← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1572

شرح رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة

خالد المشيقح

Полный текст (320 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا موضع خلاف: * القول الأول: ما عليه جمهور الأصوليين: أن الأمر يقتضي الفورية، واستدلوا على ذلك: بأن الله أمر بالمسارعة إلى الخيرات فمن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ومن السنة: حديث أم سلمة ﵂ في قصة الحديبية لما أمر النبي ﷺ الصحابة أن يحلقوا وأن ينحروا ويحلوا فتباطؤوا (١)، فغضب النبي ﷺ فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية. وأيضاً: حديث عائشة في حجة الوداع أن النبي ﷺ أمر الصحابة كل من لم يسق الهدي، أن يجعل إحرامه بالحج عمرة فتباطؤوا فغضب النبي ﷺ ، فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية (٢). ومن حيث اللغة: لو أن السيد أمر رقيقه بأمر فتباطأ فإنه يحسن لومه. * القول الثاني: أنه يجوز التراخي، وبه قال ابن السمعاني والإسفراييني وابن برهان ونسب للشافعي، قال ابن السمعاني: «واعلم أن قولنا: إنه على التراخي، ليس معناه أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل، لكن معناه أنه ليس على التعجيل». واستدلوا على ذلك: بأن النبي ﷺ أخّر الحج إلى السنة العاشرة،

стр. 282

ولا يقتضي الأمر التكرار إلا إذا علق على سبب، فيجب أو يستحب عند وجود سببه. وأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر لم يصلها فوراً وإنما أخرها حتى خرج عن ذلك الوادي. وأجيب عن ذلك: أما تأخير الحج، فإن الحج لم يفرض إلا في السنة التاسعة واحتاج النبي ﷺ أن يؤخره إلى العاشرة؛ لأن مكة فتحت في السنة الثامنة من الهجرة، وبعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاحتاج النبي ﷺ إلى أن يمكث في المدينة في السنة التاسعة لمبايعة الناس على الإسلام واستقبال الوفود، فأراد ألا تخلو المدينة منه، وأقام على الموسم أبا بكر. وأما تأخير صلاة الفجر، فإن النبي ﷺ لم يؤخرها وإنما خرج عن ذلك المكان فقط؛ لأن ذلك المكان حضر فيه الشيطان، ولهذا قال العلماء: يستحب للإنسان إذا نام عن الصلاة في مكان ألا يصلي في ذلك المكان؛ لأنه مكان حضر فيه الشيطان. والصواب في ذلك: هو القول الأول. قوله: (ولا يقتضي الأمر التكرار … ). هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: * الأول: أن يقيد الأمر بما يفيد عدم التكرار، فنقول: بأنه لا يقتضي التكرار.

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من ذلك: قول الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ … ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقد سئل النبي ﷺ عن الحج أكلّ عام يا رسول الله؟ قال ﵊: «الحج مرة» (١). * الثاني: أن يقيد الأمر بما يفيد التكرار، فنقول: بأنه يقتضي التكرار. من ذلك: قول الله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. فكل ما وجدت الجنابة وجب التطهير، وقول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فكل ما حصلت السرقة وجب القطع. الثالث: أن يكون الأمر مطلقاً: فهل يقتضي التكرار؟ فهذا موضع خلاف بين أهل العلم. القول الأول: ما عليه أكثر الأصوليين: أنه لا يقتضي التكرار وقالوا: بأن اللغة تقتضي ذلك فلو أن الأب أمر ولده بأمر ثم نفذ هذا الأمر ولم يعاود الأمر مرة أخرى لا يحسن لومه ولأن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وقياساً للأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم أو نذر أن يصوم بر بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله: طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه فقال: صمت، صدق بصيام يوم واحد. القول الثاني: حكاه ابن القصار عن مالك، ورواية عن أحمد وبه قال أكثر أصحابه، وذهب إليه ابن القيم ﵀: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار،

стр. 284

والأشياء المخير فيها: إن كان للسهولة على المكلف، فهو تخيير رغبة واختيار، وإن كان لمصلحة ما ولي عليه، فهو تخيير يجب تعيين ما ترجحت مصلحته. واستدل على ذلك باستقراء أدلة الشرع، فإنه حسب استقراء أدلة الشرع الأوامر المطلقة تقتضي التكرار مثل: قول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والأقرب: هو القول الأول. ومن ثمرة الخلاف: تكرار الفاتحة إذا فرغ المأموم من قراءتها في الصلاة السرية ولم يركع الإمام. قوله: (والأشياء المخير فيها). ذكر الشيخ في هذه المسألة أن الأشياء المخير فيها نوعان: الأول: أن يكون التخيير مقصوداً به التسهيل على المكلف، فيكون التخيير تخيير رغبة واختيار، كخصال الكفارة من إطعام أو كسوة أو عتق، وكفدية الأذى وهي صيام أو صدقة أو نسك. الثاني: أن يكون المقصود من التخيير مصلحة الغير فهو تخيير يجب فيه ما ترجحت مصلحته. مثل: تخيير ملتقط الحيوان في حول تعريفه بين حفظه والإنفاق عليه ليرجع على صاحبه إذا وجده، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين أكله بعد أن يقومه على نفسه.

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن ذلك: تصرفات ولي اليتيم وناظر الوقف والوصي وغيرهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الوكيل والولي في البيع والشراء، عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله». فسائر ما خير فيه ولاة الأمر من تصرف لغيره بولاية، كناظر الوقف، ووصي اليتيم والوكيل تخيره تخير اجتهاد ونظر وطلب الجواز والأصلح لا تخير شهوة.

стр. 286

فصل في ألفاظ العموم وألفاظ العموم ككل، وجميع، والمفرد المضاف، والنكرة في سياق النهي أو النفي أو الاستفهام أو الشرط، والمعرف بأل الدالة على الجنس أو الاستغراق كلها تقتضي العموم. قوله: (وألفاظ العموم … ). ذكر الشيخ ﵀ هنا مسائل: الأولى: صيغ العموم، وهذه المسائل يبحثها الأصوليون ﵏ في مباحث العام. والعام لغة: الشامل. وفي الاصطلاح: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر. والأصل: العمل بالعام حتى يرد المخصِص. تنبيه: العموم لا يكون في الأفراد فقط، بل يكون في الأحوال، والأوصاف، والأزمنة، والأمكنة. ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. فيها: عموم في الأفراد: أي: اقتلوا كل مشرك.

стр. 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعموم في الأحوال: أي: على كل حال كان. وعموم في الأوصاف: أي: اقتلوه على أي صفة كانت. وعموم في الأزمنة: أي: اقتلوه في كل زمان. وعموم في الأمكنة: أي: اقتلوه في كل مكان. والمنع من قتل بعض المشركين يحتاج إلى دليل يخرج بعض أفراد المشركين، كما أخرج الصبيان والنساء، أو أحوالهم أو أوصافهم أو في زمان أو مكان خاصين؛ إذ كل ذلك خروج عن عموم اللفظ فيحتاج إلى دليل. * مسألة: ومن ألفاظ العموم: لفظ (كل)، قال أبو المعالي الجويني: في كتابه (البرهان): (وهي أقوى ألفاظ العموم في الدلالة على العموم)، وقد صنف تقي الدين السبكي: مصنفاً في (كل) ومشتقاتها، وأطال الكلام حولها، ولخصه العلائي: في (تلقيح الفهوم)، وهي تفيد العموم، سواء كانت مستقلة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أو مؤكِّدة نحو قولك: «اشتريت هذا البيت كله». وكذلك ما يلحق (بكل) فإنه يدل على العموم، مثل: جميع، ومعشر، ومعاشر، وكافة، وعامة. ومن صيغ العموم أيضاً: المفرد المضاف، وبهذا قطع الموفق في الروضة، وجزم به ابن القيم في إعلام الموقعين. ولفظ المفرد يراد به معنيان:

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المعنى الأول: ما يقابل الجملة وشبه الجملة، بحيث يشمل الواحد والمثنى والجمع، فهذا يسمى مفردًا عند النحاة، وليس مراد الأصوليين بلفظ المفرد هذا المعنى. المعنى الثاني: إطلاق لفظ المفرد على ما يقابل المثنى والجمع. مسألة: المضاف إلى معرفة ثلاثة أنواع: * النوع الأول: الجمع، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ف «أولادكم»: جمع مضاف إلى معرفة وهو الكاف فيكون مفيدًا للعموم، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ف «أمهاتكم» جمع مضاف إلى معرفة هو الكاف، فيكون مفيداً للعموم. * النوع الثاني: أسماء الأجناس، وهذه إذا أضيفت إلى معرفة أفادت العموم أيضًا. مثل قولنا: ماء البحر. * النوع الثالث: المفرد الذي ليس بمثنى ولا بجمع، إذا أضيف إلى معرفة هل يفيد العموم؟ مثل قولك: قلم زيد، وسيارة عمرو، فهذا القسم اختلف الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: أن المفرد المضاف إلى معرفة يفيد العموم، وهذا قول: بعض الحنابلة وبعض المالكية.

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واستدلوا عليه: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، قالوا: «نعمة» مفرد وأضيفت إلى معرفة وهو لفظ الجلالة، وهي مفيدة للعموم بالإجماع وبدلالة النص، فيشمل كل نعم الله الدينية والدنيوية. والقول الثاني: أن المفرد المضاف إلى معرفة لا يفيد العموم؛ لأنه لم يقم على إفادة المفرد المضاف إلى معرفة دليل يفيد العموم. وأما قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فنعمة هنا ليست مفردًا، وإنما هي اسم جنس، واسم الجنس خارج عن محل النزاع. ومن ثمرات هذه المسألة: ١ لو قال الرجل: زوجتي طالق، وعنده أربع نسوة، ولم ينو واحدة منهن، فعلى القول الأول: تطلق الأربع جميعاً، وعلى القول الثاني: لا تطلق إلا واحدة، وتعين بالقرعة. ٢ لو قال: رقيقي حر، فهذا مفرد مضاف يعم كل الأرقاء فيعتق عليه جميع الأرقاء على القول الأول، وعلى القول الثاني لا يعم. ٣ لو قال: بيتي وقف، فيشمل جميع بيوته على القول الأول، وعلى القول الثاني لا يعم. تنبيه: المفرد إذا أضيف إلى نكرة لم يفد العموم بالإجماع، مثل: سيارة

стр. 290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رجل، وقلم طالب. ومن ألفاظ العموم: النكرات سواء كانت في سياق النهي أو النفي. النكرة: هي كل ما يدل على واحد غير معين. والنكرات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: النكرة في سياق الإثبات، فهذه تدل على الإطلاق إلا إذا كانت في مجال الامتنان، فإنها تدل على العموم. والمطلق: هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه. مثال ذلك: في كفارة الظهار، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فهذا يشمل كل رقبة: صغيرة أو كبيرة، مؤمنة أو كافرة، ذكر أو أنثى، سليمة من العيوب أو معيبة، فهذا اللفظ مطلق يشمل كل هذه الأشياء، لكن يتناول أمراً واحداً لا بعينه غير محدد. وأيضاً من ذلك: لو قلت: (أكرم رجلاً)، فهذه نكرة في سياق الإثبات فتدل على الإطلاق. أما إذا كانت في معرض الامتنان، فإنها تدل على العموم، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، نكرة في سياق الإثبات، والأصل أنها تكون من باب الإطلاق، وليس من باب العموم، لكن لما كانت في معرض الامتنان كانت مستثناة، فتكون دالة على العموم،

стр. 291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتشمل كل فاكهة، وكل نخل، وكل رمان. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، فيشمل كل ماء؛ لأنها وردت في معرض الامتنان وبيان النعمة. القسم الثاني: أن ترد النكرة بعد النفي، أو النهي، أو الاستفهام، أو الشرط، فإنها تدل على العموم. فمثال النفي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، فتشمل كل نفس، فتدل على العموم؛ لأنها في سياق النفي. وقوله: ﴿لِنَفْسٍ﴾: أيضاً نكرة ثانية في سياق النفي، فتدل على العموم، وقوله: ﴿شَيْئًا﴾: نكرة ثالثة في سياق النفي فتدل على العموم. كذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فنفى كل رفث، وكل فسوق، وكل جدال. ومثال النهي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص: ٨٨]، فيشمل كل إله. والدليل على إفادة النكرة في سياق النهي العموم: أنها في الحقيقة بمعنى النفي فتأخذ حكمه. ومثال الاستفهام: قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]. وقولك: (أأحد في المسجد؟)، فهذا يشمل كل أحد. ومثال الشرط: قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]،

стр. 292

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نكرة في سياق الشرط، فيشمل كل سوء، وعلى ذلك فإنها تفيد العموم. وكقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]. وقول القائل: من فاز فأعطه جائزة. وتتأكد دلالة النفي على العموم في حالات، منها: ١ إذا كانت النكرة مركبة مع «إلا»، مثل: لا إله إلا الله. ٢ وإذا كانت النكرة مسبوقة ب «من»، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ٣ إذا كانت النكرة مما يختص بالنفي، فلا ترد إلا في أسلوب النفي، مثل: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. أيضاً: من صيغ العموم الأسماء المبهمة، ويدخل في ذلك: أسماء الشرط، والأسماء الموصولة، وأسماء الاستفهام، فهذه كلها تدل على العموم. مثال اسم الشرط: قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الجاثية: ١٥]، (من) اسم شرط يشمل كل من عمل صالحاً، قال العلائي: (اتفق الأصوليون الذين يقولون بالعموم على أن (مَنْ) إذا أتت بمعنى الشرطية والجزاء؛ فإنها تفيد العموم)، و «من» تفيد العموم سواء كانت «من» موصولة أو استفهامية أو شرطية. ومثله «ما» تفيد العموم سواء كانت «ما»: موصولة أو استفهامية أو شرطية.

стр. 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فمثال «ما» الشرطية: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ومثال «ما» الاستفهامية: قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]. ومثال «ما» الموصولة: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩]. ودليل إفادة «ما» للعموم: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، اعترض بعض المشركين على هذا اللفظ بأن عيسى وعزيراً والملائكة يُعبدون، ومع ذلك ليسوا من أهل النار، فقالوا: نرضى بأن نكون معهم، فنزلت الآية مبينة أنهم غير مرادين بالآية السابقة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآيات. وأما «ما» الحرفية: فلا تفيد العموم: سواء كانت نافية: كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. أو كانت مصدرية: قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. أو كانت «ما» زائدة: تكف «إن» عن العمل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فهذه

стр. 294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لا يستفاد منها العموم. ومثال الاسم الموصول الدال على العموم: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، يشمل كل من جاء بالصدق. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، عام يشمل كل من جاهد. وأيضاً: قول النبي ﷺ في حديث أم سلمة ﵂: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (١)، فقوله ﵇: «الذي يشرب»: يشمل كل إنسان يشرب ذكراً كان أو أنثى، فهو لفظ عام إلا إذا ورد ما يقتضي التخصيص. ومثال اسم الاستفهام الدال على العموم: من حضر من الطلاب؟ قوله: (والمعرّف بأل … ). من صيغ العموم: «أل» و «أل» الداخلة على الأسماء ثلاثة أنواع: * النوع الأول: الزائدة، وتكون قبل أسماء الأعلام، مثل: الحارث والعباس، فهذه زائدة ولا يستفاد منها العموم. * النوع الثاني: «أل» العهدية، وهي التي يراد بها إرجاع الكلام إلى معهود مصاحب سابق.

стр. 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثاله: قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥: ١٦]، فالرسول هنا معرف ب «أل»، لكن «أل» هنا للعهد، بمعنى أنه هو الرسول السابق، فهذه لا يستفاد منها العموم. ومثاله: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]، فهنا «أل» في الموطنين المصباح والزجاجة عهدية، فلا يستفاد منها العموم. وقد يكون العهد موجودًا في الذهن وليس موجودًا في الكلام، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ف «أل» في الميتة عهدية، فلا يستفاد منها العموم. * النوع الثالث: «أل» الجنسية، وهي التي يراد بها الجنس، فهذه هي التي يستفاد بها العموم، ومن علامة عموم اللفظ: إبداله ب «كل»، أو دخولها عليه واستقامة المعنى. وهي على ثلاثة أنواع: ١ الداخلة على الجمع، مثل: المؤمنون، المسلمون، الرجال. ٢ «أل» الداخلة على أسماء الأجناس، مثل الماء.

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٣ - «أل» الداخلة على الأسماء المفردة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وكقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ف «أل» هنا دخلت على اسم مفرد وهي جنسية، فتفيد العموم. والدليل على إفادة هذا النوع للعموم: ١ صحة الاستثناء منه، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٢ - ٣]، فدل ذلك على أن لفظ الإنسان عام، وإلا ما صح الاستثناء منه. ٢ صحة وصفه بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، فالطفل معرف ب «أل» الجنسية، فتكون مفيدة للعموم؛ بدلالة وصفها بالاسم الموصول «الذين». وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده

стр. 297

والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ورسوله» (١). فدل ذلك أن لفظ «الصالحين» يفيد العموم، بتفسير النبي ﷺ لذلك بالعام. وقد بنى الفقهاء مسائل كثيرة على عموم اللفظ المحلى ب «أل»، منها: ١ الأصل في البيع الحل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ٢ الأصل في العقود الحل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أي كل العقود، والمحرم منها مستثنى. فرع: هذه الصيغ نستفيد منها في ألفاظ العاقدين كالموقفين والموصين، وفي ألفاظ المعاملات والتبرعات، فنفهم من ذلك: أن المتلفظ بهذه الألفاظ يحكم عليه أنه أراد العموم إلا لقرينة، أو بينة تمنع من ذلك. قوله: (والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب). * المسألة الثانية: قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: ومعناها: أنه إذا حدثت حادثة فورد في حكمها نص بلفظ عام، فإن العبرة بهذا اللفظ العموم، ولا ينظر إلى السبب الخاص، وتوضيح ذلك: أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات: الأولى: أن يدل دليل على العموم، فيعم إجماعاً. ومن أمثلة ذلك: ما ورد عن ابن مسعود ﵁: أن رجلاً أصاب من

стр. 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: ألي هذا؟ قال: (لجميع أمتي كلهم) (١). الثانية: أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله العام، فيختص بما يشبهها، ولا يعمل به على عمومه. وذلك: كحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من البر الصيام في السفر» (٢)، فإن سببه أنه ﷺ كان في سفر فرأى رجلاً قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» فهذا الحديث عام لعموم البر والصيام، فيدل على انتفاء كل بر عن كل صيام في السفر، لكن لا يؤخذ بعمومه في الأحوال، فيحكم على كل صيام في السفر بأنه ليس من البر، وإنما هو خاص بمن يشبه حال الصحابي الذي قيل الحديث بسببه. والدليل على ذلك: أن رسول الله ﷺ صام في السفر، حيث لا يشق عليه، وهو لا يفعل ما ليس براً. الثالثة: أن لا يدل دليل على التعميم ولا على التخصيص. فجمهور العلماء: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، سواء كان السبب سؤالاً أو واقعة، فيجب العمل بعمومه.

стр. 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ودليل ذلك: ١ أن الصحابة والتابعين استدلوا بالآيات والأحاديث العامة الواردة على أسباب خاصة في عمومها، ولم يقصروها على أسبابها، وذلك كآيات اللعان، والظهار، والسرقة، والمواريث. ٢ أن الحكم إنما يؤخذ من نص الشارع، وهو نص عام فيجب حمله على عمومه. ٣ أن عدول الشارع عن الجواب الخاص إلى العموم دليل على أنه أراد العموم. ونسب إلى الإمام أبي حنيفة، والشافعي وأبي ثور قصر العام على سببه. ومثاله: ما ورد أن قوماً من الصحابة قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ولو توضأنا بما معنا من الماء عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال ﵊: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١). فصيغة العموم، وهي قوله: «هو الطهور ماؤه» تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهر حال الضرورة والاختيار، ولا عبرة بورود السؤال عن شيء خاص وهو الوضوء، ولا بكون السؤال ورد في حال الضرورة، وهو خشية العطش.

стр. 300

ويراد بالخاص العام وعكسه، مع وجود القرائن الدالة على ذلك قوله: (ويراد بالخاص العام وعكسه، مع وجود القرائن الدالة على ذلك). أي يأتي النص الخاص ويراد به العام، إذا وجد قرينة تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] فهذا خاص؛ لأنه خطاب موجه إلى النبي ﷺ ، ولكنه يراد به العام أي عموم الخلق، وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] فخصّ التأفيف بالنهي عنه، والمراد النهي عن جميع أنواع الأذى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (جمهور علماء الأمة أن الله إذا أمر نبيه بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك). ومن الأمثلة أيضاً: قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] فإن الخطاب في هذه الآيات وهي آيات الحجاب وإن كان لأزواج النبي ﷺ فهو عام لجميع نساء الأمة. قوله: (وعكسه) أي يأتي العام ويراد به الخاص بالشرط المذكور، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. فالناس في هذه الآية عام يراد به خصوص المكلفين؛ لأن الشرع والعقل يقضيان بخروج الصبيان والمجانين.

стр. 301

وخطاب الشارع لواحد من الأمة، أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات إلا إذا دل الدليل على الخصوص. وكقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] فهنا لفظان عامان يراد بهما خصوص القادرين، كما ذكر ذلك الشافعي ﵀ وذكر أمثلة أخرى. قوله: (وخطاب الشارع لواحد من الأمة، أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات إلا إذا دل الدليل على الخصوص). أي: أن خطاب الشارع لواحد من الصحابة، يشمل جميع المكلفين، ولا يختص بذلك الصحابي، إلا بدليل يدل على التخصيص. من أمثلة ذلك: قول علي ﵁: (نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد) (١). ومن الأمثلة أيضاً: حديث قيس بن عاصم ﵁: (أنه لما أسلم أمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر) (٢). ودليل هذا التعميم النص والقياس، أما النص فقول النبي ﷺ : «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» (٣). وأما القياس: فإن قياس غير المخاطب على المخاطب بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي.

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد كان الصحابة ﵃ يرجعون في أحكامهم العامة إلى أحكام الرسول ﷺ ، وإن كان بعضها توجه إلى صحابي واحد كحديث عائشة ﵂ لما حاضت صفية ﵂ وفي تفويض المهر إلى قصة بروع بنت واشق ﵂، وفي حكم السكنى للمبتوتة إلى حديث فاطمة بنت قيس ﵂، وفي حد الزاني إلى قصة ماعز ﵁ وغير ذلك. قوله: (أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات). كلام الشارع في قضية جزئية يشمل جميع الجزئيات، وذلك مثل: (نهى عن بيع الغرر) (١)، وقول الصحابي: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجار) (٢)، فهذا يعم كل غرر وكل جار؛ وذلك لأن الصحابي الناقل لذلك عدل ضابط فلا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم، وقد كان الصحابة يحتجون بمثل ذلك دون نكير، وقد رجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج: (نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة) (٣). قوله: (إلا إذا دل دليل على الخصوص). أي: أن ما خوطب به الصحابي لا يختص به إلا إذا دل الدليل على اختصاصه بهذا الحكم، كقوله ﷺ لأبي بردة في الأضحية بالجذع من المعز: «تجزئك ولا تجزئ أحداً بعدك» (٤)، وهذه خصوصية حال لا خصوصية عين، ومثل ذلك تخصيصه ﷺ خزيمة ﵁ بجعل شهادته كشهادتين (٥).

стр. 303

وفعله ﷺ الأصل أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به وإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة: فهو لفسادها، أو نفى بعض ما يلزم فيها: قوله: (وفعله ﷺ الأصل أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به). هذه المسألة تتعلق بأفعال النبي ﷺ ، وقد سبق الكلام عليها، وبيان أقسامها، وذكر هنا أن الأصل التأسي بالنبي ﷺ في أفعاله من العبادات والمعاملات؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فيجب العمل بمقتضى هذه الآية حتى يقوم الدليل المانع من التأسي، وهو الدال على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فهذه الآية تدل على أن الله تعالى أحلّ لنبيه ﷺ أن ينكح التي تهب له نفسها بدون مهر، وأما غيره ﷺ فلابد من المهر والولي والشهود. قوله: (وإذا نفى الشارع … ). هذه المسألة تتعلق ببيان حكم ما نفاه الشارع، فإذا نفى الشارع عبادة أو معاملة، فهو إما لفسادها من أصلها، أو لانتفاء بعض ما يلزم فيها من واجبات أو غيرها. النفي الداخل على المسميات الشرعية له ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: للوجود، وإذا لم تمكن هذه المرتبة فالمرتبة الثانية:

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النفي للصحة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل يصرف هذا النفي إلى الكمال وأنه ليس نفيًا للصحة، فالمرتبة الثالثة: نفي الكمال. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من قال إن النفي للكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يُذم صاحبه فقد صدق، وإن أراد الكمال المستحب فلم يقع في كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ ذلك ولا يجوز أن يقع). فإذا قلت: لا خالق إلا الله فالنفي هنا للوجود، يعني ليس هناك خالق موجود غير الله وإذا قلت: لا صلاة إلا بوضوء، الصلاة الآن موجودة فنقول: النفي هنا للصحة هذا الأصل إلا إذا وجد صارف ولم يوجد صارف. وقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (١) النفي هنا للصحة، وأن النكاح لا يصح إلا بولي إلا إذا وجد صارف ولم يوجد الصارفُ. وقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» (٢) فالنفي هنا ليس للصحة، وإنما هو للكمال لوجود الصارف، وهو أن هذه الصلاة اكتملت شروطها وواجباتها وأركانها، لكن لما وجد شيء يشوّش على الإنسان فالنفي هنا للكمال، فالكمال أن يمتنع الإنسان عن كل ما يشوش عليه صلاته، أما إذا كان هذا التشويش يؤدي إلى الإخلال بشرط أو ركن كالطمأنينة فالنفي يبقى على

стр. 305

فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها. تنعقد العقود وتنفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل. أصله وهو أنه نفي للصحة. كذلك قوله ﷺ : «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» (١) نقول: النفي هنا للصحة؛ لأن الصلاة وجدت فلا يمكن أن يكون للوجود، فمن صلى خلف الصف فصلاته غير صحيحة لقوله ﷺ : «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» إلا إذا وجد صارف، وذلك فيما إذا كان الصف مكتملًا، فإن النفي ليس للصحة. قوله: (فلا تنفى لنفي بعض مستحباتها). أي: أن العمل إذا فُعِل كما أوجبه الله تعالى، فإنه لا يصح نفيه لانتفاء شيء من مستحباته التي ليست بواجبة. وعلى هذا فلا يحكم عليه بالفساد، كما لو ترك المصلي رفع يديه عند تكبيرة الإحرام، أو اقتصر على الذكر مرة واحدة، ونحو ذلك مما يعده الفقهاء من سنن الأقوال والأفعال والله أعلم. قوله: (تنعقد العقود وتنفسخ بكل ما دل على ذلك من قول أو فعل). هذه المسألة تتعلق بالعقود من البيع والإجارة والهبة والنكاح وغير

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ذلك، وكذا ما يتعلق بالفسوخ، كفسخ البيع والإجارة ونحو ذلك. ومعنى هذه القاعدة: أن كل ما يدل على مراد المتعاقدين مما تعارف عليه الناس من لفظ أو فعل أو نحوهما فإنه ينعقد به العقد وهكذا يقال في الفسوخ. ومعلوم أن الألفاظ التي عند العرب ليست هي الألفاظ التي عند غيرهم، ويدخل في ذلك ما تعارف الناس عليه من البيع بالمعاطاة من غير إيجاب ولا قبول عند شراء حوائجهم. وما تقدم معلل بأمرين: الأول: أن الشرع ذكر العقود، وليس لها حد في اللغة أو الشرع، فيرجع إلى العرف. الثاني: أن العقود ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد، بل هي معاملات يُرجع فيها إلى ما تعارف الناس عليه، والله أعلم.

стр. 307

فصل في الاجتهاد والتقليد المسائل قسمان: مجمع عليها، فتحتاج إلى تصور وتصوير، وإلى إقامة الدليل عليها، ثم يحكم عليها بعد التصوير والاستدلال. وقسم فيها خلاف، فتحتاج مع ذلك إلى الجواب عن دليل المنازع. قوله: (المسائل قسمان). ذكر المؤلف ﵀ في خاتمة هذه الرسالة ثلاث مسائل: الأولى: طريقة تقرير الأحكام الشرعية: فإن المسائل قسمان: * القسم الأول: مجمعٌ عليها، وهذه لها ثلاث مراتب: ١ تصور المسألة وتصويرها، والتصور هو: إدراك الشيء من غير أن يحكم عليه بنفي أو إثبات، فتصور المسألة هو إدراكها، وأما تصويرها فهو: حصر ضوابطها، أو وصفها للغير وصفاً واضحاً. ٢ إقامة الدليل عليها: وهو الاستدلال على المسألة من كتاب أو سنة؛ لأن الإجماع والقياس لابد أن يستندا إلى دليل. ٣ الحكم عليها وهذه ثمرة الاستدلال. مثال ذلك: نفقة الزوجة، فلابد من تصوير المسألة المعروضة على المفتي؛ ليعرف مقدار ما يجب من النفقة؛ لأن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة

стр. 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والأمكنة، والنظر إلى حال الزوجين يساراً وإعساراً، فإذا تقرر ذلك عند المفتي، استدل عليه بمثل قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. وقول النبي ﷺ : «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١). وقد نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على وجوب نفقة الزوجة على زوجها مالم تكن ناشزاً، وبناء على هذه الأدلة يذكر المفتي وجوب نفقة الزوجة على زوجها، ويرجع في تقدير ذلك إلى العرف في ذلك البلد الذي منه السائل. * القسم الثاني: المسائل التي فيها خلاف. ونحتاج فيها إلى أربع مراتب، المراتب الثلاث السابقة، ونزيد عليها مرتبة رابعة وهي الجواب عن دليل المنازع؛ لأنه بعد تصوير المسألة والاستدلال عليها وبيان حكمها، يبقى دليل المخالف موهناً لدليله وترجيح أحد القولين لابد فيه من الجواب عن دليل المنازع ليظهر ضعفه وقوة دليل المستدل. ومثال ذلك: أنه يجوز اختلاف نية الإمام والمأموم. وتصوير المسألة: مثاله: ما لو دخل إنسان المسجد والإمام يصلي التراويح فله أن يصلي العشاء خلفه، فإذا سلم الإمام قام وأتم صلاته، ودليل ذلك: ما ورد عن جابر أن معاذاً ﵄ «كان يصلي مع رسول الله ﷺ

стр. 309

وهذا في حق المجتهد والمستدل، وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (١). كما يدل على ذلك: أن رسول الله ﷺ صلى بالطائفة الثانية صلاة الخوف وهي له نافلة، فإنه صلى بالطائفة الأولى ثم سلم، ثم صلى بطائفة أخرى ثم سلم. واستدل المخالف بحديث «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (٢). والقول الأول أرجح لقوة دليله، وأما دليل المنازع فله جوابان: الأول: أنه محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة؛ لأن الرسول ﷺ فسره بذلك كما في تمام الحديث: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا». الثاني: سلمنا أنه عام في اختلاف النيات والأفعال الظاهرة، لكنه مخصوص بمثل حديث جابر المذكور والله أعلم. قوله: (وهذا في حق المجتهد والمستدل). أي: أن هذا المسلك في بناء الحكم الشرعي هو وظيفة المجتهد، وهو الفقيه الذي له القدرة على استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. وكذا المستدل: وهو من يطلب الدليل على حكم شرعي. قوله: (وأما المقلد فوظيفته السؤال لأهل العلم). كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

стр. 310

والتقليد: قبول قول الغير من غير دليل والطرق الدالة على من يصلح للفتوى ثلاث: الأول: الاشتهار، فمن اشتهر بالعلم والدين، فإنه يستفتى. الثاني: إخبار العدل أن فلاناً يستفتى. الثالث: الانتصاب للفتوى. قوله: (والتقليد: قبول قول الغير من غير دليل). التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به. وأما في الاصطلاح: اتباع قول الغير من غير معرفة دليله. حكم التقليد: جائز في العامة الذين لا قدرة لهم على الأدلة والاستنباط، وهو قول الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ولإجماع الصحابة على إفتاء العوام إذا سألوا، وعلى أن فرض الجاهل سؤال العالم. ومنع من التقليد في الفروع ابن حزم والشوكاني؛ لأن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، وقصدوا بهذا أن القول المقلد فيه لا حجة عليه إلا قول المجتهد أو فعله. ولا يفهم من هذا أنهم يمنعون العامة من سؤال العلماء، فإن هذا مجمع عليه لا ينكره أحد، ولكنهم لا يسمونه تقليداً إذا كان العالم أفتى بقول بناء على الدليل. وقد أوجب ابن حزم على العامي أن يسأل المفتي عن دليله، فلا يقبل

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فتواه إلا إذا ذكر له الدليل، أو قال له: إن هذا حكم الله ﷻ . والتقليد يشترط له شروط: الأول: أن يكون جاهلاً عاجزاً عن معرفة حكم الله وحكم رسوله ﷺ . الثاني: أن يقلد من عرف بالعلم والاجتهاد ممن يكون أهلاً للدين والصلاح. الثالث: ألا يخالف التقليد الإجماع أو النص الصحيح الصريح. الرابع: ألا يتبين له الحق. الخامس: ألا يلتزم مذهباً معيناً بل عليه أن يتحرّى في كل مسألة وأن يقلد فيها. ومخالفة هذه الشروط يترتب عليها ما يسمى بالتقليد المذموم. مسألة: حكم التمذهب. الجمهور على الجواز؛ لأنه إذا جاز لغير المجتهد تقليد من شاء من العلماء جاز له أن يختار منهم واحدا فيقلده دون غيره؛ لثقته في علمه وعدالته وورعه. وقيل: لا يجوز؛ إذ لم يكن معروفاً في صدر الإسلام، وأنه يؤدي إلى التعصب وترك الحق. وأجيب: بعدم التسليم، فإن المفتين في الصدر الأول لم تكن لهم مذاهب معروفة في جميع مسائل الفقه، وهذا جعل المقلدين يسألون من وجدوه حين تعرض لهم المسألة.

стр. 312

فالقادر على الاستدلال عليه الاجتهاد والاستدلال، والعاجز عن ذلك عليه التقليد والسؤال، والصواب في ذلك: أنه لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين، لكن يجوز له أن يتمذهب بشرطين: الأول: إذا لم يستطع أن يتعلم دينه إلا بالتزام مذهب معين، فيجوز له أن يتمذهب. الثاني: أن يترتب على عدم التمذهب بمذهبٍ معين فساد عظيم لا يتمكن دفعه إلا بذلك. وإذا تمذهب بمذهب معين فعليه أن يراعي الأمور الآتية: الأولى: ألا يتخذ ذلك دعوة يدعو إليها، يوالي ويعادي من أجلها. الثاني: ألا يعتقد أنه يجب على جميع الناس اتباع شخص بعينه. الثالث: أن يعتقد أن هذا الإمام الذي تابعه ليس له من الطاعة إلا أنه مبلغٌ عن الله ورسوله وليس له الطاعة المطلقة. الرابع: أن يحترز عن الوقوع في أخطاء بعض المتمذهبين، مثل: التعصب والتفرق والانتصار بالأحاديث الضعيفة والإعراض عن الوحي (١). قوله: (فالقادر على الاستدلال عليه الاجتهاد والاستدلال): أي أن الناس صنفان: * الأول: قادر على الاستدلال، والمراد به: المجتهد، وفي جوازه

стр. 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تقليده لغيره قولان: القول الأول: لا يجوز له التقليد وهو مذهب الجمهور؛ لحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١)، فإن رأي المجتهد الآخر مما يرتاب فيه المجتهد. القول الثاني: لا يجوز له التقليد إلا إذا ضاق الوقت وحضر وقت العمل، ولم ينظر أو لم يتبين له فيها رأي، وهو مذهب ابن سريج، واختاره ابن تيمية. ودليله: أنه إذا لم يتمكن من النظر لضيق الوقت، أو نظر فلم يظهر له حكم معين يكون بمنزلة العامي؛ إذ لا يمكنه التوقف إلى الأبد، فيجوز له أن يقلد حينئذ للضرورة. * الثاني: العاجز عن الاستدلال فهذا عليه أن يسأل أهل العلم، أو يقلد غيره من أهل العلم. مسألة: إذا كان في البلد مجتهدان أو مجتهدون، فهل للعامي أن يتخير أو ليس له أن يتخير؟ الرأي الأول: يجب عليه أن يسأل أوثق العالمين علماً وورعاً، كما أنه في مرضه البدني يجب عليه أن ينظر إلى أوثق الطبيبين. الرأي الثاني: أنه لا يجب عليه أن يتحرّى، وإنما له أن يتخير؛ أخذاً

стр. 314

كما ذكر الله الأمرين في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. مما عليه الحال وقت الصحابة والتابعين، فإنهم كانوا يسألون المفضول فيفتيهم، ولا يأمرهم بسؤال الفاضل، وقد أفتى ابن عباس وابن عمر في حياة الخلفاء الأربعة ﵃ أجمعين. والصواب في هذه المسألة: أنه ليس له أن يتخير؛ فيبحث عن الأفضل منهم، كما يجتهد العالم في الأخذ بالأقوى من الدليلين المتعارضين، ولأن المفتين كثروا والناس يتفاوتون في العلم. مسألة: إذا تساوى عنده عالمان في الدين والعلم، فهل له أن يتخير من أقوالهم، أو يأخذ بالأشد؟ الرأي الأول: أن له أن يتخير من أقوالهم. الرأي الثاني: أنه يأخذ بالأشد، وهذا قول الظاهرية. والأقرب: أنه يتخير من أقوالهم. وقوله: (كما ذكر الله الأمرين في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]). المراد بالأمرين أن القادر يجتهد لقوله: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، وأن العاجز يقلد، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ والله أعلم. مسألة: تتبع الرخص. يقصد بتتبع الرخص: الأخذ بأخف الأقوال في المسائل الخلافية.

стр. 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا العمل قد يحصل من مجتهد أو مقلد. وقد أجازه بعض العلماء، وقيل: بمنعه؛ لأن فرض المقلد سؤال أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ولأن تتبع الرخص يؤدي إلى التحلل من ربقة التكاليف الشرعية، وهو عمل بالهوى بدون دليل، ولهذا قال بعض العلماء: من تتبع الرخص فقد تزندق. مسائل تتعلق بالاجتهاد: * الأولى: الاجتهاد في اللغة: بذل الجهد واستفراغ الوسع لإدراك أمر شاق. وأما في الاصطلاح: فهو بذل الوسع بالنظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية. * الثانية: شروط الاجتهاد: يشترط له شروط: الأول: أن يكون المجتهد عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة وأصول الفقه ويكفي القدر اللازم لاستنباط الأحكام بأن يكون عارفاً بدلالات الألفاظ، خبيراً بما يصح من الأساليب وما لا يصح، وأن يكون عارفاً بمراتب الأدلة، وطرق الجمع بينها، وطرق الترجيح عند التعارض.

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثاني: أن يكون عالماً بأحوال الرجال لكي يعلم المقبول من غيره، وعارفاً بالناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع. الثالث: أن يكون عارفاً بالآيات والأحاديث الواردة في الأحكام. الرابع: أن يستند في اجتهاده إلى دليل. الخامس: أن يبذل جهده قدر المستطاع. السادس: ألا تكون المسألة منصوصاً عليها أو في معنى المنصوص. السابع: أن تكون من النوازل أو مما يمكن وقوعه والحاجة إليه ماسة. الثامنة: أن يكون عارفاً بالواقعة مدركاً لأحوالها. * الثالثة: تجزؤ الاجتهاد: عند جمهور العلماء من حصَّل الشروط العامة له أن يجتهد في المسألة المستقلة، إذا أحاط بأدلتها، وقدر على النظر فيها، ولو لم يستطع الاجتهاد في مسألة أخرى لقصوره عن الإحاطة بأدلتها؛ لأن أكثر العلماء كانوا يتوقفون في بعض المسائل، مما يدل على أنهم لم يحيطوا بأدلتها، ويفتون في غيرها لإحاطتهم بأدلتها. وذهب بعض العلماء: إلى أن الاجتهاد لا يتجزأ، ومن لم يحط بأدلة الفقه على الوجه الذي ذكرناه في شروط الاجتهاد ليس له أن يجتهد في باب أو مسألة لأن مسائل الفقه متصل بعضها ببعض كسلسلة متصلة الحلقات،

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولا يمكن أن يحيط بأدلة مسألة ما لم يحط بأدلة المسائل الأخرى. * الرابعة: تجديد الاجتهاد. المقصود بتجديد الاجتهاد: إعادة النظر في حكم الواقعة، لتجدد وقوعها أو السؤال عنها، واختلفوا في ذلك على أقوال: القول الأول: يجب عليه تجديد الاجتهاد إذا وجد ما يستدعي إعادة النظر في المسألة، كتغير العرف في مسألة مبنية على العرف، أو وجود نص يخالف ما أفتى به سابقاً في الصور الثلاث كلها، وهو مذهب أكثر الحنفية والحنابلة. وحجتهم: أنه إذا لم ينظر في المسألة الجديدة يكون مقلداً لنفسه. وأيضاً فإن الاجتهاد كثيراً ما يتغير بمعاودة النظر، فلا يأمن أن يكون الحق في غير ما أفتى به أولا. القول الثاني: عدم وجوب إعادة النظر. وهو قول بعض الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. وحجتهم: أن الأصل عدم تغير الاجتهاد، فيجوز البناء عليه. وأيضاً فإنه لو أمر بتجديد الاجتهاد لكان إيجاباً من غير دليل. والقول الثالث: أنه إن كان ذاكراً لطريق اجتهاده السابق فلا يجب عليه معاودة النظر، وإن كان ناسياً وجب عليه معاودة الاجتهاد والنظر، وهو قول

стр. 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المحققين من الأصوليين. دليله: أن المجتهد إذا كان ذاكراً لدليله السابق، ولم يظهر له ما يعارضه، فهو باق على اجتهاده السابق، ولا يجب عليه تجديد البحث؛ لأنه لا موجب له. وأما إذا نسي دليله السابق فإنه لو حكم بما حكم به أولاً من غير نظر كان كالمقلد؛ لأنه أخذ قولاً لا يعرف دليله، والمجتهد لا يجوز له أن يقنع بالتقليد مع قدرته على النظر والاجتهاد. * الخامسة: قاعدة: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد إلا إذا خالف نصاً صريحاً من كتاب أو سنة، أو خالف إجماعاً صريحاً ثابتاً. * السادسة: هل يلزم المجتهد إخبار من أفتاه بتغير اجتهاده؟ اختلف العلماء في ذلك، والأكثر على أنه لا يلزمه ذلك. وقيل: يلزمه إن لم يتصل به العمل وأمكنه ذلك من غير مشقة. وهو أرجح؛ لأنه من النصح لعامة المسلمين. * السابعة: لا ينكر تغير الفتوى بتغير الأزمان: نص العز ابن عبد السلام، والقرافي، وابن القيم، وغيرهم على أن الحكم أو الفتوى قد يتغيران في المسألة الواحدة لأجل تغير الأعراف والعادات والأزمان، ونحو ذلك مما له أثر في الحكم. وقد توسع في القاعدة بعض المتأخرين، ولم يقصروها على الأحكام

стр. 319

(والله أعلم، وصلى الله على محمد رسول الله، وآله وصحبه وسلم). التي ترجع إلى العرف والعادة (١). مسألة: المفتي في اللغة: اسم فاعل من الإفتاء وهو الإخبار بالحكم. وفي الاصطلاح: المخبر بحكم الله تعالى لمعرفته بدليله. وحكم إفتاء الناس: فرض كفاية، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والإفتاء من تبيين العلم للناس، وكان على الكفاية لأن المطلوب تحصيل العمل، إذ الأمر روعي فيه العمل لا العامل. وإفتاء الناس من تعليمهم ودلالتهم على الخير وبه تصلح عبادات الناس ومعاملاتهم وتنحل مشكلاتهم، والصحابة ﵃ كانوا يتدافعون الفتيا تورعاً لعلمهم بكثرة من يغنيهم بفتوى الناس. قال ابن القيم: «الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله وسلم مائة ونيف وثلاثون نفساً». ويشترط في المفتي: العلم بآيات الأحكام وأحاديثها وما يتعلق بذلك، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومواقع الإجماع، والعلم بالفقه، وأصوله، وآثار الصحابة. قال ﵀: (والله أعلم، وصلى الله على محمد رسول الله، وآله وصحبه وسلم). في آخر هذه الرسالة المباركة ردَّ المؤلفُ العلمَ إلى الله ،

стр. 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا من خلقه مع الله ، وختم رسالته بالصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وتقدَّم تفسير صلاة الله وسلامه على عبده.