← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 156

التحقيقات على شرح الجلال للورقات

فضل مراد

Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يعلي، وابن عقيل، والزاغوني من الحنابلة، وحكاه في التلخيص عن جمهور الفقهاء وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة (١). وحكى القول الأول عن بعض المتكلمين. قلت وكما هو مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة كما في الكوكب (٢)، وهو مذهب المالكية، وقد حكى الباجي من بعض المالكية القول بمذهب المتكلمين (٣)، ورده وكذا هو مذهب الحنفية (٤).

стр. 72

وأصول الفقه الذي وضع فيه هذه الورقات طرقه، أي طرق الفقه على سبيل الإجمال كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي ﷺ والإجماع والقياس والاستصحاب. من حيث البحث عن أولها بأنه للوجوب والثاني بأنه للحرمة والباقي بأنها حجج وغير ذلك مما سيأتي مع ما يتعلق به بخلاف طرقه على سبيل التفصيل نحو ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، (وصلاته ﷺ في الكعبة) كما أخرجه الشيخان. والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما. وقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل يداً بيد، كما رواه مسلم. واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه تمثيلاً. وكيفية الاستدلال بها أي بطرق الفقه من حيث تفصيلها عند تعارضها لكونها ظنية من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق وغير ذلك. وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد. فهذه الثلاثة هي الفن المسمى بأصول الفقه لتوقف الفقه عليه. وأبواب أصول الفقه: أقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ويذكر فيه المطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر، وفي بعض النسخ والمؤول وسيأتي. والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.

стр. 73

[الشرح والإيضاح] كلامه هنا مشتمل على تعريف أصول الفقه باعتبار لقبه، وفيه مسائل زيادة في الايضاح إذ إن كلامه غني عن الشرح. الأولى: تعريف أصول الفقه لقبا . وهو: طُرُقه الاجمالية، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستفيد. أما طرقه الاجمالية فمثّل لها بخمسة أمثلة، هي: الأمر، والنهي، والاجماع، والقياس، والاستصحاب. ثم بين أن الأول وهو الأمر: الكلام الأصولي فيه من جهات منها أنه يفيد الوجوب، وأن الثاني في كلامه الذي هو النهي: الكلام فيه من جهة إفادته التحريم. وأما الباقي في كلامه فهي الاجماع، والقياس، والاستصحاب، والكلام عنها من جهات منها كونها حججا. الثانية: احترز بقوله طرقه الإجمالية بالطرق التفصيلية ، فليست من الأصول بل من الفقه، كما مثل بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فهذان دليلان على مسائل فرعية تفصيلية وليست مسائل إجمالية، فهذا ونحوه من علم الفقه لا الأصول. وكذلك "وصلاته ﷺ في الكعبة" كما أخرجه الشيخان (١)، هذا دليل على مسألة فقهية لا أصولية وهي جواز الصلاة في الكعبة. وأما الإجماع من الجهة الفقهية فمسائله كثيرة، منها: الاجماع على أن بنت الابن

стр. 74

تأخذ السدس مع البنت الصلبية؛ تكميلا للثلثين وذلك بشرط عدم وجود معصب. وأما القياس من الجهة الفقهية فأمثلته كثيرة جدا، ومنه: قياس الأرز على البر في حرمة بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل يداً بيد. وأما الاستصحاب من الجهة الفقهية، فمثاله: استصحاب الطهارة لمن شك هل طهارته باقية أو لا، فجميع هذه المسائل وأمثالها ليست من أصول الفقه بل من الفقه، وإنما تذكر في الأصول من باب المثال فقط لإيضاح القواعد. الثالثة: قوله وكيفية الاستدلال بها . أي كيفية الاستدلال بها على مسائل الفقه؟ وهذا هو الركن الثاني لتعريف الأصول، وعبر بعضهم بكيفية الاستفادة منها، والمراد من هذا وذلك، هو بيان أن الاستدلال بالقواعد الأصولية هو من علم الأصول بل هو لبه وثمرته التي عليها المعول؛ لأن بها تعرف آليات استخراج الأحكام الشرعية، فنعرف أن العام يدل على العموم، والخاص على الخصوص وغير ذلك، ونعرف الموازين عند التعارض. وقوله: وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد. أي: أن ذكر المجتهد ذكر تكميلي للفائدة وليس من لب علم الاصول، ولذلك لم يذكره المصنف في تعريف الاصول، وإن كان بعضهم زاده، والأمر سهل. الرابعة: عدّد المصنف أبواب أصول الفقه هنا ترغيبا للطالب ، وتقريبا للذهن حتى يتصورها جملة قبل الدخول في تفاصيلها.

стр. 75

أقسام الكلام أو المباحث اللغوية المتعلقة بعلم أصول الفقه

стр. 76

فأما أقسام الكلام: فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، نحو: زيد قائم. أو اسم وفعل، نحو: قام زيد. أو فعل وحرف، نحو: ما قام. أثبته بعضهم ولم يعد الضمير في قام الراجع إلى زيد مثلاً لعدم ظهوره. والجمهور على عدِّه كلمة أو اسم وحرف، وذلك في النداء نحو يا زيد وإن كان المعنى أدعو أو أنادي زيداً. والكلام ينقسم إلى: أمر ونهي، نحو: قم ولا تقعد. وخبر، نحو: جاء زيد. واستخبار، وهو الاستفهام نحو هل قام زيد؟ فيقال: نعم أو لا. وينقسم أيضاً إلى تمنٍ، نحو: ليت الشباب يعود. وعرض، نحو: ألا تنزل عندنا. وقسم، نحو: والله لأفعلن كذا. [الشرح والإيضاح] أقسام الكلام: ذكر هنا ما تمس الحاجة إليه وهي مبسوطة في المطولات. ولما أنهى الكلام على ما تمس الحاجة إليه من مقدمات الفن، شرع فيما يتعلق بأصول الفقه من المباحث اللغوية (١). إذ أصول الفقه مستمد من فنون متعددة أهمها علم العربية؛ إذ منها يعرف الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول. فإن قيل من أين تستمد هذه الأنواع من علم العربية؟ فالجواب: إن الفقه مأخوذ من: "القرآن والسنة"، والإجماع والقياس راجعان إليهما. والكتاب العزيز وأقواله ﷺ بلسان عربي مبين. ولما كانت الأحكام مأخوذة من الكتاب والسنة كالوجوب والحرمة؛ كان لا بد من معرفة معاني الألفاظ

стр. 77

وتقاسيمها. وسنوضح هذا في مسائل المسألة الأولى: تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب قسم أهل اللغة الكلام كالآتي: _ اللفظ: إما مفرد، وإما مركب. _ المفرد: اسم، وفعل، وحرف. _ واستفادة المعاني يكون من المفردات ومن المركبات. المسألة الثانية: المفرد يدل على المعاني من عدة جهات، وتقسيمه إلى كلي وجزئي يقسم الأصوليون المفرد إلى قسمين من حيث الدلالة كلي وجزئي: القسم الأول: الكلي أكلي: وهو ما يصدق على كثيرين كلفظ الإنسان، ويسمى الكلي اسم جنس عند النحويين .. وهذا الكلي قسمان: ١ - متواطيء: إن استوى أفراده كالإنسان. فالإنسان له أفراد هم البشر، وكلهم متساوون في معنى الإنسان بلا فرق فهذا يسمى متواطئاً بمعنى أنه متساوي الإفراد في المعنى. ٢ - ومشكك: إن تفاوتت الأفراد كالبياض. فالبياض اسم معلوم ما هو، لكنه يتفاوت من شيء إلى آخر، فيكون أشد في موضع، وأقل في موضع، آخر ومتوسط في غيره، ولهذا سمي مشككا بمعنى أنه متفاوت بين أفراده. ويستفاد منه العموم إن دخل عليه نحو الألف واللام، ويستفاد منه الإطلاق إن

стр. 78

كان نكرة نحو "الإنسان"، "إنسان" فالأول عام لأنه يشمل كل إنسان، والثاني مطلق لأنه يتحقق بأي إنسان. ويرد على العام التخصيص بالخاص وعلى المطلق التقييد بالمقيد (١). القسم الثاني: الجزئي ب الجزئي: هو القسم الثاني للاسم. فالأول الكلي، والثاني الجزئي. مثال الجزئي: اسم العلم "زيد"، والمضمر نحو: "هو، أنت، أنا، أنتما" ونحو ذلك. وهذا هو الخاص، وضابطه: أن اللفظ الموضوع لواحد إن كان محصوراً كالعدد والتثنية، أو الواحد فخاص (٢). الثالثة: المشترك وعلاقته بالمجمل، وبيان راجح الدلالة، وعلاقته بالظاهر والمؤول إن دل اللفظ على معان مختلفة بلفظ واحد فهو مشترك مثل لفظ القرء يطلق على الحيض والطهر وهو مجمل في حالة تساوي الدلالة بالنسبة إلى المعاني المتكاثرة (٣). فإن ترجح أحد المعاني فهو ظاهر يقابله المؤل (٤). كالصلاة فإنها بالنسبة إلى ذات الأركان ظاهر، وبالنسبة إلى الدعاء مؤول. الرابعة: تقسيم المركب ما تقدم: هو دلالة اللفظ المفرد على المعاني.

стр. 79

أما المركب: فهو جملة، وغير جملة (١) والجملة: ما وضع لإفادة ولا يتأتى إلا في: إسمين، أو فعل واسم أو حرف واسم عند البعض كما ذكره المصنف. إذا علم هذا فالمركب أنواع؛ لأنه إن: "صيغ للإفهام، فإن أفاد بالذات طلباً، فالطلب للماهية: استفهام، وللتحصيل مع الاستعلاء: أمر، ومع التساوي: التماس، ومع التسفل: سؤال، وإلا (أي: وإن لم تفد طلباً بالذات) فتحتمل التصديق والتكذيب: خبر، وغيره، ويندرج فيه الترجي، والتمني، والقسم، والنداء" (٢). وقد ذكر الشارح أمثلتها. قوله: "والكلام ينقسم إلى أمر ... " هذا تقسيم آخر للكلام وهو انقسامه إلى: إنشاءات وخبر. والإنشاء هو ما لا يدخل فيه الصدق والكذب وهو الأمر والنهي، والأمر هنا معناه: الكلام المشتمل على اسم أو فعل مغاير لنحو: لا تفعل، دال على طلب فعل أو ترك، قال ابن قاسم: "وإنما حملناه على أعم من فعل الأمر؛ لأنه أقرب إلى استيفاء الأقسام، وإلا خرج اسم الفاعل والمضارع المقرون بلام الأمر" (٣). وأما الخبر المراد به الأمر نحو ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فيحتمل إدخاله هنا نظراً لمعناه، بناءً على أن الدال على الطلب أعم مما بالوضع أو غيره، ويحتمل إدخاله في الخبر نظراً للفظه، . قوله: "ونهي": كل كلام صدر بلا دال بالوضع على طلب الترك.

стр. 80

قوله: "وينقسم الكلام إلى تمن، وعرض، وقسم": السر في إعادة الفعل في قوله وينقسم أيضاً؛ للإشارة إلى أن منهم من اقتصر في تقسيمه إلى ما تقدم من الأربعة، وهو منقول عن القدماء؛ ولما كان يرد على التقسيم هذه المذكورات أراد ﵀ بذلك الإشارة إلى هذين المذهبين (١). قوله "تمن" هو: كلام دال بالوضع على طلب ما لا مطمع فيه أو ما فيه عسر والرجاء، طلب الممكن. قوله: "عرض": هو كلام دال بالوضع على الطلب برفق ولين نحو ألا تنزل عندنا. قوله: "وقسم": هو كلام دل على اليمين. فائدة: من المعلوم أن الأفعال تنقسم إلى: ماض، ومضارع، وأمر، ولكن لا يستعمل في جميع العقود والطلاق إلا الماضي؛ فتقول: بعت، واشتريت، ووهبت، ووقفت، وأسلمت، هذا مما لا خلاف فيه. أما إذا جاءت بصيغة المضارع أو الامر فمحل خلاف، ولم يستعمل المضارع إلا في أشهد في باب الشهادة. قال الزركشي: " فأما المضارع: فلم يستعمل في الشرع في شيء أصلا إلا في لفظة " أشهد " في الشهادة، فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها، وكذلك في اللعان سواء قلنا: إنه يمين أو شهادة، أو فيه شائبة من أحدهما، ويجوز في اليمين: أقسم بالله وأشهد، ولا يتعين. وأما الماضي: فيعمل به في الإنشاءات كالعقود والطلاق. وأما فعل الأمر: فهي مسألة الإيجاب والاستيجاب في العقود والطلاق، فكذا يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح" (٢).

стр. 81

ومن وجه آخر ينقسم إلى: حقيقة ومجاز. فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه. وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، وإن لم يبق على موضوعه، كالصلاة في الهيئة المخصوصة، فإنه لم يبق على موضوعه اللغوي، وهو الدعاء بخير. والدابة لذات الأربع كالحمار، فإنه لم يبق على موضوعه، وهو كل ما يدب على الأرض. والمجاز ما تجوز، أي: تعدي به عن موضوعه هذا على المعنى الأول للحقيقة. وعلى الثاني هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة. والحقيقة إما لغوية بأن وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس. وإما شرعية بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة. وإما عرفية بأن وضعها أهل العرف العام كالدابة لذات الأربع كالحمار، وهي لغة لكل ما يدب على الأرض. أو الخاص كالفاعل للاسم المرفوع عند النحاة. وهذا التقسيم ماشٍ على التعريف الثاني للحقيقة دون الأول القاصر على اللغوية. [الشرح والإيضاح] انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز . قوله: ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز. هذا الوجه الذي أشار إليه هو تقسيم الكلام باعتبار استعماله، وفيه إشارة إلى أن الشيء الواحد قد تتنوع تقاسيمه بتنوع جهاته. قوله: فالحقيقة: ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه، إنما جاء بتعريفين؛ لأن التعريف الأول خاص بالحقيقة اللغوية، والثاني شامل لها وللشرعية.

стр. 82

قوله "الحقيقة": الحق (١) في اللغة: هو الثابت، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٧١]. أي وجبت وثبتت، وهو من أسمائه تعالى بهذا الاعتبار؛ لأنه الثابت أزلاً وأبداً دون غيره من الموجودات، ويقال الحق لما يقابل الباطل؛ لأنه جدير بالثبوت كما أن الباطل بالزهوق، ومنه يقال: لذات الشيء وماهيته حقيقته؛ لأنها الثابتة واللازمة والحقيقة فعيلة (٢). قوله في التعريف الأول: ما بقي في الاستعمال خرج به المهمل (٣)، وما وضع ولم يستعمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً. وقوله: على موضوعه خرج المستعمل في غير ما وضع له غلطاً، كقولك خذ هذا الفرس مشيراً إلى كتاب بين يديك، والمقصود بالوضع أي اللغوي. قوله في التعريف الثاني: "ما اصطلح عليه": شمل الحقيقة اللغوية، والعرفية، والشرعية وهذا أحسن ما قيل في حد الحقيقة كما قال الرازي، واختاره الآمدي، والبيضاوي، وأبو الحسين البصري وغيرهم (٤). فائدة: هل إطلاق كلمة حقيقة: مجاز (الرازي) أو حقيقة (الأكثر)؛ لأنها إما أن تكون: اسم مفعول بمعنى المثبت ثم زيدت التاء لنقلها من الوصفية إلى الاسمية، أو تكون اسم فاعل بمعنى الثابت.

стр. 83

خلاف جاء في البحر: والذي يقتضيه إطلاق أكثر الأصوليين أنه حقيقة، وهو الذي يظهر. (١) مسألة وجوب العمل بالحقيقة وحكم الحقيقة: وجوب العمل بها عند استعمال اللفظ في حقيقة من غير بحث عن المجاز، وادّعى بعضهم فيه الإجماع، وأنه لا يتخرج على الخلاف الآتي في العام من العمل به قبل البحث عن المخصص، ولعل الفرق أن احتمال وجود المخصص أقوى؛ إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص كما قاله إمام الحرمين. لكن صرح القرافي بأن المسألتين على السواء في جريان الخلاف (٢).

стр. 84

والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة: ١_ فالمجاز بالزيادة، مثل قوله تعالى: ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾ [الشورى: ١١] فالكاف زائدة وإلا فهي بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال، والقصد بهذا الكلام نفيه. ٢_ والمجاز بالنقصان، مثل قوله تعالى: ﴿وَاسألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهل القرية. وقَرُب صدق تعريف المجاز على ما ذكر بأنه استعمل نفي مثل المثل في نفي المثل، وسؤال القرية في سؤال أهلها. ٣_ والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان، نقل إليه عن حقيقته وهي المكان المطمئن من الأرض تقضى فيه الحاجة بحيث لا يتبادر منه عرفاً إلا الخارج. ٤_ والمجاز بالاستعارة، كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، أي يسقط فشبه ميله إلى السقوط بإرادة السقوط التي هي من صفات الحي دون الجماد، والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة. [الشرح والإيضاح] أنواع المجاز وشرحه يتعلق بكلامه ﵀ مسائل: الأولى: أقسام المجاز. فقوله: والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان .. ذكر أربعة أقسام للمجاز وبقي خامس، وهو: المجاز المرسل، وله علاقات كثيرة بخلاف مجاز الاستعارة، فعلاقته التشبيه فقط، والحاصل أن المجاز إما أن تكون علاقته التشبيه أولا.

стр. 85

فالأول: المجاز بالاستعارة، والثاني: وهو ما ليس علاقته التشبيه، أربعة أنواع: مجاز بالنقل أو الزيادة أو النقص أو مجاز مرسل، ويسمى مرسلاً؛ لإطلاقه عن علاقة التشبيه، وقد ذكر له العلماء علاقات كثيرة منها: الجزئية، والكلية، والحالية، وباعتبار ما كان وما يكون، والسببية، والمسببية، والآلية وغيرها. وهو مستوفى في علم البيان ومطولات الفن. الثانية في قوله: بالزيادة .. الخ .. وشرح التمثيل بقوله تعالى ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾ قوله: فالكاف زائدة وإلا: أي: وإلا تكن زائدة. وقضية كلامه هنا هي: أن الكاف إن لم تكن زائدة اقتضى ذلك أن له مثل؛ لأن التقدير حينئذ ليس مثل مثله شيء وهذا محال، فالكاف إذاً زائدة. وهذا الجواب اقتصر عليه الشارح جرياً على ما في الأصل وتيسيراً للمبتدئ، وفيها أجوية ترجع إلى: - أن الكاف زائدة للتأكيد. - أو أن مثل بمعنى الذات. - أو الصفة. وفيها أجوبة خمسة (١):

стр. 86

الأول: أنها زائدة وهذا ما ذكره المصنف. الثاني: أنها للتأكيد، وهو قريب من الأول إلا أنهم شرحوه بمعنى زائد، وهو أن الكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه فإذا أردت المبالغة جمعت بينهما فقلت: زيد كمثل عمرو، ومنه قول أوس بن حجر: وقتلى كمثل جذوع النّخيل. وقول الآخر: ما إن كمثلهم فى النّاس من أحد. وإذا كانت الكاف مؤكدة للتشبيه فى الإثبات، انسحب عليها هذا الحكم فى النفي، وقصد بها تأكيد نفي الشبه لا نفي الشبه المؤكد، وأنشد سيبويه: وصاليات ككما يؤثفين. فأدخل الكاف على الكاف. الثالث: زيادة مثل للتأكيد وأنشدوا عليه: مثلي لا يقبل من مثلكا" (١). الرابع: أن لفظة مثل يكنى بها عن الشخص نفسه، فإذا قصدوا المبالغة قالوا: مثلك لا يبخل، وهذا بليغ؛ لأنهم إذا نفوه عن المثل فمن باب أولى عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، فيكون أبلغ من قولك أنت لا تخفر. (٢) ولك أن ترد الأربعة إلى وجهين: التأكيد والكناية. وبقي جواب لأهل الكلام، وهو: أن نفي اللازم يدل على نفي الملزوم، واللازم هو مثل المثل، والملزوم المثل قال السبكي: "وهذا معنى صحيح غير أن العربي الطبع يمجه من غير تأمل ويصان القرآن والكلام الفصيح عنه" (٣). والحاصل أن الكاف زائدة للتأكيد أو أن مثل بمعنى: الذات والصفة.

стр. 87

المسألة الثالثة: المجاز بالحذف . قوله: ممثلاً على المجاز بالنقص "وَاسألِ القَرْيَةَ" أي: أهل القرية ... الخ: إنما حمل على تقدير المضاف للقطع بأن المقصود من الآية سؤال أهل القرية لا سؤالها نفسها؛ لأن القرية عبارة عن الأبنية المجتمعة، وسؤالها وإجابتها خرقاً للعادة، وإن كان ممكناً لكن ليس مراداً، بل المراد فيها سؤال أهلها للاستشهاد بهم فيجيبوا بصدق أو بكذب؛ لأن الشاهد لا يكون جماداً (١). المسألة الرابعة: كيف تدخل الزيادة والحذف في المجاز . تقدم أن تعريف المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له. إذا فكيف جعلتم الزيادة والحذف مجازاً، والتعريف لا يصدق عليهما، وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: ١ - أنه مشبه للمجاز وملحق به؛ لاشتراكهما فى التعدى عن الأصل وهذا قول السكاكي، وهو ما يفهم من كلام صاحب التلخيص. ٢ - أن الزيادة فيها مجاز لا الحذف؛ لأنها استعملت في غير ما وضعت له وهو التأكيد، وهذا رأي السبكي. ٣ - أنه ليس بمجاز لا الزيادة ولا الحذف، وهو رأي الجرجاني وبالغ في الرد على من اعتبره مجازا. (٢) ولهذا كله عبر الشارح معللا إدخال هذا ضمن المجاز، بقوله: "وقرب" ... الخ: وهذا تنبيه مهم من الشارح -رحمه الله تعالى- حاصله:

стр. 88

إنه لما تقدم تعريف المجاز بأنه الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له، لزم شموله للمجاز بالحذف والزيادة. ولما كان يشكل على المبتدئ تصور ذلك الشمول بيّن ﵀ أن استعمال ﴿ليَسَ كَمِثْلِهِ شيئ﴾ [الشورى: ١١]، و ﴿وَاسألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] في غير ما وضعت له؛ إذ الأول وضع لنفي مثل المثل، ثم نقل إلى أن صار تأكيداً على نفي المثل. وكذا " وَاسألِ القَرْيَةَ" وضع لسؤال القرية ظاهراً ثم نقل إلى أهلها. المسألة الخامسة: المجاز بالنقل قوله: في المجاز بالنقل (نقل إليه عن حقيقته): أي وهي اللغوية؛ لأنها تطلق على المكان المطمئن من الأرض تقضى فيه الحاجة. وقوله: "بحيث لا يتبادر منه عرفاً إلا الخارج"، أي: يفيد أنه نقل إلى العرف وصار حقيقة عرفية، إذ التبادر دليل الحقيقة كما لا يخفى فهو مجاز بالنظر إلى اللغة، وحقيقة عرفية بالنظر إلى المنقول إليه وهو العرف. المسألة السادسة: المجاز بالاستعارة . قوله: والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة. تقدم أن المجاز إن كانت علاقته التشبيه فهو استعارة، وإلا فهوا المرسل، ومجاز الزيادة والنقص والنقل. توضيح: التشبيه له ركنان: المشبه، والمشبه به. وله طرفان: وجه الشبه، وأداة التشبيه، فعند إثباتهما (أي وجه الشبه والمشبه) يسمى: تشبيهاً مرسلاً مفصلاً، نحو: زيد كالأسد في الشجاعة، فقد ذكر وجه الشبه وهو: الشجاعة، فهو مفصل. وذكرت أداته وهي: الكاف فهو مرسل.

стр. 89

فإذا حذفت الأداة فقط سمي: تشبيهاً مؤكداً مفصلا. فإذا حذف وجه الشبه فقط سمي مرسلاً مجملاً، فإذا حذفتهما سمي مؤكداً مجملاً، وهو المعروف: بالتشبيه البليغ، فنقول "زيد أسد". والملاحظ مما سبق أن الحذف والإثبات كان في الطرفين أي: الأداة ووجه الشبه، أما إذا حذفنا أحد الركنين فيها فهنا بيت القصيد. ولا بد قبل هذا أن أنبه على أننا إذا حذفنا أحد الركنين، وجب أن نأتي بصفة من صفات المحذوف؛ لتدل عليه أو شيء من خصائصه ونضيفه إلى المذكور؛ فكأننا استعرناه عاريةً من صاحبه إلى الغير، ولذلك سميت استعارة. وإليك الأمثلة: ١_ زيد أسد فإذا حذفت المشبه، وهو: زيد، فلا بد أن تستعير شيئاً من لوازمه الخاصة به مثل الخطابة أو الرماية، فتقول رأيت أسداً يرمي، وتقول رأيت أسداً يخطب. ٢_ أما إذا حذفت المشبه به، وهو: الأسد، فكذلك لابد أن تأتي بشيء من لوازم الأسد وخصائصه، مثل: الزئير أو العرين، فتقول رأيت زيداً في عرينه، وتقول هذا زيد يزأر في الحرب. ولها تفاصيل كثيرة تؤخذ من كتب البلاغة، لكن هذه زبدتها للمبتدئ.

стр. 90

الأمر والنهي

стр. 91

والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، فإن كان الاستدعاء من المساوي سمي التماساً أو من الأعلى سمي سؤالاً. وإن لم يكن على سبيل الوجوب بأن جوز الترك فظاهره أنه ليس بأمر أي في الحقيقة. وصيغته الدالة عليه إفعل نحو: اضرب، وأكرم، واشرب. وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة الصارفة عن طلب الفعل تحمل عليه أي على الوجوب نحو: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: ٤٣]، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه أي على الندب أو الإباحة. مثال الندب: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: ٣٣]. ومثال الإباحة (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: ٢]، وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد. ولا يقتضي التكرار على الصحيح، لأن ما قصد به من تحصيل المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها، إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار، فيعمل به كالأمر بالصلوات الخمس والأمر بصوم رمضان ومقابل الصحيح أنه يقتضي التكرار. [الشرح والإيضاح] يتعلق بكلامه ﵀ عن الأمر مسائل: الأولى: الأمر، وتعريفه، وشرح التعريف. قوله: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب: الاستدعاء جنس وهو شامل للقول والفعل، كالإشارة والكتابة ونحوها.

стр. 92

وقوله: الفعل، يشمل: فعل القلب، واللسان، والجوارح. و"استدعاء الفعل" خرج ما ليس استدعاءً؛ لأن ما ليس باستدعاء ليس بأمر على الحقيقة كالتعجيز، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. والتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. والتكوين كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. والإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. فالصيغة صيغة الأمر بحق في هذه المواضع، غير أنه ليس بأمر على الحقيقة لعدم استدعاء الفعل فيها. وقوله: "بالقول"؛ لإخراج الإشارة والفعل؛ لأن الإشارة لا نسميها أمراً على الحقيقة، وكذلك خرج الفعل فلا يسمى أمرا، ولهذا اختلف في أفعال الرسول ﷺ هل تسمى أمراً؟ فيه وجهان: - منهم من قال: تسمى أمراً. - ومنهم من قال: لا تسمى أمراً، صححه في اللمع؛ لأنها لو كانت أمراً لتصرف الفعل منها تصرف الأمر بالقول فتقول أمر يأمر أمرا، وتقول في الفعل أمور. قوله: "ممن هو دونه"؛ لأن استدعاء الفعل من النظير، وممن هو أعلى منه لا يسمى أمراً على الحقيقة وإن كانت صيغته صيغة الأمر، وإنما يسمى طلباً ومسألة، وإذا استعمل فيه لفظ الأمر فعلى سبيل المجاز (١). قوله: "على سبيل الوجوب": خرج به المندوب. قوله: "إنه ليس بأمر أي في الحقيقة": على المجاز والدليل على ذلك (لولا أن أشق

стр. 93

على أمتي لأمرتهم بالسواك) (١)، فدل أن الأمر لا يكون إلا للوجوب (٢). المسألة الثانية: تحقيق أن إطلاق الأمر يشمل القول والفعل وفي المسألة أربعة أقوال (٣): ١_ أن الأمر حقيقة في القول والفعل والشأن، ونحوه ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]. قال في البحر: حكاه ابن برهان عن كافة العلماء، وحكاه القاضي عبد الوهاب، والباجي عن أكثر أصحابنا، قال صاحب المعتمد: " ولهذا قالوا: إن أفعال النبي ﷺ على الوجوب؛ لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]. ٢_ أن الأمر حقيقة في القول، مجاز في الفعل. ٣_ أن الأمر مشترك بين القول والفعل، وهو قول الشريف المرتضى، وزاد أبو الحسين البصري أنه مشترك بين: القول، والفعل، والشأن، والصفة، والشيء، والطريق، اختاره في المعتمد. ٤_ أنه متواطئ بين القول والفعل، نقل عن الآمدي وابن الحاجب. قلت: لا دليل على المجاز سوى التكلف، وهو معارض بالنقل المستفيض عن أهل العربية أنه يستعمل في القول والفعل والشأن وهذه كتب اللسان لمن أراد الرجوع، وقد رجعت إلى أصول مراجعها، فوجدتهم يستعملون الأمر في وضع العرب على الحال والشأن والطريقة، بدأ بالخليل في العين، ثم ابن سيدة في المحكم، مرورا بصاحب القاموس وتاجه، وصاحب لسان العرب، والمصباح، فكل هؤلاء ينقلون عن أهل اللسان

стр. 94

أنهم وضعوا الأمر للقول والفعل بإطلاق بلا فرق. (١)

стр. 95

أما استدلال الشيرازي على أنه لا يشمل الفعل بدليل: أن جمع أمر أوامر، إذا أردت القول وأمور إذا أردت الفعل. فليس بدليل، بل هذا التفريق إن صح لا يدل على أكثر من اختلاف الجمع، لا على أن أحدهما حقيقة والآخر مجازا. هذا إن صح جمع أوامر في لغة العرب، فقد أنكره أهل العربية قاطبة والنحو وقرروا أنه لا يجمع فعل على فواعل، بل على فعول، جاء في تاج العروس: "ولا يعرف من وافقهم إلا الجوهري في قوله: أمره بكذا أمرا وجمعه أوامر، وأما الأزهري فإنه قال: الأمر ضد النهي واحد الأمور. وفي المحكم: لا يجمع الأمر إلا على أمور، ولم يذكر أحد من النحاة أن فعلا يجمع على فواعل، أو أن شيئا من الثلاثيات يجمع على فواعل". ولما نقل هذا الجمع الفيومي إنما نقله عن أهل الأصول لا اللغة؛ لأن موضوع كتابه في غريب كتاب الرافعي وهو فقهي، وسبقه إلى هذا صاحب اللسان متفردا عن أهل العربية (١). المسألة الثالثة قاعدة: الأمر عند الإطلاق والتجرد عن القرينة للوجوب: والأدلة على ذلك (٢): ١ - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فلو كان الأمر لغير الوجوب لما وبخه وذمه. ٢ - ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. والوعيد والعذاب لا يكون إلا بترك الواجب، والمعصية، فدل أن مخالفة الأمر مخالفة للواجب، فالأمر للوجوب.

стр. 96

٣ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]. فذمهم على عدم امتثال الأمر فدل على أنه للوجوب. ٤ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. والقضاء بمعنى الحكم وانتفاء التخيير، يدل على أن الأمر للوجوب من الله ومن رسوله ﷺ . ٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ووجهه أن النبي ﷺ فهم منه الوجوب، وكذا الصحابة لما في البخاري (١) أن النبي ﷺ دعا أبا سعيد وهو في صلاته فلم يجبه فقال له: (ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قول الله .. فذكر الآية). ٦ - قوله ﷺ لبريرة لما اختارت فراق زوجها: (لو راجعتيه فإنه أبو أولادك) فقالت: أتأمرني بذلك يا رسول الله، فقال: (لا إنما أنا شافع)، فقالت: لا حاجة لي فيه). فنفيه ﷺ يدل أن الأمر للوجوب، ويقرر بريرة على ما فهمته من أنه إذا أمرها فقد وجب الامتثال. ٧ - (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وهو ظاهر، والحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه. ٨ - فعل الصحابة وتمسكهم بالأمر على الوجوب، وقد شاع وذاع بلا نكير ولا مخالف، كاستدلال أبي بكر ﵁ في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وأخذ عمر ﵁ للجزية من المجوس للحديث: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) (٢)، وغسل الإناء سبعاً، والبدء بالصفا: (ابدأ بما بدأ الله) (٣) وغيرها كثير لا يحصى.

стр. 97

٩ - أن السيد إذا عاقب عبده على ترك ما أمره به سيده، فإن العقلاء من أهل اللسان لا يلومونه على ذلك بل يذمون العبد ويوبخونه على الترك. ١٠ - تارك المأمور به عاص، بدليل ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] (١). المسألة الرابعة: صيغة الأمر . قوله: "وصيغته إفعل": فيه إشارة إلى مسألة مشهورة في الأصول، وهي: هل للأمر صيغة أم لا؟ فمذهب الأربعة وعامة أهل العلم أن له صيغة (٢)، وذهب أبو الحسن الأشعري ومن تبعه إلى أنه لا صيغة للأمر والنهي، وقالوا: لفظه لا يفيد بنفسه شيئاً، إلا بقرينة تنظم إليه ودليل يتصل به. (قال ابن السمعاني): وعندي أن هذا قول لم يسبقهم إليه أحد من العلماء، وقد ذكر بعض أصحابنا شيئاً من ذلك عن ابن سريج ولا يصح، وإذا قالوا: أن حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم، والأمر والنهي كلام، فيكون قوله: إفعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهي النفسي لا حقيقة الأمر والنهي، هذا أيضاً لا يعرفه الفقهاء، وإنما يعرفوا قوله: إفعل حقيقة في الأمر، وقوله: لا تفعل حقيقة في النهي. (٣) وقد تعقب النقل عن الأشعري كبار الأئمة وخطئوه، كالإمام أبي إسحاق الشيرازي، (٤) والإمام الغزالي، (٥) والإمام الجويني (٦) وغيرهم.

стр. 98

تنبيه: نوع الشارح الأمثلة حتى لا يتبادر إلى ذهن الطالب الاقتصار على وزن"إفعل"، نحو: "اشرب"، بل المراد فعل الأمر بسائر تصرفاته، نحو: كف، وذر، ودع، وافعل، وافعلا. قال الإسنوي: ويقوم مقامها، اسم الفعل والمضارع المقرون باللام (١). المسألة الخامسة: اشتراط العلو . في قوله: "في تعريف الأمر ممن هو دونه": هذا يدل أن الإمام الجويني ﵀ يختار شرط العلو في التعريف. وللعلماء في المسألة مذاهب أربعة: ١ - اشتراط العلو. ٢ - اشتراط الاستعلاء. ٣ - اشتراطهما. ٤ - عدم اشتراط أي منهما. ولأصحاب الشافعي قولان: _ القول الصحيح: اشتراط العلو وهو المذكور هنا، وفي البرهان، واللمع، والذريعة. _ عدم اشتراطهما، نص عليه زكريا في اللب وشرحه، وابن السبكي في الابتهاج، وصححاه مذهباً وكذا الأسنوي في التمهيد، وفي رفع الحاجب "وأراه رأي أكثر أصحابنا" ا. هـ. وهو المنقول عن الإمام وأتباعه، والآمدي، واختاره ابن الحاجب (٢). والله أعلم. المسألة السادسة: هل يقتضي التكرار . قوله: "فيعمل به": الضمير راجع إلى الدليل، أي: فيعمل بالدليل الدال على قصد التكرار

стр. 99

ولم يقل المصنف فيقتضي التكرار؛ حتى لا يتوهم أن من مقتضى الأمر التكرار، بل المقتضى له الدليل الخارجي، نبه عليه ابن قاسم وقال: إن هذا من دقائق الكتاب (١). قوله: "ومقابل الصحيح": أنه يقتضي التكرار، أي في المذهب، وهو بيان من الشارح لضعف هذا المقابل؛ ولأن المذهب أنه لا يفيد التكرار بل يفيد المرة ضرورةً وهذا الذي يدل عليه كلام الشافعي في الفروع، وعليه أكثر الأصحاب، وهو الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء، ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا (٢). والقائل باقتضائه التكرار الأستاذ (أبو إسحاق الإسفرائيني)، والشيخ أبو حامد وغيرهما من أئمتنا" (٣). قوله: "فيستوعب المأمور بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر": خرج بقيد الإمكان: الضروريات، نحو: أكل، وشرب، وقضاء حاجة ونحوها (٤). قوله: "حيث لا بيان لحد المأمور به"، أي: أما إذا ورد البيان للعدد أو الغاية ونحوهما فيحمل عليه. قوله: "لانتفاء مرجح بعضه على بعض" علة للاستيعاب إذ لو جاز إتباع المأمور في بعض منه دون بعض كان ترجيحاً بلا مرجح، وهو باطل. قوله: "وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد": أما الكتابة؛ فلأنها في الأصل بيع ماله بماله فهذا محظور لا يجوز، ثم لما وقع الأمر به كان أمراً بعد حظر، فدل على الإذن فيه، ولما رغب فيه كثيراً في الشريعة كان من نوع المندوب. فهذا هو مدرك

стр. 100

الإجماع فليتنبه (١). وفي دعوى المصنف الإجماع نظر فالخلاف فيها شهير ذكره الطبري وغيره ويتخرج على هذا الأمر بالاصطياد إذ هو بعد حظر فيدل على الإذن، وأدناه الإباحة والله أعلم.

стр. 101

ولا يقتضي الفور؛ لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني. وقيل يقتضي الفور، وعلى ذلك بني قول من قال يقتضي التكرار. [الشرح والإيضاح] المسألة الأولى: هل الأمر يقتضي الفور وتحقيق نسبة المذاهب، وبيان وهم من نسب للحنفية الفور قوله: "ولا يقتضي الفور": وعليه المعظم من الأصحاب (١)، كأبى علي بن أبي هريرة، وأبي علي بن خيران، وأبي علي الطبري، وأبي بكر القفال، والغزالي، والإمام وأتباعه (٢)، منهم البيضاوي، والآمدي، وابن الحاجب وهو المنقول عن القاضي أبي بكر من الأشاعرة وجماعة من المعتزلة نحو الجبائي وابنه، وأبي الحسن البصري (٣). قال ابن السمعاني (٤): "وهو الأصح، وهو قول أكثر المتكلمين، ونصره أبو بكر محمد بن الطيب، وقال في المحصول أنه الحق، وصححه في جمع الجوامع (٥)، والشيرازي في اللمع (٦)، وزكريا في نهاية الوصول (٧)، وقال الشوكاني: "فالحق قول من قال أنه لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخٍ" (٨).

стр. 102

وقال ابن الأمير: ولا على فور ولا تراخي *** قال بهذا جلة الأشياخ (١). قال: والمعنى أن المختار في الأمر المطلق هو ما ذكرناه من عدم الدلالة من حيث هو على أحد الأربعة، أي: الفور، والتراخي، والمرة، والتكرار. ا. هـ. وهو مذهب الحنفية إلا الكرخي وقلة (٢)، ورواية عن أحمد كما في المسودة (٣)، ومذهب المغاربة من المالكية (٤)، وأصل مذهب أحمد ومالك أنه للفور (٥). وقد غلط من نسب المذهب القائل بالفور لمذهب الحنفية أو أكثرهم، وإنما نتج هذا عن نقل المذهب من غير كتبه بل من كتب الغير. تنبيه: نقل ابن السمعاني عن الأصحاب أن الأمر على التراخي، وهو عين المذهب المتقدم كما صرح به هو، وابن السبكي في الإبهاج، وصاحب البحر المحيط، وغيرهم فتنبه. قال في الابهاج ناقلا عن ابن السمعاني: "إن معنى قولنا إنه على التراخي أنه ليس على التعجيل، قال والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض الوقت. قلت: وعلى هذا التفسير فهذا المذهب هو المذهب الأول بعينه" (٦).

стр. 103

المسألة الثانية: الأدلة على عدم اقتضاء الأمر الفور . قوله: لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني: أي: فإذا صار ممتثلاً بالفعل في الزمان الأول، وجب أن يصير ممتثلاً في الزمان الثاني؛ لأن الغرض مجرد الإيجاد (١). قلت ومن الأدلة كذلك (٢): ١ - أن الأمر حقيقة في طلب الفعل لا غير؛ لأن له دلالة على طلب الفعل إجماعاً، والأصل عدم دلالته على غيره. ٢ - أنه استعمل في الفور وفي التراخي، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك؛ دفعاً للاشتراك والمجاز. ٣ - دلالة الإجماع وذلك أنهم أجمعوا على أن من أدى الأمر المطلق في أول أوقات الإمكان، أو وسطها أو آخرها يعتبر ممتثلاً؛ كالنذور المطلقة، والصلاة، والصوم إن نذر ذلك مطلقاً، أو القضاء للصوم، ونحو ذلك من المسائل الكثيرة (٣). وللقائلين بالثبوت أدلة محل إيرادها وما لها وما عليها لا يليق بهذا المختصر. والذي يتحصل أن مذهب الشافعية، والحنفية، والأرجح عند محققي المالكية: أنه لا يفيد الفور، وعن مذهب أحمد روايتان: أشهرهما أنه للفور. قوله: "وقيل يقتضي الفور": هذا مذهب الحنابلة، (٤) والمالكية، وعن أحمد رواية

стр. 104

بعدم الفور، وعن المغاربة المالكية عدم الفور، ورجحه الباجي وابن الحاجب كما تقدم. قوله: "وعلى ذلك": أي القول بالفور "قول من يقول إنه يقتضي التكرار" سبق أن الحنابلة في أشهر الروايات قالوا بالفور، أما التكرار فبين علماء المذهب الحنبلي خلاف قوي في ذلك، والذي اختاره إماما المذهب ابن قدامة (١)، ومجد الدين عدم التكرار، وهو قول أبي الخطاب، (٢) ورجحه الطوفي. والمالكية اختلفوا كذلك إلا أن الأرجح عندهم أنه لا يفيد تكراراً (٣).

стр. 105

والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها، فإن الصلاة لا تصح بدون الطهارة. وإذا فُعِلَ بالبناء للمفعول، أي المأمور به، يخرج المأمور عن العهدة، أي عهدة الأمر. ويتصف الفعل بالإجزاء. [الشرح والإيضاح] قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ". هو في معنى قوله: (والأمر بإيجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به): كالأمر بالصلوات أمر بالطهارة المؤدية إليها. وفيه مسائل: الأولى: إطلاقات الفقهاء على القاعدة، فيعبرون عنها تارة بمقدمة الواجب، وتارة بما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١)، وتارة الأمر بإيجاد الفعل أمر به ... كما ذكر المصنف، وتارة الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، (٢) والعبارات متقاربة. والأشهر "ما لا يتم الواجب ... "، والأشمل ما ذكره المصنف من حيث أن الأمر قد يكون للندب فتكون مقدمته مندوبة، وربما كانت واجبة: كالشرط في صلاة التطوع. وقد تصح القاعدة في هذا المثال الأخير حتى على الإطلاق الثاني، وهو: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأنه يجب الكف عن فاسد الصلاة عند إرادة التلبس بالصلاة؛ فوجب ما لا يتم إلا به، فلم يخرج عما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. (٣)

стр. 106

ويتبين من هذا سبب عدول المصنف عن العبارة المشهورة إلى هذه؛ مع التنبه إلى ما سبق أن الأمر في المندوب مجاز على ما أشار إليه المصنف، وسبق بحث المسألة وتقريرها والله أعلم. ومن القيود كذلك: قدرة المكلف على هذه المقدمة وإلا سقطت، ولذلك قال ابن الحاجب (١): "ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً شرطٌ واجبٌ". المسألة الثانية: تمثيل الشارح بالطهارة للصلاة؛ جرياً على عادة المصنفين بالتمثيل بالمشهور . ولكن لماذا اقتصر عليه؟ الذي يظهر أن اقتصاره عليه اختصاراً على المبتدئ، وفيه تنويه إلى نكتة لطيفة، وهي: مذهب المصنف إمام الحرمين في المسألة، وهو: أنه يرى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، في الشروط الشرعية خاصة كالطهارة للصلاة دون ما عداه من الشروط العقلية، أو العادية وهو مذهب ابن الحاجب (٢). المسألة الثالثة: قاعدة ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ كتحصيل النصاب للزكاة والاستطاعة للحج . المسألة الرابعة: من الفروع المبنية على القاعدة: إذا نسى صلاة من الخمس ولم يعلم أيها: لزمه الخمس، وإذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار: فيجب غسل الجميع، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وينوي على المسلمين، وإذا كان عليه زكاة ولم يدر هل هي شاتان أم شاة: فإنه يلزمه الجميع (٣). قوله: "وإذا فعل يخرج المأمور عن العهد" ويتصف ذلك الفعل المأمور به بالأجزاء، وهذه المسألة مشهورة عند الأصوليين بـ: "الإتيان بالمأمور به، هل يقتضي الأجزاء أم لا" (٤).

стр. 107

وحاصل هذا المبحث أن من امتثل الأمر وجاء به على الوجه المطلوب، اختلف فيه هل يقتضي ذلك الإجزاء أم لا؟ والإجزاء له تفسيران: - أحدهما وهو الأصح: أن المراد من كونه مجزياً هو أن الإتيان به كاف في سقوط الأمر، وإنما يكون كافياً إذا كان مستجمعاً لجميع الأمور المعتبرة فيه. - وثانيهما: أن المراد من الإجزاء: سقوط القضاء. والخلاف جارٍ على التفسير الثاني، وخالف في ذلك أبو هاشم، وعبدالجبار وغيرهم من الفقهاء الأصوليين (١). أما على التفسير الأول فلا خلاف: بيان ذلك أنه إذا أمر الله تعالى بفعل المأمور: إما أن يفعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر، أو يزيد على ما تناوله الأمر، أو ينقص، وإن فعل على الوجه الذي تناوله الأمر أجزأه ذلك بمجرد الأمر. وقال بعض المعتزلة: الأمر لا يدل على الإجزاء، بل يحتاج الإجزاء إلى دليل آخر، وهذا خطأ؛ لأنه قد فعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر فوجب أن يعود إلى ما كان عليه قبل الأمر "أي وهي البراءة الأصلية"، فأما إذا زاد على المأمور به بأن يأمره بالركوع ويزيد على ما يقع عليه الإسم، سقط الفرض عنه بأدنى ما يقع عليه الإسم، والزيادة على ذلك تطوع لا تدخل في الأمر. وقال بعض الناس الجميع واجب داخل في الأمر، وهذا باطل؛ لأن ما زاد على الإسم يجوز له تركه على الإطلاق، فإذا فعله لم يكن واجباً كسائر النوافل.

стр. 108

"فأما إذا نقص عن المأمور" نظرت، إن نقص ما هو شرط في صحته، كالصلاة بغير قراءة الفاتحة لم يجزئه، ولم يدخل في الأمر؛ لأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، وإن نقص منه ما ليس بشرط، كالتسمية في الطهارة، أجزأه عن المأمور (١). إذا تبين هذا فقد قال ابن السبكي في رفع الحاجب: "أن الخلاف بين الفريقين لفظي ولا يترتب عليه أثر في الفروع" (٢). فائدة: من دقائق هذا الكتاب أن المصنّف بين: أن فعل الأمر يلزم منه خروج المأمور عن العهدة، والعهدة هنا هي: المطالبة بالفعل بمعنى ذمة المكلف، فهو يشير إلى نتيجة المسألة في الحقيقة عند الجميع واحدة، وهي الخروج من عهدة الأمر المقتضي براءة الذمة، ويشير بهذا إلى أن الخلاف ليس بحقيقي. أما الشارح فبين اتصافه بالإجزاء وهو الذي فيه الخلاف المشار إليه، وإنما لم يشر إلى الخلاف اختصاراً؛ لعدم الثمرة الحقيقية للمسألة، ولضعف الخلاف. هذا ما ظهر للعبد الضعيف. والله أعلم.

стр. 109

الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل هذه ترجمة يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، وسيأتي الكلام في الكفار. والساهي والصبي والمجنون، غير داخلين في الخطاب، لانتفاء التكليف عنهم. ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال عنهم ... الخ: والكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام؛ لقوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣]، وفائدة خطابهم بها عقابهم عليها إذ لا تصح منهم حال الكفر؛ لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام، ولا يؤاخذون بها بعد الإسلام ترغيباً فيه. [الشرح والإيضاح] قوله: والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب؛ لانتفاء التكليف . هذا المبحث هو مبحث المحكوم عليه وهو المكلف، وفيه تذكر شروط التكليف، ومن لا يشمله الأمر والنهي والتكليف في الجملة: ويتعلق به مسائل: الأولى: " السهو الذهول عن المعلوم كذا عرفه الأقدمون، أي: الغفلة عنه فينتبه له بأدنى تنبيه ... وأما النسيان فهو خلاف الذكر". (١) وزمن النسيان طويل بخلاف السهو الثانية: قوله لانتفاء التكليف عنهم، علته "أن شرط المكلف أن يكون عاقلاً

стр. 110

فاهماً للتكليف؛ لأن التكليف خطابٌ، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة" (١). والذي يتحصل من كلام أهل الأصول أن المحكوم عليه شرطه العقل والفهم باتفاق، فخرج بذلك (٢): ١ - من لا يفهم ولا يعقل أصلاً: كالبهائم، والجماد. ٢ - من له أصل الفهم لأصل الخطاب دون تفاصيله: كالمجنون، والصبي الذي لا يميز. ٣ - من يفهم لا على الكمال، وهو الصبي المميز. ويدخل فيه من كان مقارباً لحالة البلوغ بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم خفياً، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطاً وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفاً عليه. ٤ - والسكران أسوأ من الصبي المميز في حالة غفلته وسكره، وما يلزمهم من الغرامات والضمان ونحو ذلك متعلق بأحكام الوضع، والكلام فيهم منتشر في الفروع والأصول. ٥ - ويذكر هنا كذلك حكم المكره وتقسيمه إلى مجلئ وغيره مما هو مبسوط في المطولات.
следующие страницы →