← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 1572

شرح رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة

خالد المشيقح

Полный текст (320 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

القاعدة السادسة ومن ذلك قولهم: «لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها» قوله: «لا تتم الأحكام» الأحكام: جمع حكم. والحكم في اللغة: القضاء والفصل. وهو إضافة شيء إلى شيء أو نفيه عنه. والمراد بالحكم الحكم الشرعي، وتقدم تعريفه عند الكلام على الأحكام التكليفية. قوله: (إلا بوجود شروطها) الشروط: جمع شرط. والشرط في اللغة: إلزام الشيء والتزامه. والشرط في الاصطلاح: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فمثلا: الوضوء شرط لصحة الصلاة، يلزم من عدم الوضوء عدم الصحة لكن لا يلزم من وجود الوضوء أن تصح الصلاة فقد لا يطمئن الإنسان في صلاته، أو قد لا يستقبل القبلة، فقد يوجد الشرط ويتخلف شرط آخر أو ركن أو يوجد مانع. قوله: (وانتفاء موانعها) المانع لغة: اسم فاعل من المنع.

стр. 247

وهذا أصلٌ كبير بُني عليه من مسائل الأحكام وغيرها شيء كبير، فمتى فُقد شرط العبادة أو المعاملة، أو ثبوت الحقوق، لم تصح ولم تثبت، وكذلك إذا وُجد مانعها: لم تصح ولم تنفذ. وشروط العبادات والمعاملات: كل ما تتوقف صحتها عليها، ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي، وبأصل التتبع حصر الفقهاء فرائض العبادات وشروطها وواجباتها وكذلك شروط المعاملات وموانعها. والحصر: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، فيستفاد من حصر الفقهاء شروط الأشياء وأمورها: أن ما عداها لا يثبت له الحكم المذكور. وأما في الاصطلاح: فله تعريفات منها: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كالحيض مع الصلاة فإنه مانع من صحتها. وحاصل كلام المؤلف: أن الحكم الشرعي لا يتم إلا باستكمال شروطه وانتفاء موانعه. والدليل على هذه القاعدة: ١ أن الشارع اشترط اجتماع الشروط وانتفاء الموانع: مثال ذلك: الوقت شرط لصحة الصلاة، قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال عمر ﵁: «ألا وإن الصلاة لها وقت شرطه الله لا تصلح إلا به». ودليل انتفاء المانع في الصلاة: قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذا أحدث حتى يتوضأ» (١). وكذلك في البيوع يشترط أن يكون مالكاً للمعقود عليه، والدليل على ذلك: قوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٢). ودليل انتفاء المانع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ٢ ومن الأدلة على القاعدة: الإجماع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «اتفق على ذلك أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك؛ ولكنهم اختلفوا في تنزيلها على بعض القضايا الشرعية والعقلية». وحكى الاتفاق غير واحد كالغزالي في (المستصفى)، والآمدي في (الإحكام). وهذه القاعدة لابد من مراعاتها عند تنزيل الأحكام الشرعية، سواء أكان تكليفياً، أم وضعياً، حتى في باب العقائد لا يتم الحكم، ولا يترتب الأثر إلا بهذين الأمرين: الأمر الأول: توفر الشروط. الأمر الثاني: انتفاء الموانع.

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أمثلة القاعدة: المثال الأول: في التكفير: فلا يكفر المعين حتى تتوفر الشروط، ومنها: كونه مكلفاً، عالماً بالحكم، مختاراً، وتنتفي الموانع ومنها: التأويل السائغ، والجهل، والإكراه. المثال الثاني: في الوضوء: فإنه لا يتم ولا يترتب عليه أثره، فيرتفع بذلك الحدث وتصح به الصلاة إلا إذا توفرت شروطه، وانتفت موانعه. وشروطه: تكلم عليها العلماء ﵏ منها: الإسلام، والعقل، والتمييز، وإزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، إلى غير ذلك من الشروط الواجب توفرها. والموانع: كما لو توضأ المسلم فتمضمض واستنشق وهو لا يزال يخرج منه الحدث، فإن وضوءه غير صحيح؛ لأن المانع لا يزال باقياً فلا يترتب عليه أثر. المثال الثالث: في الصلاة: فلابد من توفر شروطها وانتفاء موانعها، فلو صلى الإنسان قبل الوقت فصلاته غير صحيحة؛ لتخلف شرط من شروط الصلاة، وكذا لو صلى ولم يستر عورته، أو عليه خبث، أو لم يرفع الحدث، لابد من توفر الشروط التي ذكرها العلماء ﵏. وكذلك لابد من انتفاء الموانع التي تمنع من صحة الصلاة، فلو تنفل تنفلاً مطلقاً في وقت النهي، أو أكل في الصلاة، أو تكلم فيها، فصلاته غير صحيحة؛ لوجود المانع.

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المثال الرابع: في المعاملات: فلو أن شخصاً عَقَدَ عقْد بيع فلا بد من توفر الشروط: كالعلم بالثمن، والعلم بالمثمن، وأن يكون البيع صادراً من مالك أو من يقوم مقامه، وأن يكون العاقد جائز التصرف. وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو باع واشترى بعد أن تضايق وقت المكتوبة فالبيع غير صحيح، أو باع واشترى بعد أذان الجمعة الثاني، فهذا البيع غير صحيح؛ لأن الموانع ليست منتفية. المثال الخامس: في الأنكحة: فلو أن شخصاً عقد على امرأة فلابد من توفر الشروط، وهي: رضا الزوجين، وتعيين الزوجين، والإشهاد، والولي. وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو عقد على امرأة في عدتها، أو وهي مُحْرِمة، أو عقد على امرأة وأختها لازالت في عصمته لم يفارقها بطلاق، أو فسخ، فإن هذا العقد غير صحيح؛ لوجود المانع. المثال السادس: في التبرعات: فإذا وقَّف الإنسان وقفاً، أو تصدق بصدقة، فلابد أن تتوفر الشروط وتنتفي الموانع، وشروط الوقف ذكرها العلماء ﵏، ومنها: أن يكون المسبِّل جائز التبرع، وأن يكون الوقف على بِر، إلى آخر ما ذكر العلماء من الشروط. وكذلك لابد من انتفاء الموانع، فلو وقَّف وعليه ديون، أو تصدق وعليه ديون، فوقفه وصدقته لا تصح؛ لوجود المانع. المثال السابع: في الوصايا، فلابد أن تتوفر الشروط، وتنتفي الموانع، فشروط الوصية التي ذكرها العلماء ﵏، منها: العقل، والتمييز … إلخ.

стр. 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكذلك لابد أن تنتفي الموانع، فلو وصّى بأكثر من الثلث، أو وصى لوارث، فوصيته لا تنفذ إلا بإجازة الورثة، فلابد فيها من توفر الشروط وانتفاء الموانع. المثال الثامن: في الإرث، فقد توجد شروط الإرث ويكون هناك مانع من رق، أو قتل، أو اختلاف دِين. ويمنع الشخص من الميراثِ … واحدة من علل ثلاثِ رق وقتل واختلاف دين … فافهم فليس الشك كاليقين المثال التاسع: من ارتكب أموراً محرمة، فهو أهل لما جاء في النصوص من الوعيد، لكن قد يكون هناك مانع من العقاب، كالتوبة، أو استغفار المؤمنين له، أو المصائب.

стр. 252

القاعدة السابعة (ومن ذلك قولهم: «الحكم يدور مع علته ثبوتاً وعدماً» فالعلل التامة التي يعلم أن الشارع رتب عليها الأحكام، متى وجدت وجد الحكم، ومتى فقدت لم يثبت الحكم). قوله: (الحكم يدور مع علته ثبوتاً وعدماً) الحكم في اللغة: المنع. وأما في الاصطلاح: فهو إثبات أمرٍ لأمر، أو نفيه عنه. والمراد الحكم الشرعي، وقد تقدم. والعلة في اللغة: المرض، سمي المرض علة؛ لأنه يعل البدن، أي يغيره ويخرجه عن طبيعته. قال الفيومي في المصباح: «العلة: هي المرض المشغل». وأما في الاصطلاح: فهي المعنى الذي من أجله شرع الحكم، أي شرع لوجود هذا المعنى فيه، فالإسكار علة تحريم الخمر؛ فإذا وجد الإسكار حرم الشرب. وعرّفها الإمام مالك: بقوله: «هي الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها». وعرّفها الشاطبي: بقوله: «الحِكَمُ والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، أو المفاسد التي تعلقت بها النواهي».

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الباجي في (الحدود)، وبه قطع الآمدي وابن الحاجب ﵏ بأن العلة في الاصطلاح: «هي الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم». مسألة: للناس في حقيقة العلة ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: الأشاعرة يقولون: بأن العلة أمارة على الحكم ولا تؤثر فيه، وهذا بناء على مذهبهم في نفي الأسباب. المذهب الثاني: المعتزلة يقولون: بأن العلة هي الوصف المؤثر بذاته في الحكم، وهذا بناء على قولهم في نفي القدر. المذهب الثالث: أهل السنة والجماعة يقولون: بأن العلة هي الوصف المؤثر في الحكم بجعل الله تعالى، بناء على قولهم بإثبات الأسباب، وإثبات القدر. وهذه القاعدة أغلبية وقد اتفق عليها الفقهاء قاله ابن النجار في (شرح مختصر التحرير)، وبنحوه قال الشاطبي (في الموافقات). ومثالها: ما جاء في الصحيحين قال ﷺ : «إنما نهيتكم من أجل الدَافَّة التي دفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا» (١)، والدَافَّة: هم الأعراب الفقراء الذين دفَّوا والدف نوع من أنواع المشي إلى المدينة وقت عيد الأضحى، فنهى

стр. 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النبي ﷺ الصحابة عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث حتى يتصدقوا على هؤلاء الفقراء. وإنما قيل: إن القاعدة السابقة أغلبية؛ لأن لها استثناءات، وهي ترجع إلى أمور: * أولها: ما كان له يعني الحكم أكثر من علة فإن انتفاء بعض العلل لا يوجب انتفاء الحكم، كالحدث ببول وغائط فإنه يوجب عدم الصلاة حتى يرتفع الحدث، فلو انتفت علة البول فلا يعني جواز مباشرة الصلاة وصحتها؛ لأنه قد توجد علة أخرى تمنع الصلاة وهي الغائط مثلاً. * ثانيها: الحكم الذي بقي مع انتفاء علته، مثل الرَّمَل (١)، فإن العلة انتفت وهي إظهار النشاط للكفار (٢)، وبقي الحكم لفعل النبي ﷺ ذلك في حجة الوداع (٣). * ثالثها: ما كان الحكم مبنياً على علة ظنية، مثل الرخص المتعلقة بالسفر لمظنة المشقة، فإن أحكام الرخص تستمر ولو لم توجد تلك العلة، وهي المشقة؛ لكونها ظنية قاله شيخ الإسلام: في (مجموع الفتاوى). مسألة: الأحكام الشرعية كلها معللة؛ أي: مبنية على أوصاف ومعاني مناسبة

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . للحكم، والعلل في الأحكام الشرعية تنقسم قسمين: * القسم الأول: علل معلومة، وهي تنقسم إلى قسمين كذلك: أ علل منصوصة: نص عليها الشارع. ب علل مستنبطة: لم ينص عليها الشارع. * القسم الثاني: علل غير معلومة، وهي التي يعبر عنها الفقهاء ﵏: (بأن الحكم تعبدي)، يعني غير معلل. واعلم أن العلة من حيث وجود الحكم وعدمه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: * القسم الأول: علة منصوصة، فإذا كانت العلة منصوصة، فإنه يدور الحكم معها، ولذلك أمثلة: المثال الأول: قوله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه» (١)، فقوله: «من أجل أن ذلك يحزنه» هذه علة منصوصة يوجد الحكم معها. فإن تناجى ثلاثة دون الرابع فإنه لا يجوز؛ لأن العلة موجودة الآن (من أجل أن ذلك يحزنه)، وكذلك لو تكلم اثنان بلغة أجنبية دون الثالث وهو لم يفهم ولم يتناجيا، فإنه لا يجوز؛ لأن العلة هنا موجودة (من أجل أن ذلك يحزنه). ولو تناجى صبيان دون رجل كبير جاز؛ لأن ذلك لا يحزنه.

стр. 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المثال الثاني: قول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكلوه ليس السن والظُّفُر» قال: «أما السن فعظم» (١)، فالعلة منصوصة، فلو ذبحت بعظم آخر غير السن فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ علّل فقال: (أما السن فعظم)، فلا يجوز التذكية بسائر العظام؛ لأن النبي ﷺ علل بذلك. * القسم الثاني: أن تكون العلة مستنبطة وهي قريبة، فيدور الحكم معها. مثال ذلك: حديث عائشة في صحيح مسلم قال ﷺ : «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» (٢)، فالعلة في ذلك: هي التشويش وإشغال الذهن، فلو صلى في حر شديد، أو برد شديد فإنه يأخذ نفس الحكم؛ لأن المقصود الإشغال وهو موجود سواء أكان بحضرة طعام، أم وهو يدافعه الأخبثان، أم غير ذلك. وكذلك لو صلى وهناك شيء يلهيه عن صلاته يأخذ نفس الحكم وهو الكراهة. * القسم الثالث: أن تكون العلة مستنبطة، وهي بعيدة، فإنه لا يدور الحكم معها. مثال ذلك: ما ورد في حديث عبادة وحديث أبي سعيد قال ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر

стр. 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء مثلاً بمثل» (١)، فاختلف الفقهاء ﵏ في العلة في الذهب والفضة على أقوال: ذهب الحنابلة ﵏ إلى أن العلة في الذهب والفضة هي الوزن، فيجري الربا في كل الموزونات من ذهب، وفضة، وحديد، ورصاص، ونحاس، وصُفْر، وشعر، وحرير، وقطن، وغير ذلك. فإذا بادلت ذهباً بذهب فلابد أن يكون مثلاً بمثل سواء بسواء، وإذا بادلت فضة بفضة فلابد أن يكون مثلاً بمثل سواء بسواء، وكذلك في بقية الموزونات، الحديد بالحديد، والنحاس بالنحاس، والرصاص بالرصاص، مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، وهذه العلة بعيدة. والصواب: أن العلة في الذهب والفضة ليست الوزن، وإنما هي غلبة الثمنية؛ أي: كون هذه الأشياء ثمناً للمبيعات، أما التعليل بالوزن فضعيف، ولهذا رده ابن القيم: من وجوه، منها: أن الشارع رخص في السلم في الموزونات، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين لما قَدِم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (٢).

стр. 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإذا أسلفت في الوزن فإنك سُتعطي ذهباً موزوناً بحديد موزون، فالشارع جوز في السلّم تأخير القبض، وإذا قلنا: بأن العلة الوزن، فإن ذلك يؤدي إلى إغلاق باب السلم في الموزونات.

стр. 259

القاعدة الثامنة ومن ذلك قولهم: «الأصل في العبادات الحظر إلا ما ورد عن الشارع تشريعه». قوله: «الأصل في العبادات الحظر، إلا ما ورد عن الشارع تشريعه» العبادات: جمع عبادة: وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. أي: الأصل في العبادات الحظر والمنع، فلا يتعبد الإنسان بأي عبادة إلا بعبادة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال شيخ الإسلام: «العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع». دليل القاعدة: ١ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١]. فحصر الله التحليل والتحريم إليه سبحانه وحده. ٢ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨: ١٩].

стр. 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٣ - ومن السنة حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي أن عمله مردود عليه. قال الشاطبي في (الاعتصام) عن هذا الحديث: «وهذا أصل في أن الأصل في العبادات المنع والحظر». وقال أيضاً: «وهذا يعني حديث عائشة عده العلماء ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجه المخالفة لأمره ﵇، ويستوى في ذلك ما كان بدعة أو معصية». ٤ وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (٢). ٥ وحكى شيخ الإسلام: في مجموع الفتاوى اتفاق السلف ﵏ على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع. مسألة: لابد أن تكون العبادة موافقة للشرع في ستة أمور:

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١ - السبب. ٢ الجنس. ٣ القدْر. ٤ الكيفية والهيئة. ٥ المكان. ٦ الزمان. فإن خالفت في أحد هذه الأمور فغير مشروعة. * الأمر الأول: السبب، فعلى هذا لو اتخذ عبادة عند سبب لم يرد به الشرع، فإن هذا لا يصح. مثال ذلك: لو استاك عند دخوله المسجد قياساً على الاستياك عند دخول البيت، فإن هذا لا يصح. فالقاعدة: (أن ما وجد سببه في عهد النبي ﷺ مع وجود المقتضي، وعدم المانع، ولم يكن الترك حقاً لحق الغير ولم يفعله، فتركه هو السنة) فهذا ضابط قاعدة السنة التركية. فالفعل كما يكون سنة، فالترك أيضاً يكون سنة، فكل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله يكون تركه سنة، وبهذا نعلم أن ما يقام من حفل مولد النبي ﷺ أنه بدعة؛ لأن مولد النبي ﷺ وجد سببه في عهده ولم يفعله ﷺ ، ولم يفعله الخلفاء الراشدون. * الأمر الثاني: أن تكون موافقة للشرع في الجنس. وعلى هذا فلو تعبد الإنسان بجنس لم يأتِ به الشرع، فإن هذا بدعة. ولذلك أمثلة: المثال الأول: في الهدي والأضحية، فالشرع جاء بجنس مُعيّن وهي

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بهيمة الأنعام، فكون الإنسان يضحي مثلاً بدجاج، أو بسائر الطيور، فإن هذا بدعة؛ لأن هذا ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله ﷺ . المثال الثاني: في العقيقة، جاءت الشريعة بذبح شاتين للذكر وشاة للأنثى، فلو أن الإنسان عقّ عن ابنه بغزال، فإن هذا جنس لم يأتِ به الشرع. * الأمر الثالث: القَدْر، فلابد أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع في قدرها، وهذه المسألة يقسمها العلماء ﵏ إلى قسمين: ١ أن يكون ما زاد على القدر المشروع لا يتبعّض؛ فهذا بدعة، فلو صلى الظهر خمساً، أو المغرب أربعاً، فإنه جاء بعبادة لم يأتِ بها الشرع فيما يتعلق بالقدْر. ٢ أن يكون ما زاد على القدر المشروع يتبعّض ويمكن فصله، فهذا فيه تفصيل: إن اعتقد أنه من الوارد فإنه بدعة، وإنه لم يعتقد أنه من الوارد، وإنما أراد أن يتعبد به استقلالاً فإن هذا لا بأس به. مثال ذلك: الواجب في زكاة الفطر صاع، فلو أخرج الإنسان صاعين على أن هذه الزيادة صدقة ونافلة، فإن هذا لا بأس به، لكن لو أخرجه على أنه يتقرب به، وأنه زكاة واردة فإن هذا بدعة. ونظير ذلك أيضاً: أن المشروع في دبر كل صلاة أن يسبح الله ويحمده ويكبره تسعاً وتسعين مرة، ثم يقول في تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، فلو زاد على هذا التسبيح: إن اعتقد أنه سنة واردة في هذا الموضع فإنه بدعة،

стр. 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأما إذا زاد على أنه يتنفل بهذه العبادة أحياناً فإنه لا بأس به. * الأمر الرابع: الهيئة والكيفية، فإذا خالفت في ذلك فإنها تكون بدعة. مثال ذلك: لو صلى صلاة خلاف الصلاة المشروعة فإن هذه بدعة، أو صام صياماً أو حجاً خلاف الحج والصوم المشروعين فإن هذا بدعة؛ كما لو قدم السجود على الركوع أو ركع ركوعين أو نحو ذلك، فإن هذا بدعة. * الأمر الخامس: المكان، فإذا خالفت الشرع في مكانها، فإن ذلك بدعة. مثال ذلك: الحج له أمكنة معلومة، فالطواف لا يكون إلا في البيت، فلو طاف في غير البيت فهذا بدعة، وكذلك الوقوف في عرفة ومزدلفة، فهذه أمكنة حدّدها الشارع، وكذلك الاعتكاف لا يكون في غير المسجد. * الأمر السادس: الزمن، فإذا خالفت الشرع في زمانها فإنها تكون بدعة. مثال ذلك: لو أن رجلاً صلى الظهر قبل زوال الشمس، أو صلى الفجر بعد طلوع الشمس، هذا كله خلاف أمر الله، وأمر رسوله ﷺ . وفي هذه القاعدة: رد على المبتدعة مطلقاً، والذين لا يضبطون المصلحة الشرعية التي يجوز للمجتهد أن يعملها، بل يتعدون بها إلى غير مواضعها كالعبادات؛ لأن من شروط الاستصلاح ألا يكون في العبادات. وفي هذه القاعدة: رد على المستحسنة الذين يستحسنون بعقولهم خلاف مقتضيات الشرع، قال الشافعي: «من استحسن فقد شرع».

стр. 264

(والأصل في العادات الإباحة، إلا ما ورد عن الشارع تحريمه)؛ لأن العبادة ما أمر به الشارع أمر إيجاب أو استحباب فما خرج عن ذلك فليس بعبادة، ولأن الله خلق لنا جميع ما على الأرض لننتفع به بجميع أنواع الانتفاعات إلا ما حرمه الشارع علينا. والصحابة كانوا يجتهدون في المسائل التي لا دليل فيها، فيرجعونها إلى ما فهموه من الأصول الثابتة، ولم يحكموا فيها بآرائهم واستحسانهم، بل مرجعهم ضوابط الشرع وأصوله العامة. قوله: (والأصل في العادات الإباحة، إلا ما ورد عن الشارع تحريمه). العادات: جمع عادة، وهي: ما استقر في الأنفس السليمة، والطبائع المستقيمة من المعاملات، سواء كانت معاملة مع النفس، أو مع الخلق. وأما المراد بالعادات: ما لا يتقرب به الإنسان، ويتعبد به، وعرفها شيخ الإسلام: «ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه». ويراد بالإباحة: الإذن في فعل الشيء، وتركه. فعادات الناس الأصل فيها الإباحة، كالأكل والشرب واللباس والنوم. ويدل لذلك: ١ قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فساق الآية مساق الامتنان وغايته الحل والإباحة، كما قال القرطبي ﵀ في تفسيره: أي لكم أن تنتفعوا بكل ما على الأرض. وأطلق الله ولم يقيد ذلك بقيد، فكل ما على هذه الأرض مما

стр. 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يؤكل: تأكلونه، ومما يشرب: تشربونه ومما يلبس: تلبسونه. ٢ قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠]، أي: أن الأرض كلها موضوعة لمصالح الناس من الأكل والشرب واللباس. ٣ ولما روى سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين جُرماً من سأل عن شيء لم يحرم ثم حرم من أجل مسألته» (١). وأما ما حرمه الشارع علينا فهو حرام ولو تعارف الناس عليه. وضابط ذلك: أن كل عرفٍ خالف الشرع فهو مردود، مثل: تعارف الناس في بعض المجتمعات على الاقتراض من المصارف الربوية، أو تعارفهم على منكرات الأفراح، أو أخذ الرشوة، أو لبس الرجال الذهب، ونحو ذلك. مسألة: العادة نوعان: ١ عادة فردية: وهي ما يعتاده الشخص الواحد في شؤونه الخاصة، كعادته في النوم والأكل. ٢ عادة جماعية: وهي ما يعتاده الناس من أفعال وأقوال تنتج عن اتجاه عقلي وتفكير جماعي، فمع استمرار الوقت يصبح عرفاً وعادة للجماعة، مألوفاً سائداً فيهم، قولاً كان أم فعلاً. قال شيخ الإسلام: «وأما العادات فالأصل فيها عدم الحظر، فلا يحظر منها إلا ما حظره الله ».

стр. 266

القاعدة التاسعة ومنها: «إذا وجدت أسباب العبادات والحقوق ثبتت ووجبت إلا إذا قارنها المانع». قوله: (إذا وجدت أسباب … ). هذه القاعدة التاسعة، وهي تتعلق بأحد أقسام الحكم الوضعي، وهو السبب. والأسباب في اللغة: جمع سبب، وهو الطريق الموصل إلى الشيء ومنه الحبل. وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. مثل: دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، ودخول الشهر سبب لوجوب صوم رمضان ونحو ذلك. وهذه القاعدة ليست تكراراً للقاعدة السادسة لأن المانع هنا يراد به مانع السبب، والمانع هناك مانع الحكم. فمانع السبب: هو الوصف الذي يلزم من وجوده عدم تحقق السبب، كالدين في باب الزكاة عند من يقول: إنه مانع وهم الجمهور، فالسبب هو ملك النصاب والحكم هو وجوب الزكاة، فالدين مانع من وجوب الزكاة ولو وجد السبب، لأن تخليص ذمة المدين مما عليه من دين أولى من مواساة الفقراء.

стр. 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومنه أيضاً: القرابة سبب في الإرث؛ لأنها تقتضي النصرة والمودة، فإذا قتل الأخ أخاه صار القتل مانعاً من الإرث؛ لأن وجود القتل يناقض هذه الحكمة، لأنه يعني العقوق والقطيعة، والله أعلم.

стр. 268

القاعدة العاشرة ومنها: «الواجبات تلزم المكلفين»، والتكليف: يكون بالبلوغ والعقل، قوله: (ومنها الواجبات … ). هذه القاعدة العاشرة، وهي تتعلق بمباحث الأحكام وهو بحث المحكوم عليه، والمراد به: الشخص الذي يتعلق به خطاب الشارع وهو المكلف. وقد ذكر الشيخ ﵀ أن الشخص لا يكون صالحاً للتكليف إلا باجتماع وصفين: الأول: البلوغ. الثاني: العقل. والبلوغ يكون بالاحتلام، ويكون بالحيض في النساء، قال ابن بطال: (أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والحيض في النساء هو البلوغ الذي تلزم به العبادات والحدود والاستئذان وغيره). وما عدا ذلك من علامات البلوغ كنبات الشعر الخشن حول القبل، أو البلوغ بالسن، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، وليس عليه أدلة صريحة والله أعلم. قولنا: (البالغ): أخرج بذلك الصغير، فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها، وتقدم مفصلاً في أسباب التخفيف سبب النقص.

стр. 269

والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم، أما (العقل): فقد اتفق العلماء على أنه شرط للتكليف، أما المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما فيه تعدٍّ على غيره أو إفساد، ولو فعل المأمور به لم يصح منه، لعدم قصد الامتثال، وتقدم مفصلاً في أسباب التخفيف سبب النقص. وقد دل على ما ذكرنا قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصَّغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل» (١). وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٢). قوله: (والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم). أي أن ضمان الأشياء المتلفة تجب على المكلفين، وهم البالغون العقلاء وتجب على غيرهم كالصبيان والمجانين، وهذا شامل لإتلاف النفوس المحترمة والأموال فمن أتلف شيئاً من ذلك بغير حق فهو مضمون، سواء كان متعمداً أو جاهلاً أو ناسياً وسواء كان مكلفا أو غير مكلف لأن هذا ليس من خطاب التكليف وإنما هو من باب ربط الأحكام بأسبابها، بمعنى أن الشرع وضع أسباباً تقتضي أحكاماً تترتب عليها، تحقيقاً للعدل في خلقه، ورعاية لمصالح العباد، فمتى وجد السبب كنصاب الزكاة، أو الإتلاف وجب الحكم، وتقدم مفصلاً في أسباب التخفيف سبب النسيان،

стр. 270

فمتى كان الإنسان بالغاً عاقلاً، وجبت عليه العبادات التي وجوبها عام، ووجبت عليه العبادات الخاصة إذا اتصف بصفات من وجبت عليهم بأسبابها، والناسي والجاهل غير مؤاخذين من جهة الإثم؛ والخطأ، والنقص. قوله: (فمتى كان الإنسان بالغاً عاقلاً وجبت عليه العبادات التي وجوبها عام). كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك بالإجماع. قوله: (ووجبت عليه العبادات الخاصة إذا اتصف بصفات من وجبت عليهم بأسبابها). مثال ذلك: صلاة الكسوف على القول بوجوبها، تجب على المكلف إذا وجد سببها وهو كسوف أحد النيرين. وتحية المسجد إذا قيل بوجوبها، تجب إذا وجد سببها وهو دخول المسجد، وهكذا. قوله: (والناسي والجاهل غير مؤاخذين من جهة الإثم). وذلك لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات والناسي والجاهل لا قصد لهما، فلا إثم عليهما، ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). وقد استجاب الله دعاء المؤمنين حين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ

стр. 271

لا من جهة الضمان في المتلفات نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله : «قد فعلت» (١). فلو نسي إنسان صلاة فلا إثم عليه بنسيانه، لكن يجب عليه قضاؤها إذا تذكرها؛ لقول النبي ﷺ : «من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٢). وكذلك لو نسي الصائم فأكل أو شرب فلا إثم عليه، وليتم صومه، لقول النبي ﷺ : «من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» وتقدم مفصلاً في أسباب التخفيف سبب النسيان، والخطأ، والنقص. قوله: (لا من جهة الضمان في المتلفات). ومعنى ذلك أن النسيان والجهل ليس عذراً فيما يتعلق بحقوق المخلوقين، فلو أتلف مال غيره جاهلاً، أو ناسياً فقد وجب عليه الضمان، وتقدم مفصلاً في أسباب التخفيف سبب النسيان، والخطأ، والنقص.

стр. 272

فصل قول الصحابي وحجيته قول الصحابي وهو من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً ومات على الإيمان: إذا اشتهر، ولم ينكر بل أقره الصحابة عليه، فهو إجماع. فإن لم يعرف اشتهاره، ولم يخالفه غيره، فهو حجة على الصحيح. فإن خالفه غيره من الصحابة لم يكن حجةً. قوله: (قول الصحابي … ). قول الصحابي: هو ما صدر عن الصحابي من قول أو فعل أو تقرير ونحو ذلك فيما لا نص فيه من الكتاب والسنة. والصحابي: هو من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك. فذكر قيدين: الأول: أن يكون حال اجتماعه بالنبي ﷺ مؤمناً وهذا يخرج من اجتمع به أو رآه وهو كافر كأبي جهل وغيره، وإن آمن ولم يجتمع به فليس بصحابي كالنجاشي. الثاني: أن يموت على الإيمان، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، ويرى بعضهم أنه لا حاجة له، لأنه قيد اتفاقي، لا يضر خلو التعريف منه، لأن مرادهم ألا يظهر منه ردة، فمن ارتد ورجع فهو صحابي كالأشعث ابن قيس، فإنه ارتد بعد وفاة النبي ﷺ ثم تاب، ومن مات على ردته فليس بصحابي، كعبد الله بن خطل، قتل يوم الفتح، وربيعة بن أمية بن خلف،

стр. 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ارتد في زمن عمر ﵁، ومات على الردة. أفاد المؤلف ﵀ أن قول الصحابي ينقسم إلى قسمين: * الأول: أن يشيع وينتشر ولا يعرف له مخالف: وهذا ما يعرف بالإجماع السكوتي، وسبق الخلاف في ذلك. * الثاني: ألا يشيع وينتشر: يعني الصحابي قال قولاً لكن هذا القول لم يشع ولم ينتشر فهذا تحته أقسام: الأول: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه فهذا حجة عند الأئمة الأربعة لأنه لابد أن يكون سمعه الصحابي من النبي ﷺ ؛ إذ لا اجتهاد في الأمور التي لا تعرف إلا بتوقيف. الثاني: أن يخالف نصاً من القرآن أو السنة فهذا ليس بحجة. الثالث: أن يخالف قول صحابي آخر فهذا ليس حجة ولكن لا يخرج الفقيه عن أقوالهم إلى قول آخر، بل يتخير من أقوالهم ماهو أقرب للدليل، ومن الفقهاء من يستدل بقول الصحابي ولو خالفه غيره إذا رأى رجحانه بقياس أو غيره. الرابع: ما عدا ذلك: هل هو حجة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم: * القول الأول: قول أبي حنيفة ومالك وأحمد وقول الشافعي القديم:

стр. 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنه حجة ودليل ذلك أن الله أثنى على الصحابة، والرسول ﷺ أثنى على صحابته، فقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١). وقال ﵊: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢)، وقال ﵊: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (٣). * القول الثاني: أن الحجة هو قول الخلفاء الراشدين لقول النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (٤). * القول الثالث: أن قول الصحابي ليس حجة، وهذا قول الشافعي في الجديد وقال به الغزالي والجويني وغيرهم. واستدلوا على ذلك: بأن الصحابة ﵃ بشر قد يرد عليهم ما يرد على غيرهم من الخطأ، ولأن الصحابة ﵃ اختلفوا في بعض المسائل: من ذلك: اختلفوا في تيمم الجنب، وفي بيع أمهات الأولاد، وفي إرث الإخوة مع الجد. والصواب في هذه المسألة: هو القول الأول وأن قول الصحابي حجة بالضوابط السابقة.

стр. 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تنبيه: قول الصحابي من الأدلة المختلف فيها، وبقي من الأدلة المختلف فيها كذلك الاستحسان، والمصلحة المرسلة، وشرع من قبلنا، والاستصحاب، وسد الذرائع.

стр. 276

فصل الأمر والنهي (الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده قوله: (الأمر بالشيء … ). هاتان مسألتان: * الأولى: الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده: هذا ينقسم إلى قسمين: الأول: من حيث اللفظ والصيغة فالأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده لفظاً؛ لأن صيغة افعل ليست كصيغة لا تفعل. الثاني: من حيث المعنى: يقول المؤلف ﵀: (بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده)، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٦] فالأمر بإقامة الصلاة نهي عن تركها، والأمر بإيتاء الزكاة نهي عن تركها والأمر بطاعة الرسول ﷺ نهي عن معصيته؛ لأنه لا يمكن الإتيان بالمأمور به إلا بترك ضده، وما لا يتم فعل الواجب إلا بتركه فهو حرام والحرام منهي عنه. * المسألة الثانية: النهي عن الشيء أمر بضده. النهي عن الشيء أمر بضده، إذا لم يكن له إلا ضد واحد أما إن تعددت أضداد المنهي، فالنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده لا كلها؛ لأن الأمر به ليس مقصوداً بذاته، إذ المقصود الامتناع عن المنهي وهذا يتحقق

стр. 277

ويقتضي الفساد إلا إذا دل الدليل على الصحة، بمباشرة أحد أضداده، فالنهي عن الزنا أمر بأحد أضداده وهي كثيرة، ومنها: النكاح، والصوم، والصبر، والتسري. قوله: (ويقتضي الفساد إلا إذا دل الدليل على الصحة). هذه قاعدة: (النهي يقتضي الفساد) والدليل على أن النهي يقتضي الفساد: ١ قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١). ومعناه: أن كل عمل ليس من أمر الإسلام ولا من شرعه فهو مردود على صاحبه. ٢ إجماع الصحابة والتابعين على بطلان البيوع الربوية للنهي عنها. ٣ حديث فضالة بن عبيد في بيع القلادة التي فيها خرز وذهب بذهب وفيه الأمر بردها (٢). هذه المسألة لا تخلو من أحوال: الأولى: أن يتوجه النهي إلى ذات المنهي عنه، إلى ذات العبادة أو ذات العقد، فيقتضي الفساد. من أمثلة ذلك في العبادة: النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فالنهي يعود إلى ذات المنهي عنه فيقتضي الفساد، وأيضاً: النهي عن صوم يوم العيدين، نقول: بأنه يعود إلى ذات المنهي عنه فيقتضي الفساد.

стр. 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومثاله في العقد: قول الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقول الله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ … ﴾ [النساء: ٢٣] وأيضاً: ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها (١). وأيضاً: النبي ﷺ نهى عن بيع الميتة: فهذه الأشياء يعود النهي فيها إلى ذات العقد فيقتضي الفساد. الثانية: أن يتوجه النهي إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجهٍ يختص بها، فيقتضي الفساد. مثال ذلك في شرط العبادة: لو صلى ولم يستر عورته فالنهي هنا يعود إلى شرط العبادة على وجه يختص بها، فيقتضي الفساد. مثال ذلك في شرط العقد: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر والملاقيح والمضامين، وأيضاً: إذا كان الثمن أو المثمن مجهولاً، هنا عاد إلى شرط العقد على وجه يختص به فيقتضي الفساد. الثالث: أن يتوجه النهي إلى شرط العبادة أو المعاملة على وجهٍ لا يختص بها: فهذا موضع خلاف: فالمشهور من المذهب: أنه يقتضي الفساد. والقول الثاني، وهو الصواب: أنه لا يقتضي الفساد.

стр. 279

والأمر بعد الحظر يرده إلى ما كان عليه قبل ذلك، مثال ذلك: النهي عن الوضوء بماء مغصوب أو مسروق، أو التيمم بتراب مغصوب، أو مسروق، أو ستر العورة بثوب محرم، أو صلى في أرض مغصوبة، ونحو ذلك فهنا عاد النهي إلى شرط العبادة على وجهٍ لا يختص بها فنقول: الصواب: أنه لا يقتضي الفساد؛ لأن الشارع لم يقل (لا تصلوا في ثوب مغصوب) أو (لا تتوضؤوا بماء مغصوب أو مسروق)، وإنما نهى عموماً عن السرقة والغصب. الرابع: أن يعود النهي إلى أمر خارج عن العبادة أو العقد فلا يقتضي الفساد. مثال ذلك: لو صلى وعليه عمامة من حرير أو خاتم من ذهب، فهذا أمر خارج لا يتعلق بالشرط ولا بالعبادة فلا يقتضي الفساد. قوله: (والأمر بعد الحظر يرده إلى ما كان عليه قبل ذلك). الأمر بعد الحظر ماذا يفيد؟ هذا موضع خلاف: * القول الأول: وهو قول الشافعي أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة. مثل: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فالأصل في الاصطياد أنه مباح ثم بعد ذلك منع منه، ثم بعد ذلك أذن فيه، فهذا يفيد الإباحة، وقول الله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] فهذا يفيد الإباحة.

стр. 280

والأمر والنهي يقتضيان الفور، * القول الثاني: ذهب إليه جمع من الأصوليين واختاره ابن كثير وهو ما ذهب إليه المؤلف: أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر فإن كان مباحاً فهو مباح، وإن كان مستحباً فهو مستحب، وإن كان واجباً فهو واجب. ومن أمثلة ذلك: في المباح: الصيد قبل الإحرام كان جائزاً، فمنع للإحرام بقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. فيُرجع إلى الإباحة. مثال المستحب: قول النبي ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (١) وزيارة القبور مستحبة ثم بعد ذلك أمر بزيارتها فيعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر وهو الاستحباب. مثال الواجب: قول النبي ﷺ للمستحاضة: «إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (٢)، فالأمر بالصلاة للوجوب؛ لأن الصلاة قبل امتناعها بالحيض واجبة وهذا القول هو الصواب. قوله: (والأمر والنهي يقتضيان الفور). الأمر هل يقتضي الفورية أو لا؟

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا موضع خلاف: * القول الأول: ما عليه جمهور الأصوليين: أن الأمر يقتضي الفورية، واستدلوا على ذلك: بأن الله أمر بالمسارعة إلى الخيرات فمن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ومن السنة: حديث أم سلمة ﵂ في قصة الحديبية لما أمر النبي ﷺ الصحابة أن يحلقوا وأن ينحروا ويحلوا فتباطؤوا (١)، فغضب النبي ﷺ فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية. وأيضاً: حديث عائشة في حجة الوداع أن النبي ﷺ أمر الصحابة كل من لم يسق الهدي، أن يجعل إحرامه بالحج عمرة فتباطؤوا فغضب النبي ﷺ ، فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية (٢). ومن حيث اللغة: لو أن السيد أمر رقيقه بأمر فتباطأ فإنه يحسن لومه. * القول الثاني: أنه يجوز التراخي، وبه قال ابن السمعاني والإسفراييني وابن برهان ونسب للشافعي، قال ابن السمعاني: «واعلم أن قولنا: إنه على التراخي، ليس معناه أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل، لكن معناه أنه ليس على التعجيل». واستدلوا على ذلك: بأن النبي ﷺ أخّر الحج إلى السنة العاشرة،

стр. 282

ولا يقتضي الأمر التكرار إلا إذا علق على سبب، فيجب أو يستحب عند وجود سببه. وأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر لم يصلها فوراً وإنما أخرها حتى خرج عن ذلك الوادي. وأجيب عن ذلك: أما تأخير الحج، فإن الحج لم يفرض إلا في السنة التاسعة واحتاج النبي ﷺ أن يؤخره إلى العاشرة؛ لأن مكة فتحت في السنة الثامنة من الهجرة، وبعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً، فاحتاج النبي ﷺ إلى أن يمكث في المدينة في السنة التاسعة لمبايعة الناس على الإسلام واستقبال الوفود، فأراد ألا تخلو المدينة منه، وأقام على الموسم أبا بكر. وأما تأخير صلاة الفجر، فإن النبي ﷺ لم يؤخرها وإنما خرج عن ذلك المكان فقط؛ لأن ذلك المكان حضر فيه الشيطان، ولهذا قال العلماء: يستحب للإنسان إذا نام عن الصلاة في مكان ألا يصلي في ذلك المكان؛ لأنه مكان حضر فيه الشيطان. والصواب في ذلك: هو القول الأول. قوله: (ولا يقتضي الأمر التكرار … ). هذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: * الأول: أن يقيد الأمر بما يفيد عدم التكرار، فنقول: بأنه لا يقتضي التكرار.

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من ذلك: قول الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ … ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقد سئل النبي ﷺ عن الحج أكلّ عام يا رسول الله؟ قال ﵊: «الحج مرة» (١). * الثاني: أن يقيد الأمر بما يفيد التكرار، فنقول: بأنه يقتضي التكرار. من ذلك: قول الله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. فكل ما وجدت الجنابة وجب التطهير، وقول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فكل ما حصلت السرقة وجب القطع. الثالث: أن يكون الأمر مطلقاً: فهل يقتضي التكرار؟ فهذا موضع خلاف بين أهل العلم. القول الأول: ما عليه أكثر الأصوليين: أنه لا يقتضي التكرار وقالوا: بأن اللغة تقتضي ذلك فلو أن الأب أمر ولده بأمر ثم نفذ هذا الأمر ولم يعاود الأمر مرة أخرى لا يحسن لومه ولأن صيغة الأمر لا تعرض فيها لعدد مرات الفعل، وقياساً للأمر المطلق على اليمين والنذر والوكالة والخبر، فلو حلف أن يصوم أو نذر أن يصوم بر بصيام يوم واحد، ولو قال لوكيله: طلق زوجتي، لم يكن له أكثر من طلقة واحدة، ولو أخبر عن صيامه فقال: صمت، صدق بصيام يوم واحد. القول الثاني: حكاه ابن القصار عن مالك، ورواية عن أحمد وبه قال أكثر أصحابه، وذهب إليه ابن القيم ﵀: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار،

стр. 284

والأشياء المخير فيها: إن كان للسهولة على المكلف، فهو تخيير رغبة واختيار، وإن كان لمصلحة ما ولي عليه، فهو تخيير يجب تعيين ما ترجحت مصلحته. واستدل على ذلك باستقراء أدلة الشرع، فإنه حسب استقراء أدلة الشرع الأوامر المطلقة تقتضي التكرار مثل: قول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والأقرب: هو القول الأول. ومن ثمرة الخلاف: تكرار الفاتحة إذا فرغ المأموم من قراءتها في الصلاة السرية ولم يركع الإمام. قوله: (والأشياء المخير فيها). ذكر الشيخ في هذه المسألة أن الأشياء المخير فيها نوعان: الأول: أن يكون التخيير مقصوداً به التسهيل على المكلف، فيكون التخيير تخيير رغبة واختيار، كخصال الكفارة من إطعام أو كسوة أو عتق، وكفدية الأذى وهي صيام أو صدقة أو نسك. الثاني: أن يكون المقصود من التخيير مصلحة الغير فهو تخيير يجب فيه ما ترجحت مصلحته. مثل: تخيير ملتقط الحيوان في حول تعريفه بين حفظه والإنفاق عليه ليرجع على صاحبه إذا وجده، وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين أكله بعد أن يقومه على نفسه.

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن ذلك: تصرفات ولي اليتيم وناظر الوقف والوصي وغيرهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الوكيل والولي في البيع والشراء، عليه أن يتصرف لموكله ولموليه على الوجه الأصلح له في ماله». فسائر ما خير فيه ولاة الأمر من تصرف لغيره بولاية، كناظر الوقف، ووصي اليتيم والوكيل تخيره تخير اجتهاد ونظر وطلب الجواز والأصلح لا تخير شهوة.
следующие страницы →