Полный текст (663 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كاسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه
ابن مليك
مدحتكم طمعاً فيما أؤمله ... فلم أنل غير حظ الإثم والتعب
إن لم يكن صلة منكم لذي أدب ... فاجرة الخط أو كفارة الكذب
الأبيوردي
ومدايح مثل الرياض أضعتها ... في باخل أعيت به الأحساب
فإذا تناشدها الرواة وأبصروا ... الممدوح قالوا شاعر كذاب
ابن أبي حجلة
قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه فابتهج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
السيد الرضي قده
وراءك عن شاك قليل العوايد ... تقلبه بالرمل أيدي الأباعد
يراعي نجوم الليل والهم كلما ... مضى صادر عني بآخر وارد
توزع بين الدمع والنجم طرفه ... بمطروفة إنسانها غير راقد
وما طب فيها الغمض إلا لأنه ... طريق إلى طيف الخيال المعاود
هي الدراما شوقي القديم بناقص ... إليها ولا دمعي عليها بجامد
أما فارق الأحباب بعدي مفارق ... ولاشيع الأظعان مثلي بواجد
تأوبني داء من الهم لم يزل ... بقلبي حتى عادني منه عائدي
تذكرت يوم السبط من آل هاشم ... وما يومنا من آل حرب بواحد بنى لهم الماضون أساً لفعلهم ... فعلوا على بنيان تلك القواعد
رموناكما ترمى الظماء عن الروى ... يذودوننا عن إرث جد ووالد
لان رقد النظار عما أصابنا ... فما الله عما نيل منا براقد
стр. 107
طبعنا لهم سيفاً فكنا بحده ... ضرايب عن أيمانهم والسواعد
ألا ليس فعل الأولين وإن علا ... على قبح فعل الآخرين بزايد
يريدون أن نرضى وقد منعوا الرضا ... ليرضى بني أعمامنا غير قاصد
كذبتك إن نازعتني الحق ظالماً ... إذا قلت يوماً إنني غير واجد
لبعضهم وأجاد
إذا سمح الزمان بمي ضنت ... وإن سمحت يضن بها الزمان
غيره
والذي بالبين والبعد ابتلاني ... ما جرى ذكر الحمى إلا شجاني
حبذا أهل الحمى من جيرة ... شفني الشوق إليهم وبراني
كلما رمت سلواً عنهم ... جذب الشوق إليهم بعناني
أحسد الطير إذا طارت إلى ... أرضهم أو أقلعت للطيران
أتمنى إن تكن صحبتها ... نحوهم لو أنني أعطي الأماني
ذهب العمر ولم أحظ بهم ... وتقضي في تمنيهم زماني
لا تزيدوني غراماً بعدكم ... حل بي من بعدكم ما قد كفاني
يا خليلي اذكرا العهد الذي كنتما ... سبل النوى عاهدتماني
واذكراني مثل ذكري لكما ... فمن الإنصاف أن لا تنسياني
واسئلا من أنا أهواه على ... أي جرم صد عني وجفاني
لبعضهم
لم أقل للشباب في دعة الله ... ولا حفظه غداة استقلا
زاير زارنا أقام قليلاً ... سود الصحف بالذنوب وولى
لبعضهم
قبلتها وظلام الليل منسدل ... ولمتي كبياض القطن في الظلم
فدمدمت ثم قالت وهي باكية ... من قبل موتي يكون القطن حشو فمي
ابن الوليد
стр. 108
يا عنق الإبريق من فضة ... ويا قوام الغصن الرطب
هبك تجاسرت وأقصيتني ... تقدر أن تخرج من قلبي
لبعضهم
قالت أرى مسكة الليل إليهم غدت ... كافورة غيرتها صبغة الزمن
فقلت طيب بطيب والتبدل من ... روايح الطيب أمر غير ممتهن
قالت صدقت ولكن ليس ذاك كذا ... المسك للعرس والكافور للكفن
قمين الدولة
لما رأيت البياض لاح وقد ... دنا رحيلي ناديت واحزني
هذا وحق الإله أحسبه ... أول خيط سدى من الكفن
البهاء زهير
صديق لي سأذكره بخير ... وإن حققت باطنه الخبيثا
وحاشا السامعين يقال عنه ... وبالله اكتموا ذاك الحديثا
الصابي
ولقد زارني على ظماء ... النفس إليه فقلت أهلاً وسهلا
وسقاني من الحديث بكأس ... هي أشهى من المدام وأحلى
لست أدري أحله في سواد ... العين ضنا به وشحاً وبخلا
أم سواد الفؤاد مني وما ... أرضاه من خفية عليه محلا
بده ساقياً باده أرغواني ... فقد هد عطفي غناء الغواني
المعتز بالله
بلوت أخلاء هذا الزمان ... فأقللت بالحجر منهم نصيبي
وكلهم إن تصفحتهم ... صديق العيان عدو المغيب
أبو نواس يعتذر من أمر وقع منه حال سكره:
كان مني على المدامة ذنب ... فاعف عني فأنت للعفو أهل
لا تؤاخذ بما يقول على السكر ... فتى ما له على الصحو عقل
стр. 109
آخر
شربنا على الدأب القديم قديمة ... هي العلة الأولى التي لا تعلل
فلو لم يكن في حيز قلت أنها ... هي العلة الأولى التي لا تعلل
عبد القادر الجيلاني يقول حبيبي وق زارني ... فبت لطلعته أشهد
إذا كنت تسهر ليل الوصال ... فليل السرور متى ترقد
الحاجري
أتاني الغلام وما قصرا ... يدير المدامة مستبشرا
ويا حبذا الراح من شادن ... سكرت به قبل أن أسكرا
غزال غزا طرفه في القلوب ... فلله كم عاشق أسهرا
نديمي حثا كبار الكؤوس ... فإن المؤذن قد كبرا
معتقة من بنات القسوس ... تجل عن الوصف أن تسطرا
لحاني العذول على شربها ... فأضحى ولوعي بها أكثرا
فقال: أتشربها منكراً ... فقلت: نعم أشرب المنكرا
إليك عذولي فإني فتى ... أرى في المدامة ما لا ترى
سأجعل روحي وروح النديم ... فداها وأرواح كل الورى
موفق الدين علي بن الجزاز ملغزاً في ٣ ٦ ٧
ما اسم شيء موليك نفعاً إذا ... أنت أوليته فعا لا عسوفا
هو فرد الحروف إن جاء طرداً ... وهو زوج إذا عكست الحروفا
وله في ٤٠ ٩٠ ٩ ٢٠ ١٠
وذي هيف كالغصن قداً إذا بدا ... يفوق القنا حسناً بغير سنان
وأعجب ما فيه يرى الناس أكله ... مباحاً قبيل العصر في رمضان
وله في ٦٠ ٢٠ ١٠ ٥٠ و ٤٠ ١٠٠ ٩٠
ذكر وأنثى ليس ذا من جنس ذا ... متجاوران بقعر حبس مقفل
فتراهما لا يبرزان لحاجة ... إلا لقطع رؤوس أهل المنزل
стр. 110
وله في ٢٣٢
وما سيء يعد من اللئام ... له وصف الأماثل والكرام
وجملته تجر وكل حرف ... يجر إذا نظرت بلا زمام
وله في ١٠٠ ٣٠ ٤٠
وما غلام راكع ساجد ... أخو نحول دمعه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها ... معتكف في خدمة الباري
وله في ٦٠٠ ٣٠ ٦٠٠ ١ ٣٠
ومضروب بلا ذنب ... مليح القد ممشوق
حكى شكل الهلال على ... رشيق القد معشوق
وأكثر ما يرى أبداً ... على الأمشاط في السوق
قال بعضهم: رحم الله من أطلق ما بين كفيه وحبس ما بين فكيه
وفي هذا المضمون قال البستي
تكلم وسدد ما استطعت وإنما ... كلامك حي والسكوت جماد
فإن لم تجد قولاً سديداً تقوله ... فصمتك عن غير السديد سداد
أبو السعادات الحسيني النحوي يرثي
كل حي إلى الفناء يؤول ... فتزود إن المقام قليل
نحن في دار غربة كل يوم ... يتقضي جيل ويحدث جيل
وكأنا في ذاك ركبان ركب ... مزمع رحلة وركب قفول
والليالي في صرفها تتلقانا ... بنصح لو أنه مقبول
كيف أنجو من المنية والشيب ... بفودي صارم مسلول
أين رب الأيوان كسرى أنوشيروان ... ملك الملوك غالته غول
أين من طبقت صواهله الأرض ... وكادت له الجبال تزول
قشعتهم ريب المنون عن الأر ... ض كما تقشع الغثاء السيول
ولقد قطع القلوب وقد ... أذرى مصون الدموع رزء جليل
بانياً فهو في العيون سهاد ... دائم وهو للقلوب عليل
من يكن صبره جميلاً فما صبر ... ي عليه يا صاحبي جميل
ليته باقياً وحزني عليه ... إن حزني من بعده لطويل
стр. 111
وعجيب أني أعزي محبيه ... وحظي من المصاب جزيل
يا لنفس نفيسة ألفت ... جنة عدن يزفها جبرئيل
فارقت ماء دجلة أول الليل ... وأضحت شرابها سلسبيل
أبو أيوب سليمان بن المنصور:
بقيت غداة النوى حائراً ... وقد حان ممن أحب الرحيل
فكم تبق لي دمعة في الجفون ... إلا غدت فوق خدي تسيل
فقال نصيح من القوم لي ... وقد كاد يقضي علي العويل ترفق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل
عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس:
وردنا دماء من أمية غدبة ... وكلنا لهم في القتل بالصاع أصوعا
وما في كثير منهم بقليلنا ... وفاء ولكن كيف بالثار أجمعا
إذا أنت لم تقدر على الشيء كله ... وأعطيت بعضاً فليكن لك مقنعا
رعينا نفوساً منهم بسيوفنا ... وصاح بهم داعي الفناء فأسمعا
قضينا لهم ديناً وزدنا عليهم ... كما زاد بعد الفرض من قد تطوعا
وكان لهم من باطل الملك عارض ... فما علته ترائت خ شمس حق تقشعا
فليت على الخير شاهد أسهماً ... أصابتهم لم يبق في قوس منزعا
صالح بن إسماعيل العباسي:
غابوا فغاب الصبر من بعدهم ... يطويه عني بعدهم طيا
بأي وجه أتلقاهم ... . إذا رأوني بعدهم حيا
واخجلتى منهم ومن قولهم ... ما فعل البين به شيا
مما ينسب إلى الإمام زين العابدين ﵁ من الملك العلام.
عتبت على الدنيا فقلت إلى متى ... أكابد هماً بؤسه ليس ينجلي
أكل شريف من علي نجاره ... حرام عليه العيش غير محلل
فقالت نعم يا ابن الحسين رميتكم ... بسهمي عناداً منذ طلقني علي
صاحب الزيج
стр. 112
وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما اهتززن بيوم سفوك
منابرهن بطون الأكف وأغماد ... هن رؤوس الملوك
لكاتبه في التغزل
لعينيك فضل جزيل علي ... وذاك لأني يا قاتلي
تعلمت من سحرها فعقدت ... لسان الرقيب مع العاذل
بعضهم
نراع من الجنايز مقبلات ... ونسهو حين تخفى ذاهبات
كروعة ثلة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات
الصلاح الصفدي
أضحى يقول غداره ... هل فيكم لي عاذر
الورد ضاع بخده ... وأنا عليه دائر
آخر
بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه
إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه
مما قلته من طول الإقامة بقزوين:
قد اجتمعت كل الفلاكات في الأرض ... فقوموا بنا نعدو وقوموا بنا نعدو
فمختلطات الهم فيها كثيرة ... فليس لها رسم وليس لها حد
وأشكال آمالي أراها عقيمة ... ومعكوسة فيها قضاياي يا سعد
فقم نرتحل عنهم فلا عدل فيهم ... ولكن لديهم عجمة ما لها حد
فمن قلة التمييز حالي تسيئني ... وفعلي معتل وهمي ممتد
كأن على الأبصار منهم غشاوة ... ومن بين أيديهم ومن خلفهم سد
كتب بعضهم على هدية أرسلها:
يا أيها المولى الذي ... عمت أياديه الجليلة
стр. 113
إقبل هدية من يرى ... في حقك الدنيا قليلة
بعضهم وأظنه القاضي الأرجاني:
تمتعتما يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أشر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد
كتب بعضهم إلى هدية وأرسلها:
أرسلت شيئاً قليلاً ... يقل عن قدر مثلك
فابسط يد العذر فيه ... واقبله مني بفضلك
المجنون
وشغلت عن فهم الحديث سوى ... ما كان عنك فإنه شغلي
وأديم نحو محدثي نظري ... إن قد تهمت وعندكم عقلي
ليلى
لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كانا
لكن لي الفضل عليه بأن ... باح وإني مت كتمانا
ولها
باح مجنون عامر بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي
فإذا كان في القيامة نودي ... من قتيل الهوى تقدمت وحدي
لكاتب الأحرف بهاء الدين محمد عفى الله عنه.
أهوى قمراً به البها قد جمعا ... كم خيب من بوصله قد طمعا لا يسمع قصتي إذا فهت بها ... يخشى من أن يرق لي إن سمعا
وله
أهوى قمراً أسلمني للبلوى ... ما عنه لقلبي المعنى سلوى
كم جئت لأشتكي فمذ أبصرني ... من لذة قربه نسيت الشكوى
وله
ما أجمل من أحب ما أجمله ... ما أجهل من يلوم ما أجهله
كم جرعني مدامة من غصص ... ما أحمل ذا الفؤاد ما أحمله
وله
لم أشك من الوحدة بين الناس ... إذ أفردني الزمان من جلاسي
стр. 114
فالشوق لقربهم قريني أبداً ... والهم جليسي وبه استيناسي
وله بغير نقط
واهاً لصد لوصلكم علله ... وعدلكم وصدكم علله
كم حصل صدكم وما أمله ... كم أمل وصلكم وما حصله
وله أيضاً
يا بدر دجى بوصله أحياني ... إذ زاروكم بحجره أفناني
بالله عليك عجلن سفك دمي ... لا طاق لي بليلة الهجران
وله وقد رأى النبي ﷺ في المنام:
وليلة كان بها طالعي ... في ذروة السعد وأوج الكمال
قصير طيب الوصل من عمرها ... فلم تكن إلا كحل العقال
واتصل الفجر بها بالعشا ... وهكذا عمر ليالي الوصال
إذ أخذت عيني في نومها ... وانتبه الطالع بعد الوبال
فزرته في الليل مستعطفاً ... أفديه بالنفس وأهلي ومالي
وأشتكي ما أنا فيه من الب ... لوى وما ألقاه من سوء حال
فأظهر العطف على عبده ... بمنطق يزري بعقد اللئال
فيا لها من ليلة نلت في ... ظلامها ما لم يكن في الخيال
أمست خفيفات مطايا الرجا ... بها وأضحت بالعطايا ثقال
سقيت في ظلماتها خمرة ... صافية صرفاً طهوراً حلال
وابتهج القلب بأهل الحمى ... وقرت العين بذاك الجمال
ونلت ما نلت على أنني ... ما كنت أستوجب ذاك النوال
بني الشاه شجاع رباطا بمكة المشرفة عند باب الصفا، وأمر أن يكتب على بابه من شعره هذين البيتين:
بباب الصفا بيت أحل به الصفا ... لمن هو أصفى في الوداد من القطر
стр. 115
تباعده الأعذار بالملك والعدى ... وليس بصب من تمسك بالعذر
لبعضهم
لئن نحن التقينا قبل موتٍ ... شفينا النفس من ألم العتاب
وإن ظفرت بنا أيدي المنايا ... فكم من حسرة تحت التراب
كان لأعرابي جارية يحبها حباً شديداً، فقال له عبد الملك: أتشتهي أن تكون الخليفة وتموت أمتك؟ قاللا فقال: ولم؟ قال: تموت الأمة وتضيع الأمة، فقال: ما تمنى؟ فقال: العافية، ثم قال: ماذا؟ قال: رزق في دعة لا يكون لأحد علي منة قال: ثم ماذا؟ قال الخمول فإني رأيت لحوق البوار بذوي النباهة أسرع.
قال جالينوس
رؤساء الشياطين ثلاثة شوائب الطبيعة، ووساوس العامة ونواميس العادة.
ومن كلام بعض الحكماء لا تبع هيبة السكوت بالرخيص من الكلام، الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به طيبة به نفسه أحد المتصدقين، قيل: النظر سهم مسموم من سهام إبليس.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله العلي العالي ... ذي المجد والجلال والإفضال
ثم الصلاة والسلام السامي ... على النبي المصطفى التهامي
وآله الأئمة الأطهار ... ما اختلف الليل مع النهار
يقول راجي العفو يوم الدين ... المذنب الجاني بهاء الدين
تجاوز الرحمن عن ذنوبه ... وأسدل الستر على عيوبه
بليت في قزوين وقتاً برمد ... مقرح للقلب من فرط الكمد
يمنع من صرف النهار فيما ... يرضي اللبيب الحاذق الفهيما
стр. 116
من بحث أو تلاوة أو ذكر ... أو درس أو عبادة أو فكر
حتى سئمت من لزوم منزلي ... والنفس عن أشغالها بمعزل
ولم يكن من عادتي البطالة ... لأنها من شيم الجهالة فرمت شيئاً مشغلاً لبالي ... عما أقاسيه من البلبال
فلم أجد أبهى من الأشعار ... وليس نظم الشعر من شعاري
وكنت في فكر بأي وادي ... ألقي جياد الفكر في الطراد
فبينما الأمر كذا إذ سألا ... مني بعض الأصدقاء الفضلاء
أن أصف الهراة في أبيات ... جامعة للنشر والشتات
معربة عنها على الحقيقة ... مطربة لكل ذي سليقة
فقلت والجفن بأدمعي سخي ... على الخبير قد سقطت يا أخي
ثم نظمت هذه الأرجوزة ... بديعة رائقة وجيزة
قضيت في نظمي لها نهاري ... كا يقضي الليل بالأسمار
سميتها إذ كملت بالزاهرة ... فهاكها مائة بيت فاخرة
فصل في وصفها على الإجمال
إن الهراة بلدة لطيفة ... بديعة شائقة شريفة
أنيقة أنيسة بديعة ... رشيقة نفيسة منيعة
خندقها متصل بالماء ... وسورها سام إلى السماء
ذات فضاء يشرح الصدورا ... ويورث النشاط والسرورا
حوت من المحاسن الجليلة ... والصور البديعة الجميلة
ما ليس في بقية الأمصار ... ولم يكن في سالف الأعصار
لست ترى في أهلها سقيما ... طوبى لمن كان بها مقيما
ما مثلها في الماء والهواء ... كلا ولا الأثمار والنساء
كذلك الباغات والمدارس ... فما لهن فيهن من مجانس
فصل في وصف هوائها
هواؤها من الوباء جنة ... كأنه من نفحات الجنة
стр. 117
فيبسط الروح وينفي الكربا ... ويشرح الصدر ويشفي القلبا
لا عاصف منه تمل الحرة ... ولا بطيء السير فرد مره
بل وسط يهب باعتدل ... كغادة ترف في أذيال
فمن رماه الدهر بالإفلاس ... حتى عن المسكين واللباس
فلا يصاحب بلدة سواها ... لأنه يكفيه في هواها
جبيبة واحدة في القر ... شربته باردة في الحر
فهذه في حرها تكفيه ... وتلك عند بردها تكفيه
فصل في وصف مائها
لو قيل إن الماء في الهراة ... يعدل ماء النيل والفرات
لم يك ذاك القول بالبعيد ... فكم على ذلك من شهيد! ؟
تراه في الأنهار جارٍ صافي ... كأنه لئآلي الأصداف
لا يحجب الناظر عن قراره ... بل يطلعنه على أسراره
تظن غور عمقه شبرين ... من الصفا وهو على رمحين
خفيف وزن رائق الأوصاف ... ما مثله مآء بلا خلاف
يهضم ما صادف من طعام ... كأنما أكلته من عام
فصل في وصف نسائها
نساؤها مثل ظباء النافرة ... ذوات ألحاظ مراض ساحرة
يسلبن حلم الناسك الأواه ... يسلمن جسمه إلى الدواهي
من كل خود عذبة الألفاظ ... تقتل من تشاء بالألحاظ
أضيق من عيش اللبيب ثغرها ... أضعف من حال الأديب خصرها
فاتكة قد شهدت خداها ... بما بنا تفعله عيناها
ترنو بطرف ناعس فتاك ... يفسد دين الزاهد النساك
والصدغ واو ليس واو العطف ... والثدي رمان عزيز القطف
والجسم في رقته كالماء ... والقلب مثل صخرة صماء
ولفظها وثغرها والردف ... سحر حلال أقحوان حقف
стр. 118
وقدها ونهدها والخد ... غصن ورمان طري ورد
والشعر والرضاب والأجفان ... صوارم مدامة ثعبان
غيد حميدات خصالهن ... طوبى لمن نال وصالهن
فصل في وصف ثمارها
ثمارها في غاية اللطافة ... لا ضرر فيها ولا مخافة
عديمة القشور عند الحس ... تكاد أن تذوب حال اللمس تخال في أغصانها الدواني ... أشربة الحسن بلا أواني
مع أنها بهذه الكيفية ... رخيصة عندهم زرية
يطرحها البقال فوق الحصر ... حتى إذا ما جاء وقت العصر
وقد بقي شيء من الثمار ... يطرحه في معلف الحمار
فصل في وصف عنبها
ولست محصياً لوصف العنب ... فإنه قد نال أعلى الرطب
أدق من فكر اللبيب بزره ... أرق من قلب الغريب قشره
أبيضه في لطفه والطول ... يحكي بنان غادة عطبول
أحمره أشهى إلى القلب الصدي ... من لثم خد ناصع مورد
أسوده أبهى لدى الظريف ... من غمز طرف ناعس ضعيف
أصنافه كثيرة في العد ... ليس لها في حسنها من حد
فمنه فخري وطائفي ... وكشمشي ثم صاحبي
وغيرها من ساير الأقسام ... فوق الثمانين بلا كلام
مع هذه الأوصاف والمعاني ... في أرخص الأسعار والأثمان
ترى الذي ما مثله في الفقر ... يبتاع منه الوقر بعد الوقر
وربما يعلفه الحميرا ... إن لم يصادف عنده شعيرا
فصل في وصف بطيخها
بطيخها من حسنه يحير ... في وصفه ذو الفطنة الخبير
جميعه حلو بغير حد ... أحلى من الوصال بعد الصد
стр. 119
مهما يقول الواصفون فيه ... نزر فإنه بلا تمويه
يباع بالبخس القليل النزر ... لأنه واف بغير حصر
يأتي به المرء من الصحاري ... فلا يفي بأجرة المكاري
فصل في وصف مدرسة الميرزا
وما بنى فيها من المدارس ... ليس لها في الحسن من مجانس
أشهرها مدرسة الميرزآء ... مدرسة رفيعة البنآء
رشيقة رائقة مكينة ... كأنها في سعة مدينة
في غاية الزينة والسداد ... عديمة النظير في البلاد
بالذهب الأحمر قد تزخرفت ... كأنها جنة عدن أزلفت
في صحنها نهر لطيف جاري ... مرصف جنباه بالأحجار
في وسطها بيت لطيف مبني ... كأنها بعض بيوت عدن
من الرخام كله مبني ... كأنما صانعه جني
وكلما يقوله النبيل ... في وصفها فإنه قليل
فصل في وصف كازركاه
وبقعة تدعى بكازركاه ... ليس لها في حسنها مباهي
هواؤها يحيي النفوس إذ بدا ... وماؤها يجلو عن القلب الصدا
والسر في رياضها المطبوعة ... كخرد أذيالها مرفوعة
فيها البساتين بغير حصر ... يقصدها الإنسان بعد العصر
من كل صنف ذكر وأنثى ... وحرة وأمة وخنثى
لا هم عندهم ولا نكاد ... كأنهم قد حوسبوا وعادوا
تراهم كالخيل في الطراد ... وكل شخص منهم ينادي
لا شيء في ذا اليوم غير جائز ... إلا نكاح المرء للعجائز
خاتمة في التحسر من فراقها وبعد رفاقها
يا حبذا أيامنا اللواتي ... مضت لنا ونحن في الهراة
نسترق اللذات والأفراحا ... ولا نمل الهزل والمزاحا
стр. 120
وعيشنا في ظلها رغيد ... والدهر مسعف بما نريد
واها على العود إليها واها ... فما يطيب العيش في سواها
سقيت يا ليالي الوصال ... بصوب غيث وابل هطال
وأنت يا سوالف الأيام ... عليك مني أطيب السلام
تمت الأرجوزة والحمد لله حده وصلى الله على محمد وآله.
في كتاب عجائب المخلوقات ي وصف التفاح:
هو روح الروح في جوهرها ... ولها شوق إليها وطرب
ودواء القلب يثني ضعفه ... ويجلي الحزن عنه والكرب قال بعض العارفين في تفسير قوله تعالى: " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك " أي استرح من ألم ما يقال فيك بحسن الثنآء علينا، وقريب من هذا ما ينقل: أنه صلى الله عليه وآله كان ينتظر دخول وقت الصلاة ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وآله قرة عيني في الصلاة. ومما ينخرط في هذا السلك على أحد الوجهين ما روي من أنه ﵌ كان يقول: يا بلال أبرد أبرد أي أبرد نار الشوق إلى الصلاة بتعجيل الأذان أو أبرد أي أسرع كإسراع البريد وهذا المعنى هو الذي ذكره الصدوق قدس روحه، والمعنى الآخر مشهور، وهو أن غرضه تأخير صلاة الظهر إلى أن تنكسر سورة الحر ويبرد الهواء.
رجع أبو الحسين النوري من سياحة البادية وقد تناثر شعر لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه، وتغيرت صفته فقيل له: هل تغير الأسرار بتغير الصفات؟ فقال: لو تغيرت الأسرار بتغير الصفات لهلك العالم، ثم أنشأ يقول:
كما ترى صيرني ... قطع قفار الدمن
شرقني غربني ... أزعجني عن وطني
стр. 121
إذا تغيبت بدا ... وإن بدا غيبني
يقول لا تشهد ما ... تشهد أو تشهدني
وقام يصرخ ورجع من وقته، فدخل البادية وقيل له يوماً: ما التصوف؟ فأنشد:
جوع وعري وحفا ... وماء وجه قد عفا
وليد إلا نفس ... تخبر عما قد خفا
قد كنت أبكي طرباً ... فصرت أبكي أسفا
كان إبراهيم بن أدهم ماراً في بعض الطرق، فسمع رجلاً يغني بهذا البيت:
كل ذنب لك مغفو ... ر سوى الأعراض عني
فغشي عليه، وسمع الشبلي رجلاً ينشد:
أردناكم صرفاً فإذ قد مزجتم ... فبعداً وسحقاً لا نقيم لكم وزنا
وكان علي بن الهاشيم أعرج مقعداً فسمع في بغداد يوماً شخصاً ينشد:
يا مظهر الشوق باللسان ... ليس لدعواك من بيان
لو كان ما تدعيه حقاً ... لم تذق الغمض إذا تراني
فقام وتوجه صحيح الرجلين ثم جلس مقعداً كما كان.
السيد الجليل أمير قاسم أنوار التبريزي المدفون في ولاية جام قدس الله روحه، صحب في أول أمره الشيخ صدر الدين الأردبيلي، ثم صحب بعده الشيخ صدر الدين علي اليمني، وكان عظيم المنزلة، توفي سنة ٨٣٧ ودفن في ولاية جام في قرية يقال لها: حز جرد، وكان كثيراً ما يجالس المجذوبين ويكالمهم، حكى عن نفسه قال: لما وصلت إلى بلاد الروم قيل لي: إن بها مجذوباً، فذهبت إليه، فلما رأيته عرفته، لأني كنت رأيته أيام تحصيل العلم في تبريز، فقلت: كيف صرت إلى هذا الحال؟ فقال: إني لما كنت في مقام التفرقة كنت دائماً إذا قمت في كل صباح يجذبني شخص إلى اليمين وشخص إلى اليسار، فقمت يوماًن وقد غشاني شيء خلصني من جميع ذلك وكان السيد المذكور ﵀ كلما نقل هذه الحكاية جرت دموعه.
стр. 122
ومن كلام بعض الأعلام
الويل لمن أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما عمر غير راجع إليه، وقدم على ما خرب غير منتقل عنه، قال أويس القرني ﵁: أحكم كلمة قالها الحكماء قولهم: صانع وجهاً واحداً، يكفيك الوجوه كلها وجد في بعض الكتب السماوية: إذا أحب العالم الدنيا نزعت لذة مناجاتي من قلبه.
الأيام خمسة
يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود، فالمفقود أمسك قد فاتك مع ما فرطت فيه، والمشهود يومك الذي أنت فيه فتزود فيه من الطاعات؛ والمورود هو غدك لا تدري هل هو من أيامك أم لا؟ والموعود هو آخر أيامك من أيام الدنيا فاجعله نصب عينيك؛ واليوم الممدود هو آخرتك وهو يوم لا انقضاء له فاهتم له غاية اهتمامك، فإنه إما نعيم دائم أو عذاب مخلد.
ومن كلام بعض الأعلام إن الله نصب شيئين، أحدهما أمر؛ والآخر ناهي، الأول يأمر بالشر وهي النفس، " إن النفس لأمارة بالسوء "؛ والآخر ينهى عن الشر وهو الصلاة " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " فكما أمرتك النفس بالمعاصي والشهوات فاستعن عليها بالصلاة، روي أن بعض الأنبياء ناجى ربه فقال: يا رب كيف الطريق إليك فأوحى الله إليه أترك نفسك وتعال إلي، في المثل حدث المرأة حديثين، فإن لم تفهم فأربع، يمكن أن يكون فأربع بمعنى أربع مرات، ويمكن أن يكون أمراً بمعنى كف واسكت، ويمكن أن يكون بمعنى اضربها بالمربعة يعني العصا.
قيل لبعض الصالحين إلى كم تبقى عزباً ولا تتزوج؟
فقال: مشقة العزوبة أسهل من مشقة الكد في مصالح العيال.
قال بعض الملوك لوزيره يوماً ما أحسن الملك لو كان دائماً؟ فقال الوزير: لو كان دائماً ما وصل إليك.
قال بعض الملوك لبعض العلماء وقد حضر العالم الوفاة: أوص لعيالك إلي فقال: العالم: أستحيي من الله أن أوصي بعبد الله إلى غير الله.
قيل لبعض الصوفة
مالك إذا تكلمت بكى ... كل من يسمعك ولا يبكي
من كلام واعظ البلد أحد؟ فقال: ليست نائحة الثكلى كالمستأجرة
стр. 123
الهم نصف الهرم والتودد نصف العقل
قلت: إذا كان التودد نصف العقل فالتباغض كل الجنون.
ابن الرومي لما سم ودب السم فيه واشتد شربه للماء أنشد:
أشرب الماء إذا ما التهبت ... نار أحشائي كأحشاء اللهب
فأراه زائداً في حرقتي ... وكأن الماء للنار حطب
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ﵁:
إن الذين بنوا فطال بناؤهم ... واستمتعوا بالمال والأولاد
جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد
أودع تاجر من تجار نيشابور جاريته عن الشيخ أبي عثمان الحميري، فوقع نظر الشيخ عليها يوماً فعشقها وشغف بها فكتب إلى شيخه أبي حفص الحداد بالحال فأجابه بأمره بالسفر إلى الري إلى صحبة الشيخ يوسف فلما وصل إلى الري وسئل الناس عن منزل الشيخ يوسف أكثروا من ملامته قالوا وكيف يسأل تقي مثلك، عن بيت فاسق شقي مثله، فرجع إلى نيشابور وقص على شيخه القصة فأمره بالعودة إلى الري وملاقات الشيخ يوسف المذكور فسافر مرة ثانية إلى الري، وسئل عن منزل الشيخ يوسف ولم يبال بذم الناس له وازدرائهم به، فقيل له: إنه في محلة الخمارة فأتى إليه وسلم عليهم، فرد ﵇ وعظمه، وكان إلى جانبه صبي بارع الجمال وإلى جانبه الآخر زجاجة مملوءة من شيء كأنه الخمر بعينه فقال له الشيخ أبو عثمان: ما هذا المنزل في هذه المحلة؛ فقال: إن ظالماً شرى بيوت أصحابها وصيرها خمارة ولم يحتج إلى شراء بيتي، فقال: ما هذا الغلام وما هذا الشراب؟ فقال: أما الغلام فولدي من صلبي، وأما الزجاجة فخل فقال: ولم توقع نفسك في مقام التهمة بين الناس؟ فقال لئلا يعتقدوا أنني ثقة أمين ويتسودعوني جواريهم، فأبتلي بحبهن فبكى أبو عثمان بكاء شديداً علم قصد شيخه.
كتب بعضهم إلى شخص تأخر وعده:
أبا أحمد لست بالمنصف ... إذا قلت قولاً فلم لا تفي؟
فانجز لنا كلما قد وعدت ... وإلا أخذت وأدخلت في
سمع أمير المؤمنين ﵁ رجلاً يحلف، والذي احتجب بسبع سموات ما كان كذا. فقال ويلك إن الله لا يحجبه شيء فقال الرجل: هل أكفر عن يميني؟ فقال ﵁: لا لأنك حلفت بغير الله والحالف بغير الله لا يلزمه الكفارة.
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام
стр. 124
أبني إن الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطن لكل رزية في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
ومنه أيضاً
إغتنم ركعتين زلفى إلى الله ... إذا كنت فارغاً مستريحاً
وإذا ما هممت باللغو في ... الباطل فاجعل مكانه تسبيحاً أول من ورد من السادات الرضوية إلى قم أبو جعفر محمد بن موسى بن محمد بن علي بن موسى الرضا ﵁ وكان وروده إليها من الكوفة سنة ست وخمسين ومأتين، ثم ورد إليها بعده اخواته، زينب وأم محمد وميمونة بنات موسى بن محمد بن علي بن موسى الرضا ﵁ وتوفي هو في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومأتين، ودفن بمدفنه المعروف في قم، ثم توفت بعده أخته ميمونة، ودفنت بمقبرة بابلان بقية ملصقة بقية الستي فاطمة سلام الله عليها وعلى أبيها وأخيها وأما أم محمد فمدفونة في القبة التي فيها الستي فاطمة ﵂ بجنب ضريحها، وفي تلك القبة أيضاً قبر أم إسحق جارية محمد بن موسى ففي هذه القبة المقدسة ثلاثة قبور قبر الستي فاطمة ﵂، وقبر أم محمد رحمها الله وقبر أم إسحق جارية محمد بن موسى.
من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ﵁.
فلم أر كالدنيا بها اغتر أهلها ... ولا كاليقين استوحش الدهر صاحبه
أمر على رسم القريب كأنما ... أمر على قبر امرىء ما أناسبه
فوالله لولا أنني كل ساعة ... إذا شئت لاقيت امرءاً مات صاحبه
جواب لولا محذوف تقديره لما خف حزني وقد وقع في شعر الحماسة التصريح بهذا المحذوف في قول نهشل.
وهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرءاً مات صاحبه
هذا وشارح الديوان الفاضل الميبدي جعل لولا في هذا البيت للتحضيض، فخبطه خبط عشواء.
стр. 125
من أحب عمل قوم خبر كان أو شرا كان كمن عمله. من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه.
سانحة: أيها المغرور بالجاه والإمارة، لا تنظر إلينا بعين الحقارة.
سانحة: الدنيا لا تطلب لذاتها، بل للتمتع بلذاتها، والعاقل لا يطلبها إلا لبذلهاا لصالح يرجو إعانته، أو طلح بخاف إهانته.
سانحة: قد فسد الزمان وأهله، وتصدى للتدريس من قل علمه وكثر جهله، فانحطت مرتبة العلم وأصحابه، واندرست مراسمه بين طلابه
لجامعه من سوانح سفر الحجاز
قد صرفنا العمر في قيل وقال ... يا نديمي قم فقد ضاق المجال
واسقني تلك المدام السلسبيل ... إنها تهدي إلى خير السبيل
واخلع النعلين يا هذا النديم ... إنها نار أضاءت للكليم
هاتها صهباء من خمر الجنان ... دع كؤوساً واسقنيه بالدنان
ضاق وقت العمر عن آلاتها ... هاتها من غير عصر هاتها
قم أزل عني بها رسم الهموم ... إن عمري ضاع في علم الرسوم
أيها القوم الذي في المدرسة ... كلما حصلتموه وسوسة
فكركم إن كان في غير الحبيب ... ما لكم في النشأة الأخرى نصيب
فاغسلوا بالراح عن لوح الفؤاد ... كل علم ليس ينجي في المعاد
من أحب عمل قوم خيراً كان أو شراً كان كمن عمله من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه.
سانحة
أيها المغرور بالجاه والإمارة ... لا تنظر إلينا بعين الحقارة
سانحة
الدنيا لا تطلب لذاتها، بل للتمتع بلذاتها، والعاقل لا يطلبها إلا لبذلها لصالح يرجو إعانته أو طالح يخاف إهانته.
سانحة
قد فسد الزمان وأهله وتصدى للتدريس من قل علمه وكثر جهله، فانحطت مرتبة العلم وأصحابه، واندرست مراسمه بين طلابه.
سانحة
قد جرى ذكري يوماً من الأيام في بعض المجالس العالية والمحافل السامية فبلغني: أن بعض الحضار ممن يدعي الوفاق وعادته النفاق ويظهر الوداد ودأبه العناد جرى في مضمار ميدان البغي والعدوان وأطلق لسانه في الغيبة والبهتان ونسب إلي من العيوب ما لم يزل فيه ونسي قوله تعالى: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً " فلما علم أني علمت ذلك ووقفت على سلوكه في تلك المسالك كتب إلي رقعة طويلة الذيل مشحونة بالندم والويل، يطلب فيها مني الرضا ويلتمس الإغماض عما مضى فكتبت إليه في الجواب جزاك الله خيراً فيما أهديت إلي من الثواب وثقلت به ميزان حسناتي يوم
стр. 126
الحساب. فقد روينا عن سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر ﷺ أنه قال: يجاء بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة فترجح السيئات فتجيء بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها فيقول: يا رب ما هذه البطاقة فما من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا استقبلت به فيقول : هذا ما قيل فيك وأنت منه بريء فهذا الحديث النبوي قد أوجب بمنطوقه على أن أشكر ما أديته من النعم إلي فأكثر الله خيرك وأجزل ميرك، مع أني لو فرضت أنك شافهتني بالسفاهة والبهتان وواجهتني بالوقاحة والعدوان ولم تزل مصراً على إشاعة شناعتك ليلاً ونهاراً ومقيماً على سوء صناعتك سراً وجهاراً ما كنت أقابلك إلا بالصفح والصفا ولا أعاملك إلا بالمودة والوفا فإن ذلك من حسن العادات وأتم السعادات وإن بقية مدة الحياة أعز من أن تصرف في غير تدارك ما فات وتتمة هذا العمر القصير لا تسع مؤاخذة أحد على التقصير، ولله در من قال، فلقد أحسن في المقال.
على أني لو صرفت ال عنان إلى مجازاة أهل العدوان ومكافات ذوي الشنئان لوجدت إلى تدميرهم سبيلاً رحيباً وإلى أفنائهم طريقاً قريباً كما قلت في سالف الزمان.
سانحة
مصاحب الملك محسود بين الأنام من الخاص والعام، لكنه في الحقيقة مرحوم، لما يرد عليه من الهموم الخفية التي لا يطلع الناس عليها ولا تصل أنظارهم إليها، ولذلك قال الحكماء صاحب السلطان كراكب الأسد، بينما هو فرسه إذ هو فرسه فلا تكن مغروراً من جليس الملك وأنيسه بما تشاهد من ظاهر حاله وانظر بعين الباطن إلى توزع باله، وسوء ماله وتقلب أحواله.
سانحة
أيها الطالب الراغب إني أكلمك على قدر عقلك وعرفانك لأن شأن الأسرار المكنونة فوق مرتبتك، فلا تطمع في أن أكشف لك الأمر المكتوم وأن أسقيك من الرحيق المختوم إذ لا طاقة لك على شرب ذلك ولا قدرة لأمثالك على سلوك تلك المسالك.
ثم إذا ترقيت عن مرتبة العوام، وصرت قريباً من درجة أولي البصاير والأفهام، فأنا أسقيك من شراب أصحاب مرتبة الوسطى ولا أتركك محروماً من هذه الأعطاء، فكن قانعاً بما في الخباب من ذلك الشراب، ولا تكن طامعاً بما في الأباريق والأكواب.
سانحة
قد تهب من عالم القدس نفحة من نفحات الأنس على قلوب أصحاب العلايق الدنية والعوائق الدنيوية فتتعطر بذلك مشام أرواحهم، ويجري روح الحقيقة في رميم أشباحهم، فيدركون قبح الانغماس في الأدناس الجسمانية ويذعنون بخساسة الانتكاس في مهاوي القيود الهيولانية فيميلون إلى سلوك مسالك الرشاد وينتبهون من
стр. 127
نوم الغفلة عن المبدء والمعاد لكن هذا التنبيه سريع الزوال وحي الاضمحلال فيا ليته يبقى إلى حصول جذبة إلهية تميط عنهم أدناس عالم الزور وتطهرهم من أرجاس دار الغرور ثم أنهم عند زوال تلك النفحة القدسية وانقضاء هاتيك النسمة الأنسية يعودون إلى الانتكاس في تلك الأدناس، فيتأسفون على ذلك الحال الرفيع المنال، وينادي لسان حالهم بهذا المقال إن كانوا من أصحاب الكمال.
سانحة
لو لم يأت والدي قدس الله روحه من بلاد العرب إلى ديار العجم، ولم يختلط بالملوك لكنت من أتقى الناس وأعبدهم وأزهدهم، لكنه طاب ثراه أخرجني من تلك البلاد وأقام في هذه الديار فاختلط بأهل الدنيا واكتسبت أخلاقهم الردية واتصفت بصفاتهم الدنية.
ثم لم يحصل لي في الاختلاط بأهل الدنيا إلا القيل والقال والنزاع والجدال وآل الأمر إلى أن تصدى لمعارضتي كل جاهر وجسر على مباراتي كل خامل.
سانحة
إن ذرات الكيانات تنصحك ليلاً ونهاراً بأفصح لسان، وتعظك سراً وجهاراً بأبلغ بيان، لكن لا يفهم نصائحها الغبي البليد، ولا يعقل مواعظها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
سانحة
إلى كم تكون في طلب اللذات الفانية الدنيوية؟ وأنت معرض عما يثمر السعادات الباقية الأخروية فإن كنت من أرباب المعقول، فاقنع من الدنيا كل يوم بخبزين واكتف منها كل سنة بثوبين لئلا تسقط من البين وتجييء يوم القيامة بخفي حنين.
سانحة
إذا غارت جنود الضعف على مملكة القوى بالعزلة عن الخلق والإنزواء فاسأل الرب التوفيق ولا تبال إذا عدم الرفيق الشفيق.
سانحة
من أعرض عن مطالعة العلوم الدينية، وصرف أوقاته في إفادة الفنون الفلسفية، فعن قريب لسان حاله يقول عند شروع شمس عمره في الأفول.
سانحة العزلة عن الخلق هي الطيق الأقوم الأسد كما ورد في الحديث: فر من الخلق فرارك من الأسد فطوبى لمن لا يعرفونه بشيء من الفضايل والمزايا، لأنه سالم عن الآلام والرزايا، فالفرار الفرار عنهم، والبدار البدار؛ إلى الخلاص منهم، وبهذا يظهر أن الاشتهار بالفضايل من جملة الآفات، وأن خمول الاسم من المحافات، فاحبس نفسك في زاوية العزلة فإن عزلة المرء عزله، وقد قلت في ذلك، وإن كنت غير هالك في تلك المسالك.
الشيخ الجليل أبو الحسن الخرقاني اسمه علي بن جعفر كان من أعاظم أصحاب الحال توفي ليلة عاشوراء سنة ٤٢٥ ومن كلامه في ذم العلماء الذين صرفوا في تصنيف الكتب عمرهم قال: إن وارث النبي ﷺ من اقتدى به في الأفعال والأخلاق لا من لا يزال يسود بأقلامه وجوه الأوراق، وقيل له: ما الصدق؟ فقال: ما يكاد يقوله القلب قبل اللسان.
علي بن القاسم السجستاني
خليلي قوما واحملا لي رسالة ... وقولا لدنيا ما التي تتصنع
عرفناك يا خداعة الخلق فاغربي ... ألسنا نرى ما تصنعين ونسمع
فلا تتجلى للعيون بزينة ... فإنا متى ما تسفري نتقنع
نغطي بثوب اليأس منك عيوننا ... إذا لاح يوماً من مخازيك مطمع
стр. 128
رتعنا وجلنا في مراعيك كلها ... فلم يهننا مما رعيناه مرتع
سانحة: إن ذرات الكائنات ليلا ونهارا بأفصح لسان، وتعظك سرا وجهرا بأبلغ بيان، لكن لا يفهم نصائحها الغبي البليد، ولا يعقل مواعظها إلا من ألقى السمع وهو شهيد.
سانحة: إلى كم تكون في طلب اللذات الفانية الدنيوية، وأنت معرض عما يثمر السعادات الباقية الأخروية، فإن كنت من أصحاب العقول وأرباب المعقول، فاقنع من الدنيا كل يوم برغيفين، وأكتف منها كل سنة بثوبين، لئلا تسقط من البين، وتجئ يوم القيامة بخفي حنين.
لجامعه من سوانح سفر الحجاز.
يا نديمي ضاع عمري وانقضى ... قم لاستدراك وقت قد مضى
واغسل الأدناس عني بالمدام ... واملأ الأقداح منها يا غلام
واسقني كاساً فقد لاح الصباح ... والثريا غربت والديك صاح
زوج الصهباء بالماء الزلال ... واجعلن عقلي لها مهراً حلال
هاتها من غير مهل يا نديم ... خمرة تحيي بها العظم الرميم
بنت كرم تجعلن الشيخ شاب ... من يذق منها عن الكونين غاب
خمرة من نار موسى نورها ... دنها قلبي وصدري طورها
قم فلا تمهل فما في العمر مهل ... لا تصعب شربها والأمر سهل
قل لشيخ قلبه منها نفور ... لا تخف فالله تواب غفور
يا مغني إن عندي كل غم ... قم وألق الناي فيها بالنغم
غن لي دوراً فقد دار القدح ... والصبا قد فاح والقمري صدح
واذكرن عندي أحادي الحبيب ... إن عيشي من سواها لا يطيب
واحذرن ذكرى أحاديث الفراق ... إن ذكر البعد مما لا يطاق
روحن روحي بأشعار العرب ... كي يتم الحظ فينا والطرب
وافتتح منها بنظم مستطاب ... قلته في بعض أيام الشباب
стр. 129
قد صرفنا العمر في قيل وقال ... يا نديمي قم فقد ضاق المجال
ثم أطربني بأشعار العجم ... واطردن هماً على قلبي هجم
وابتدىء منها ببيت المثنوي ... للحكيم المولوي المعنوي
قم وخاطبني بكل الألسنة ... عل قلبي ينتبه من ذي السنة
إنه في غفلة عن حاله ... خابط في قيله مع قاله
كل آن فهو في قيد جديد ... قائلاً من جهله هل من مزيد
تايه في الغي قد ضل الطريق ... قط من سكر الهوى لا يستفيق
عاكف دهراً على أصنامه ... تنفر الكفار من إسلامه
كم أنادي وهو لا يصغي التناد ... وافؤادي وافؤادي وافؤاد
يا بهائي اتخذ قلباً سواه ... فهو ما معبوده إلا هواه
مما أنشده عمرو بن معدي كرب في وصف الحرب.
الحرب أول ما يكون فتية ... تسعى لزينتها لكل جهول
حتى إذا استعرت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل
الشيخ محيي الدين ابن عربي قدس الله روحه.
بان العزاء وبان الصبر إذ بانوا ... بانو وهم في سواد القلب سكان
سألتهم عن مقيل الركب قيل لنا ... مقيلهم حيث فاح الشيح والبان فقلت للريح سيري والحقي بهم ... فإنهم عند ظل الأيك قطان
وبلغيهم سلاماً من أخي شجن ... في قلبه من فراق الألف أشجان
ابن عربي
مرضي من مريضة الأجفان ... عللاني بذكرها عللاني
هفت الورق في الرياض وناحت ... شجو هذا الحمام مما شجاني
يا طلولاً برامة دارسات ... كم حوت من كواعب وحسان
بأبي طفلة لعوب تهادي ... من بنات الخدور بين الغواني
стр. 130
طلعت في العيان شمس فلما ... أفلت أشرقت بأفق جنان
يا خليلي عرجا بعناني ... لأرى رسم دارها بعياني
وإذا ما بلغتما الدار حطا ... وبها صاحباي فلتبكيان
وقفا بي على الطلول قليلاً ... أتباكى أو أبك مما دهاني
واذكرا لي حديث هند ولبنى ... وسليما وزينب وعنان
ثم زيداً عن حاجر وزرود ... خبراً من مراتع الغزلان
طال شوقي لطفلة ذات نثر ... ونظام ومنبر وبيان
من بنات الملوك من دار فرس ... من أجل البلاد من إصفهان
هي بنت العراق بنت إمامي ... وأنا ضدها سليل يماني
هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم ... أن ضدين قد يجتمعان
لو ترانا برامة نتعاطى ... أكؤساً للهوى بغير بنان
والهوى بيننا يسوق حديثاً ... طيباً مطرباً بغير لسان
لرأيتم ما يذهل العقل فيه ... يمن والعراق يعتنقان
كذب الشاعر الذي قال قبلي ... وبأحجار عقله قد رماني
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذ استهل يماني
البختري
متى تستزد فضلاً من العمر تغترف ... بسجليك من شهد الخطوب وصابها
تشد بنا الدنيا بأخفض سعيها ... وسم الأفاعي بلة من لعابها
يسر بعمران الديار مضلل ... وعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتضي الدنيا أوان مجيئها ... فكيف أرتضيها في أوان ذهابها
لبعض القدماء في تذكر الأوطان
ألا قل لداربين أكثبة الحمى ... وذات الهوى جادت عليك الهواضب
أجدك لا آتيك إلا تفلتت ... دموع أضاعت ما حفظت سواكب
ديار تناسمت الهواء بحبوها ... وطاوعني فيها الهوى والحبائب
стр. 131
ليالي لا الهجران محتكم بها ... على وصل من أهوى ولا الظن كاذب
ما أحسن ظنه ولا قول كاذب
لكاتبه من سوانح سفر الحجاز وفيه رمز فحله إن كنت من أهله. هو الحق يقول الفقير محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه: مما استدل به أصحابنا قدس الله أسرارهم وأعلى في الفردوس قرارهم على أن شكر المنعم واجب عقلاً وإن لم يرد به. نقل أصلاً أن من نظر بعين عقله إلى ما وهب له من القوى والحواس الباطنة والظاهرة، وتأمل بنور فطرته فيما ركب في بدنه من دقايق الحكم الباهرة وصرف بصر بصيرته نحو ما هو مغمور فيه من أنواع النعماء وأصناف الآلاء التي لا يحصر مقدارها ولا يقدر انحصارها، فإن عقله يحكم حكماً لازماً بأن من أنعم عليه بتلك النعم العظيمة والمنن الجسيمة، حقيق بأن يشكر وخليق بأن لا يكفر ويقضي قضاء جازماً بأن من أعرض من شكر تلك الألطاف العظام وتغافل عن حمد هاتيك الأيادي الجسام مع تواترها ليلاً ونهاراً وترادفها سراً وجهاراً فهو مستوجب للذم والعقاب، بل مستحق لأليم النكال وعظيم العتاب، ثم إن الأشاعرة بعد ما لفقوا دلائل سقيمة ظنوها حججاً قاطعة على إبطال الحسن والقبح العقليين ورتبوا قضايا عقيمة حسبوا أنها براهين ساطعة على حصرهما في الشرعيين أرادوا تبكيت أصحابنا بإظهار الغلبة عليهم على تقدير موافقتهم في القول المنسوب إليهم فقالوا: إننا لو تنزلنا إليكم وسلمنا أن الحسن والقبح عقليان وأنا وأنتم في الإذعان بذلك سيان، فإن عندنا ما يوجب تزييف قولكم لوجوب شكر المنعم بقضية العقل ولدينا ما يقتضي تسخيف اعتقادكم بثبوت ذلك من دون ورود النقل فإن ما جعلتموه دليلاً من خوف العقاب ومظنة العتاب مردود إليكم ومقلوب عليكم إذ الخوف المذكور قائم عند قيام العبد بوظائف الشكر ولطايف الحمد فإن كل من له أدنى مسكة يحكم حكماً لا ريب فيه ولا شك يعتريه بأن الملك الكريم الذي ملك الأكناف شرقاً وغرباً وسخر الأطراف بعداً وقرباً إذا أمد لأهل مملكته من الخاص والعام مائدة عظيمة لا مقطوعة ولا ممنوعة على توالي الأيام مشتملة على أنواع المطاعم الشهية مشحونة بأصناف المشارب السنية يجلس عليها الداني والقاصي ويتمتع بطيباتها المطيع والعاصي فحضرها في بعض الأيام مسكين لم يحضرها قبل ذلك قط، فدفع إليه الملك لقمة واحدة فتناولها ذلك المسكين ثم شرع المسكين في الثناء على ذلك الملك يمدحه بجليل الإنعام والإحسان ويحمده على جزيل الكرم والامتنان ولم يزل يصف تلك اللقمة ويذكرها ويعظم شأنها ويشكرها، فلا شك في أن ذلك الشكر والثناء يكون منتظماً عند ساير العقلاء في سلك
стр. 132
السخرية والاستهزاء فكيف؟ ! ونعم الله سبحانه علينا بالنسبة إلى عظيم سلطانه جل شأنه وبهر برهانه أحقر من تلك اللقمة بالنسبة إلى ذلك الملك بمراتب لا يحويها الإحصاء ولا يحوم حولها الاستقصاء فقد ظهر أن تقاعدنا عن شكر نعمائه تعالى مما يقتضيه العقل السليم والكف عن حمد آلائه عز وعلا مما يحكم بوجوبه الرأي القويم والطبع المستقيم هذا ولا يخفى على من سلك مسالك السداد ولم ينهج مناهج اللجاج والعناد أن لأصحابنا ﵃ وأرضاهم وجعل الجنة مأواهم أن يقولوا: إن ما أوردتموه من الدليل وتكلفتموه من التمثيل كلام مخيل عليل لا يروي الغليل ولا يصلح للتعويل فإن تلك اللقمة لما كانت حقيرة المقدار في جميع الأنظار عديمة الاعتبار في كل الأصقاع والأقطار، لا جرم صار الحمد والثناء على ذلك العطاء منخرطاً في سلك السخرية والاستهزاء، فالمثال المناسب لما نحن فيه أن يقال: إذا كان في زاوية الخمول وهاوية الذهول مسكين أخرس اللسان مؤف الأركان مشلول اليدين معدوم الرجلين مبتلى بالأسقام والأمراض محروم من جميع المطالب والأغراض فاقد للسمع والأبصار لا يفرق بين السر والجهار ولا يميز بين الليل والنهار، بل عادم الحواس الظاهرة بأسرها عار من المشاعر الباطنة عن آخرها فأخرجه الملك من متاعب تلك الزاوية ومصاعب هاتيك الهاوية ومن عليه بإطلاق لسانه وتقوية أركانه وإزالة خلله وإماطة شلله وتلطف بإعطائه السمع والبصر وتعطف بهديته إلى جلب النفع ودفع الضرر وتكرم بإعزازه وإكرامه وفضله على كثير من أتباعه وخدامه. ثم أنه بعد تخليص الملك له من تلك الآفات العظيمة والبليات العميمة وإنقاذه من الأمراض المتفاقمة والأسقام المتراكمة وإعطائه أنواع النعم الغامرة وأصناف التكريمات الفاخرة طوى عن شكره كشحاً وضرب عن حمده صفحاً، ولم يظهر منه ما يدل على الاعتناء بتلك النعماء التي ساقها ذلك الملك إليه والآلاء التي أفاضها عليه، بل كان حاله بعد وصولها كحاله قبل حصولها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان مستوجب للإهانة والخذلان، فدليلكم حقيق بأن تستروه ولا تسطروه وتمثيلكم خليق بأن ترفضوه ولا تحفظوه، فإن الطبع السليم يأباهما والذهن القويم لا يرضاهما والسلام على من اتبع الهدى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. الملك إليه والآلاء التي أفاضها عليه، بل كان حاله بعد وصولها كحاله قبل حصولها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان مستوجب للإهانة والخذلان، فدليلكم حقيق بأن تستروه ولا تسطروه وتمثيلكم خليق بأن ترفضوه ولا تحفظوه، فإن الطبع السليم يأباهما والذهن القويم لا يرضاهما والسلام على من اتبع الهدى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
البختري
أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد ... لها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتى ولا أرى ... التجمع إلا علة للتفرق
أرى الدهر غولاً للنفوس وإنما ... بنى الله في بعض المواطن من بقي
стр. 133
فلا تتبع الماضي سؤالك لم مضى ... وعرج على الباقي وسائله لم بقي
ولم أر كالدنيا حليلة صاحب ... محب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عياناً وهي صنعة واحدة ... فتحسبها صنعي لطيف وأخرق
قال الشريف المرتضى ﵁: قد قيل: إن السبب في خروج البختري عن بغداد هذه الأبيات، فإن بعض أعدائه شنع عليه بأنه ثنوي حيث قال: فتحسبها صنعي لطيف وأخرق؛ وكانت العامة غالبة على البلد فخاف على نفسه وقال لابنه أبي الغوث: قم يا بني حتى نطفي عنا هذه النائرة بخروج نلم بها شعثنا ونعود فخرج ولم يعد. انتهى.
من كلام أوميرس: إتهم أخلاقك السيئة فإنها إذا وصلت إلى حاجاتها من الدنيا كانت كالحطب للنار والماء للسمك وإذا عزلتها عن مآربها وحلت بينها وبين ما تهوى انطفأت كانطفاء النار عند فقدان الحطب وهلكت كهلاك السمك عند فقد الماء، وكما أن الحاسة الجليدية إذا كانت مؤفة برمد ونحوه، فهي محروقة من الأشعة الفائضة عن الشمس كذلك البصيرة إذا كانت مؤفة بالهوى واتباع الشهوات والاختلاط بأبناء الدنيا، فهي محرومة من إدراك الأنوار القدسية محجوبة عن ذوق اللذات الأنسية.
من كتاب رياض الأرواح وهو مما نظمه الفقير بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه
ألا يا خايضاً بحر الأماني ... هداك الله ما هذا التواني؟ !
أضعت العمر عصياناً وجهلاً ... فمهلاً أيها المغرور مهلا
مضى عمر الشباب وأنت غافل ... وفي ثوب العمى والغي رافل
إلى كم كالبهائم أنت هايم ... وفي وقت الغنايم أنت نائم
وطرفك لا يرى إلا طموحاً ... ونفسك لم تزل أبداً جموحاً
وقلبك لا يفيق من المعاصي ... فويلك يوم يؤخذ بالنواصي
بلال الشيب نادى في المفارق ... بحي على الذهاب وأنت غارق
ببحر الإثم لا تصغي لواعظ ... ولو أطرى وأطنب في المواعظ
وقلبك هائم في كل واد ... وجهلك كل يوم في ازدياد
стр. 134
على تحصيل دنياك الدنية ... مجداً في الصباح وفي العشية
وجهد المرء في الدنيا شديد ... وليس ينال منها ما يريد
وكيف ينال في الأخرى مرامه ... ولم يجهد لمطلبها قلامه
إشارة إلى حال من صرف العمر في جمع الكتب وادخارها.
على كتب العلوم صرفت مالك ... وفي تصحيحها أتعبت بالك
وأنفقت البياض مع السواد ... على ما ليس ينفع في المعاد
تظل من المساء إلى الصباح ... تطالعها وقلبك غير صاح
وتصبح مولعاً من غير طائل ... لتحرير المقاصد والدلائل
وتوضيح الخفا في كل باب ... وتوجيه السؤال مع الجواب
لعمري قد أضلتك الهداية ... ضلالاً ما له أبداً نهاية
وبالمحصول حاصلك الندامة ... وحرمان إلى يوم القيمة
وتذكرة المواقف والمراصد ... تسد عليك أبواب المقاصد فلا تنجي النجاة من الضلالة ... ولا يشفي الشفاء من الجهالة
وبالإرشاد لم يحصل رشاد ... وبالتبيان ما بان السداد
وبالإيضاح أشكلت المدارك ... وبالمصباح أظلمت المسالك
وبالتلويح ما لاح الدليل ... وبالتوضيح ما اتضح السبيل
صرفت خلاصة العمر العزيز ... على تنقيح أبحاث الوجيز
بهذا النحو صرف العمر جهل ... فقم واجهد فما في الوقت مهل
ودع عنك الشروح مع الحواشي ... فهن على البصاير كالغواشي
إشارة إلى نبذة من حال من تصدى للتدريس في زماننا هذا.
مرادك أن ترى في كل يوم ... وبين يديك قوم أي قوم
كلاب عاديات بل ذئاب ... ولكن فوق أظهرهم ثياب
إذا ما قلت أصغوا للمقال ... وإن حدثت بالأمر المحال
فليس لهم جميعاً من بضاعة ... سوى سمعاً لمولانا وطاعة
وإن شمرت عن ساق الإفادة ... جلست لهم على عالي الرفادة
стр. 135
وأسست السؤال لمن تكلم ... ودلست الجواب لكي يسلم
وقررت المسائل والمطالب ... ولست بذا لوجه الله طالب
وسقت لهم كلاماً في كلام ... وقلبك من ظلام في ظلام
وإن ناظرت ذا نظر دقيق ... وفي فكر مطالبه عميق
عدلت به عن النهج القويم ... وزغت عن الصراط المستقيم
تكابره على الحق الصريح ... وإن ما جاء في نقل الصحيح
طفقت تروغ عن نهج السبيل ... وتقدح في الكلام بلا دليل
وأولت المراد من العبارة ... بتأويل كثلج في حياره
وعبت أئمة قالوا بذاكا ... وفي تجهيلهم فغرت فاكا
وأزعجت العظام الدارسات ... وبعثرت القبور الطامسات
لئن لم ترتدع عن ذي الظلامة ... فبئس الحال حالك في القيمة
قيل للربيع بن خيثم: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن نفسي راضياً فأتفرغ لذم الناس ثم أنشد:
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي عن نفسي عن الناس شاغل
وله من سوانح سفر الحجاز:
كان في الأكراد شخص ذو سداد ... أمه ذات اشتهار بالفساد
لم تخيب من نوال راغباً ... لم تكفن عن وصال طالباً
بابها مفتوحة للداخلين ... رجلها مرفوعة للفاعلين
فهي مفعول بها في كل حال ... فعلها تمييز أفعال الرجال
كان ظرفاً مستقراً وكرها ... جاء زيد قام عمرو ذكرها
جاءها بعض الليال ذو أمل ... فاعتراها الابن في ذاك العمل
شق بالسكين فوراً صدرها ... في محاق الموت أخفى بدرها
مكن الغيلان في أحشائها ... خلص الجيران من فحشائها
قال بعض القوم من أهل الملام ... لم قتلت الأم يا هذا الغلام
стр. 136
كان قتل المرء أولى يا فتى ... إن قتل الأم شيء ما أتى
قال يا قوم اتركوا هذا العتاب ... إن قتل الأم أدنى للصواب
كنت لو أبقيتها فيما تريد ... كل يوم قاتلاً شخصاً جديد
إنها لو لم تذق حد الحسام ... كان شغلي دائماً قتل الأنام
أيها المأسور في قيد الذنوب ... أيها المحروم من سر الغيوب
أنت في أسر الكلاب العاوية العادية ... من غوى النفس الكفور الجانية
كل صبح مع مساء لا تزال ... مع دواعي النفس في قيل وقال
كل داع حية ذات التقام ... قل مع الحيات كم هذا المقام؟
إن تكن مع لسع ذي تبغي الخلاص ... أو ترم من عض هاتيك المناص
أيها الساقي أدر كأس المدام ... اجعلن في دورها عيش المدام خلص الأرواح من قيد الهموم ... أطلق الأشباح من أسر الغموم
فالبهائي الحزين الممتحن ... من دواعي النفس في أسر المجن
قال ابن العباس: أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا سأله، وأبعد ما يكون عن الناس إذا سألهم.
ومن كلام بعض الأعلام: من ازداد ف العلم رشداً ولم يزدد لم تنفرخ في الدنيا زهداً فقد ازداد من الله بعداً.
قال الجنيد: دخلت على بعض أكابر الطريقة، فوجدته يكتب فقلت له إلى متى هذه الكتابة؟ فمتى العمل؟ ! فقال: يا أبا القاسم، أو ليس هذا عمل؟ فسكت ولم أدر بماذا أجيبه، قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تكتب كل ما تسمع؟ فقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.
من كلام بعض الأكابر إذا لم يكن العالم زاهدا في الدنيا فهو عقوبة لأهل زمانه.
من كلامهم: من لم يكن مستعدا لموته، فموته موت الفجأة، وإن كان صاحب فراش سنةأه
стр. 137
لعضد الدولة
وقالوا أفق من لذة اللهو والصبى ... فقد لاح شيب في القذال العذار عجيب
فقلت أخلائي ذروني ولذتي ... فإن الكرى عند الصباح تطيب
ينسب إلى المجنون
إذا رمت من ليلى عن البعد نظرة ... لاطفي جوى بين الحشا والأضالع
تقول رجال الحي تطمع أن ترى ... بعينيك ليلى مت بداء المطامع
فكيف ترى ليلى بعين ترى بها؟ ... سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروق المسامع
من كلام بعض الأكابر إذا لم يكن العالم زاهداً في الدنيا فهو عقوبة لأهل زمانه، ومن كلامهم: من لم يكن مستعداً لموته فموته فجائة وإن كان صاحب فراش سنة ومن كلامهم: من طلب في هذا الزمان عالماً عاملاً بعلمه بقي بلا عالم ومن طلب طعاماً من غير شبهة بقي بلا طعام، ومن طلب صديقاً بغير عيب بقي بلا صديق، قال رجل لحكيم: ما بال الرجل الثقيل أثقل على الطبع من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن الحمل الثقيل يشارك الروح الجسد في حمله، والرجل الثقيل تنفرد الروح بحمله.
الآيات الثلث التي أوصى والدي قدس سره بتأملها والتدبر في مضمونها، والتفكر في مدلولها: الأولى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الثانية تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين الثالثة: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجائكم النذير.
في كلام القدماء: شر العلماء من لازم الملوك؛ وخير الملوك من لازم العلماء. من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين ﵁.
ءأنعم عيشاً بعد ما حل عارضي ... طلايع شيب ليس يغني خضابها
أيا بومة قد عششت فوق هامتي ... على الرغم مني حين طار غرابها
رأيت خراب العمر مني فزرتني ... ومأواك من كل الديار خرابها
إذا اصفر لون المرء وابيض رأسه ... تنغص من أيامه مستطابها
стр. 138
فدع عنك فضلات الأمور فإنها ... حرام على نفس التقي ارتكابها
وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها ... مغلقة الأبواب مرخى حجابها
رأى حكمة قدسية لا يشوبها ... شوائب أنظار وأدناس أفكار
بإشراقها كل العوالم أشرقت ... لما لاح في الكونين من نورها الساري
إمام الورى طود النهى منبع الهدى ... وصاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو ويعتلي ... على العالم العلوي من دون إنكار
ومنه العقول العشر تبغي كما لها ... وليس عليها في التعلم من عار
همام لو السبع الطباق تطابقت ... على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري
لنكس من أبراجها كل شامخ ... وسكن من أفلاكها كل دوار
ولا انتثرت منها الثوابت خيفة ... وعاف السرى في سورها كل سيار أيا حجة الله الذي ليس جارياً ... بغير الذي يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفه ... وناهيك من مجدبه خصه الباري
أغث حوزة الايمان واعمر ربوعه ... فلم يبق فيها غير دارس آثار
وأنقذ كتاب الله من يد عصبة ... عصوا وتمادوا في عتو وإضرار
يحيدون عن آياته لرواية ... رواها أبو شعيون عن كعب أحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وحبطوا ... بآرائهم تحبيط عشواء معشار
وأنعش قلوباً في انتظارك قرحت ... وأضجرها الأعداء أية إضجار
وخلص عباد الله من كل غاشم ... وطهر بلاد الله من كل كفار
وعجل فداك العالمون بأسرهم ... وبادر على اسم الله من غير إنظار
تجد من جنود الله خير كتائب ... وأكرم أعوان وأشرف أنصار
بهم من بني همدان أخلص فتية ... يخوضون أغمار الوغى غير فكار
بكل شديد البأس عبل شمردل ... إلى الحتف مقدام على الهول مصبار
تحاذره الأبطال في كل موقف ... وترهبه الفرسان في كل مضمار
أيا صفوة الرحمن دونك مدحة ... كدر عقود في ترايب أبكار
يهني ابن هاني إن أتى بنظيرها ... ويعنو لها الطائي من بعد بشار
إليك البهائي الحقير يزفها ... كغانية مياسة القد معطار
تغار إذا قيست لطافة نظمها ... بنفحة أزهار ونسمة أسحار
إذا رددت زادت قبولاً كأنها ... أحاديث نجد لا تمل بتكرار
تمت القصيدة الموسومة بوسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان سلام الله عليه وآبائه الطاهرين.
وله عفى عنه
مضى في غفلة عمري ... كذلك يذهب الباقي
أدر كأساً وناولها ... ألا يا أيها الساقي
لكاتبه في مدح صاحب الزمان ﵁ وعلى آبائه الطاهرين
سرى البرق من نجد فجدد تذكاري ... عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
وهيج من أشواقنا كل كامن ... وأجج في أحشائنا لاهب النار
الايا لييلات الغوير وحاجر ... سقيت بهام من بني المزن مدرار
ويا جيرة بالمازمين خيامهم ... عليكم سلام الله من نازح الدار
خليلي مالي والزمان كأنما ... يطالبني في كل آن بأوتار
فأبعد أحبابي وأخلي مرابعي ... وأبدلني من كل صفو بأكدار
وعادل بي من كان أقصى مرامه ... من المجد أن يسمو إلى عشر معشاري
ألم يدر أني لا أزال لخطبه ... وإن سامني خسفاً وأرخص أسعاري
مقامي بفرق الفرقدين فما الذي ... يؤثره مسعاه في خفض مقداري
وإني امرؤ لا يدرك الدهر غايتي ... ولا تصل الأيدي إلى سر أغواري
أخالط أبناء الزمان بمقتضى ... عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري
واظهر أني مثلهم تستفزني ... صروف الليالي باختلاء وإمرار
وإني ضاري القلب مستوفر النهى ... أسر بيسر أو أساء بإعسار
ويضجرني الخطب المهول لقاؤه ... ويطربني الشادي بعود ومزمار
وتصمي فؤادي ناهد الثدي كاعب ... بأسمر خطار وأحور سحار
وإني أسخى بالدموع لوقفة ... على طلل بال ودارس أحجار
وما علموا أني امرؤ لا يروعني ... توالي الرزايا في عشي وإبكار
إذا دك طور الصبر من وقع حادث ... فطود اصطباري شامخ غير منهار
وخطب يزيل الروع أيسر وقعه ... كؤود كوخز بالأسنة شعار
стр. 139
تلقيته والحتف دون لقائه ... بقلب وقور في الهزاهز صبار
ووجه طليق لا يمل لقاؤه ... وصدر رحيب في ورود وإصدار
ولم أبده كي لا يساء لوقعه ... صديقي ويأسي من تعسره جاري.
ومعضلة دهماء لا يهتدي لها ... طريق ولا يهدي إلى ضوئها الساري.
تشيب النواصي دون حل رموزها ... وبحجم عن أغوارها كل مغوار.
أجلت جياد الفكر في حلباتها ... ووجهت تلقاهات صوائب أنظاري.
فأبرزت من مستورها كل عامض ... وثقفت منها كل أصور موار.
أأضرع للبلوى وأغضى على القذى ... وأرضى بما به كل خوار؟
وأفرح من دهري بلذة ساعة ... وأقنع من عيشي بقرض وأطمار.
إذن لا ورى زندي ولا عز جانبي ... ولا بزعت فيقمة المجد أقماري.
ولا بل كفي بالسماح ولا سرت ... بطيب أحاديثي الركاب وأخباري.
زلا اتشرت في الخافقين فضائلي ... ولا كان في النهدي راشق أشعاري.
خليفة رب العالمين وظله ... عغلى ساكن الغبراء من ديار.
هو العروةالوثقى الذي من بذيله ... تمسك لا يخشى عظائم أوزار.
إمام هدى لاذ الزمان بظله ... وألقى إليه الدهر مقود خوار.
ومقتدر لو كلف الصم نطقها ... بأجدارها فاهت إليه بأجدار.
علوم الورىفي جنب أبحر علمه ... كغرفة كف أو كغمسة منقار.
فلو زار أفلاطون أعتاب قدسه ... ولم يعشه عنها سواطع أنوار.
رأي حكمة قدسية لا يشوبها ... شوائب أنظار وأدناس أفكار.
بإشرافها كل العوالم أشرقت ... لما لاح في الكونين من نورها الساري.
إمام الورى طود النهى منبع الهدى ... وصاحب سر الله في هذه الدار.
به العالم السفلي يسمو ويعتلي ... على العالمخ العلوي من دون إنكار.
ومنه العقول العشر تبغي كمالها. . وليس عليها في التعلم من عار.
همام لو السبع الطباق تطابقت ... على نقض ما يقتضيه من حكمه الجاري.
لنكسى من أبراجها كل شامخ ... وسكن من أفلاكها كل دوار
стр. 140
ولا نتثرت منها الثوابت خيفة ... وعاف السرى في سورها كل سيار.
أيا حجة الله الذي ليس جاريا ... بغير الذي يرضاه سابق أقدار.
ويا من مقاليد الزمان بكفه ... ووناهيك من مجد به خصه الباري.
أغث حوزة الإيمان واعمر ربوعه ... فلم يبق منها غير دارس آثار.
وأنقذ كتاب الله من يد عصبة ... عصوا وتمادوا في عتو وإصرار.
يحيدون عن آياته لرواية ... رواها أبو شعيون عن كعب الأحبار.
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وخبطوا ... بآرائهم تخبيط الأعداء أية إضجار.
وخلص عباد الله من كل غاشم ... وطهر بلاد الله من كل كفار.
وعجل فداك العالمون بأسرهم ... وبادر على اسم الله من غير إنظار.
تجد من جنود الله خير كتائب ... وأكرم أعوان وأشرف أنصار.
بهم من بني همدان أخلص فتية ... يخوضون أغمار الوغى غير نكالر.
بكل شديد الباس عبل شمردل ... إلى الحتف مقدام على الهول مصبار.
تحاذره الأبطال في كل موقف ... وترهبه الفرسان في كل مضمار.
أيا صفوة الرحمن دونك مدحة ... كدر عقود في ترائب أبكار.
يهني ابن هاني إن تأتي بنظيرها ... ويعنو لها الطائي من بعد بشار.
إليك البهائي الحقير يزفها ... كغانية مياسة القد معطار.
تغار إذا قيست لطافة نظمها ... بنفخة أزهار ونسمة أسحار.
إذا رددت زادت قبولا كأنها ... أحاديث نجد لا تمل بتكرار.
تمت القصيدة الموسومة بوسيلة بوسيلة الفوز والأمان، في مدح صاحب اغلزمان.
وله عفى الله عنه:
مضى في غفلة عمري ... كذلك يذهب الباقي.
أدر كأسا وناولها ... ألا يا أيها الساقي
стр. 141
لا يا ريح إن تمرر ... بأهل الحي من حرزي.
فبلغهم تحياتي ... ونبئهم بأشواقي.
وقل أنتم نقضتم عهدكم ... ظلما بلا سبب.
وإني ثابت أبدا ... على عهدي وميثاقي
من كلامهم:
إذا رأيت العالم يلازم السلطان فاعلم أنه لص وإياك أن تخدع بما يقال: إنه يرد مظلمة أو يدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس اتخذها فجار العلماء سلما.
قال بعض الحكماء: إذا أوتيت علماً فلا تطفىء نور العلم بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم، وعن النبي ﷺ : أنه قال خيانة الرجل في العلم أشد من خيانته في المال.
ذكر عند مولانا جعفر بن محمد الصادق قول النبي ﷺ النظر إلى وجه العالم عبادة، فقال: هو العالم الذي إذا نظرت إليه ذكرك بالآخرة، ومن كان على خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة، عن النبي ﷺ أنه قال: العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا خالطوه وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم، وعن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: تعلموا العلم وتعملوا له السكينة والحلم ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم، وعن عيسى ﵇ أنه قال: مثل العالم السوء مثل صخرة وقعت في فم النهر لا هي تشرب الماءولا هي تترك الماء ليخلص إلى الزرع. من الكلام المرموز للحكماء: إن زمن الربيع لا يعدم من العالم، معناه: إن تحصيل الكمالات ميسر في كل وقت سواء كان وقت الشباب أو وقت الكهولة أو وقت الشيخوخة، فلا ينبغي التقاعد عن اكتساب الفضايل في وقت من الأوقات وما أحسن ما قال ومن قال:
هذا زمن الربيع عالج كبدي ... يا صاح فلا تخل من الراح يدي
стр. 142
فالبلبل يتلو ويقول انتبهوا ... العمر مضى وما مضى لم يعد
قال رجل: أصعب الأشياء أن ينال المرء ما لا يشتهيه فسمع كلامه بعض الحكماء فقال: أصعب من ذلك: أن يشتهي ما لا يناله،، كتب رجل من أبناء النعمة وقد أساء إليه زمانه إلى بعض الأمراء:
هذا كتاب فتى له همم ... ألقت إليك رجاءه هممه
قل الزمان يدي عزيمته ... وطواه عن أكفائه عدمه
وتواكلته ذو قرابته ... وهوت به من حالق قدمه
أفضى إليك بسره قلم ... لو كان يعقله بكا قلمه
لكاتبه وهو مما كتبه إلى السيد الأجل قدوة السادات العظام السيد رحمة الله قدس الله روحه وذلك في دار السلطنة بقزوين سنة ألف وواحدة.
أحبتنا إن البعاد لقتال ... فهل حيلة للقرب منكم فيحتال؟
أفي كل آن للتنائي نوائب ... وفي كل حين للتهاجر أهوال
أيا دارنا بالأيك لازال هامياً ... يريعك مسكي الغلالة هطال
ويا جيرتي طال البعاد فهل أرى ... يساعدني في القرب حظ وإقبال وهل يسعف الدهر الخؤون بزورة ... على رغم أيامي بها يسعد البال
خليلي قد طال المقام على القذى ... وحال على ذي الحال يا قوم أحوال
يمر زماني بالأماني وينقضي ... على غير ما أبغي ربيع وشوال
إلى كم أرى في مربع الذل ثاوياً ... وفي الحال إخلال وفي المال إقلال؟
ونجمي منحوس وذكري خامل ... وقدري مبخوس وجدي بطال
فلا ينعشن قلبي قريض أصوغه ... ولا يشرحن صدري فعول وفعال
стр. 143
ولا ينعمن بالي بعلم أفيده ... ومعضلة فيها غموض وإشكال
أميط جلابيب الخفا عن رموزها ... لترفع أستار وتذهب أعضال
ويلمع نور الحق بعد خفائه ... فيهدى به قوم عن الحق ضلال
سأغسل رجس الذل عني بنهضة ... يقل بها حل ويكثر ترحال
وأركب متن البيد سيراً إلى العلى ... وما كل قوال إذا قال فعال
ءأقنع بالمر النقيع وأرتوي ... وبالقرب مني سلسبيل وسلسال
إذن لا تندت بالسماحة راحتي ... ولا ثار لي يوم الكريهة قسطال
ولا هم قلبي بالمعالي ونيلها ... ولا كان بي عن موقف الحتف إجفال
قيل لسقراط: أي السباع أحسن: فقال: المرأة، كتب بعض الحكماء على باب داره لا يدخل داري شر، فقال له بعض الحكماء: فمن أين تدخل امرأتك؟ ! قال بعض الحكماء: المرأة كلها شر وشر ما فيها أنه لابد منها.
من كلام أرسطو طاليس: إذا أردت أن تعرف هل تضبط الإنسان شهواته، فانظر إلى ضبطه منطقه منه، ليس النفس في البدن، بل البدن في النفس، لأنها أوسع منه.
القاضي نظام الدين من كتاب دوبيتاته.
أنتم لظلام قلبي الأضواء ... فيكم لفؤادي جمعت أهواء
يروي الظماء ادكاركم لا الماء ... داويت بغيركم فزاد الداء
أوصيتك بالجد فدع من ساخر ... فاخر بفضيلة التقى من فاخر
لا ترج سوى الرب لكشف البلوى ... لا تدع مع الله إلهاً آخر
مالي وحديث وصل من أهواه ... حسبي بشفاء علتي ذكراه
هذا وإذا قضيت نحبي أسفاً ... يكفي أني أعد من قتلاه
وافى فجذبت عطفه الميادا ... شوقاً فطلبت قبله فانقادا
حاولت ورآء ذاك منه نادى ... لا تطلب بعد بدعة إلحادا
قالوا انته عنه إنه ما صدقا ... ما أجهل من بوعده قد وثقا
стр. 144
لا لا فنتيجة الهوى صادقة ... مع كذب مقدمات وعد سبقا
أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم إلى أبي ذر ﵁، وقال له: إن قبل هذا، فأنت حر، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر وألح عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال له: قبله فإن فيه عتقي، فقال نعم، ولكن فيه رقي.
أول مقامات الانتباه وهو اليقظة من سنة الغفلة، ثم التوبة وهي الرجوع إلى الله بعد الاباق، ثم الورع والتقوى، لكن ورع أهل الشريعة عن المحرمات وورع أصحاب الطريقة عن الشبهات، ثم المحاسبة وهي تعداد ما صدر عن الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين بني نوعه، ثم الإرادة وهي الرغبة في نيل المراد مع الكد، ثم الزهد وهو ترك الدنيا وحقيقته التبري عن غير المولى، ثم الفقر وهو تخلية القلب عما خلت عنه اليد والفقير من عرف أنه لا يقدر على شيء، ثم الصدق وهو استواء الظاهر والباطن، ثم الصبر وهو حمل النفس على المكاره، ثم التصبر وهو ترك الشكوى وقمع النفس ثم الرضا وهو التلذذ بالبلوى؛ ثم الإخلاص وهو إخراج الخلق عن معاملة الحق ثم التوكل وهو الاعتماد في كل أموره على الله سبحانه مع العلم بأن الخير فيما اختاره.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس إنما أنتم خلف ماضين وبقية متقدمين كانوا أكثر منكم بسطة وأعظم سطوة أزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها فغدت ربهم أوثق ما كانوا بها فلم تغن عنهم قوة عشيرة ولا قبل منهم بذل فدية، فأرحلوا نفوسكم بزاد مبلغ قبل أن تؤخذوا على فجأة فقد غفلتم عن الاستعداد فقد جف القلم بما هو كائن. ومن خطبة له ﷺ : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل وقضاء وحق ولقد أبلغ في الأعذار من تقدم في الإنذار.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية واستهوته البدعة، فاركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، وصرة حالب فعلام
стр. 145
تعرجون؟ وماذا تنتظرون؟ فكأنكم والله بما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل فخذوا الأهبة لزوف النقلة وأعدو الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرىء على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم.
ومن خطبة له ﵊: الدنيا دار فناء ومنزل قلعة وعناء قد نزعت عنها نفوس السعداء وانتزعت بالكره من قيد أيدي الأشقياء فأسعد الناس فيها أرغبهم عنها وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشية لمن انتصحها والمغوية لمن أطاعها، والجائرة لمن انقاد لها والفايز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه ونصح نفسه وقدم توبته وأخر شهوته من قبل أن يلفظه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا أن ينقص من سيئة؛ ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفد عذابها.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس حلو أنفسكم بالطاعة والبسوا قناعة المخافة واجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم، واعلموا: أنكم عن قليل راحلون وإلى الله صائرون ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه أو حسن ثواب أخرتموه إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية، فكان قد كشف القناع وارتفع الارتياب ولاقى كل امرىء مستقره وعرف مثواه ومنقلبه.
قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف من أين حصل الرجل المال فانظر في أي شيء ينفقه.
كان بعض العلماء يبخل ببذل العلم، فقيل له: تموت وتدخل علمك معك القبر، فقال: ذاك أحب إلي أن أجعله في إناء سوء.
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة.
كان الشيخ علي بن سهل الصوفي الأصفهاني ينفق على الفقراء والصوفية ويحسن إليهم وقد دخل عليه يوماً جماعة منهم ولم يكن عنده شيء فذهب إلى بعض أصدقائه والتمس منه شيئاً للفقراء فأعطاه شيئاً من الدراهم واعتذر من قلتها وقال إني مشغول ببناء دار أحتاج إلى خرج كثير فأعذرني فقال له الشيخ علي بن سهل: وكم يصير خرج هذه الدار؟ فقال لعله يبلغ خمسمائة درهم، فقال الشيخ ادفعها إلي لأنفقها على الفقراء وأنا أسلمك داراً في الجنة وأعطيك خطي وعهدي فقال الرجل: يا أبا الحسن إني لم أسمع منك قط خلافاً ولا كذباً فإن ضمنت ذلك فأنا أفعل فقال ضمنت وكتب
следующие страницы →