عليه، ومنهم من يشق عليه مشقة خفيفة أو متوسطة.
وكذلك من عمل الأعمال الشاقة في الحضر، كعمال الحفريات، والبناء، والطرقات، والمناجم ونحوها، فلو جعلنا علة جواز الإفطار المشقة؛ لجاز لهؤلاء وهم في الحضر أن يترخصوا بالفطر والجمع والقصر ونحو ذلك.
فلما كانت هذه المشقة غير منضبطة لم تعلق عليها الأحكام، بل علقت بأمر منضبط هو حصول السفر، فكل من سمى مسافراً في العرف ترخص، وهذا الوصف أعني السفر وصف منضبط فأنيطت به الأحكام.
الثالثة قوله: كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم .
وعليه فالأصل المقيس عليه البر، وهو منصوص عليه في قوله ﷺ : (والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء) (١).
والفرع: الأرز وهو غير منصوص عليه.
والعلة الجامعة: هي الطُّعم بالضم على مذهب الشافعي، وكونه مقتاتاً مدخراً على مذهب مالك، وكونه مكيلاً أو موزوناً على مذهب أبي حنيفة وأحمد.
والحكم: هو حرمة ربا الفضل والنسيئة في الأرز.
стр. 282
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه.
[الشرح والإيضاح]
أقسام القياس باعتبارات عديدة، وفيه مسائل: (١)
الأولى: تقسيمه من حيث إيجاب الحكم.
يقسم إلى: قياس علة ودلالة، وقياس في معنى الأصل وشبه.
فمثال الأول: ما كان منصوصا على العلة، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، أو كان من باب الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أو كانت العلة مجمعاً عليها؛ لأن "كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي، كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ارتكاب المعاصي". (٢)
ومثال الثاني: استنباط العلة من خلال الحكم، فجواز صلاة الوتر على الراحلة هذا حكم، وهو يدل على العلة وهي كون الوتر نافلة وليس واجبا، فهذا قياس دلالة كما سيأتي الكلام عليه وشرحه.
ومثال الثالث: وهو قياس الشبه وسيأتي.
وأما الرابع وهو القياس في معنى الأصل: فهو ما ليس فيه فارق كقياس حرق مال اليتيم على أكله؛ لأنه مساو له ولا فرق.
стр. 283
المسألة الثانية: تقسيمه من حيث كون العلة جلية أو خفية .
ففي الفرع قسموه إلى: جلي وخفي.
- فالجلي: كقياس تأفيف على ضرب.
- والخفي "ما كان معناه غامضا؛ لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى، مثل: تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت، ولابد من ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على التحريم" (١).
المسألة الثالثة: تقسيمه من حيث كون العلة أقوى أو مساوية أو أدنى .
إلى قياس الأولى، والقياس المساوي: كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم، وقياس الأدون وهو الخفي كما تقدم.
المسألة الرابعة: تقسيمه من حيث مناسبة العلة للحكم .
فقد قسم بهذا الاعتبار إلى: مؤثر وملائم.
فالمؤثر ما كانت العلة فيه منصوصة أو مجمع عليها، وتقدم مثاله في الجلي.
والملائم ما أثر جنس العلة في جنس الحكم: كجعل المشقة علة لجلب التيسير، أو جنس العلة في عين الحكم، كجعل دفع الحرج علة على الجمع في المطر.
الخامسة: تقسيمه من حيث طريق استخراج العلة .
إلى قياس طرد، وعكس، وشبه، وسبر، ومناسب، وهذا الأخير سمي قياس إخالة.
فالطرد: وجود الحكم بوجود العلة، والعكس انتفاؤه، والشبه تقدم، والسبر هو من مسالك العلة، وهو أن يلجأ إلى معرفة العلة بحصر كل ما يمكن أن يعلل به، ثم
стр. 284
يحرر الصحيح منها.
وأما المناسب: فهو الإخالة، وهو قياس العلة وهو مؤثر وملائم وتقدم.
السادسة: تقسيمه من حيث إفادته لحكم مماثل أو مناقض أو لا مماثل ولا مناقض .
- فالأول: قياس العلة، وهو المسمى بالقياس إذا أطلق.
- والثاني: قياس العكس.
- والثالث: قياس الدلالة.
السابعة: رد التقاسيم إلى واحد .
وجميع هذه الأقسام يدخل بعضها تحت بعض، كما رأيت في الأمثلة وقد تختلف أنظار العلماء في جعل المثال من هذا النوع أو ذاك.
وبتأمل ما سطره علماء الفن فإن أعدل وأصح تقسيم هو: الأول، وهو ما ذكره المؤلف، وهو تقسيم القياس إلى قياس علة ودلالة وشبه، وجرى عليه جمع من الأصوليين كالشيرازي.
وبيان دخول جميع الأقسام فيه: أن قياس العلة ينقسم إلى جلي وخفي، وإلى قياس الأولى والمساوي والأدنى، وإلى مؤثر وملائم، وطرد وعكس، وأن قياس الدلالة يوصف أحيانا بكونه جلياً وأحيانا بكونه خفياً.
وأن قياس الشبه يوصف بكونه جلياً إذا كان الشبه واضحاً، وخفياً إن كان الشبه غير ظاهر،
وسيأتي تفصيل كل نوع.
стр. 285
فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، بحيث لا يحسن عقلاً تخلفه عنها كقياس الضرب على التأفيف للوالدين في التحريم بعلة الإيذاء.
[الشرح والإيضاح]
النوع الأول: قياس العلة
المسألة الأولى قوله: فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم .
العلة لا توجب الحكم إلا إذا كانت لا تتخلف، وهي نوعان: قياس الأولى، والقياس في معنى الأصل.
١ - فأما قياس الأولى: فهو ما كان الحكم فيه أولى من الأصل، كالنهي عن التأفيف يلزم قطعا النهي عن الضرب.
فالعلة موجبة للحكم ولا يحسن عقلا أن يقال يجوز الضرب ويحرم التأفيف، وعبر بقوله ويحسن عقلا، حتى يبين أنها في الاحتمال العقلي قد لا توجب لكن لا يحسن ذلك؛ وذلك لأن الاستحالة العقلية هي ما لا يمكن للعقل أن يفرضه أو يتصوره مجرد تصور، مثاله: إن الثلاثة شفع أو تساوي واحدا.
٢ - والقياس في معنى الأصل: وهو القياس بنفي الفارق.
المسألة الثانية: اقتصر المصنف في قياس العلة على هذا النوع فقط .
ولكن غيره من أهل الأصول ذكروا أن "قياس العلة يكون الجامع فيه وصفا مناسبا كالإسكار بين الخمر والنبيذ، فإن فساد العقل مناسب للتحريم لعظم المفسدة "، (١) وأن
стр. 286
"كل وصف ظهر كونه مناطًا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة". (١)
وبناء على هذا فيكون المصنف عليه ﵀ قد اقتصر على نوع واحد تخفيفا على المبتدئ.
المسألة الثالثة: قياس العلة بحسب استقراء كلام أهل الأصول راجع إلى أربعة أنواع:
مقطوع، وجلي، وظاهر، وخفي (٢)
أما المقطوع فهو نوعان هما:
١_ أعلاها ما كانت العلة فيه أولى: كقياس الضرب على التأفيف، وإلحاق العمياء بالعوراء؛ لأن العمى عور مرتين.
٢_ يليه عدم الفارق وهو القياس في معنى الأصل: كموت الحيوان في السمن يلحق به الزيت، لعدم الفارق ولا يتعرض هنا للعلة بل لنفي الفارق المؤثر حتى يعلم أنه لا فرق مؤثر قطعا.
وهذان النوعان قال قوم ليس من القياس بل دلالتهما من اللفظ، وقد جعلهما العلماء من المقطوع به، أما ما ليس مقطوعا به فهو أنواع بعضها أقوى من بعض، فمنه الجلي والظاهر والخفي.
٣_ أما الجلي وقد يسمى ظاهرا، فهو ما كانت العلة فيه ثابتة بالنص أو بإجماع، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، أما ثبوتها بالنص فهو قسمان:
- الأول: ما هو صريح في التعليل.
- الثاني: ما يستفاد فيه التعليل بالتنبيه والإيماء.
стр. 287
فمثال ما هو صريح في التعليل: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧]، ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢]، ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقول النبي ﷺ : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (١)، و (إنما نهيتكم من أجل الدافة) (٢).
وأما مثال النوع الثاني: وهو التنبيه والإيماء، وهو أقسام إلا أن حاصلها ما يقترن في الحكم بوصف: كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالحكم هو اعتزال الحائض والعلة الأذى، و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالحكم القطع، والعلة السرقة.
وقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) (٣)، فالحكم القتلن والعلة الردة، و (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، (٤) فالحكم تمليك الارض، والعلة إحياء الموات.
وقوله ﷺ : (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين) (٥) الحكم ليست الهرة نجسة، والعلة كونها طوافة عليكم.
٤_ أما الظاهر: فهو ما حصلت العلة فيه بطريق الاستنباط، وليس فيها من جهة
стр. 288
اللفظ تنبيه أولوي، ولا مساو، ولا نص، ولا مجمع عليه، مثاله: علة الربا، فإنها غير منصوصة لذلك اختلفت الأنظار في تحصيل على الربا، وهو مراتب وبعضها قد يلحق بالظاهر وبعضها بالخفي، وقد ألحق الشيرازي هذا النوع بالخفي ومثل له بعلة الربا (١).
طرق استنباط العلة:
واستنباط العلة: بنص أو إجماع أو استنباط، أما الأولان فتقدما، وأما استنباط العلة فيكون بثلاث طرق: طريق المناسبة أو السبر والتقسيم أو الدوران.
١_ المناسبة تنقسم: إلى مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل. (٢)
مؤثر: وهو ما أثر عين العلة في عين الحكم، وهو ما ثبتت فيه العلة بنص أو إجماع، فمثال ما ثبت بالنص، قوله ﷺ : (كل مسكر حرام) (٣)، فعين العلة وهي الإسكار أثرت في عين الحكم وهو التحريم.
ومثال ما ثبت بالاجماع: إثبات الولاية المالية على الصغير، فعين العلة الصغر، وعين الحكم الولاية المالية.
ملائم: وهو ما أثر جنس العلة في عين الحكم، أو أثر عين العلة في جنس الحكم، فمثال الأول: تأثير دفع الحرج في جواز جمع الصلاة في المطر، فدفع الحرج جنس علة، والجمع في المطر عين الحكم.
ومثال الثاني: تأثير السفر في التخفيف، فالسفر عين علة، والتخفيف جنس حكم؛
стр. 289
لأنه شامل لعدد من التخفيفات: كقصر الصلاة والفطر، أو تأثير الغرر في تحريم التأمين بأنواعه.
غريب: وهو ما أثر جنس العلة في جنس الحكم، مثاله: تأثير جنس المصالح في الأحكام، وبعضهم جعل الغريب ما ليس فيه تأثير.
مرسل: وهو المصالح المرسلة ولها مراتب في القوة محلها مطولات الفن ..
٢_ أما السبر والتقسيم: فهو تتبع كل ما يحتمل صلوحه للتعليل، ثم غربلتها للوصول إلى العلة، مثاله: تحريم الميتة ما علتها؟
فيقال التحريم يكون إما لكونها محترمة، أو لكونها ضارة أو لنجاستها.
ثم يقال: ليست محترمة، وليس للضرر لأنها قد لا تضر، فبقي أن التحريم هو للنجاسة، فالميتة نجسة.
٣_ أما معرفة العلة بالدوران فمعناه: كون الحكم يدور معها وجودا وعدما، وهو ما يسمى عند البعض كابن الحاجب والآمدي: الطرد والعكس.
فكلما وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا انعدم انعدم، والجمهور على العمل به.
стр. 290
وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم، كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه مال نام.
ويجوز أن يقال لا تجب في مال الصبي كما قال به أبو حنيفة.
[الشرح والإيضاح]
النوع الثاني: قياس الدلالة
هذا هو النوع الثاني من أنواع القياس وفيه مسائل (١):
المسألة الأولى: هذا النوع من القياس ملحق بالخفي .
قال الشيرازي: وهذا الضرب من القياس يجري مجرى الخفي من قياس العلة في الاحتمال، إلا أن يتفق فيه ما يجمع على دلالته فيصير كالجلي في نقض الحكم به (٢).
ومعنى قوله ينقض به الحكم، أي: حكم القاضي.
المسألة الثانية: قوله في تعريفه هو الاستدلال بأحد النظيرين على الأخر .
النظير هو المثل، وقد جاء في القرآن هذا النوع من القياس فأخبرنا الله سبحانه أنه يحي الأرض ونظيره أحياء الموتى، وأخبرنا أنه خلقنا أول مرة فكذلك الإعادة المرة الأخرى، وأخبرنا بأنه خلق السماوات والأرض، وقال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠].
стр. 291
وكذلك استدل الفقهاء على أن وجوب الزكاة في مال الصبي إلحاقا له بمال البالغ؛ لأنه هذا مال نام وهذا مال نام، فهذا نظير هذا.
أو نقول وجبت الزكاة في زرع الصبي فنلحق به وجوب زكاة ماله؛ لأنه إذا وجب العشر في المال وجب ربع العشر.
والحاصل أن قياس الدلالة ليس استدلالا بالعلة بل بأثرها، فنستدل بوجوده على وجودها وبعدمه على عدمها (١)، وقديما قالت العرب: البعرة تدل على البعير.
مثال آخر: من كان عليه دين، وعنده مال نقدي أو تجارة فإن الشافعية قالوا بأنه يزكي، ولا يؤثر الدين، والدليل على هذا أن زكاة الحيوان والزرع تجب عليه، فاستدلوا بالنظير على النظير؛ لأنه لما لم يؤثر الدين في منع زكاة الحيوان والزرع فكيف يؤثر في نظيره.
المسألة الثالثة: وهناك نوع آخر من قياس الدلالة، وهو الاستدلال بالحكم على العلة
مثاله: أن الحنفية قالوا إن الوتر واجب، فقال لهم الفقهاء: هل يجوز أن يصلى على الراحلة، فقالوا نعم، فقالوا لو كان واجبا لما صح على الراحلة، فجواز صلاته على الراحلة دل على علة الجواز وهو كونه نفلا.
المسألة الرابعة: قوله إن تكون العلة دالة على الحكم .
معنى كلامه أن العلة ليست موجبة له بل محتملة بأن تكون دالة في نظر مجتهد على الحكم، وغير دالة في نظر آخر.
المسألة الخامسة: قوله كما قال أبو حنيفة .
علة قوله: إنه تكليف عبادي لا يجب إلا على البالغ، وإنما قال بزكاة الزرع في مال الصغير؛ لأنه حق متعلق بالأرض.
стр. 292
وقياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهاً، كما في العبد إذا أتلف فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث أنه آدمي، وبين البهيمة من حيث أنه مال، وهو بالمال أكثر شبهاً من الحر، بدليل أنه يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته.
[الشرح والإيضاح]
النوع الثالث: قياس الشبه .
هذا النوع من القياس لا يستند إلى قياس أولوي، ولا مساو، ولا يرجع إلى علة لا بالنص ولا بالإجماع، ولا بالاستنباط بمناسب، أو بالسبر والتقسيم أو الاطراد والانعكاس، وهذا كله قياس العلة.
كما أنه ليس بقياس أحد النظيرين على الآخر ولا بمعرفة أثر العلة فيكون قياس دلالة، وقد أمر الله في القرآن بالحكم في جزاء الصيد بالمثل، ولما كان الصيد لا مثل له تحقيقا؛ اعتبر الصحابة الشبه الصوري والشبه المعنوي، فمثاله: إذا اجتمع الشبه الصوري والمعنوي من صاد غزالا ففيه شاة للشبه من الجهتين، أما إذا كان الشبه المعنوي أقرب عمل به مثاله: لو صاد نعامة فشببها الصوري هو الدجاج، لكن شبهها الأقرب إلى تحقيق المماثلة في الجزاء هو الجمل.
فقياس الشبه قريب من هذا النوع إلا أن ما يقصد في الأصول، تحديدا هو أن يكون فرع يشبه أصلا في عدة أوصاف، ولكنه يشبه أصلا آخر كذلك في أخرى، وهذا النوع من القياس الخفي لذلك اختلفوا في العمل به، وللشافعي قولان. (١)
стр. 293
وقد حرر إمام الحرمين في البرهان قياس الشبه، وأبان مراتبه، وكيفية معرفة القوي منه والضعيف، وجعله شاملا كثير من أنواع القياس وبين (١):
١_ أن منه ما يفيد العلم، وهو ما يسمى القياس في معنى الأصل.
٢_ وأدنى منه ما أفاد غلبة الظن وهو مراتب، ومنه قياس الشافعي الزبيب على التمر.
٣_ ثم يأتي بعده قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ حتى قال الشافعي: طهارتان فكيف تفترقان.
٤_ ثم ذكر مثال العبد الذي ذكره الشارح، فهذه كلها عند إمام الحرمين من قياس الشبه.
والحاصل أن قياس الشبه احتج به الشافعي في مواضع، وعليه أكثر أصحابه خلافا لأكثر الحنفية (٢)
ولكن كما قال الغزالي: لعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إليها، إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية (٣).
ثم ضرب أمثلة كثيرة على استعمال الفقهاء من مختلف المذاهب لهذا النوع، مثاله قول أبي حنيفة: لا يتكرر مسح الرأس تشبيها له بالخف والتيمم. وقال الشافعي: أصل طهارته بالماء أشبه الوجه في التكرار، وإنما قال (أصل) احترازا عن الخف لأنه بدل.
стр. 294
ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل فيما يجمع به بينهما للحكم، أي أن يجمع بينهما بمناسب للحكم.
ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين، ليكون القياس حجة على الخصم.
فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت حكم الأصل بدليل يقول به القيَّاس.
[الشرح والإيضاح]
شروط الفرع والأصل (١)
المسألة الأولى: ما يشترط في الفرع
قوله: "ومن شرط الفرع ... ": إنما ذكر من الدالة على التبعيض؛ لأن هناك شروطا أخرى لم يذكرها هنا طلبا للاختصار على المبتدئ، ونص عليها أهل الأصول منها:
١_ أن تكون العلة التي في الأصل موجودة في الفرع، فإن كانت عين علة في الأصل كانت عين علة في الفرع، مثاله: الزيادة في الدين على رأس المال ربا محرم، وهذه الزيادة موجودة في رد زيادة على الدين إذا تضخمت العملة فهي ربا محرم.
٢_ ومثالها كذلك: قياس عظم الميتة على لحمها في النجاسة عند المالكية والشافعية، وقال الحنفية: ليس العلة التي في الأصل موجودة في الفرع وهي الحياة؛ لأن العظام لا تحلها الحياة (٢)
والجواب أن فيها حياة بدليل، قوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].
стр. 295
٣_ كذلك إن كانت العلة في الأصل جنس علة فيجب أن تكون في الفرع جنس علة، كقولهم العلة في وجوب القصاص في الأطراف هي الجناية، وهي نفس العلة في الأصل وهو القتل، والحكم هو القصاص فيهما، والجناية جنس عله؛ لأنها تشمل الجناية على الأطراف وعلى النفس. (١)
٤_ ومن الشروط في الفرع أن لا يكون قبل الأصل (٢)، مثاله: الوضوء شرع قبل التيمم، فقاس الجمهور -خلافا للحنفية- الوضوء على التيمم في وجوب التيمم، فيقال: كيف يقاس الوضوء وهو متقدم على المتأخر؟
وجوابه أنه استدلال على وجود العلة؛ لأن وجوب النية في الفرع وهو التيمم كان، لأنه عبادة محضة وهذه في الوضوء بتمامها.
الثانية: قوله أن يجمع بينهما بمناسب للحكم .
بين أن شرط الفرع أن يكون الجامع بينه وبين الأصل مناسبا للحكم، فلو لم تكن العلة مناسبة للحكم كانت خطأ.
ومعنى مناسبتها أن يظهر فيها المصلحة، أو الحكمة التي لأجلها شرع الحكم، فالعلة في تحريم الخمر هي الاسكار وهي علة مناسبة للتحريم؛ لأن الخمر يذهب العقل الذي هو مناط التكليف، وبه تستقيم الحياة (٣).
الثالثة: وجود العلة في الفرع ثلاثة أقسام .
١ - أعلى: وهو قياس الأولى، مثاله قياس الضرب على التأفيف في الحرمة، فإن الضرب أشد حرمة وأولى بالتحريم.
стр. 296
٢ - مساو: وهو لحن الخطاب، كأن يقاس إحراق مال اليتيم على أكله في الحرمة، وقياس النبيذ على الخمر وكلاً من هذين قطعي (١).
٣ - أدنى: وهو القياس الظني: "ويسمى قياس الأدون" (٢). كقياس التفاح على البر في أنه لا يباع إلا يداً بيد، ونحو ذلك بجامع الطعم، وإنما سمي أدنى لاحتمال أن تكون العلة هي الطعم أو الكيل أو القوت على الخلاف المعروف في الفروع.
وظهر بذلك أنه ليس المراد بالأدون ألا يوجد فيه المعنى بتمامه، بل أن تكون العلة في الأصل ظنية.
الرابعة: شروط الأصل . (٣)
أ- الشرط الأول: أن يكون ثابتاً؛ لأن ما لا ثبوت له لا يبنى عليه، ويثبت بأمرين:
-بالنص عليه كتعليل تقسيم الفيء، بقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧].
-أو اتفاق بين الخصمين، كأن اتفقا على أن العلة في الربا هي كونه مكيلاً موزوناً.
وقوله: "فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت حكم الأصل بدليل يقول به القياس بتشديد الياء، والمقصود ذو القياس، أي: القائس. (٤)
ب-الشرط الثاني: أن يكون أصلاً مستقلاً لا أنه أثبته بالقياس على محل آخر، مثاله: أن يقيس الذرة على الأرز المقيس على البر فلا يصح لأنه تطويل، قال السبكي: وهذا الشرط معتبر عند الجماهير من أصحابنا والحنفية، وخالف
стр. 297
فيه بعض المعتزلة والحنابلة وأبو عبد الله البصري (١).
وعدم كونه شرطا هو مذهب المالكية (٢)، ولأن هذا الشرط قد يحصل فيه خلاف لم ينص عليه المؤلف فلا يشترط غير كونه متفقا عليه بينهما، فإن اتفقا على القياس جاز بين الخصمين ذلك، ومن أمثلتها: قياس زكاة الأسهم على زكاة المستغلات، وقياس المستغلات على الأرض.
جـ- الشرط الثالث: ألا يكون منسوخاً؛ لأن القياس على المنسوخ لا يجوز (٣)، وقد انبنى على هذا الشرط خلاف في بعض الفروع:
وسبب الخلاف هل المحل المقيس عليه منسوخ أم لا؟
مثاله: حكم تبييت النية، ذهب الشافعية إلى وجوب تبييت النية في صوم الفريضة، وذهب الحنفية إلى عدم وجوب التبييت.
قاس الحنفية ذلك على صيام عاشورا أول وجوبه، فالتبييت لم يكن واجبا وهو واجب، قال الشافعية هذا منسوخ.
الجواب: المنسوخ هو وجوب عاشوراء، ولا يلزم من نسخ حكم الوجوب نسخ التبييت، فمسألة التبييت من عدمها لم تنسخ، فتبقى على ماهي عليه.
стр. 298
ومن شرط العلة أن تطّرد في معلولاتها، ولا تنتقض لفظاً ولا معنى، فمتى انتقضت لفظاً بأن صدقت الأوصاف المعبر بها عنها في صورة بدون الحكم أو معنى بأن وجد المعنى المعلل به في صورة بدون الحكم فسد القياس.
الأول: كأن يقال في القتل بمثقل أنه قتل عمد عدوان فيجب به القصاص، كالقتل بالمحدد، فينتقض ذلك بقتل الوالد ولده فإنه لا يجب به قصاص.
والثاني: كأن يقال تجب الزكاة في المواشي لدفع حاجة الفقير، فيقال ينتقض ذلك بوجوده في الجواهر ولا زكاة فيها.
[الشرح والإيضاح]
شروط العلة (١):
الكلام في العلة فيه مسائل:
الأولى: إطلاقاتها .
للعلة أسام في الاصطلاح، وهي: السبب، والأمارة، والداعي، والمستدعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمؤثر (٢).
الثانية شروطها:
تقدم أن تعريف العلة: وصف ظاهر منضبط يدور معه الحكم وجودا وعدما، وهذا التعريف جامع لشروطها وهي أن تكون مطردة، ظاهرة، غير خفية، يوجد معها الحكم وينتفي إذا انتفت.
стр. 299
- الشرط الأول: أن تكون وصفاً ظاهراً؛ لأن غير الظاهر يخفى تعلق الحكم به، مثاله: أن الله جعل الرضى مناطا للبيع، ولما كان الرضى أمرا قلبيا جعلت علاماته دليلا عليه، وهذه العلامات هي إما أقوال أو أفعال، فالأقوال: أن يقول بعت واشتريت وهو ما يسمى بالإيجاب والقبول، والأفعال هو أن يدفع الثمن والأخر يقبضه السلعة.
وقد علق الشافعية البيع على الإيجاب والقبول، وأجاز غيرهم التعاطي، وفصل الحنفية بأن جعلوا التعاطي لما تجري به العادات فالبيوع الصغيرة بالمعاطاة وبيوع الأمور ذي الشأن لابد فيه من الألفاظ. (١)
- الشرط الثاني: الانضباط فلا يعلل بما لا ينضبط، فلا يقال في علة القصر في السفر علته المشقة؛ لأنها تختلف من شخص لآخر ومن سفر لآخر، فالعلة هي السفر، (٢) ودفع المشقة هي الحكمة.
وهل يجوز كون الحكمة هي العلة ؟ وهي الحاجة إلى جلب مصلحة أو دفع مفسدة؟
أجاز جماعة كالرازي ومنع آخرون، وشرط الآمدي والهندي للجواز كونها ظاهرة منضبطة بنفسها، وعن الشافعي الجواز وأن اعتبارها هو الأصل، وإنما اعتبرت المظنة للتسهيل، ومنعها أبو حنيفة.
ولهذا اختلفوا في المزنيّ بها تعطى حكم البكر أو الثيب في اعتبار السكوت، فالحكمة هي أن البكر تستحي، والعلة هي البكارة. وعكس ذلك الثيب، فإن جعلنا الحكمة قلنا المزنيّ بها لا تستح كالبكر بل تلحق بالثيب، وإن اعتبرنا العلة وهي الثيوبة الشرعية قلنا لها حكم البكر؛ لأن ثيوبتها غير شرعية.
стр. 300
ومن المسائل التي هي تعبد محض: عدة الصغيرة، مع أن العدة شرعت استبراء للرحم والصغيرة لا تحمل (١).
- الشرط الثالث: الاطّراد: وهو ما ذكره المصنف واكتفى به، والاطراد في معلولاتها هو أنها إذا وجدت وجد الحكم وعكسه، (٢) وبعضهم يقول مطردة منعكسة وهو ما يعرف بالدوران.
والعكس هو أن العلة إذا انتفت انتفى الحكم، إلا إذا كان الحكم معللا بعلتين وفي هذه المسألة خلاف مثاله: أن نقض الوضوء علته خروج البول أو الغائط أو المس ونحو ذلك وهذه علل.
وقد أجاب القرافي عن هذا بأن علل الشرع معرفات للحكم ويجوز تعدد المعرفات، (٣) فإذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم كان دليلا على نقضها، وهذا ما بينه المصنف.
- الشرط الرابع: ألا يعارضها ما هو أقوى منها من العلل. (٤)
- الشرط الخامس: ألا يعارضها نص أو إجماع. (٥)
الثالثة: انتقاض العلة .
قوله: "فمتى انتقضت لفظاً بأن صدقت الأوصاف المعبر بها عنها في صورة بدون الحكم"
يعني: وجدت العلة ولم يوجد الحكم.
стр. 301
مثل أن يقال: العلة في الربا الوزن، ثم لا يجري الربا في الحديد وهو موزون فنقول: العلة غير صحيحة.
ومثل أن يقال: العلة من قصر الصلاة في السفر وجود المشقة، فنقول المشقة في عمال الحفريات والبناء والمناجم أشد ولا يجوز لهم قصر الصلاة.
وقوله: "فمتى انتقضت لفظاً أو معنى".
انتقاض اللفظ يتبعه انتقاض المعنى، والعكس فلا فرق. وقد استشكل الشراح هذا التقسيم لتساويهما وعدم الفرق بينهما (١).
والذي يظهر- والله أعلم - أن بينهما فرقاً وذلك أن الانتقاض اللفظي للعلة خاص بنوع من العلل هو ما يعرف عندهم بعين العلة، وهي التي لا تشترك فيها معانٍ كثيرة بل لها معنى واحد معين، بخلاف العلة المعنوية وهي ما تعرف بجنس العلة، مثل: المشقة، ودفع الحرج، والولاية.
فإن هذه العلل أجناس تشمل معانٍ متفاوتة، فالولاية مثلاً: تشمل الولاية على المال، والولاية على الصغير، والولاية على الزواج، بخلاف عين العلة مثل: (قتل عمد عدوان) فإنه لفظ واحد معين لا يعبر عنه بغيره، ولا يختلف من حيث أنه إزهاق.
بخلاف حاجة الفقير فإن الحاجات متعددة مختلفة.
وقد يعبر عنها برفع الحرج، أو المشقة، أو الكفاية أو الإغناء، ونحو ذلك فالمقصود هنا المعنى لا اللفظ وهناك اللفظ والمعنى. هذا ما يقتضيه كلامه والله أعلم.
وما ذكره المصنف فيه:
١_ أن شرط العلة هو أنه كلما وُجِدَت وُجِدَ الحكم، وهذا هو الاطراد كما سبق.
стр. 302
٢_ ويتبين من كلامه أنها لو وجدت ولم يوجد الحكم فهي منتقضة، والنقض من قوادح العلة، فقد بين هنا شرطها وأحد أهم قوادحها، وقد اختلف فيه أهل الأصول على أربعة مذاهب: (١)
- الأول: أن هذا ينقض العلة.
- الثاني: لا ينقضها مطلقا بل يجعل من باب تخصيص العلة، كما أن تخصيص العام لا ينقضه.
فيقال مثلاً: خروج البول علة في نقض الحدث، فيقال قد وجدت العلة ولم يوجد الحكم في صاحب سلس البول، فإنه والمستحاضة وضوءهما صحيح مع خروج الحدث.
وجوابه إن هذا مخصص للعلة بالنص، وتخصيص العلة جائز.
- الثالث: إن كان النقض في العلة لمانع فهذا لا يقتضي أنها باطلة، أن من قتل شخص عمدا وعدوانا قتل به قصاصا، والعلة هي كونه عمدا وعدوانا، ولكن قد يقوم مانع هو العفو من الأولياء، وليس فيه هذا إبطال للعلة، وكذلك قد يقال هذا في قتل الوالد لولده؛ لأن مانع الوالدية يمنع تأثير العلة.
- الرابع: إن الوصف إذا ثبت كونه علة بالنص فلا ينقضها معترض في صورة من الصور، أما إذا كانت العلة غير منصوصة فيجوز نقضها.
الرابعة: تمثيل المصنف القتل بالمثقل وبيانه، والجواب على النقض بجوابين:
القتل بالمثقل العلة فيه موجودة، وهو إزهاق نفس عمدا وعدوانا، فيجب فيه القصاص فيقول المانع وهو الحنفي: قد وجد هذا الوصف وهو القتل عمدا وعدوانا ولم يوجد الحكم وذلك في مسألة قتل الوالد لولده.
стр. 303
والجواب على النقض يكون بأحد أمرين:
١_ أن يقال بعدم وجود العلة في صورة النقض.
ففي قتل الوالد لولده لا يمكن عادة أن يقتله عمدا وعدوانا لما في قلبه من الرحمة والحنو، فالعلة ليست تامة حتى يتم النقض.
٢_ أو يقال بالفرق أو وجود المانع، فالمانع مثلاً هنا: قيام الوالدية وهي شبهة، والحد يدرأ بالشبهة.
مسألة: قوادح العلة راجعة إلى خمسة قوادح (١)
١_ النقض وقد ذكرناه وجوابه.
٢_ والعكس هو أن يوجد الحكم بدون العلة، وجوابه بإثبات علة أخرى على القول بتعدد العلل وهو الصحيح، فإذا وجد نقض الوضوء بدون أن يخرج البول فلابد من علة أخرى كالنوم مثلا.
عدم التأثير: وهو من الأول أو قريب منه، كمن قال إن العلة في الخمر هي لونه، فهذه العلة يوجد الحكم معها وقد تنتفي ولا ينتفي الحكم، فتبين أن وجودها مع الحكم إنما هو بالمصاحبة فقط لا بالتعليل.
٣_ ادعاء الفارق، فمثلا: من قال لا تجوز الهبة مع الغرر لأنها عقد ينقل به الملك كالبيع، فالجواب إبداء الفارق بأن البيع عقد مكايسة بخلاف الهبة فهي إحسان.
٤_ القول بالموجب بفتح الجيم، ومعناه: التسليم للحكم لكن عدم التسليم بالعلة، كمن يقول في الخيل الزكاة، بدليل ولم ينس حق الله في رقابها والحق الزكاة؛ لأنها سائمة قياسا على الإبل، فيقال نسلم الزكاة في الخيل
стр. 304
ولكن العلة التجارة.
أو التسليم بالدليل لكنه لا يتناول محل النزاع، كالاستدلال بأن المحرم لو مات في إحرامه أنه لا يمس طيبا ولا يخمر رأسه بحديث الصحيحين: في رجل وقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال ﷺ : (ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعثيوم القيامة ملبياً) (١)، فيقول المعارض أنا أسلم بالدليل وبما يقتضيه الدليل، لكن لا أسلم أنه في كل محرم بل في هذا المحرم فقط.
٥_ ومن القوادح القلب، وهو أن تثبت بنفس علته عكسها، كقولهم الاعتكاف هو مكث في مكان مخصوص فيشترط له الصوم، فيقال: الاعتكاف مكث في محل مخصوص فلا يشترط له الصوم كعرفة.
стр. 305
ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، أي: تابعاً لها في ذلك إن وجدت وجد وإن انتفت انتفى.
والعلة هي الجالبة للحكم بمناسبتها له، والحكم هو المجلوب للعلة لما ذكر.
[الشرح والإيضاح]
شروط الحكم (١):
١_سبق أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وهذا ما ذكره المؤلف هنا، فإن تخلف الحكم عن العلة كانت علة منقوضة، وإن وجد بدونها فهي علة غير مؤثرة.
٢_ومن شروطه أن يكون حكم الفرع مساوياً لحكم الأصل: نحو قياس بيع الغائب على زواج الغائب بجامع أنه عقد لغائب فيصح فهذا مساوٍ لهذا في الحكم.
٣_أن يكون الحكم شرعياً، فإن كان عقلياً أو من المسائل الأصولية العقائدية لم يثبت القياس؛ لأنها قطعية لا تثبت بالظنيات، إلا إذا كانت الظنيات أخبارا فعلى خلاف مشهور، وكذلك إن كان لغوياً ففي إثبات القياس فيه اختلاف.
٤_ من شروط الحكم ألا يكون خاصا بمحله، كخصائص النبي ﷺ .
٥_ ولا يكون معدولاً به عن سنن القياس، كشهادة خزيمة، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود، والكفارات.
стр. 306
قال ابن الأمير في منظومته الأصولية:
هَذَا وأركان الْقيَاس أَرْبَعه ... أصل وَفرع حكمه والجامعه
فَشرط حكم مَا يعد أصلا ... أَن لَا يكون النّسخ فِيهِ حلا
وَلَا يكون خَارِجا عَن السّنَن ... كشفعة الْجَار على مَا فِي السّنَن
وَلَا يكون الحكم بِالْقِيَاسِ ... قَالَ بِهَذَا جلة الأكياس
قوله: والعلة هي الجالبة للحكم بمناسبتها له .
فيه مسألتان:
المسألة الأولى: أن العلة هي الجالبة للحكم بمعنى المقتضية للحكم ، أو يقال هي المثيرة للحكم وهذه التعبيرات متقاربة، وإنما هي جالبة للحكم بنصب الشرع لها إما نصا أو دلالة. فالنص: بأن ينص عليها صراحة أو بترتيب حكم عليها وقد تقدم.
أو دلالة: وهو ما يرجع إلى نظر المجتهد.
المسألة الثاني: قوله "بمناسبتها له " تنبيه هام من المصنف أن العلة يتعلق الحكم بها بناء على وصف مناسب، وهذه المناسبة هي الحكمة الكامنة في العلة وهي روحها التي لأجلها وضعت العلل فالعلل خادمة للحكم، فإن لم يكن مناسبة فإما أن الناظر لم يدركها أو أن تعليله خطأ، وقد تقدم الكلام قبل قليل على الحكمة.
قوله "والحكم هو المجلوب للعلة لما ذكر" أي: لما ذكر من أن العلة مناسبة في اقتضاء الحكم وجلبه.
وفي العلة ما هي خمسة أقوال:
стр. 307
واعلم أن قول المصنف هي الجالبة هو اختيار جماعة منهم الماوردي، وابن أبي هريرة، وابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم، وذلك أنها الوصف الباعث على التشريع لمصلحة ومناسبة.
الثاني: أنها موجبة للحكم، وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أقوال:
_ أنها موجبة للحكم بإيجاب الله لها.
_ أنها موجبة بذاتها، وهو قول المعتزلة.
_ أنها موجبة للحكم عادة، وهو قول الرازي.
فهذه أربعة أقوال.
والخامس: أنها المعرف للحكم، وهذا موافق لقول الأشعري المنسوب له عدم التعليل بمعنى الجلب والإثارة والتأثير. (١)
стр. 308
الحظر والإباحة
стр. 309
وأما الحظر والإباحة، فمن الناس من يقول إن الأشياء بعد البعثة على الحظر، أي على صفة هي الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر.
ومن الناس من يقول بضده، وهو أن الأصل في الأشياء بعد البعثة أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع.
والصحيح التفصيل، وهو أن المضار على التحريم، والمنافع على الحل.
أما قبل البعثة فلا حكم يتعلق بأحد؛ لانتفاء الرسول الموصل إليه.
[الشرح والإيضاح]
الحظر والإباحة
المسألة الأولى: بيان أن الأصل الإباحة، وأن الحرام محصور مفصل في الشرع .
اعلم أن هناك اضطرابا في تحرير هذه المسألة، وبعضهم خلط بينها وبين الأخرى المقيدة بما قبل البعثة، أما بعد البعثة فإن الله فصّل الحرام تفصيلاً، وأحل ما سواه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فما حرمه من الأشياء فصّله سبحانه وما لم يحرمه فهو من المباح.
١_ ففي الأبضاع بين المحرمات، ثم قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٤].
فأباح ما سوى المحرمات المنصوصات، والإباحة عن طريق الزواج الشرعي لا الزنا، وحرم نكاح المشركات سوى الكتابيات بنصوص واضحة صريحة.
стр. 310
٢_ وفي المطعومات، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
فما كان سوى هذه فهو حلّ سوى ما نصت عليه السنن، كتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
٣_ وفي عموم الشرع، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ففصّلها تفصيلاً إلى آخر الآيات.
٤_ وفي اللباس والزينة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣]
٥_ وفي المخلوقات على الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
٦_ وفي المعاملات، قال تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
٧_ وفي عموم ما لم ينزل فيه تحريم، قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١].
٨_ وفي ضبط ما ليس فيه نص على التحريم، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
٩_ وفي المشروبات حرم المسكر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
стр. 311
فتحصّل من تتبع النصوص أن ما لم ينصّ على التحريم فهو مباح.
ومن الأدلة قوله ﷺ : (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة). (١)
فالحرام بيّن واضح وما سواه حلال واضح، والحرام محصور بالنصّ والحلال غيره وهو غير محصور، وهو الذي الأصل فيه الإباحة.
أما المشتبهات فهي محل نظر، وهي ما يمكن أن تتجاذبها أصول التحريم وأصول الحل، والتجاذب واضح، وإنما شرطنا وضوح التجاذب؛ لأن ما لا وضوح في تجاذبه مشمول بأدلة الإباحة لأن الحرام مفصل بالنص، والحلال ما سواه. ولهذا فالأصل في الأشياء الإباحة هذا ما لا مناص عنه.
المسألة الثانية: تحرير ما نُسِب إلى أبي حنيفة من أن الأصل التحريم، وبيان الخطأ في النقل .
الأصل في الأشياء الإباحة ذهب إليه الشافعي، وجمهور الحنفية، والجمهور من غيرهم.
وأما من ذهب إلى أن الأصل التحريم ونسبه إلى أبي حنيفة فقد أخطأ، فكتب مذهبه تنصّ على أن من نسبه إليه هم الشافعية.
قال ابن نجيم في الأشباه: "الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على عدم الإباحة، وهو مذهب الشافعي ﵀، أو التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة ونسبه الشافعية إلى أبي حنيفة ﵀". (٢)
وعلق عليه الحموي بقوله: "قوله: الأصل في الأشياء الإباحة إلخ ذكر العلامة قاسم بن قطلوبغا في بعض تعاليقه أن المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا". (٣)
стр. 312
ثم نقل صاحب الأشباه القول بالتوقف والقول بالإباحة عن البعض، ونقل عن الهداية إن الأباحة أصل، وهكذا تجد اضطرابا في تحرير المذهب عند الحنفية فمن أطلق القول عن أبي حنيفة فلم يصب.
ومن ثم نقل صاحب التحرير من الحنفية الإجماع عن البزدوي الحنفي؛ على أن الأصل في الأموال الإباحة ما لم يظهر دليل الحرمة، ومعلوم أن الأموال ما عدا الإنسان مما يمكن تموله، وهذا يعني كل مطعوم وملبوس ومشروب ومركوب ومسكون وهلم جرا ... وهذا نص كلامه.
هذا ونقل البيضاوي أن من يقول الأصل في الأشياء الإباحة يعني في المنافع، وأما في المضار فالأصل فيها التحريم، وقال الأسنوي: "هذا بعد ورود الشرع بمقتضى أدلته، وأما قبله فالمختار الوقف، وفي أصول البزدوي بعد ورود الشرع الأموال على الإباحة بالإجماع ما لم يظهر دليل الحرمة؛ لأن الله تعالى أباحها بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ". (١)
المسألة الثالثة: فروع تتعلق بقاعدة الأصل في الأشياء الإباحة.
قال الزركشي: وعلى هذه القاعدة يتخرّج كثير من المسائل المشكل حالها، وبه يظهر وهم من خرجها على أن الأصل في الأشياء الحل أو الإباحة.
ومنها الحيوان المشكل أمره وفيه وجهان أصحهما الحل، وذكر الرافعي في كتاب الأطعمة أن في موضع الإشكال يميل الشافعي ﵀ إلى الإباحة، ويميل أبو حنيفة ﵀ إلى التحريم.
ومنها النبات المجهول تسميته، قال المتولي يحرم أكله، وخالفه النووي وهو الأقرب
стр. 313
الموافق للمحكي عن الشافعي ﵀ في التي قبلها، والذي قاله المتولي يشبه المحكي فيها عن أبي حنيفة ﵀.
ومنها إذا لم يعرف حال (النهر) هل هو مباح أو مملوك، هل يجري عليه حكم الإباحة أو الملك، حكى الماوردي فيه وجهين (مبنيين) على أن الأصل الحظر أو الإباحة. (١)
قوله: الصحيح التفصيل وهو أن المضار. ا. هـ. هذا هو الصحيح في جمع الجوامع (٢).
стр. 314
الاستصحاب
стр. 315
ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به كما سيأتي: أن يستصحب الأصل، أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، بأن لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر الطاقة،
كأن لم يجد دليلاً على وجوب صوم رجب، فيقول: لا يجب باستصحاب الحال، أي العدم الأصلي وهو حجة جزماً.
أما الاستصحاب المشهور: الذي هو ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الأول فحجة عندنا دون الحنفية، فلا زكاة عندنا في عشرين ديناراً ناقصة تروج رواج الكاملة بالاستصحاب.
[الشرح والإيضاح]
الاستصحاب وبيان أنواعه، وما يُحتجّ بها بإجماع واختلاف.
المسألة الأولى: بيان أنواعه .
١_ استصحاب العدم الأصلي: كنفي وجوب صلاة سادسة، ونفي وجوب صيام شوال، فالعقل يدل على العدم؛ لأن الشرع لم ينص عليه، قال الزركشي: وأصحابنا مطبقون على أنه حجة وفيه خلاف لغيرهم. وهذا هو الذي عناه المؤلف بقوله: "ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به كما سيأتي".
أن يستصحب الأصل: أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، بأن لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر الطاقة.
وقوله: "الذي يحتج به"، أي: جميع العلماء كما سيأتي.
٢_ استصحاب ما يدل عليه العموم أو النص إلى أن يرد المخصص أو الناسخ، قال الزركشي: ولم يختلف أصحابنا في أنه حجة، ومنع ابن السمعاني من تسميته
стр. 316
بالاستصحاب، قال: لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا الاستصحاب.
٣_ استصحاب الحكم الثابت: فالأصل بقاء الملك والأصل بقاء الزوجية، فالشرع دل على ثبوت الملك حتى يثبت بالحجة ما يزيله، ودل على ثبوت الزوجية حتى يثبت الطلاق.
وهو الذي عرفه العلماء بأنه ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير (١)
المسألة الثانية: الاحتجاج به .
قال الزركشي: ولا نعرف في الثلاثة خلافاً عندنا، ونقل ابن إمام الكاملية أن الأوّلين حجة جزما، والثالث حجة كذلك؛ لأنه عمل بدلالة النصوص (٢).
ونقل القاضي أبو يعلى الإجماع، فقال: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه. وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم. (٣)
أما ما نُقل عن الحنفية من الخلاف في النوع الثالث: فالمنقول عنهم أنه حجة للدفع لا للرفع. والمالكية يوافقون الشافعية في القول بالاستصحاب (٤).
قلت: ولا ينبغي أن يكون خلاف في النوع الثاني كذلك؛ لأن دلالته من لفظه.
المسألة الثالثة: استصحاب الإجماع وبيان الخلاف فيه .
٤_ استصحاب الإجماع السابق هو النوع الرابع من الاستصحاب، وهذا النوع لا يكاد يسلم؛ لأن المخالف يعارضه باستصحاب آخر، ولذلك قال الشافعية
стр. 317
فيمن رأى الماء في الصلاة وهو متيمم يستصحب الصحة؛ لأنه دخل صلاته بإجماع.
وقوبل أن ذمّته مشغولة بالفرض بالإجماع ولا تخرج منه إلا بالإجماع؛ لهذا فأكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على عدم الاحتجاج به، واحتج به الآمدي، وابن سريج، والمزني، والصيرفي. (١)
стр. 318
ترتيب الأدلة والترجيح بينها
стр. 319
- وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، وذلك كالظاهر والمؤول فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي.
- والموجب للعلم على الموجب للظن، وذلك كالمتواتر والآحاد، فيقدم الأول إلا أن يكون عاماً فيخص بالثاني، كما تقدم من تخصيص الكتاب بالسنة.
- والنطق من كتاب أو سنة على القياس إلا أن يكون النطق عاماً، فيخص بالقياس كما تقدم.
- والقياس الجلي على الخفي، وذلك كقياس العلة على قياس الشبه.
_ فإن وجد في النطق من كتاب أو سنة ما يغير الأصل، أي: العدم الأصلي الذي يعبر عن استصحابه باستصحاب الحال، فواضح أنه يعمل بالنطق. وإلا، أي: وإن لم يوجد ذلك، فيستصحب الحال، أي: العدم الأصلي أي يعمل به.
[الشرح والإيضاح]
ترتيب الأدلة مبحث هام يذكره الأصوليون لضبط مراتب الأدلة ؛ حتى لا يستدل العالم بدليل مع وجود الأقوى منه في الترتيب والتقديم، والأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (١)
المسألة الأولى: بيان قاعدة هامة وأصل كلي في الباب، ذكره المصنف وشرحه، وبيان دخوله في كل أبواب الأصول .
стр. 320
قوله: "وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي"، هذه قاعدة كلية جامعة مانعة تدخل في كل باب، إذ لابد للمجتهد من معرفة الجلي من الخفي في كل الأدلة.
والأدلة هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهذه القاعدة تدخل في جميعها، ففي القرآن الكريم يقدم الدليل الجلي على الخفي.
والجلي: شامل للنص والظاهر، والنص مقدم على الظاهر.
والخفي: كالمؤول بأنواع التأويل، من صرف عن الحقيقة إلى المجاز أو دعوى الإضمار أو التركيب أو دعوى التأكيد أو التقديم والتأخير أو دعوى الخصوص أو التقييد.
وقد قدمنا لك في بابها جميعها مع أمثلتها.
وجميع ما تقدم من الأبواب: في الأحكام السبعة، واللغات، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والنص، وأفعال النبي ﷺ وتقريراته وأقواله، والإجماع والقياس، والاستصحاب، والحظر والإباحة، كلها فيها جلي وخفي، فيقدم الجلي الواضح الدلالة على ما خفيت دلالته.
ففي الأحكام الخمسة: قدم الحظر على البقية؛ لأنه دفع مفسدة، وهي مقدمة على جلب مصلحة في الجملة، وقدم الندب على الإباحة؛ لأنه ناقل. وقدم الواجب على الندب. وقدمت الكراهة على الندب.
وفي اللغات: يقدم ما له معنى واحد على ما احتمل معان بالاشتراك، وتقدم الحقيقة على المجاز، ويقدم المقتضى على الإيماء والتنبيه، ويقدم الإيماء والتنبيه على المفهوم، ويقدم المنطوق على المفهوم. وهكذا ..
ويقدم مثبت من الأخبار على النافي إلا في الحدود فيقدم الدرء على الاثبات.