. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن الأصل عدم قضاء الصلاة وبقاء الواجب.
ولو شك هل قضى الدَّين الذي عليه أو لم يقضه؟
فإن الأصل بقاء الدين في الذمة.
* القاعدة الثانية: [الأصل بقاء ما كان على ما كان].
وهذه القاعدة: دليل الاستصحاب.
ومعنى (الأصل): أي القاعدة المستمرة في الشرع.
قولنا: (بقاء ما كان): أي ثبوت الأمر في الزمان الحاضر.
وقولنا: (على ما كان): أي على ما ثبت عليه في الزمان الماضي.
* القاعدة الثالثة: [الأصل براءة الذمة].
ومعناها أن الأصل السلامة والخلو من التكليف.
ومعنى القاعدة: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل.
ويدل لهذه القاعدة: قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١).
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبراءة الذمة تكون من حقين:
أ حق الله تعالى: فلا يجب عليه شيء إلا بدليل؛ إذ الأصل في العبادات التوقيف، فلا تجب عبادة إلا بدليل، ويدخل فيه براءة جسده من الحدود والتعزيرات.
ب حقوق العباد: فلا يطالب بشيء إلا بقيام دليل على انشغال ذمته به؛ إذ الأصل عدم شغل الذمة، سواء كانت مالية أو بدنية.
ومن الفروع المترتبة على ذلك:
لو ادعى شخص على شخص حقاً من الحقوق فنقول: بأن المدَّعَى عليه الأصل بريئة ذمته حتى يثبت هذا الحق بالبينة.
* القاعدة الرابعة: [الأصل في الصفات العارضة العدم].
من أمثلة هذه القاعدة:
لو أن أحداً اشترى سلعة ثم وجد بها عيباً، فنقول: الأصل عدم العيب، فإذا اختلف البائع والمشتري فنقدم قول البائع؛ لأن الأصل في الصفات العارضة العدم، وأن هذا البائع باع هذه السلعة وليست معيبة.
* القاعدة الخامسة: [الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته].
الحادث: هو الشيء الذي لم يكن موجوداً ثم وجد، ومعنى ذلك أن وقته المعتبر هو الوقت القريب.
فلو أن شخصاً نام ثم وجد في ثوبه منياً، ثم شك هل حصل من نوم الليل أو النهار؟
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فنقول يُرجعه إلى أقرب أوقاته، وأقرب الأوقات النوم بالنهار.
* القاعدة السادسة: [لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض البيان بيان].
هذه القاعدة تشتمل على أمرين:
الأمر الأول: لا ينسب إلى ساكت قول؛ إذ الأحكام تبنى على الألفاظ في الأصل.
ومن أمثلة ذلك: إذا سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن.
ومن ذلك: لو أتلف شخص مال آخر، وصاحب المال ساكت، فلا يكون سكوته إذناً في الإتلاف بل يضمن.
الأمر الثاني: «لكن السكوت في معرض البيان بيان» وهذا كالاستثناء من القاعدة.
ومن أمثلة ذلك: سكوت البكر عند استئمار وليها قبل التزويج.
ومن ذلك: إذا سكت المحرم وقد حُلِق رأسه مع القدرة على منعه؛ تلزمه الفدية.
* القاعدة السابعة: [لا عبرة بالتوهم].
التوهم أدنى من الظن والمراد به الاحتمال العقلي البعيد.
ومن أمثلة ذلك: لو اشتبهت القبلة فصلى بلا تحر ولا اجتهاد؛ فلا تصح صلاته لبنائها على الوهم.
стр. 179
وقالوا: (الأصل الطهارة في كل شيء)، و (الأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه)،
* القاعدة الثامنة: [الممتنع عادة كالممتنع حقيقة].
الممتنع حقيقة: هو المستحيل الذي لا يمكن وقوعه عقلاً.
والممتنع عادة: هو الذي لم يعهد وقوعه، وإن كان فيه احتمال بعيد بالوقوع.
ومن أمثلة ذلك: ادعاء من عُرِف بالفقر أموالاً عظيمة على شخص، وأنه قد اقترضها منه.
* القاعدة التاسعة: [الأصل حمل الكلام على ظاهره].
مثال ذلك: قول النبي ﷺ : «توضؤا من لحوم الإبل» (١) فالمعنى الظاهر: الوضوء الشرعي بغسل الأعضاء الأربعة، دون مجرد النظافة؛ لأن ما ورد فيما يتعلق بالعبادات يحمل على لسان الشارع.
* القاعدة العاشرة: [الأصل في العقود والشروط في العقود الصحة].
مثال ذلك: الأصل في البيوع الطارئة وما يشترطه أحد المتعاقدين من شروط: الصحة، إلا لدليل يدل على التحريم.
* القاعدة الحادية عشر: [الأصل في الأعيان الحل والطهارة].
قوله: (والأصل الطهارة في كل شيء والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه).
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخ ﵀ في منظومته:
والأصل في مياهنا الطهارة … والأرض والثياب والحجارة
قول المؤلف: «الأصل»: المراد به القاعدة المستمرة التي نحكم بها.
والمراد بقوله: «والأصل في مياهنا الطهارة»: أن الماء الذي لا نعلم دليلاً على طهارته، ولا على نجاسته، فإننا نحكم بقاعدة الأصل، وهو أن الأصل فيه أنه طاهر ما لم يأت دليل يغيره.
ودليل هذه القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١].
٢ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله غ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١).
٤ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في طهارة المياه، فهذا هو الأصل،
стр. 181
و (الأصل براءة الذمم من الواجبات ومن حقوق الخلق، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك). و (الأصل بقاء ما اشتعلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده، حتى يتيقن البراءة والأداء).
والقاعدة المستمرة في المياه.
وقول المؤلف: «الأرض»: أي أن الأصل في الأرض أنها طاهرة، والدليل على ذلك:
١ عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (١).
٢ وعن أبي ذر ﵁ قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذر ابد فيها»، فبدوت إلى الربذة فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: «أبو ذر»، فسكت فقال: «ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل»، فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلا، فقال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير» (٢).
قال ﵀: (والأصل براءة الذمم من الواجبات، ومن حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك).
أي: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه،
стр. 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل.
ويدل لهذه القاعدة: قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١).
وبراءة الذمة تكون من حقين:
أ حق الله تعالى: فلا يجب عليه شيء إلا بدليل؛ إذ الأصل في العبادات التوقيف، فلا تجب عبادة إلا بدليل، ويدخل فيه براءة جسده من الحدود والتعزيرات.
ب حقوق العباد: فلا يطالب بشيء إلا بقيام دليل على انشغال ذمته به؛ إذ الأصل عدم شغل الذمة، فتبرئ ذمته من حقوق العباد، سواء كانت مالية أو بدنية.
ومن الفروع المترتبة على ذلك: لو ادعى شخص على شخص حقاً من الحقوق فنقول: بأن المدَّعَى عليه الأصل براءة ذمته حتى يثبت هذا الحق بالبينة.
стр. 183
القاعدة الثانية
ومنها: «أن المشقة تجلب التيسير» وبنوا على هذا جميع رخص السفر، والتخفيف في العبادات والمعاملات وغيرها.
المشقة: الحرج، والضيق، والشدة.
* قوله: «التَّيْسِيرُ»: مأخوذ من اليسر، وهو السهولة والليونة.
وهذه إحدى القواعد الخمس الكلية وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير.
والمراد بهذه القاعدة: أن من حكمة الله ومن رحمته بعباده أنه إذا حصل لهم العسر فالشريعة تخفف وتيسر لهم، وهذه القاعدة يُعبّر عنها أيضاً بلفظ آخر: [إذا ضاق الأمر اتسع].
* أدلة القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٢ وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
٣ ومن السنة: ما رواه أحمد في مسنده مرفوعاً: «إنما بعثت بالحنيفية السمحة» (١).
٤ وعن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (٢).
стр. 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (١).
٦ وأما الإجماع: فحكاه غير واحد، كالشاطبي في «موافقاته».
والمشقة الواردة في الأوامر الشرعية لا تنافي نفي الحرج الوارد في الشريعة؛ لأمور منها:
* الأمر الأول: أن هذه المشقة التي في الفعل مقدورة للمكلَّف، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
* الأمر الثاني: أن المصلحة في هذا الفعل أعظم من المشقة الواقعة فيه؛ ولذلك نجد الطبيب يصف للمريض الدواء مرًّا، لكن المصلحة المترتبة على الدواء أعظم، وهي الخاصية التي جعلها الله في الدواء يُشفَى بها المريض، هذه المصلحة أعظم من المشقة الحاصلة في الدواء، وكذلك أحكام الشريعة، والشارع لا يقصد المشقة لذات المشقة، وإنما مقصوده المصلحة الواقعة في الفعل.
* أقسام المشقة:
قسّم العلماء ﵏ المشقة إلى قسمين:
* القسم الأول: مشقة معتادة: فهذه يُكلِّف بها الشارع، فالإنسان يمكنه
стр. 185
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أن يتحملها، فكون الإنسان يُصلي الصلوات الخمس هذه مشقة لكنها معتادة، وكونه يصوم شهر رمضان ويزكي هذا الجزء من ماله هذه مشقة لكنها معتادة.
* القسم الثاني: مشقة خارجة على العادة وهذه لا يُكلِّف بها الشارع.
مثال ذلك: إطالة السهر في القيام، وإطالة الصوم في النهار، وإخراج كل المال في الزكاة، أو نصف المال، أو ربعه، هذه لا يُكلِّف بها الشارع.
والمشقة يقسمها الفقهاء كما نص على ذلك ابن نُجيم الحنفي في (الأشباه والنظائر) إلى ثلاثة أقسام:
* القسم الأول: مشقة تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته كإخراج المال كله في الزكاة.
* القسم الثاني: مشقة خفيفة لا تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته كأدنى مرض.
* القسم الثالث: مشقة يتنازعها القسمان السابقان فقد تصل إلى رتبة القسم الأول، وقد تنزل إلى رتبة القسم الثاني.
وإنما جاءت الرخصة مع هذا النوع من المشاق لسببين اثنين كما قال الشاطبي في الموافقات:
السبب الأول: لحفظ جوارح العبد، ونفسه، وماله، وما إلى ذلك، حتى لا ينقطع عن العبادة، ويكره التعبد لله .
السبب الثاني: حتى لا يصيب العبد انقطاع عند تزاحم الأعمال التعبدية،
стр. 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكسل وملل عن العبادة.
* مسألة: التيسير في الشريعة له أنواع:
النوع الأول: تيسير بالإسقاط: كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وإسقاط الحج على من لا يجد مالاً.
النوع الثاني: تيسير بالنقص: كالقصر في السفر.
النوع الثالث: تيسير إبدال: كإبدال الوضوء عند مشقة وجود الماء بالتيمم.
النوع الرابع: تيسير تقديم: كجمع التقديم للمسافر.
النوع الخامس: تيسير تأخير: كجمع الصلاة تأخيراً، وقضاء رمضان للمسافر ونحوه.
النوع السادس: تيسير باستعمال المحرم: وذلك في حال الضرورة.
* التخفيف في الشريعة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تخفيف أصلي، فكل أوامر الشريعة مبنية على التخفيف، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وعن أنس بن مالك قال: قال النبي: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا».
وعن أبي هريرة قال: قال النبي: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة
стр. 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشيء من الدلجة» (١).
مثال ذلك: لا يجب على المسلم في اليوم والليلة إلا خمس صلوات؛ لا تأخذ شيئا كثيرا من وقته، ولا تجب الزكاة إلا على من ملك نصابا وقدر الزكاة في الأثمان مثلا، وعروض التجارة: اثنان ونصف في المائة، ولا يجب الصيام في العام إلا مرة واحدة، ويجب الحج والعمرة على المستطيع في العمر مرة واحدة.
القسم الثاني: تخفيف عارض، وذلك بأن يخفف عن المكلف مرة أخرى إذا ورد عليه سبب من أسباب التخفيف الآتية.
وهذا العارض يُعبِّر عنه العلماء ﵏ بقولهم: أسباب التخفيف.
والتخفيف في الشريعة له أسباب:
* السبب الأول والثاني: الخطأ والنسيان.
والخطأ يراد به معنيان:
الأول: ضد الصواب، واسم الفاعل من هذا المعنى: «خاطئ»، كما في قول إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧].
الثاني: عدم القصد للفعل، واسم الفاعل منه: «مخطِئ».
أما النسيان في اللغة: فهو الغفلة.
وأما في الاصطلاح: فهو الغفلة عن الشيء وعدم تذكره.
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: بأنه ذهول القلب عن معلوم.
والدليل على أن الخطأ والنسيان من أسباب التخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله تعالى كما في صحيح مسلم: «قد فعلت» (١).
٢ حديث ابن عباس ﵁: «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (٢)، وفيه ضعف.
أمثلة لذلك:
المثال الأول: لو أن الإنسان نسي، أو أخطأ فصلى وعليه نجاسة، فهذا النسيان من أسباب التخفيف، فصلاته صحيحة.
المثال الثاني: لو نسي أو أخطأ وأكل وهو صائم، فإن هذا من أسباب التخفيف، فصيامه صحيح.
المثال الثالث: لو نسي أو أخطأ وصلى وهو محدث، فإن هذا من أسباب التخفيف، فلا إثم عليه، لكن يجب عليه أن يعيد الصلاة.
* مسألة: النسيان أو الخطأ من أسباب التخفيف كما يلي:
* الأمر الأول: ما يتعلق بحقوق الله تعالى:
أ فمن حيث الحكم التكليفي: يسقط الإثم بالنسيان أو الخطأ؛ لقوله
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأيضاً لحديث ابن عباس المتقدم.
ب لكن بالنسبة للحكم الوضعي في الخطأ والنسيان الضمان:
فإن كان من باب الأوامر: فإنه يضمن ولا يسقط، وإن كان من باب النواهي والتروك فإنه يسقط ولا يضمن.
مثال ذلك: لو صلى الإنسان محدثاً فإنه يضمن إعادة الصلاة؛ لأن الأوامر يمكن استدراكها.
وكذلك لو صلى وقد أخل بالطمأنينة فإنه يضمن، وفي قصة الأعرابي في حديث أبي هريرة ﵁: قال ﷺ : «ارجع فصل فإنك لم تصل» (١) نلاحظ أن النبي ﷺ لم يعفه مع أنه جاهل، والجهل أخو النسيان.
ولقصة أبي بردة ﵁: «لما ذبح قبل الوقت أمره النبي ﷺ أن يعيد» (٢).
ولأن عمر ﵁ «لما صلى بالناس وهو جنب أعاد» (٣).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم» (٤).
стр. 190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما إن كان من باب النواهي والتروك: فلا ضمان عليه ولا إثم.
مثال ذلك: رجل أكل وهو صائم، أو شرب ناسياً، فلا شيء عليه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (١).
كذلك لو جامع في الصيام وهو ناس فلا شيء عليه.
ولو تكلم في الصلاة وهو ناس فلا شيء عليه.
وكذلك في الحج لو صاد وهو ناس أنه محرم، أو ناسٍ أنه في الحرم فلا شيء عليه.
ولو جامع أهله ناسياً أنه محرم لا شيء عليه.
وكذلك لو حلق رأسه ناسياً فلا شيء عليه، ولا ضمان.
* الأمر الثاني: فيما يتعلق بحقوق المخلوقين:
أ فمن حيث الحكم تكليفي: لا إثم عليه، فلو أتلف مال شخص ناسياً يظن أن هذا المال ماله فأكله، أو لبس ثوب غيره حتى أبلاه يظن أنه له، فلا إثم عليه؛ لما تقدم من الدليل على أنه يعذر بالنسيان.
ب لكن بالنسبة للحكم الوضعي في الخطأ والنسيان الضمان: فلا يسقط في حقوق المخلوقين.
стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ودليل ذلك:
١ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فوجبت الدية ولم يُعذر بالخطأ، والنسيان أخو الخطأ في كتاب الله .
٢ ولأن حقوق المخلوقين مبنية على المشاحَّة، فَفرْق بين حق الله وحق المخلوق، ولما غضبت عائشة ﵂ وضربت يد الخادم فانكسرت القصعة، ضمنها النبي ﷺ ، وقال ﷺ : «طعام بطعام، وإناء بإناء» (١).
* السبب الثالث من أسباب التخفيف: الجهل.
الجهل لغة: نقيض العلم.
وأما في الاصطلاح: الجهل بالأحكام الشرعية، كلها أو بعضها.
والدليل على أن الجهل من أسباب التخفيف: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال تعالى: «قد فعلت» (٢)، والخطأ إنما يكون عن جهل.
مسألة: أقسام الجهل:
اعلم أن الجهل الذي يكون سببا للتخفيف ينقسم إلى أقسام:
* القسم الأول: الجهل الذي يتعلق بأصول الدين كالعقائد والتوحيد،
стр. 192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فهل يكون هذا سببا للتخفيف؟ للعلماء فيها أقوال، من أهمها:
القول الأول: الجهل لا يكون عذراً في التوحيد والعقائد وأصول الدين، ولا سبباً للتخفيف.
القول الثاني: الجهل يكون عذراً، إلا إذا كان مفرطا بأن قام عند الإنسان شبهة في كون هذا شرك أو مكفر أو مخرج من الملة، وأمكنه أن يتعلم.
* القسم الثاني: أن يكون حديث عهد بالإسلام، فإنه يكون سبباً للتخفيف، فإذا شرب خمراً، أو أخرج الصلاة عن وقتها؛ فإن هذا يكون سبباً للتخفيف.
* القسم الثالث: أن يكون ناشئاً في بادية بعيدة عن بلاد الإسلام، فإن من نشأ بعيداً عن أهل العلم، فإن بيئته تكون سببا للتخفيف.
* القسم الرابع: من كان ناشئاً في بلاد الكفار، فإن منشأه يكون سبباً للتخفيف.
* القسم الخامس: ما يدق ويغمض من مسائل الفقه، فإن العامي يعذر فيها، ذكره بعض العلماء ﵏.
* القسم السادس: إذا كان الإنسان مقيماً في المدن، ولم تقم عنده شبهة بأن هذا محرم، فإنه يُعذر لعدم تفريطه، أما إن قامت عنده شبهة، وأَمْكَنه التعليم، بحيث يمكنه أن يسأل العلماء عن هذا الحكم ولم يفعل ولم يتعلم، فإنه لا يعذر لكونه مفرط.
стр. 193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما ما يتعلق بالإثم والضمان، فالجهل لا يخلو من أمرين:
* الأمر الأول: فيما يتعلق بحقوق الله :
أ فمن حيث الحكم التكليفي: لا يأثم؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة.
فلو أن الإنسان صلى جاهلاً لغير القبلة، أو ترك المضمضة في الوضوء، فلا يأثم، ودليل ذلك:
١ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٢ ولحديث ابن عباس ﵁: قال ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» وفيه ضعف (١).
٣ حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة (٢) لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة؛ لأنه كان جاهلاً تحريم الكلام، يظن أنه على ما سبق في أول الإسلام وأنه مباح.
ب أما من حيث الحكم الوضعي:
فإن كان في باب الأوامر: فيضمن؛ لأنه يمكنه الاستدراك، قال النبي ﷺ للأعرابي كما في حديث أبي هريرة ﵁: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (٣) لما جهل وجوب الطمأنينة ولم يطمئن.
стр. 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ﷺ لأبي بردة ﵁: «شاتك شاة لحم» (١) لما ذبح قبل الصلاة.
وكذلك لو صلى إلى غير القبلة جاهلاً فإنه يعيد الصلاة.
وعند شيخ الإسلام: لا يضمن ولا إعادة.
واستدل شيخ الإسلام: بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ولأنه ﷺ لم يأمر الأعرابي بالإعادة لما أخل بالطمأنينة لما مضى.
أما إن كان من باب التروك والنواهي: فيعذر إثماً وضماناً.
فلو أن إنساناً جهل النجاسة التي في ثوبه وصلى، أو جهل وجوب إزالة النجاسة؛ فصلاته صحيحة ولا إثم عليه، وكذا لو جهل تحريم الخمر فلا إثم عليه ولا عقوبة؛ لأنه من باب التروك.
* الأمر الثاني: ما يتعلق بحقوق المخلوق:
أ فمن حيث الحكم التكليفي: فإنه يعذر فيه فلا يأثم، فلو جهل وأتلف مال زيد من الناس فلا إثم عليه.
ب أما من حيث الحكم الوضعي: فإنه يضمن، وتقدم حديث عائشة لما ضربت يد الخادم فقال ﷺ : «طعام بطعام، وإناء بإناء» (٢).
стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأيضاً فإن الله أوجب الدية على من قتل خطأ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، مما يدل على أنه لا يعذر في الخطأ والنسيان والجهل فيما يتعلق بحقوق المخلوق، فلابد من الضمان.
ولأن حقوق المخلوقين مبنية على المشاحَّة.
* السبب الرابع من أسباب التخفيف: المرض.
المرض في اللغة: هو السَّقَم، واعتلال الصحة.
وأما في الاصطلاح: فهو كل ما يكون معه حرج ومشقة حال فعل المأمور.
ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إذا كان الإنسان يلحقه حرج ومشقة ظاهرة إذا لم يفطر وهو مريض، فهذا من أسباب التخفيف.
المثال الثاني: إذا كان المريض يلحقه مشقة ظاهرة إذا لم يجمع، أو لم يتيمم، فهذا من أسباب التخفيف، فله الجمع والتيمم، وكذا إذا لحقه حرج ومشقة إذا صلى قائماً أو راكعاً أو ساجداً، فإنه يجلس ويؤمئ بالركوع والسجود.
والدليل على أن المرض من أسباب التخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
стр. 196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - وحديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال له لما شكى له أن به بواسير: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» (١).
* السبب الخامس من أسباب التخفيف السفر:
السفر في اللغة: قطع المسافة.
وأما في الاصطلاح: فهو الخروج من الوطن على قصد السفر عرفاً.
والدليل على أن السفر من أسباب التخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
٢ فعل النبي ﷺ فإنه إذا سافر قصر وجمع، فدل على أنه من أسباب التخفيف.
مسألة: ذكر العلماء ﵏ شروطاً للسفر الذي يكون من أسباب التخفيف؛ إذْ ليس كل سفر يكون سبباً للتخفيف، وهذه الشروط على سبيل الإجمال:
الشرط الأول: المسافة، فهل يشترط للسفر مسافة معينة أو لا يُشترط؟
هذا موضع خلاف:
جمهور أهل العلم ﵏: أن مسافة القصر مسيرة يومين، تساوي ٤٨ ميلا، والميل يساوي كيلو وستين متر، تساوي ٧٧. ٧٢ كيلو مترا، وقيل:
стр. 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تساوي ٧٧. ٢٣٨ كيلو مترا وستة أسباع المتر.
وعند الحنفية: مسيرة ثلاثة أيام.
وعند داود الظاهري: يقصر في طويل السفر وقصيره.
والأقرب: ما ذهب إليه الجمهور ﵏؛ لما ثبت أن ابن عمر وابن عباس ﵄: «كانا يقصران ويفطران في أربعة برد» علقه البخاري بصيغة الجزم، وحكي الإجماع على هذه المسافة.
وقيل: مرجع السفر إلى العرف، فما عده الناس سفرا فهو سفر.
الشرط الثاني: أن لا يكون سفراً محرماً، فمتى كان سفراً محرماً فلا يجوز له أن يترخص فيه برخص السفر، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
قالوا: الباغي: هو الذي يخرج على الإمام.
والعادي: هو قاطع الطريق، وهذا يكون في السفر.
الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة، وشيخ الإسلام رحمهما الله: أن هذا ليس شرطاً؛ لعمومات الأدلة، وهذا هو الأقرب، فيترخص الإنسان في جنس السفر، حتى في السفر المحرم يجمع ويقصر ويمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن.
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: في الآية: «إن الباغي: هو الذي يَبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يتجاوز قدر الحاجة».
الشرط الثالث: الخروج من البلد، فليس له أن يترخص داخل البلد، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولم يقل الله : أو على نية السفر، ولم يرد أن النبي ﷺ ترخص حتى خرج من البلد.
الشرط الرابع: المدة، فهل للسفر الذي يُترخص فيه مدة محددة أو ليس له مدة محددة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم ﵏:
القول الأول: رأي الحنابلة ﵏: أن مدة السفر الذي يترخص فيه أربعة أيام، فإذا أراد أن يقيم أكثر من أربعة أيام ووصل البلد فليس له أن يترخص.
القول الثاني: رأي المالكية والشافعية ﵏: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام قصر، وأكثر يتم.
القول الثالث: رأي الحنفية ﵏: إذا نوى خمسة عشر يوماً فأكثر أتم، وأقل يقصر.
والصواب في ذلك: أنه ليس له حد، لكن إذا أطال الإنسان الإقامة وتشبه بالمقيمين بطول الإقامة فإنه لا يترخص، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ في البخاري حده بتسعة عشر يوماً، وهي أعلى مدة قصر فيها النبي ﷺ فيصار إليها.
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* السبب السادس: الإكراه:
الإكراه: من الكَرْه بالفتح وهو المشقة، قاله الفرَّاء.
وقيل: من الكُرْه، قال ابن منظور في (اللسان): «أَجمع كثير من أَهل اللغة أَنْ الكَرْهَ والكُرْهَ لُغتانِ، فبأَيِّ لغة وقع فجائِزٌ، إلا الفراء فإنه زعم أَنْ الكُرْهَ ما أَكْرهْتَ نَفْسَك عليه، والكَرْه ما أَكْرَهَكَ غيرُكَ عليه».
والإكراه: هو حمل الغير على أمر لا يرضاه لو خُلِّي ونفسه.
الدليل على أن الإكراه من أسباب لتخفيف:
١ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
٢ وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١).
٣ وقوله ﷺ : «لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق» (٢)، أي: إكراه.
والحديثان فيهما ضعف.
مسألة: اشترط العلماء ﵏ في الإكراه الذي يكون سببا للتخفيف شروطاً:
стр. 200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الشرط الأول: أن يكون المُكرِه قادراً على إيقاع ما هدد به، والمُكرَه ليس قادراً على دفعه.
* الشرط الثاني: أن يكون الإكراه عاجلاً ليس آجلاً.
مثال ذلك: لو قال له رجل: طلق زوجتك وإلا قتلتك بعد سنة، فإنه لا يكون إكراهاً معتبراً.
* الشرط الثالث: أن يكون ما يُكَره عليه يشق تحمله.
* الشرط الرابع: أن يظن المكرَه أن المكرِه سيوقع ما هدد به؛ لأن ذلك لا يخلو من ثلاث حالات:
١ أن يعلم أنه سيوقع ما هدد به: فيكون سبباً للتخفيف.
٢ أن يظن أنه سيوقع ما هدد به: فهنا أيضاً يكون سبباً للتخفيف.
٣ أن يشك أو يظن أنه لن يوقع ما هدد به: فهذا لا يكون سبباً للتخفيف.
* الشرط الخامس: أن يكون الإكراه بغير حق، فإن كان بحق فلا يكون سبباً للتخفيف.
مسألة: الأصل أن الإكراه سبب للتخفيف في الإثم والضمان، لكن قد لا يكون سبباً في التخفيف كما في مسألة القتل، ونحوها.
مثال: ما كان الإكراه سبباً للتخفيف:
في العبادات: إذا أكره على الإفطار في رمضان فلا يبطل صومه،
стр. 201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو أكره أن يأكل في الصلاة، فإن صلاته لا تبطل.
وكذلك في المعاملات: فلو أُكره على البيع أو الشراء، أو أُكره في النكاح على الطلاق، فكل ذلك لا يقع.
وقد لا يكون الإكراه سبباً للتخفيف: كما لو أُكره على قتل إنسان، فليس له أن يقتله.
مسألة: ينقسم الإكراه إلى قسمين:
* القسم الأول: أن يكون في حقوق الله:
أ من حيث الحكم التكليفي: فإنه لا يأثم؛ لما تقدم من الأدلة.
ب من حيث الحكم الوضعي الضمان: فإن كان من باب الأوامر: فإنه يعيد؛ لأنه يمكنه أن يستدرك، فلو أكره على أن يصلي بلا وضوء، فلا إثم عليه لكن يعيد الصلاة.
وأما إن كان من باب النواهي: فإنه يعذر، فلو أُكره على أن يتكلم في الصلاة، أو يأكل وهو صائم، فإنه معذور في هذه الحال، فلا يعيد.
* القسم الثاني: أن يكون في حقوق المخلوقين:
أ من حيث الحكم التكليفي: فلا يأثم، كما تقدم.
ب من حيث الحكم الوضعي الضمان: فإنه يوجب الضمان، لكن يكون تارة على المُكرِه فقط، وتارة يكون على المُكرِه والمُكرَه معاً.
فالأصل: أن الضمان يكون على المكرِه، كما لو أَكرَه زيدٌ عمراً على
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إتلاف مال صالح، فالضمان على زيد.
وقد يكون الضمان عليهما جميعاً، كما لو أَكرَه زيدٌ عمراً على القتل، فالقصاص عليهما جميعا، فالمكرِه متسبب، والمُكرَه مباشر، وليست نفسه أولى بالبقاء من نفس المقتول.
* مسألة: الإكراه يكون في الأقوال كما يكون في الأفعال غير أنها لا تنفذ بالإكراه، فمن أكره على الكفر لا يكفر بنطقه، ومن أكره على البيع لا ينعقد بيعه، ومن أكره على الطلاق لا ينفذ طلاقه وهكذا، ولذلك قالوا: «قول المكره بغير حق ملغى».
قال ابن رجب: وأما الإكراه على الأقوال فاتفق العلماء على صحته، وأن من أكره على قول محرم إكراهاً معتبراً أن له أن يفتدي نفسه به ولا إثم عليه، وقد دل عليه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
ولما عدد المجدد محمد بن عبد الوهاب: نواقض الإسلام التي يخرج بفعلها أو قولها من الإسلام استثنى المكره.
* السبب السابع من أسباب التخفيف: النقص.
والنقص ذكر العلماء ﵏ له أنواعاً:
* النوع الأول: الجنون:
والجنون: فقدٌ للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحياناً.
стр. 203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقاعدة في المجنون من حيث التخفيف:
١ العبادات البدنية المحضة: فلا تجب عليه، ولا تصح منه كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
٢ العبادات المركبة من المال والبدن: لا تجب عليه ولا تصح منه، كالجهاد، والحج، والعمرة، والكفارات.
٣ العبادات المالية المحضة: كالزكاة تجب في ماله.
٤ الحقوق المالية: كالنفقات، وضمان المتلفات، وأروش الجنايات، تجب في ماله، فلا يكون الجنون هنا سبباً للتخفيف، إلا إذا بلغ أرش الجناية ثلث الدية فعلى العاقلة، وأقل من الثلث في ماله.
٥ ما يتعلق بعقوده وفسوخه: فلا تصح منه.
٦ ما يتعلق بجناياته وحدوده: فالجنون سبب للتخفيف، فلا يقتص منه، ولا يقام عليه حد، لكن ما يتعلق بأرش جنايته تقدم الكلام عليها.
* النوع الثاني من أنواع النقص: العَتَه.
والفرق بين العته والجنون؛ أن الجنون: فقد للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحياناً.
وأما العته: فهو نقص في العقل يصحبه خمول وكسل وسكون.
والقاعدة: أن العته بالنسبة للتخفيف ينقسم قسمين:
القسم الأول: عته ليس معه إدراك، فهذا حكمه حكم المجنون، وقد تقدم
стр. 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حكمه.
القسم الثاني: عته معه إدراك، فهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي حكمه.
* النوع الثالث من أنواع النقص: الأنوثة.
الأنوثة قد تكون سبباً للتخفيف، فيسقط عنها من التكاليف ما لا يسقط عن الذكر.
والقاعدة: [الأصل تساوي الذكور والإناث في التكاليف إلا ما دل الدليل عليه].
فالأنثى لا تجب عليها صلاة الجماعة، ولا الجمعة، ولا الجهاد، ولا الأذان، ولا الإقامة؛ لدلالة الدليل على ذلك، فهو سبب للتخفيف، وإلا فالأصل التساوي في الأحكام، فيجب على الأنثى ما يجب على الذكر من عبادات، وتكاليف، كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، ويحرم عليها ما يحرم على الذكر من محرمات كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة وغير ذلك، ويصح منها ما يصح من الذكر من عقود كالبيع، والإجارة، والوقف، وغير ذلك.
ودليل ذلك:
١ عموم الأدلة من القرآن والسنة، فهي شاملة للذكور والإناث.
٢ الإجماع على ذلك.
стр. 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* النوع الرابع من أنواع النقص: الرِّق.
والرق في اللغة: العبودية.
وفي الاصطلاح: عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر بالله .
والقاعدة: أن التكاليف الشرعية بالنسبة للرقيق تنقسم إلى أقسام:
١ العبادات البدنية المحضة: فحكمه التساوي مع الحُر، فالصلاة، والصيام ونحو ذلك يجبان على الحر والرقيق، وكذا الكفارات البدنية كالصيام.
والصواب: حتى صلاة الجماعة، والجمعة تجبان على الرقيق.
٢ العبادات المالية المحضة: فلا تجب على الرقيق، كالزكاة، والكفارات المالية كالعتق والإطعام والكسوة، ونحوها.
٣ العبادات المركبة من المال والبدن: فلا تجب على الرقيق، كالحج والعمرة والجهاد.
٤ الحقوق المالية: كأروش الجنايات وقيم المتلفات وغيرها، قال السعدي ﵀: (وقسّموا ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال إلى أربعة أقسام:
١ قسم يتعلق بذمة سيده قليله وكثيره، وهو ما أذن له فيه.
٢ وقسم يتعلق برقبة العبد وهو جناياته وإتلافاته فيخيّر سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش الجناية والإتلاف، أو يسلمه للمجني عليه.
стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٣ - وقسم يتعلق أيضاً برقبته على المشهور من المذهب، وهو تصرفاته التي يلزم فيها مال مثل: زواجه بلا إذن سيده، فإنه يلزم منه المهر، وعلى القول الصحيح: هذا القسم يتعلق بذمته.
٤ ديون العبد التي بلا إذن السيد، فتتعلق بذمته قولاً واحداً يتبع بها بعد عتقه، والله أعلم).
٥ عقوده وفسوخه: من البيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك، فتصرفات الرقيق كلها غير صحيحة وباطلة إلا مع الإذن، لكن يقع طلاقه.
وهل يملك بالتمليك سواء كان التمليك من السيد أو غيره؟ فيه خلاف.
٦ ما يتعلق بجناياته وحدوده: فالرق ليس سبباً للتخفيف، فتقام عليه الحدود والقصاص في العمد، إلا ما ورد من تنصيف الحد في حقه.
وفي غير العمد: تقدم ما يتعلق بأروش الجنايات.
* النوع الخامس من أنواع النقص: النوم والإغماء.
فالنوم والإغماء من أسباب التخفيف، ودليل ذلك: قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ» (١)، والمغمى عليه أشد من النائم.
والتخفيف عن النائم والمغمى عليه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما يتعلق بالإثم: فلا يأثم عند ترك المأمور وفعل
стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المحظور، لكن يجب عليه تدارك المأمور الذي يجب عليه تداركه.
فالمغمى عليه إذا كان الإغماء بغير اختياره، فإنه لا يجب عليه قضاء الصلاة إلا إذا أفاق فيها أو أغمي عليه في وقتها ولم يصلها، أو أغمي عليه باختياره، وإذا نام الإنسان عن الصلاة لا يأثم لكن يجب عليه القضاء.
القسم الثاني: ما يتعلق بأقوالهما: لا يترتب عليها أثر، فلا تنعقد عقودهما مثلا كعقود المعاملات، والتبرعات، والأنكحة، والفسوخ ونحوها فلا تنعقد من النائم، والمغمى عليه.
من أمثلة ذلك: إذا باع أو اشترى وهو نائم فلا يصح، أو طلق وهو نائم فلا يقع.
وكذلك إذا باع أو اشترى وهو مغمى عليه فلا يصح منه، أو طلق زوجته فلا يقع عليها.
القسم الثالث: ما يتعلق بأفعالهما:
أما يتعلق بحقوق المخلوقين: فيضمنان، فلو أتلفا مالاً لمخلوق ضمنا، أو جنيا عليهما أرش الجناية ولا قصاص، لما تقدم من الأدلة على ضمان أموال المخلوقين.
وأما ما يتعلق بحقوق الله: فلا ضمان عليهما، فلو شربا خمراً، أو أتلفا صيداً في الحرم فلا ضمان عليهما، ولا حد.
* النوع السادس من أنواع النقص: الصغر.
فالصغير يخفف عنه، والأوامر بالنسبة إلى الصغير تنقسم إلى أقسام:
стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
١ - العبادات البدنية المحضة: كالصلاة، والصيام، والوضوء، والغسل لا تجب عليه؛ لحديث عائشة ﵂: «رفع القلم عن ثلاثة … »، وتصح منه إذا ميّز، وأجرها له، ولوليه أجر، لقوله تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه).
٢ العبادات المركبة من المال والبدن: كالحج، والعمرة، والجهاد، لا تجب عليه ويصح منه الحج والعمرة مطلقاً ولو كان غير مميز، وله أجره، ولوليه أجر؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قول النبي ﷺ للمرأة التي رفعت إليه صبيا فقالت: ألهذا حج؟، قال: نعم ولك أجر) (١).
٣ العبادات المالية المحضة: كالزكاة، فتجب عليه، ولو كان غير مميز.
٤ الحقوق المالية: كقيم المتلفات، وأروش الجنايات، والنفقات، فتجب عليه مطلقا في ماله، إلا ما يتعلق بأروش الجنايات إذا بلغت ثلث الدية فتجب على عاقلته.
٥ عقوده وفسوخه: لا تصح منه، إلا أنه يستثنى من عقوده ما يلي:
أ الأمور اليسيرة عرفا، فتصح.
ب ما كان مصلحة محضة، كقبول الهبة والوقف ونحو ذلك، فتصح.
ج إذا كان القصد اختباره عند تسليم ماله إليه، فلا بأس أن يؤذن له في بعض التصرفات لينظر رشده.
стр. 209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٦ - الحدود والجنايات: لا تجب عليه، لكن ما يتعلق بأروش الجنايات تقدم الكلام عليها.
* السبب الثامن من أسباب التخفيف: العسر وعموم البلوى.
وهو شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد، كطهارة فم الهرة وسؤرها لكثرة تطوافها.
стр. 210
القاعدة الثالثة
ومنها: قولهم: «لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة»، فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية،
ذكر الشيخ هنا قواعد:
* القاعدة الأولى: قوله: «لا واجب مع العجز».
فالأصل في المأمور أنك تأتي به كله، فإذا لم تستطع أن تأتي به كله، فتأتي بما استطعت منه.
أدلة القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
٢ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).
٣ وفي حديث عمران قال ﷺ : «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢).
ويدخل تحت هذه القاعدة فروع كثيرة، منها:
في الصلاة: يجب على المسلم أن يصلي قائماً، فإذا لم يستطع أن يصلي قائماً فيصلي جالساً ويومئ بالركوع والسجود إذا لم يستطع السجود.
стр. 211
وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد: سقط عنه، وإذا قدر بعضه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه وأمثلتها كثيرة جداً.
وكذلك ما احتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم.
ومنها في زكاة الفطر: يجب على المسلم أن يؤدي صاعاً، فإذا لم يجد إلا نصف صاع فإنه يؤديه.
ومنها في الحج: فالأصل أن الإنسان يحج بماله وبدنه، فإذا لم يستطع أن يحج ببدنه فإنه ينيب من يحج عنه.
قوله: (وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد: سقط عنه).
يسقط الواجب في حالتين:
* الحال الأولى: مع العجز.
ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
* الحال الثانية: حال الحرج والمشقة الظاهرة.
ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قوله: (وإذا قدر بعضه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه) أي: إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه، فتحته أقسام:
الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة؛ فلا يجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على الذهاب إلى المسجد، لكن عجز عن الصلاة مع الجماعة.
стр. 212
والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد: فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة، والمحظورات العارضة، والضرورة تقدر بقدرها، تخفيفاً للشر، فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها.
الثاني: أن يكون المقدور عليه عبادة لو انفرد؛ فيجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على نصف صاع من زكاة الفطر، وجب عليه أن يخرجه.
الثالث: أن يكون غير عبادة لو انفرد، فلا يجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على الصيام إلى نصف النهار فلا يجب عليه الصيام.
* القاعدة الثانية قوله:
(والخبائث أي المحرمات التي حرمها الله إذا اضطر إليها العبد: فلا إثم عليه، فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة أي المستمرة والمحظورات العارضة الطارئة) أي: «لا محرم مع الضرورة».
قوله: (تبيح المحظورات الراتبة) أي: المستمرة: كالميتة والخمر والماء النجس ونحو ذلك.
قوله: (والمحظورات العارضة) أي: الطارئة: أي التي يكون تحريمها عارضاً بسبب.
مثل: محظورات الإحرام، كأن يحتاج لحلق الرأس لجرح مثلاً فله أن يحلق رأسه ويفدي.
والدليل على هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
стр. 213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).
وهذه القاعدة تابعة للقاعدة السابقة: (المشقة تجلب التيسير).
فدل ذلك على أن المحرم تبيحه الضرورة، لكن يشترط لذلك شروط:
* الشرط الأول: أن تكون الضرورة واقعة، فإن كانت منتظرة فإن المحرم لا يباح.
مثال ذلك: إنسان وقع في مخمصة وأصابه الجوع جاز له الأكل من الميتة، أما إذا لم يصبه الجوع، وإنما يخشى الجوع فليس له أن يأكل من الميتة.
* الشرط الثاني: أن لا يكون هناك وسيلة أخرى غير المحرم، فإن كان هناك وسيلة مباحة فإنه لا يجوز؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
والباغي: هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال.
والعادي: هو الذي يأخذ من الضرورة أكثر من حاجته.
* الشرط الثالث: أن يكون الأخذ من المحرم بقدره، وعبّر عنه بعض العلماء بقوله: «الضرورة تُقَدَّر بقَدْرِها»، فيأخذ من المحرّم بقدر ضرورته.
ودليل ذلك:
قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، والباغي:
стр. 214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يأخذ من الضرورة أكثر من حاجته.
مثال ذلك: نظر الطبيب للمريضة، أو عورة المريض للضرورة؛ لا يبيح النظر مطلقاً، بل بالقدر الذي تندفع به الضرورة.
ومثال ذلك أيضاً: في أكل الميتة، فإنه يأكل منها بقدر ما يمسك حياته، وليس له أن يشبع، لكن كما قال الإمام مالك: له أن يتزيد إن خاف مسغبة.
ومما يقارب هذه القاعدة قاعدة أخرى، وهي قولهم: «ما جاز لعذر بطل بزواله».
ومعناها: أن المحرم إذا أبيح للضرورة، فإنه لا يأخذ صفة الاستمرار بالإباحة، بل متى زالت الضرورة رجع الحكم إلى أصله وهو الحرمة.
ودليل هذه القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣].
٢ وعن عمرو بن العاص ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» (١).
* الشرط الرابع: أن تندفع الضرورة بهذا المحرم، فإذا لم تندفع به فإنه لا يجوز، وإذا شككنا هل تندفع الضرورة بهذا المحرم أو لا؟
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالأصل عدم الحل؛ لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة، واندفاع الضرورة مشكوك فيه، واليقين مُقدم على الشك.
* الشرط الخامس: أن يكون المحظور أنقص من الضرورة.
مثال ذلك: إذا أُجبر إنسان وهُدِّد على أن يقتل إنساناً، فقيل له: اقتل هذا الرجل وإلا قتلناك، ففي هذه الحال لا يجوز أن يقتله؛ لأن هذا المحظور ليس أنقص بل مساوٍ.
مسألة: إذا حصل للإنسان عجز، فله حالتان:
* الحالة الأولى: أن يسقط عنه إلى بدل.
مثاله: عجز عن استعمال الماء، فيسقط عنه إلى التيمم.
ومثال ذلك أيضا: من كان عليه كفارة ظهار، فلم يستطع العتق، فيسقط عنه إلى صيام شهرين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً.
* الحالة الثانية: أن يسقط عنه إلى غير بدل.
مثاله: إذا لم يجد عنده الماء والصعيد، فإنه تسقط عنه الطهارة فيصلي الصلاة في وقتها.
مسألة: الفرق بين الضرورة والحاجة من وجوه:
الوجه الأول: أن الضرورة: ما يضطره الإنسان للمحافظة على نفسه، ومنافعه، وأطرافه.
وقيل: الضرورة حالة تطرأ يخاف معها فوت شيء من مصالح الدين