Полный текст (663 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لا يا ريح إن تمرر ... بأهل الحي من حرزي.
فبلغهم تحياتي ... ونبئهم بأشواقي.
وقل أنتم نقضتم عهدكم ... ظلما بلا سبب.
وإني ثابت أبدا ... على عهدي وميثاقي
من كلامهم:
إذا رأيت العالم يلازم السلطان فاعلم أنه لص وإياك أن تخدع بما يقال: إنه يرد مظلمة أو يدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس اتخذها فجار العلماء سلما.
قال بعض الحكماء: إذا أوتيت علماً فلا تطفىء نور العلم بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم، وعن النبي ﷺ : أنه قال خيانة الرجل في العلم أشد من خيانته في المال.
ذكر عند مولانا جعفر بن محمد الصادق قول النبي ﷺ النظر إلى وجه العالم عبادة، فقال: هو العالم الذي إذا نظرت إليه ذكرك بالآخرة، ومن كان على خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة، عن النبي ﷺ أنه قال: العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان، فإذا خالطوه وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم، وعن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه: تعلموا العلم وتعملوا له السكينة والحلم ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم، وعن عيسى ﵇ أنه قال: مثل العالم السوء مثل صخرة وقعت في فم النهر لا هي تشرب الماءولا هي تترك الماء ليخلص إلى الزرع. من الكلام المرموز للحكماء: إن زمن الربيع لا يعدم من العالم، معناه: إن تحصيل الكمالات ميسر في كل وقت سواء كان وقت الشباب أو وقت الكهولة أو وقت الشيخوخة، فلا ينبغي التقاعد عن اكتساب الفضايل في وقت من الأوقات وما أحسن ما قال ومن قال:
هذا زمن الربيع عالج كبدي ... يا صاح فلا تخل من الراح يدي
стр. 142
فالبلبل يتلو ويقول انتبهوا ... العمر مضى وما مضى لم يعد
قال رجل: أصعب الأشياء أن ينال المرء ما لا يشتهيه فسمع كلامه بعض الحكماء فقال: أصعب من ذلك: أن يشتهي ما لا يناله،، كتب رجل من أبناء النعمة وقد أساء إليه زمانه إلى بعض الأمراء:
هذا كتاب فتى له همم ... ألقت إليك رجاءه هممه
قل الزمان يدي عزيمته ... وطواه عن أكفائه عدمه
وتواكلته ذو قرابته ... وهوت به من حالق قدمه
أفضى إليك بسره قلم ... لو كان يعقله بكا قلمه
لكاتبه وهو مما كتبه إلى السيد الأجل قدوة السادات العظام السيد رحمة الله قدس الله روحه وذلك في دار السلطنة بقزوين سنة ألف وواحدة.
أحبتنا إن البعاد لقتال ... فهل حيلة للقرب منكم فيحتال؟
أفي كل آن للتنائي نوائب ... وفي كل حين للتهاجر أهوال
أيا دارنا بالأيك لازال هامياً ... يريعك مسكي الغلالة هطال
ويا جيرتي طال البعاد فهل أرى ... يساعدني في القرب حظ وإقبال وهل يسعف الدهر الخؤون بزورة ... على رغم أيامي بها يسعد البال
خليلي قد طال المقام على القذى ... وحال على ذي الحال يا قوم أحوال
يمر زماني بالأماني وينقضي ... على غير ما أبغي ربيع وشوال
إلى كم أرى في مربع الذل ثاوياً ... وفي الحال إخلال وفي المال إقلال؟
ونجمي منحوس وذكري خامل ... وقدري مبخوس وجدي بطال
فلا ينعشن قلبي قريض أصوغه ... ولا يشرحن صدري فعول وفعال
стр. 143
ولا ينعمن بالي بعلم أفيده ... ومعضلة فيها غموض وإشكال
أميط جلابيب الخفا عن رموزها ... لترفع أستار وتذهب أعضال
ويلمع نور الحق بعد خفائه ... فيهدى به قوم عن الحق ضلال
سأغسل رجس الذل عني بنهضة ... يقل بها حل ويكثر ترحال
وأركب متن البيد سيراً إلى العلى ... وما كل قوال إذا قال فعال
ءأقنع بالمر النقيع وأرتوي ... وبالقرب مني سلسبيل وسلسال
إذن لا تندت بالسماحة راحتي ... ولا ثار لي يوم الكريهة قسطال
ولا هم قلبي بالمعالي ونيلها ... ولا كان بي عن موقف الحتف إجفال
قيل لسقراط: أي السباع أحسن: فقال: المرأة، كتب بعض الحكماء على باب داره لا يدخل داري شر، فقال له بعض الحكماء: فمن أين تدخل امرأتك؟ ! قال بعض الحكماء: المرأة كلها شر وشر ما فيها أنه لابد منها.
من كلام أرسطو طاليس: إذا أردت أن تعرف هل تضبط الإنسان شهواته، فانظر إلى ضبطه منطقه منه، ليس النفس في البدن، بل البدن في النفس، لأنها أوسع منه.
القاضي نظام الدين من كتاب دوبيتاته.
أنتم لظلام قلبي الأضواء ... فيكم لفؤادي جمعت أهواء
يروي الظماء ادكاركم لا الماء ... داويت بغيركم فزاد الداء
أوصيتك بالجد فدع من ساخر ... فاخر بفضيلة التقى من فاخر
لا ترج سوى الرب لكشف البلوى ... لا تدع مع الله إلهاً آخر
مالي وحديث وصل من أهواه ... حسبي بشفاء علتي ذكراه
هذا وإذا قضيت نحبي أسفاً ... يكفي أني أعد من قتلاه
وافى فجذبت عطفه الميادا ... شوقاً فطلبت قبله فانقادا
حاولت ورآء ذاك منه نادى ... لا تطلب بعد بدعة إلحادا
قالوا انته عنه إنه ما صدقا ... ما أجهل من بوعده قد وثقا
стр. 144
لا لا فنتيجة الهوى صادقة ... مع كذب مقدمات وعد سبقا
أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم إلى أبي ذر ﵁، وقال له: إن قبل هذا، فأنت حر، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر وألح عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال له: قبله فإن فيه عتقي، فقال نعم، ولكن فيه رقي.
أول مقامات الانتباه وهو اليقظة من سنة الغفلة، ثم التوبة وهي الرجوع إلى الله بعد الاباق، ثم الورع والتقوى، لكن ورع أهل الشريعة عن المحرمات وورع أصحاب الطريقة عن الشبهات، ثم المحاسبة وهي تعداد ما صدر عن الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين بني نوعه، ثم الإرادة وهي الرغبة في نيل المراد مع الكد، ثم الزهد وهو ترك الدنيا وحقيقته التبري عن غير المولى، ثم الفقر وهو تخلية القلب عما خلت عنه اليد والفقير من عرف أنه لا يقدر على شيء، ثم الصدق وهو استواء الظاهر والباطن، ثم الصبر وهو حمل النفس على المكاره، ثم التصبر وهو ترك الشكوى وقمع النفس ثم الرضا وهو التلذذ بالبلوى؛ ثم الإخلاص وهو إخراج الخلق عن معاملة الحق ثم التوكل وهو الاعتماد في كل أموره على الله سبحانه مع العلم بأن الخير فيما اختاره.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس إنما أنتم خلف ماضين وبقية متقدمين كانوا أكثر منكم بسطة وأعظم سطوة أزعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها فغدت ربهم أوثق ما كانوا بها فلم تغن عنهم قوة عشيرة ولا قبل منهم بذل فدية، فأرحلوا نفوسكم بزاد مبلغ قبل أن تؤخذوا على فجأة فقد غفلتم عن الاستعداد فقد جف القلم بما هو كائن. ومن خطبة له ﷺ : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهدوا لها قبل أن تعذبوا، وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا، فإنما هو موقف عدل وقضاء وحق ولقد أبلغ في الأعذار من تقدم في الإنذار.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية واستهوته البدعة، فاركن إلى دار سريعة الزوال وشيكة الانتقال، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، وصرة حالب فعلام
стр. 145
تعرجون؟ وماذا تنتظرون؟ فكأنكم والله بما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل فخذوا الأهبة لزوف النقلة وأعدو الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرىء على ما قدم قادم وعلى ما خلف نادم.
ومن خطبة له ﵊: الدنيا دار فناء ومنزل قلعة وعناء قد نزعت عنها نفوس السعداء وانتزعت بالكره من قيد أيدي الأشقياء فأسعد الناس فيها أرغبهم عنها وأشقاهم بها أرغبهم فيها، هي الغاشية لمن انتصحها والمغوية لمن أطاعها، والجائرة لمن انقاد لها والفايز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه ونصح نفسه وقدم توبته وأخر شهوته من قبل أن يلفظه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح في بطن غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا أن ينقص من سيئة؛ ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها أو نار لا ينفد عذابها.
ومن خطبة له ﵊: أيها الناس حلو أنفسكم بالطاعة والبسوا قناعة المخافة واجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم، واعلموا: أنكم عن قليل راحلون وإلى الله صائرون ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه أو حسن ثواب أخرتموه إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية، فكان قد كشف القناع وارتفع الارتياب ولاقى كل امرىء مستقره وعرف مثواه ومنقلبه.
قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف من أين حصل الرجل المال فانظر في أي شيء ينفقه.
كان بعض العلماء يبخل ببذل العلم، فقيل له: تموت وتدخل علمك معك القبر، فقال: ذاك أحب إلي أن أجعله في إناء سوء.
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة.
كان الشيخ علي بن سهل الصوفي الأصفهاني ينفق على الفقراء والصوفية ويحسن إليهم وقد دخل عليه يوماً جماعة منهم ولم يكن عنده شيء فذهب إلى بعض أصدقائه والتمس منه شيئاً للفقراء فأعطاه شيئاً من الدراهم واعتذر من قلتها وقال إني مشغول ببناء دار أحتاج إلى خرج كثير فأعذرني فقال له الشيخ علي بن سهل: وكم يصير خرج هذه الدار؟ فقال لعله يبلغ خمسمائة درهم، فقال الشيخ ادفعها إلي لأنفقها على الفقراء وأنا أسلمك داراً في الجنة وأعطيك خطي وعهدي فقال الرجل: يا أبا الحسن إني لم أسمع منك قط خلافاً ولا كذباً فإن ضمنت ذلك فأنا أفعل فقال ضمنت وكتب
стр. 146
على نفسه كتاباً بضمان دار له في الجنة، فدفع الرجل الخمسمائة درهم وأخذ الكتاب بخط الشيخ وأوصى أنه إذا مات أن يجعل ذلك الكتاب في كفنه، فمات في تلك السنة وفعل ما أوصى به، فدخل الشيخ يوماً إلى مسجده لصلاة الغداة، فوجد ذلك الكتاب بعينه في المحراب وعلى ظهره مكتوب بالخضرة: قد أخرجناك من ضمانك وسلمنا الدار في الجنة إلى صاحبها فكان ذلك الكتاب عند الشيخ برهة من الزمان يستشفي به المرضى من أهل أصفهان وغيرهم وكان بين كتب الشيخ فسرق صندوق كتبه وسرق ذلك الكتاب معها.
وكان رأيت في بعض التواريخ الموثوق بها: أن الشيخ علي بن سهل كان معاصراً للجنيد وكان تلميذ الشيخ محمد بن يوسف البناء، كتب الجنيد إليه سل شيخك ما الغالب على أمره؟ فسأل ذلك من شيخه محمد بن يوسف البناء، فقال: اكتب إليه. والله غالب على أمره.
يقول كاتب هذه الأحرف محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه: رأيت في المنام أيام إقامتي بأصفهان كأني أزور إمامي وسيد ومولاي الرضا ﵁ وكانت قبته وضريحه كقبة الشيخ علي بن سهل وضريحه فلما أصبحت نسيت المنام واتفق أن بعض الأصحاب كان نازلاً في بقعة الشيخ فجئت لرؤيته ثم بعد ذلك دخلت إلى زيارة الشيخ فلما رأيت قبته وضريحه خطر المنام بخاطري وزاد في الشيخ اعتقادي.
من كلام سيد الأوصياء ﵁ أفضل العبادة الصبر والصمت وانتظار الفرج. ومن كلامه: الصبر على ثلاثة وجوه، فصبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وصبر على المصيبة.
ومن كلامه ﵁: ثلاثة من كنوز الجنة، الصدقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض.
ومن كلامه: كل قول ليس لله فيه ذكر فلغو، وكل صمت ليس فيه فكر فسهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فلهو.
ومن كلامه: ضاحك معترف بذنبه خير من باك يدل على ربه.
ومن كلامه: الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر فخذوا رحمكم الله من ممركم
стр. 147
لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم على من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، فللآخرة خلقتم وفي الدنيا حبستم، إن المرء إذا هلك قالت الملائكة ما قدم؟ وقال الناس ما خلف؟ فالله آباؤكم، قدموا بعضاً يكن لكم، ولا تتركوا كلايكن عليكم، فإنما مثل الدنيا مثل السم يأكله من لا يعرفه.
ما كان يدعو به بعض الحكماء: اللهم أهلنا بالإنابة إليك، والثناء عليك، والثقة بما لديك، ونيل الزلفى عندك وهون علينا الرحيل من هذه الدار الضيقة والفضاء الحرج والمقام الرخص، والعرصة المحشوة بالغصة، والساحة الخالية عن الراحة بالسلامة والربح والغنيمة إلى جوارك، حيث قلت: في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وحيث يجد ساكنه من الروح والراحة ما يقول معه: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن واحسم مطامعنا من خلقك، وانزع قلوبنا عن الميل إلى غيرك، واصرف أعيننا عن زهرة عالمك الأدنى برحمتك وفضلك وجودك يا كريم.
كان عيسى ﵇ يقول لأصحابه: يا عباد الله بحق أقول لكم: إنكم لا تدركون من الآخرة إلا بترك ما تشتهون من الدنيا، دخلتم إلى الدنيا عراة، وستخرجون منها عراة فاصنعوا بين ذلك ما شئتم.
ومن كلام بعض الوزراء: عجبت ممن يشتري العبد بماله ولا يشتري الأحرار بفعاله، من كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها.
من كلام معروف الكرخي: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله تعالى.
لكاتب الأحرف بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه:
يا كراماً صبرنا عنهم محال ... إن حالي عن جفاكم شرحال
إن أتى من حيكم ريح الشمال ... صرت لا أدري يميني عن شمال
حبذا ريح سرى من ذي سلم ... عن ربى نجد وسلع والعلم
أذهب الأحزان عنا والألم ... والأماني أدركت والهم زال
стр. 148
يا أخلائي بحزوى والعقيق ... ما يطيق الهجر قلبي ما يطيق
هل لمشتاق إليكم من طريق ... أم سددتم عنه أبواب الوصال
لا تلوموني على فرط الضجر ... ليس قلبي من حديد أو حجر
فات مطلوبي ومحبوبي هجر ... والحشا في كل آن في اشتغال
من رأى وجدي لسكان الحجون ... قال ما هذا هوى هذا جنون
أيها اللوام ماذا تبتغون؟ ... قلبي المضني وعقلي ذو اعتقال
يا نزولاً بين جمع والصفا ... يا كرام الحي يا أهل الوفا
كان لي قلب حمول للجفا ... ضاع مني بين هاتيك التلال
يا رعاك الله يا ريح الصبا ... أن تجز يوماً على وادي قبا
سل أهيل الحي في تلك الربى ... هجرهم هذا دلال أم ملال؟
جيرة في هجرنا قد أسرفوا ... حالنا في بعدهم لا يوصف
إن جفوا أو واصلوا أو أتلفوا ... حبهم في القلب باق لا يزال
هم كرام ما عليهم من مزيد ... من يمت في حبهم يمضي شهيد
مثل مقتول لدى المولى الحميد ... أحمدي الخلق محمود الفعال
صاحب العصر الإمام المنتظر ... من بما يأباه لا يجري القدر
حجة الله على كل البشر ... خير أهل الأرض في كل الخصال
стр. 149
من إليه الكون قد ألقى القياد ... مجرياً أحكامه فيما أراد
إن تزل عن طوعه السبع الشداد ... خر منها كل سامي السمك عال
شمس أوج المجد مصباح الظلام ... صفوة الرحمن من بين الأنام الإمام ابن الإمام ابن الإمام ... قطب أفلاك المعالي والكمال
فاق أهل الأرض في عز وجاه ... وارتقى في المجد أعلى مرتقاه
لو ملوك الأرض حلوا في ذراه ... كان أعلى صفهم صف النعال
ذو اقتدار إن يشأ قلب الطباع ... صير الأظلام طبعاً للشعاع
وارتدى الامكان برد الامتناع ... قدرة موهوبة من ذي الجلال
يا أمين الله يا شمس المدى ... يا إمام الخلق يا بحر الندى
عجلن عجل فقد طال المدى ... وأضمحل الدين واستولى الضلال
هاك يا مولى الورى نعم المجير ... من مواليك البهائي الفقير
مدحة يعنو لمعناها جرير ... نظمها يزري على عقد اللئال
يا ولي الأمر يا كهف الرجا ... مسنى الضر وأنت المرتجى
والكريم المستجار الملتجا ... غير محتاج إلى بسط السؤال
كتب بعض الحكماء إلى صديق له: أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك واستح من الله بقدر قربه منك وخفه بقدر قدرته عليك والسلام.
من كلام عيسى ﵇: إن مرتكب الصغيرة ومرتكب
стр. 150
الكبيرة سيان فقيل: وكيف ذلك؟ فقال: الجرأة واحدة، وما عف عن الدرة من يسرق الذرة.
قال حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه: أتحب أن تغلب شر الناس؟ فقال: نعم، فقال: إنك لن تغلبه حتى تكون شراً منه.
قيل لفيثاغورس: من الذي يسلم من معاداة الناس؟ قال: من لم يظهر منه خير ولا شر، قيل: وكيف ذلك؟ ﴿قال: لأنه إن ظهر منه خير عاداه الأشرار، وإن ظهر منه شر عاداه الأخيار.
كان أنوشيروان يمسك عن الطعام وهو يشتهيه. ويقول: نترك ما نحب لئلا نقع فيما نكره. من أمثال العرب وحكاياتهم عن ألسنة الحيوانات: لقي كلب كلباً في فمه رغيف محرق فقال: بئس هذا الرغيف ما أردأه؟﴾ فقال له الكلب الذي في فمه الرغيف: نعم لعن الله هذا الرغيف ولعن من يتركه قبل أن يجد ما هو خير منه. قيل لبعض الأكابر من الصوفية: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت آسفاً على أمسي كارهاً ليومي متهماً لغدي. روي أن سليمان على نبينا وآله السلام رأى عصفوراً يقول لعصفورة: لم تمنعين نفسك مني؟ ولو شئت أخذت قبة سليمان بمنقاري، فألقيتها في البحر، فتبسم سليمان
стр. 151
عليه السلام من كلامه، ثم دعا بهما، وقال للعصفور: أتطيق أن تفعل ذلك؟ فقال يا رسول الله: لا، ولكن المرء قد يزين نفسه ويعظمها عند زوجته والمحب لا يلام على ما يقول، فقال سليمان للعصفورة: لم تمنعيه من نفسك وهو يحبك؟ فقالت يا نبي الله إنه ليس محباً، ولكنه مدع لأنه يحب معي غيري، فأثر كلام العصفورة في قلب سليمان ﵇ وبكى بكاء شديداً واحتجب عن الناس أربعين يوماً يدعو الله أن يفرغ قلبه لمحبته وأن لا يخالطها بمحبة غيره.
ومن خطبة للنبي ﷺ : أيها الناس أكثروا ذكر هادم اللذات فإنكم إن ذكرتمه في ضيق وسعه عليكم، وإن ذكرتموه في غنى نغصه إليكم، إن المنايا قاطعات الآمال والليالي مدنيات الآجال، وإن العبد بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فختم عليه ويوم قد بقي لا يدري لعله لا يصل إليه، وإن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلف، أيها الناس إن في القناعة لسعة لغنى وإن في الاقتصاد لبلغة وإن في الزهد لراحة ولكل عمل جزاء وكل آت قريب.
احتضر بعض المترفين وكان كلما قيل له قل لا إله إلا الله يقول هذا البيت:
يا رب قائلة يوماً وقد تعبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب؟ ﴿
سبب ذلك أن امرأة عفيفة حسناء خرجت إلى حمام معروف بحمام منجاب، فلم تعرف طريقه وتعبت من المشي، فرأت رجلاً على باب داره فسألته عن الحمام فقال: هو هذا وأشار إلى باب داره، فلما دخلت أغلق الباب عليها فلما عرفت بمكره، أظهرت كمال الرغبة والسرور وقالت: اشتر لنا شيئاً من الطيب وشيئاً من الطعام وعجل بالعود إلينا، فلما خرج واثقاً بها وبرغبتها خرجت وتخلصت منه، فانظر كيف منعته هذه الخطيئة عن الإقرار بالشهادة عند الموت؟﴾ مع أنه لم يصدر منه إلا إدخال المرأة بيته وعزمه على الزنا فقط. من دون وقوعه منه. قال حكيم: ما رأيت واحداً إلا ظننته خيراً مني لأني من نفسي على يقين ومنه على شك.
سئل الشبلي لم سمي الصوفي ابن الوقت؟ فقال: إنه لا يأسف على الغايب، ولا ينتظر الوارد.
فائدة: التجريد سرعة العود إلى الوطن الأصلي والاتصال بالعالم العقلي وهو المراد بقوله ﵇ حب الوطن من الإيمان، وإليه يشير قوله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية "، وإياك أن تفهم من الوطن دمشق وبغداد وما ضاهاهما، فإنهما من الدنيا، وقد قال سيد الكل في الكل صلوات الله وسلامه عليه: حب الدنيا رأس كل خطيئة فاخرج من هذه القرية الظالم أهلها وأشعر قلبك قوله تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً ".
قال معاوية لابن عباس بعد أن كف بصره: ما لكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم؟ فقال: كما أنكم يا بني أمية تصابون في بصائركم. قدم قوم غريمهم إلى الوالي وادعوا عليه بألف دينار، فقال الوالي: ما تقول؟ فقال: صدقوا فيما ادعوا، ولكني اسئلهم أن يمهلوني لأبيع عقاري وإبلي وغنمي، ثم أوفيهم فقالوا: أيها الوالي: قد كذب والله ما له شيء من المال لا قليل ولا كثير؛ فقال: أيها الوالي قد سمعت شهادتهم بإفلاسي فكيف يطالبوني؟ ! فأمر الوالي بإطلاقه.
стр. 152
كان في بغداد رجل قد ركبته ديون كثيرة وهو مفلس فأمر القاضي بأن لا يقرضه أحد شيئاً، ومن أقرضه فليصبر عليه ولا يطالبه بدينه، وأمر بأن يركب على بغل ويطاف به في المجامع ليعرفه الناس ويحترزوا من معاملته فطافوا به في البلد ثم جاؤا به إلى باب داره، فلما نزل عن البغل قال له صاحب البغل: أعطني أجرة بغلي فقال وفي أي شيء كنا من الصباح إلى هذا الوقت يا أحمق؟ !
أبو الأسود الدؤلي
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضاً ... ليدفع معور عن معور
فطن لكل مصيبة في ماله ... وإذا أصيب بدينه لم يشعر
القاضي المهذب
وترى المجرة والنجوم كأنما ... تسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم يكن نهراً لما غاصت به ... أبداً نجوم الحوت والسرطان
لله در من قال
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود
كتب رجل إلى رجل تخلى للعبادة وانقطع عن الناس: بلغني أنك اعتزلت الخلق، وتفرعت للعبادة، فما سببب معاشك؟ فكتب إليه: يا أحمق بلغك أني منقطع إلى الله تعالى سبحانه، وتسألني عن معاشي.
قال بعض العارفين: الوعد حق الخلق على الله تعالى فهو أحق من وفى، والوعيد حقه سبحانه على الخلق فهو أحق من عفا. وقد كانت العرب تفتخر بإيفاء الوعد وخلف الوعيد. قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
стр. 153
أبو الحسن التهامي
عبسن من شعرٍ في الرأس مبتسم ... ما نفر البيض مثل البيض في اللمم
ظننت شبيبته تبقى وما علمت ... أن الشبيبة مرقاة إلى الهرم
ما شاب عزمي ولا خلقي ولا حزمي ... ولا وفائي ولا ديني ولا كرمي
وإنما اعتاض رأسي غير صبغته ... والشيب في الرأس غير الشيب في الهمم
وصل الخيال ووصل الخود إن نحلت ... سيان ما أشبه الوجدان بالعدم
والطيف أفضل وصلاً إن لذته ... تخلو من الإثم والتنغيص والندم
لا تحمد الدهر في ضرآء يصرفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم
فالدهر كالطيف في بؤس وأنعمه ... من غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة ... لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسناهم وفخرهم ... بطولهم في المعالي لا بطولهم
ما اغتابني حاسد إلا شرفت بها ... فحاسدي منهم في زي منتقم
فالله يكلؤ حسادي فأنعمهم ... عندي وإن وقعت من غير قصدهم
كتب رجل إلى شخص؛ تخلى للعبادة وانقطع عن الناس: بلغني أنك اعتزلت عن الخلق وتفرغت للعبادة، فما سبب معاشك؟ فكتب إليه يا أحمق يبلغك أني منقطع إلى الله سبحانه وتسألني عن المعاش؟ ﴿قال بعض العارفين: الوعد حق الخلق على الله تعالى، فهو أحق من وفى، والوعيد حقه سبحانه على الخلق فهو أحق من عفى، وقد كانت العرب تفتخر بإيفاء الوعد وخلف الوعيد، قال الشاعر:
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي قال بعض الحكماء: الدنيا إنما تراد لثلاثة، العز والغنى والراحة؛ من زهد فيها عز؛ ومن قنع استغنى، ومن ترك السعي استراح، حكي عن بعض أصحاب الحقيقة أن البسطامي مر بكلب قد ترطب بالمطر فنحى عنه ثوبه ترفعاً، فنطق الكلب بلسان فصيح وقال: إن نجاسة ثوبك مني يطهرها الماء ولكن تنحية ثوبك عني لا يطهرها الماء.
كلمات أب ج د
كلمات أبجد ثمانية، أربعة رباعية الحروف وأربعة ثلاثية، ولكل كلمة رقم هندي على الترتيب، ولكل حرف من كل كلمة رمز سندي: فللحرف الأول سا وللثاني ل وللثالث ما وللرابع﴾ لكنا نكتفي عن رقم الكلمة الأولى بصفر إن قصد حرف تاليها ويرمز حروفها إن قصد حرفها ونجعل رقم متلو كل كلمة دالاً عليها متصلاً رمز حرفها المطلوب بالرقم المذكور، فعلامة الألف سا،، وعلامة الدال ﴿وعلامة الواو وعلامة الكاف آيوصل رمز كل منهما برقم متلو كلمته وعلامة الفاء ع﴾ كما عرفت، فتكتب أحمد هكذا.
وتكتب علي هكذا
стр. 154
وتكتب جعفر هكذا وتكتب غانم هكذا لأن متلو كلمة الغين المعجمة سابعة الكلمات، ومن هذا يظهر أنه لا حاجة إلى رقم الكلمة الثامنة كما لا حاجة إلى رقم الكلمة الأولى إن قصد حرفها إذ الثامنة غير متلوة والأولى غير تالية وإذا تمت الكلمة فيمد حرفها الآخر السندي ليحصل الاطلاع على آخر الكلمة ولا يخلط بما بعدها اللهم إلا أن يكون في آخر السطر فتكتب زيد بن خالد هكذا.
وقف أعرابي على قبر هشام بن عبد الملك وإذا بعض خدامه، يبكي على قبره، ويقول: ماذا لقينا بعدك فقال الأعرابي أما إنه لو نطق لأخبرك أنه لقي أشد مما لقيتم.
ولبعضهم:
أهوى عليا أمير المؤمنين ولا ... أرضى بسب أبي بكر ولا عمرا.
ولا أقول إذا لم يعطيا فدكا ... بنت النبي رسولالله قد كفرا.
الله يعلم ماذا يأتيان به ... يوم القيامة من عذر إذا اعتذ ١ را.
ولبهااء الدين محمد العاملي في جوابه:
يا أيها المدعي حب الوصي ولم ... يسمح بسب أبي بكر ولا عمرا.
كذبت والله يفي دعوى محبته ... تبت يداك ستصلى في غد سقرا.
وكيف تهوى أمير المؤمنين وقد ... أصبحت يفي سب من عاداه مفتكرا.
فإن لم تكن صادقا فيما نطقت به ... فأبرأ إلى الله ممن خان أو غدرا.
وأنكر النص يفي خك وبيعته ... وقال إن رسول الله قد هجرا.
أتيت تبغي قيام العذر في فدك ... أتحسب الأمر بالتمويه مستترا.
إن كان يفي غصب حق الطهر فاطمة ... سيقبل العذر ممن جاء معتذرا.
فكل ذنب له عذر غداة غد ... وكل ظلم يرى في الحشر مغتفرا.
فلا تقولوا لمن أيامه صرفت ... في سب شيخكم قد ضل أو كفرا.
بل سامحوه وقولا لا نؤاخذه ... عسى يكون له عذر إذا اعتذرا.
فكيف والعذر مثل الشمس متضح ... والأمر كالصبح إذا ظهرا.
стр. 155
لكن إبليس أغواكم وصيركم ... عميا وصما فلا سمعا ولا بصرا
أبو فراس يصف نفسه
وقور وأحداث الزمان تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهاب
صبور وإن لم يبق مني بقية ... قؤول ولو أن السيوف جواب
وألحظ أحوال الزمان بمقلة ... بها الصدق وصدق الكذاب كذاب
تغابيت عن قومي فظنوا غباوة ... بمفرق أغبانا حصاً وتراب
إذا الخل لم يهجرك إلا ملالة ... فليس له إلا الفراق عتاب
بنى بعض ملوك بني إسرائيل داراً تكلف في سعتها وزينتها، ثم أمر من يسأل عن عيبها، فلم يعبها أحد إلا ثلاثة من العباد، قالوا: إن فيها عيبين، الأول أنها تخرب، والثاني أنه يموت صاحبها فقال: وهل يسلم من هذين العيبين دار؟ فقال: نعم دار الآخرة فترك ملكه وتعبد معهم مدة، ثم ودعهم فقال: هل رأيت منا ما تكره؟ فقال: لا ولكنكم عرفتموني فأنتم تكرموني. فاصحب من لا يعرفني.
سئل بعض الزهاد عن مخالطة الملوك والوزراء، فقال من لا يخالطهم ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا ممن يقوم الليل ويصوم النهار ويحج ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم.
لجامعه من السوانح: غفلة القلب عن الحق من أعظم العيوب وأكبر الذنوب، ولو كانت آنا من الآنات، أو لمحة من اللمحات حتى إن أهل القلوب عدوا الغافل في آن الغفلة من جملة الكفار، وكما يعاقب العوام على سيئاتهم كذلك يعاقب الخواص على غفلاتهم، فاجتنب الاختلاط بأصحاب الغفلة على كل حال إن أردت أن تكون من زمرة أهل الكمال.
سانحة: يا مسكين عزمك ضعيف، ونيتك متزلزله، وقصدك مشوب، ولهذا لا يتفتح لك الباب، ولا يرتفع عنك الحجاب، ولو صممت عزيمتك، وأثبت نيتك وأخلصت قصدك لا نقتح لك الباب من غير مفتاح، كما انفتح ليوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما صمم العزم وأخلص النية في الخلاص من الوقوع في الفاحشة , وجد يفي الهرب من زليخا.
стр. 156
سانحة: أيها الغافل شاب رأسك، وبردت أنفاسك وأنت في القيل والقال والنزاع والجدال، فأحبس لسانك عن بسط الكلام فيما لا ينفعك يوم القيامة
من مجموع قديم في مدح صاحب الديوان::
لله دركم يا آل ياسينا ... يا أنجم الحق أعلام الهدى فينا
لا يقبل الله إلا مع محبتكم ... أعمال عبد ولايرضى له دينا
بكم أخفف أعباء الذنوب بكم ... بكم أثقل في الحشر الموازينا
سآء ابن آكلة الأكباد منقلباً ... إذ جر حرب أبيكم يوم صفينا
الشمس ردت عليه بعدما غربت ... من ذا يطيق لعين الشمس تطيينا
مهما تمسك بالأخبار طائفة ... فقوله وال من والاه يكفينا
لوالدي طاب ثراه في معارضة البردة:
أسحر بابل في جفنيك أم سقمي؟ ! ... أم السيوف لقتل العرب والعجم
والخال مركز دور للعذار بدا ... أم ذاك نضج عثار الخط بالقلم
أم حبة وضعت كيما تصيد بها ... طير الفؤاد وقد صادته فاحتكم
أنا الملوم وقلبي مولم برشا ... ساق غدا قلبه قاسٍ على الأمم
ذي أعين إن رنت يوماً إلى جسد ... إلبسنه كلما فيهن من سقم
قلبي غضا وضلوعي منحنى وله ... عقيق جفني بسفح ناب عن ديم
وما سقاني رحيقاً بل حريق أسىً ... وكان من أملي منه شفا ألمي
أبكي فتبسم مني كالغمام متى ... يبكي على زهرفي الروض يبتسم
والشمس ما طلعت إلا لتنظره ... وإن تغب فحياء خجلة الفهم
بكيت والشمل مجموع لخوف نوى ... فكيف حالي شملي غير ملتئم؟
وكلما مت هجراً عشت من أملي ... فكم أموت وكم أحيا من القدم
دمع طليق وقلب في قيود هوى ... والرشد ضد بذات الضال والسلم
وقد أقام قوام القدلي حججاً ... وبالعذار بدي عذري فلا تلم
وجدي عليك ونفسي في يديل وذا ... قلبي لديك فنل ما شئت واحتكم
أصغي إلى العذل أجني ورد ذكرك من ... ما بين شوك ملام اللايم النهم
إلى متى كل آن أنت في وله؟ ... يسمو وقلب بنيران العذاب رمي
стр. 157
فدع سعاد وسلمى واسع تحظ ففي ... السهام سهم مصيب فاستمع كلمي
إن الحياة منام والمآل بنا ... إلى انتباه وآت مثل منعدم
ونحن في سفر نمضي إلى حفر ... فكل آن لنا قرب من العدم
والموت يشملنا والحشر يجمعنا ... وبالتقى الفخر لا بالمال والحشم
صن بالتعفف عز النفس مجتهداً ... فالنفس أعلى من الدنيا لذي الهمم
واغضض عيونك عن عيب الأنام وكن ... بعيب نفسك مشغولاً عن الأمم
فإن عيبك تبدو فيه وصمته ... وأنت من عيبهم خال عن الوصم
جاز المسيء بإحسان لتملكه ... وكن كعود يفوح الطيب في الضرم
ومن تطلب خلا غير ذي عوج ... يكن كطالب ماء من لظى الفحم
وقد سمعنا حكايات الصديق ولم ... نخله إلا خيالاً كان في الحلم إن الإقامة في أرض يضام بها ... والأرض واسعة ذل فلا تقم
ولا كمال بدار لا بقاء لها ... فيا لها قسمة من أعدل القسم
دار حلاوتها للجاهلين بها ... ومرها لذوي الألباب والهمم
أبغي الخلاص وما أخلصت في عمل ... أرجو النجاة وما ناجيت في الظلم
لكن لي شافعاً ذو العرش شفعه ... أرجو الخلاص به من زلة القدم
محمد المصطفى الهادي المشفع في ... يوم الجزاء وخير الخلق كلهم
لولا هداه لكان الناس كلهم ... كأحرف ما لها معنى من الكلم
لو لم يرد ذو المعالي جعله علماً ... لم يوجد العالم الموجود من عدم
لو لم تطأ رجله فوق التراب لما ... غدا طهوراً وتسهيلاً على الأمم
لو لم يكن سجل البدر المنير له ... ما أثر الترب في خديه من قدم
نصرت بالرعب حتى كاد سيفك أن ... يسطو بغير انسلال في رقابهم
كفاك فضل كمالات خصصت بها ... أخاك حتى دعوه بارىء النسم
خليفة الله خير الخلق قاطبة ... بعد النبي وباب العلم والحكم
علم الكتاب وعلم الغيب شيمته ... وفي سلوني كشف الريب للفهم
والبيض في كفه سود غوائلها ... حمر غلائلها تدلي على القتم
стр. 158
بيض متى ركعت في كفه سجدت ... لها رؤوس هوت من قبل للصنم
ولا ألومهم أن يحسدوك وقد ... علت نعالك منهم فوق هامهم
مناقب أدهشت من ليس ذا نظر ... وأسمعت في الورى من كان ذا صمم
فضائل جاوزت حد المديح علىً ... فكل مدح شبيه الهجو للفهم
من هاشم ليس في يتم يمت وقد ... عدا عدياً فلم يدنس بلومهم
سل عنه ذا فكرة وامدحه تلق فتى ... ملا المسامع والأفكار والكلم
واستخبرن خبيراً من غزا أحداً ... وفي حنين تراه غير منهزم
من لم يكن بقسيم النار معتصماً ... فماله من عذاب النار من عصم
من لم يكن ببني الزهراء مقتدياً ... فلا نصيب له في دين جدهم
أولاد طه ونون والضحى وكذا ... في هل أتى قد أتى مخصوص مدحهم
قد شرف الانس إذ هم في عدادهم ... كالأرض إذ شرفت بالبيت والحرم
وإن يشاركهم الأعداء في نسب ... فالتبر من حجر والمسك بعض دم
هم الولاة وهم سفن النجاة وهم ... لنا الهداة إلى الجنات والنعم
نفوسهم أشرقت بالنور وانكشفت ... لها حقايق ما يأتي من القدم
ومن سرى نحوهم أغناه نورهم ... عن الدليل ونجم الليل في الظلم
فضايل جعلت ليل الفخار ضحى ... وأخجلت كل ذي فخر وذي شيم
قد زينوا كل نظم يوصفون به ... كما يزين كلام الله للكلم
عذاب قلب عذب في محبتهم ... ومر ما مر بي حلو لأجلهم
رجوتهم لعظيم الهول من قدم ... وهل يرجى سوى ذي الشان والعظم
يا مظهر الملة العظمى وناصرها ... وأنت مهديها الهادي إلى اللقم
يا وارث العلم يرويه ويسنده ... إلى جدود تعالوا في علوهم
مآثر الفخر فيكم غير خافية ... والشمس أكبر أن تخفى على الأمم
أوضحتم للورى طرق الوصول كما ... صيرتم العلم بين الناس كالعلم
مولاي طال المدى والله واندرست ... معالم العلم والإيمان والكرم
فاسحب سحابين خيلاً فوقها أسد ... تسطو ونيلاً عمياً ساكب الديم
ولا تقل قل أنصاري فناصرك ... الباري ومن ينصر الرحمن لم يضم
стр. 159
يفديك كل خبير عن علاك وهم ... كل البرية من عرب ومن عجم
اقصر حسين فلن تحصي فضائلهم ... لو أن في كل عضو منك ألف فم
عليهم صلوات لا انتهاء لها ... كمثل قدرهم العالي وعلمهم
أقوال متناقضة للبيضاوي
قال الفاضل البيضاوي عند قوله تعالى في سورة هود " ليبلوكم أيكم أحسن عملاً " إن الفعل معلق عن العمل. وقال في سورة الملك نقيض ذلك، وصرح في تفسير هود بأن نزول التوراة كان قبل إغراق فرعون، وقال في تفسير سورة المؤمنين: نقيض ذلك، وقال عند قوله تعالى في سورة مريم " وكان رسولاً نبياً " إن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة وقال في سورة الحج نقيض ذلك، وصرح في سورة النمل بأن سليمان على نبينا وعليه السلام توجه إلى الحج بعد إتمام بناء بيت المقدس، وقال في سورة سبأ نقيض ذلك.
من رسالتي الموسومة بالجوهر الفرد، ومما سنح بخاطري في إبطال تركب الجسم من الأجزاء التي لا يتجزى سوى الوجوه الستة السابقة أن نفرض مثلثاً متساوي الساقين كل منهما ثمانية أجزاء، وقاعدته سبعة فما بين طرفي ساقيه خمسة من قاعدته، لاشتراك طرفيها، والثامن الذي هو رأس المثلث مشترك أيضاً فيما بين الساقين إن كان واحداً فبين السادسين اثنان، وبين الخامسين ثلاثة فبين الأولين سبعة، وقد كان خمسة هذا خلف وإن كان أكثر، فالفساد أشد فهو أقل من جزء فافهم.
وقد لاح لي وجه ثامن، وهو أن نفرض دائرة ونصل بين جزئين منها بالقطر ثم بين ثمانية يتوسطها القطر، وبين نظايرها بأوتار ثمانية، ونصل بين طرفي الأقصرين بخط مستقيم، فهو تسعة أجزاء ووتر القوس هو تسعة أيضاً، فقد ساوت قاعدة القطعة قوسها، ولنا وجه تاسع لطيف ذكرته في لغز زبدة الأصول فهذه وجوه تسعة في إبطال الجزء لم يسبقني إلى شيء منها أحد والله ولي التوفيق.
стр. 160
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين، الحمد لله الذي جعل صحيفة عالم إلا مكان مرآة لمشاهدة الآثار الملكوتية، وصير نشأة نوع الإنسان مشكلة لمطالعة الأنوار اللاهوتية، والصلاة على أكمل نوع البرية وأفضل النفوس القدسية أبي القاسم محمد قاسم موائد المواهب الربانية، ومنبع رحيق الفيوض السبحانية وآله الوارثين لمقامات العلية المكرمين بكراماته الخفية والجلية.
وبعد فهذا يا إخوان الدين وخلان اليقين ما غفلت حوادث الزمان عن المنع من تأليفه وتحريره، وذهلت صوارف الدهر الخوان عن الصرف عن ترصيفه وتقريره من شرح واف بإظهار ما ألهمني الله سبحانه من حقايق كنوز الصحيفة الكاملة من كلام سيد العابدين وإمام الموحدين وقبلة أهل الحق على اليقين، مولانا وإمامنا زين العابدين أبي محمد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.
سلام من الرحمن نحو جنابهم ... فإن سلامي لا يليق ببابهم كشفت به حجاب الاحتجاب عن خبايا كنوزها، مع قلة البضاعة، ورفعت به أستار الاستتار عن خفايا رموزها بقدر الاستطاعة، مشيراً إلى ما يلوح من جواهر عباراتها ويفوح من زواهر إشاراتها مما هو منبع كلام أعلام الحقيقة والعرفان، ومعدن مقالة أهل الطريقة والإيقان، بل هو أقصى غايات أرباب المجاهدة وأعلى نهايات أصحاب المشاهدة مما لم يهتد إليه غلا واحد بعد واحد ولم يطلع عليه إلا وارد بعد وارد وأسئل الله سبحانه أن يعينني على إتمام ما أرجوه وأن يوفقني لإكماله على أحسن الوجوه وأن يجعلني ممن تزود في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده وهو حسبي ونعم الوكيل، اعلموا أيها الإخوان المقصود على إدراك الحقايق كدهم المعروف في اقتناص المعارف جدهم أني اسخرت الله سبحانه، ووشحت صدر هذا الشرح بعدة من الحقايق ينطوي كل منها على نبذة من الحقايق يفيد المقتبسين لأنوار الصحيفة الكاملة كمال البصيرة ويجعل أيدي الراغبين في اجتناء ثمارها غير قصيرة، وتزيل عن بصايرهم غشاوة الارتياب، ويغنيهم عن الغوص في هذا البحر العجاب، ويشير إلى يسير من بدايع صنايع الله
стр. 161
جل بثنائه في أرضه وسمائه مما تضمن كلامه الإشارة إليه، وتنبيه أرباب الألباب عليه ويهدي إلى كشف الأستار عن بعض الأسرار طبق ما حققه المشاهدون من أهل العيان وشاهده المحققون من ذوي الإيقان، ويؤمي إلى التوفيق والتطبيق بين ما قادت إليه العقول الصحيحة السليمة وتطابقت عليه النقول الصريحة القويمة إلى غير ذلك من فوايد لا يطلع على أسرارها إلا واحد بعد واحد، وفوايد لم يرتشف من أنهارها إلا وارد بعد وارد.
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد الحمد والصلات فيقول الفقير إلى رحمة ربه الغني محمد المشتهر ببهاء الدين العاملي عفى الله عنه يا من صرف في مطالعة النحو أياماً، وخاض فيه شهوراً وأعواماً أخبرني عن اسم ثنائي الآحاد، ثلاثي العشرات، ثالثه آخر الحروف، وهو بين الناس مشهور ومعروف، فمن جملة حروفه حرف ربما تحلى بحلية الأسماء فيجري غالباً في مضمار المضمرات، ويسلك نادراً مسالك المظهرات، فما دام في ضمير الإضمار مكتوماً، يكون من ارتفاع المحل مجزوماً وبسمة النصب والجر موسوماً، ولا يزال دائماً معمولاً، وعن رتبة العمل معزولاً، وربما انخرط في سلك الحروف، فيصير في بعض الأحيان عاملاً، وفي بعضها عن العمل عاطلاً ومعموله كمعمول أخواته الست لا يكون إلا ظاهراً وربما عمل في الضماير نادراً ومنها حرف هو رابع علايم الرفع في ثلاثة، خامس علايم النصب في ستة ولا يقع في أوشيء من الكلمات الثلاث ولكن يقع في آخر ما يتصف به من الإناث إن جاور الأفعال صار من الأسماء وارتفع محله ومقداره، وإن خالط الأسماء عاد إلى الحروف واختلف بالرفع والنصب آثاره، إن أسقطته من عدد الأسماء اللازمة الرفع بقي عدد الجمل التي لها محل من الإعراب، وإن نقصته من عدد الأسماء اللازمة النصب ومن الباقي عدد المنبهات بقي عدد الجمل التي لها عن إعراب المحل غاية الاجتناب، وإن أضفت إليه عدد أسماء تنصب تارة ولا تنصب أخرى ساوى عدد ما هو من المتبوعية ممنوع، وبالتابعية أحرى، وإن زادت عليه عدد ما يعتمد اسم الفاعلي عليه في التقوى على معموله ساوى عدد المواضع الموجبة لتأخير الفاعل عن مفعوله، ومنها حرف ربما ينتظم في سمت أخواته العشر فيتصف بالفصاحة في بعض الأحيان. وقد يندرج في سلك أخواته الخمس بعد إحدى الست فينصب تاليه عند أهل اللسان، ومنها حرف إن جرى مجرى الأسماء، فقد يكون محلى بكل من الحلى الثلاث محلاً فما دام مرفوعاً فهو ما يلصق بعامله في جميع الأطوار، وما دام منصوباً فهو مفترق عنه، لئلا يسري إليه الانكسار وبينهما فاصل يحفظه عن ذلك العار وهو في البحر داخل في عدد السمكات، وفي أفعال النساء مانع لها
стр. 162
عن الحركات، وإن جرى مجرى الحروف يكون في أوايل بعض الكلمات للغياب وفي أواخر بعضها للانتساب وقد يتصل به الثاني فيعمل في الأسماء بالنيابة عن الأفعال، وعن مقلوبه أيضاً عن هذا المنوال لكنه قد يدخل في سلسلة الأسماء فيختص بين أخواته وقد يلج في ربقة الحروف فيصير في عدد أخوته الستة الموجبة للإيجاب، ومنها حرف معدود في الأسماء غالباً وقد يعد في الحروف نادراً؛ فما دام في الأسماء مدرجاً وعن الحروف مخرجاً فهو عن الفتح عري وبالخفض والضم حري، فيخفض ما زال للأربعة من الحروف الجارة معمولا، ويضم ما دام للسبعة منها مدخولا ومتى صار بالحرفيه موسوماً، ومن الاسمية محروماً، فقد يتصل ببعض الكلمات لإفادة المبالغات، فيلبس المذكرين حلية المؤنثات وقد يبنى على السكون فيلزم السكون أين ما يكون، فهذه صفات حروف هذا الاسم قد فصلتها لك تفصيلاً شافياً وقررتها لك تقريراً وافياً وسأزيد في التوضيح بما يقارب التصريح فأقول إنه ظرف لحرف خص بالظرفية من بين أخواته وهو مع كمال ظهوره بعض المخفي في حد ذاته ثم أنك إن نقصت من رابعه موجبات الانفصال بقي عدد مانعات حذف حرف النداء وإن أضفت إلى خمس أوله ما يوجب في كل نصت من العشر المشهورة حصل عدد روابط الجملة الخبرية بالمبتدأ، وإن نقصت من رابعه حروف الزيادة النحوية، بقي عدد المواضع التي تعلق فيها العامل عن المعمول، وإن أسقطت من طرفيه عدد أخوات كان بقي عدد المواضع التي عود الضمير فيها على المتأخر لفظاً ورتبة مقبول، وإن نقصت من خمس ثالثة عدد موانع الصرف بقي عدد الأمور التي يتميز بها التمييز عن الحال وإن زدت ثانيه على رابعه حصل عدد الموضع التي يجب فيه استتار الفاعل عن الأفعال، وإن نقصت رابعه من الحروف الجارة بقي عدد الأمور التي يفترق بها البدل عن عطف البيان وإن أسقطت عدد الأسماء العامة للمشبه بالفعل من أخويه بقي عدد الأشياء التي يمتاز بها الصفة المشبهة عن اسم الفاعل في كل حين وزمان، ومما اختص بهذا الاسم الخماسي الحروف من الغرايب إنك إذا نقصت من حروفه حرفين بقي حرف واحد وهذا من أعجب العجايب!
بسم الله الرحمن الرحيم يقول أقل الأنام بهاء الدين محمد العاملي عفى الله عنه: أيها الأصحاب الكرام والإخوان العظام إن لي حبيباً جالينوسي المشرب، بقراطي المطلب، مسيحي الأنفاس، فلسفي القياس، مشهور بين الأنام مقبول عند الخاص والعام، مصاحب لا يعرف النفاق،
стр. 163
وخادم لا يحتاج إلى الإنفاق، ومعلم لا يطلب أجرة على التعليم، ولا يتوقع التواضع والتسليم، لباسه من الجلود، ليس بمتكبر ولا حسود، باق في سن الشباب على توالي الأزمان، مقبول القول في جميع الملل والأديان اسمه واحدي المئات، ثنائي الآحاد والعشرات آخره نصف اوله ومنقوطه أكثر من مهمله أوله جبل عظيم وآخره في البحر مقيم خماسي الحروف، فإن نقصت منها حرفين، بقي حرف واحد وهذا عجيب وعدد بعضها يساوي مجموع حاشيتيه، وهذا أيضاً غريب، إن سقط أوله بقي شكل اللحيان، وبزيادة خمسي أوله مع ثانيه يساوي عدد عظام الإنسان عدد علامات الامتلاء بحسب الأوعية يعلم من ضعف رابعه الاثانيه، وكون الامتلاء دموياً يظهر من أكثر مبانيه خمس أوله عدد المبردات، فإن نقصت منه ثانيه بقي عدد المسخنات رابعه ينبىء عن الست الضروريات وخمس آخره يخبر عن أجناس أدلة النبضات، وقد تولد من هذا الحكيم ولدان طبيبان لبيبان أحدهما أكبر والآخر أصغر أما الأكبر فنصفه الأعلى أيبس الأعضاء اليابسات ونصفه الأسفل بعدد القوى والأعضاء الرئيسة وأجناس الحميات شكله مع شكل نصرة الداخل متساويان والسرطان فيه متوسط بين العقرب والميزان وسطان بعدد ما للبحران الجيد من العلامات، وآخراه بعدد الأمور التي يجب مراعاتها في الاستفراغات، وأما الولد الأصغر فزايد على أبيه بعدد الغير المعتدل من المزاجات فإن زدت على آخريه أنواع الرسوب، حصل عدد كل من المرطبات والمجففات، وإن زدت على أحدهما مسطح آخره عادل بسايط مقادير النبض ومركباته الثنائيات، تم اللغز وتاريخ إتمامه لغز طبيبانه بي عديل وفيه صنعة المعمى، والمراد إذا سقط لفظ عديل من قولنا لغز طبيبانه يبقى التاريخ أعني ألف واثنان انتهى.
شرح: المرطبات هي السكون والنوم واحتباس ما يستفرغ استفراغ الخلط المجفف وكثرة الغذاء والغذاء المرطب والدواء المرطب وملاقات المرطبات وملاقات ما يبرد وملاقات ما يسخن تسخيناً لطيفاً والفرح المعتدل، والمجففات الجماع والحركة والسهر وكثرة الاستفراغ وقلة الأغذية وكونها يابسة والأدوية المجففة والحركات النفسانية وملاقات المجففات البرد المجمد منه ره وهي كونه بعد تمام النضج وفي يوم محمود كالسابع وإنذار يوم مناسبه كالرابع بالسابع وكونه باستفراغ لا بانتقال ولا بإخراج، وكون استفراغه من جهة مناسبة ويحمل الأعراض اللازمة وجريان النبض على ما ينبغي وكذا القوة وأعقاب الراحة منه ﵀، المزاجات ثمانية أربعة بسيطة وأربعة مركبة؛ حار - بارد - رطب - يابس - حار - رطب - حار - يابس - بارد يابس.
من كلام أفلاطون الإلهي: لا يكمل عقل الرجل حتى يرضى بأن يقال: إنه مجنون.
في سورة البرائة " انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم " الآية.
قال أمير المؤمنين ﵁ إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم.
قال بعض الحكماء: ليس من احتجب بالخلق عن الله كمن احتجب بالله عنهم.
قيل لبعض الحكماء: قد شبت وأنت شاب فلم لا تغضب فقال إن الثكلى لا تحتاج إلى الماشطة.
بعضهم
آه يا ذلي ويا خجلي! ... إن يكن مني دنى أجلي
لو بذلت الروح مجتهداً ... ونفيت النوم عن مقلي
كنت بالتقصير معترفاً ... خائفاً من خيبة الأمل
فعلى الرحمن متكلي ... لا على علمي ولا عملي
стр. 164
وبين التراقي والترائب حسرة ... مكان الشجى أعي الطبيب علاجها
إذا قلت ها قد يسر الله سوغها ... أبت شقوتي وازداد سد رتاجها.
الرتاج ككتاب: الباب العظيم وهو الباب المغلق، وعليه باب صغير.
سلام عليكم من محب وداده ... لكل ذوي الألباب والفضل صادق.
ولكنه من نحو عشرين حجة ... تراءى له من عالم الغيب شارق.
وشام وميضا من نواحي تهامة ... ويا حبنا من جانب الغور بارق.
فصار له شغل عن الخلق شاغلا ... ورافقه الشوق الذي لا يفارق.
يبيت له حاد إلى السير سابق ... ويضحي له من كامن الوجد سائق.
وهذا هو العذر الذي قلت عنده ... لخلطه من لم أرضه أنت طالق.
وآثرت عنها عزلة في غصونها ... حقائق للمغزى بها ودقائق.
وماذا عسى أن تستفيق للائم ... أخو الوجد أو أن يسمع العذل عاشق.
قال أمير المؤمنين ﵇: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم.
قال بعض الحكماء: ليس من احتجب بالخلق عن الله كمن احتجب بالله عنهم.
قيل لبعض الحكماء: قد شبت وأنت شاب فلم لا تخضب؟ فقال: إن الثكلى لا تحتاج إلى الماشطة.
سأل أمير المؤمنين ﵇ بعض أصحابه فقلا: يا أمير المؤمنين، هل تسلم على مذنب هذه الأمة، فقال: يراه الله للتوحيد أهلا ولا نراه للسلام أهلا.
وقال: لا تبدين عن واضحة، وقد عملت الأعمال الفاضحة.
وقال ﵇: إن السبب الذي أدرك به العاجز مأمولة، هو الذي حال بين حال الحازم وطلبته.
وقالعليه السلام: إذا عظمت الذنب. فقد عظمت حق الله، وإذا صغرته فقد صغرت حق الله وما من ذنب عظمته إلا صغر عند الله؛ وما من ذنب صغرته إلا عظم عند الله، وقال ﵁: لو وجدت مؤمناً على فاحشة لسترته بثوبي، أو قال بثوبه هكذا، وقال ﵁: من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه،
стр. 165
وقال ﵇: قال رسول الله في قوله تعالى: " ويخلق ما لا تعلمون، إن الله خلق إحدى وثلاثين قبة أنتم لا تعلمون بها، فذلك قوله تعالى: " ويخلق ما لا تعلمون ".
قال واليس الحكيم: محبة المال وتد الشر، ومحبة الشر وتد العيوب، وسئل وهو في أيام شيخوخته ما حالك؟ فقال هوذا، أموت قليلاً قليلاً، وقيل له: أي الملوك أفضل، ملك اليونان أم ملك الفرس؟ فقال: من ملك غضبه وشهوته فهو أفضل وقال إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركت الطالب لها قتلته، وقال: إعط حق نفسك، فإن الحق يخصمك إذا لم تعطها حقها.
قال بعض الحكماء: إن الرجل ينقطع إلى بعض ملوك الدنيا، فيرى عليه أثره، فكيف من انقطع إلى الله سبحانه، وقال: نحن نسأل أهل زماننا إلحافاً وهم يعطوننا كرها فلا هم يثابون ولا نحن يبارك لنا، سرور الدنيا أن تقنع بما رزقت، وغمها أن تغنم لما لم ترزق.
قال بعض الحكماء: الدليل على أن ما بيدك لغيرك، أن ما بيد غيرك صار بيدك، ومن كلامه: عيشة الفقر مع الأمن خير من عيشة الغنى مع الخوف.
قال الكاظم ﵁ لابن يقطين: إضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً إضمن أن لا تلقى أحداً من موالينا في دار الخلافة إلا قمت بقضاء حاجته، أضمن لك أن لا يصبك حد السيف أبداً ولا يظللك سقف سجن أبداً ولا يدخل الفقر بيتك أبداً.
سئل رجل حكيماً: كيف حال أخيك فلان؟ فقال مات، فقال وما سبب موته؟ قال حياته.
سمع أبو يزيد البسطامي شخصاً يقرأ هذه الآية " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " فبكى، وقال: من باع نفسه كيف له نفس؟ ! وقال بعض الحكماء إن غضب الله أشد من النار ورضاه أكبر من الجنة.
قال بعض الأكابر: يقول ما أصنع بدينا إن بقيت لم تبق لي وإن بقيت لم أبق لها.
كان بشر الحافي يقول: لا يكره الموت إلا مريب وأنا أكرهه.
قال المسيح على نبينا وعليه السلام: ليحذر من يستبطي الله في الرزق أن يغضب عليه.
стр. 166
ومن كلام بعض الحكماء أقرب ما يكون العبد من الله إذا سأله، وأقرب ما يكون من الخلق إذا لم يسألهم.
قال بعض العباد إني لأستحيي من الله سبحانه أن يراني مشغولاً عنه وهو مقبل على شعر:
سلام عليكم من محب وداده ... لكل ذوي الألباب والفضل صادق
ولكنه من نحو عشرين حجة ... تراءى له من عالم الغيب شارق
وشام وميضاً من نواحي تهامة ... ويا حبذا من جانب الطور بارق
فصار له شغل عن الخلق شاغل ... ورافقه الشوق الذي لا يفارق
يبيت له حاد إلى السير سائق ... ويضحى له من كامن الوجد شائق
وهذا هو العذر الذي قلت عنده ... لخلطة من لم أرضه أنت طالق
وأثرت عنها عزلة في غصونها ... حقايق للمغزى بها ودقايق
وماذا عسى أن يستفيق للائم ... أخو الوجد أو أن يسمع العذل عاشق
قال بعض الحكماء: لست منتفعاً بما تعلم إذا لم تعمل بما تعلم، فإن زدت في علمك، فأنت مثل رجل حزم حزمة من حطب وأراد حملها فلم يطق فوضعها وزاد عليها.
قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " وأما السائل فلا تنهر " ليس هو سائل الطعام، ولكنه سائل العلم.
قال بعض ولاة البصرة لبعض النساك: ادع لي، فقال: إن بالباب من يدعو عليك قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا فانظر عند من هي؟ وقال حق على الرجل العاقل الفاضل أن يجتنب مجلسه ثلاثة أشياء الدعابة وذكر النساء، والكلام في المطاعم.
قيل لإبراهيم بن أدهم: لم لا تصحب الناس؟ فقال إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله وإن صحبت من هو فوقي تكبر علي، وإن صحبت من هو مثلي حسدني، فاشتغلت بمن ليس في صحبته ملال، ولا في وصله انقطاع، ولا في الأنس به وحشة. دعاء: يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أسألك بنبيك نبي الرحمة وعترته أئمة الأمة أن تصلي عليه وأن تجعل لي من أمري فرجاً قريباً ومخرجاً وحياً وخلاصاً عاجلاً إنك على كل شيء قدير.
في الحديث: إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومن كلام بعض الأكابر: ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن أمن من الوعيد.
سئل بعض الرهبان: متى عيدكم؟ فقال يوم لا نعصي فيه الله سبحانه فذلك عيدنا ليس العيد لمن لبس الفاخرة، إنما العيد لمن أمن عذاب الآخرة، ليس العيد لمن لبس الرقيق إنما العيد لمن عرف الطريق.
стр. 167
من كلام بعض الحكماء: لا تقعد حتى تقعد، وإذا قعدت كنت أعز مقاماً، ولا تنطق حتى تستنطق، فإذا استنطقه كنت أعلى كلاماً.
قال جامعه من خط جدي ﵀:
كم تذهب يا عمري في خسران ... ما أإفلني عنك وما ألهاني.
إن لم يكن الآن صلاحي فمتى ... هل بعدك يا عمري عمر ثاني.
ؤلبعضهم:
يا من هجروا وغيروا أحواللي ... ما لي جلد على تواكم ما لي.
عودوا بوصالكم علة مدنفكم ... فالعمر قد انقضى وحالي حالي.
لجار الله الزمخشري:
كثر الشك والخلاف وكل ... يدعي الفوز بالصراط السوي.
فاعتصامي بلا إله سواه ... ثم حبي لا حمد وعلي.
فاز كلب بحب أصحاب كهف ... كيف أشقى بحب آل النبي.
نعم ما قال: أعيني لم لا تبكيان على عمري ... تناثر عمي من لدي ولا أدري.
إذا كنت جاوزت خمسين حجة ... ولم أتأهب للمعاد فملا عذري
وروى شيخ الطايفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه في كتاب الأخبار بطريق حسن عن الباقر ﵁ أن النبي ﷺ كان جالساً في المسجد فدخل رجل فصلى فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال النبي: نقر كنقر الغراب لئن مات هذا وهذه صلاته ليموتن على غير ديني.
من كلام بعض أكابر الصوفية: إن فوت الوقت أشد عند أصحاب الحقيقة من فوت الروح، لأن فوت الروح انقطاع عن الخلق وفوت الوقت انقطاع عن الحق.
قال أبو علي الدقاق وقد سئل عن الحديث المشهور من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه، إن المرء بقلبه ولسانه وجوارحه، فمن تواضع لغني بلسانه وجوارحه ذهب ثلثا دينه، فإن تواضع بقلبه أيضاً ذهب دينه كله.
لم أكن للوصال أهلاً ولكن ... أنت صيرتني لذلك أهلا
стр. 168
أنت أحييتني وقد كنت ميتاً ... ثم بدلتني بجهلي عقلا
قال جامعه مما نقله جدي ﵀ من خط السيد الجليل الطاهر ذي المناقب والمفاخر السيد رضي الدين علي بن طاووس قدس الله روحه من الجزء الثامن أو الثاني في كتاب الزيارات لمحمد بن أحمد بن داود القمي ره أن أبا حمزة الثمالي قال للصادق ﵁: إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين قبر الحسين يستشفون به فهل في ذلك شيء مما يقولون من الشفا؟ فقال يستشفى ما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال وكذلك قبر رسول الله ﷺ وكذلك قبر الحسن وعلي ومحمد فخذ منها فإنها شفاء من كل سقم وجنة مما يخاف، ثم أمر بتعظيمها وأخذها باليقين بالبرء وبختمها إذا أخذت.
ومن الكتاب المذكور عن الصادق ﵁ من أصابته علة لا تتداوى فتداوى بطين قبر الحسين ﵁ شفاه الله من تلك العلة إلا أن يكون علة السام، ومن الكتاب المذكور: روي أن الحسين ﵁ اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نينوا والغاضرية بستين ألف درهم، وتصدق بها عليهم وشرط أن يرشدوا إلى قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام، وقال الصادق ﵁: حرم الحسين ﵁ الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال فهو حلال لولده ومواليه حرام على غيرهم ممن خالفهم، وفيه البركة.
ذكر السيد الجليل السيد رضي الدين بن طاووس ﵀ أنها إنما صارت حلالاً بعد الصدقة، لأنهم لم يفوا بالشرط، قال: وقد روى محمد بن داود عدم وفائهم بالشرط في باب نوادر الزيارات. في الحديث عن النبي ﷺ : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه فاقبلوا رخص الله ولا تكونوا كبني إسرائيل حين شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
من خط جدي طاب ثراه الحديث عن النبي ﷺ : صوم ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صوم الدهر ويذهب بوحر الصدر؛ الوحر: مشتق من الوحرة بتحريك الواو والحاء والراء وهي دويبة حمراء تلصق باللحم وتكره العرب أكله للصوقها به ودبيبها عليه.
قال الشاعر يذم قوماً ويصفهم بالبخل:
رب أضياف بقوم نزلوا ... فقروا أضيافهم لحماً وحر
وسقوهم في إناء كلع ... لبناً من دم مخراط فئر
стр. 169
الإناء الكلع: هو ما تراكم عليه الوسخ
المخراط: الناقة التي بها مرض ويكون لبنها معقداً، وفيه دم، والفئر ما شربت منه الفارة.
في الحديث: خير الخيل الأدهم الأرثم الأقرح المحجل طلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشبه. الأدهم: الأسود، والأقرح: الذي في جبهته بياض بقدر الدرهم، والأرثم ما في أنفه وشفته العليا بياض، والتحجيل بياض قوايم الفرس قل أو كثر بعد أن لا يجوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والطلق بضم الطاء عدم التحجيل.
من كلام مولانا أمير المؤمنين ﵁: جهل المرء بعيوبه من أكبر ذنوبه.
ومن كلامه: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأنعم على من شئت تكن أميره.
عن أمير المؤمنين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم. وسداد السهم: ذهابه على الاستقامة نحو الغرض.
قال بعض الأعلام: في الحديث دلالة ظاهرة على أنه ينبغي في الدعا ملاحظة الداعي لمعانيه وقصدها على الوجه الأتم مما يقرأ للأمر المهم وللأوجاع منقول عن الصادق ﵁ يقول ثلاث مرات: الله الله ربي حقاً لا أشرك به أحداً اللهم أنت لها ولكل عظيمة ففرجها عني وإن قرأتها للوجع فضع يدك حال قرائته على المكان الوجع.
قال بعض الأكابر من السلف: التوبة اليوم رخيصة مبذولة، وغداً غير مقبولة شعر الحسين ﵁:
إغن عن المخلوق بالخالق ... تغن عن الكاذب بالصادق
واسترزق الرحمن من فضله ... فليس غير الله من رازق
من كلام العرب وهو يجري مجرى الأمثال قولهم: أعطني قلبك والقني متى شئت يريدون إن الاعتبار بخلوص المودة لا بكثرة اللقاء.
стр. 170
معنى البلاغة
قال بعض الكبار: البلاغة أداء المعنى بكماله إلى النفس في أحسن صورة من اللفظ.
سأل رجل الجنيد ﵀ كيف حسن المكر من الله سبحانه وقبح من غيره، فقال: لا أدري ما تقول ولكن.
أنشدني فلان الطبراني:
فديتك قد جبلت على هواكا ... فنفسي لا تطالبني سواكا
أحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبق حبك لي حراكا
ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
فقال له الرجل: أسألك عن آية من كتاب الله، وتجيبني بشعر الطبراني، فقال: ويحك أجبتك إن كنت تعقل.
مما كتب الشريف جمال النقباء أبو إبراهيم محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق ابن الإمام جعفر الصادق ﵁ وهو أبو الرضي والمرتضى ﵄ إلى أبي العلاء المعري:
غير مستحسن وصال الغواني ... بعد ستين حجة وثمان
فصن النفس عن طلاب التصابي ... وازجر القلب من سؤال المعاني
إن شرخ الشباب بدله شيباً ... وضعفاً مقلب الأعيان
فانفض الكف من حياء المحيا ... وامعن الفكر في اطراح المعاني
وتيمن بساعة البين واجعل ... خير فالٍ تناعب الغربان
فالأديب الأريب يعرف ما ضمن ... طي الكتاب بالعنوان
أترجي مالاً رحيباً وإسعاد ... سعاد وقد مضى الأطيبان
غلف الدهر عارضيك بشيب ... أنكرت عرفه أنوف الغواني
وتحامت حماك نافرة عنك ... نفار المهى من السرحان
ورد العايب البغيض إليهن ... وولى حبيبهن المداني
وأخو الحزم مغرم بحميد الذكر ... يوم الندى ويوم الطعان همه المجد واكتساب المعالي ... ونوال العافي وفك العاني
لا يعير الزمان طرفاً ولا ... يجعل صيراً بطارق الحدثان
стр. 171
صفات المحمودة في الخادم
، خير الخدام من كان كاتم السر، عادم الشر، قليل المؤنة، كثيرة المعونة، صموت اللسان، شكور الإحسان، حلو العبارة، دراك الإشارة، عفيف الأطراف، عديم الاتراف.
عن ضرار بن ضمرة: دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين ﵁ فقال: صف لي علياً، فقلت اعفني، فقال: لابد أن تصفه فقلت أما إذ لابد، فإنه كان والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلاً ويحكم عدلاً يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين.
ويقول: يا دنيا غري غيري، أبي تعرضت، أم إلي تشوقت؟ هيهات هيهات قد بتتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وعيشك حقير، آهٍ آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق، فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك يا ضرار؟ فقلت: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها.
حديث المذكور منقول من كتاب كشف اليقين في فضايل مولانا أمير المؤمنين ﵁ عن عبد الله ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه من يده فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله: خذ خاتمك وانتفع به فقال: لا آخذ شيئاً طرحه رسول الله ﷺ .
أبو العميثل لما حجب عن الدخول على عبد الله بن طاهر
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخف قليلا
إذا لم أجد يوماً إلى الأذن سلماً ... وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا
بعضهم
عللت باليأس نفسي عنك فانصرفت ... واليأس أحسن مرجو من الطمع
فكن على ثقة أني على ثقة ... ألا أعلل بعد اليوم بالخدع
محوت ذكرك من قلبي ومن أذني ... ومن لساني فقل ما شئت أو فدع
стр. 172
إذا تباعد قلبي عنك منصرفاً ... فليس يدنيك مني أن تكون معي
عبد الله بن طاهر
إغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر ... مني ولا يفوتك أجري
لا تكلني إلى التوسل بالعذر ... لعلي أن لا أقوم بعذري
جحظة الشاعر
وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب مثر أنت أم ثوب مقتر؟
فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرام مقتر
الباجي الشاعر اسمه سليمان كان من علماء الأندلس والباجي بالباء الموحدة والجيم ومن شعره ما أورده ابن خلكان في وفيات الأعيان:
إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنيناً بها؟ ... وأجعلها في صلاح وطاعة
وهو منسوب إلى باجة قرية من قرى الأندلس.
بعضهم
توخ من الطرق أوساطها ... وعد عن الجانب المشتبه
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه
من الكلمات المنسوبة إلى سيد الأوصياء ﷺ : من أمضى يومه في غير حق، قضاه أو فرض أداه، أو مجد بناه أو حمد حصله أو خير أسسه، أو علم اقتبسه فقد عق يومه. لقي الحسن البصري الإمام علي بن الحسين زين العابدين ﵁ فقال له الإمام ﵁: يا حسن أطع من أحسن إليك وإن لم تطعه فلا تعص له أمراً؛ وإن عصيته فلا تأكل له رزقاً وإن عصيته وأكلت رزقه وسكنت داره، فأعد له جواباً، وليكن صواباً. في الحديث: إذا وقع الذباب في الطعام فامقلوه، فإن في أحد جناحيه سماًن وفي الآخر شفاء، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء قال أهل اللغة: إن معنى أمقلوه اغمسوه والمقل بالقاف الغمس في القاموس عند ذكر كسكر إنها قصبة واسط وكان خراجها اثني عشر ألف ألف مثقال كأصبهان.
دعاء منقول عن سيد البشر ﷺ قال: من أراد أن لا يوقفه الله على قبيح أعماله ولا
стр. 173
ينشر له ديواناً فليدع بهذا الدعاء في دبر كل صلاة: اللهم إن مغفرتك أرجى من عملي، وإن رحمتك، أوسع من ذنبي اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهل أن تبلغني، لأنها وسعت كل شيء يا أرحم الراحمين.
عبد الله بن حنيف
قد أرحنا واسترحنا ... من غدو ورواح
واتصالٍ بلئيم ... أو كريم ذي سماح
بعفاف وكفافٍ ... وقنوع وصلاح
وجعلنا اليأس مفتاحاً ... لأبواب النجاح
من كلام جالينوس
لما مات جالينوس وجد في جيبه رقعة فيها مكتوب: أحمق الحمقاء من يملأ بطنه من كل ما يجد، فما أكلته فلجسمك، وما تصدقت به فلروحك، وما خلفته فلغيرك والمحسن حي وإن نقل إلى دار البلى، والمسيء ميت وإن بقي في الدنيا، والقناعة تستر الخلة وبالصبر تدرك الأمور، وبالتدبير يكثر القليل، ولم أر لابن آدم شيئاً أنفع من التوكل على الله تعالى.
من كلام المسيح على نبينا وعليه السلام: لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها.
كان سقراط الحكيم قليل الأكل خشن اللباس، فكتب إليه بعض فلاسفة عصره: أنت تزعم تحسب أن الرحمة لكل ذي روح واجبة، وأنت ذو روح، فلم لا ترحمها بترك قلة الأكل وخشن اللباس؟ فكتب في جوابه: عاتبتني على لبس الخشن وقد يعشق الإنسان القبيحة ويترك الحسناء، وعاتبتني على قلة الأكل، وإنما أريد أن آكل لأعيش، وأنت تريد أن تعيش لتأكل: والسلام.
فكتب إليه الفيلسوف: قد عرفت السبب في قلة الأكل، فما السبب في قلة كلامك، وإذا كنت تبخل على نفسك بالمأكل، فلم تبخل على الناس بالكلام؟ فكتب في جوايه: ما احتجت إلى مفارقته وتركه للناس، فليس لك والشغل بما ليس لك عبث، وقد خلق الحق سبحانه لك أذنين ولساناً لتسمع ضعف ما تقول، لا لتقول أكثر مما تسمع والسلام.
لبعضهم
إلى الله أشكو إن في النفس حاجة ... تمر بها الأيام وهي كما هيا
روى شيخ الطايفة في التهذيب في أوايل كتاب المكاسب بطريق حسن، أو صحيح، عن الحسن ابن محبوب، عن جرير: قال سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: اتقوا الله وموتوا أنفسكم بالورع، وقووه بالثقة، والاستغناء بالله عن طلب الحوائح إلى صاحب سلطان.
واعلم أنه من خضع لصاحب سلطان، أو لمن يخالفه على دينه طلباً لما في يديه من دنياه أخمله الله ومقته عليه، ووكله إليه فإن هو غلب على شيء من دنياه، فصار إليه منه شيء نزع الله منه البركة ولم يؤجره على شيء من دنياه ينفقه في حج ولا عتق ولا بر.
أقول: قد صدق ﵁ فإنا قد جربنا ذلك وجربه المجربون قبلنا، واتفقت الكلمة منا، ومنهم على عدم البركة في تلك الأموال وسرعة نفادها واضمحلالها وهو أمر ظاهر محسوس يعرفه كل من حصل شيئاً من تلك الأموال الملعونة، نسأل الله تعالى رزقاً حلالاً طيباً يكفينا ويكف أكفنا عن مدها إلى هؤلاء وأمثالهم، إنه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء.
شعر لابن سينا
تعس الزمان فإن في أحشائه ... بغضاً لكل مفضل ومبجل
وتراه يعشق كل رذل ساقط ... عشق النتيجة للأخس الأرذل
المعري
стр. 174
لا تطلبن بآلة لك رتبة ... قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
آخر
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع كان سقراط الحيكم: قليل الأكل، خشن اللباس، فكتب إليه بعض بعض الفلاسفة: أنت تحسب أن الرحمة لكل ذي روح واجبة، وأنتت ذو فلا ترحمها بترك قلى الأكل وخشن اللباس؟ فكتب في جوابه: عاتبتني على لبس الخشن، وقد بعشق الإنسان القبيحة، ويترك الحسناء، وعاتبتني على قلة الأكل، وإنما أريد أن أكل لأعيش، وأنت تريد أن تعيش لتأكل والسلام. فكتب إليه الفيلسوف: قد عرفت السبب في قلة الأكل، فما السبب في قلة الكلام؟ وإذا كنت تبخل على نفسك بالمأكل، فلم تبخل على الناس بالكلام؟ فكتب في جوابه: ما احتجت إلى مفارقته وتركه للناس فليس لك، والشغل بما ليس لك عبث، وقد خلق الحق سبحانه لك أذنين ولسانا ضعف ما تقول، لا لتقول أكثر مما تسمع والسلام. لبعضهم:
(إلى الله أشكو أن في النفس حاجة ... بمر بها الأيام وهي كما تريد)
روى شيخ الطائفة: في التهذيب في أوائل كتاب المكاسب بطريق حسن أو صحيح، عن الحسن بن محبوب، عن حريز قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ وأرضاه يقول: اتقوا الله وموتوا أنفسكم بالورع، وقوة الثقة، والاستغناء بالله عن طلب الحوائج إلى صاحب سلطان، واعلم أن من خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طالبا لما في يديه من دنباه أخمله الله ومقته ووكله إليه، فإن هو غلب على شيء من دنياه فصار إليه منه شيء نزع الله منه البركة ولم يؤجره على شيء من دنياه ينفعه في حج ولا عتق ولا بر. أقول: قد صدق ﵁، فإنا قد جربنا ذلك وجربه المجربون قبلناه، واتفقت الكلمة منا ومنهم على عدم البركة في تلك الأموال، وسرعة نفاذها، واضمحلالها، وهو أمر ظاهر محسوس يعرفه كل من حصل شيئا من تلك الأموال الملعونة. نسأل الله أن يرزقنا رزقا حلالا طيبا يكفينا ويكف أكفنا على مدها إلى هؤلاء وأمثالهم إنه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء. انتهى. من كلام النبي في وصية النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: كن على عمرك
стр. 175
أشح منك على درهمك ودينارك، يا أبا ذر دع ما لست منه في شيء ولا تنطق بما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك.
وفي كلام أمير المؤمنين ﵁: من جمع له مع الحرص على الدنيا البخل بها فقد استمسك بعمودي اللؤم، من لم يتعاهد علمه في الخلاء فضحه في الملاء، من اعتز بغير الله سبحانه أهلكه العز، من لم يصن وجهه عن مسألتك فصن وجهك عن رده لا تضيعن مالك في غير معروف، ولا تضعن معروفك عند غير عروف، لا تقولن ما يسؤوك جوابه، لا تمار اللجوج في محفل، لا يكونن أخوك على الإساءة إليك أقوى منك على الإحسان إليه.
قال حبر من بني إسرائيل في دعائه: يا رب كم أعطيك ولا تعاقبني، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان قل لعبدي: كم أعاقبك ولا تدري ألم أسلبك حلاوة مناجاتي؟ ! نقل الراغب في المحاضرات: أن بعض الحكماء كان يقول لبعض تلامذته: جالس العقلاء أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل.
كان الربيع بن خيثم
يقول: لو كانت الذنوب تفوح ما جلس أحد إلى أحد.
كان أبو حازم يقول: عجبت لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويتركون العمل لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة، وكان يقول: إن عوفينا من شر ما أعطينا لم يضرنا ما وري عنا. قال المسيح على نبينا وعليه السلام: لو لم يعذب الله الناس على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصوه شكراً لنعمته. لما اجتمع يعقوب على نبينا وعليهما السلام مع ولده يوسف قال
стр. 176
يا بني حدثني بخبرك، فقال له يا أبت لا تسألني عما فعل بي إخوتي واسألني عما فعل الله سبحانه بي.
قال هرون الرشيد للفضيل بن عياض: ما أشد زهدك؟ ! فقال أنت أزهد مني، لأني زهدت في فانٍ لا يبقى، وأنت زهدت في باقٍ لا يفنى.
كان بعض الحكماء يقول: لا شيء أنفس من الحياة ولا غبن أعظم من أنفادها لغير حياة الأبد.
لبعضهم
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب ود امرىءٍ غرضا
وقد عرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغيري بعدما عرضا
وقد تعوضت عن كل بمشبهه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا
ابن الخياط الشامي وهو صاحب الأبيات المشهورة التي أولها:
خذا من صبا نجد أماناً لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بواد الغضايا بعدما أتمناه
لله درهما من بيتين يأخذان بمجامع القلوب.
شهاب الدين السهروردي صابح كتاب المعروف
تصرمت وحشة التنائي ... وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حسوداً ... من كان في حجركم رثالي
وحقكم بعد إذ حصلتم ... بكل ما فات لا أبالي
وما على عادم أجاجاً ... وعنده بحر الزلال
دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصضادق ﵇ فقلا: علمني يا ابن رسول اللله مما علمك الله، قفقلا إذا تظاهرت الذتوب عليك بالاستغفار / وإذا تظاهرت بالنعم فعليك بالشكر، وإذا تظاهرت الغموم فقل لا حول ولا قوة إلا بالله، فخرج سفيان وهو يقول: ثلاث وأي ثلاث
ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: عجبت ممن يحتمي عن الطعام مخافة المرض كيف لا يحتمي عن الذنوب مخافة النار.
стр. 177
لبعضهم:
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك.
أنت لا تدركه متبعا ... فإذا زليت عنه تبعك.
عبد الله القاسم الشهرزوري:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ... ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل ... ولحظ عيني كليل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ... ذاك الغرام الدخيل
ثم قابلتها وقلت لصحبي ... هذه النار نار ليلى فميلوا
قرموا نحوها لحاظاً صحيحاتٍ ... فعادت خواسئاً وهي حول
ثم مالوا إلى الملام وقالوا ... خلب ما رأيت أم تخييل؟
فتجنبتهم وملت إليها ... والهوا مركبي وشوقي الزميل
ومعي صاحب أتى يقتفي الآثار ... والحب شأنه التطفيل
وهي تبدو ونحن ندنو إلى أن ... حجزت دونها طلول محول
فدنونا من الطلول فحالت ... زفرات من دونها وعويل
قلت من بالديار قالت جريح ... وأسير مكبل وقتيل
ما الذي جئت تبتغي قلت ضيف ... جاء يبغي القرى فأين النزول؟
فأشارت بالرحب دونك فاعقرها ... فما عندنا لضيف رحيل
من أتانا ألقى عصا السير عنه ... قلت من لي بذا وكيف السبيل؟
فحططنا إلى منازل قوم ... صرعتهم قبل المذاق الشمول
درس الوجد منهم كل رسم ... فهو رسم والقوم فيه حلول
منهم من عفى ولم يبقى للشكوى ... ولا للدموع فيه مقيل
ليس إلا الأنفاس تخبر عنه ... وهو عنها مبرأ معزول
ومن القوم من يشير إلى وجد ... تبقى عليه منه القليل
قلت أهل الهوى سلام عليكم ... بي فؤاد عنكم بكم مشغول
لم يزل حافز من الشوق ... يحدوني إليكم والحادثات تحول
стр. 178
جئت كي أصطلى فهل لي إلى ... ناركم هذه الغداة سبيل؟
فأجابت شواهد الحال عنهم ... كل حد من دونها مفلول
لا تروقنك الرياض الأنيقات ... فمن دونها ربي وذحول
كم أتاها قوم على غرة منها ... وراموا قرىً فعز الوصول
(وقفوا شاخصين حتى إذا ما ... لاح للوصل غرة وحجول)
(وبدت راية الوفا بيد الوجد ... ونادى أهل الحقائق جولو)
(أين من كان يدعينا فهذا اليوم ... فيه سيف الدعاوي يصول)
(حملوا حملة الفحول ولا يصوع ... يوم اللقاء إلا الفحول)
(بذلوا أنفسا سخت حين سخت ... بوصال واستصغر المبذول)
( ... ثم غابوا من بعد ما اقتحموها ... بين أمواجها وجاءت سيول)
(قذفتهم إلى الرسوم وكل ... دمه في طلولها مطلول)
(منتهى الحظ ما تزود من اللحظ ... والمدركون منه قليل)
(نارها هذه تضئ لمن يسري ... بليل لكنها لا تنيل)
(جاءها من عرفت يبغي اقتباسا ... وله البسط والمنى والسول)
(فتعالت عن المنال وعزت ... عن دنو إليه وهو رسول)
(ولكل منهم رأيت مقاما ... شرحه في الكتاب مما يطول)
فوقفنا كما عهدت حيارى ... كل عزم من دوننا محلول
يدفع الوقت بالرجاء وناهيك ... بقلب غذاؤه التعليل
كلما ذاق كأس يأس مريرٍ ... جاء كأس من الرجا معسول
وإذا سولت له النفس أمراً ... حيد عنه وقيل صبر جميل
هذه حالنا وما وصل العلم ... إليه وكل حال تحول
من وفيات الأعيان: دخل عمرو بن عبيد يوماً على المنصور، وكان صديقه قبل
стр. 179
خلافته فقربه وعظمه، ثم قال له عظني: فوعظه بمواعظ منها: قوله: إن لهذا الأمر الذي في يدك لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك، فاحذر ليلة يوم لا ليل بعده، فلما أراد النهوض قال له: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لي فيها فقال: والله تأخذها فقال والله لا آخذها.
وكان المهدي ولد المنصور حاضراً، وقال يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى؟ قال هذا المهدي ولدي وولي عهدي، قال: أما لقد ألبسته لباساً هو لباس الأبرار وسميته باسم ما استحقه ومهدت له أمراً أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال: يا ابن أخي إذا حلف أبوك أحنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكفارة من عمك، فقال له المنصور هل من حاجة؟ قال لا تبعث إلي حتى آتيك قال إذن لا تلقاني، قال هي حاجتي ومضى فأتبعه المنصور طرفه.
وقال:
كلكم يمشي رويد ... كلكم طالب صيد
غير عمرو بن عبيد توفي عمرو بن عبيد سنة أربع وأربعين ومائة وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران.
ورثاه المنصور بقوله
صلى الإله عليك من متوسد ... قبراً مررت به على مران
قبراً تضمن مؤمناً متحققاً ... صدق افله ودان بالفرقان
لو أن هذا الدهر أبقى صالحاً ... أبقى لنا عمرواً أبا عثمان
قال ابن خلكان: لم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه ومران بفتح الميم وتشديد الراء موضع بين مكة والبصرة.
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان عند ذكر حماد عجرد ما صورته: إن حماداً كان ماجناً خليعاً متهماً في دينه بالزندقة، وكان بينه وبين أحد الأئمة الكبار مودة، ثم تقاطعا فبلغه أنه ينتقصه فكتب إليه هذه الأبيات.
إن كان نسكك لا يتم ... بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي كيف ... شئت؟ مع الأداني والأقاصي
فلطالما شاركتني ... وأنا المقيم على المعاصي
أيام نأخذها ونعطي ... في أباريق الرصاص
ويقال: إن الإمام المذكور هو أبو حنيفة
стр. 180
ذكر صاحب تاريخ الحكماء عند ترجمة الشيخ موفق الدين البغدادي أنه قال: لما اشتد بأستاذي المرض الذي مات فيه، وكان ذات الجنب عن نزلة فأشرت عليه بالمداواة فأنشد:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره
من كلام النبي ﷺ : لأن أكون في شدة أتوقع رخاء، أحب إلي من أن أكون في رخاء أتوقع شدة.
وقال النبي ﷺ : من أذنب ذنباً، فأوجع قلبه عليه، غفر له ذلك الذنب وإن لم يستغفر منه.
العباس بن الأحنف
لابد للعاشق من وقفة ... تكون بين الصد والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
قال صاحب الإكسير في تفسير هذه الآية: المراد وما وليناك الجهتين إلا لأنك المنعوت في التوراة بذي القبلتين فأكدنا على اليهود الحجة لنعلم من يتبعك عن ظهور أيامك انتهى ولا يخفى أنه يمكن تطبيق كلامه هذا على كل من الجعل الناسخ والمنسوخ فتدبر.
وقال صاحب جامع البيان وهو من المتأخرين عن زمان البيضاوي: ويحتمل أن يراد من التي كنت عليها الكعبة أي خاطرك مائل إليها فإن الأصح أن القبلة قبل الهجرة الصخرة لكن خاطره الأشرف مايل إلى أن تكون الكعبة قبلة انتهى كلامه ولا يخفى أنه على هذا يمكن توجيه إرادة الجعل الناسخ في الرواية عن أئمتنا ﵃، أن قبلته ﷺ كانت في مكة بيت المقدس فتأمل.
من الكشاف في تفسير وما جعلنا الآية التي كنت عليها ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعول جعل يريد وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة لأن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود، ثم حول إلى الكعبة، فيقول وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة، يعني وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصافية ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد كقوله: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، الآية، ويجوز أن يكون بياناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته أن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وإن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض، وإنما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلتك وقبل هذا وهي بيت المقدس لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه.
لله در من قال
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه ... وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا ... تكن إلى أحد منهم بمؤتمن قد كان لي كنز صبر فافتقرت إلى ... إنفاقه في مداراتي لهم ففني
الشيخ شمس الدين الكوفي
إليك إشاراتي وأنت مرادي ... وإياك أعني عند ذكر سعاد
وأنت تثير الوجد بين أصابعي ... إذا قال حاد أو ترنم شادي
следующие страницы →