← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1572

شرح رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة

خالد المشيقح

Полный текст (320 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

على وجه العبادة ولم يأمر به فالصحيح أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة، دل على الإباحة * القسم الأول: ما فعله النبي ﷺ على وجه الطاعة والقربة والعبادة، فالراجح أنه مستحب، فنفعل مثل فعله، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وما فعله النبي ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة، يشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زماناً أو مكاناً بعبادة، كان تخصيصه تلك العبادة سنة) (١). ومن أمثلة ذلك صلاة التطوع وصدقة التطوع، ومنه ما ورد عن شريح بن هانئ قال: سألتُ عائشة قلت: بأيِّ شيءٍ كان يبدأ به ﷺ ؟ قالت: (بالسواك) (٢). وكذلك ما ورد من حديث ابن عمر ﵄ قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر) (٣). * القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ على وجه الجبلة والطبيعة البشرية مثل: القيام، والقعود، وحركة اليد في أثناء المشي، والنوم، والاستيقاظ، والأكل، والشرب، فنقول: هذه الأشياء لا حكم لها في ذاتها؛ فهذا النوع يفيد الإباحة عند الجمهور ولا يتعلق به أمر ولا نهي؛ لأن الرسول ﷺ فعله

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من غير قصد إلى القربة به، ولأنه ليس من باب التكليف ولم يفعله النبي ﷺ للتشريع فليس لنا أن نتأسى به، لكن إذا وردت السنة بتقييد هذه الصفات والهيئات فإنه يتقيد بهذه الصفات والهيئات، وقد يكون التقييد واجباً وقد يكون مستحباً، فإذا كان لهذا الفعل هيئة معينة كصفة أكله وشربه ونومه ونحو ذلك فهذا له حكم شرعي كما دلت عليه النصوص. * القسم الثالث: ما فعله النبي ﷺ على سبيل العادة مثل: اللباس، كلبس العمامة، ولبس الإزار والرداء، وترك الشعر فهذه الأشياء فعلها النبي ﷺ موافقة لأهل بلده فنقول: لا يستحب المتابعة في ذلك؛ لأن اللباس منظور فيه إلى العادة، ولو قلنا بأن الإنسان يلبس الآن ما لبسه النبي ﷺ في زمنه وذاك اللباس يخالف اللباس في بلده لكان هذا من لباس الشهرة فيكون منهياً عنه، وعندنا قاعدة وهي: ما فعله النبي ﷺ موافقاً لأهل بلده فهذا لا يستحب الاقتداء به، وإذا قدرت أن النبي ﷺ فعله مخالفاً لأهل بلده فهذا يستحب فيه الاقتداء. * القسم الرابع: ما فعله النبي ﷺ بياناً لمجمل، فهذا النوع من الأفعال لا خلاف في أنه لا يخرج عن الوجوب أو الندب، وحكمه حكم المبين، فإن كان المبين واجباً كان الفعل واجباً، وإن كان مندوباً فمندوب؛ لأن المقصود به البيان والتشريع، كأفعال الصلاة، ومناسك الحج وغير ذلك، وهذا هو المشهور عند أكثر الأصوليين. ومن ذلك أيضاً مسح الرأس حكمه الوجوب؛ لقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ .. ﴾ [المائدة: ٦] والنبي ﵊ مسح على رأسه كله. ومثال المندوب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فالنبي ﵊ كما في حديث جابر رضي عنه أتى إلى مقام إبراهيم وصلى خلفه ركعتين (١). * القسم الخامس: ما دل الدليل على أنه خاص بالنبي ﷺ ، فإذا قام الدليل على أنه خاص به ﵊ فهذا لا خلاف في عدم جواز التأسي به فيه. ومن ذلك زواج المرأة بلا مهر فهذا خاصٌ بالنبي ﷺ ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ومن ذلك الزيادة على أربع في الزواج، وهذا خاص بالنبي ﷺ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ومن ذلك الوصال في الصيام فهذا خاص بالنبي ﷺ ، ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الوصال فقام رجل من المسلمين فقال: فإنك يا رسول الله تواصل؟ فقال النبي ﷺ : «وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (٢).

стр. 144

وما أقره النبي ﷺ من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره. قوله: (وما أقره النبي ﷺ من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره). التقرير: هو ترك الإنكار على ما علم به من قول أو فعل، والتقرير حجة؛ لأنه قسم من أقسام السنة النبوية، وقد نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على الاحتجاج به، ودليل حجيته: أن النبي ﷺ معصوم عن أن يقر أحداً على خطأ أو معصية فيما يتعلق بالشرع، ولأنه ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة. وشرط حجيته: أن يعلم بوقوع الفعل أو القول، وذلك بأن يقع بحضرته أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشاراً يبعد معه ألا يعلم به. وحكمه: الإباحة وقد يفيد الوجوب أو الاستحباب عن طريق دليل آخر. ومن أمثلة ذلك أن أنس بن مالك ﵁: سئل وهو غادٍ إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: (كان يهل منا المهلّ فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه) (١). فهذا يدل على أن الحاج مخير في هذا اليوم بين التكبير والتلبية؛ لتقرير النبي ﷺ لهم على ذلك. ومن ذلك قول ابن عباس ﵄: (أقبلت راكباً على حمارٍ أتان، وأنا

стр. 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد) (١). فهذا يدل على أن المرور بين يدي المأموم لا يضر؛ لأن ابن عباس ﵄ استدل بترك الإنكار على جواز ذلك. ومن ذلك إقراره ﷺ أبا بكر ﵁ على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله (٢). فرع: إقرار الله زمن نزول الوحي: حجة، ولذلك استدل الصحابة ﵃ على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه، قال جابر ﵁: (كنا نعزل والقرآن ينزل) (٣)، وزاد مسلم: قال سفيان: (ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن). ويدل على أن إقرار الله حجة، أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم، فدل على أن ما سكت الله عنه ولم ينكره جائز.

стр. 146

فصل الدليل الثالث: الإجماع (وأما الإجماع: فهو اتفاق العلماء المجتهدين على حكم حادثة). قوله: (وأما الإجماع … ). الإجماع في اللغة: العزم المؤكد. وأما في الاصطلاح فعرفه المؤلف بقوله: اتفاق العلماء المجتهدين على حكم حادثة. قوله: (اتفاق العلماء) هذا قيد في التعريف يخرج وجود خلاف ولو من واحد فلا ينعقد معه الإجماع؛ لأن من الجائز إصابة الأقل وخطأ الأكثر كما كشف الوحي عن إصابة عمر ﵁ في أسرى بدر. وقوله: (المجتهدين) جمع مجتهد: وهو الفقيه الذي له القدرة على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وهذا القيد يخرج المقلدين والعوام، فلا عبرة بهم في الإجماع لا وفاقاً ولا خلافاً. قوله: (على حكم حادثة) أي: حادثة دينية والمراد بها الواقعة من الوقائع التي تستدعي بيان الحكم فيها، وهذا القيد يخرج ما لو اتفق العلماء على حكم حادثة غير دينية فلا عبرة به. ويضاف على هذا التعريف قيد آخر وهو اتفاق العلماء المجتهدين من

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم حادثة دينية. فرع: الإجماع متصور الوقوع في عهد الصحابة وبعدهم، وهو مذهب الجمهور. وحجتهم: أنه ليس بمحال في ذاته ولا يترتب على فرض وقوعه محال. وقال بعض الأصوليون: غير ممكن؛ لأن بلاد الإسلام واسعة وعلماء الشريعة متباعدون في الأمصار. وقال بعض الأصوليين ممكن في عصر الصحابة دون من بعدهم من العصور؛ لأن العلماء بعد عصر الصحابة تفرقوا في الأمصار تفرقا شديدا يصعب معه معرفة أقوالهم في المسألة. * مسألة: الإجماع حجة وقد دل على حجيته القرآن والسنة: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا تكون هذه الأمة شاهدة على الناس إلا إذا كان إجماعها على حق، فلو كان إجماعها على ضلالة لم تكن شاهدة على الناس، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولو كان إجماعها ليس على حق لم تكن آمرة بالمعروف

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وناهية عن المنكر. وأما السنة: فإنهم استدلوا بما في مستدرك الحاكم أن النبي ﷺ قال: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (١). قال شيخ الإسلام: «السلف كان يشتد إنكارهم على من يخالف الإجماع، ويعدونه من أهل الزيغ والضلال». * مسألة: والإجماع يشترط له شروط: الأول: أن يكون الإجماع صادراً من العلماء المجتهدين، وعلى هذا فإن غير المجتهد لا عبرة بإجماعه. * مسألة: هل يكفي الاجتهاد الجزئي أو لابد من الاجتهاد المطلق؟ ومعنى ذلك لو أن شخصاً أتقن ما يتعلق بباب العبادات واجتهد اجتهاداً جزئياً هل يعتبر خلافه أو لابد أن يكون اجتهاده مطلقاً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم ﵏: القول الأول: قالوا يشترط أن يكون الاجتهاد مطلقاً. القول الثاني: قالوا يكفي الاجتهاد الجزئي ولا يشترط أن يكون مطلقاً. الثاني: الإسلام فلا عبرة بإجماع غير المسلمين.

стр. 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثالث: العدالة وذلك لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: عدولاً خياراً. الرابع: اتفاق جميعهم وعلى هذا لو خالف واحد لم يكن هناك إجماع؛ لأن الأدلة الدالة على الحجية وعصمة الأمة تدل على ذلك. وقال ابن جرير الطبري: إن مخالفة الواحد والاثنين لا تخرم الإجماع؛ لحديث: «عليكم بالسواد الأعظم» (١). وما ذهب إليه الجمهور هو الصحيح، وأنه لا يكون هناك إجماع حتى يتفق الجميع. الخامس: أن يكونوا أحياء موجودين، فالأموات لا عبرة بخلافهم واتفاقهم. فرع: اشترط بعض العلماء لحجية الإجماع: موت العلماء المجمعين؛ لأن العالم لا يمكن منعه من الرجوع عن رأي رآه ثم تبين له خطؤه، وبأن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، وأنا الآن أرى بيعهن» (٢) فرجع عن رأي اتفق عليه. وعند الأكثر: أن انقراض العصر ليس شرطا؛ لأن الأمة إذا اتفقت على حكم فهي معصومة من الخطأ؛ لحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (٣).

стр. 150

فمتى قطعنا بإجماعهم وجب الرجوع إلى إجماعهم، ولم تحل مخالفتهم. ينقسم الإجماع إلى أقسام: * القسم الأول: الإجماع القطعي. وهو ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام وعلى تحريم الزنا والربا ونحو ذلك. وقيل: القطعي: هو ما تحقق فيه شرطان وهما: التصريح بالحكم من أهل الإجماع، ونقله إلينا بطريق قطعي. وهذا النوع من الإجماع له ثلاثة أحكام: الأول: أنه يجب الرجوع إليه والأخذ به، إذ لا خلاف في كونه حجة. الثاني: أنه لا تحل مخالفته، إذ لا أحد ينكر ثبوته. الثالث: أنه يكفر مخالفه إذا كان ممن لا يجهله، لأنه مقطوعٌ بوقوعه. * القسم الثاني: الإجماع الظني: وهو ما اختل فيه أحد الشرطين السابقين. * القسم الثالث: الإجماع السكوتي أو الإقراري: وهو أن يشتهر القول أو الفعل من البعض فيسكت الباقون عن إنكاره. فهذا الإجماع هل هو حجة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم على قولين:

стр. 151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الأول: إنه حجة؛ لأن سكوت العالم عن فتوى غيره يدل على موافقته إياه. القول الثاني: إنه ليس حجة؛ لأنه لا ينسب إلى ساكت قول، وبأن العالم قد يسكت مع عدم موافقته لأسباب كثيرة منها: أن يغلب على ظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الإنكار على الفتوى، وكخوف ونحو ذلك. والصواب في ذلك: التفصيل وأنه يُرجع في معرفته إلى القرائن وأحوال الساكتين وملابسات الكلام، فإن غلب على الظن أنهم اتفقوا فهو حجة ظنية، وإن حصل القطع باتفاقهم فهو حجة قطعية، وإن ترجحت المخالفة فلا يعتد به. * القسم الرابع: إجماع أهل المدينة. عمل أهل المدينة ليس المقصود به عملهم في جميع الأعصار، بل في عصر الصحابة والتابعين. الإمام مالك ﵀ يرى أن إجماع أهل المدينة حجة بشرطين: الأول: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه. الثاني: أن يكون الاتفاق من الصحابة أو التابعين؛ لما عرف عن الإمام مالك أنه كان يروي الخبر ثم يترك العمل به ويقول: «وليس على هذا العمل عندنا» يعني في المدينة كما فعل في خيار المجلس. ويشكل على هذا النقل أن الإمام مالكاً ﵀ ذكر في الموطأ في باب

стр. 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العيب في الرقيق إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرأ من العيب لو اشترطه ثم خالفهم، ولعل هذا هو ما جعل بعض علماء المالكية ينكرون احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة إلا فيما سبيله النقل. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حرر القول فيما يتعلق بإجماع أهل المدينة وذكر أنه ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، وذلك مثل نقلهم مقدار الصاع والمد فهذا حجة، وقال أبو العباس القرطبي: إنه لا ينبغي الخلاف فيه. القسم الثاني: العمل القديم في المدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا حجة عند جمهور العلماء ﵏. القسم الثالث: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين تعارضا أو قياسين تعارضا ولم يترجح أحدهما فهل يرجح بإجماع أهل المدينة؟ هذا موضع خلاف: القول الأول: الترجيح بإجماع أهل المدينة وهذا عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد ﵏. القول الثاني: عدم الترجيح بإجماع أهل المدينة وهذا عند أبي حنيفة ﵀. القسم الرابع: العمل المتأخر بالمدينة، والجمهور على أنه ليس

стр. 153

ولابد أن يكون الإجماع مستنداً إلى دلالة الكتاب والسنة. بحجة؛ لأن أدلة الإجماع ما خصت أهل المدينة بل عمت الأمة. وقيل حجة: لأن المدينة قد ضمت صحابة رسول الله ﷺ وأبناءهم وأبناء أبنائهم. قوله: (ولا بد أن يكون … ). معنى ذلك أن الإجماع ليس دليلاً مستقلاً تثبت به الأحكام الشرعية، وإنما تابع للكتاب والسنة، إذ لا يوجد مسألة مجمعٌ عليها إلا وفيها نص، إذ لا يمكن أن يكون إجماع هذه الأمة عن هوى أو قولاً على الله بغير علم أو دون دليل؛ وذلك لأن الأمة معصومة عن الخطأ، والقول على الله بدون دليل خطأ، لكن يخفى مستند الإجماع على بعض العلماء فيستدل بالاجتهاد والقياس، وبعضهم يعلم النص فيستدل به.

стр. 154

الدليل الرابع: القياس (وأما القياس الصحيح: فهو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما، فمتى نص الشارع على مسألة ووصفها بوصف أو استنبط العلماء أنه شرعها لذلك الوصف، ثم وجد ذلك الوصف في مسألة أخرى لم ينص الشارع على عينها، من غير فرق بينها وبين المنصوص، وجب إلحاقها بها في حكمها؛ لأن الشارع حكيم لا يفرق بين المتماثلات في أوصافها، كما لا يجمع بين المختلفات، وهذا القياس الصحيح هو الميزان الذي أنزله الله، وهو متضمنٌ للعدل، وما يعرف به العدل، والقياس إنما يعدل إليه وحده إذا فُقد النص، فهو أصل يرجع إليه إذا تعذر غيره، وهو مؤيد للنص، فجميع ما نص الشارع على حكمه فهو موافق للقياس لا مخالف له). القياس هو أحد الأدلة الشرعية الأربعة المتفق عليها بين الأئمة الأربعة وتحته عدد من المباحث: * المبحث الأول: تعريف القياس: في اللغة: هو التقدير والمساواة، تقول: قست الثوب بالذراع إذا قدرته به، وتقول: فلان لا يقاس بفلان أي لا يساوى به. في الاصطلاح: هو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما. والمراد بالإلحاق: تعدية الحكم في مسألة منصوص عليها إلى مسألة غير منصوص عليها مساوية لها في العلة.

стр. 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والعلة: المراد بها هنا: المعنى الذي ثبت الحكم في المسألة المقيس عليها لأجله. * المبحث الثاني: الناس في القياس طرفان ووسط: الطرف الأول: أنكروا القياس أصلاً وهم الظاهرية. الطرف الثاني: أسرفوا في استعماله حتى ردوا به النصوص الصريحة. الطرف الثالث: أثبتوا القياس بضوابطه الشرعية وهو ما عليه السلف. واستدل الجمهور على أن القياس دليل شرعي بعدد من الأدلة منها: الأول: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] فقالوا: إن الله أمر بالاعتبار والنظر والتفكر، وفي هذا إثبات للقياس، فالاعتبار: هو تمثيل الشيء بغيره. الثاني: قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فالله أقام مثل الشيء مقام الشيء، ولهذا الصحابة ﵃ حكموا بأن النعامة إذا قتلها المحرم فيها بدنة. الثالث: ما ورد في حديث أبي ذر ﵁ وفيه قول النبي ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (١).

стр. 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرابع: إجماع الصحابة على إثبات القياس، كما في قولهم في خلافة أبي بكر ﵁: (رضيه الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا) وقول علي ﵁: (اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يُبعن كالحرائر، أما الآن فقد رأيت بيعهن كالإماء) (١). وأما الظاهرية الذين قالوا: بعدم إثبات القياس فإنهم استدلوا على ذلك بأدلة منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقالوا: إن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلات، وذلك أن الثوب يغسل من بول الجارية، ولا يغسل من بول الصبي، وقالوا أيضاً إن السارق تقطع يده، والغاصب لا يقطع، واستدلالهم بهذا فيه نظر. والصواب في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم ﵏. وأما الجواب عن أدلة الظاهرية فمن وجوه: الأول: لا شك أن القرآن تبيان لكل شيء، والله ما فرط في الكتاب من شيء، ومن ذلك أنه جاء بالقياس. الثاني: قول الظاهرية بأن الشريعة تفرق بين المتماثلات، فهذا غير

стр. 157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . صحيح؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، واستدلالهم بالتفريق بين بول الصبي وبول الجارية غير صحيح؛ لأن الفرق موجود بينهما، وكذلك الفرق موجود بين الغاصب والسارق، فالسارق أخذ المال على وجه الاختفاء، بخلاف الغاصب. * المبحث الثالث: ضوابط القياس: والقياس له ضوابط: الضابط الأول: ألا يوجد نص في المسألة، فإن وجد نص في المسألة فإنه لا يصار إلى القياس؛ إذ النظر لا يعارض الأثر. الضابط الثاني: أن يكون القياس من عالم مستجمع لشروط الاجتهاد. الضابط الثالث: صحة القياس باستكمال شروطه الشرعية. * المبحث الرابع: أركان القياس: القياس له أربعة أركان: * الأول: الأصل: وهو المحل المعلوم بثبوت الحكم فيه ويسمى (المقيس عليه). * الثاني: الفرع: وهو المحل الذي يراد إثبات الحكم فيه ويسمى (المقيس). * الثالث: الحكم: وهو الأمر المقصود إلحاق الفرع بالأصل فيه.

стр. 158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * الرابع: الوصف الجامع: وهو المعنى المشترك بين الأصل والفرع. * المبحث الخامس: أقسام القياس: يقسم الأصوليون القياس إلى قسمين: * القسم الأول: القياس باعتبار قوته وضعفه وهو نوعان: الأول: قياس جلي: وهو ما قطع فيه بنفي الفارق المؤثر أو كانت العلة منصوصاً عليها أو مجمعاً عليها. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. فالله حرّم أكل مال اليتيم، وقاس العلماء عليه تحريم تحريق مال اليتيم، وهذا قياس جلي. الثاني: قياس خفي: وهو ما لم يقطع بنفي الفارق فيه ولم تكن العلة منصوصاً عليها أو مجمعاً عليها. ومن ذلك: القتل بالمحدد، فإن العلماء قد قاسوا عليه القتل بالمثقل، وعليه فإن القتل بالمثقل فيه قصاص. ومن ذلك أيضاً جريان الربا في البر، فإنه يقاس عليه جريان الربا في

стр. 159

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأرز بجامع أن كلاً منهما مكيل مطعوم. * القسم الثاني: القياس باعتبار علته، وهو ثلاثة أنواع: الأول: قياس العلة: وهو ما صرح فيه بالعلة. ومثاله: قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] فالعلة الجامعة هي التكذيب، والأصل هو قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، والفرع: أنتم. الثاني: قياس الدلالة: وهو الذي لم تذكر فيه العلة، وإنما ذكر لازم من لوازمها. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] والأصل هو إحياء الأرض، والفرع هو إحياء الموتى، والعلة هي عموم قدرته وكمال حكمته. الثالث: قياس الشبه: هو الفرع المتردد بين أصلين. ومثاله: الرقيق متردد بين أمرين الحر والمال، فهل يشبه بالإنسان الحر أو بالمال؟ ولذلك تجد العلماء يختلفون إذا قتل الرقيق، هل فيه الدية أو فيه القيمة؟ إذا قلنا بأن فيه القيمة أشبه البهيمة، وإذا قلنا بأن فيه الدية أشبه

стр. 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الإنسان الحر. وأيضاً لو أن سيده ملّكه مالاً، هل يملك بالتمليك؟ إذا قلنا بأنه يملك بالتمليك أشبه الحر، وإذا قلنا بأنه لا يملك بالتمليك أشبه البهيمة. * المبحث السادس: هناك مسائل اختلف فيها أهل العلم هل يجري فيها القياس أو لا يجري فيها القياس؟ وفي ذلك مسائل: * المسألة الأولى: التوحيد والعقائد: هل يجري فيها القياس أو لا؟ باتفاق أهل السنة والجماعة أن القياس لا يجري في التوحيد والعقائد، إذا أدى ذلك إلى البدعة أو تعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله كتشبيه الخالق بالمخلوق، وإنما يصح القياس في التوحيد إذا استدل به على معرفة الخالق وتوحيده، ويستخدم في ذلك قياس الأولى كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]. ومن أمثلة ذلك: كل كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجهٍ من الوجوه فالخالق أولى به. * المسألة الثانية: الحدود والكفارات: هل يجري فيها القياس أو لا؟

стр. 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا موضع خلاف بين أهل العلم: القول الأول: إن القياس يجري في الحدود والكفارات، وهو ما عليه جمهور الأصوليين، ومن ذلك أنهم قاسوا النباش على السارق في قطع اليد، وقاسوا اللائط على الزاني، وقالوا: إن اللوطي يلحق بالزاني في إقامة الحد؛ لعموم أدلة حجية القياس التي تقدمت، وهو الأقرب؛ لأن أدلة القياس تدل على أن القياس يجري في جميع الأحكام إذا استكملت شروط القياس، فلم تفرق بين حكم وحكم، والحدود والكفارات، من ضمن الأحكام. القول الثاني: إن القياس لا يجري في الحدود، وهو رأي الحنفية؛ لأن الحدود عقوبات مقدرة من قبل الشرع تشتمل على تقديرات لا تعقل معناها بالرأي كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف، والقياس لا يصح إلا إذا عقل المعنى الذي من أجله شرع الحكم. ونوقش: بأن معقولية التقدير غير ممتنعة، فمن الممكن أن يشرع الشارع الحد أو الكفارة لمعنى مناسب، ثم يوجد ذلك المعنى المناسب في شيء آخر. * المسألة الثالثة: الرخص: هل يجري فيها القياس؟ هذا موضع خلاف عند العلماء: القول الأول: جمهور أهل العلم قالوا بثبوت القياس فيها؛ لما تقدم من الدليل في المسألة السابقة، وهذا الأقرب.

стр. 162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثال ذلك: مدة السفر إذا قلنا بأنها مقدرة، وكذا حد الزنى فإنه مقدر، ونصاب السرقة كذلك مقدر، ومثال الرخص قياس الثلج على المطر في الجمع بين الصلاتين. القول الثاني: لا يثبت فيها القياس وهو قول الحنفية؛ لأن الرخص مخالفة للدليل، فالقول بجواز القياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل. ونوقش: إن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي خولف الدليل لأجلها في صورة أخرى وجب أن يخالف الدليل بها أيضاً عملاً برجحانها فنحن حينئذٍ نكون قد أكثرنا من موافقة الدليل لا مخالفته (١). * المسألة الرابعة: العبادات: هل يجري فيها القياس؟ وهذا موضع خلاف عند أهل العلم. القول الأول: يثبت القياس في العبادات، وهو قول الجمهور؛ لعموم أدلة حجية القياس. القول الثاني: إن العبادات لا يثبت فيها القياس، ونسب إلى أبي حنيفة؛ لأن العبادات توقيفية.

стр. 163

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأقرب في ذلك: أن هذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: إثبات عبادة أو كيفية مما لا مجال للعقل فيه، فلا يصح. الأمر الثاني: إثبات القياس في العبادات متى وجدت العلة التي من أجلها شرع الحكم في الفرع كوجودها في الأصل، فيصح القياس. * المبحث السابع: شروط القياس: يشترط لصحة القياس شروط: الأول: أن يكون حكم الأصل (المقيس عليه) ثابتاً بالنص أو بالإجماع، أو باتفاق الخصمين عليه، أو بدليلٍ يغلب على الظن صحته، وألا يكون منسوخاً. الثاني: أن يكون حكم الأصل معقولاً لتعدية الحكم، فإذا كان حكم الأصل ليس معقولاً، فإنه لا يصح القياس؛ لأنه لا يمكن أن يعدّ الحكم للفرع. وذلك كعدد ركعات الصلوات ككون الظهر أربعاً والعصر أربعاً مثلاً، فإن هذا ليس معقولاً فلا يصح القياس عليه. الثالث: أن توجد العلة في الفرع بتمامها بالقطع، ويسمى قياس الأولى أو المساواة، أو يغلب على الظن وجودها في الفرع. الرابع: ألا يكون حكم الفرع منصوصاً عليه بنصٍ يخالف حكم الأصل. الخامس: أن يكون حكم الفرع مساوياً لحكم الأصل، وعلى هذا لا

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقاس الواجب على المندوب ولا المندوب على الواجب؛ لعدم تساويهما، وإنما يقاس الواجب على الواجب والمندوب على المندوب. السادس: أن يكون القياس في الأحكام الشرعية العملية. السابع: أن تكون العلة متعدية، أي: توجد في غير الأصل كوجودها في الأصل، فإن كانت قاصرة، أي: لا تتعدى محل الأصل الذي ثبت حكمه فلا يصح التعليل بها. مثال التعليل بالعلة القاصرة: تعليل جواز الفطر في السفر بالسفر، فإن هذه علة قاصرة لا تتعدى إلى غير المنصوص عليه. الثامن: ألا تخالف العلة المستنبطة نصاً أو إجماعاً. التاسع: أن تكون العلة وصفاً صالحاً لترتيب الحكم، فلا يصح التعليل بالوصف الطردي كالطول والسواد ونحو ذلك، وأن تكون منضبطة، أي: لا تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة اختلافاً كبيراً. العاشر: أن تكون العلة مطردة، والمراد بالاطراد: وجود الحكم كلما وجد الوصف المدعى كونه علة. وعكسه: الانتقاض، وهو وجود الوصف مع تخلف الحكم. مثاله: لو علل القصاص بالقتل، فإن هذه العلة منتقضة؛ لأن القتل الخطأ لا قصاص فيه باتفاق، ولأن القاتل يقتل ولا قصاص في قتله. وأما إذا علل القصاص بالقتل عمدا عدوانا فإن هذه العلة مطردة غير منقوضة، فكل من قتل مسلما معصوما يستحق القتل.

стр. 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحادي عشر: أن تكون العلة ثابتة، وسيأتي ما يتعلق بمسالك العلة. * المبحث الثامن: تعريف العلة، وطرق إثباتها: العلة في اللغة: هي المرض. وفي الاصطلاح: هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع دل الدليل على مناسبته لتشريع الحكم. وتطلق العلة ويراد بها: المناط، والجامع، والسبب، والمستدعي، والمقتضي، والمؤثر، والمظنة. والوصف الذي هو العلة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: * القسم الأول: وصفٌ يعلم مناسبته لبناء الحكم الشرعي عليه. مثل: مناسبة الإسكار لتحريم الخمر، فهذا وصفٌ مناسب يصح القياس عليه. * القسم الثاني: وصفٌ ليس مناسباً لبناء الحكم عليه؛ لأن الشارع لم يلتفت إليه. مثل: وصف الطول والقصر والعرض والسواد، فهذه لا تصلح لبناء الحكم عليها؛ لعدم التفات الشارع إليها. * القسم الثالث: وصفٌ متردد بين القسمين السابقين، بين كونه مناسباً وبين كونه غير مناسب. مثل: الرقيق هل تجب فيه الدية أو القيمة أو لا تجب؟ لكون الرقيق مترددا بين كونه آدمياً وبين كونه مالاً.

стр. 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كيفية طرق إثبات العلة: الأول: النص. ومنه ما يكون صريحاً في إثبات العلة، ومنه ما لا يكون صريحاً في إثبات العلة. مثال الصريح: قول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر» (١) فالعلة هنا الإسكار. ومثال غير الصريح: قول النبي ﷺ : «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (٢) فالعلة هنا تشويش الذهن، وما ثبت من حديث عائشة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو ينازعه الأخبثان» (٣) فالعلة هنا التشويش أيضاً. الثاني: الإجماع على أن هذا الحكم علته كذا وكذا. وذلك مثل: الصغر فهو علة الولاية في المال، فالصغير لا ينفرد بالتصرف في ماله، ولا تصح تصرفاته المالية ويتصرف عنه وليه، والعلة في وجود الولاية على هذا الشخص هي الصغر، وقد أجمع العلماء على هذه العلة. الثالث: السبر والتقسيم: الأول: التقسيم. وهو: حصر الأوصاف التي توجد في الأصل، ومن ذلك قول الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا لا يخلوا من ثلاثة أمور: ١ أنهم خلقوا من غير خالق. ٢ أنهم خلقوا أنفسهم. ٣ أن الله خلقهم. الأمر الثاني: السبر. في اللغة: الاختبار: وهو إبطال ما ليس صالحاً من الأوصاف، فعندنا هنا وصفان باطلان؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يوجد هكذا صدفة، كما لا يمكن للشيء أن يوجد نفسه، فلابد من خالق خلقهم وهو الله . الرابع: الدوران. وهو في اللغة: عدم الاستقرار. وهو اقتران حكمٍ بوصفٍ ما وجوداً وعدماً. وقول الأصوليين (وجوداً وعدماً): أي أنه لا يكفي الوجود بل لابد أن يكون هذا الوصف مقترناً بهذا الحكم في الوجود وفي العدم. ومثال ذلك: الشدة في الخمر فإنها علة تحريمه. ووجوب الزكاة مع تمام النصاب وعدمه مع عدمه، فيدل على أن علة الوجوب ملك النصاب. الخامس: المناسبة: المناسبة في اللغة: المشاكلة. وهي أن يكون الحكم مقترناً بوصفٍ صالح لبناء الحكم عليه.

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذلك مثل: قول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» (١) فالعلة في تحريم الخمر هي الإسكار فدل ذلك على أن كل مسكر يلحق بالخمر في التحريم.

стр. 169

فصل أصول مستنبطة من الكتاب والسنة قوله: (أصول): جمع أصل: وهو ما يبنى عليه غيره أو ما يتفرع منه غيره. قوله: (مستنبطة): يعني مأخوذة من الكتاب والسنة. وهذا الفصل ذكر فيه الشيخ ﵀ عدداً من القواعد الفقهية وهي جمل موجزة، تندرج تحتها مسائل فقهية كثيرة من أبواب متعددة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. والفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية يتعدد من وجوه: * أولاً: أن قواعد الأصول تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها. * ثانياً: أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية، وأما قواعد الفقه فإنما يراد بها ربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد، وحكم واحد؛ هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله. * ثالثاً: أن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية، وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية، وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلاً لها.

стр. 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * رابعاً: أن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه فليست محصورة أو محدودة العدد، بل هي كثيرة جداً منثورة في كتب الفقه العام، وكتب الفتاوى في جميع المذاهب. * خامساً: أن القاعدة الأصولية توجد أولاً، ثم يستخرج الحكم الفقهي، وأما القاعدة الفقهية فتجمع الأحكام الفقهية المتشابهة، فيؤلف منها قاعدة فقهية. * سادسا: أن القاعدة الأصولية لا يمكن أن يؤخذ منها الحكم الفقهي مباشرة، بل لا بد أن يكون معها دليل تفصيلي. مثال ذلك: قاعدة [الأمر للوجوب]: لا يؤخذ منها وجوب أي فعل من الأفعال حتى تضيف إليها دليلا تفصيليا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢]. بينما القاعدة الفقهية يمكن أن نأخذ منها حكما مباشرة. مثال ذلك: قاعدة [الأمور بمقاصدها]: نأخذ منها اشتراط النية للصلاة وللوضوء. * سابعاً: أن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء، فهي قواعد كلية مطّردة كقواعد العربية بلا خلاف، وأما القاعدة الفقهية فهي قاعدة أغلبية لا تشمل جميع جزئياتها كما تقدم.

стр. 171

(وأخذ الأصوليون من الكتاب والسنة أصولاً كثيرة، بنوا عليها أحكاماً كثيرة جداً، ونفعوا وانتفعوا بها). * ثامناً: أن القاعدة الأصولية لا تعنى بما يتعلق بمقاصد الشريعة، وبيان حكمها ومصالحها وأسرارها، أما بالنسبة للقاعدة الفقهية فإنها تعنى بهذا الجانب. * تاسعاً: أن القاعدة الأصولية شاملة لأحكام العقائد، والعمليات، بخلاف القاعدة الفقهية فهي خاصة بأحكام العمليات. قوله: (وأخذ الأصوليون من الكتاب والسنة أصولاً كثيرة). ظاهر كلام المؤلف ﵀ أن القواعد الفقهية من أصول الفقه؛ لأنه ذكرها ضمن رسالته، وكأن هذا مبني على ما يفهم من أول الرسالة من التلازم بين الفقه وأصوله، وأن الفقيه الحق هو الأصولي. والمشهور أن هذه القواعد من قبيل الفقه لا من قبيل أصول الفقه، ولعل القرافي ﵀ أول من ميز بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه (الفروق)، وقال في موضوع آخر: (فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والقضاء، ولا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً).

стр. 172

القاعدة الأولى فمنها: (اليقين لا يزول بالشك). أدخلوا فيه من العبادات والمعاملات والحقوق شيئاً كثيراً. فمن حصل له الشك في شيء منها رجع إلى الأصل المتيقن. هذه هي القاعدة الأولى التي ذكرها المؤلف ﵀ وهي قوله: «اليقين لا يزول بالشك» وهي إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى التي يدور عليها الفقه. والقواعد الفقهية الخمس هي: الأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يزول بالشك، والعادة محكمة، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقد نضمها ابن سويدان الشافعي بقوله: ضرر يزال وعادة قد حكمت … وكذا المشقة تجلب التيسيرا والشك لا ترفع به متيقناً … والنية أخلص إن أردت أجورا وقوله: (اليقين لا يزول بالشك): هذه القاعدة من أوسع القواعد الفقهية تطبيقاً، وأكثرها امتداداً في أبواب الفقه، وقد ذكر السيوطي أنها تدخل في جميع أبواب الفقه. واليقين في اللغة في المشهور: هو العلم وزوال الشك. والمراد هنا: الأمر الثابت المعلوم من الشريعة. وقد يأتي بمعنى الظن الراجح والغالب، وقد استعمل الظن بمعنى

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اليقين في القرآن في عدد من الآيات، قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. قال النووي: «اعلم أنهم يطلقون العلم واليقين، ويريدون بهما الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين، فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم» (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. وجه الدلالة: أنه فسر الظن هنا بالتوهم، وقد علمنا أن الوهم قد يطلق عليه الظن الفاسد. فرع: قال مجاهد: «كل ظن في القرآن فهو يقين». إلا أن الزركشي: قال: هناك ضابطان للفرق بين اليقين والظن في القرآن: أحدهما: حيث وجد الظن محمودًا مثابًا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذموماً متوعداً عليه بالعذاب فهو الشك. الثاني: أن كل ظن يتصل به (أنْ) المخففة فهو شك، وكل ظن يتصل به (أنّ) المشددة فهو يقين؛ لأن المشددة للتأكيد خلافاً للمخففة. والشك في اللغة يراد به: التداخل؛ وذلك لأن الشاك يتداخل عنده أمران، لا يستطيع الترجيح بينهما.

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما في الاصطلاح: فهو تجويز أمرين فما زاد، ولا مزية لأحدها على سائرها، فيَرِد عنده احتمالان أو أكثر، ولا يتمكن من الترجيح بين تلك الاحتمالات. وقول المؤلف: (اليقين لا يزول بالشك): يعني بذلك أن الشريعة عولت في أحكامها على اليقين، وليس مراد المؤلف هنا عدم إعمال الظن الغالب؛ لأن الشريعة جاءت بإعمال الظن الغالب في عدد من المسائل، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فعول بالحكم على الظن، والمراد به الاحتمال الراجح. * أدلة القاعدة: ١ قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. ٢ حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ شُكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال ﷺ : «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (١). ٣ وحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته

стр. 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن» (١). ٤ وأما الإجماع على القاعدة فحكاه غير واحد، كالقرافي في (الذخيرة) وفي (الفروق)، وابن دقيق العيد في (إحكام الأحكام). فإذا شك الإنسان هل أحدث أو لم يحدث؟ فالأصل في ذلك بقاء الطهارة. وإذا شك هل تطهر أو لم يتطهر؟ فالأصل بقاء الحدث. وإذا شك هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ فالأصل بقاء الليل، فلك أن تأكل ولا تصلي الفجر. وإذا شك في غروب الشمس هل غربت أو لم تغرب؟ فالأصل بقاء النهار، فليس لك أن تأكل ولا أن تصلي المغرب. وإذا شك هل وقع الطلاق أو لم يقع؟ فالأصل بقاء النكاح. القواعد المتفرعة عن قاعدة: [اليقين لا يزول بالشك] على سبيل الإجمال: * القاعدة الأولى: [الأصل عدم المُسْقِط وبقاء الواجب]. مثال ذلك: إذا شك الإنسان هل قضى الصلاة التي عليه أو لم يقضها؟

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن الأصل عدم قضاء الصلاة وبقاء الواجب. ولو شك هل قضى الدَّين الذي عليه أو لم يقضه؟ فإن الأصل بقاء الدين في الذمة. * القاعدة الثانية: [الأصل بقاء ما كان على ما كان]. وهذه القاعدة: دليل الاستصحاب. ومعنى (الأصل): أي القاعدة المستمرة في الشرع. قولنا: (بقاء ما كان): أي ثبوت الأمر في الزمان الحاضر. وقولنا: (على ما كان): أي على ما ثبت عليه في الزمان الماضي. * القاعدة الثالثة: [الأصل براءة الذمة]. ومعناها أن الأصل السلامة والخلو من التكليف. ومعنى القاعدة: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل. ويدل لهذه القاعدة: قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١).

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبراءة الذمة تكون من حقين: أ حق الله تعالى: فلا يجب عليه شيء إلا بدليل؛ إذ الأصل في العبادات التوقيف، فلا تجب عبادة إلا بدليل، ويدخل فيه براءة جسده من الحدود والتعزيرات. ب حقوق العباد: فلا يطالب بشيء إلا بقيام دليل على انشغال ذمته به؛ إذ الأصل عدم شغل الذمة، سواء كانت مالية أو بدنية. ومن الفروع المترتبة على ذلك: لو ادعى شخص على شخص حقاً من الحقوق فنقول: بأن المدَّعَى عليه الأصل بريئة ذمته حتى يثبت هذا الحق بالبينة. * القاعدة الرابعة: [الأصل في الصفات العارضة العدم]. من أمثلة هذه القاعدة: لو أن أحداً اشترى سلعة ثم وجد بها عيباً، فنقول: الأصل عدم العيب، فإذا اختلف البائع والمشتري فنقدم قول البائع؛ لأن الأصل في الصفات العارضة العدم، وأن هذا البائع باع هذه السلعة وليست معيبة. * القاعدة الخامسة: [الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته]. الحادث: هو الشيء الذي لم يكن موجوداً ثم وجد، ومعنى ذلك أن وقته المعتبر هو الوقت القريب. فلو أن شخصاً نام ثم وجد في ثوبه منياً، ثم شك هل حصل من نوم الليل أو النهار؟

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فنقول يُرجعه إلى أقرب أوقاته، وأقرب الأوقات النوم بالنهار. * القاعدة السادسة: [لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض البيان بيان]. هذه القاعدة تشتمل على أمرين: الأمر الأول: لا ينسب إلى ساكت قول؛ إذ الأحكام تبنى على الألفاظ في الأصل. ومن أمثلة ذلك: إذا سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن. ومن ذلك: لو أتلف شخص مال آخر، وصاحب المال ساكت، فلا يكون سكوته إذناً في الإتلاف بل يضمن. الأمر الثاني: «لكن السكوت في معرض البيان بيان» وهذا كالاستثناء من القاعدة. ومن أمثلة ذلك: سكوت البكر عند استئمار وليها قبل التزويج. ومن ذلك: إذا سكت المحرم وقد حُلِق رأسه مع القدرة على منعه؛ تلزمه الفدية. * القاعدة السابعة: [لا عبرة بالتوهم]. التوهم أدنى من الظن والمراد به الاحتمال العقلي البعيد. ومن أمثلة ذلك: لو اشتبهت القبلة فصلى بلا تحر ولا اجتهاد؛ فلا تصح صلاته لبنائها على الوهم.

стр. 179

وقالوا: (الأصل الطهارة في كل شيء)، و (الأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه)، * القاعدة الثامنة: [الممتنع عادة كالممتنع حقيقة]. الممتنع حقيقة: هو المستحيل الذي لا يمكن وقوعه عقلاً. والممتنع عادة: هو الذي لم يعهد وقوعه، وإن كان فيه احتمال بعيد بالوقوع. ومن أمثلة ذلك: ادعاء من عُرِف بالفقر أموالاً عظيمة على شخص، وأنه قد اقترضها منه. * القاعدة التاسعة: [الأصل حمل الكلام على ظاهره]. مثال ذلك: قول النبي ﷺ : «توضؤا من لحوم الإبل» (١) فالمعنى الظاهر: الوضوء الشرعي بغسل الأعضاء الأربعة، دون مجرد النظافة؛ لأن ما ورد فيما يتعلق بالعبادات يحمل على لسان الشارع. * القاعدة العاشرة: [الأصل في العقود والشروط في العقود الصحة]. مثال ذلك: الأصل في البيوع الطارئة وما يشترطه أحد المتعاقدين من شروط: الصحة، إلا لدليل يدل على التحريم. * القاعدة الحادية عشر: [الأصل في الأعيان الحل والطهارة]. قوله: (والأصل الطهارة في كل شيء والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه).

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الشيخ ﵀ في منظومته: والأصل في مياهنا الطهارة … والأرض والثياب والحجارة قول المؤلف: «الأصل»: المراد به القاعدة المستمرة التي نحكم بها. والمراد بقوله: «والأصل في مياهنا الطهارة»: أن الماء الذي لا نعلم دليلاً على طهارته، ولا على نجاسته، فإننا نحكم بقاعدة الأصل، وهو أن الأصل فيه أنه طاهر ما لم يأت دليل يغيره. ودليل هذه القاعدة: ١ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]. ٢ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. ٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله غ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١). ٤ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في طهارة المياه، فهذا هو الأصل،
следующие страницы →