موسوعة
أحكام الطهارة
أدلة ومسائل وقواعد وضوابط
القسم الأول
طهارة الحدث
المجلد الأول
أحكام المياه
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
стр. 2
مقدمة الطبعة الثالثة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، القائل في كتابه:
(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: ٧٩].
وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، وعلى آل بيته، وعلى صحابته، ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فقد كان كتابي أحكام الطهارة، أول كتبي تأليفًا، وكأي عمل تطرقه لأول مرة يكون فيه ما يوجب المراجعة، ذلك أن الإنسان كل ما كثرت ممارسته للكتابة زادت مهارته، وارتقت خبرته، لهذا كنت أمارس النقد على كتابتي، وأكتشف الأخطاء بنفسي، فكان ذلك يجمع في نفسي النقيضين: كراهة الخطأ والفرح بالتغير الذي يمن الله به على عبده، وكنت قد كتبت أحكام الطهارة وأنا شاب في منتصف الثلاثينيات من عمري، فكنت كل ما راجعت بعض مسائله التي بحثتها أدركت حاجة الكتاب إلى مراجعة شاملة، وكنت أعتذر لنفسي عن مراجعته بأني مشغول في كتاب المعاملات المالية، وحين من الله علي بإتمامه، وهممت أن أبدأ بكتاب الصلاة رأيت لزامًا علي أن أعيد النظر في كتاب الطهارة بعد سبع عشرة سنة من كتابة أغلب بحوثه، لهذا عملت مراجعة شاملة للكتاب اختلف فيها هذا الكتاب عن سابقه شكلًا ومضمونًا، مما جعلني أعتبر هذه الطبعة هي المعتمدة لكتابي أحكام الطهارة، وناسخة لغيرها، وقد اشتملت هذه المراجعة على الأمور التالية:
стр. 3
(١) أضفت في مدخل كل مسألة مجموعة من الضوابط والقواعد الفقهية التي تعين على فهم الخلاف والوصول إلى الراجح، ليكون الكتاب شاملًا للأحاديث والآثار، والمسائل الفقهية، والضوابط والقواعد الفقهية والأصولية.
فما كان منها محل وفاق جزمت به، وما كان منها محل خلاف، ذكرت الصيغة إما على سبيل الاستفهام، وأغلب هذه الضوابط منقولة، وبعضها حورته ليناسب المسألة الفقهية، وفي قليل منها اجتهدت في صياغته، وفي حين أعرض هذه الضوابط على شكل سؤال لاستثارة الأفهام.
مثال:
• إذا اختلط طاهر بماء مطلق، فتغير به، فهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير؟ أو لا حتى يغلب على أجزائه؟
• اختصاص الماء بالطهورية، هل هو تعبد لا يعقل معناه، أو لاختصاصه بنوع من الرقة واللطافة والنفوذ؟
• ما غلب على لون الماء، فإن كان موافقًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالتراب لم يسلبه واحدة منها، وإن كان مخالفًا للماء في الطهارة والتطهير كالتغير بالنجاسة سلبه الوصفين معًا، وإن كان موافقًا للماء في الطهارة دون التطهير لم يسلبه الطهارة لموافقته لها، وهل يسبله الطهورية بمطلق التغير، أو لا حتى يغلب على أجزائه؟
وربما أشرت إلى الخلاف بقولي: على الصحيح، أو في الأصح.
مثال ذلك:
-الحكم بنجاسة الماء هو تغيره بالنجاسة، لا اتصاله بها على الصحيح؟
- كل عين نجسة فإنه يجوز الانتفاع بها في غير الأكل على الصحيح على وجه لا يتعدى.
стр. 4
-الاستحالة لها تأثير في الأحكام على الصحيح، فاستحالة الطيب إلى خبيث تجعله خبيثًا، كذا استحالة الخبيث إلى طاهر تجعله طاهرًا.
وفي أحيان قليلة يكون الخلاف ضعيفًا فلا أشير إليه في ذكر القاعدة.
ولم أتعرض إلى شرح الضوابط والقواعد، ولا إلى توثيقها لأن ذلك سوف يزيد من حجم الكتاب، والكتاب لا يشكو من قلة حجمه، خاصة أن الكتاب لم يكتب في القواعد، وإنما أضيفت لتخدم المسألة الفقهية، فهي ثانوية في مادة الكتاب.
وقد أكرر القاعدة والضابط في أكثر من موضع؛ لأنه من المعلوم أن القاعدة والضابط يدخل فيهما فروع فقهية كثيرة، فقواعد الماء المتغير يشمل مسائل كثيرة، منها الماء المتغير بمكثه، والماء المتغير بما يشق صون الماء عنه، والماء المتغير بممازج وبغير ممازج، والماء المتغير بالمجاورة، وقواعد هذه المسائل متكررة، لهذا حاولت قدر الإمكان أن أقسم القواعد على تلك المسائل بعدًا عن التكرار، أو أن أغير من صيغة القاعدة عند التكرار بحيث تشتمل على زيادة معنى ليس في غيرها إن أمكن ذلك، وإلا أعدتها بصيغتها، ويدرك القارئ طبيعة تكرار القواعد للفروع المتشابهة.
(٢) أعدت تخريج جميع الأحاديث التي سبق أن خرجتها، فكان هناك مجموعة تراجعت فيها عن حكمي السابق، وما لم أراجع فيه حكمي فقد أعدت صياغته بطريقة تكون الصناعة الحديثية أوضح وأسهل للطالب.
(٣) راجعت بعض ترجيحاتي الفقهية السابقة اتباعًا للحق متى ما ظهر، وابتعادًا عن التعصب.
(٤) حاولت قدر الإمكان التقليل من الأخطاء، والتي كانت كثيرة في الطبعة السابقة.
стр. 5
وأسأل الله أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصًا لوجهه على هدي نبيه ﷺ ، وأن يتجاوز سبحانه عن الخطأ والتقصير.
دبيان بن محمد الدبيان
المملكة العربية السعودية
القصيم ـ بريدة
* * *
стр. 6
القسم الأول طهارة الحدث
стр. 7
طهارة الحدث
كتاب المياه
الطهارة لدى الفقهاء على ثلاثة أقسام .
القسم الأول: طهارة تعبدية غير معقولة المعنى:
وهي الطهارة من الحدث، بنوعيه الأصغر والأكبر.
وقدمت دراسة هذه الطهارة لفضلها على سائر أنواع الطهارات، من ذلك:
أنها طهارة مختصة بالمسلم، بخلاف طهارة الخبث، فلا يشترط لها الإسلام، فبدن الكافر ولباسه يوصف بالطهارة الحسية، ولكنه لا تصح منه طهارة الحدث.
ولأن طهارة الحدث شطر الإيمان كما في صحيح مسلم.
وهي عبادة مقصودة لذاتها، ووسيلة لبعض العبادات كالصلاة، والطواف ومس المصحف.
وإذا توضأ المسلم فقد جمع في ذلك بين طهارة بدنه من الحدث، وطهارته من صغائر الذنوب، فقد جاء في صحيح مسلم أنها تخرج مع الماء أو مع آخر قطر الماء.
لهذه الأسباب وغيرها قدمتها على طهارة الخبث.
ويدخل في طهارة الحدث الكتب التالية:
الكتاب الأول: أحكام المياه، وقدمته باعتباره الوسيلة للحصول على طهارة الحدث.
الكتاب الثاني: جعلته في فعل التطهير، وبدأته في الطهارة الصغرى، تناولت فيه الوضوء، فرائضه وسننه ونواقضه.
الكتاب الثالث: طهارة المسح بالماء في الطهارة الصغرى، وهو جزء من طهارة الوضوء؛ إلا أنها طهارة مخففة يكفي فيها المسح بدلًا من الغسل، من خف وعمامة وجورب، وجبيرة.
стр. 8
الكتاب الرابع: في الطهارة من الحدث الأكبر، وتناولت فيه الغسل، موجباته، وسننه، وصفته.
الكتاب الخامس: في طهارة التيمم، وهي مختصة بطهارة الحدث على الصحيح، وأخرتها باعتبارها طهارة بدل، لا تصح إلا عند عدم الماء أو التضرر من استعماله، وتدخل في الطهارة الصغرى والكبرى.
وبهذا تنتهي طهارة الحدث لننتقل إلى القسم الثاني من الطهارة.
القسم الثاني من الطهارة: وهي الطهارة الحسية .
وهي محصورة في الطهارة من النجاسات، وهذا القسم يشمل الكتب التالية:
الكتاب الأول: معرفة الأعيان النجسة وكيفية الطهارة منها،، وقدمت هذا الكتاب في الطهارة من النجاسة؛ لأنه يتعين قبل الدخول في التطهر من النجاسات أن نتعرف على أعيانها، ثم ندخل إلى كيفية التطهر منها.
الكتاب الثاني: الطهارة بالاستنجاء والاستجمار. وهذا الكتاب داخل في قسم كيفية الطهارة من النجاسة، إلا أنه مختص بنوع من النجاسات وهي البول والغائط.
الكتاب الثالث والرابع: الحيض والنفاس. وهو مختص في الطهارة من الدماء الطبيعية، وهذه الطهارة تجمع بين طهارة الحدث وطهارة الخبث، وإنما جعلتها في طهارة الخبث؛ لتقدمها على طهارة الحدث، ولترتب طهارة الحدث عليها.
القسم الثالث: طهارة التفث .
وهي ملحقة بالطهارة الحسية إلا أنها ليست عن حدث، ولا عن خبث، وسميت شرعًا، بسنن الفطرة، كتقليم الأظفار، والختان، والاستحداد، وقص الشارب، وغسل البراجم.
ويدخل فيها كل غسل لا يوجبه حدث، ولا خبث، كغسل الجمعة، وغسل الإحرام، وغسل الطواف، والعيدين، إلا أنني ورغبة في وحدة الموضوع لم أفصل الأغسال المستحبة عن الأغسال الواجبة.
هذه الكتب التي سوف تدخل في أحكام الطهارة، وأول ما أستفتح فيه طهارة الحدث هو كتاب المياه، وإنما استفتحت طهارة الحدث بهذا الكتاب، لأن طهارة الحدث
стр. 9
تنقسم إلى قسمين:
طهارة أصلية: وهذه لا تكون إلا بالماء، فإذا كان الماء هو الوسيلة للحصول على هذه الطهارة، تعين تقديمه قبل الخوض في أحكام الطهارة؛ وذلك من أجل معرفة صفة الماء الطهور من غيره، وما يسلبه الطهورية قبل الدخول في التطهير.
وطهارة بدل: وهذه طهارة التيمم، ويشترط لصحتها عدم الماء، أو الخوف من استعماله.
• خطة البحث في هذا الكتاب
أحكام المياه يقوم على تمهيد، وأبواب، ويشتمل كل باب منها على فصول، يتفرع منه مباحث وفروع ومسائل، على النحو التالي:
التمهيد، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الطهارة.
المبحث الثاني: تعريف النجاسة.
المبحث الثالث: الأصل في المياه.
الباب الأول: في أقسام المياه.
الباب الثاني: الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب ونحوه.
الباب الثالث: حكم رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم.
الباب الرابع: في الماء المتغير، وفيه فصول.
الفصل الأول: في الماء المتغير بالطاهرات.
وفيه مباحث.
المبحث الأول: الماء المتغير بطاهر غير ممازج.
الفرع الأول: التغير بغير ممازج لا يشمل اللون والطعم.
الفرع الثاني: في حكم الماء إذا تغير بطاهر غير ممازج.
المبحث الثاني: الماء المتغير بطاهر يشق صون الماء عنه.
المبحث الثالث: الماء المتغير بطول مكثه.
стр. 10
المبحث الرابع: في الماء المالح.
الفرع الأول: في تغير الماء بملح موضوع فيه.
الفرع الثاني: الخلاف في طهورية ماء البحر.
المبحث الخامس: إذا تغير الماء بشيء طاهر.
وفيه فرعان:
الفرع الأول: الماء المتغير بطاهر يمكن التحرز منه.
الفرع الثاني: خلاف العلماء في الطهارة بالنبيذ.
الفصل الثاني: الماء المتغير بالنجاسة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الماء المتغير بمجاورة نجاسة.
الفرع الأول: المقصود من التغير بالمجاورة.
الفرع الثاني: حكم الماء المتغير بالمجاورة.
المبحث الثاني: الماء المتغير بممازجة النجاسة.
الباب الخامس: في الماء المستعمل.
الفصل الأول: حكم الماء المستعمل في رفع الحدث.
المبحث الأول: في تعريف الماء المستعمل.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في الماء المستعمل في رفع الحدث.
الفصل الثاني: الماء المستعمل في طهارة مستحبة.
الفصل الثالث: الماء المستعمل في طهارة غير مشروعة.
الفصل الرابع: الماء المستعمل في التبرد والنظافة.
الفصل الخامس: الماء المستعمل في غمس يد القائم من النوم.
الفرع الأول: حكم غسل اليد قبل إدخالها الإناء.
الفرع الثاني: في التماس العلة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء.
الفرع الثالث: هل يختص الحكم في القيام من نوم الليل أو يشمل كل نوم.
стр. 11
الفصل السادس: الماء المستعمل في إزالة النجاسة.
الباب السادس: في الطهارة من فضل الوضوء.
الفصل الأول: حكم وضوء الرجال والنساء جميعًا إذا كانوا من المحارم.
الفصل الثاني: في فضل وضوء المرأة.
الفصل الثالث: في الوضوء بفضل الرجل.
الباب السابع: في الشك والاشتباه.
الفصل الأول: في حكم الماء ونحوه إذا كان مشكوكًا فيه.
الفصل الثاني: إذا اشتبه الماء الطهور بالماء النجس.
الفصل الثالث: إذا اشتبه ماء طهور بماء طاهر.
الفصل الرابع: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بمحرمة أو نجسة.
الفصل الخامس: في الإخبار بنجاسة الماء.
المبحث الأول: إذا أخبره رجل أو امرأة بنجاسة الماء.
المبحث الثاني: إذا أخبره صبي عن طهارة أو نجاسة الماء.
المبحث الثالث: إذا أخبره فاسق عن نجاسة الماء.
المبحث الرابع: في السؤال عن الماء.
الباب الثامن: في الماء النجس.
الفصل الأول: في الماء القليل إذا لاقته نجاسة ولم يتغير.
الفصل الثاني: في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة.
المبحث الأول: في الماء الكثير إذا لاقته نجاسة فلم تغيره.
المبحث الثاني: في الماء الكثير إذا غيرته النجاسة.
الفرع الأول: في الكلام على بئر المقبرة.
الفرع الثاني: في الوضوء من بئر ثمود.
الفصل الثالث: في المائع غير المائي تخالطه النجاسة.
стр. 12
الفصل الرابع: في الماء المسخن.
المبحث الأول: الماء المسخن بنجاسة.
المبحث الثاني: الماء المسخن بالشمس.
الباب التاسع: في تطهير الماء المتنجس.
المبحث الأول: نجاسة الماء نجاسة حكمية.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في كيفية تطهير الماء المتنجس.
الباب العاشر: في الآنية.
تمهيد.
الفصل الأول: في الأواني الثمينة من غير الذهب والفضة.
الفصل الثاني: في الأواني من الذهب والفضة.
المبحث الأول: في حكم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة.
المبحث الثاني: في استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.
المبحث الثالث: في الطهارة من آنية الذهب والفضة.
المبحث الرابع: في اتخاذ أواني الذهب والفضة.
الفصل الثالث: في الأواني المضببة بالذهب والفضة.
المبحث الأول: في تضبيب الأواني بالذهب.
الفرع الأول: في تعريف الضبة.
الفرع الثاني: في حكم تضبيب الأواني بالذهب.
المبحث الثاني: خلاف العلماء في التضبيب بالفضة.
الفصل الرابع: في آنية الكفار.
الفصل الخامس: في الأواني المتخذة من جلود الميتة.
المبحث الأول: في الأواني المتخذة من جلود الميتة.
المبحث الثاني: في الآنية المتخذة من عظام الميتة وقرنها وحافرها.
стр. 13
المبحث الثالث: في الآنية المتخذة من شعر الميتة، وصوفها ووبرها.
هذه خريطة البحث في كتاب المياه سائلًا المولى أن يجعل العمل خالصًا لوجهه، وأن يتقبله مني بقبول حسن، وأن ينفع به، وأنه يجعله من العمل الصالح الذي لا ينقطع، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
* * *
стр. 14
تمهيد
المبحث الأول تعريف الطهارة
تعريف الطهارة اصطلاحًا (١):
стр. 15
• تعريف الحنفية:
قال في الجوهرة النيرة: الطهارة: عبارة عن رفع حدث وإزالة نجس، حتى يسمى الدباغ والتيمم طهارة (١).
فشمل التعريف طهارتين: طهارة الحدث بالماء والتراب، كالوضوء والتيمم.
وطهارة الخبث وذلك بإزالة النجاسة بمطهر، كالاستنجاء والدباغ.
• تعريف المالكية:
جاء في مواهب الجليل: تطلق الطهارة في الشرع على معنيين:
أحدهما: الصفة الحكمية القائمة بالأعيان التي توجب لموصوفها استباحة الصلاة به أو فيه أوله، كما يقال: هذا الشيء طاهر.
والمعنى الثاني: إطلاق الطهارة على التطهير، وهو رفع الحدث وإزالة النجاسة، كما في قولهم: الطهارة واجبة.
وفي كلام القرافي: أن المعنى الأول حقيقة، والثاني مجاز (٢).
واعترض ابن عرفة على من عرف الطهارة بالمعنى الثاني فقال: وقول المازري وغيره: الطهارة إزالة النجس، أو رفع مانع الصلاة بالماء أو في معناه، إنما يتناول التطهير، والطهارة غير التطهير لثبوتها فيما لم يتنجس، وفي المطهر بعد الإزالة (٣).
والصحيح أن الطهارة كما تكون صفة للأعيان الطاهرة، تكون نتيجة للتطهير أيضًا. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: ٤٨]. أي طاهر. وقال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال: ١١]. فالماء كما يوصف بأنه طهور في ذاته كذلك يحصل منه الطهارة بالتطهير.
стр. 16
• تعريف الشافعية والحنابلة:
قالوا: الطهارة: هي ارتفاع الحدث، وما في معناه، وزوال الخبث (١).
وقد اشتمل التعريف على ثلاثة أقسام، كل منها يطلق عليه طهارة شرعية.
الأول: رفع الحدث.
الثاني: إزالة النجاسة.
الثالث: ما في معناهما.
فأما رفع الحدث: فلا شك أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة شرعية، سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، فإذا توضأ الإنسان أو اغتسل من الحدث فقد تطهر، قال تعالى، بعد أن ذكر طهارة الوضوء من الحدث الأصغر والأكبر، في طهارة الماء والتيمم (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦].
وفي مسلم من حديث ابن عمر: لا تقبل صلاة بغير طهور (٢).
والذي لم يتطهر يقال له محدث بنص السنة.
(١) فقد جاء في الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ (٣).
الثاني من أقسام الطهارة: إزالة النجاسة.
فإذا أزيلت النجاسة عن المحل فقد حصلت له طهارة شرعية من هذه النجاسة.
стр. 17
(٢) روى مسلم في صحيحه من طريق محمد بن سيرين، وهمام بن منبه كلاهما
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (١).
فالطهارة التي ذكرها رسول الله ﷺ لهذا الإناء ليست من الحدث، ولكنها طهارة من الخبث، وهي النجاسة، ومع ذلك اعتبرها الشارع طهارة شرعية، بل لو قيل: إن الطهارة من النجاسة هي الأصل في إطلاق الطهارة لم يكن القول بعيدًا من حيث اللغة؛ لأن الطاهر عكس النجس، بخلاف طهارة الحدث فإنها ليست عن نجاسة، وقد لا يزال بها وساخة.
وبهذه الأدلة تبين لنا أن رفع الحدث طهارة، وزوال النجاسة طهارة أيضًا. وقد جمع الله طهارة الحدث، وطهارة النجاسة في آية واحدة في سورة البقرة على القول الصحيح. قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: ١٢٢].
فقوله سبحانه: (حَتَّى يَطْهُرْنَ). أي من النجاسة، التي هي انقطاع دم الحيض. وقوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ): أي من الحدث الأكبر بالغسل بعد الطهارة من الحيض.
النوع الثالث: هناك طهارة لا يرتفع بها الحدث، ولا تزال بها النجاسة، وهي مع ذلك طهارة شرعية. سماها الفقهاء: (في معنى ارتفاع الحدث)، وفي معنى إزالة النجاسة.
فالطهارة التي في معنى ارتفاع الحدث كتجديد الوضوء، فهو طهارة شرعية، ومع ذلك لم يرتفع بها الحدث؛ لأن الحدث قد ارتفع، ومثله الأغسال المستحبة شرعًا، ومثله الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، ومثله تغسيل الميت.
والطهارة التي في معنى إزالة النجاسة طهارة المستحاضة، فإنه يحكم لها بالطهارة
стр. 18
وإن كان الحدث مستمرًا، ومثله من به سلس بول، ومن قال: إن هذه استباحة وليست طهارة فالخلاف معه قريب من اللفظي (١)؛ لأننا إذا أبحنا له فعل الصلاة، فقد حكمنا له بالطهارة. وقد قال الرسول ﷺ : لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
وقد سبق تخريجه (٢). فلما أذن له شرعًا بالصلاة علم أنها هذه طهارته.
* * *
стр. 19
المبحث الثاني تعريف النجاسة
تعريف النجاسة اصطلاحا (١):
النجاسة: ضد الطهارة، وهناك تعريفات كثيرة للنجاسة نقتصر على بعضها:
• التعريف الأول:
قيل: النجاسة عين مستقذرة شرعًا (٢).
فقوله: (عين) أي ذات وجرم محسوس، من لون أو طعم أو ريح، وخرج بهذا القيد الوصف؛ فإنه عرض من المعاني.
стр. 20
وقوله: (مستقذرة شرعًا) خرج به المستقذر بالطبع، ولم يأت الشرع بتنجيسه، كالمخاط والبصاق.
• التعريف الثاني:
النجاسة: كل عين حرم تناولها على الإطلاق، مع إمكان التناول لا لحرمتها (١).
قال: وقولنا: (على الإطلاق) احتراز من السموم التي هي نبات؛ فإنها لا يحرم تناولها على الإطلاق، بل يباح القليل منها، وإنما يحرم الكثير الذي فيه ضرر.
قال: وقولنا: (مع إمكان التناول) احتراز من الأشياء الصلبة؛ لأنه لا يمكن تناولها.
وقولنا: (لا لحرمته) احتراز من الآدمي.
وانتقد النووي هذا التعريف، وقال النووي: يدخل في التعريف التراب والحشيش المسكر والمخاط والمني وكلها طاهرة مع أنها محرمة. وفي المني وجه أنه يحل أكله، فينبغي أن يضم إليها لا لحرمتها أو استقذارها أو ضررها في بدن أو عقل والله أعلم (٢).
وزاد بعضهم قيدًا آخر، وهو كونه في حالة الاختيار؛ لأن الضرورة لا تحريم معها (٣).
• التعريف الثالث:
النجاسة: هي كل عين جامدة، يابسة أو رطبة أو مائعة، يمنع منها الشرع بلا ضرورة، لا لأذى فيها طبعًا، ولا لحق الله أو غيره شرعًا (٤).
стр. 21
وهذا التعريف قريب من التعريف الذي قبله، والتعريف الأول أرجح؛ لأنه أسهل وأسلم من غيره، وإن كان قد يعترض عليه بأن كسب الحجام خبيث، ومع ذلك ليس بنجس لكن قد يقال: إن الخبث هنا يعني الرديء، وليس الخبث الذي هو النجاسة، والله أعلم.
* * *
стр. 22
المبحث الثالث الأصل في المياه
[م-١] الأصل في المياه الطهارة، بل الأصل طهارة الأعيان كلها (١).
قال ابن رشد في المقدمات: «الأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير، ماء السماء وماء البحر وماء الأنهار وماء العيون وماء الآبار، عذبة كانت أو مالحة ... » (٢).
• دليل هذه القاعدة:
الدليل الأول:
الإجماع، وقد نقل الإجماع على هذا الأصل ابن تيمية، قال: الفقهاء كلهم اتفقوا على أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن النجاسات محصاة مستقصاة، وما خرج عن الضبط والحصر فهو طاهر، كما يقولونه فيما ينقض الوضوء ويوجب الغسل، وما لا يحل نكاحه وشبه ذلك (٣).
وقال أيضًا: الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر (٤).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ١١٩].
стр. 23
قال ابن تيمية على هذه الآية: التفصيل: التبيين، فبين أنه بين المحرمات، فما لم يبين تحريمه ليس بمحرم، وما ليس بمحرم فهو حلال، إذ ليس إلا حلال أو حرام (١).
قال الشوكاني: «حق استصحاب البراءة الأصلية، وأصالة الطهارة، أن يطالب من زعم بنجاسة عين من الأعيان بالدليل، فإن نهض به كما في نجاسة بول الآدمي وغائطه والروثة فذاك، وإن عجز عنه، أو جاء بما لا تقوم به الحجة، فالواجب علينا الوقوف على ما يقتضيه الأصل والبراءة» (٢).
وعليه فلا يطالب من يدعي طهارة عين أو إباحتها بالدليل؛ لأن دليله الأصل والبراءة، ولكن يطالب من زعم أن عينًا من الأعيان نجسة أو محرمة.
وهذا أصل عظيم من أصول الشريعة، يحتاج إليه الفقيه في كثير من الأعيان المختلف في نجاستها.
* * *
стр. 24
الباب الأول في أقسام المياه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• الماء إما مطلق أو مضاف.
• المطلق ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد، ويقابله المقيد: وهو ما لا يصدق عليه اسم الماء إلا بقيد من إضافة كماء الورد، أو وصف، كماء نجس.
• الأصل المجمع عليه أن الماء طاهر مطهر، فلا ينتقل عن ذلك إلا بناقل صحيح صالح للاحتجاج.
• إذا اختلط شيء طاهر بماء مطلق، فتغير به، فهل يسلبه الطهورية بمطلق التغير؟ أو لا حتى يغلب على أجزائه (١).
• اختصاص الماء بالطهورية، هل هو تعبد لا يعقل معناه، أو لاختصاصه بنوع من الرقة واللطافة والنفوذ؟
стр. 25
[م-٢] اختلف العلماء في أقسام المياه:
فقيل: ثلاثة: طهور، وطاهر، ونجس، وهو قول الجمهور (١).
وقيل: قسمان: طهور، ونجس.
وهو رواية عن الإمام أحمد، نص عليها في أكثر أجوبته (٢)، ومال إليه ابن قدامة، ورجحه ابن تيمية، والشوكاني، وذكره ابن تيمية مذهبًا لأبي حنيفة (٣).
• أدلة القائلين بأن الماء ثلاثة أقسام:
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال:
الماء ورد في الآية مطلقًا لم يقيد بشيء، والماء المطلق هو الماء الباقي على خلقته.
стр. 26
أما الماء المتغير فلا يسمى ماء مطلقًا، إنما يضاف إلى تلك المادة التي تغير بها كأن يقال: ماء ورد، أو زعفران، أو مستعمل، ونحو ذلك.
فالآية دلت على أن الطهارة بالماء المطلق، فإن لم يوجد انتقلنا إلى التيمم (١).
• وأجيب:
بأن كلمة (ماء) في قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) [المائدة: ٦]، نكرة في سياق النفي، فتعم كل ماء إلا ما دل الإجماع على خروجه، وهو الماء النجس.
الدليل الثاني:
(٣) ما رواه أحمد من طريق مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلال ميتته (٢).
[الحديث صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
الصحابة ﵃ يعلمون أن ماء البحر ليس بنجس، فإذًا هو طاهر
стр. 38
عندهم بلا شك، ولكن هذا الصحابي لا يعلم هل هو طهور أم لا؟ لذلك سأل النبي الله ﷺ عن ذلك، فدل ذلك على أنه قد استقر في ذهن الصحابة أن هناك ماء طاهرًا وليس بطهور (١).
• ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الإشكال الذي يكون عند رجل من الصحابة يؤخذ منه هذا العموم؛ إذ كيف يؤخذ من فرد واحد من الصحابه سأل عن طهورية ماء البحر بأنه قد استقر في ذهن الصحابة كل الصحابة: أن هناك ماء ليس بطهور وليس بنجس، وهو الطاهر، ولو قيل: إنه قد استقر في ذهن هذا الصحابي فقط لكان فيه نزاع فكيف بهذا التعميم، والصحابة منهم الفقهاء، ومنهم من لم يُعْرَف بالفقه، وشرف الصحبة شيء والفقه شيء آخر.
الوجه الثاني:
يحتمل أن يكون الصحابي سأل عن التطهر بماء البحر، لأن بعض الصحابة كان يكره التطهر منه كابن عمر، وكعبد الله بن عمرو، فلذلك سأل عن هذا، ولم تكن علة الكراهة عندهما أنه طاهر كما سيأتي (٢).
الوجه الثالث:
أنتم جعلتم الشك الذي قام عند الصحابي دليلًا على وجود الطاهر، ونحن نرى أن حكم النبي ﷺ على البحر بأنه طهور دليل على أنه لا يضر تغير الماء بشيء طاهر؛ فإن ماء البحر متغير بالملح ومع ذلك هو طهور، والاستدلال بحكم النبي ﷺ أولى من الاستدلال بشك فرد واحد من الصحابة إن سُلِّم لكم بأنه قد شك.
стр. 39
الدليل الثالث:
استدل أيضًا من يقسم الماء إلى ثلاثة بأحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وبالنهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها إذا استيقظ من نوم الليل.
وأترك ذكر متون هذه الأحاديث؛ لأنها سوف تأتي مسألة مسألة.
وجه الاستدلال:
أن هذه المياه مع كونها ليست نجسة فقد ورد النهي عن الاغتسال فيها ومنها كالاغتسال في الماء الراكد، فكونه يوجد ماء ليس بنجس ولا يمكن التطهر منه، هذا هو الماء الطاهر؛ لأن الماء الطاهر ليس بنجس، ولا يمكن التطهر منه (١).
وسوف تأتي إن شاء الله تعالى مناقشة الاغتسال في الماء الراكد، وغمس يد القائم من نوم الليل في مسائل مستقلة، ونتعرض لمناقشة وجه الاستدلال بها على ما ذهب إليه جمهور العلماء من تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام.
الدليل الرابع: من النظر .
قالوا: الماء إما أن يجوز الوضوء به أو لا. فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو: إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس (٢).
• ويجاب:
رغم أن هذه القسمة إذا لم تتلق من الشرع حتى تكن دليلًا، إلا أنه يقال في الجواب عنها:
بأن كل ما جاز شربه إن كان يسمى ماء فهو طهور وليس بطاهر، وإن كان لا يسمى ماء لغلبة الطاهر عليه كالشاي والنبيذ لم يصح التطهر به، والخلاف إنما هو
стр. 40
على وجود ما يسمى ماء بلا إضافة ولا قيد، ولا يصح التطهر به، وهذا لا يوجد عند التحقيق.
• أدلة القائلين بأن الماء قسمان:
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقى ما عداه على أنه طهور (١).
قال ابن المنذر: قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (٢).
الدليل الثاني:
(٤) ما رواه أحمد، من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله ابن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-
عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: «الماء طهور، لا ينجسه شيء» (٣).
[حديث صحيح بشواهده] (٤).