والناس هنا قسمان:
- قسم لا يعرف لسان العرب نطقاً فضلاً عن معرفة بلاغته، ونحوه، وصرفه، ومفرداته، فهذا الواجب الأول عليه تعلم نطقها، ومن ثم معرفة ألفاظها وقواعدها.
- وقسم عارف بها كونه من أهلها أو تعلمها، فواجب عليه للاجتهاد معرفة أساليب لغة العرب، وبلاغتها، وتصاريفها ونحوها.
ولا يشترط كونه كسيبويه، والخليل، وأضاربهم كما قال الشاطبي؛ لأن هذا غير متوفر حتى في الأئمة الأربعة؛ لأن سيبويه عالم بما يحتاج إليه في الاستنباط وما لا يحتاج إليه البتة.
بل المراد معرفة ما يحتاجه من اللغة للاستنباط، ولا يمكن هذا إلا بكثرة المطالعة والبحث فيما يتعلق بالمعاني والبيان والبديع، وأساليب اللغة، وتصاريفها، ومفرداتها،
стр. 331
وأضدادها، وإعرابها، لا أن يقتصر على مختصر من المختصرات في ذلك.
قال الإمام الشافعي: يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه. وقال الماوردي: ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره. (١)
قوله: ومعرفة الرجال الراوين للأخبار ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح .
هذا من أهم شروط المجتهد، ليتمكن من معرفة الصحيح من السقيم، وعليه أن يقرأ في علم المصطلح كتباً كثيرة: كمقدمة ابن الصلاح وشروحها، وتقييدات العراقي، ونكت ابن حجر. ومختصراتها: كمختصر النووي وشرحه تدريب الراوي للسيوطي، وشروح نظمها للعراقي والسيوطي، ويدمن على قراءة علم العلل: كعلل ابن أبي حاتم، وعلل الدارقطني، وعلل الترمذي وشرحها لابن رجب، فهو نافع جدا خاصة ما أضافه ابن رجب عليها من الأبواب، ذكر فيها كثيرا من مهمات علم العلل.
وقد نظمت كثيرا من هذه العلل أثناء تدريس هذا السفر العظيم.
وعليه أن يطلع على طبقات المدلسين وأسماء المختلطين، ويعرف من روى له قبل الاختلاط أو بعده.
وقد نظمت جميع المدلسين في ليلة في مئتي بيت، ثم شرحتها في التنفيس عما تضمّنه الجوهر النفيس، ثم اختصرتها فنظمتها في جلسة واحدة زهاء خمسين بيتا.
وعليه أن يعلم كيف يصل إلى رجال الإسناد ويميزهم، ويعرف طبقاتهم. وهذا كله لازم للمجتهد ليكمل نظره وعلمه.
قوله: وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها؛ ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه .
стр. 332
العلم بنصوص الكتاب والسنة، ومعنى العلم بهما: هو المعرفة إما الحفظ وإما معرفة مظانها. ولايشترط معرفة جميع نصوص القرآن والسنن، بل ما يتعلق بالأحكام.
وحصرها البعض بنحو خمسمئة آية، وبيّن الماوردي أن هذا الحصر إنما هو لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية.
أما السنة فمنهم من قال خمس مئة حديث، ومنهم من قال ثلاثة آلاف حديث، وشدد أحمد لما سئل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي، يكفيه مائة ألف؟ قال: لا. قلت: مائتا ألف؟ قال: لا. قلت ثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قلت: أربعمائة ألف؟ قال: لا. قلت: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو.
وهذا محمول على أكمل العلماء (١)
قوله: ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك .
وعليه أن يعرف فيه المواضع التي تتعلق بالاستنباط، وهي الأحكام الخمسة، ودلالات الألفاظ من عموم وخصوص، وأمر ونهي، ومطلق ومقيد، ونص وظاهر، ومجمل ومبين ومؤول، وصحة وضعف، وناسخ ومنسوخ.
стр. 333
وأن يعلم الأدلة التي يبنى عليها الفقه، وهي الكتاب والسنة وما هو راجع إليها من إجماع وقياس، ولا بد أن يعرف القياس معرفة تامة ما له وما عليه، ويعرف ترتيب الأدلة، والتعارض والترجيح. (١)
متى تتعين الفتوى على المفتي .
قال النووي: ومتى لم يكن في الموضع إلا واحد يصلح للفتوى تعين عليه أن يفتي، وإن كان هناك غيره فهو من فروض الكفايات، ومع هذا فلا يحل التسارع إليه، فقد كانت الصحابة ﵃ مع مشاهدتهم الوحي يحيل بعضهم على بعض في الفتوى، ويحترزون عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن. (٢)
قوله: ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد .
فيقلد المفتي في الفتيا، فإن لم يكن الشخص من أهل التقليد: بأن كان من أهل الاجتهاد، فليس له أن يستفتي كما قال، وليس للعالم أي المجتهد أن يقلد؛ لتمكنه من الاجتهاد إلخ.
والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة يذكرها، وفيه أمور:
١_ أن المستفتي لا بد أن يكون مقلداً لا عالماً.
وبيّن الشارح أن المراد بقوله: "ليس للعالم" أنه يقصد العالم المجتهد، وهذا يفيد أن العالم هو من عرف الأحكام الشرعية بالاستنباط، أما من عرفها بالتقليد فليس بعالم، لكن يدخل فيهم في الإطلاق العرفي؛ لأن من وقف على العلماء دخل المقلد، ومن كان عالما فلا يستفتي لأنه يعرف الحكم بنظره.
٢_ العالم إن ذهب إلى قول باجتهاد فهو ما يعتقد أنه الحق.
стр. 334
وإن ضاق الوقت ولا يحضره في المسألة حكم، جاز له الأخذ بقول غيره أو استفتاؤه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٣_ تعريف التقليد: هو أخذ قول القول بلا حجة يبينها أو بدون معرفة مأخذه.
ثم بني على هذا التعريف مسألة من فضول الكلام ولا تعلق لها بالأصول من قريب ولا بعيد، والصحيح أن الأخذ بقول النبي ﷺ اتباعا؛ لأن قوله حجة فكيف يقال إنك لا تدري مأخذه أو بلا حجة يوردها.
هذا عجب. قال الزركشي: واختار ابن السمعاني أنه لا يسمى تقليدا، بل هو اتباع شخص، لأن الدليل قد قام في أن له حجة، فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة. وأغرب القاضي في التقريب " فنقل الإجماع على أن الآخذ بقول النبي ﵊، والراجع إليه ليس بمقلد، بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين. (١)
خاتمة فيها أمور هامة تتعلق بالمفتي والإفتاء .
لما كان "الحق دقيقاً غامضاً لا يدركه إلا الأقلون ويعجز عنه الأكثرون؛ لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة، والتفرغ للنظر، ونفاد القريحة، والخلو عن الشواغل" (٢)، بين العلماء من يجوز استفتاؤه ومن لا يجوز، ونحن نذكر أهم ذلك بإيجاز كما يلي:
١ - لا يستفتي إلا من عُرف بالعلم والعدالة، أما من عُرف بالجهل أو الفسق، فلا يسأل اتفاقاً، فلا يُستفتى إلا من استفاضت أهليته، وعلمت عدالته (٣)، بل نص العلماء أن المجهول الذي لا يُعرف علمه ولا جهله لا يجوز استفتاؤه،
стр. 335
فضلاً عمن عرف بعدم العلم (١).
٢ - "ويحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعاً" (٢)، فلا يجوز في الشرع الإفتاء بلا جزم بالراجح، "فإن لم يظهر له الراجح انتظر ظهوره أو امتنع من المسألة كما فعله كثير (٣) من أهل العلم.
٣ - "ولا تصح الفتيا من فاسق لغيره وإن كان مجتهداً، ... ولا يسأله غيره لعدم حصول المقصود، والوثوق به". (٤)
٤ - يحرم استفتاء من عُرف بالتساهل، وتتبع الرُّخص وهو فاسق لا ثقة به. نص العلماء أنه "لا يجوز للمفتي أن يتساهل في فتواه، فمن عرف بذلك لم يجز أن يستفتي". (٥)
٥ - وأنه يجب عليه التحري، وتكرار النظر، وعدم التسرع، وينبغي له أن يشاور من يثق بعلمه، وأن يلجأ إلى الله تعالى، أما أن "تحمله أغراض فاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبهة طلباً للترخيص على من يروم نفعه، أو التغليط على من يروم ضره" (٦)، فإنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر العظيمة، ومن فعل هذا فلا وثوق به (٧)، وقد "فسق وحرم استفتاؤه" (٨).
٦ - حرمة إفتاء العامي غيره ولو علم المسألة بدليلها، قال النووي: "ويشترط فيه -أي المفتي- أهلية الاجتهاد، فلو عرف العامي مسألة أو مسائل بدليلها
стр. 336
لم يكن له أن يفتي بها، ولا لغيره أن يقلده ويأخذ بقوله" (١).
٧ - لو أفتى المقلد مفت واحد، وعمل به المقلد لزمه قطعاً، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها إجماعاً (٢).
٨ - المقلد غير المجتهد إذا كان فقيه النفس، يجوز له أن يخبر عن مذهب مجتهد في المسألة "ولا يكون مفتياً في تلك الحالة وإنما هو مخبر، فيحتاج أن يجيء عن رجل بعينه من أهل الاجتهاد فيكون معمولاً بخبره لا بفتياه" (٣)؛ لأنه لا يجوز الاختيار إلا لعالم بكتاب وسنة، وقال أكثر العلماء: يجوز لغير المجتهد أن يفتي إن كان مطّلعا على المأخذ أهلاً للنظر (٤).
"ودونهم في الرتبة: أن يكون فقيه النفس حافظاً للمذهب، قادراً على التخريج والترجيح، فهل له الإفتاء بذلك؟ أقوال: أصحها يجوز، والثاني المنع، والثالث عند عدم المجتهد". (٥)
قال النووي: والعالم الذي لم يبلغ غاية الاجتهاد كالعامي، في أنه لا يجوز تقليده على الصحيح. (٦)
стр. 337
الاجتهاد
стр. 338
وأما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له.
والمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد كما تقدم فإن اجتهد في الفروع وأصاب فله أجران على اجتهاده وإصابته.
وإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، وسيأتي دليل ذلك.
ومنهم من قال كل مجتهد في الفروع مصيب، بناءاً على أن حكم الله تعالى في حقه وحق مقلده ما أدى إليه اجتهاده.
ولا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية أي العقائد مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى في قولهم بالتثليث، والمجوس في قولهم بالأصلين للعالم النور والظلمة، والكفار في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والمعاد في الآخرة، والملحدين في نفيهم صفاته تعالى كالكلام وخلقه أفعال العباد وكونه مرئياً في الآخرة وغير ذلك.
(ودليل من قال ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً قوله ﷺ : «من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» وجه الدليل أن النبي ﷺ خطَّأ المجتهد تارة وصوبه أخرى).
والحديث رواه الشيخان، ولفظ البخاري: (إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر).
(والله أعلم).
والحمد لله على نعمائه، وصلى الله على سيدنا محمد خير رسله وأنبيائه
стр. 339
[الشرح والإيضاح]
الاجتهاد وما يتعلق بتصويب المجتهدين.
فيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: "كامل الآلة"، احتراز عن مجتهد المذهب والفتوى؛ لأن للعلماء مراتب (١):
١. مرتبة المجتهد المستقل .
وهو: من كان فقيهاً بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وما التحق بهما على التفصيل، عالماً بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها، عارفاً من علوم القرآن والحديث، والناسخ والمنسوخ، والنحو واللغة والتصريف، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دراية وارتياض في استعمال ذلك، عالماً بالفقه ضابطاً لأمهات مسائله وتفاريعه، فمن جمع هذه الأوصاف فهو المجتهد، والمفتي المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية.
٢. المنتسب إلى مذهب، وهو أربعة:
أ. المنتسب لمذهب معين مع عدم تقليد إمامه في المذهب ولا في الدليل: وهذا مجتهد مستقل إلا أنه ينسب إلى هذا الإمام لسلوكه طريقه في الاجتهاد.
ب. مجتهد مقيد، وهو: من قُيّد بمذهب إمامه مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، وشرط كونه عالماً بالفقه، وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيماً بإلحاق ما ليس منصوصاً عليه
стр. 340
لإمامه بأصوله.
ولا يعري عن شوب تقليد له؛ لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية.
ج. فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريره، يصور ويقرر ويحرر، ويمهد ويزيف ويرجح، لكنه ليس كأهل المرتبة السابقة في حفظ المذهب والارتياض في الاستنباط، أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم.
د. حافظ المذهب ناقل له، فاهم لواضحاته ومشكلاته، لكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد في نقله وفتواه بالمذهب، وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم. هذا كلام النووي وحاصله.
واعلم أنه لا يخلو عصر من مجتهد .
وما قاله الغزالي من خلو العصر عن المجتهد المستقل رده العلماء وزيفوه، ونقل الاتفاق بل بالغ البعض فادعى الاتفاق، وقد تعجب الزركشي من نقل الإجماع؛ لأن المسألة خلافية، وقد خالف في ذلك الحنابلة وبعض أئمة الشافعية.
وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيري، ونقل الاتفاق عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا فقالوا: لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق، والزبيري، ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء، قال ومعناه: أن الله تعالى لو أخلى زمانا من قائم بحجة زال التكليف. (١)
стр. 341
والحاصل أن من ادعى خلو عصره عن مجتهد أو اقفال باب الاجتهاد؛ وهو بذل الوسع في الاستنباط من الكتاب والسنة يلزمه أن التعبد بالكتاب والسنة قد انقطع، ولم يبق سوى التعبد بأقوال الخلق وفهومهم.
ومن قال قد انقطع الاجتهاد: إن كان هو مقلدا فقوله باطل حتى يأتي بقول مجتهد قال بهذا،
وإن كان هو مجتهدا فقد نقض نفسه؛ لأنه قال هذا بالاجتهاد وهذا أيضا مخالف لأقوال الأئمة في عدم تقليدهم والأخذ من حيث أخذوا.
أما الحذلقة في تأويل صريح كلامهم فهو هوى أو تعصب أو تقليد.
أما تقسيم المجتهدين إلى: مستقل وهو متعذر وإلى مطلق ومقيد، فهي نفحة من نفحات التقليد وأثر من آثاره، كيف والنووي بيّن أن المستقل غير متعذر كما تقدم النقل عنه، ومن قال إن المستقل من له أصول مستقلة عن الغير فقد كذب، وراجع ما نقلناه عن النووي قبل قليل.
стр. 342
فالأصول واحدة، هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، أما ما فيها اختلاف من عمل أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وفتوى الصحابي، والمصحلة المرسلة، والعرف، والاستحسان، فلا تلزم مطلقا ولا ترد مطلقا.
وأما دلالات الألفاظ فمرجعها العربية، ومعرفة الصحيح والضعيف فمرجعها كتب الحديث، أما منهجية التعارض أو تقديم بعض الأدلة على بعض فأغلبه متفق عليه، والمختلف فيه ينظر في ترجيح بعضه على بعض.
وأما كون مذهب معين له أصل مستقل فلا تجد هذا إلا فيما يمكن الاختلاف عليه، أما الأصول المتفق عليها فهي معلومة، وعليها مدار الاجتهاد.
والشروط التي لا تلزم للاجتهاد لم يقل أحد من الناس أنه يشترط اتباع أصل مختلف فيه، بل هي علمه بالكتاب والسنة والأصول واللغة وعلم الحديث ومواطن الإجماع، هذه هي أصول الاجتهاد المستقل.
أما قولهم إن أي مجتهد لا يمكنه أن يأتي بقول جديد في المسألة بل يرجح، وهذا ليس اجتهادا مستقلا؛ فجوابه: أن أبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد كلهم سبقوا بمسائل الفقه من الطبقات التي قبلهم الى الصحابة، فقد يوافق أحد الأ ئمة ما تقدم وقد يخالفه، وليس معنى هذا أنه مجتهد غير مستقل بل المسألة لا تحتمل سوى هذه الأقوال.
فتقسيم المجتهدين إلى: مستقلين، ومطلقين، ومقيدين؛ اصطلاح تقليدي مذهبي فقط، أما الشروط المطلوبة للمجتهد المستقل فأجمع عليها أهل الأصول والفقهاء في باب الاجتهاد، فدع عنك تضيق ما وسعه الله على خلقه، فإن كنت لا ترى نفسك أهلاً لهذه المنازل فالزم التقليد؛ لأنك عامي بلا خلاف كما تقدم نقل الإجماع عن النووي، ولا تحاول دفع رحمة الله التي يفتحها على من يشاء من خلقه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].
стр. 343
هل كل مجتهد مصيب .
المسائل تنقسم إلى: المسائل العقائدية، والمسائل غير العقائدية كالفقه. (١)
أما العقائد فالمصيب فيها واحد، ونافي الاسلام مخطئ آثم كافر، وهم اليهود والنصارى، ولو كان الخلاف في العقائد التي هي أصول الشريعة سائغا؛ لأدى إلى احتمال تصويب قول النصارى في التثليث، وقول اليهود عزير بن الله.
أما المسائل غير العقلية وهي التي ليست أصلا من أصول الشرع المجمع عليه، فتنقسم إلى: ما ليس عليه برهان، وإلى ما عليه برهان، فالتي عليها برهان: المصيب فيها واحد بالإجماع.
أما المسألة التي لا قاطع فيها، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن سريج إلى أن كل مجتهد مصيب، وذهب غيرهم من العلماء إلى أن المصيب واحد وهو ما نقل عن الشافعي وجمهور العلماء.
ويتفرع عن هذا الأصل (٢):
أن من اشتبهت عليه القبلة واجتهد وصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها جهة القبلة، ثم بان له يقين الخطأ يلزمه القضاء عند الشافعي؛ لفوات الحق المتعين، والخطأ ينفي الإثم دون القضاء، كما ينفي التأثيم دون التضمين في باب الغرامات.
وعندهم لا يلزمه القضاء؛ لتصويبه فيما مضى وإن بان أنه خطأ.
والحمد لله رب العالمين على فضله ونعمته، وصلوات الله على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 344
تم آخر هذا الشرح يوم الاثنين: الخامس من جمادى الأولى، عام ألف وأربعمئة وتسع وثلاثين من هجرة النبي ﷺ الموافق ٢٢ - ١ - ٢٠١٨. بقلم الفقير إلى ربه ومولاه فضل بن عبد الله مراد- اليمن