Полный текст (663 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
بحق هذا الدعاء وبحق هذه الأسماء التي لا يعلم تفسيرها ولا يعلم ظاهرها ولا يعلم باطنها غيرك صل على محمد وآل محمد وافعل بي كذا وكذا وانتقم لي من فلان بن فلان واغفر لي ذنوبي ما تقدم منها وما تأخر ووسع علي من حلال رزقك واكفني مؤنة إنسان سوء وجار سوء وسلطان سوء إنك على كل شيء قدير وبكل شيء عليم آمين رب العالمين انتهى
قال في حكمة الإشراق عند ذكر الجن والشياطين: وقد شهد جمع لا يحصى عددهم من أهل دربند من مدن شيروان، وقوم لا يعدون من أهل ميانج من مدن آذربايجان أنهم شاهدوا هذه الصور كثيراً بحيث أكثر أهل المدينة كانوا يرونهم دفعة في مجمع عظيم على وجه ما أمكنهم دفعهم، وليس ذلك مرة أو مرتين بل كل وقت يظهرون ولا يصل إليهم أيدي الناس. انتهى.
ولله در من قال
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت انسان فكدت أطير
أسلك من الطرق المناهج ... وأصبر ولو حملت عالج
وسع همومك لا تضق ... ذرعاً بها فلها مخارج
إذا رأيت أموراً منها القلوب تفتت ... فتش عليها تجدها من النساء تأتت
ابن الفارض
قلبي يحدثني بأنك متلفي ... روحي فداك عرفت أم لم تعرفي
لم أقض حق هواك أن كنت الذي ... لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي
ما لي سوى روحي وباذل نفسه ... في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتني ... يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
يا مانعي طيب المنام ومانحي ... ثوب السقام به ووجدي المتلفي
عطفاً على رمقي وما أبقيت لي ... من جسمي المضني وقلبي المدنف
فالوجد باق والوصال مماطلي ... والصبر فان واللقاء مسوفي
стр. 527
لم أخل من حسد عليك فلا تضع ... سهري بتشييع الخيال المرجف
وأسأل نجوم الليل هل زار الكرى ... جفني وكيف يزور من لم يعرف
وبما جرا في موقف التوديع من ... ألم النوى شاهدت هول الموقف
إذ لم يكن وصل لديك فعد به ... أملي وماطل إن وعدت ولا تفي
فالمطل منك لدي إن عز اللقا ... يحلو كوصل من حبيب مسعف
اهفوا لأنفاس النسيم تعلة ... ولوجه من نقلت شذاه تشوفي
فلعل نار جوانحي بهبوبها ... أن تنطفي وأودان لا تنطفي
يا أهل ودي أنتم أملي ومن ... ناداكم يا أهل ودي قد كفي
عودوا لما كنتم عليه من الوفا ... كرما فإني ذلك الخل الوفي
وحياتكم وحياتكم قسماً وفي ... عمري بغير حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتها ... لمبشري بقدومكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنعا ... كلفي بكم خلق بغير تكلف
أخفيت حبكم فأخفاني أسى ... حتى لعمري كدت عني أختفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من يصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء بحب من لو في الدجا ... سفر اللثام لقلت يا بدر اختفي
وكتمه عني لو ابديته ... لو جدته أخفى من اللطف الخفي
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من يصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاً ... إن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
برح الخفاء بحب من لو في الدجا ... سفر اللثام لقلت يا بدر اختفي
وإن اكتفى غيري بطيف خياله ... فأنا الذي بوصاله لا أكتفي
وقف عليه محبتي وبمحنتي ... بأقل من تلفى به لا أشتفي
وهواه وهو اليتي وكفى به ... قسماً أكاد أجله كالمصحف
لو قال تيهاً قف على جمر الغضاء ... لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً ... لوضعته أرضاً ولم أستنكف
стр. 528
غلب الهوى فأطعت أمر صبابتي ... من حيث فيه عصيت نهي معنفي
مني له ذل الخضوع ومنه لي ... غز المنوع وقوة المستضعفي
ألف الصدود ولي فؤاد لم يزل ... مذ كنت غير وداده لم يألف
يا ما أميلح كل ما يرضى به ... ورضا به ياما أحيلاه بفي
لو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة ... في وهه نسى الجمال اليوسفي
أو لو رآه عائدا أيوب في ... سنة الكرى قدما من البلوى شفي
كل البدور إذا تجلى مقبلا ... تعنوا إليه وكل قد أهيف
إن قلت عندي فيك كل صبابه ... قال الملاحة لي وكل الحسن في
كملت محاسنه فلو أبدى السنا ... للبدر عند تمامه لم يخسف
وعلى تفنن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
ولقد صرفت لحبه كلي على ... يد حسنه فحمدت حسن تصرفي
فالعين تهوى صورة الحسن التي ... روحي بها تصبو إلى معنى خفي
أسعد أخي وغن لي بحديثه ... وانثر على سمعي حلاه وشنف
لأرى بعين السمع شاهد حسنه ... معنى فاتحفني بذاك وشرف
يا أخت سعد من حبيبي جئتني ... برسالة أديتها بتلطف
فسمعت ما لم تسمعي ونظرت ما ... لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي
إن زاد يوماً يا حشاي تقطعي ... كلفا به أو ساريا عين اذرفي
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
قال الشريف المرتضي ره، خطر ببالي إن أفرد ما قيل فيمن ضاجع محبوبته وهو مرتدء سيفاً في تلك الحال فاتكلم على محاسنه، فأنه معنى مثمر مقصود، ثم أنه أورد بعد كلام طويل هذه الأبيات الثلاثة لامرئ القيس:
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعرف لنا الناس مضجعا
تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وترخي على السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا وقال رأيت قوماً من متعمقي أصحاب المعاني يقولون، أراد بالمأثور السيف وعني
стр. 529
أنه كان مقلداً حال مضاجعته لها سيفاً؛ وأنها كانت تتجافى عنه استثقالاً له ثم قال بعد كلام: والذي يقوي في نفسي أن امرأ القيس لم يعن هذا المعنى، وإنما عني أنها تتجافى عن الحديث المأثور بيني وبينها من الوشايات، والسعايات التي يقصد بها الوشاة تفريق الشمل وتقطيع الحبل، وإنها تعرض عن ذلك كله، وتطرحه، وتقبل على ضمي، واعتناقي وإدخالي معها في غطاء واحد، ثم قال، ولفظة مأثور تصلح للحديث وللسيف فمن أين لنا بغير دليل القطع على إحدى المعنيين؟ فالأولى التوقف عن القطع، ثم أنه طول الكلام ورجح في آخره إن إرادة الكلام أولى، ثم قال. ولم أحجد ما بين امرئ القيس: وبين أبي الطيب من ألم بهذا المعنى، ثم أورد لأبي الطيب قوله:
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عز هاة ولا عزل
فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل
ثم أنه أورد بعد كلام طويل يستغرق بياض الصفحة أبياتاً لأخيه الشريف الرضي في هذا المضمون، وقال ما وجدت لأحد من الشعراء بين المتنبي وبين أخي الرضي شيئاً في هذا المعنى ووجدت له رحمة الله عليه، أبياتاً جيدة هي هذه:
تضاجعني الحسناء والسيف دونها ... ضجيعان لي والعضب أدناهما مني
إذا دنت البيضاء مني لحاجة ... أبى الأبيض الماضي فماطلها عني
وإن نام لي في الجفن انسان ناظر ... تيقظ مني ناظر لي في الجفن
أغرت فتاة الحي مما ألفتني ... أعلله بين الشعار من الظن
وقالوا هبوه ليلة الأمن ضمه ... فما عذره في ضمه ليلة الأمن
ثم قال وهذه الأبيات استوفت هذا المعنى واستوعبته واستغرقته، وطول الكلام في مدحها ثم قال في ديوان شعري نظم هذا المعنى في اقطاع، أنا أثبتها لتعلم زيادتها على ما تقدم ورجحانها فمن تلك الاقطاع قولي:
لما اعتنقنا ليلة الرمل ... ومضاجعي ما بيننا نصلي
قالت أما ترضي ضجيعك من ... جسمي الرطيب ومعصمي الطفل
ألا احتملت فراق نصلك ذا ... في هذه الظلماء من أجلي
انظر إلى ضيق العناق بنا ... تنظر إلى عقد بلا حل
لا بيننا يجري العقار ولا ... فصل به لمدبة النمل
стр. 530
فأجبتها أني أخاف إذا ... فطنوا بنا أهلوك أو أهلي
عديه مثل تميمة نصبت ... كيلا نصاب بأعين بخلي
إني أخاف العار يلصق بي ... يوماً ولا أخشى من القتل
ثم قال: ومن ذلك قولي أيضاً:
ولما تعانقنا ولم يك بيننا ... سوى صارم في جفنه لا من الجبن
كرهت عناق السيف من أجل جفنه ... فها عانقي مني حساماً بلا جفن
فما كنت إلا منه في قبضة الحمى ... ولا ذقت إلا عنده لذة الأمن
ويجني على من شئت منك غراره ... وأما عليك ساعة فهو لا يجني
ثم قال ولي مثله:
أنكرت ليلة اعتنقنا حسامي ... وهو ملقى بيني وبين الفتاة
إن يكن عائقاً يسيراً عن الضم ... فما زال واقياً من عداتي
هو قرب صفو ولا بدفي ... كل صفات تناله من قذاة
وانتفاع وما رأينا انتفاعاً ... أبد الدهر خالياً من قذاة
ثم قال ولي مثله أيضاً:
زرت هنداً ومن ظلام قميصي ... لا بوعد ومن نجاد ردائي
واعتنقنا وبيننا جفن ماض ... في فراش الرؤس أي مضاء
وتجافت عنه وليس لها أن ... أنصفت عن جواره من إباء
إنه حارس لنا غير أن ليس ... علينا من جملة الرقباء
لك في النحر من عيون تميم ... فاحسبيه نميمة الأعداء
هو ساه عن الذي نحن فيه ... من حديث وقيلة واشتكاء
ودعيني طوال هذا التداني ... ناعماً لا أخاف غير الثنائي
فلئن مس فبه بعض عناء ... فعناء مستثمر من عناء
ثم قال ومثل هذا المعنى قولي: ولما أردت طروق الفتاة ... وصاحبني صاحب لا يغار
стр. 531
صموت اللسان بعيد السماع ... فسري مكتتم والجهار
وضاق العناق فصار الرداء ... لها ملبساً ولباسي الخمار
وما لفنا كالنفاف الغصون ... جميعاً هنالك إلا الأزار
وطاب لنا بعد طول البعاد ... ذاك الحديث وذاك الحوار
شربت بريقتها خمرة ... ولكنها خمرة لا تدار
كان الظلام بأشراق ما ... أنالت وأعطته منها نهار
وأثر في جيدها ساعدي ... وأثر في جانبي السوار
فلو صبت الكأس ما بيننا ... لما خرجت من يديها العقار
وناب مناب ليال طوال ... تقصر هذي الليالي القصار
ثم قال وأنا الآن أنبه على معاني أبياتي وما شابه، منها ما تقدم، وما زاد عليه وتجاوزه ثم أنه أطنب الكلام في ذلك، وأخذ في ذكر محاسن أبياته، وبيان ما لاحظ فيها من النكات بياناً طويلاً؛ قريباً من خمسين سطراً، وبه انتهت الرسالة، وهي منقولة من خط س.
حكم
مقاربة الناس في أخلاقهم لمن من غوائلهم.
من طلب شيئاً ناله أو بعضه.
زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس.
ذكروا أن من التجنيس التام قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون، ما لبثوا غير ساعة﴾ ابن أبي الحديد في كتابه المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر " ينازع في هذا المعنى، ويقول: إن المعنى واحد فإن يوم القيامة وإن طال فهو عند الله تعالى كالساعة الواحدة عند أحدنا، وحينئذ فإطلاق الساعة عليه مجاز، فهو كقولنا رأيت أسداً أو زيد أسد، وأردنا بالأول الحيوان المفترس، وبالثاني الرجل الشجاع معرفة عرض البلد: خذ غاية ارتفاع الشمس متى شئت، وأنقص منه مليها إن كان شمالياً، أو زده عليه إن كان جنوبياً، فما بقي أو حصل فهو تمام العرض، فأنقصه من ص يبقى العرض.
طريق آخر أسقط غاية انحطاطه كوكب أبدى الظهور من غاية ارتفاعه، وزد نصف الباقي على غاية الإنحطاط وأنقصه من غاية الإرتفاع، فما حصل أو بقي فهو عرض البلد.
طريق آخر سهل وهو أن تجمع الغايتين المذكورتين وتنصف المجموع فنصفه عرض البلد
стр. 532
لله در من قال
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالجهل فعل ذوي الجهل
وخلط إذ لاقيت يوماً مخلطاً ... يخلط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
السيد عبد الرحيم عباسي
يا فؤادي وأين مني فؤادي ... لست أدريه ضل في أي وادي
شعب الحب قد تشعب قلبي ... في ذراها وغاب عنها الهادي
يا خليلي أن تمرا بلعل ... فأنشداه ما بين تلك الوهاد
فهو في قبضة الغرام أسير ... دون فادو هالك دون وادي
ليس غير الصدا يرد جواباً ... لي عنه في حالة الانشاد
كلما قلت أين غاب فؤادي ... رد لي منه أين غاب فؤادي
أبو الشيص
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت احبهم ... اذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي عايداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم
أشرف الأعداد
أشرف الأعداد العدد التام؛ وهو ما كانت أجزاؤه مساوية له، قالوا: ولهذا كان عدد الأيام التي خلقت فيها السموات والأرض وهو الستة كما نطق به الذكر الحكيم؛ وأما العدد الزائد والناقص فما زادت عليه أجزاؤه أو نقصت كالأثني عشر، فأنه زائد والسبعة فانها ناقصة اذ ليس لها إلا السبع، قال في الأنموذج وقد نظمت قاعدة في تحصيل العدد التام فقلت:
جو باشد فرد أول ضعف ... زوج الزوج كم واحد
بود مضرب إيشان تام ورنه ناقص وزايد
ومعناه أنه يؤخذ زوج الزوج، وهو زوج لا يعده من اأفراد سوى الواحد، وبعبارة
стр. 533
أخرى عدد لا يعده عدد فرد، وهذا مبني على أن الواحد ليس بعدد كالاثنين في المثال المذكور، ويضعف حتى يصير أربعة، ويسقط منه واحد حتى يصير ثلاثة، وهو فرد أول لأنه لا يعده سوى الواحد فرد آخر، وهو المراد بالفرد الأول؛ فيضرب الثلاثة في الاثنين الذي هو زوج الزوج، فيصير ستة، وهو عدد التام وقس عليه، مثلاً نأخذ الأربعة وهو زوج الزوج ونضعفه حتى يصير ثمانية، واسقطنا منه واحداً صار سبعة، وهو فرد أول فنضربه في الأربعة فيصير ثمانية وعشرين، وهو أيضاً عدد تام، ومن خواص العدد التام أنه لايوجد في كل مرتبة من الأحاد والعشرات وما فوقها إلا واحداً، مثلاً لا يوجد في مرتبة الآحاد إلا الستة، وفي العشرات الا الثمانية والعشرين، فقس عليه واستخرج البواقي كما عرفت.
المعلول أن اعتبر من حيث نسبته إلى العلة على الوجه الذي انتسب إليها كان له تحقق وان اعتبر ذاتاً مستقلة كان معدوماً بل ممتنعاً كالسوادان اعتبر على النحو الذي هو في الجسم كان موجوداً، وان اعتبر على أنه ذات مستقلة كان معدوماً بل ممتنعاً انتهى
روى أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو يجود بنفسه فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال النبي ﷺ : " الرجاء والخوف لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا بلغه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف ".
قال بعض الحكماء: الصبر صبران، صبر على ما يكره، وصبر على ما يحب، والثاني أشدهما على النفوس.
لبعضهم.
دهر علا قدر الوضيع به ... وترى الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤة ... سفلاً ويعلو فوقه جيفه
لا غرو ان فاق الدني أخا العلا ... في ذا الزمان وهل لذلك جاحد
فالدهر كالميزان يرفع كلما ... هو ناقص ويحط ما هو زائد
من كتاب أنيس العقلاء
، قال: أنه قد يحدث الولاية لاقوام اخلاقاً مذمومة، يظهرها سوء طباعتهم ولآخرين
стр. 534
فضايل محمودة ينشرها زكي شيمهم لأن لتقلب الأحوال سكرة يظهر من الأخلاق مكنونها ويبرز من السرائر مخزونها، لا سيما اذهبت من دون تأهب وهجمت من غير تدرج.
قال الفضل بن سهل من كانت ولايته فوق قدره تكبر لها، ومن كانت ولايته دون قدره تواضع لها، وأخذ هذا المضمون بعض البلغاء، وزاد عليه، فقال الناس في الولاية اثنان: رجل يحل عن العمل بفضله ومروته، ورجل يجل بالعمل لنقصه ودنائته، فمن جل عن عمله ازداد به تواضعاً وبشراً، ومن جل عنه عمله تلبس به تجبراً وكبراً.
من صفات الدنيا
قال بعض الحكماء: الموت كسهم مرسل عليك وعمرك بقدر مسيره إليك.
من كلام بعض البلغاء الدنيا إن أقبلت بلت وإن أدبرت برت أو أطنبت بنت أو أركبت كبت أو بهجت هجت أو أسعفت عفت أو أينعت نعت أو أكرمت رمت أو عاونت ونت. أو ما جنت جنت، أو سامحت محت أو صالحت لحت أو واصلت صلت أو بالغت لغت، أو وفرت فرت أو زوجت وجت أو نوهت وهت أو ولهت لهت أو بسطت سطت.
الذي في أكثر التفاسير المحدث عنه بقوله تعالى: " عبس وتولى " هو النبي ﷺ لما أتاه ابن أم مكتوم، وعنده صناديد قريش، والقصة مشهورة وذهب بعضهم إلى أن المحدث عنه رجل من بني أمية كان عند النبي ﷺ وهو الذي عبس لما دخل ابن أم مكتوم وهو يذهب الشريف المرتضي، قال ان العبوس ليس من صفاته ﷺ ، مع الأعداء المباينين فضلاً عن المؤمنين المسترشدين، وكذا التصدي للأنبياء، والتلهي عن الفقراء ليسا من سماته كيف وهو القائل: الفقر فخري والوارد في شأنه وأنك لعلي خلق عظيم.
وقد روى عن جعفر بن محمد الصادق ﵇ ان الذي عبس كان رجلاً من بني أمية لا النبي ﷺ .
قال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحياءك من ربك وقال بعضهم. من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر، ودعا قوم رجلاً كان يألفهم في المداعبات، فلم يجبهم، وقال: إني دخلت البارحة الأربعين وأنا استحي من سني.
стр. 535
قال بعض ال
حكم اء ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السطوة، ولا معقلاً من البطشة.
من الأحياء خرج رسول الله ﷺ إلى بئر يغتسل عندها فامسك حذيفة بن اليمان بالثوب على رسول الله ﷺ وستره به، حتى اغتسل ثم جلس حذيفة ليغتسل فتناول رسول الله ﷺ الثوب وقام يستر حذيفة من الناس فأبى حذيفة وقال بأبي وأمي أنت يا رسول الله لا تفعل فأبى رسول الله ﷺ ألا أن يستره بالثوب حتى اغتسل، وقال: ﷺ ما اصطحب اثنان قط الا وكان أحبهما إلى الله رفقهما بصاحبه.
من كان في قلبه خردلة ... سوى جلالك فاعلم أنه مرض
حكم
نبذ من كلام جار الله الزمخشري، من زرع الاحن حصد المحن، كثرة المقالة عثرة غير مقالة إلى كم اصبح وأمسى ويومي شر من أمسى، لا بد للفرس من سوط وإن كان بعيد الشوط، لا بد من ذامع ذيا والدبران تلو الثريا شعاع الشمس لا يخفى ونور الحق لا يطفى كم لا يدي الركاب من أياد في الرقاب البراطيل تنصر الأباطيل اتزعم أنك صائم وأنت في لحم أخيك سائم ما أدري أيهما أشقى من يعوم في الأمواج أم من يقوم على الازواج لا ترض لمجالستك الا أهل مجانستك أهيب وطأة من الأسد من يمشي في طريق الأسد.
اذا كثر الطاغون ارسل الله الطاعون.
أعمالك نية أن لم تنضجها النية.
لا يجد الأحمق لذة الحكمة، كما لا يلتذ بالورد صاحب الزكمة.
طوبى لمن كانت خاتمة عمره كفاتحته، وليست أعماله بفاضحته.
حدى بعض الثقات أن رجلاً من المنهمكين في الفساد مات في نواحي البصرة، فلم تجد امرأته من يعينها على حمل جنازته، لتنفر الطباع عنه فأستأجرت من حملها إلى المصلى فما صلى عليها أحد، فحملوها إلى الصحراء للدفن، وكان على جبل قريب من الموضع زاهد مشهور، فرأوه كالمنتظر للجنازة، فقصدها ليصلي عليها فانتشر الخبر في البلدان فلان الزاهد نزل يصلي على فلان، فخرج أهل البلد فصلوا معه عليها، وتعجب الناس من صلوة الزاهد فقيل له في ذلك: فقال: رأيت في المنام انزل إلى الموضع الفلاني ترى فيه جنازة ليس معها أحد الا امرأة فصل عليها، فانه مغفور له، فازداد تعجب الناس من ذلك، فاستدعى الزاهد امرأة الميت، وسألها عن حاله، فقالت كان طول نهاره
стр. 536
مشغولاً بشرب الخمر، فقال: هل تعرفين له شيئاً من أعمال الخير؟ فقالت ثلاثة: كان كل يوم يفيق من سكره وقت الصبح فيبدل ثيابه ويتوضأ ويصلي الصبح.
الثاني: أنه كان لا يخلوا بيته من يتيم أو يتيمين، وكان أحسانه اليهم أكثر من احسانه إلى أولاده.
الثالث: أنه كان يفيق من سكرة في أثناء الليل، فيكبي ويقول: يا رب أي زاوية من زوايا جهنم تريد أن تملأها بهذا الخبيث؟ لما مات المهدي لبس حواريه مسوحاً سوداً، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
رحن بالوشي وأصبحن عليهن المسوح ... كل نطح وان عاش له يوم تطوح بين عيني كل حي علم الموت يلوح ... كلنا في غفلة والموت يغدو ويروح
احسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح ... نح على نفسك يا مسكين أن كنت تنوح
الحاجزي
خمار هواك قد اتى بالقدح ... والوقت ضغافقم بنا نصطبح
كم تكتم سر حالك المفتضح ... قل علوة واكشف الغطاء واسترح
غيره
يا قلب صبراً على الفارق ولو ... روعت ممن تحب بالبين
وانت يا دمع أن ابحث بما ... أخفاه سري سقطت من عيني
من الاحياء: في كتاب الخوف والرجاء، روى محمد بن الحنيفة عن ابنة علي قال: لما نزل قول تعالى " فاصح الصفح الجميل " قال النبي ﷺ " وما الصفح الجميل " قال ذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه فقال: يا جبرئيل فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفى عنه فبكى جبرئيل، وبكى النبي ﷺ فبعث إليهما ميكائيل، وقال أن ربكما يقرء بكما السلام ويقول كيف أعاتب من عفونت عنه، هذا ما لا يشبه كرمي.
في الحديث: ليغفرن الله تعالى يوم القيمة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس ليتطاول لها رجاء أن تصيبه.
стр. 537
كان بعض العارفين يصلي أكثر ليلة ثم يأوي إلى فراشه، ويقول، يا ماوي كل شر والله ما رضيتك لله طرفة عين، ثم يبكي فيقال له ما يبكيك فيقول قوله تعالى: " أنما يتقبل الله من المتقين.
اذا أردنا أن نعرف ارتفاع الشمس أبداً من غير اسطرلاب ولا آلة ارتفاع فأنا نقيم شاخصاً في أرض موزونة ثم نعلم على طرف الظل في ذلك الوقت ونمد خطاً مستقيماً من محل قيام الشاخص يجوز على طرف الظل إلى مالا نهاية معينة له، ثم نخرج من ذلك المحل على خط الظل في ذلك ذلك السطح عموداً طوله مثل طول الشاخص، ثم نمد خطاً، مستقيماً من طرف العمود الذي في السطح إلى طرف الظل فيحدث سطح مثلث قائم الزاوية، ثم نجعل طرف الظل مركزاً وندير عليه دائرة بأي قدر شئنا، ونقسم الدائرة بأربعة أقسام متساوية على زوايا قائمة يجمعها المركز، ونقسم الربع الذي قطعه المثلث من الدائرة بتسعين جزءاً وما قطعه ضلع الذي يوتر الزاوية القائمة من الدائرة مما يلي خط الظل هو الارتفاع، وليكن محل الشاخص نقطة ١ وطرف الظل ب والخط الشاخص ١ ج والعمود في السطح ١ د و ١ هي الزاوية القائمة والمستقيم الواصل بين طرف العمود، وطرف الظل د ب والمثلث اب د ومركز الدائرة ب والدائرة ي رج هـ والضلع الموتر للزاوية القائمة من المثلث ضلع ب د فاذا كان قاطعاً للربع على نقطة ك مقدار الارتفاع في ذلك الوقت من ذلك اليوم وهذا مما برهن عليه لكن برهانه ما يطول ولا يتسع له الكشكول.
قال بعض العارفين: والله ما أحب أن يجعل حسابي يوم القيامة إلى أبوي لأني اعلم أن الله تعالى ارحم بي منهما.
وفي الخبر، أن الله تعالى خلق جهنم من فضل رحمته سوطاً يسوق به عباده إلى الجنة.
وفي الخبر أيضاً، أن الله تعالى يقول، أنم خلقت الخلق ليربحوا علي، ولم أخلقهم لأربح عليهم.
كل عدد قسم على عدد فيكون نسبة الخارج من القسمة إلى مربعه كنسبة المقسوم عليه إلى المقسوم فاذا أردنا أن يحصل مجذوراً يكون نسبته إلى جذره كنسبة عدد إلى عدد آخر نقسم العدد الأول على العدد الثاني فما خرج من القسمة يكون مضروبه في نفسه العدد المطلوب.
قال الأصمعي، رآني أعرابي، وأنا أكتب كلما يقول فقال: ما أنت الا الحفظة، تكتب لفظ اللفظة.
стр. 538
رأى بعض الصلحاء أبا سهل الزجاجي في المنام على هئية حسنة وكان يقول بو عيد الأبد، فقال له: كيف حالك؟ فقال وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا
وما أحسن قول أبي نواس في عظم الرجاء:
تكثر ما استطعت من الخطايا ... فإنك بالغ ربا غفوراً
ستبصر أن وردت عليه عفواً ... وتلقى سيد ملكاً كبيراً
تعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا
قال ابن الأعرابي: نظر إلى اعرابي، وأنا اكتب الكلمة بعد الكلمة من ألفاظه.
فقال أنك لحتف الكلمة الشرود.
البهاء زهير المصري
ماله عني مالا وتجنى ... فاطالا اترى ذاك دلالا
من حبيبي أو ملالا فلقد ... ارخصني من أنا فيه اتغالا
سيدي لم يبق لي حبك بين الناس حالا ... فإذا غبت تلفت يميناً وشمالاً
أنت في الحسن إمام ... بك قلبي يتوالا
لا وحق الله ما ... ظنك في حقي حلالا
أن بعض الظن إثم ... صدق الله تعالى
الغيبة جمد
لبعضهم
وذي سفه يخاطبني بجهل ... فآنف أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهة وازيد حلما ... كعود زاده الأحراق طيباً
لبعضهم
بدا على خده عذار ... في مثله يعذر الكئيب
لما أراق الدماء ظلما ... بدت على خده الذنوب
القاضي منصور الهروي
стр. 539
ومنتقب بالورد قبلت خده ... وما لفؤادي من هواه خلاص
فاعرض عني مغضباً قلت لا تجر ... وقبل فمي أن الجروح قصاص
ابن هلال العسكري
ومهفهف قال الاله لوجهه ... كن مجمعاً للطيبات فكانه
زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه
لبعضهم:
كفى زاجراً للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
كتب الشيخ أبو سعيد ابن أبي الخير إلى الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا أيها العالم وفقك الله لما ينبغي، ورزقك من سعادة الا بد ما تبتغي أني من الطريق المستقيم على يقين الا أن أودية الظنون على الطريق المستجد متشعبة، واني من كل طالب طريقة، ولعل الله يفتح لي من باب حقيقة حاله بوسيلة تحقيقه، وصدقه تصديقه، وأنك بالعلم لموسوم وبمذاكرة أهل هذا الطريق مرسوم فاسمعني ما رزقت، وبين لي ما عليه وقفت وإليه وفقت وأعلم أن التذبذب بداية حالي الترهب ومن ترهب ترأب وهذا سهل جداً وعسران عد هذا والله ولي التوفيق. فأجابه الشيخ الرئيس وصل خطاب فلان مبيناً ما صنع الله تعالى لديه، وسبوغ نعمه عليه والاستمساك بعروة الوثقى، والاعتصام بحبله المتين والضرب في سبيله، والتولية شطر التقرب إليه، والتوجه تلقاء وجهه نافضاً عن نفسه غير هذه الخربة رافضاً بهمته الاهتمام بهذه القذرة أعز وأرد واسر واصل، وانفس طالع، واكرم طارق، فقرأته وفهمته، وتدبرته وكررته وحققته في نفسي وقررته، فبدأت بشكر الله واهب العقل، ومفيض العدل، وحمدته على ما أولاه، وسألته أن يوفقه في أخراه وأولاه، وأن يثبت قدمه على ما توطاه ولا يلقيه إلى ما تخطاه وتزيده إلى هداية وإلى درايته التي آتاه دراية، أنه الهادي المبشر والمدبر، المقدر، عنه يتشعب كل أثر وإليه تستند الحوادث والغير، وكذلك تقضي الملكوت ويقضي الجبروت، وهو من سر الله الأعظم يعلمه من يعلمه، وذهل عنه من لا يعصمه طوبى لمن قاده القدر إلى زمرة السعداء وحاد به رتبة الأشقياء، وأوزعه استرباح البقاء من رأس مال الغنى وما نزهة هذا العاقل في دار يتشابه فيها عقبى مدرك ومفوت ويتساويان عند حلول وقت مؤقت دار أليمها موجع
стр. 540
ولذيذها مشبع، وصحتها قر الأضداد على وزن واعداد وسلامتها استمرار فاقة إلى استمراء مذاقة، ودوام حاجة إلى مج مجاجة نعم والله ما المشغول بها مثبط والمتصرف فيها الا مخبط موزع البال بين ألم وياس ونقود وأجناس أخيذ حركات شتى، وعنيف أوطار تترى، وأين هو عن المهاجرة إلى التوحيد، واعتماد النظام بالتفريد، والخلوص من التشعب إلى التراب وعن التذبذب إلى التهذب، وعن باد يمارسه إلى أبد يشارقه، وهناك اللذة حقاً والحسن صدقاً، سلسال كلما سقيته على الري كان أهنى وأشفى، ورزق كلما أطعمته على الشبع كان أغذي، وامرىء ري استقاء لا رى اباء وشبع استشباع لأبشع استبشاع، ونسأل الله تعالى أن يجلو عن أبصارنا الغشاوة وعن قلوبنا القساوة، وأن يهدينا كما هداه ويؤتينا مما آتاه، وأن يحجز بيننا وبين هذه الغارة الغاشة البسور في هيئته الباشة المعاصرة، في حلية المباسرة المفاصلة، في معرض المواصلة، وأن يجعله أمامنا فيما أثر وأثر وقايدنا إلى ما صار اليه وسار أنه ولي ذلك فأما ما التسمه من تذكره ترد مني وتبصرة تأتيه من قبلي وبيان يشفيه من كلامي فكبصير استرشد عن مكفوف، وسميع استخبر عن موقور السمع غير خبير فهل لمثلي أن يخاطبه بموعظة حسنة، ومثل صالح، وصواب مرشد وطريق اسنه له منقذ والى غرضه الذي أمه منفذ، ومع ذلك فليكن الله تعالى أول فكرة، وآخره، وباطن اعتباره وظاهره، وليكن عين نفسه مكحولة بالنظر إليه، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه، ومسافراً بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربه الكبرى، فإذا انحط إلى قراره لير الله في آثاره، فانه باطن ظاهره تجلى لكل شيء ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
قاذا صارت هذه الحال ملكة، وهذه الخصلة وتيرة، انطبع في فصه نقية الملكوت، وتجلى له آية قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى وذاق اللذة والقصوى ومذعن نفسه إلى من هو به أولى، وفاضت عليه السكينة، وحفت به الطمأنينة، واطلع على العالم الأدنى ... اطلاع راحم لأهله، مستوهن بحبلة، مستخف لثقله، وليعلم أن أفضل الحركات الصلوة وأفضل السكنات الصيام، وارفع البر والصدقة، وازكى السير الاحتمال، وأبطل السعي الرياء ولن تخلص النفس عن البدن ما التفت إلى قيل وقال، ومناقشة وجدال، وخير العمل ما صدر عن مقام نية، وخير النية ما ينفرج عن جناب علم.
والحكمة أم الفضايل، ومعرفة الله أول الأوايل، اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه،
стр. 541
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وأستهديه، وأتوب إليه وأستكفيه. وأسأله أن يقربني إليه إنه سميع مجيب. انتهى.
قال في الملل والنحل: إن سقراط الحكيم كان تلميذاً لفيثاغورس وكان مشتغلاً بالزهد ورياضة النفس وتهذيب الأخلاق والإعراض عن ملاذ الدنيا، واعتزل إلى جبل وأقام في غار به، ونهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان فثوروا عليه الغاغة وألجأوا الملك إلى قتله، فحبسه الملك ثم سقاه السم.
توحيد سقراط
قال سقراط: أخص ما يوصف به الباري تعالى: هو كونه حياً قيوماً لأن العلم والقدرة والجود والحكمة تندرج تحت كونه حياً، والحياة صفة جامعة للكل والبقاء والسرمد، والدوام يندرج تحت كونه قيوماً، والقيومية صفة جامعة للكل.
وكان من مذهبه: أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان فاتصلت بالأبدان لاستكمالها فإذا بطلت الأبدان رجعت النفوس إلى كليتها.
وقال للملك: لما أراد قتله إن سقراط في حب والملك لا يقدر إلا على كسر الحب فالحب يكسر ويرجع الماء إلى البحر. وله حكم مرموزة: منها لا تنعس على باب أعداءك، إضرب الأترجه ترنج بالرمان. اقتل العقرب بالصوم، إن أحببت أن تكون ملكاً فكن حمار وحش. إزرع بالأسود، واحصد بالأبيض. إن أمت الحي تحيي بموته. روى العارف الرباني مولانا عبد الرزاق الكاشاني في تأويلاته عن الصادق جعفر بن محمد ﵉ أنه قال: لقد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون.
وروى في كتاب المذكور أنه خر مغشيا عليه في الصلاة فسئل عن ذلك فقال: ما زلت أرددت الآية حتى سمعتها من المتكلم بها. الشسعن الشيخ السهروردي أنه قال: بعد نقل هذه الحكاية عن الصادق ﵁ أنه لسان الإمام في ذلك الوقت كان كشجرة موسى عند قوله إني أنا الله، وهو مذكور في الإحياء في تلاوة القرآن.
قال معاذ بن جبل: ارض من أخيك إذا ولى ولاية بعشر وده قبلها.
стр. 542
وقال بعضهم: التواضع من مصائد الشرف، من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وقيل لبعضهم: من السيد؟ فقال الذي إذا حضر هابوه، وإذا غاب عابوه.
أنصفك من كلفك إجلاله، ومنعك ماله. إن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لعريق في الموت. لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويوالية في السر
كثير عزة:
وكنت إذا ما زرت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وله من أبيات:
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن ... على شجن في البين حين تبين
وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
لبعضهم:
حسب المحب تلذذ بغرامه ... من كل ما يهوى وما يتحبب
خمر المحبة لا يشم نسيمها ... من كان في شيء سواها يرغب
عن علي بن أبي رافع قال: كنت على بيت مال علي بن أبي طالب ﵁ وكاتبه، وكان في بيت ماله عقد لؤلؤ كان أصابه يوم البصرة، فأرسلت إلى بنت علي بن أبي طالب ﵁ فقالت: إنه قد بلغني أن في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ في يديك، وأنا أحب أن تعيرينه أتجمل به في يوم الأضحى، فأرسلت إليها عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام فدفعته أيام يا بنت أمير المؤمنين، فقالت: نعم، عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام فعدفعته إليها، وإن أمير المؤمنين ﵁ رآه عليها فعرفه، فقال لها: من أين صار إليك هذا العقد، فقالت: استعرته عن ابن أبي رافع خازن بيت مال أمير المؤمنين ﵁ لأتزين به في العيد ثقم أرده قال: فبعث إلي أمير المؤمنين ﵁ فجئته فقال لي: أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع؟ فقلت: معاذ الله أن أخون المسلمين، فقال: كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي من بيت المال بغير إذني ورضاهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنها ابنتك، وسألتني أن أعيرها تتزين به فأعرتها إياه عارية مضمونة مردودة علي أن أرده مسلماً إلى موضعه فقال: رده من يومك وإياك أن تعود إلى ذلك فتنالك عقوبتي.
ثم قال: ويل لابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مردودة مضمونة لكانت إذن أول هاشمية قطعت يدها في سرقة. فبلغت مقالته ﵁ ابنته، فقالت له: يا أمير المؤمنين أنا ابنتك وبضعة
стр. 543
فمن أحق بلبسه مني؟ ! فقال لها: يا بنت ابن أبي طالب لا تذهبين بنفسك عن الحق، أكل نساء المهاجرين والأنصار يتزين في مثل هذا العيد بمثل هذا؟ فقبضته منها ورددته إلى موضعه.
يقال: شغلت فلاناً شاغل له، ولا يقال: أشغلته فإنها لغة ردية قاله في الصحاح.
نصائح نبوية
قال النبي ﷺ : أيها الناس إن هذه الدار دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء. ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي. إنها لسريعة الذهاب وشيكة الإنقلاب، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واحذروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها. ولا تسعوا في تعمير دار، وقد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها، وقد أراد منكم اجتنابها. فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين.
عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيها الناس بسط الأمل متقدم على حلول الأجل والمعاد مضمار العمل. فمغتبط بما احتقب غانم ومستيئس بما فاته من عمل نادم أيها الناس إن الطمع فقر. واليأس غنى. والقناعة راحة. والعزلة عبادة. العمل كنز. والدنيا معدن وما بقي منه أشبه بما مضى من الماء بالماء، وكل إلى نفاد وشيك، وزوال قريب، فبادروا وأنتم في مهل الأنفاس وجدة مدة الإخلاص قبل أتن يؤخذ بالكظم فلا يغني الندم. انتهى
من كلام أرسطوطاليس
من شرح حكمة الأشراق
للعلامة على الاطلاق، والمعلم الأول يعني أرسطا طاليس، وأن كان كثير القدر، عظيم الشأن، بعيد الغور، تام النظر لا تجوز المبالغة فيه على وجه يفضي إلى الازراء باساتذته كأنه يشير إلى الشيخ أبي علي ابن سينا، حيث قال في آخر منطق الشفافي تفخيم قدر أرسطو وتعظيم شأنه، بعد أن نقل عنه ما معناه: أنا ما درينا عمن تقدمنا في الأقيسة، الاضوابط غير مفصلة، وأما تفصيلها، وأفراد كل قياس بشروطه، وضروبه، وتميز المنتج عن العقيم إلى غير ذلك من الأحكام، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا، وأسهرنا أعيينا، حتى استقام على هذا الأمر، فلوقع لأحد من ياتي بعد نافية زيادة، أو أصلاح فليصلحه أو خلل فليسده
стр. 544
انظروا معاشر المتعلمين هل أنى بعده أحد زاد عليه، أو أظهر فيه قصوراً، وأخذ عليه مأخذاً مع طول المدة، وبعد العهد، بل كان ما ذكره هو التام، والميزان الصحيح، والحق الصريح، ثم قال في تحقير أفلاطون الإلهي، فان كانت بضاعته من الحكمة، ما وصل الينا من كتبه، وكلامه، فلقد كانت بضاعته من العلم مزجاة.
قال العلامة بعد اسطر ولو أنصف أبو علي لعلم أن الأصول التي بسطها، وهذبها أرسطو طاليس، مأخوذة عن أفلاطون، وأنه ما كان والعلم عند الله عاجزاً عن ذلك، وانما عاقه عنه شغل القلب بالأمور الكشفية الجليلة والذوقية الجميلة التي هي الحكمة بالحقيقة دون غيرها، ومن هو مشغول بهذه الأمور المهمة الشريفة النفيسة كيف يتفرغ لتفريع الأصول وتفصيل المجمل الغير المهم انتهى كلام العلامة طاب ثراه.
حقائق الأشياء
حقائق الأشياء مغايرة.
الصور التي يتحلى فيها على المشاعر الظاهرة، وتتحير بها لدى المدارك الباطنة وكل منها في حد ذاتها قابلة للظهور.
في صور متخالفة، ومظاهر متباينة، وتلك الصور متساوية الأقدام بالنسبة إليها ليس بعضها في حد ذاته أولى ببعض، وإنما يختص الظهور في بعض الصور.
بحسب المواطن والمشاعر والنشآت: فيلبس في كل موطن لباساً، ويتجلبب في كل مشعر بجلباب، ويتزيأ في كل نشأة بزي، ويسمى في كل عالم باسم، وأما السنخ الذي هو معروض هذه الصور، فلا يعلمه الاعلام الغيوب.
ووجه واحد في كل حال ... وما التعدد إلا في المرايا
من كلام سقراط
قال سقراط، وهو تلميذ فيثاغورث الحكيم: إذا أقبلت الحكم خدمت الشهوات العقول وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات.
وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
وقال: ينبغي أن تفرح بالموت، وتغتم بالحياة لأنا نحيي لنموت ونمون النحيي.
وقال: قلوب المعترفين في المعرفة منابر الملائكة، وبطون المتلذذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة.
وقال للحيوة حدان: الأول الأمل، والثاني الأجل، فبالأول بقاؤها، وبالثاني فناؤها. انتهى
стр. 545
كان أبو الحسن النوري مع جماعة في دعوة، فجرى بينهم مسألة في العلم، وطال البحث وهو ساكت، فقالوا: لم لا تتكلم؟ فرفع رأسه وأنشد: رب ورقاء هتوف بالضحى ... ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت الفا ودهراً صالحاً ... فبكت حزناً فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني
ولقد أشكو فما تفهمه ... ولقد تشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضاً بالجوى تعرفني
قال بعض الحكماء
أحق الناس بالهوان المحدث لمن لا يصغى إلى حديثه.
ومن كلامهم: من البسة الليل ثوب ظلمائه، نزعه عنه النهار بضيائه.
لغويات
من كتاب أدب الكتاب
، يقال لولد كل سبع: جرو، ولولد كل ذي ريش فرخ ولولد كل وحشية طفل، وولد الفرس مهر وفلو، وولد الحمار جحش وعفو، وولد البقرة عجل والأنثى عجلة، وولد الضأن ذكراً أو أنثى سخلة وبهمة، فإذا بلغ أربعة أشهر فهو حمل وخروف، والأنثى خروفة، وولد الماعز سخلة وبهمة إلى أربعة أشهر، فهو جفر والأنثى جفرة، ثم جدي، والأنثى عناق، وولد الأسد شبل، وولد الضبع فرعل، وولد الدب ديسم ولولد الفيل دغفل، ولولد الناقة حوار، ولولد الأروبة غفر، ولولد الأرنب خرنق، ولولد الحية حربش، ولولد النعام دال، ولولد الفار درص، ولولد الضب حسل، ولولد الغزال خشف، ولولد الخنزير خنوص، وولد الذئبة والكلبة والهرة والجرد درص، وولد الثعلب هجرس.
الحزن والعضب
سبب الحزن هجوم ما تكرهه النفس ممن هو فوقها وسبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها، والغضب، حركة إلى الخارج والحزن حركة إلى الداخل فيحدث عن الغضب السطوة والإنتقام لبروزه، ويحدث عن الحزن المرض والسقم لكمونه ولهذا يعرض الموت من الحزن ولا يعرض من الغضب.
من التحفة للعلامة قطب الدين الشيرازي: ليست رؤية الكوكب في الأفق أعظم لكونه أقرب إلينا فينافي الاستدارة، بل لأن البخار يرى ما وراءه أعظم مما هو عليه، لأن رؤية الكوكب في البخار إنما يكون بأشعة مستقيمة تخرج من البصر إلى سطح البخار الواقع بين
стр. 546
البصر والمبصر. ثم ينعطف منه إليه، ولهذا تعظم الزاوية الجليدية، ويرى الشيء أعظم، لما تقرر في علم المناظر أن عظم المرئي وصغره إنما هو بعظم الزاوية الجليدية وصغرها، لا لسمك البخار، بل البعد بين البصر والكوكب وهو على الأفق أكثر مما بينهما وهو على سمت الرأس، إذا قصر الخطوط الخارجة من نقطة داخل دائرة غير مركزها إلى محيطها تمام القطر، لما بينه إقليدس بكون الانعطاف عند الأفق من أجزاء أبعد من سهم المخروط البصري بخلافة في وسط السماء ولذلك تعظم الزاوية الجليدية، وتكون رؤية الكوكب بالأفق أعظم من رؤيته في وسط السماء، مع توسط البخار بينهما في الحالين. ومنه يظهر أن الكوكب في وسط السماء كان يرى أعظم مما يرى في الأفق وأصغر مما تراه الآن لولا البخار انتهى.
من تفسير القاضي قوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " الآيات قال: من أراد أن يعرف أعدا عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي، فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا، ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رايقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا مسلمة عن دنسها لاشية بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه، فتحيا حياة طيبة وتعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التداوي والنزاع.
قوله تعالى: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً " قال جار الله: قوله: وآتينا داود زبوراً دلالة على وجه تفضيل محمد ﷺ وأنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مكتوب في الزبور، قال تعالى: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " أقول ومن هنا يظهر وجه ضعف عطف قوله وآتينا على ولقد فضلنا إذ المراد بالبعض المفضل نبينا ﷺ كما قال بعض المفسرين.
الشريف الرضى يرثو أبا إسحاق الصابي:
اعلمت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
جبل رسى لو حر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الأزباد
ما كنت أعلم قبل حطك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد
بعداً ليومك في الزمان فأنه ... اقذى العيون وفت في الأعضاد
لو كنت تفدى لافتدتك فوارس ... مطروا بعارض كل يوم طراد
وإذا تالق بارق لوقيعة ... والخيل تفحص بالرجال بداد
стр. 547
نثلوا الدروع من القباب واقبلوا ... يتحدثون على القنا المياد
لكن رماك مجبن الشجعان عن ... أقدامهم ومضعضع الأنجاد
اعزز علي بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد
من للبلاغة والفصاحة إن هما ... خباك الغمام وعب ذاك الوادي
من للملوك تجر في أعدائها ... بظبي من القول البليغ حداد
إن الدموع عليك غير بخيلة ... والقلب بالسلوان غير جواد
ليس الفجائع بالذخاير مثلها ... يا ماجد الأعتاق والأفراد
ويقول من لم يدر كنهك إنهم ... نقصوا به عدداً من الأعداد
هيهات أدرج بين برديك الردى ... رجل الرجال وواحد الآحاد
لا تطلبي يا نفس خلا بعده ... فلمثله أعيي على المرتاد
ما مطعم الدنيا بحلو بعده ... أبداً ولا ماء الحمى ببراد
الفضل ناسب بيننا إن لم يكن ... شرفاً مناسبة ولا ميلاد
لك في الحشا قبر وإن لم تاوه ... ومن الدموع روائح وغوادي
ما مات من جعل الزمان لسانه ... يتلو مناقبه مدى الآباد
لا تبعدن وإن قربك بعدها ... إن المنية غاية الأبعاد
صفح الثرى عن حر وجهك أنه ... مغرى بكل محاسن الأمجاد
وتماسكت تلك البنان وطالما ... عبث البلا بأنامل الأجواد
وسقاك فضلك أنه أروى حيا ... من رائح متعرض أو غادي
هذا آخر ما انتخبته منها، وهي نحو من تسعين بيتاً في غاية الجودة والحسن.
لبعضهم
قلت مستعطفاً لساق سقاني ... من طلانيل مصر أطيب كاس
أنت أشهى إلى منه ولكن ... قلبه لين وقلبك قاسي برهان على أن غاية غلظ كل من المتممين بقدر ضعف ما بين المركزين، ومنه يظهر فساد ما قال صاحب المواقف من أن غايته تساوي ما بين المركزين إذ افرضنا اب ح محدب فلك يكون الخارج في تحت وء هـ ر مقعره، فمنء إلى ا، ومن هـ إلى ب، ومن
стр. 548
ر إلى ح يكون حجم ذلك الفلك وح مركزان، وا ح ج قطره، وا ط ى محدب الخارج، وك ل ر مقعره. ومن ك اومن ل إلى ط، ومن إلى ى حجم الخارج، وى مركزه وا ن قطره ون ح ما بين المركزين فنقول: ن ايساوي ن ى لأن كل واحد منهما قد خرج من المركز إلى المحيط فينقص من ن ى ن ح فيبقى ح ى فح ى أقصر من ن بمقدار ن ح الذي هو ما بين المركزين، وأضفنا ح ن إلى ن افيكون ح ن أعظم من ح ى بمقدار ضعف ن ر ح الذي هو ما بين المركزين. وإذا أضفنا ح ى الذي هو غاية الغلط من المتمم الحاوي إلى ح ى صار مساويا لح ا. ولما كان اأعظم من ح ى يضعف ما بين المركزين وقد ساواه بإضافة مقدار المتمم الحاوي إليه يكون ح المتمم الحاوي مساويا بالضعف ما بين المركزين. وبهذه الطريقة نثبت أن المحوى أيضا ضعف ما بين المركزين وينقص من ح اح ى مثل ح ر وى مثل اى فيبقى من ح ابعد نقصان حء ىء الذي هو
المتمم للمحوي وقد كان زائداً عليه بضعف ما بين المركزين فيكون ك ر ضعف ما بين المركزين انتهى.
من تأويلات الشيخ العارف العامل مولانا عبد الرزاق الكاشاني ﵀ عند قوله تعالى في سورة يس " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون " قال أصحاب القرية هم أهل مدينة البدن والرسل الثالثة الروح والقلب والعقل إذ رسل إليهم اثنين أولاً فكذبوهما لعدم التناسب بينهما وبينهم ومخالفتهم إياهما في النور والظلمة فعززنا بالعقل الذي يوافق النفس في المصالح والمناجح ويدعوها وقومها إلى ما يدعو إليه القلب والروح، وتشأمهم بهم وتنفرهم عنهم لحملهم إياهم على الرياضة والمجاهدة ومنعهم عن اللذات والحظوظ، ورجمهم إياهم واستيلاؤهم عليهم رميهم بالدواع الطبيعية والمطالب البدنية، وتعذيبهم عليهم واستعمالهم في تحصيل الشهوات البهيمية والسبعية، والرجل الذي جاء من أقصى المدينة أي من أبعد مكان فيها العشق المنبعث من أعلى وأرفع موضع منها بدلالة شمعون العقل، يسعى بسرعة حركته، ويدعو الكل بالقهر والإجبار إلى متابعة الرسل في التوحيد، ويقول: ما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون وكان اسمه حبيباً وكان نجاراً ينحت في مدينته أصنام مظاهر الصفات من الصور لاحتجابه بحسنها عن جمال الذات وهو المأمور بدخول جنة الذات قائلاً: يا ليت قومي المحجوبين عن مقامي وحالي يعلمون بما غفر لي ربي ذنب عبادة أصنام مظاهر الصفات وتنجيرها، وجعلني من المكرمين بغاية قربي في الحضرة الأحدية.
من إيجاز البيان في تفسير القرآن لأبي القاسم محمود النيشابوري قوله تعالى: " ولا الليل سابق النهار " سئل الرضا ﵁ عند المأمون عن الليل والنهار أيهما
стр. 549
أسبق؟ فقال النهار ودليله أما في القرآن ولا اليل سابق النهار، وأما من الحساب فإن الدنيا خلقت بطالع السرطان والكواكب في إشرافها فتكون الشمس في الحمل عاشر الطالع وسط السماء.
من الجزء الثالث من كتاب الفتوحات المكمية لجمال العارفين الشيخ محيي الدين بن عربي، قال: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في صورة طهارتهما هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما؟ ومذهبنا التخيير والجمع أولى، وما من قول إلا وبه قائل، فالمسح بظاهر الكتاب والغسل بالسنة ثم قال بعد كلام طويل يتعلق بالباطن وأما القراءة في قوله تعالى: وأرجلكم بفتح اللام وكسرها من أجل العطف على الممسوح فالخفض، أو على المغسول فالفتح، فمذهبنا أن الفتح في اللازم لا يخرجه عن الممسوح، فإن هذه الواو قد تكون واو مع وواو المعية تنصب فحجة من يقول: بالمسح في هذه الآية أقوى لأنه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها، وهي فتح اللام ولم يشاركه من يقول بالغسل في فتح اللام.
من كلام أمير المؤمنين ﵁: والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً وأجر في الأغلال مصفداً أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد أو غاصباً شيئاً من الحطام، كيف أظلم أحداً والنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطون في الثرى حلولها، والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم لأهون علي من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى ولذة لا تبقى نعوذ بالله من سيئات الفعل وقبح الزلل. رأى زيتون الحكيم رجلاً على شاطىء البحر مهموماً محزوناً ويتلهف على الدنيا، فقال له: يا فتى ما تلهفك على الدنيا لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر، وقد انكسرت بك السفينة وأشرفت على الغرق أما كانت غاية مطلوبك النجاة وأن يفوت كل ما بيدك، قال: نعم قال: ولو كنت ملكاً على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك أما كان مرادك النجاة من يده، ولو ذهب جميع ما تملك، قال: نعم. قال: فأنت ذلك الغني الآن وأنت ذلك الملك فتسلى الرجل بكلامه.
كتب العلامة المحقق الطوسي إلى صاحب حلب بعد فتح بغداد: أما بعد فقد نزلنا بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة فساء صباح المنذرين، فدعونا مالكها إلى طاعتنا فأبى، فحق القول عليه فاخذناه أخذا وبيلا. وقد دعوناك إلى طاعتنا، فإن أتيت فروح وريحان
стр. 550
وجنة نعيم وإن أبيت فلأسلطن منك عليك، فلا تكن كالباحث عن حتفة بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه. والسلام.
من خطب النبي ﷺ " أيها الناس، إن الأيام تطوى والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات، ورغب في الباقيات الصالحات ".
من كلام بعض العارفين اعملوا لآخرتكم في هذه الأيام التي تسير كأنها تطير، وإن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما.
التفاضل بين كل مربعين بقدر حاصل ضرب مجموع جذريهما المعادل لضعف جذر الأقل مع فضل الجذر الأكثر عليه في التفاضل بين ذينك الجذرين.
لبعضهم
من غاب عنكم نسيتموه ... وقلبه عندكم رهينة
وجدتكم في الوفاء ممن ... صحبته صحبة السفينة
ظهر ابليس لعيسى ﵇ فقال له: الست تقول لن يصيبك إلا ما كتب الله عليك؟ قال: بلى، قال: فارم نفسك من ذروة هذا الجبل فانه أن قدر لك السلام تسلم، فقال له: يا ملعون أن الله يختبر عباده وليس للعباد أن يختبر ربه.
هذه النماظرة أوردها المحقق الرومي، وقال: انها جرت بين امير المؤمنين ﵇ ويهودي.
مر بعض العارفين بقوم فقيل: هؤلاء زهاد فقال: وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها.
ليس قبل الموت شيء الا والموت أشد منه، وليس بعد الموت شيء الا والموت ايسر منه.
إن بقاؤك إلى فناء، وإن فنائك إلى بقاء، فخذ من فنائك الذي لا يبقى لبقاءك الذي لا يفنى، اعمل عمل المرتحل، فإن حادى بالموت يحدوك ليوم ليس بعدوك.
إذا تيسر لأنس به لم يكن مطلب المحب إلا الانفراد والخلوة، وكان ضيق الصدر من معاشرة الخلق؛ متبرماً بهم؛ فإن خالطهم اكان كمنفرد في جماعة؛ مجتمعاً بالبدن منفرداً بالقلب المستغرق بعذوبة الذكر، وحلاوة الفكر.
حكى عن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل، فقيل له: أين أقبلت؟ قال من الأنس بالله.
стр. 551
وروي أن موسى ﵇ لما كلم ربه تعالى وتقدس، مكث دهراً لا بيسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغشيان، وما ذلك إلا لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب؛ فيخرج من القلب عذوبة كلام ما سواه، بل يتنفر منه كمال التنفر، والأنس بالله ملازمة التوحش من غير الله، بل كان ما يعوق عن الخلوة به يكون من انقل الأشياء على القلب. قال عبد الواحد، مررت براهب فقلت: يا راهب لقد أعجبتك الوحدة، فقال يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك، قلت يا راهب ما أقل ما تجد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم. قلت يا راهب: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله قال: إذا صفا الود وخلصت المعاملة، قلت: متى يصفو الود، قال: إذا اجتمع الهم، فصارهما واحداً في الطاعة.
وأطيب الأرض ما للنفس فيه هوى ... سم الخياط مع الأحباب ميدان
ومن كلام أمير المؤمنين قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر؛ فباشروا روح اليقين، واستلانوا وما استوعره المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملإ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه.
قال ﵇ خذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك ومن حيلتك لوفاتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً؟ روى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ اكثروا ذكر هادم اللذات، فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم فرضيتم به فاجرتم، وإن ذكرتموه في غنى بغضه إليكم فجدتم به فاثبتم، فإن المنايا قاطعات الأمال، والليالي مدنيات الأمال، وإن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه علمه فختم به، ويوم بقى لا يدري لعله لا يصل إليه، إن العبد عنده خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما أسلف وقلة غناء ما خلف؛ ولعله من باطل جمعه أو من حق منعه.
أبو الحسن التهامي يرئو ابنه:
حكم المنية في البرية جار ... ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا ترى الإنسان فيها مخبراً ... حتى يرى خبراً من الأخبار
стр. 552
طبعت على كدر وانت ترومها ... صفواً من الاقذار والاكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
والعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بازمة المقدار
فاقضوا مآربكم عجالاً إنما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتركضوا خيل الشباب وبادروا ... إن تسترد فإنهن عوار
فالدهر يشرق إن سقى ويغص ان ... هنى ويهدم ما بنى ببوار
ليس الزمان وإن حرصت مسالماً ... خلق الزمان عداوة الأحرار
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... وكذاك عمر كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يبتدر ... بدراً ولك يمهل لوقت شرار
عجل الخسوف عليه قبل اوانه ... فغطاه قبل مظنة الابدار
فكأن قلبي قبره وكأنه ... في طيه سر من الأسرار
ان يحتقر صغر فرب مفخم ... يبدو ضئيل الشخص للنظار
إن الكواكب في علو محلها ... لترى صغاراً وهي غير صغار
ولد المعزى بعضه فإذا انقضى ... بعض الفتى فالكل في الأدبار
أبكيه ثم أقول معتذراً له ... وفقت حيث تركت الام دار
جاورت أعدائي وجاور ربه ... شتان بين جواره وجواري
ولقد جريت كما جريت لغاية ... فبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقت فأنت أول منطقي ... وإذا سكت فإنت في اضماري
لو كنت تمنع خاض دونك فتية ... منا بحار عوامل وشفار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحباً مزورة على اقمار
وترى سيوف الدار عين كأنها ... خلج تمد بها اكف بحار
من كل من جعل الظبي انصاره ... وكرمن فاستغنى عن الانصار
واذا هو اعتقل القناة حسبتها ... صلا تابطه هزبر ضاري
يزادد هما كلما ازددنا غنى ... والفقر كل الفقر في الاكثار
стр. 553
اني لارحم حاسدي لحرما ... ضمنت صدورهم من الاوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلعت ... اعناقها تعلوا على الاستار
هذا آخر ما اخترته من هذه القصيدة نحوا من مأة بيت كلها في غاية الجودة.
وصف المتقين
من النهج روى ان صاحباً له كرم الله وجهه يقال له همام وكان عابداً فقال له يا أمير المؤمنين صف لي المتقين كأني انظر اليهم، فتثاقل صلوات الله عن جوابه، وقال يا همام اتق الله واحسن " فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون "، فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه قال: فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ثم قال، اما بعد فان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من اطاعه فقسم بينهم معايشهم ووضعهم في الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها هم اهل الفضايل منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع غضوا ابصارهم عما حرم الله عليهم ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم نزلت انفسهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الاجل الذي كتب الله لهم لم تستقر ارواحهم في اجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الصواب وخوفاً من العقاب عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في اعينهم فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون وهم والنار كمن قال قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزنونة وشرورهم مامونة وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة صبروا إياماً قصيرة اعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، ارادتهم الدنيا فلم يريدوها واسرتهم ففدوا انفسهم منها اما الليل فصافون اقدامهم تالون لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً يحزنون به انفسهم، ويستبشرون به دواء دائهم، فاذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا انها نصب اعينهم، واذا مروا بآية فيها تخويف اصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا ان زفير جهنم وشهيقها في اصول آذانهم فهم حانون على اوساطهم مفترشون لجباههم واكفهم وركبهم، واطراف اقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم، أما النهار فحلماء علماء ابرار اتقياء، قد براهم الخوف برى القداح، ينظر اليهم الناظر، فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقول قد خولطوا وقد خالطهم أمر
стр. 554
عظيم، لا يرضون من اعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لا نفسهم متهمون ومن اعمالهم مشفقون اذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول أنا اعلم بنفسي من غيري، وربي اعلم بنفسي مني اللهم لا تؤاخذهم بما يقولون واجعلني افضل مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وجزماً في لين وايماناً في يقين وحرصاً في علم وعملاً في حلم قصداً في غنى وخشوعاً في عبادة وتجملاً في فاقة وصبراً في شدة وطلباً في حلال ونشاطاً في هدى وتحرجاً عن طمع يعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل، يمسى وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر يبيت حذراً ويصبح فرحاً حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً لما اصاب من الفضل والرحمة أن استصعبت عليه نفسه فيما يكره لم يعطعها سؤلها فيما تحب قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل تراه قريباً أمله قليلاً زلله، خاشعاً قلبه قانعة نفسه منزوراً أكله سهلاً امره، حريزاً دينه ميتة شهوته مكظوماً غيظه، الخير منه مأمول والشر منه مأمون أن كان في الغافلين كتب في الذاكرين وان كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيداً فحشة ليناً قوله، غائباً منكره، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره مدبراً شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالالقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق أن صمت لم يغمه صمته وان ضحك لم يعل صوته، وان بغى عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، اتعب نفسه لأخرته، واراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة. ولا دنوه بمكر وخديعة قال: فصعق همام صعقة كانت فيها نفسه فقال امير المؤمنين ﵇ أما والله لقد كنت أخافها عليه، ثم قال: هكذا تضع المواعظ البالغة بأهلها.
نيل المعالي وحب الأهل والوطن ... ضدان ما اجتمعا للمرء في قرن أن كنت تطلب عزاً فادرع تبعاً ... أو فارض بالذل واختر راحة البدن
قال في الأنموذج: ذكر بعض العرفاء أن جذب المغناطيس الحديد مستنداً إلى كون مزاجها على نسبة الاعداد المتحابة وكون مزاج احدهما على العدد الاقل والاخر على العدد الاكثر.
стр. 555
اقول: هذا خيال لطيف، لكن لا يساعد التجربة، فانا شاهدنا ان المغناطيس يجذب المغناطيس، وكان عندنا قطعة فقطعناها قطعاً متخالفة، وشاهدنا أن القطعة الصغيرة تنجذب إلى القطعة الكبيرة والقطعتنما المتساويتان يجذب كل منهما الاخر، وهذه التجربة يقتضي ان لا يكون الجذب والانجذاب لما ذكره، فان اجزاء المغناطيس الواحد يجذب بعضها بعضاً والاختلاف بينها بحسب المزاج، وقد يتوهم ان ذلك لكون الاجزاء العنصرية الممازجة في الصغير والكبير على تلك النسبة وهذا التوهم باطل لان الصغير على أي حد كان من الصغر ينجذب إلى الكبير ولو كان الامر كما توهم لم يستمر الحكم في جميع مراتب الصغر وأيضاً القطعتان المتساويتان متساويتان في عدد اجزاء العناصر، فمازجه انجذاب كل منهما إلى الاخرى، ولو كان العددان المتساويان يفيدان هذه الخاصية لم يحتج إلى الاعداد المتحابة أنتهى كلام الأنموذج.
قال النبي ﷺ لا تسبوا الدنيا، فنعمت مطية المؤمن فعليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشرانة اذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله اعصانا لربه.
مرارة الدنيا حلاوة الاخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الاخرة.
نصائح
قال علي ﵇ قصر من ثيابك، فانه ابقى، واتقى، وانقى.
برئ قلبك من الذنوب، ووجه وجهك إلى علام الغيوب بعزم صادق، ورجاء واثق وعدانك عبد آبق من مولى كريم رحيم حليم، يحب عودك إلى بابه، واستجارتك به من عذابه، وقد طلب منك العود مراراً عديدة، وانت معرض عن الرجوع إليه مدة مديدة مع أنه وعدك أن رجعت إليه، واقلعت عما انت عليه فيه أحد، وعن جميع ما صدر عنك، والصفح عن كل ما وقع منك، فقم واغتسل احتياطاً، وطهر ثوبك وصل بعض الفرائض، واتبعها بشيء من النوافل، ولتكن تلك الصلوة على الأرض بخضوع وخشوع واستحياء وانكسار وبكاء، وفاقة وافتقار في مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمع صوتك إلا الله سبحانه، فاذا سلمت فعقب صلوتك وانت حزين مستح، وجل، راج ثم اقرء الدعاء المأثور عن زين العابدين ﵇ الذي أوله: اللهم يا من برحمته يستغيث المذنبون، ويا من إلى ذكر احسانه يفزع المضطرون، ثم ضع وجهك على الأرض واجعل التراب على رأسك، ومرغ وجهك الذي هو اعز اعضائك، في التراب بدمع جار، وقلب حزين وصوت عال، وانت تقول: عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك تكرر ذلك، وتعد ما تذكره من ذنوبك، لائماً نفسك موبخاً لها نايحاً عليها، نادماً
стр. 556
على ما صدر منها، وابق على ذلك ساعة طويلة، ثم قم وارفع يدك إلى التواب الرحيم: وقل، الهي عبدك الآبق رجع إلى بابك عبدك العاصي رجع الصلح، عبدك المذنب اتاك بالعذر، وانت اكرم الأكرمين وارحم الراحمين.
ثم تدعو ودموعك تنهمل بالدعاء المأثور عن زين العابدين في طلب التوبة وهو الذي أوله: اللهم يا من لا يصفه نعت الناعتين الخ.
واجهد في توجه قلبك اليه، واقبالك بكليتك عليه، مشعراً في نفسك سعة الجود والرحمة.
ثم اسجد سجدة تكثر فيها البكاء والعويل والانتحاب بصوت عال لا يسمعه إلا الله تعالى، ثم ارفع رأسك، واثقاً بالقبول، فرحاً ببلوغ المأمول.
لبعضهم
واذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد واين ذاك الواحد
كان عمر بن الوردي وقد مر به شاب في اذنه قرط فيه لؤلؤة:
مر بنا مقرط ... ووجهه يحكي القمر
قلت أبو لؤلؤة ... منه خذوا ثار عمر
فاستحسنوه وأخفوا ما قالوه.
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو فليصمت
قال العلامة في التحفة: الأشبه أن أنوار سائر الكواكب ذاتية، إذا كانت من الشمس لظهرت فيها التشكلات البدرية والهلالية باختلاف وصفها منها كما في القمر.
قال جامع الكتاب: لعل القائل بأن نور الشمس يقول بنفوذ نور الشمس في أعماقها، لأن المنير وجهها المقابل لنا هو المقابل للشمس، كما في القمر فلا يرد هذا الكلام عليه، تأمل.
ثم قال صاحب التحفة: فإن قيل إنما هذا في السفلية لا في العلوية، لأن وجهها المقابل لنا هو المقابل للشمس، بخلاف القمر.
لا يقال لو كانت كذلك لانخسفت في المقابلات إذا كانت على نفس المنطقة؛ لأن ظل الأرض لا يصل إليها، قلنا العلوية إذا كانت على سمت الرأس غير مقابلة لها ولا مقارنة لم يكن وجهها المقابل لنا هو المقابل لها، بل بعضه، ولزم ما قلنا.
стр. 557
فإن قيل إنما لا يرى هلاليا لخفاء طرفه ولصغر الكوكب في النظر، وظهوره من البعد المتفاوت مستديرا، قلنا لو كان كذلك لرئى الكوكب في قرب الشمس أصغر منه في بعدها انتهى كلام صاحب التحفة. في الحديث " من صمت نجا ".
ومن أمثالهم لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب.
الشيخ السعدي الشيرازي
يا نديمي قم بليلى ... واسقني واسق النداما
خلني أسهر ليلي ... ودع الناس نياما
أسقياني وهدس ... الرعد قد أبكى الغماما
في أوان كشفا الورد ... عن الوجه اللثاما
أيها المصغي إلى الزهاد ... دع عنك الملاما
فزبها من قبل أن ... يجعلك الدهر عظاما
قل لمن عير أهل ... الحب بالحب ولاما
لا عرفت الحب هيهات ... ولا ذقت الغراما
لا تلمني في غلام ... أودع القلب سقاما
فبداء الحب كم من ... سيد أضحى غلاما
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون
وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون؟
من كلام جالينوس رؤساء الشياطين ثلاثة: شوائب الطبيعة، ووساوس العامة ونواميس العادة.
استدل النفيسي في شرح الموجز على أرطبية اليمين من باقي الأعضاء بثلاثة وجوه: الأول أنه يتولد من مائية الدم، والثاني أنه يغلب عليه الهوائية، والثالث لين الجوهر ولين الجوهر يكون لزيادة الرطوبة من اللحم المجاور له.
أقول في الثالث نظر فإن استفادة الأقوى كيفية من الأضعف غير معقول، وهو مثل أن يقال إن الماء يستفيد الرطوبة بمجاور البطيخ مثلاً فتأمل.
стр. 558
قال النفيسي في بحث الصداع: والصداع الذي يكون عن دود متولد في مقدم الدماغ مؤذ بحركته وتمزيقه يكون مع نتن في رائحة الأنف لأن الدود إنما يتولد من رطوبة قد تعفنت بالحرارة الغريبة. فينفصل عنها قبل استحالتها إلى الدود عما لم يستحل قبل أبخرة نتنه إنتهى كلامه. وفي قوله عما لم يستحل قبل نظر فإن هذا هو بعينه ما قبل الاستحالة، والصواب إبدال لفظ قبل ببعد ويمكن التكلف في إصلاح كلامه: بأن مراده أن الأبخرة ينفصل عن جميع تلك الرطوبة قبل استحالة شيء منها دوداً، وعن بعضها وهو ما لم يستحل قبل إذا استحال البعض الآخر وهو كما ترى.
قوله والصواب الخ هنا مسامحة من وجهين: الأول أن الأقرب إبدال لفظ قبل ببعد فإن قوله عما لم تستحل متروك، الثاني أن التكلف تكلف. كما قاله سلمه الله.
وصف القرآن
قال الإمام الراغب: القرآن منطو على الحكم كلها علميها وعمليها، كما قال جل وعلا " وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " لكن ليس يظهر ذلك إلا للراسخين وما من برهان ودليل وتقسيم وتحديد في المعلومات العقلية والسمعية الا وكلام الله قد نطق به وأورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين: لأمرين أحدهما ما أشار إليه سبحانه بقوله: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجة وهو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذين يفهمه الأكثرون لم يتحظ إلى الأدق، وقد ورد القرآن العظيم في صورة جلية تحتها كنوز خفية، لتفهيم العامة من جليه ما يقنعهم، ويفهم الخواص من دقائقه ما يزيد على ما أدركه فهم الحكماء بمراتب شتى، ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من القرآن أكثر، وكذلك إذا ذكر سبحانه حجة اتبعها، مرة بالإضافة إلى أولي العلم، ومرة إلى ذوي العقل، ومرة إلى المتفكرين ومرة إلى المتذكرين. وبالجملة قد انطوى على أصول الأولين والآخرين، وأبناء السابقين واللاحقين. وفيه تجلى الله لعباده المؤمنين، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، وهو الذي تدفع الأهواء والشبهة عن العلماء، ولكن محاسن أنواره لا يفقهها إلا البصائر الجلية، ولطائف ثماره لا يقطفها إلا الأيدي الزكية، ومنافع شفائه لا ينالها إلا الأنفس التقية: " إنه لقرآن كريم لا يمسه إلا المطهرون "
стр. 559
في تفسير النيسابوري عند قوله تعالى: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " ما صورته قيل علامة قبول التوبة هجران إخوان السوء وقرناء الشر ومجانبة البقعة التي باشر فيها الذنوب والخطايا، وإن يبدل بإخوان إخواناً، وبالأخدان أخداناً والبقعة بقعة، ثم يكثر الندامة والبكاء على ما سلف منه، والأسف على ما ضيع من أيامه، ولا يفارقه حسرة ما فرط وهمل في البطلات، ويرى نفسه مستحقة لكل عذاب وسخط.
خطبة النبي ﷺ
قال سيد المرسلين، وأشرف الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين في خطبة خطبها وهو على ناقته العضباء.
أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل حائجة، طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالف أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن ذلت نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة، ولم تستهوه البدعة.
بسط الكلام مع الأحباب مطلوب وإطالة سمعه معهم أمر مرغوب، على أن القرب من الحبيب يبسط اللسان، وينشط الجنان، وعلى هذا المنوال جري قول موسى على نبينا وعليه السلام: " هي عصاي " الآية، ولبعضهم هنا سؤال، هو أن تكليم العبد للرب سبحانه ميسر كل وقت لكل واحد، كما في الدعاء ونحوه، فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد وأما العكس؛ فهو منال عزيز لا يفوز به إلا صفوة الصفوة، فكان ينبغي لموسى أن لا يطيل الكلام، بل يختصر فيه، ويسكت ليفوز بسماع الكلام مرة اخرى، فإنه أعظم اللذتين كما عرفت. والجواب: أن تكليم موسى للحق جلا وعلا في ذلك الوقت، ليس من قبل التكليم الميسر كل وقت، لأنه جواب عن سؤاله تعالى ومكالمة له سبحانه كما يتكلم جليس الملك مع الملك وفرق بين تكليم الجليس للملك، وبين سماع الملك كلام شخص محجوب عن بساط القرب يصيح خارج الباب؛ وهذا هو الميسر لكل أحد، على أن موسى ﵇ لم يكن على يقين من أنه إن اختصر وسكت، فاز بالمخاطبة مرة اخرى، ألا ترى كيف أجمل في آخر كلامه بقوله " ولي فيها مآرب آخرى "، لرجاء أن يسأل عن تلك المآرب فيبسط الكرم مرة اخرى
стр. 560
ولا يبعد أن يكون ﵇ قد فهم أن سؤال الحق تعالى له إنما هو لمحض رفع الدهشة عنه، فأخذ يجري في كلامه مظهر ارتفاع الدهشة أو أن السؤال إنما هو لتقريره على أنها عصا، كمن يريد تعجب الحاضرين من قلب النحاس ذهباً، فيقول: ما هذا فيقول: نحاس فيخرجه لهم ذهباً، فأخذ موسى في ذكر خواص العصا لتأكيد الإقرار بأنها عصا، فيكون بسط الكلام لهذا أيضاً لا للإستلذاذ وحده، كما هو مشهور.
استماح أعرابي خالد بن عبيد الله، وألح في سؤاله، وأطنب في الإبرام، فقال خالد: أعطوه بدرة يضعها في حرامه، فقال الأعرابي: واخرى لاستها يا سيدي لئلا تبقى فارغة، فضحك وأمر له بها أيضاً.
وأيضاً في شرح النهج لكمال الددين ابن ميثم، إن قلت: كيف يجوز تجاوز الإنسان في تفسير القرآن وقد قال ﷺ : من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، وفي النهي عن ذلك آثار كثيرة.
قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول -: أنه معارض بقوله ﷺ : إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً، وبقول أمير المؤمنين علي ﵇: إلا أن يوتي الله عبداً فهماً في القرأن، ولو لم يكن سوى الترجمة المنقولة، فما فائدة ذلك الفهم؟ الثاني -: لو لم يكن غير المنقولة لاشتراط أن يكون مسموعاً من الرسول صلى الله عليه وآله، وذلك مما يصادف إلا في بعض القرآن، فأما ما يقوله ابن عباس وابن مسعود وغيرهم، من أنفسهم فينبغي أن لا يقبل ويقال: هو تفسير بالرأي.
الثالث -: أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات، وقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع ذلك من رسول الله ﷺ محال، فكيف يكون الكل مسموعاً؟ الرابع - أنه ﷺ دعا لابن عباس بذلك: فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل ومحفوظاً مثله، فلا معنى لتخصيص ابن عباس بذلك.
الخامس: قوله تعالى: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم "، فأثبت للعلماء استنباطاً، ومعلوم أنه وراء المسموع، فإذن الواجب أن يحمل النهي عن التفسير بالراي أحد معنيين: أحدهما - أن يكون لإنسان في شيءٍ رأي وله إليه ميل بطبعه، فيتأول القرآن على وفق طبعه ورأيه حتى لو لم يكن له ذلك الميل لما خطر ذلك التأويل بباله، سواء كان ذلك الرأي مقصداً صحيحاً؛ أو غير صحيح، وذلك كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي، فيستدل على تصحيح غرضه من القرآن بقوله تعالى: " إذهب إلى فرعون إنه طغى " ويشير إلى أن قلبه هو المراد بفرعون، كما يستعمله بعض الوعاظ تحسناً للكلام، وترغيباً للمستمع وهو ممنوع.
الثاني - أن يتسرع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهاره بالسماع، والنقل
стр. 561
فيما يتعلق بغرايب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة وما يتعلق به من الإختصار والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير والمجاز، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبارد إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، مثاله قوله تعالى: " وآتينا ثمود الناقة مبصرة، فظلموا بها " والناظر إلى ظاهر العربية ربما يظن أن المراد الناقة كانت مبصرة، ولم يكن عمياً، والمعنى أية مبصرة أنهم اذا ظلموا غيرهم انتهى.
وفد حاجب بن زرارة على أنوشيروان، فأستأذن عليه، فقال للحاجب: سله من هو؟ فقال: رجل من العرب، فلما مثل بين يديه قال له أنوشيروان: من أنت؟ قال: سيد العرب. قال: أليس زعمت أنك أحدهم؟ فقال: إني كنت كذلك، ولكن لما أكرمني الملك بمكالمته صرت سيدهم، فأمر بحشو فيه دراً.
استماح أعرابي خالد بن عبيد الله، وألح في سؤاله، وأطنب في الإبرام، فقال خالد: أعطوه بدرة يضعها في حرامه، فقال الأعرابي: واخرى لاستها يا سيدي لئلا تبقى فارغة، فضحك وأمر له بأخرى أيضاً.
قال بعض الخلفاء: إني لأبغض فلان له إلي ذنب، فقال بعض الحاضرين: أوله خيراً تحبه، فأنعم عليه، فما لبث أن صار من خواصه.
سئل بعض الجند عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فسمع ذلك أعرابي، فقال: الناس ينتسبون طولاً، وهذا الفتى ينتسب عرضاً.
لبعضهم:
قالوا حبيبك محموم فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور
فليت علته بي غير أن له ... أجر العليل وأني غير مأجور
قال بعض الحكماء: إصنع المعروف إلى من يشكره، واطلبه ممن ينساه. وقال: النعم وحشية فأشكلوها بالشكر. أثنى بعضهم على زاهد، فقال الزاهد: يا هذا لو عرفت مني ما أعرفه من نفسي لأبغضتني.
شعر:
إذا كان ربي عالماً بسريرتي ... فما الناس في عيني بأعظم من ربي
خطب معاوية خطبة عجيبة فقال: أيها الناس هل من خلل؟ فقال: رجل من عرض الناس: نعم خلل كخلل المنخل، فقال: وما هو؟ فقال: إعجابك بها ومدحك إياها.
стр. 562
من أمثال العرب، قالوا: شتم جديٌ على سطح ذئباً مر به. فقال الذئب: لم تشتمني أنت وإنما شتمني مكانك.
من كلام الحكماء: لا تكن ممن يرى الغذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع المعترض في حلق نفسه، ومن كلامهم إذا رأيت من يغتاب الناس، فأجهد جهدك أن لا يعرفك، فإن أشقى الناس به معارفوه.
وقال جار الله الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار في الباب السابع والتسعين منه: مر رجل بأديب فقال: كيف طريق بغداد؟ فقال: من هنا، ثم مر به آخر، فقال: كيف طريق كوفة؟ فقال: من هنا وقال له: بادر مسرعاً من ذلك المار الألف واللام أنت تحتاج إليهما وهو مستغن عنهما فخذهما فإنك أحوج إليهما منه.
وقال بعضهم: الدنيا مدورة، ومدارها على ثلاث مدورات: الدرهم، والدينار والرغيف.
قال امرأة لرجل أحسن إليها: أذل الله كل عدو لك إلا نفسك، وجعل نعمته عليك هبة لك لا عارية عندك. وأعاذك من بطر الغنى وذل الفقر، وفرغك الله لما خلقك له ولا شغلك بما تكفل به.
وجد يهودي مسلماً يأكل شوياً في شهر رمضان، فأخذ يأكل معه، فقال له المسلم: يا هذا إن ذبيحتنا لا تحل على اليهود، فقال: أنا في اليهود مثلك في المسلمين.
إستأذن سالم بن قتيبة في تقبيل يد المهدي، فقال: إنا نصونها عن غيرك، ونصونك عنها.
دعا رجل آخر إلى منزله، وقال: لنأكل معك خبزاً، وملحاً، فظن الرجل أن ذلك كناية عن طعام لذيذ أعده صاحب المنزل، فمضى معه فلم يزد على الخبز والملح، فبينما يأكلان إذ وقف سائل، فزجره صاحب المنزل مراراً فلم ينزجر، فقال له: إذهب وإلا خرجت وكسرت رأسك، فقال: المدعو: يا هذا إنصرف فإنك لو عرفت من صدق وعيده ما عرفت من صدق وعده ما تعرضت له.
أنشد الفرزدق لسليمان بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
فقال له: ويحك با فرزدق أقررت عندي بالزنا ولابد من حدك، فقال: كتاب الله يدرؤ عني الحد قال: وأين؟ قال: " والشعراء يتبعهم الغاوون " إلى قوله: " أنهم يقولون ما لا يفعلون " فضحك وأجازه.
قال كاتب الأحرف ومن هذه القصة أخذ الصفي قوله:
стр. 563
نحن الذي أتى الكتاب مخبراً ... بعفاف أنفسنا وفسق الألسن
لبعضهم:
يا هند ما في زماني ... مساعف أو مساعد
قولي صدقت وإلا ... فكذبيني بواحد
كتب ملك الهند إلى الرشيد: يتهدده في كتاب طويل، فكتب إليه الرشيد: الجواب ما تراه ما لا تقرأه.
من كلامهم: نوائل الملوك للشرف لا للعلف، لا تستمع ببرد الضلال، مع حر البلبال، قال هشام لبعض نساك الشام: عظني، فقرأ الناسك " ويل للمطففين " الآيات، ثم قال: هذا لمن طفف المكيال والميزان، فما ظنك بمن أخذ كله، فبكى هشام من كلامه.
دخل الشعبي على عبد الملك، وعنده ليلى الأخيلية، وقال: إن هذه لم يخجلها أحد في كلام، فقال الشعبي: إن قومها يسمون ولا يكتنون، فقال: ولم لا نكتني؟ فقال: لو فعلت لزمتني الغسل، فأخجلها وكانت قبيلتها يكسرون نون المضارع.
ودخل ثمامة دار المأمون وفيها روح بن عبادة، فقال له روح: المعتزلة حمقى، وذلك أنهم يزعمون أن التوبة بأيديهم، وأنهم يقدرون عليها متى شاؤوا وهم مع ذلك دائبون يسألون الله تعالى أن يتوب عليهم فما معنى مسألتهم إياه ما هو بأيديهم والأمر فيه إليهم لولا الحمق؟ فقال له ثمامة: ألست تزعم أن التوبة من الله وهو يطلبها من العباد أجمع في كلامه وعلى لسان أنبيائه، فكيف يطلب الله تعالى من العباد شيئاً ليس بأيديهم، ولا يجدون إليه سبيلاً فأجب حتى أجيب.
стр. 564
قال محمد بن شبيب غلام النظام: دخلت إلى دار الأمير بالبصرة، وأرسلت حماري فأخذه صبي يلعب عليه، فقلت له: دعه، فقال: إني أحفظه لك، فقلت: إني لا أريد حفظه قال: يضيع إذن، قلت: لا ابالي بضياعه، فقال: إن كنت لا تبالي بضياعه فهبه لي، فانقطعت من كلامه.
ومن كلامهم: الكريم شجاع القلب، والبخيل: شجاع الوجه، ولا تطلب المفقود حتى تفقد الموجود.
قال رجل للفرزدق: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ فقال: منذ مالت امك يا أبا فلان.
قيل لعاشق: لو كان لك دعوة مستجابة ما كنت تدعو؟ قال: تسوية الحب بيني وبين ما احب حتى يمتزج قلبانا سراً وعلانية.
بعث ملك في طلب اقليدس الحكيم، فامتنع وكتب إليه إن الذي منعك أن تجيئنا، منعنا أن نجيئك.
قال رجل ليوسف ﵇: إني لأحبك، فقال: وهل أوتيت إلا من المحبة، أحبني أبي فالقيت في الجب، واستعبدت، وأحبتني امرأة العزيز فلبثت في السجن بضع سنين.
ومن كلام بعض الحكماء: ثلاثة لا تسخف بهم: السلطان، والعالم، والصديق، فمن استخف بالسلطان ذهب دنياه، ومن استخف بالعالم ذهب دينه، ومن استخف بالصديق ذهب مروته.
ومن كتاب المدهش في حوادث سنة ٢٤١ ماجت النجوم، وتطايرت شرقاً وغرباً كالجرادة من قبل غروب الشمس إلى الفجر، وفي السنة التي بعدها رجمت السويد وهي ناحية من نواحي مصر بحجارة، فوزن منها حجر كان عشرة أرطال، وزلزلت الري وجرجان، وطبرستان، ونيشابور، وإصفهان، وقم، وكاشان، ودامغان في وقت واحد، فهلك في دامغان خمسة وعشرون ألفاً، وتقطعت الجبال، ودنا بعضهم من بعض، حتى سار جبل من يمن، وعليه مزارع قوم فأتى مزارع قوم آخرين، ووقع طاير أبيض بحلب، وصاح أربعين
стр. 565
صوتا، يا أيها الناس اتقوا الله، ثم طار وأتى من الغد وفعل ذلك، ثم ما رؤي بعدها ومات رجل من بعض أكوار الأهواز، فسقط طاير على جنازته، وصاح بالفارسية، إن الله قد غفر لهذا الميت ومن حضر جنازته انتهى.
وجود الله سبحانه
غن التصديق بوجوده تعالى من أجلى البديهيات، كما قال، " أفي الله شك فاطر السموات والأرض " كذلك تصور كنه الحقيقة أو ما ما يقرب من الكنه من أمحل المحالات " ولا يحيطون به علما " كيف وسيد البشر صلوات الله عليه وآله يقول: " ما عرفناك حق معرفتك " وقال ﵇ " إن ن الله اجتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه لأنتم ": وما أحسن قول ابن أب الحديد:
تاه الأنام بسكرهم ... فلذاك صاحي القوم عربد
تالله لا موسى الكليم ... ولا المسيح ولا محمد
كلا ولا جبريل وهو ... إلى محدل القدس يصعد
علموا ولا النفس البسيطة ... ولا العقل المجرد
من كنه ذاتك غير أنك ... أو حدى الذات سرمد
فليخسأ الحكماء عن ... حرم له الأملاك سجد
من أنت يارسطو ومن ... أفلاط قبلك يا مبلد
ومن ابن سينا حين هذب ... ما أتيت به وشيد
ما أنتم إلا الفراش ... رأى السراج وقد توقد
فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رشدا لأبعد
والحاصل أن كل ما يتصوره العالم الراسخ فهو عن كنه الحقيقة بفراسخ. وكل ما وصل إليه النظر العميق، فهو غاية مبلغة من التدقيق، وسرادقات الذات عن ذلك بمراحل وأميال، لا يستطيع سلوكها بريد الوهم والخيال. وللله در من قال:
فيك يا أغلوطة الفكر ... تاه عقلي وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر
رجعت حسرى وما اطلعت ... لا على عين ولا أثر
следующие страницы →