وجه الاستدلال:
الصحابة ﵃ يعلمون أن ماء البحر ليس بنجس، فإذًا هو طاهر
стр. 38
عندهم بلا شك، ولكن هذا الصحابي لا يعلم هل هو طهور أم لا؟ لذلك سأل النبي الله ﷺ عن ذلك، فدل ذلك على أنه قد استقر في ذهن الصحابة أن هناك ماء طاهرًا وليس بطهور (١).
• ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الإشكال الذي يكون عند رجل من الصحابة يؤخذ منه هذا العموم؛ إذ كيف يؤخذ من فرد واحد من الصحابه سأل عن طهورية ماء البحر بأنه قد استقر في ذهن الصحابة كل الصحابة: أن هناك ماء ليس بطهور وليس بنجس، وهو الطاهر، ولو قيل: إنه قد استقر في ذهن هذا الصحابي فقط لكان فيه نزاع فكيف بهذا التعميم، والصحابة منهم الفقهاء، ومنهم من لم يُعْرَف بالفقه، وشرف الصحبة شيء والفقه شيء آخر.
الوجه الثاني:
يحتمل أن يكون الصحابي سأل عن التطهر بماء البحر، لأن بعض الصحابة كان يكره التطهر منه كابن عمر، وكعبد الله بن عمرو، فلذلك سأل عن هذا، ولم تكن علة الكراهة عندهما أنه طاهر كما سيأتي (٢).
الوجه الثالث:
أنتم جعلتم الشك الذي قام عند الصحابي دليلًا على وجود الطاهر، ونحن نرى أن حكم النبي ﷺ على البحر بأنه طهور دليل على أنه لا يضر تغير الماء بشيء طاهر؛ فإن ماء البحر متغير بالملح ومع ذلك هو طهور، والاستدلال بحكم النبي ﷺ أولى من الاستدلال بشك فرد واحد من الصحابة إن سُلِّم لكم بأنه قد شك.
стр. 39
الدليل الثالث:
استدل أيضًا من يقسم الماء إلى ثلاثة بأحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وبالنهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها إذا استيقظ من نوم الليل.
وأترك ذكر متون هذه الأحاديث؛ لأنها سوف تأتي مسألة مسألة.
وجه الاستدلال:
أن هذه المياه مع كونها ليست نجسة فقد ورد النهي عن الاغتسال فيها ومنها كالاغتسال في الماء الراكد، فكونه يوجد ماء ليس بنجس ولا يمكن التطهر منه، هذا هو الماء الطاهر؛ لأن الماء الطاهر ليس بنجس، ولا يمكن التطهر منه (١).
وسوف تأتي إن شاء الله تعالى مناقشة الاغتسال في الماء الراكد، وغمس يد القائم من نوم الليل في مسائل مستقلة، ونتعرض لمناقشة وجه الاستدلال بها على ما ذهب إليه جمهور العلماء من تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام.
الدليل الرابع: من النظر .
قالوا: الماء إما أن يجوز الوضوء به أو لا. فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يجز فلا يخلو: إما أن يجوز شربه أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس (٢).
• ويجاب:
رغم أن هذه القسمة إذا لم تتلق من الشرع حتى تكن دليلًا، إلا أنه يقال في الجواب عنها:
بأن كل ما جاز شربه إن كان يسمى ماء فهو طهور وليس بطاهر، وإن كان لا يسمى ماء لغلبة الطاهر عليه كالشاي والنبيذ لم يصح التطهر به، والخلاف إنما هو
стр. 40
على وجود ما يسمى ماء بلا إضافة ولا قيد، ولا يصح التطهر به، وهذا لا يوجد عند التحقيق.
• أدلة القائلين بأن الماء قسمان:
الدليل الأول:
من القرآن قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦].
وجه الاستدلال: أن كلمة (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم كل ماء سواء كان مطلقًا أو مقيدًا، مستعملًا أو غير مستعمل، خرج الماء النجس بالإجماع وبقى ما عداه على أنه طهور (١).
قال ابن المنذر: قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]. فالطهارة على ظاهر كتاب الله بكل ماء إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع الطهارة منه هو الماء الذي غلبت عليه النجاسة بلون أوطعم أو ريح (٢).
الدليل الثاني:
(٤) ما رواه أحمد، من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله ابن عبد الله -وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج-
عن أبي سعيد الخدري، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن، ولحوم الكلاب؟ قال: «الماء طهور، لا ينجسه شيء» (٣).
[حديث صحيح بشواهده] (٤).
وجه الاستدلال من الحديث:
أن حديث أبي سعيد أثبت قسمًا من الماء وهو الماء الطهور، وثبت الماء النجس بالإجماع فهذان قسمان من الماء أحدهما ثبت بحديث أبي سعيد، والآخر ثبت بالإجماع، وبقى الماء الطاهر لا دليل على ثبوته فيكون الماء قسمين: طهورًا ونجسًا ولا ثالث لهما.
أو يقال: الحديث أثبت طهورية الماء، وأنه لا ينجسه شيء، فالماء إذًا باق على طهوريته لا يخرج منها إلا بإجماع، وهذا لا يكون إلا بتغيره بالنجاسة.
الدليل الثالث:
(٥) ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير،
стр. 53
عن ابن عباس ﵄، قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال فأوقصته- قال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا (١).
الدليل الرابع:
(٦) ما رواه البخاري من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية الأنصارية ﵂، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه تعني إزاره (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين.
قالوا: الماء إذا أضيف إليه السدر لا بد أن يتغير، وإذا كان هذا المتغير بشيء طاهر يطهر الميت فطهارة الحي كطهارة الميت، فما طهر الميت طهر الحي (٣).
الدليل الخامس:
(٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير، قالا: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
عن أم هانئ قالت: اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين (٤).
[صحيح إلا أن ذكر العجين في القصعة قد اختلف في ذكره، وقد رواه البخاري
وجه الاستدلال:
أن هذا الماء لا بد أن يتغير من العجين لا سيما في آخر الأمر إذا قل الماء وانحل العجين، ولم يمنع هذا من اغتسال النبي ﷺ وزوجه، فدل هذا على أن الماء إذا تغير بشيء طاهر يبقى طهورًا، ولا يتحول إلى طاهر غير مطهر (١).
• ونوقش هذا من وجهين:
الأول: بأن الحديث في الصحيحين، وليس فيه ذكر للعجين.
الوجه الثاني: أن الحديث على فرض أن يكون محفوظًا، فلا حجة فيه؛ لأن لفظه: (في قصعة فيها أثر العجين) وأثر الشيء غير الشيء نفسه، فإن الأثر مقدار يسير جدًّا، لا يتصور أن يتغير معه الماء.
الدليل السادس:
(٨) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو، قال: أخبرني كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ فلما كان في بعض الليل قام رسول الله ﷺ فتوضأ من شن معلق ... الحديث قطعة من حديث طويل (٢).
стр. 62
وجاء في الصحيحين (١)، من حديث عمران بن حصين الطويل في قصة انتفاع النبي ﷺ وأصحابه من ماء مزادة امرأة مشركة، واغتسال من أصابته جنابة منها.
وجه الاستدلال:
أن هذه الأسقية لا بد أن تؤثر في الماء في طعمه ولونه ورائحته، ولم يمنع هذا من التطهر منه، ولم يتحول الماء إلى كونه طاهرًا في نفسه غير مطهر لغيره، فدل على أن الماء قسمان لا ثالث لهما: طهور ونجس (٢).
الدليل السابع:
من النظر، قالوا: إثبات قسم من الماء لا طهور ولا نجس. الحاجة إلى بيانه أشد من الحاجة إلى بيان كثير من الآداب والأحكام؛ لأن المسلم إما أن يتوضأ، وإما أن يتيمم.
والمسألة تتعلق بالصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام العملية فلو كان هذا القسم موجودا لبينه الرسول ﷺ .
وهذا القول -أعني: تقسيم الماء إلى قسمين- هو الراجح.
وهناك قولان آخران تركتهما في أخر البحث؛ لأنهما ضعيفان لا يخرجان عن القولين الأولين.
القول الأول: الماء المشكوك فيه (٣)، وهذا القول في الحقيقة لا يخرج عن القولين السابقين؛ لأن الشك إنما هو من قبل الإنسان نفسه، وأما الشارع فلا يمكن أن يقوم عنده شك في حقيقة الماء.
نعم قد يحصل عند بعض المكلفين تردد في الماء هل هو طهور أم نجس؟ لكن
стр. 63
يبقى الماء في حقيقة الأمر إما هذا، وإما هذا، ومع القول بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير تصبح صورة هذا النوع قليلة أو نادرة؛ لأن التغير أمر مشاهد محسوس اللهم إلا أن يقال: قد يقع في بعض الصور كما لو كان التغير بسبب ولوغ الكلب، أو كان الإنسان فاقدًا للشم أو أعمى، فهذا ممكن أن لا يشعر بالتغير، والله أعلم.
القول الثاني: زاد قوم آخرون الماء المغصوب.
قالوا: وحكم هذا الماء لا يمكن أن يرفع به الحدث لكن تزال به النجاسة (١).
لماذا لا يرفع الحدث وهو ماء طهور؟ قالوا: لأنه ماء استعماله محرم، فلو قلنا: إنه يرفع الحدث لرتبنا على المحرم أثره، إذ كيف يكون محرمًا ويتقرب به الإنسان.
ولماذا إذًا قلتم بأنه يزيل النجاسة؟
قالوا: لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها فالحكم بنجاسة المحل مع زوال النجاسة غير ممكن، ولا يشترط لإزالة النجاسة نية القربة بخلاف رفع الحدث، والصحيح أن هذا القسم لا يخرج عن القولين الأولين؛ لأن الغصب صفة خارجه عن الماء راجعة إلى الغاصب، أما الماء في حقيقته فطهور.
* * *
стр. 64
الباب الثاني الوضوء بالماء المحرم كالمغصوب ونحوه
مدخل في ذكر الضوابط الفقهية:
• هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًّا؟
• هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟
• النهي عن الشيء لمعنى في غيره هل يقتضي فساده؟
• تحريم الغصب خطاب تكليفي، هل يكون له أثر على صحة الطهارة، وهي خطاب وضعي؟ (١).
стр. 65
[م-٣] إذا تعدى الإنسان على مال غيره، وكان غيره بحاجة إليه، كالماء مثلًا فإنه يأثم بذلك، فإذا تطهر به فهل يصح تطهره مع تحريمه؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: يرفع الحدث ويزيل الخبث، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (١).
وقيل: لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، به قال ابن حزم (٢).
وقيل: لا يرفع الحدث، ويزيل الخبث، اختاره بعض الحنابلة (٣).
• دليل من قال لا يرتفع به الحدث:
الدليل الأول:
القياس على الصلاة في الثوب المسبل، فإذا كانت الصلاة في ثوب مسبل حرامًا لا تصح، فكذلك المسح على شيء محرم لا يصح.
(٩) فقد روى أحمد من طريق هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء ابن يسار،
стр. 66
عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: بينما رجل يصلي، وهو مسبل إزاره، إذ قال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله ﷺ : اذهب، فتوضأ. قال: فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: ما لك يا رسول الله، ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت، قال: إنه كان يصلي، وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره (١).
[إسناده ضعيف، ومتنه منكر] (٢).
стр. 67
وجه النكارة فيه؛ إذا كانت الصلاة لا تقبل من أجل الإسبال، فلماذا يطلب منه إعادة الوضوء، وهو لم يحدث، ما بال الوضوء؟!
ولماذا لم يبلغه بأن يرفع إزاره، فقد يكون الرجل جاهلًا، والبلاغ تعليمه ما أخطأ فيه، لا أن يحيله على أمر قد أحسنه، فلا وجه لإعادته للوضوء حتى تجديد الوضوء قد يقال: لا يشرع في هذه الصورة؛ لأنه ما إن فرغ من وضوئه حتى طلب منه أن يعيده، لا لنقص في الوضوء، ولكن لسبب آخر يعود إلى الإسبال في الصلاة، وتجديد الوضوء ليس بلازم!.
الدليل الثاني:
الماء المغصوب كسبه محرم بالاتفاق.
(١٠) فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن محمد، عن ابن أبي بكرة،
عن أبي بكرة ذكر النبي ﷺ قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: وأحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (١).
فإذا كان كسبه محرمًا وصححنا الوضوء به نكون بذلك قد رتبنا على الفعل المحرم أثرًا صحيحًا، وهذا فيه مضادة لله ولرسوله ﷺ .
(١١) وقد روى مسلم، من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، قال:
أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢).
стр. 68
ومعنى رد: أي مردود عليه، والوضوء بالماء المغصوب خلاف أمر الله ورسوله ﷺ .
قال ابن حزم ﵀: «من توضأ بماء مغصوب، أو أخذ بغير حق، أو اغتسل به، أو من إناء كذلك، فلا خلاف بين أحد من أهل الإسلام أن استعماله ذلك الماء وذلك الإناء في غسله ووضوئه حرام، وبضرورة يدري كل ذي حس سليم أن الحرام المنهي عنه هو غير الواجب المفترض عمله، فإذ لا شك في هذا فلم يتوضأ الوضوء الذي أمره الله تعالى به، والذي لا تجزئ الصلاة إلا به، بل هو وضوء محرم، هو فيه عاص لله تعالى، وكذلك الغسل، والصلاة بغير الوضوء الذي أمر الله تعالى به وبغير الغسل الذي أمر الله تعالى به لا تجزئ، وهذا أمر لا إشكال فيه. ونسأل المخالفين لنا عمن عليه كفارة إطعام مساكين، فأطعمهم مال غيره، أو من عليه صيام أيام، فصام أيام الفطر والنحر والتشريق، ومن عليه عتق رقبة فأعتق أمة غيره، أيجزيه ذلك مما افترض الله تعالى عليه؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فمن أين منعتم هذا وأجزتم الوضوء والغسل بماء مغصوب وإناء مغصوب؟ وكل هؤلاء مفترض عليه عمل موصوف في مال نفسه، محرم عليه ذلك من مال غيره بإقراركم سواء بسواء. وهذا لا سبيل لهم إلى الانفكاك منه، وليس هذا قياسًا، بل هو حكم واحد داخل تحت تحريم الأموال، وتحت العمل بخلاف أمر الله تعالى وقد قال رسول الله ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، وكل هؤلاء عمل عملًا ليس عليه أمر الله تعالى وأمر رسول الله ﷺ فهو مردود بحكم النبي ﷺ (١).
• ويجاب عن كلام ابن حزم:
أن التحريم والصحة غير متلازمين، فتلقي الجلب منهي عنه، وإذا تُلُقِيَ كان البيع صحيحًا، وللبائع الخيار إذا أتى السوق، فثبوت الخيار فرع عن صحة البيع؛
стр. 69
ولأن النهي ليس بسبب الطهارة، وإنما عائد إلى أمر خارج، وهو الغصب.
وأما القياس على صيام أيام الفطر فلا يصح، ذلك أن النهي عائد في الصيام إلى ذات العبادة، فلا يصح صومه فيها، بخلاف الطهارة بالماء المغصوب، فالنهي ليس عائدًا إلى الطهارة، وإنما هو إلى أمر خارج، وهو الغصب.
وأما القياس على ما إذا وجب عليه طعام فأطعم المساكين طعام غيره، فإن كان الطعام قد تصرف فيه المساكين فيصح إطعامه لهم، ويستقر عليه الضمان، ولا فائدة من القول بأنه لا يصح إطعامه إياهم مع القول بجوب ضمانه؛ لأنه بضمانه ما دفع قد ملك هذا الطعام، فصح إخراجه إياه، وأما الإعتاق فلا يملكه، ولا يكون العبد حرًا، فعتقه إياه كعدمه؛ لأنه لم يصادف ملكًا، فالعبد باق على ملك صاحبه، وتبقى ذمته مطالبة بالإعتاق، والله أعلم.
الدليل الثالث:
قالوا إن المعدوم شرعا كالمعدوم حسًّا فتكون صورة التطهير معدومة حسًّا مع العمد، وذلك مبطل للصلاة والطهارة.
• وأجيب:
بأن هذا النظر إنما يتم لو سلم أن الله تعالى أمر بالطهارة، واشترط في ذلك أن تكون الأداة مباحة، ونحن لا نسلم ذلك بل نقول: إن الله تعالى أوجب الطهارة والصلاة مطلقًا، وحرم الغصب، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطًا، ألا ترى أنه لو كان أحد يصلي ورأى معصومًا يغرق كان مطالبًا بالخروج من الصلاة وإنقاذه، فلو مضى في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم، فكذلك في هذه المسألة (١).
الدليل الرابع:
وقال بعضهم: إن تجويز الوضوء بالماء المغصوب يؤدي إلى إتلافه، وما يؤدي
стр. 70
إلى إتلاف مال الغير ينبغي أن يحكم ببطلانه، بخلاف الصلاة في المكان المغصوب، والثوب المغصوب، فإنه لا يؤدي إلى إتلاف المغصوب.
• وأجيب:
بأن الحكم ببطلان الطهارة لن يرفع تلف الماء، ولا يجمع له بين الضمان وبطلان الطهارة، فيطالب بضمان ما أتلف، وتصح طهارته به.
• أدلة القائلين بصحة الوضوء .
الدليل الأول:
عدم الدليل المقتضي لفساد الطهارة، فكل من تطهر طهارة شرعية فإن طهارته صحيحة، ولا يحكم ببطلانها إلا بدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل هنا.
الدليل الثاني:
أن المنع من الوضوء بالماء المغصوب لا يختص بالطهارة، فالغاصب مأذون له في الوضوء بالجملة، والمنع عارض أدركه من جهة الغصب، لا من جهة الطهارة، فأشبه ما لو غصب سكينًا ليذبح بها، وكلبًا ليصيد به، فيأثم، للغصب، ويصح الذبح والصيد.
• دليل من فرق بين الحدث والخبث .
الحنابلة قالوا: إن الماء المغصوب لا يرفع الحدث، ولكنه يزيل الخبث.
لا يرفع الحدث، وهو ماء طهور؛ لأن النهي يقتضي الفساد، فلو قلنا: يرفع الحدث لرتبنا على المحرم أثره، وهذا لا يصح.
ولأن رفع الحدث عبادة غير معقولة المعنى، يقصد بها تعظيم الله، وتشترط لها النية، والماء المغصوب لا يمكن تعظيم الله والتقرب به إليه؛ لأنه معصية، وكل الأدلة التي سقتها في القول الأول يستدلون بها على المنع من رفع الحدث.
стр. 71
ولماذا يزيل النجاسة؟ لأن النجاسة إذا ذهبت بالماء المحرم فقد زال حكمها؛ لأن إزالة النجاسة معقولة المعنى، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا زالت النجاسة زال حكمها.
• الراجح:
القول بأن الماء المغصوب يرفع الحدث ويزيل الخبث مع التحريم، فجهة المنع من قبل الغصب، لا من قبل الطهارة، ولا يكون النهي مقتضيًا لفساد المنهي عنه إلا إذا عاد النهي إلى ذات العبادة، كما هو مقرر في أصول الفقه، والله أعلم.
* * *
стр. 72
الباب الثالث في رفع الحدث وإزالة الخبث من ماء زمزم
• سبب الخلاف لدى الفقهاء:
يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى أن من منع الطهارة به اعتبر ذلك إما مخالفًا لشرط الواقف، وإما لكونه ماء مباركًا.
ومن أجازه اعتبر أن بركته لا تنافي التطهر به، كالطهارة من الماء النابع من أصابعه الشريفة ﷺ ، ووضوء الجيش من مزادة المرأة ببركته ﷺ ، وأن التيمم لا يجوز مع وجود مثل هذا الماء.
[م-٤] اختلف العلماء في استعمال ماء زمزم في رفع الحدث وإزالة الخبث، فقيل: يكره استعماله في إزالة الخبث خاصة دون رفع الحدث، وهو مذهب الحنفية، وقال به ابن شعبان من المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واعتبر الشافعية إزالة الخبث بماء زمزم خلاف الأولى (١).
وقيل: لا يكره فيهما، وهو مذهب المالكية (٢).
стр. 73
وقيل: يكره فيهما، وهو قول في مذهب الحنابلة (١)، اختاره ابن تيمية (٢).
وقيل: يحرم فيهما، حكاه بعض الفقهاء (٣)، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٤).
وقيل: يحرم إزالة النجاسة فقط، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يستحب الوضوء من زمزم، اختاره ابن الزاغوني من الحنابلة (٦).
وقيل: يكره الغسل، دون الوضوء، وهو رواية عن أحمد (٧).
• دليل من منع الطهارة من ماء زمزم مطلقًا:
بعضهم يُرجع المنع إلى كونه ماءً مباركًا، فيكون النهي من باب التعظيم، فقد قال الرسول ﷺ عن زمزم، كما في صحيح مسلم: إنها مباركة، إنها طعام طعم (٨).
• دليل من فرق بين الغسل وبين الوضوء:
أما من فرق بين الوضوء والغسل فيرجع المنع إلى مخالفة شرط الواقف.
(١٢) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر، قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه،
أنه سمع ابن عباس يقول وهو قائم عند زمزم، إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي
стр. 74
لشارب - أحسبه قال - ومتوضئ حل وبل.
[صحيح] (١).
• دليل من فرق بين رفع الحدث وإزالة الخبث:
وجه هذا القول: أن الحدث ليس فيه إهانة لماء زمزم، لأنه ماء طهور، لاقى بدنًا طاهرًا، بخلاف الخبث، فإن فيه إهانة، وهو ماء مبارك ليس كسائر المياه.
• دليل من جوز رفع الحدث والخبث:
الدليل الأول:
الأصل الحل، ولا يوجد دليل يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث.
الدليل الثاني:
قال الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [المائدة: ٦]، وماء زمزم ماء طهور، فلا يجوز التيمم ولا الصلاة بالنجاسة مع وجوده.
стр. 75
الدليل الثالث:
توضأ الصحابة من الماء الذي نبع من أصابع رسول الله ﷺ ، مع كونه ماءً مباركًا.
الدليل الرابع:
جنس المال في نفسه مطعوم، وهو من المال، ومع ذلك يزال به الخبث، والله أنزل الماء ليطهرنا ولم يفرق بين ماء وآخر، فلا يوجد ما يمنع من رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم، ومن منع فعليه الدليل.
الدليل الخامس:
أن الطهور شطر الإيمان، واستعمال ماء زمزم في هذه القربة؛ لا ينافي التكريم، ومثله الماء إذا قرئ فيه آيات من القرآن الكريم، فاغتسل به المسلم للعلاج لم يكن ذلك إهانة للماء.
الدليل السادس:
أن الناس كانوا يفعلون ذلك من لدن النبي ﷺ إلى وقتنا هذا من غير نكير. جاء في مواهب الجليل: «ولم يزل المسلمون على الوضوء به بلا إنكار» (١).
الدليل السابع:
على التسليم بصحة النهي عن التطهر بماء زمزم، فإن النهي خطاب تكليفي يتعلق بالإثم، وأما صحة الطهارة فهو خطاب وضعي، فتصح الطهارة، قال الماوردي في الحاوي: «لو استنجى به مع حرمته أجزأه إجماعًا» (٢).
وجاء في مواهب الجليل: «لا أعلم في جواز الغسل به لمن كان طاهر الأعضاء خلافا» (٣).