← Адаб

Адаб · id 1571

الكشكول

البهاء العاملي

Полный текст (663 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فيما يتعلق بغرايب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة وما يتعلق به من الإختصار والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير والمجاز، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبارد إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، مثاله قوله تعالى: " وآتينا ثمود الناقة مبصرة، فظلموا بها " والناظر إلى ظاهر العربية ربما يظن أن المراد الناقة كانت مبصرة، ولم يكن عمياً، والمعنى أية مبصرة أنهم اذا ظلموا غيرهم انتهى. وفد حاجب بن زرارة على أنوشيروان، فأستأذن عليه، فقال للحاجب: سله من هو؟ فقال: رجل من العرب، فلما مثل بين يديه قال له أنوشيروان: من أنت؟ قال: سيد العرب. قال: أليس زعمت أنك أحدهم؟ فقال: إني كنت كذلك، ولكن لما أكرمني الملك بمكالمته صرت سيدهم، فأمر بحشو فيه دراً. استماح أعرابي خالد بن عبيد الله، وألح في سؤاله، وأطنب في الإبرام، فقال خالد: أعطوه بدرة يضعها في حرامه، فقال الأعرابي: واخرى لاستها يا سيدي لئلا تبقى فارغة، فضحك وأمر له بأخرى أيضاً. قال بعض الخلفاء: إني لأبغض فلان له إلي ذنب، فقال بعض الحاضرين: أوله خيراً تحبه، فأنعم عليه، فما لبث أن صار من خواصه. سئل بعض الجند عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فسمع ذلك أعرابي، فقال: الناس ينتسبون طولاً، وهذا الفتى ينتسب عرضاً. لبعضهم: قالوا حبيبك محموم فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور فليت علته بي غير أن له ... أجر العليل وأني غير مأجور قال بعض الحكماء: إصنع المعروف إلى من يشكره، واطلبه ممن ينساه. وقال: النعم وحشية فأشكلوها بالشكر. أثنى بعضهم على زاهد، فقال الزاهد: يا هذا لو عرفت مني ما أعرفه من نفسي لأبغضتني. شعر: إذا كان ربي عالماً بسريرتي ... فما الناس في عيني بأعظم من ربي خطب معاوية خطبة عجيبة فقال: أيها الناس هل من خلل؟ فقال: رجل من عرض الناس: نعم خلل كخلل المنخل، فقال: وما هو؟ فقال: إعجابك بها ومدحك إياها.

стр. 562

من أمثال العرب، قالوا: شتم جديٌ على سطح ذئباً مر به. فقال الذئب: لم تشتمني أنت وإنما شتمني مكانك. من كلام الحكماء: لا تكن ممن يرى الغذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع المعترض في حلق نفسه، ومن كلامهم إذا رأيت من يغتاب الناس، فأجهد جهدك أن لا يعرفك، فإن أشقى الناس به معارفوه. وقال جار الله الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في الباب السابع والتسعين منه: مر رجل بأديب فقال: كيف طريق بغداد؟ فقال: من هنا، ثم مر به آخر، فقال: كيف طريق كوفة؟ فقال: من هنا وقال له: بادر مسرعاً من ذلك المار الألف واللام أنت تحتاج إليهما وهو مستغن عنهما فخذهما فإنك أحوج إليهما منه. وقال بعضهم: الدنيا مدورة، ومدارها على ثلاث مدورات: الدرهم، والدينار والرغيف. قال امرأة لرجل أحسن إليها: أذل الله كل عدو لك إلا نفسك، وجعل نعمته عليك هبة لك لا عارية عندك. وأعاذك من بطر الغنى وذل الفقر، وفرغك الله لما خلقك له ولا شغلك بما تكفل به. وجد يهودي مسلماً يأكل شوياً في شهر رمضان، فأخذ يأكل معه، فقال له المسلم: يا هذا إن ذبيحتنا لا تحل على اليهود، فقال: أنا في اليهود مثلك في المسلمين. إستأذن سالم بن قتيبة في تقبيل يد المهدي، فقال: إنا نصونها عن غيرك، ونصونك عنها. دعا رجل آخر إلى منزله، وقال: لنأكل معك خبزاً، وملحاً، فظن الرجل أن ذلك كناية عن طعام لذيذ أعده صاحب المنزل، فمضى معه فلم يزد على الخبز والملح، فبينما يأكلان إذ وقف سائل، فزجره صاحب المنزل مراراً فلم ينزجر، فقال له: إذهب وإلا خرجت وكسرت رأسك، فقال: المدعو: يا هذا إنصرف فإنك لو عرفت من صدق وعيده ما عرفت من صدق وعده ما تعرضت له. أنشد الفرزدق لسليمان بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها: فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام فقال له: ويحك با فرزدق أقررت عندي بالزنا ولابد من حدك، فقال: كتاب الله يدرؤ عني الحد قال: وأين؟ قال: " والشعراء يتبعهم الغاوون " إلى قوله: " أنهم يقولون ما لا يفعلون " فضحك وأجازه. قال كاتب الأحرف ومن هذه القصة أخذ الصفي قوله:

стр. 563

نحن الذي أتى الكتاب مخبراً ... بعفاف أنفسنا وفسق الألسن لبعضهم: يا هند ما في زماني ... مساعف أو مساعد قولي صدقت وإلا ... فكذبيني بواحد كتب ملك الهند إلى الرشيد: يتهدده في كتاب طويل، فكتب إليه الرشيد: الجواب ما تراه ما لا تقرأه. من كلامهم: نوائل الملوك للشرف لا للعلف، لا تستمع ببرد الضلال، مع حر البلبال، قال هشام لبعض نساك الشام: عظني، فقرأ الناسك " ويل للمطففين " الآيات، ثم قال: هذا لمن طفف المكيال والميزان، فما ظنك بمن أخذ كله، فبكى هشام من كلامه. دخل الشعبي على عبد الملك، وعنده ليلى الأخيلية، وقال: إن هذه لم يخجلها أحد في كلام، فقال الشعبي: إن قومها يسمون ولا يكتنون، فقال: ولم لا نكتني؟ فقال: لو فعلت لزمتني الغسل، فأخجلها وكانت قبيلتها يكسرون نون المضارع. ودخل ثمامة دار المأمون وفيها روح بن عبادة، فقال له روح: المعتزلة حمقى، وذلك أنهم يزعمون أن التوبة بأيديهم، وأنهم يقدرون عليها متى شاؤوا وهم مع ذلك دائبون يسألون الله تعالى أن يتوب عليهم فما معنى مسألتهم إياه ما هو بأيديهم والأمر فيه إليهم لولا الحمق؟ فقال له ثمامة: ألست تزعم أن التوبة من الله وهو يطلبها من العباد أجمع في كلامه وعلى لسان أنبيائه، فكيف يطلب الله تعالى من العباد شيئاً ليس بأيديهم، ولا يجدون إليه سبيلاً فأجب حتى أجيب.

стр. 564

قال محمد بن شبيب غلام النظام: دخلت إلى دار الأمير بالبصرة، وأرسلت حماري فأخذه صبي يلعب عليه، فقلت له: دعه، فقال: إني أحفظه لك، فقلت: إني لا أريد حفظه قال: يضيع إذن، قلت: لا ابالي بضياعه، فقال: إن كنت لا تبالي بضياعه فهبه لي، فانقطعت من كلامه. ومن كلامهم: الكريم شجاع القلب، والبخيل: شجاع الوجه، ولا تطلب المفقود حتى تفقد الموجود. قال رجل للفرزدق: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ فقال: منذ مالت امك يا أبا فلان. قيل لعاشق: لو كان لك دعوة مستجابة ما كنت تدعو؟ قال: تسوية الحب بيني وبين ما احب حتى يمتزج قلبانا سراً وعلانية. بعث ملك في طلب اقليدس الحكيم، فامتنع وكتب إليه إن الذي منعك أن تجيئنا، منعنا أن نجيئك. قال رجل ليوسف ﵇: إني لأحبك، فقال: وهل أوتيت إلا من المحبة، أحبني أبي فالقيت في الجب، واستعبدت، وأحبتني امرأة العزيز فلبثت في السجن بضع سنين. ومن كلام بعض الحكماء: ثلاثة لا تسخف بهم: السلطان، والعالم، والصديق، فمن استخف بالسلطان ذهب دنياه، ومن استخف بالعالم ذهب دينه، ومن استخف بالصديق ذهب مروته. ومن كتاب المدهش في حوادث سنة ٢٤١ ماجت النجوم، وتطايرت شرقاً وغرباً كالجرادة من قبل غروب الشمس إلى الفجر، وفي السنة التي بعدها رجمت السويد وهي ناحية من نواحي مصر بحجارة، فوزن منها حجر كان عشرة أرطال، وزلزلت الري وجرجان، وطبرستان، ونيشابور، وإصفهان، وقم، وكاشان، ودامغان في وقت واحد، فهلك في دامغان خمسة وعشرون ألفاً، وتقطعت الجبال، ودنا بعضهم من بعض، حتى سار جبل من يمن، وعليه مزارع قوم فأتى مزارع قوم آخرين، ووقع طاير أبيض بحلب، وصاح أربعين

стр. 565

صوتا، يا أيها الناس اتقوا الله، ثم طار وأتى من الغد وفعل ذلك، ثم ما رؤي بعدها ومات رجل من بعض أكوار الأهواز، فسقط طاير على جنازته، وصاح بالفارسية، إن الله قد غفر لهذا الميت ومن حضر جنازته انتهى. وجود الله سبحانه غن التصديق بوجوده تعالى من أجلى البديهيات، كما قال، " أفي الله شك فاطر السموات والأرض " كذلك تصور كنه الحقيقة أو ما ما يقرب من الكنه من أمحل المحالات " ولا يحيطون به علما " كيف وسيد البشر صلوات الله عليه وآله يقول: " ما عرفناك حق معرفتك " وقال ﵇ " إن ن الله اجتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه لأنتم ": وما أحسن قول ابن أب الحديد: تاه الأنام بسكرهم ... فلذاك صاحي القوم عربد تالله لا موسى الكليم ... ولا المسيح ولا محمد كلا ولا جبريل وهو ... إلى محدل القدس يصعد علموا ولا النفس البسيطة ... ولا العقل المجرد من كنه ذاتك غير أنك ... أو حدى الذات سرمد فليخسأ الحكماء عن ... حرم له الأملاك سجد من أنت يارسطو ومن ... أفلاط قبلك يا مبلد ومن ابن سينا حين هذب ... ما أتيت به وشيد ما أنتم إلا الفراش ... رأى السراج وقد توقد فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رشدا لأبعد والحاصل أن كل ما يتصوره العالم الراسخ فهو عن كنه الحقيقة بفراسخ. وكل ما وصل إليه النظر العميق، فهو غاية مبلغة من التدقيق، وسرادقات الذات عن ذلك بمراحل وأميال، لا يستطيع سلوكها بريد الوهم والخيال. وللله در من قال: فيك يا أغلوطة الفكر ... تاه عقلي وانقضى عمري سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر رجعت حسرى وما اطلعت ... لا على عين ولا أثر

стр. 566

فلا يلتفت إلى هذيان من يزعم أنه وصل إلى كنه الحقيقة، بل احثوا التراب بفيه، فقد ضل وغوى، وكذب وافترى. فإن الأمر أجل وأرفع وأعلى من أن يحيط به عقل بشر. وأما ما ينقل عن سيد الأولياء وسند الأصفياء أمير المؤمنين كرم الله وجهه من قوله: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فالمراد غير ذلك لنا في قول سيد البشر: ما عرفناك حق معرفتك. وقول الحكماء: جل جناب الحق عن أن يكونت شريعة لكل وارد، وأن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد، لا يريدون به الاطلاع التام ولا يزاحم التمام. لبعضهم: لو صادف نوح دمع عيني غرقا ... أو حل بمهجتي الخليل أحترفا أو حملت الجبال حبي لكم ... مالت وتململت وخرت صعقا رأيت في كتاب خط قديم أن الحب سر روحاني، يهوي من عالم الغيب إلى القلب، ولذلك سمي هوى، ومن هوى يهوي إذا سقط، ويسمى الحب بالحب لوصوله إلى حبة القلب التي هي منبع الحياة، وإذا اتصل بها سرى مع الحياة في جميع أجزاء البدن، وأثبت في كل جزء صورة المحبوب كما حكي أن الحلاج لما قطعت أطرافه كتب في مواضع الدم: ألله ألله، وفي ذلك قال: هو ما قد لي عضواً ولا مفصل ... إلا وفيه لكم ذكر وهكذا حكي عن زليخا: أنها فصدت يوماً فارتسم من دمها على الأرض: يوسف يوسف. قال صاحب الكتاب: ولا تعجب من هذا، فإن عجائب بحر المحبة كثير. قال حكيم لرجل كان مولعاً بحب جارية لها مشتغلاً بها عما يهمه من امور معاده: يا هذا هل تشك في أنك لا بد أن تفارقها؟ فقال: نعم قال: فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في يومك هذا، وأربح ما بينهما من الخوف المنتظر وصعوبة معالجة ذلك بعد الإستحكام واشتداد الإلفة. مر الجنيد برجل، فرآه يحرك شفتيه، فقال: بم اشتغالك يا هذا؟ قال: بذكر الله، فقال: إنك اشتغلت بالذكر عن المذكور. ومر الشلبي بمءذن وهو يؤذن، فقال: اشتدت الغفلة فكررت الدعوة.

стр. 567

لبعضهم: غيري جنى وأنا المعذب فيكن ... فأنني سبابة المتندم وعلى هذا المنوال لبعض الأعراب: وحملتني ذنب أمرئ وتركته ... كذي العر تكوي غيره وهو راتع العر قروح يخرج في مشافر الإبل وقوائمه. قال في كتاب مجمع الأمثال: إن الإبل إذا فشا فيها العر أخذ بعير صحيح، وكوي بين يدي الإبل بحيث ينظر إليه فتبرأ كلها بإذن الله تعالى منه قول النابغة: وحملتني ذنب أمرئ البيت. دعت أعرابية في الموقف فقالت: سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وأوحشه على من لم تكن أنيسه؟ بنى أردشير بناءاً عجيبة، فقيل لبعض الحكماء: هل تجد فيه عيباً؟ فقال: ما رأيت مثله: ولكن فيه عيب واحد قال: وما هو؟ قال إن لك منه خرجة لا تعود بعدها إليه ودخلة إليه لا تخرج بعدها منه فبكى أردشير. من كلامه لبعضهم: رأيت العشف حوشيتم عيوناً ... تسيل دماً وأكباداً تشظى ألا يا معشر العشاق توبوا ... " فقد أنذرتكم ناراً تلظى " من كتاب رياض النعيم عن إبراهيم بن نفطويه النحوي قال: دخلت على محمد بن دواد الإصفهاني صاحب المهذب في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى، قلت: ما منعك منه مع القدرة عليه؟ فقال: إن الاستمتاع على وجهين النظر المباح واللذة المحظورة، أما النظر المباح فقد أوصلني إلى ما ترى، وأما اللذة المحظورة، فقد منعني منها ما بلغني عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " من عشق وكتم وعف غفر الله له وأدخله الجنة، قال: ثم أنه أنشدني أبياتاً لنفسه فلما انتهى إلى قوله: إن يكن عيب خده من عذاري ... فعيوب العيون شعر الجفون فقلت له: أنت تنفي القياس في الفقه وتثبت في الشعر. وقال: غلبة الهوى وملكة النفوس دعوا إليه، قال: ومات في ليلته؛ وقد ذكرت شرذمة من أحوال محمد بن داود الإصفهاني في المجلد الأول من الكشكول، فمن شاء وقف عليه. لبعضهم:

стр. 568

أمر بالحجر القاسي فألثمه ... لأن قلبك قاس يشبه الحجرا قال رجل لأحمد بن خالد الوزير: لقد اعطيت ما لم يعطه رسول الله ﷺ ، قال وكيف ذلك يا أحمق؟ قال: لأن الله تعالى يقول لنبيه: " ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك " وأنت فظ غليظ ونحن لا ننفض من حولك. لما قتل جعفر بن يحيى البرمكي قال أبو نواس: والله مات الكرم والجود والفضل والأدب، فقيل: ألم تكن تهجوه حال حياته؟ فقال ذلك والله لشقائي وركوني إلى أهوائي، وكيف يكون في الدنيا مثله في الجود والأدب، ولما سمع قولي فيه: لقد غرني من جعفر حسن بابه ... ولم أدر أن اللوم حشو إهابه ولست إذا أطنبت في مدح جعفر ... بأول إنسان خرى في ثيابه بعث إليّ بعشرين ألف درهم، وقال: إغسل ثيابك بها، قيل لبعض الظرفاء: ما أهزل برزونك؟ قال: نعم يده مع أيدينا. ضرب رجل أعور بحجر فأصاب العين الصحيحة من أعور، فوضع الأعور يده على عينيه، وقال: أمسينا والحمد لله. حجب بعض الأمراء أبا الينا ثم كتب إليه يعتذر منه، فقال: يحجبني مشافهة، ويعتذر إلي مكاتبة. مدح بعض الشعراء صاحب شضرطة، فقال: أما إني أعطيك شيئا من مالي فلا يكون أبدا، ولكن اجن جناية حتى لا اعاقبك بها. قيل لمؤاجر في شهر رمضان: هذا شهر الكساد. فقال: أبقى الله اليهود والنصارى. قال الشيخ في الشفا: المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي للبدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلوم لا يحتاج أن يعلم، وقد بسطت بالشريعة الحقة التي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد ﷺ حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن منه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقه النبوة وهو السعادة والشقاوة التابعتان للأنفس، وإن كانت الأوهام تقصر عن تصورها الآن لما توضحه من العلل، والحكماء الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة هذه السعادة البدنية انتهى. دخلت غرة على عبد الملك، فقال لها: أنت غرة كثيرة؟ فقالت: أن غرة بنت جميل قال: أتروين قول كثير؟ .

стр. 569

لقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عزلا يتغير تغير جسمي والخليقة كالتي ... عهدت وما يخبر بسرك مخبر فقالت: أروي ذلك، واكن أروي قوله: كأني انادي صخرة حين أدبرت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوح فما تلقاك إلا بنجلة ... فمن مل منها ذلك النجل ملت قال: فأمرها بالدخول على زوجته عاتكة، فلما دخلت قالت لها عاتكة: خبريني عن قول كثير فيك: قضى كل ذي دين فوفى عزيمه ... وعزة ممطول معنى غريمها من هذا الدين؟ فقلت: وعدته قبلة، فقالت عاتكة: أنجزي وعدك وعلي إثمه. قال بعض الفضلاء: ذهب لذات الدنيا بأجمعها، ولم يبق منها إلا حك الجرب والوقيعة في الثقلاء. سئل بعض الأعراب ممن راى مسيلمة: كيف وجدته: فقال ما هو نبي صادق ولا متنبئ حاذق. قال بعض الأمراء لجنده: يا كلاب، فقال له احدهم: لا تقل ذلك فإنك أميرنا لبعضهم: فتى لرغيفه قرط وشلف ... وإكليلان من خرز وشذر إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنسا إذا فجعت بصخر قال أبو العينا: أخجلني ابن صغير لعبد الرحمن بن خاقان قلت له: وددت أن لي ابناً مثلك، فقال: هذا بيدك، قلت: كيف ذلك؟ قال: إحمل أبي على امرأتك تلد لك ابناً مثلي. قال رجل لابن عمر: إن المختار كان يزعم أنه يوحي إليه فقال: صدق إن الله تعالى يقول: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ". قيل لحكيم ظريف: هل يولد لابن خمس وتسعين ولد؟ فقال نعم: إن كان في جيرانه ابن خمس وعشرين سنة. رأيت في بعض الكتب: أن الوجه في تسمية الشيخ العارف كمال الدين بالكبرى أن مشايخ زمانه كانوا يقولن في شأنه: قد قامت عليه قيامه العشاق فأتت عليه الطامة الكبرى، فاشتهر بذلك وغلب عليه حتى عرف به.

стр. 570

في بعض التواريخ المعتمدة عليها أن معن بن زائدة كان يتصيد، فعطش فلم يكن في تلك الحال مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك إذ مر به جاريتان من حي هناك، في جيد كل واحدة قربة من الماء، فشرب منهما، وقال لغلمانه: هل معكم شيء من نفقتنا؟ فقالوا: ليس معنا شيء، فدفع لكل منهما عشرة أسهم من سهامه كان نصالها من تبر، فقالت إحداهما للاخرى: ويحك ما هذه الشمايل إلا لمعن بن زايدة، فليقل كل منا في ذلك شيئاً، فقالت إحداهما: يركب في السهام نصار تبر ... ويرميها العدى كرماً وجودا فللمرضى علاج من جراح ... وأكفان لمن سكن اللحودا وقالت الاخرى ومحارب من فرط جود بنانه ... عمت مكارمه الأقارب والعدا صيغت نصال سهامه عن عسجد ... كيلا يعوقه القتال عن الندىفي كشف الغمة عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: جعت يوماً بالمدينة فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، إذاً أنا بامرأة قد جمعت مدراً، فظننتها تريد بله فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فملئت ستة عشر ذنوباً حتى مجلت يداي ثم أتيت الماء، فأصبت منه ثم أتيتها، فقمت بكفي هكذا بين يديها، وبسط الراوي كفيه، فعدت لي ستة عشر تمرة، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأكل معي منها. قولهم: إن سر الحقيقة مما لا يمكن أن يقال له محملان: إحداهما - أنه مخالف لظاهر الشريعة في نظر العلماء: فلا يمكن قوله: وعلى هذا جرى قول زين العابدين ﵇. يار ب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت ممن تعبد الوثنا ولاستحل رجال مسملون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا الثاني: إن العبارات قاصرة عن أدائه وغير وافية ببيانه فكل عبارة قربته إلى الذهن من وجه أبعدته عنه من وجوه. كلما أقبل فكري ... فيك شبراً فر ميلا وعلى هذا جرى قول بعضهم: وإن قميصاً خيط من نسج تسعة ... وعشرين حرفاً من معاليك قاصر

стр. 571

ومن هذا يظهر أن قولهم: إفشاء سر الربوبية كفر، له محملان أيضاً، فعلى محمل الأول يراد بالكفر ما يقابل الإسلام، وعلى المحمل الثاني يراد بالكفر ما يقابل الإظهار إذ الكفر في اللغة الستر، فيكون معنى الكلام أن كلما يقال في كشف الحقيقة، قفهو سبب لإخفائها وستر لها في الحقيقة. الصاحب غزال له وجه ينال به المنى ... يرى الفرض كل الفرض قتل صديقه فإن هو لم يكفف عقارب صدغه ... فقولوا له يمسح بترياق ريقه وله أيضاً ما في زمانك من ترجو مودته ... ولا صديق إذا جار الزمان وفى فعش وحيداً ولا تركن إلى أحد ... ها قد نصحتك فيما قلته وكفى وإني لتعروني لذكراك هزة ... لها بين جلدي والعظام دبيب وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد اجيب ويضمر قلبي حبها ويعينها ... علي فيما لي في الفؤاد نصيب السبب في تسمية الأيام التي في آخر البرد بأيام العجوز، ما يحكى أن عجوزاً كاهنة في العرب، كانت تخبر قومها ببرد يقع، وهم لا يكترثون بقولها حتى جاء فأهلك زرعهم فقيل: أيام العجوز وبرد العجوز، وقال جار الله في كتاب ربيع الأبرار: قيل الصواب أنها أيام العجز أي آخر البرد، وقيل: إن عجوزاً طلبت من أولادها أن يزوجوها، فشرطوا عليها أن تبرز إلى الهواء سبع ليال، ففعلت وماتت. لبعضهم: وإني وإن أخرت عنكم زيارتي ... لعذر فإني في المحبة أول فما الود تكرار الزيارات دائماً ... ولكن على ما في القلوب المعول الحاجري: هبت فعلمت أنها من نجد ... ريح لنسيمها أريج الند

стр. 572

لكن أنا قد قلت لواش عندي ... هذي النسمات للكثيب الفرد يا عاذل كم تطيل في العذل علي ... دعني وتهتكي فقد راق لدي خذ رشدك وانصرف ودعني والغي ... ما أحسن ما يقال قد جن بمي وله حيا وسقى الحمى سحاب هامي ... ما كان ألذ عامه من عام يا مي وما ذكرت أيامكم ... إلا وتظلّمت على أيامي سئل الصادق ﵇ لم يكلب الناس على الأكل في أيام الغلاء؟ فقال: لأنهم بنوا الأرض وإذا قحطت قحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا. في كتاب ربيع الأبرار: من عجايب بغداد أنه موطن الخلفاء، ولم يمت بها خليفة أبداً. وفيه: طول ثقيل عند رجل، فما أمسى وأظلم البيت لم يأته بالسراج، فقال الرجل: أين السراج؟ فقال صاحب البيت: إن لله تعالى يقول: " وإذا أظلم عليهم قاموا "، فقام وخرج. لبعضهم: دع الأيام تفعل ما تشاء ... وطب نفسا إذا نزل البلاء ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما الحوادث الدنيا بقاء إذا ما كنت ذا قلب قنوع. . فأنت ومالك الدنيا سواء قال جامع الكتاب: لا والله، فإن صاحب القناعة ومالك الدنيا غير متساويين كما قاله صاحب الأبيات، بل صاحب القناعة أقل حزنا، وأطيب نفسا، وأقر عينا. ولله در من قال: ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا الوجه المشهور في قوس قزح لم يرتضه المولى الفاضل كمال الدين حسين الفارسي؛ وتصدي لتخطئة القائلين به في أواخر تنقيح المناظر، وأورد هو في الكتاب المذكور وجهاً لطيفاً في غاية الدقة والمتانة وعساك تجده في بعض مجلدات الكشكول. لأصحاب النفوس القدسية، التصرف في الأجرام الأرضية والسماوية للتأييدات

стр. 573

الإلهية، ألا ترى إلى تصرف إبراهيم على نبينا وعليه السلام في النار " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " وموسى في الماء والأرض " فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق. فقلنا اضرب بعصاك البحر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً " وسليمان في الهواء " ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر " ودواد ﵇ في المعدن " وألنا له الحديد " ومريم في النبات " وهزي إليك بجذع النخلة " وعيسى في الحيوان " كونوا قردة خاسئين "، ونبينا في السماويات " اقتربت الساعة وانشق القمر ". قال في الهياكل لما رأيت الحديدة المحمية يتشبه بالنار لمجاورتها، ويفعل فعلها فلا تعجب من نفس استشرقت واستنارت واستضاءت بنور الله، فأطاعتها الأكوان. قال القيصري في شرح فصوص الحكم: الأرواح منها كلية، ومنها جزئية، فأرواح الأنبياء أرواح كلية يشتمل كل منها على أرواح من يدخل في حكمه، ويصير من امته، كما تدخل الأسماء الجزئية في الأسماء الكلية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: " إنّ إبراهيم كان امة قانتاً لله ". مسيلمة وسجاح كتب مسيلمة الكذاب إلى النبي ﷺ ؛ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ﷺ أما بعد، فإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون؛ وبعث معها رجلين، وقال لهما النبي ﷺ : أتشهدان أنّي رسول الله؟ قالا: نعم، قال: أتشهدان أنّ مسيلمة رسول الله؟ قالا: نعم، إنه قد اشرك معك، فقال النبي ﷺ لولا أنّ الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما، ثم كتب إليه رسول الله: من محمد ﷺ رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد؛ " فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ". وادعت سجاح بنت الحارث النبوة في أيام مسيلمة، وقصدت حربه، فأهدى إليها مالاً واستأمنها، حتى أمنته وأمنها فجاء واستدعاها، وقال لأصحابه: اضربوا لها قبة وجمروها، لعلها تذكره لباه، وفعلوا فلما أتت قالت له: إعرض عليّ ما عندك، فقال لها: إنّي أريد أن أخلو معك حتى نتدارس، فلما خلت معه في القبة، قالت: إقرأ عليّ ما يأتيك به جبرائيل؛ فقال: إسمعي هذه الآية: إنّكن معشر النساء خلقن أفواجاً، وجعلن لنا أزواجاً، نولجه فيكنّ إيلاجاً، ثم نخرجه منكنّ إخراجاً. فقالت: صدقت إنّك نبي مرسل، فقال لها: هل لك في أن أتزوجك فيقال: نبي تزوج نبية؟ فقالت: إفعل ما بدا لك فقال لها: ألا قومي إلى المخدع ... فقد هبي لك المضجع

стр. 574

فإن شئت فملقاه ... وإن شئت على الأربع وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع فقالت، بل به أجمع، فإنّه للشمل أجمع، فضرب بعض ظرفاء العرب لذلك مثلاً وقال: أعلم من سجاح، فأقامت معه ثلاثاً، وخرجت إلى قومها، فقالوا: كيف وجدته؟ فقالت: لقد سألته فوجدت نبوته حقاً، وإنّي قد تزوجته، فقال قومها: ومثلك يتزوج بغير مهر، فقال مسيلمة: مهرها أنّي قد رفعت عنكم صلاة الفجر والعتمة: قال أهل التاريخ: ثم أقامت بعد ذلك مدة في بني تغلب، ثم أسلمت، وحسن إسلامها. ومن خزعبلات مسيلمة: والزارعات زرعاً، فالحاصدات حصداً، فالذاريات ذوراً، فالطاحنات طحناً، فالعاجنات عجناً، فالآكلات أكلاً. فقال بعض ظرفاء العرب: فالخاريات خريا. قد تستعين النفوس في إحداث التعاليم بمزاولة أعمال مخصوصة وهي السحر، أو بقوى بعض الروحانيات، وهي العزائم، أو بالأجرام الفلكية، وهي دعوة الكوكب، أو بتمزيج القوى السماوية بالأرضية، وهي الطلسمات، أبو بالخواص العنصرية وهي النيرنجيات، أو بالنسب الرياضية وهي الحيل. قال الشيخ محي الدين في الباب الثامن من الفتوحات: إن من جملة العوالم عالماً على صورنا إذا أبصره العارف، يشاهد نفسه فيها، وقد أشار إلى ذلك عبد الله بن عباس فيما روي عنه في حديث الكعبة، أنها بيت واحد من أربعة عشر بيتاً، وأنّ في كل أرض من الأرضين السبع؛ خلقاً مثلنا، حتّى أنّ بينهم ابن عباس مثلي، وصدقت هذه الرواية عند أهل الكشف، وكل ما فيه حي ناطق وهو باق لا يتبدل واذا دخله العارفون، فإنّما يدخلونه بأرواحهم لا بأجسامهم؛ فيتركون هياكلهم، في هذه الأرض، ويتجردون، وفيها مداين لا تحصى، وبعضها يسمى مداين النور لا يدخلها من العارفين الا كل مصطفى مختار، وكل حديث وآية وردت عندنا مما صرفها العقل عن ظاهرها في هذه الأرض، إنتهى كلام الشيخ، وهذا العالم يسميه حكماء الإشراق الإقليم الثامن من عالم المثال وعالم الأشباح. وقال التفتازاني في شرح المقاصد: وعلى هذا بنو أمر المعاد الجسماني، فإنّ البدن المثالي الذي يتصرف فيه النفس حكمه حكم البدن الحسي، في أنّ له جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيلتذ، ويتألم باللذات، والآلام الجسمانية. قال جامع الكتاب: ومما يلائم ما نحن ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي في

стр. 575

كتاب تهذيب الأحكام في أواخر مجلد الأول منه، عن الصادق جعفر بن محمد ﷺ أنه قال ليونس بن ظبيان: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟ فقال يونس: يقولون يكونون في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله: سبحان الله! المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في موصلة طير أخضر، يا يونس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون، ويشربون، فإذ قدم عليهم القادم عرفوا بتلك الصورة التي كانت في الدنيا وروى بعد هذا الحديث عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن أرواح المؤمنين فقال: في الجنة على صور أبدانهم لو رأيته لقلت فلان. قال الراغب في المحاضرات: كان الإمام علي بن موسى الرضا ﵇ عند المأمون فلما حضر وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالماء والطشت، فقال الرضا ﵇: لو توليت هذا بنفسك. فإن الله تعالى يقول: " فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً ". قال جعفر الخالدي: رأيت الجنيد في النوم. فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: طاحت تلك العلوم، ودرست هاتيك الرسوم، وما نفعنا الا ركيعات كنا نركعها في السحر. عن بعض نساء النبي ﷺ قالت: ذبحنا شاة، فتصدقنا بها الا الكتف، فقلت للنبي ﷺ ، ما بقي الا الكتف، فقال ﷺ : كلها بقي الا الكتف. قال الحسن البصري: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه، بشك لا يقين فيه من الموت. شعر الموت لو صحّ اليقين به ... لم ينتفع بالعيش ذاكره دخل العتبي المقابر فأنشأ يقول: سقياً ورعياً لإخوان لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد نمدهم كل يوم من بقيتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد قال رجل لأبي الدرداء: لم نكره الموت؟ فقال: لأنّكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم، فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.

стр. 576

قال الحسن البصري لرجل حضر جنازة: أتراه لو رجع إلى الدنيا لعمل صالحاً؟ فقال: نعم، قال: فإن لم يكن هو، تكن أنت. قال الشيخ في آخر الشفاء: رأس الفضايل عفة، وحكمة، وشجاعة، ومن اجتمعت لها معها الحكمة النظرية فقد سعد، ومن فاز مع ذلك بالخواص النبوية كاد يصير رباً إنسانياً ويكاد أن يحل عبادته كعبادة الله تعالى، وهو سلطان العالم الفاضل في الأرض، وخليفة الله فيهم. شعر وجاهلة بالحب لم تدر طعمه ... وقد تركتني أعلم الناس بالحب جميل وإني لأستحييك حتى كأنّما ... عليّ بظهر الغيب منك رقيب آخر أقول لهم كروا الحديث الذي مضى ... وذكرك من بين الأنام اريد اناشده الا أعاد حديثه ... كأنّي بطيء الفهم حين يعيد إبن المعتز يا رب إن لم يكن في وصله طمع ... وليس لي فرج من طول هجرته فاشف السقام الذي في لحظ مقلته ... واستر ملاحة خديه بلحيته قال في المحاضرات: نظرت امرأة من أهل البادية في المرآة؛ وكانت حسنة الصورة، وكان زوجها رديّ الصورة؛ فقالت له والمرآة في يدها: إنّي لأرجو أن ندخل الجنة أنا وأنت، فقال: فكيف ذلك؟ فقالت: أما أنا فلأنّي ابتليت بك، فصبرت، وأما أنت فلأن الله تعالى أنعم بي عليك، فشكرت، والشاكر والصابر في الجنة. لبعض الأعراب ماء المدامع نار الشوق تحدرها ... فهل سمعتم بماء فاض من نار الخزارزي يا من اذا أفبل قال الهوى ... هذا أمير الجيش في موكبه كل الهوى صعب ولكنّني ... بليت بالأصعب من أصعبه عبدك لا تسأل عن حاله ... حل بأعدائك ما حل به قد كان لي قبل الهوى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة الوسنان لم ينتبه ابن المعتز وجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر

стр. 577

فقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلاً وأسحب أذيالي على الاثر ولاح ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدّت من الظفر فكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر ابن بسام ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير لا أظلم الليل ولا أدعي ... أنّ نجوم الليل ليست ثغور العباس بن الأحنف قد تسحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا وكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدري أنّه صدقا الصاحب: صرحت في حبي عن شكله. . ولم أصخ فيه إلى عذله وبحت للعالم باسم الهوى ... فليقعد المغتاب في نزله قال في المحاضرات: نظرت امرأة من أهل البادية في المرآة؛ وكانت حسنة الصورة، وكان زوجها رديّ الصورة؛ فقالت له والمرآة في يدها: إنّي لأرجو أن ندخل الجنة أنا وأنت، فقال: فكيف ذلك؟ فقالت: أما أنا فلأنّي ابتليت بك، فصبرت، وأما أنت فلأن الله تعالى أنعم بي عليك، فشكرت، والشاكر والصابر في الجنة. ابن المعمار يا صاح قد ولى زمان الردى ... والهم قد كشر عن نابه باكر لكرم العنب المجتنى ... واستجنه من عند عنّابه واعصره واستخرج لنا ماءه ... لكي تزيل الهمّ عنّا به ولا تراعي في الهوى عاذلاً ... أفرط في العذل وعنّى به كتب العباس بن معلى الكاتب إلى القاضي ابن قريعة: فتوى، ما يقول القاضي أدام الله تعالى أيامه في يهودي زنا بنصرانية؟ فولدت له ولداً جسمه كالبشر، ووجهه كالبقر فما يرى القاضي في ذلك فليفتنا مأجوراً؟ فأجاب هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود، أنّهم اشربوا حب العجل في صدورهم فخرج من ايورهم، وأرى أن اخلق على الأرض وينادي عليهما ظلمات بعضها فوق بعض.

стр. 578

لما تزوج المهلب ب أبي صفرة بديعة المطربة، أراد الدخول بها، فجاءها الحيض، فقرأت: وفار التنور فقرأ و: " ساوي إلى الجبل يعصمني من الماء " فقرأت " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ". شعر القلب لديك عذره متضح ... والعين عليك دمعها منسفح يا غاية منيتي وأملى أملي ... قد طال عتابنا متى نصطلح قد قضينا العمر في مطلكم ... فظننا وعدكم كان مناما أإذا متنا نرى وعدكم ... أم اذا كنا تراباً وعظاما شعر أرى الأيام صبغتها تحول ... وما لهواك من قلبي نصول حداة العيس بالاظعان مهلاً ... فلي في ذلك الوادي خليل فوا أسفا على عيش تقضى ... وعمر قد بقى منه القليل أتت ودموعها في الخد يحكي ... قلائدها وقد أخذت تقول غداة غد تزم بنا المطايا ... فهل لك في وداع يا خليل فقلت لها وعيشك لا ابالي ... أقام الحيّ أو جد الرحيل يخاف من النوى من كان حياً ... وإنّي بعدكم رجل قتيل البهاء زهير ويحك يا قلب أما قلت لك ... إياك أن تهلك فيمن هلك حركت من نار الجوى ساكناً ... ما كان اغناك وما اجملك ولى حبيب لم يدع مسلكا ... تشمت بي الأعداء الا سلك ملكته رقي فيا ليته ... لو رقّ أو أحسن فيما ملك بالله يا أحمر خديه من عضّك ... أو أدماك أو أخجلك وأنت يا نرجس عينيه كم ... تشرب من قلبي وما أذبلك ويا لمي مرشفة إنّني ... يغيرني المسواك إن قبلك

стр. 579

ويا مهزّ الرمح من قدّه ... تبارك الله الذي عدّلك مولاي حاشاك ترى غادراً ... ما أقبح الغدر وما أجملك ما لك في حسنك من مشبه ... ما تم للعالم ما تم لك شعر لا سلاماً لا كلاماً لا رسولاً لا رسالة ... كل هذا يا حبيبي من علامات الملالة رأيت في بعض التواريخ أنّه لما قتل الفضل بن سهل في الحمام بسرخس، كما هو في الكتب مسطور، أرسل المأمون إلى امه، أن ترسل من متروكاته ما يليق بالخليفة من الجواهر الثمينة والأموال النفيسة، وأمثال ذلك، فأرسلت إلى المأمون سفطاً مقفولاً مختوماً بختم الفضل، ففتح المأمون السفط، فإذاً فيه درج بخط الفضل المكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى به الفضل بن سهل على نفسه، قضى أن يعيش ثمانية وأربعين سنة ثم يقتل بين ماءٍ ونار. وفي عيون الأخبار: أنّه لما كان صباح اليوم الذي قتل فيه، دخل الحمام وأمر أن يحجم وتلطخ جسده بالدم ليكون ذلك تأويل ما دلت عليه النجوم؛ من أنّه يهراق دمه ذلك اليوم بين ماء ونار، ثم أنّه أرسل إلى المأمون والرضا ﵇ أن يحضر الحمام أيضاً، فامتنع الرضا ﵇ وأرسل إلى المأمون يمنعه من ذلك، فلما دخل إلى الحمام جرى دمه. أبو الرضا الفضل بن منصور الظريف الشاعر الأديب حسن الشعر؛ له ديوان جيد توفي سنة ٤٣٥، ومن شعره: وأهيف القد مطبوع على صلف ... عشقته ودواعي البين تعشقه وكيف أطمع منه في مواصلة ... وكل يوم لنا شمل يفرقه وقد تسامح قلبي في موافقتي ... على السلوّ ولكن من يصدقه أهابه وهو طلق الوجه مبتسم ... وكيف يطعمني في السيف رونقه شكر العلوي امير مكة له شعر حسن توفي سنة ٤٥٣: قوّض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إنّ الذل مجتنب وارحل اذا كان في الأوطان منقصه ... فالمندل الرطب في أوطانه خشب لما دعى إبراهيم بن المهدي الخلافة، أتى إليه المعتصم بابنه الواثق، وقال: هذا عبدك هارون ولما استخلف المعتصم قبض إبراهيم بيد ابنه ودخل عليه وقال: هذا عبدك هبة الله، قال أصحاب التواريخ: وكانت الواقعة في بيت واحد. قال في كامل التواريخ: لما قتل الوزير نظام الملك، أكثر الشعراء من المراثي فيه، فمن ذلك قول شبل الدولة مقاتل بن عطية: كان الوزير نظام الملك جوهرة ... مكنونة صاغها الباري من النطف جاءت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف وفيه أيضاً إنّ الأسعار غلت بمصر سنة ٤٦٥ وكثر الموت، وبلغ الغلا إلى أنّ امرأة يقوم عليها رغيف بألف دينار، وسبب ذلك أنّها باعت عروضاً لها، قيمتها الف دينار بثلاثمأة، واشترت عشرين رطلاً حنطة، فنهبت عن ظهر الحمال فنهبت أيضاً مع الناس فأصابها مما خبزته رغيف انتهى

стр. 580

أبو الرضا الفضل بن منصور الظريف الشاعر الأديب حسن الشعر؛ له ديوان جيد توفي سنة ٤٣٥، ومن شعره: وأهيف القد مطبوع على صلف ... عشقته ودواعي البين تعشقه وكيف أطمع منه في مواصلة ... وكل يوم لنا شمل يفرقه وقد تسامح قلبي في موافقتي ... على السلوّ ولكن من يصدقه أهابه وهو طلق الوجه مبتسم ... وكيف يطعمني في السيف رونقه شكر العلوي امير مكة له شعر حسن توفي سنة ٤٥٣: قوّض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إنّ الذل مجتنب وارحل اذا كان في الأوطان منقصه ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب مهيار الشاعر الأديب صاحب المحاسن والشعر العذب الرائق كان مجوسياً فأسلم على يد السيد المرتضى وكان يتشيع، قال في كامل التواريخ: إنّ أبا القاسم ابن برهان قال له يوماً: يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، قال: وكيف ذلك؟ قال: إنّك كنت مجوسياً فصرت تسب أصحاب محمّد ﷺ في شعرك. أحمد بن علي بن الحسين المؤدب المعروف بالغالي، توفي سنة ٤٤٨، ومن شعره: تصدّر للتدريس كل مهوّس ... بليد تسمّى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدى من هزالها ... كلاها وحتى رامها كل مفلس

стр. 581

القاضي القاسم أبو علي بن محسن التنوخي، ولد بالبصرة سنة ٤٦٥ وتوفي في شوال سنة ٤٩٤ ومن شعره: أرى ولد الفتى كلا عليه ... لقد سعد الذي أمسى عقيما فإما أن يربيه عدوا ... وإما أن يخلفه يتيما أحمد بن عمر بن روح النهرواني، من الأدباء المشهورين، توفي سنة ٤٤٧، شعره جيد، سمع رجلا يغني: وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا فاستوقفه وقال: أضف إليه هذين البيتين: على قلبي الأحبة بالتمادي ... في الهوى غلبوا وبالهجران من عيني ... لطيب النوم قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الواسطي كان أديبا شاعرا، توفي سنة ٤٤٦ ومن شعره: واحسرتا من قولها. . خان عهودي ولها وحق من صيرني , ... وقفا عليهما ولها ما خطرت بخاطري ... إلا كستني ولها يحيى بن سلامة الحصكفي الأديب كان يتشيع. توفي ٥٥٢. ومن شعره وخليع بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث قلت أن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث قلت فالآرفاث يتبعها ... قال طيب العيش في الرفث قلت منها القيء قال نعم ... شرفت عن مخرج الحدث وسأسلوها فقلت متى ... قال عند الكون في الجدث أبو جعفر البياضي: يا من لبست لأجله ثوب الضنى ... حتى خفيت به عن العواد وأنست بالسهر الطويل فأنسيت ... أجفان عيني كيف كان رقادي

стр. 582

إن كان يوسف بالجمال مقطع الأيدي ... فأنت مفتت الأكباد بو المعمار: قد بلينا بأمير ... ظلم الناس وسبح فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح لبعضهم: عذبه بالهجر مولاه ... ومله ظلما واقصاه قد كتب الدمع على خده ... مت كمدا يرحمك الله أبو الحسن محمد بن جعفر الجرهمي الشاعر، توفي سنة ٤٣٣، وكان بينه وبين المطرزي مهاجاة. ومن شعره: يا ويح قلبي من تقلبه ... أبدا يحن إلى معذبه بأبي حبيبا غير مكترث ... يجني ويكثر من تعتبه قالوا كتمت هواه قلت لهم ... لو أن لي رمقا لبحث به أبو بكر محمد بن عمر العنبري الشاعر الأديب توفي سنة وشعره جيد ومنه قوله: ذنبي إلى الدهر أني لم أمد يدي ... في الراغبين ولم أطلب ولم أسل وإنني كلما نابت نوائبه ... ألفيتني بالرزايا غير محتفل قال الشيخ في فصل المبدأ والمعاد من إلهيات الشفاء: لو أمكن إنساناً من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء جميعاً وطبائعها، لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل، وهذا المنجم القائل بالأحكام مع أنّ أرضاعه الأولى ومقدماته ليست مستندة إلى برهان بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي، وربما حاول قياسات شعرية أو خطابية في إثباتها فإنّه إنّما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات، وهي التي في السماء، على أنّه لا يضمن من عنده الإحاطة بجميع الأموال التي في السماء، ولو ضمن لنا ذلك ووفى به لم يمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث يقف على وجود جميعها في كل وقت وإن كان جميعها من حيث فعله وطبعه معلوماً عنده، وذلك لأنّه لا يكفيك أن تعلم أنّ النار حارة مسخنة وفاعلة كذا وكذا في أن تعلم أنّها سخنت ما لم تعلم أنّها حصلت وأي طريق في الحساب يعطينا المعرفة بكل حدث في الفلك؟

стр. 583

ولو أمكنه أن يجعلنا ونفسه بحيث نقف على وجود ذلك، لم يتم لنا به الإنتقال إلى المغيبات، فإنّ الأمور المغيبة التي في طريق الحدوث، إنّما تتم بمخالطات بين الامور السماوية والامور الأرضية المتقدمة؛ والاحقة فاعلها ومنفعلها طبيعيها وإراديّها، وليست تتم بالسماويات وحدها، فما لم يحط بجميع الأمرين وموجب كل منهما خصوصاً ما كان متعلقاً بالمغيب، لم يتمكن من الإنتقال إلى المغيب، فليس لنا إذاً اعتماد على أقوالهم، وإن سلمنا متبرعين أنّ جميع ما يعطوننا من مقدماتهم الحكمية صادقة، إنتهى كلام الشيخ في الشفاء. عن محمد بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵇: يا عبد العزيز الإيمان على عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرة بعد مرة، فلا يقول صاحب الواحدة لصاحب الإثنين لست على شيء، حتى ينتهي إلى العاشرة، ولا تسقط من هو دونك، فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت من هو أسفل منك درجة، فارفعه إليك برفق، ولا تحمل عليه مما لا يطيق فتكسره، فإنّه من كسر مؤمناً فعليه جبره، وكان المقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة. قال في كامل التواريخ في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ومات في هذه السنة عبد الباقي محمد بن الحسين الشاعر البغدادي، وكان يتهم بأنّه يطعن على الشرائع، فلما مات كانت يده مقبوضة، فلم يطق الغاسل فتحها، فبعد جهد فتحت فإذاً فيها مكتوب: نزلت بجار لا يخيب ضيفه ... ارجّي نجاتي من عذاب جهنم وإنّي على خوفي من الله واثق ... بإنعامه والله أكرم منعم من كامل التواريخ في حوادث سنة ٦٠٣: ما صورته: في هذه السنة قتل صبي صبياً ببغداد كانا يعاشران وعمر كل منهما يقارب عشر سنة، فقال أحدهما للآخر: ألا إن أضربك بالسكين وأهوى بها نحوه، فدخل رأسها في جوفه، فمات، فهرب القاتل ثم أخذ وأمر بقتله فلما أرادوا قتله، طلب دواة وبياضاً، وكتب فيها من قوله: وفدت على الكريم بغير زاد ... من الحسنات والقلب السليم وسوء الظن إن يعتد زاد ... اذا كان القدوم على كريم قيل لأنوشيروان: ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل فيحتمله؟ ولا يحتمل مجالسة الثقيل، فقال: لان الحمل يشترك فيه جميع الأعضاء، والثقيل يتفرد به الروح انتهى.

стр. 584

ابن المعتز في وصف الإبريق كأنّ إبريقنا والراح في فمه ... طير تناول ياقوتاً بمنقار أوصى بعض الوزراء، أن يكتب على كفنه، اللهم حقق ظنّي بك. عميد الملك وزير الب أرسلان في غلام تركي كان واقفاً على رأسه، يقطع بالسكين قبضته. شعر أنا مشغوف بحبه وهو مشغوف بلعبه ... صانه الله فما أكثر إعجابي بعجبه لو أراد الله خيراً وصلاحاً لمحبه ... نقلت رقة خديه إلى قسوة قلبه سمع بعض العارفين غناء مخارق وعلوية: نعم الوسيلتان لإبليس في الأرض. من كلام حكماء الهند: إذا احتاج إليك عدوك أحب بقاءك، وإذا استغنى عنك وليك هان عليه موتك. من كلامهم: كل مودةعقدها الطمع حلها اليأس. قال رجل لابن عباس: ادع الله أن يغنيني عن الناس، فقال: إن حوائج الناس متصل بعضها ببعض، فما يستغني المرء عن بعض جوارحه، ولكن قل: اللهم أغنني عن شرار الناس. سمع أعرابي ابن عباس يقرأ " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " فقال الأعرابي: والله ما أنقذنا منها وهو يريد أن يلقينا فيها، فقال ابن عباس: خضذوها من غير فقيه. أوصى بعض الوزراء أن يكتب على كفنه: اللهم حقق حسن ظني بك ضحك العبد وهو مشفق من ذنبه، خير من بكائه وهو مدل على ربه لبعض الأعراب: ليس في الناس وفاء ... لا ولا في الناس خير قد بلوت الناس، في الناس ... كسير وعوير من كلام بعض العارفين: الأخ الصالح خير من نفسك، لأن النفس أمارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمر إلا بالخير. قيل لأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وهو على بغلة له في بعض الحروب: لو

стр. 585

اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين، فقال: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تكفيني. رأيت في بعض الكتب: أنّ الشطرنج إنّما وضعها الحكماء لملوك الروم والفرس لأنّهم لا يكون لهم علم وكانوا لا يطيلون الجلوس مع العلماء لجهلهم، واذا اجتمعوا مع أمثالهم تلاحظوا كما يتلاحظ البقر، فوضعوا لهم في ذلك ليشتغلوا بها، وأما ملوك اليونان وقدماء الفرس والروم، فكان لكل منهما كعب عال في العلم، وكانوا لا يتفرغون عنه لأمثال الامور الواهية. قال الحجاج لشيخ من الأعراب: كيف حالك في الأكل؟ فقال: إن أكلت ثقلت، وإن تركت ضعفت، قال: فكيف نكاحك؟ قال: إذا بذلت لي عجزت، وإذا منعت شرهت، قال: فكيف نومك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المضجع، قال: فكيف قيامك وقعودك؟ قال: اذا قعدت تباعدت عنّي الأرض، وإذا قمت لزمتني، فقال: فكيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة، وتعثرني البعرة. كان يحيى بن أكثم يناظر رجلاً في إبطال القياس؛ وكان الرجل يقول في أثناء مناظرته: يا أبا زكريا، فقال: لست أبا زكريا؛ فقال الرجل: يحيى يكون كنية أبا زكريا؛ فقال: يحيى بن أكثم: ففيم بحثنا إلى الآن؟ يعني أنّك قلت بالقياس وعملت به. دق رجل الباب على الجاحظ، فقال الجاحظ من أنت؟ فقال الرجل: أنا، فقال الجاحظ: أنت والدق سواء. هارون بن أبي الفرج المنجم وقيل: هارون ابن علي المنجم: سقى الله أياماً لنا ولياليا ... مضين فلا يرجى لهنّ رجوع إذ العيش صاف والأحبة جيرة ... جميعاً وإذ كل الزمان ربيع واذ أنا إما للعواذل في الصبا ... فعاصي وإما للهوى فمطيع قال الصاحب ابن عباد: هذا الشعر إن أردت كان اعرابيا في شملته، وإن أردت كان عراقيا في حلته. انتهى.

стр. 586

كشاجم ما لذة اكمل في طيبها ... من قبلة في إثرها عضه خلستها بالكره من شادن ... يعشق منه بعضه بعضه ابن الأعرج وده ود صحيح وهو عني ذو انقباض ... فهو في الظاهر غضبان وفي الباطن راضي قدماء الحكماء: على أنّ نفوس الحيوانات ناطقة مجردة، وهو مذهب الشيخ المقتول وقد صرح الشيخ الرئيس في جواب أسئلة بهمنيار، بأن الفرق بين الإنسان والحيوانات في هذا الحكم مشكل. وقال القيصري في شرح فصوص الحكم: ما قال المتأخرون: من أنّ المراد بالنطق هو إدراك الكليات لا التكلم، لأن التكلم مع كونه مخالفاً لوضع أهل اللغة لا يفيدهم، لأنّه موقوف على أنّ النفس الناطقة المجردة تكون للإنسان فقط. ولا دليل لهم على ذلك، ولا شعور لهم بأنّ الحيوانات ليس لها إدراك الكليات، والجهل بالشيء لا ينافي وجوده، وإمعان النظر فيما يصدر عنها من العجايب يوجب أن يكون لها إدراك الكليات. انتهى كلامه ولا يخفى أنّ كلام القيصري يعطي أنّ مراد المتقدمين بالنطق هو المعنى اللغوي، وبذلك صرح الشيخ الرئيس في أول كتابه الموسوم بدانش نامه علائي نقل الفاضل المبيدي في شرح الديوان. قال السيد الشريف في حاشية شرح التجريد: إن قلت: ما تقول فيمن يرى أنّ الوجود مع كونه عين الواجب وغير قابل للتجزي والانقسام، قد انبسط على هياكل الموجودات وظهر فيها فلا يخل منه شيء من الأشياء، بل هو حقيقتها وعينها، وإنّما امتازت وتعينت بتقيدات وتعينات وتشخصات اعتبارية، ويمثل ذلك بالبحر وظهوره في صورة الأمواج المتكثرة، مع أنّه ليس هناك الا حقيقة البحر فقط، قلت: هذا طور وراء طور العقل، لا يتوصل إليه الا بالمجاهدة الكشفية دون المناظرات العقلية، وكل ميسر لما خلق له: شعر أنت في الأربعين مثلك في ... العشرين قل لي متى يكون الفلاح. نور الأنوار محيط بجميع الأرواح والأشباح، ولا تخلو منه ذرة من ذرات الأرضين والسموات، " ألا إنه بكل شيء محيط ... ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ... فأينما

стр. 587

تولوا فثم وجه الله ... وهو معكم أينما كنتم ... ونحن أقرب إليه منكم ... ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ". قال أرسطو في كتابه الموسوم باثولوجيا، إنّ من وراء هذا العالم سماء وأرض وبحر، وحيوانات ونبات وناس سماويون، وكل من في ذلك العالم سماوي وليس هناك شيء أرضي، والروحانيون الذين هناك يلائمون للإنس الذين هناك، لا ينفر بعضهم عن بعض، وكل واحد لا ينافي صاحبه، ولا يضاره بل يستريح إليه. بعض الحكماء، على أنّ الفلزات المتطرقة أنواع مختلفة مندرجة تحت جنس وصيرورة نوع نوعاً آخر محال عنده، وأصحاب الكيمياء وبعض الحكماء على أنّ الأجساد المذكورة إنّما هي أصناف مندرجة تحت نوع واحد، والذهب كالإنسان الصحيح وبقية الأجساد اناس مرضى دواؤهم الإكسير. قال بعض المحققين: وعلى تقدير تسليم كونها نوعاً لا يلزم استحالة الإنقلاب، فإنا كثيراً ما نشاهد صيرورة النواة عقرباً، والشيخ الرئيس بعد ما تصدى لإبطال الكيميا في كتاب الشفا، ألف في صحتها رسالة سماها حقايق الأشهاد. شكى رجل من علته، فقال له بعض العارفين: أتشكو ممن يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ! دخل الإمام الحسن بن علي ﵉ على عليل، فقال له: ان الله تعالى قد أنالك فاشكره، وذكرك فاذكره. إعتل الإمام جعفر بن محمد الصادق ﵇، فقال: اللهم اجعله أدباً ولا تجعله غضباً. قيل: العلة تحمل على الجمال، والعافية على المنال. عن ابن عباس، قال: قدم على النبي ﷺ قوم فقالوا: إنّ فلاناً صائم الدّهر قائم الليل كثير الذكر، فقال النبي: أيّكم يكفيه طعامه وشرابه؟ فقالوا: كلنا، قال: فكلكم خير منه. قال بعض الحكماء: لا ينبغي لعاقل أن يجهد إلا في إحدى خصال ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم. ذكر الزهد عند الفضيل بن عياض، فقال هو حر فإنّ في كتاب الله تعالى، لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم.

стр. 588

ابن الرومي من أبيات رأيت الدهر يرفع كل وغد ... ويخفض كل ذي زنة شريفه كمثل البحر يغرق فيه در ... ولا ينفك يطفو فيه جيفه وكالميزان يخفض كل واو ... ويرفع كل ذي زنة خفيفه قال بعض الأماجد: ما رددت أحداً عن حاجة الا تبينت العزة في قفاها والذل في وجهي. وقف أعرابي على قوم يسألهم، فقالوا: من أنت؟ فقال: إنّ سوء الإكتساب يمنعني من الإنتساب. قال بعضهم: كان الناس يفعلون، ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون واليوم لا يقولون ولا يفعلون. من كلام الحكماء: من لم يستوحش من ذل السؤال، لم يأنف من لوم الرد. من الكشاف في تفسير سورة التطفيف، الضمير في كالوهم أو وزنوهم، ضمير منصوب راجع إلى الناس، وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار واوصل الفعل كما قال: ولقد جنيتك اكمؤاً وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الاوبر والحريص يصيدك لا الجواد، بمعنى جنيت لك ويصيد لك، وأن تكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل والموزون ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين، لأنّ الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أنّ المعنى اذا أخذوا من الناس، استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين، انقلب إلى قولك اذا أخذوا من الناس استوفوا، واذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر، لأنّ الحديث واقع في الفعل، لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وإنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك، لأنّ خطّ المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط على أنّي رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين، هذا الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأنّ الواو وحدها معطية معنى الجمع وإنّما كتب هذه الألف تفرقة بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو فمن لم يثبتها قال: إنّ المعنى كاف في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمرو وحمزة، أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين: ويقفان عند الواوين وقيفة يبنيان بها ما أرادا.

стр. 589

لفظ خاتم في قولنا: محمد خاتم النبيين يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى الزينة مأخوذ من الختم الذي هو زينة للألبسة، والكسر إسم فاعل بمعنى الآخر، وذكر ذلك الكفعمي في حواشي المصباح، وفي الصحاح الخاتم بكسر التاء وفتحها وخاتمة الشيء آخره ونبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وقوله تعالى: " وختامه مسك " أي آخره، لأنّ آخر ما يجدونه رائحة المسك. في الكشاف أنّ امرأة أيوب ﵇ قالت له يوماً: لو دعوت الله؛ فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. الحب القاتل حكى بعض الثقات قال: إجتزت في بعض أسفاري بحي بني عذرة، فنزلت في بعض بيوته فرأيت جارية قد البست من الجمال حله الكمال فأعجبني حسنها وكلامها، فخرجت في بعض الأيام أدور في الحي؛ وإذا أنا بشاب حسن الوجه عليه أثر الوجد، أضعف من الهلال: وأنحف من الخلال، وهو يوقد ناراً تحت القدر، ويردد أبياتاً، ودموعه تجري على خديه فمما حفظت منه قوله: فلا عنك لي صبر ولا فيك حيلة ... ولا منك لي بدولاً عنك مهرب ولي ألف باب قد عرفت طريقه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب فلو كان لي قلبان عشت بواحد ... وأفردت قلباً في هواك يعذب فسألت عن الشاب وشأنه: فقيل: يهوى الجارية التي أنت نازل في بيت أبيها، وهي محتجبة عنه منذ أعوام، قال: فرجعت إلى البيت، وذكرت لها ما رأيت، فقالت: ذاك ابن عمي، فقلت لها: يا هذه إن للضيف حرمة، فنشدتك بالله إلا متعتيه بالنظر إليك في يومك هذا؛ فقالت: صلاح حاله في أن لا يراني، قال: فحسبت أن امتناعها عنه ضنة منها، فمازلت اقسم عليها حتى أظهرت القبول، وهي متكرهة، فلما قبلت ذلك مني قلت: أنجزي الآن وعدك فداك أبي وأمي، فقال: تقدمني فإني ناهضة في أثرك، فأسرعت نحو الغلام فقلت: إبشر بحضور من تريد فإنها مقبلة نحوك الآن، فبينا أنا أتكلم معه إذاً خرجت من خبائها مقبلة تجر أذيالها وقد أثارت الريح غبار أقدامها؛ حتى ستر الغبار شخصها، فقلت للشاب: ها هي وقد أقبلت، فلما نظر إلى الغبار، صعق وخر على النار لوجهه، فما أقعدته إلا وقد أخذت النار

стр. 590

من صدره ووجهه فرجعت الجارية وهي تقول: من لا يطيق مشاهدة غبار نعالنا، كيف يطيق مطالعة جمالنا. أقول: وما أشبه هذه القصة بقصة موسى على نبينا وعليه السلام: " ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً ". قيل لبعض العارفين: هل تعرف بلية لا يرحم من ابتلي بها ونعمة لا يحسد المنعم عليه بها؟ قال هي الفقر؟ ويقال إنه لما سمع بعض العارفين الكلام المشهور: نعمتان مكفورتنان: الصحة والأمان، قال: إن لهما في ذلك ثالثاً لا يشكر عليه أصلاً، بخلاف الصحة والأمن، فإنه قد يشكر عليهما، فقيل: ما هو؟ فقال ذلك الفقر، فإنها نعمة مكفورة من كل من انعم عليه به، إلا من عصمه الله. الوقت باصطلاح الصوفية ، هي الحال الحاضرة التي يتصف السالك بها، فإن كان سروراً فالوقت يكون سروراً، وإن كان حزيناً، فيكون حزيناً، وهكذا، وقولهم: الصوفي ابن الوقت، يريدون به أنه لا يشتغل في كل وقت إلا بمقتضياته من غير التفات إلى ماض، أو مستقبل. لا أدري اديرت علينا بالمعارف قهوة ... يطوف بها من جوهر العقل خمار فلما شربناها بأفواه فهمنا ... أضاءت لنا منه شموس وأقمار وكاشفنا حتى رأيناه جهرة ... بأبصار صدق لا تواريه أستار فغبنا به عنا فنلنا مرادنا ... ولم يبق عنا عند ذلك آثار لبعضهم: يا مالكا ليس لي سواه. . وكم له في الورى سوائي وليس لي عنه من براح ... في العسر واليسر والرجاء ظهرت للكل لست تخفى ... وأنت أخفى من الخفاء وكل شيء أراك فيه ... بلا جدال ولا مراء فعن يميني وعن شمالي ... ومن أمامي ومن ورائي

стр. 591

مما ينسب إلى الشيخ العارف السهروردي: ىيات قيامة الهوى لي ظهرت ... قبلي سترت وفي زماني اشتهرت هذي كبدي إذا السماء انفطرت ... شوقا وكواكب الدموع انتثرت لبعضهم: من كلام العرافين: إن للعارف تحت كل لفظ نكتة، وفي ضمن كل قصة حصة، وفي أثناء كل إشارة، وفي طي كل حكاية كناية، ولذلك تراهم يستكثرون من الحكايات في تضاعيف محاوراتهم ليأخذ كل من السامعين ما يصيبه ويحظى بما هو نصيبه على حسب الاستعداد وقد علم كل انسان مشربهم وعلى هذا ورد: أن للقرآن، ظهراً وبطناُ إلى سبعة أبطن، فلا تظن أن المراد بالقصص والحكايات الواردة في القرآن العزيز محض القصة والحكايات لا غير، فإن كلام الحكيم يجل عن ذلك. من كلامهم: أذ اعيد الحديث، ذهب رونقه. دخلت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية، بعد موت أمير المؤمنين ﵇ فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين، وآل امره إلى ان قال، ما حاجتك؟ فقال: أن الله ماسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يعدو علينا من قبلك من يسمو بمكانك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس الحرمل يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بشر بن ارطأة قدم علينا، فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، ولولا طاعتك لكان فينا العز والمنعة، فإن عزلته عنا شكرناك، وإلا كفرناك فقال لها معاوية اياي تهددين بقومك؟ لقد هممت أن احملك على قبة اشرس فاردك فينفذ فيك حكمه، فاطرقت سودة ساعة، ثم قالت: صلى الإله على جسم تضمنها ... قبر فاصبح فيه العز مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً ... فصار بالحق والايمان مقرونا فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ قالت هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ والله لقد جئته في رجل كان ولاه صدقاتنا، فجار علينا، فصادفته قائماً يصلي فلما رآني انفتل من صلاته، ثم أقبل علي بوجهه ورفق ورأفة وتعطف، وقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى، وقال: اللهم انت الشاهد علي وعليهم، أنى لم آمرهم بظلم خلقك! ولا

стр. 592

بترك حقك، ثم اخرج قطعة جلد، فكتب فيها بسم الله الرحمن الريم قد جاءتكم بينة من ربك، فافوا الكل والميزان، ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها الخ "، فإذا قرأت كتابي هذا، فاحتفظ بما في يدك من علمنا حتى يقدم من يقبضه منك والسلام، ثم دفع الرقعة إلي فوالله ما ختمها بطين، ولا حزمها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، انصرف عنها معزولاً فقال معاوية: اكتبوا لها ما تريد، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية. من الكافي، أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ خرج من الحمام، فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالإست هاهنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم: العرق، قال طاب حمامك، فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟ قل طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك. وقيل لأمراة من الأعراب: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش. خفف أعرابي صلاته، فلاموه على ذلك، فقال: إن الغزيم كريم. قال ابن السمالك لبعض الصوفية: إن كان لباسكم هذا موافقاً لسرايركم، فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفاً لها فقد هلكتم. في كتاب ما لا يحضره الفقيه، أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ خرج من الحمام، فلقيه إنسان فقال: طاب استحمامك، فقال: يا لكع وما تصنع بالإست هاهنا؟ فقال: طاب حميمك، فقال: أما تعلم أن الحميم: العرق، قال طاب حمامك، فقال: وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟ قل طهر ما طاب منك، وطاب ما طهر منك. قال بعض الأمراء لمعلم ابنه: علمه السباحة قبل الكتابة فإنه يجد من يكتب له ولا يجد من يسبح عنه. كانت العرب إذا أوفدت وافداُ، قالت له: إياك والهيبة، فإنها الخيبة، وعليك بالفرصة، فإنها مزيلة للغصة، هذا آخر المجلد الثالث من الكشكول ةعلى هذه المجلدات الثلاثة اقتصرت النسخة الأميرية وقد وجدنا في بعض نسخ الكشكول زيادة كبيرة تشتمل على المجلد الرابع والخامس، فأحببنا إلحاقها بنسختنا لتمتاز بهذه الزيادة عن النسخ التي طبعت في مصر وبذلك تكون نسختنا اشتملت على المجلدات الخمسة التي هي كل ما اشتملت عليه نسخ الكشكول المختلفة. وكان المؤلف ﵀ يعبر بكلمة المجلد عن الجزء. . وتبتدئ هذه الزيادة بالمجلد الرابع، وتنتهى بنهاية المجلد الخامس الذي هو آخر الجزء الثاني من نسختنا.

стр. 593

المجلد الرابع من كشكول الشيخ بهاء الدين بن محمد العاملي ﵀ أول الزيادات التي عثرنا عليها في نسخ الكشكول ولم تطبع قبل

стр. 594

صفحة فارغة

стр. 595

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال سيد المرسلين، وأشرف الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين في خطبة خطبها وهو على ناقته العضباء. أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل حائجة، طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالف أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة. قيل الإعرابية: ما الذل؟ قلت: وقوف الشريف بباب الدنئ ثم لا يؤذن له. قيل وما الشرف؟ قالت: عقد المنن في أعناق الرجال. قيل لإياس القاضي: لا عيب فيك إلا أنك تعجل في القضاء من غير ترو فيما تحكم به، فرفع كفه وقال: كم إصبعا؟ فقالوا خمسة، قال: عجلتم، هلا قلتم واحد، اثنان، ثلاثة أربعة، خمسة فقالوا: لا نعد ما عرفناه، فقال: أنا لا أؤخر ما تبين لي الحكم فيه قال رجل للأعمش: إنك تحب الدراهم، فقال إنما أحب الاستغناء عن السؤال. من كلام بعض العارفين: الأخ الصالح خير لك من نفسك؛ لتن النفس أمارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمرك إلا بالخير. قيل لأمير المؤمنين علي ﵇ وهو على بغلة له، وهو في بعض

стр. 596

الحروب -: لو اتخذت الخيل يا أمير المؤمنين، فقال: أنا لا أفر عمن كر، ولا أكر على من فر، والبغلة تكفيني. لما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوصنا، قال: إحملوني على حمار، فإنه لم يمت عليه كريم فلعلي لا أموت ثم أنشد: لكل جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ من كلام الحكماء: إذا أردت أن تعذب عالماً، فاقرن معه جاهلاً. غضب الرشيد على ثمامة بن أبرش وكان فاضلاً فسلمه إلى خادم له، يقال له: ياسر، وكان الخادم يتفقد ويحسن إليه فسمعه ثمامة يوماً يقرأ: " ويل للمكذبين " بفتح الذال فقال له ثمامة: ويك إن المكذبين هم الأنبياء، فقال الخادم: كان يقال إنك زنديق، وما كنت اصدق أن أشتم الانبياء يا ثمامة؟ فتركه وهجره، فما رضي عنه الرشيد ورده إلى مجلسه، سأله يوماً في أثناء محاورته: ما أشد الأشياء؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل. قالت: امرأة مالك بن دينار له في أثناء مجادلة: يا مرائي فقال لها: لبيك هذا إسم ما عرفني به أحد إلا أنت من كلام الحكماء: الصديق نسيب الروح، والقريب نسيب الجسم. قيل لراع عابد وجدت الذئاب بين غنمه وهي لا تؤذيها: متى اصطلحت الذئاب مع غنمك؟ قال: منذ اصطلح الراعي مع الله. عن زبن العابدين ﵇: الدنيا سبات، والآخرة يقظة، ونحن بينهما أضغاث. وفي ربيع الأبرار: يقال: إن من لا يعلم إلا فنا واحد من العلم ينبغي أن يسمى خصي العلماء: لبعضهم: دافع الأيام بالتفكير ... في يوم الممات وارض عن عيناك بالكسرة والماء الفرات فهي تكفيك وتغني ... عن جميع الشهوات في ذم قوم: قوم إذا اشتهرت للمرء بينهم ... فضيلة جعلوها من رذائله

стр. 597

(يعنفون على المعروف باذله ... ويقدحون به في عقل فاعله) قال في ربيع الأبرار: كان المعتصم ثامن خلفاء العباسيين، وكان ملكه ثمان سنين وثمانية أشهر، وكان له من الأولاد ثمانية ذكورا، وثمانية إناثا، وفتح ثمانية حصون، وبنى ثمانية قصور، وخلف ثمانية آلاف درهم، وثمانية آلاف دينار. قيل للبهلول: أتعد مجانين بلدك؟ قال: هذا شيء يطول، ولكن أعد عقلاءه. قال رجل لفيلسوف: إن فلانا عابك بكذا وكذا، فقال الفيلسوف: لقد واجهتني أنت بما استحى الرجل من استقبالي به. قال بعض الزهاد لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال آخر ما غمني إلا طلوع الفجر. سمع بعضهم بكاء على ميت فقال: عجبا من قوم مسافرين يبكون على مسافر قد بلغ منزله. قيل لواحد من الحكماء: هل تزوجت؟ قال لو قدرت لطلقت نفسي. اختصم رجلان في مجلس المأمون فرفع أحدهما صوته، فقال المأمون: يا هذا، إنما الصواب في الأسد لا في الأشد. من كلامهم: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل أمرك. أبو نواس: (والله والله وحق الهوى ... وهو يمين ليس يرتاب) (ما حطك الواشون من رتبة ... عندي ولا ضرك مغتاب) (كأنما أثنوا ولم يعلنوا ... عليك عندي بالذي عابوا) لبعضهم: (ولقد قصدتك حين جربت الورى ... فوجدت مثلك في الورى معدوما) (وكذا الليالي صيرتني سائلا ... لا تجعلني سائلا محروما) كتب هشام بن عبد الملك إلى ملك الروم: من هشام أمير المؤمنين إلى الملك الطاغية. فكتب في جوابه: ما كنت أظن أن الملوك يسب بعضها بعضا، وإلا لكنت أكتب إليك: من ملك الروم إلى الملك المذموم، وهشام الأحول المشئوم.

стр. 598

لبعضهم: (وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح) (لأني إن مدحت مدحت زورا ... وأهجو حين أهجو بالصحيح) قال رجل لأبي العيناء: يا مخنث، فقال وضرب لنا مثلا ونسي خلقه. من كلامهم: الهدية ترد بلاء الدنيا، والصدقة ترد بلاء الآخرة. فلس القاضي بمصر رجلا كثرت ديونه، فأركبه حمارا وطوف به في البلد ليحترز الناس من معاملته بعد ذلك، فلما أنزل عن الحمار قال له صاحب الحمار: أد الكراء، فقال: ففيم كنا طول النهار يا أبله؟ ! لكاتبه: (جاء البريد مبشرا ... من بعد ما طال المدا) (بالله خبرني بما ... قد قال جيران الحمى) (يا أيها الساقي أدر ... كأس المدام فإنها) (مفتاح أبواب الهنا ... مشكاة أنوار الهدى) (قد ذاب قلبي با بني ... شوقا إلى أهل الحمى) (هذا الربيع أتى أتى ... يا شيخ قل حتى متى) (فالقلب ضيع رشده ... ومن المواعظ ما اهتدى) (رأي الصوفية في الجن) الصوفية يقولون: إن الجن أرواح متجسدة في أجرام لطيفة، الغالب عليها النار والهواء، كما أن الغالب على بدن الإنسان التراب والماء. وهم قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة وخلع الصور، والدخول في الصورة الأخرى، ومزاولة الأعمال الخارجة عن طوق البشر، وغذاؤهم الهواء المتكثف برائحة الطعام. وقد نهى النبي [ ﷺ َ -] عن الاستنجاء بالعظام وقال: إنها زاد إخوانكم الجن. وقال الشيخ العارف الشيخ محيى الدين بن عربي في الفتوحات: أخبرني بعض المكاشفين أنه رأى الجن يأتون إلى العظم فيشمونه ثم يرجعون. قيل لرجل: ما بلغ بك عشق فلانة؟ فقال: وايم الله إني كنت أرى القمر في دارها أضوأ منه في دار غيرها. ﷺ َ -

стр. 599

من دعاء أم الإسكندر للإسكندر: رزقك الله حظا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ. قال أبو يزيد البسطامي: ليس الزاهد من لا يملك شيئا، إنما الزاهد من لا يملكه شيء. قال أرسطو: العاقل يوافق العاقل، وأما الجاهل فلا يوافق العاقل ولا الجاهل. كما أن الخط المستقيم ينطبق على المستقيم. وأما المعوج فلا ينطبق على المعوج ولا المستقيم. بعث السلطان محمود إلى الخليفة القادر بالله يتهدده بخراب بغداد، وأن يحمل تراب بغداد على الفيلة إلى غزنة. فبعث إليه الخليفة. كتابا فيه " أل م " وليس فيه سوى ذلك، فلم يدر السلطان ما معنى ذلك وتحير العلماء في حل هذا الرمز، وجمعوا كل سورة في القرآن في أولها " ال م " فلم يكن فيها ما يناسب الجواب. وكان في جملة الكتاب شاب لا يعبأ به فقال: إن أذن لي السلطان حللت الرمز، فأذن له، فقال ألم تتهدده بالفيلة؟ قال نعم. قال قد كتب إليك: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ فاستحسن السلطان ذلك، فقربه وأجازه. العرب تسمي المائة سنة من التاريخ حمارا، وسمي مروان بالحمار لأنه كان على رأس المائة من دولة بني أمية. وفي المحاضرات: أن المأمون مر متنكرا، وإذا برجل يقول: قد سقط المأمون من عيني منذ قتل أخاه، فبعث إليه بدرة وقال له: إن رأيت أن ترضى عني فعلت. (لغويات) قال ابن خالويه النحوي: من كلام العرب الذي غلب فيه المؤنث على المذكر: تقول صمت عشرا، ولا تقل عشرة، مع أن الصوم لا يكون إلا بالنهار وكذا تقول: سرت عشرا، لا عشرة. . والنفس مؤنثة. وتقول ثلاثة أنفس على لفظ الرجال، ولا يقال ثلاث أنفس. الباخرزي: (وطمعت منها بالوصال لأنها ... تبني الأمور على خلاف مرادي) (قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي)

стр. 600

(أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها فأين فؤادي) قال بعض العلماء: حججت في بعض السنين، فبينما أنا أطوف بالبيت إذا بأعرابي متوشح بجلد غزال ويقول: (أما تستحي يا رب أنت خلقتني ... أناجيك عريانا وأنت كريم؟) قال وحججت في العام القابل، فرأيت الأعرابي وعليه ثياب وحشم وغلمان، فقلت له: أنت الذي رأيتك في العام الماضي وأنت تنشد ذلك البيت! فقال: نعم، خدعت كريما فانخدع. كان بعضهم في أيام صغره ينشد أشد ورعا منه أيام كبره. وقد أنشأ في هذا المعنى يقول: (عصيت هوى نفسي صغيرا وعندما ... أتتني الليالي بالمشيب وبالكبر) (أطعت الهوى عكس القضية ليتني ... خلقت كبيرا ثم عدت إلى الصغر) من كتاب تعبير الرؤيا للكلبي: جاء رجل إلى الصادق ﵇ وقال: رأيت أن في بستاني كرما يحمل بطيخا، فقال له: احفظ امرأتك لا تحمل من غيرك. وأتاه رجل فقال: كنت في سفر، فرأيت كأن كبشين ينتطحان على فرج امرأتي، وقد عزمت على طلاقها لما رأيت. فقال: صلوات الله عليه: أمسك أهلك، إنها لما سمعت بقرب قدومك أرادت نتف المكان، فعالجته بالمقراض. وجد بعض الأعراب رجلا مع أمه فقتلها، فقيل له: هلا قتلت الرجل وتركت أمك؟ فقال: كنت أحتاج كل يوم إلى أن أقتل رجلا. شهد رجل عند ابن شبرمة، فرد شهادته وقال: بلغني أن جارية غنت فقلت، لها أحسنت، فقال: قلت ذلك حين ابتدأت أوجين سكتت؟ قال: حين سكتت، قال: إنما استحسنت سكوتها أيها القاضي، فقبل شهادته. قال أبو العيناء يوما لبعض الصبيان: في أي باب من أبواب النحو أنت؟ قال: في باب الفاعل والمفعول به. فقال: أنت في باب أبويك إذن. وقالت له فتاة يوما: يا أعمى، فقال ما أستعين على قبح وجهك بشيء أنفع منه. من الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه: (يعيب الرجال زمانا مضى ... وما لزمان مضى من غير)
следующие страницы →