بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقمت بحمد الله بشرح رسالة العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، في الأصول، والمسماة ب (رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة)، في عدة دورات في مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية والكويت.
وقد قام الأخ/ خليل بن علي المرشود وفقه الله، بالعناية بالشرح وترتيبه، وتخريج أحاديثه، ثم قمت بمراجعته، وإضافة بعض المسائل.
أسأل الله أن ينفع بها مؤلِّفها، وشارحها، والمستفيد من ذلك، آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
أ. د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح
كلية الشريعة بالقصيم قسم الفقه
١٠ صفر ١٤٣٧ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ابتدأ المؤلف ﵀ رسالته بالبسملة؛ اقتداءً بكتاب الله تعالى فإنه مبدوء بالبسملة، واتباعاً لسنة نبيه ﷺ ، حيث إنه ﵊ كان يبدأ كتبه ومراسلاته بالبسملة.
قوله: (بسم الله):
الباء: حرف جر.
واسم: اسم مجرور، وحذفت منه الألف لفظًا وخطًا، تخفيفًا لكثرة الاستعمال والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف يقدر بما يناسب المقام، وعلى هذا يكون التقدير بسم الله أقرأ.
وقدرنا المتعلق فعلاً؛ لأن الأصل في العمل هو الأفعال، وقدرناه بما يناسب المقام؛ لأنه أدلُّ على المراد، وقدر الفعل مؤخراً؛ تبركاً بالبداءة بسم الله ، ولأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالمعنى: لا أقرأ إلا باسم الله، ولا أتوضأ إلا باسم الله، ولا أذبح إلا باسم الله، وهكذا.
قوله: (الله):
علم على الباري ﷻ ، وهو أعرف المعارف على الإطلاق، الجامع
стр. 3
الحمد لله، نحمده على ما له من الأسماء الحسنى،
لمعاني الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولذا يضاف إليه جميع أسمائه سبحانه، فيقال مثلًا: الرحمن من أسماء الله، ولا يضاف هو إلى شيء من أسمائه سبحانه، فلا يقال: الله من أسماء الرحيم، وهو مشتق من أله يأله إذا عبد، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، فهو دال على صفة له وهي الإلهية.
أصله: الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام باللام فقيل: الله، ومعناها: ذو الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين، وهو من الأسماء التي اختص الله بها نفسه.
قوله: (الرحمن):
أي ذو الرحمة الواسعة، والرحمن من الأسماء التي اختص الله بها نفسه، فلا يسمى بها غيره.
قوله: (الحمد لله):
ابتدأ المؤلف ﵀ خطبته بالحمد لله اقتداء بهدي النبي ﷺ في خطبه؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يبتدئ خطبه الراتبة أو العارضة إلا بالحمد لله كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀.
والحمد في اللغة: الثناء على الله بالصفات الحسنة، والأفعال الجميلة.
وفي الاصطلاح: وصف المحمود بصفات الكمال محبةً وتعظيماً (١).
وقوله: (لله): اللام حرف جر، وهي تفيد معنى الاختصاص والاستحقاق،
стр. 4
والصفات الكاملة العليا، وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين
ولفظ الجلالة مجرور بها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو خبر (الحمد) تقديره: مستحق، أو واجب أو ثابت لله.
ومعنى (الحمد لله): أي أن الحمد المطلق لله وحده، فهو المستحق له المختص به دون سواه، وحمده تعالى هو وصفه بصفات الكمال اللازمة والمتعدية، كمال العظمة وكمال الإحسان والنعمة مع المحبة والتعظيم له والرضا عنه والخضوع له، لأنه المنعم بأكبر النعم وأعظمها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق» (١).
وقوله: «لله» اللام للجنس المفيدة للاستغراق.
فالحمد كله له إما ملكا، وإما استحقاقا، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له.
وأيضا تفيد هذه اللام الاختصاص، فالمستحق للحمد المطلق الكامل هو سبحانه، أما غيره فيحمد على أشياء خاصة.
قوله: (وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون موجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين
стр. 5
والعقاب للمجرمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
والعقاب للمجرمين).
ومعنى ذلك: أن الأحكام من الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
* القسم الأول: أحكام قدرية: وهي ما يجري في هذا الكون مما يتعلق بكل مكوّن وموجود من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والعز والذل والفقر والغنى ونحو ذلك.
* الثاني: أحكام شرعية: وهي ما يتعلق بالمكلفين من الأحكام العلمية والعملية.
* الثالث: أحكام أخروية: وهي ما يتعلق بالدار الآخرة من أحكام الجزاء على الأعمال بالثواب أو العقاب.
قوله: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
قوله: (أشهد): بمعنى أقر موقناً بقلبي ناطقاً بلساني أن لا معبود حق إلا الله، و (أن): مخففة من الثقيلة، و (لا): نافية للجنس، و (إله) اسمها، والخبر محذوف تقديره حق، فيكون المعنى: لا معبود حقٌ إلا الله، ولفظ الجلالة بدل من الخبر المحذوف.
قوله: (وحده): تأكيدٌ للإثبات، إثبات الألوهية لله .
قوله: (لا شريك له): تأكيدٌ لنفي ألوهية من سوى الله .
قوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله): بمعنى أقر موقناً بقلبي
стр. 6
في الأسماء والصفات والعبادة والأحكام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذى بين الحكم والأحكام، ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها، حتى استتم هذا الدين واستقام، اللهم صل وسلم على محمد
ناطقاً بلساني أن محمد بن عبد الله بن هاشم بن عبد المطلب عبد لله ليس له شيء من خصائص الألوهية، ورسوله أي مرسل إلى الثقلين كافة، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في معنى شهادة أنَّ محمدًا رسول الله: «طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع» (١).
قوله: (الذي بيّن الحكم والأحكام، ووضح الحلال والحرام، وأصل الأصول وفصلها حتى استتم هذا الدين واستقام).
الحكم: جمع حكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به.
الأحكام: جمع حكم، ويأتي تعريفه إن شاء الله.
هذا الكلام من المؤلف ﵀ يسميه العلماء ببراعة الاستهلال، وذلك أن يُضمّن المؤلف خطبة كتابه بما يدل على مراده بالتأليف، وهنا يفهم من خطبة المؤلف ﵀: أنه سيكتب في الأصول وقواعد الأحكام والحلال والحرام.
قوله: (اللهم صل وسلم على محمد).
اللهم: أصلها يا الله، حذفت يا النداء، والميم بدل عن الياء، وقال الفراء أصله: يا الله أُمَّنا بخير، فحذف حرف النداء.
стр. 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «صل» قال الأزهري ﵀ في تعريفها: (معناها من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء والتضرع).
والراجح ما قاله أبو العالية ﵀ كما في صحيح البخاري: (الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى) (١).
وقال ابن القيم ﵀ في كتابه جلاء الأفهام: (الصلاة المأمور بها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه، وإظهار شرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه) (٢) فإذا قلنا: اللهم صلِّ على محمد؛ فإننا ندعو الله أن يفعل ذلك بنبيه ﷺ وهو الثناء عليه، وأن يظهر شرفه، ويقربه ويكرمه.
قال ابن القيم ﵀: (وصلاتنا سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك به) (٣) وهذا القول هو الصواب.
وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه جلاء الأفهام في هذه المسألة، وردَّ القول بأن المراد بالصلاة الرحمة، ومما ذكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. فإن الواو تقتضي المغايرة، وعطف الرحمة على الصلاة يدل ذلك على أن الصلاة ليست بمعنى الرحمة، وأيضًا لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختلف
стр. 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء.
قوله: (مع سلام): السلام: اسم مصدر من سلم، ومصدره تسليم، والسلام اسم من أسماء الله كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣].
فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه، والسالم من النقص، ومن كل ما ينافي كماله.
والسلام أيضًا يطلق على التحية، وعلى الأمان، فإذا قلت: (السلام عليك أيها النبي) فأنت تدعو للنبي ﷺ بالسلامة من كل آفة، والدعاء للنبي ﷺ بالسلامة ينقسم قسمين:
القسم الأول: دعاء بالسلامة الحسية.
القسم الثاني: دعاء بالسلامة المعنوية.
أما الدعاء بالسلامة الحسية: ففي حياته: أن يحفظ بدن النبي ﷺ من النقائص والآفات ونحو ذلك، وبعد مماته: بأن يسلمه الله من أهوال يوم القيامة؛ فإن الرسل يجثون على ركبهم من شدة هول ذلك اليوم ويدعون «اللهم سلِّم سلِّم» (١).
وأما الدعاء بالسلامة المعنوية: فهي أن تدعو لسنته وشرعه بالسلامة من تأويل المبطلين وانتحال الغالين.
стр. 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واجتماع الصلاة والسلام يعني الدعاء بالفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، فبالصلاة يحصل الفوز بالمطلوب، وبالسلامة تحصل النجاة من المرهوب.
و (محمد): اسم من أسماء النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
والنبي ﷺ له أسماء:
١ محمد كما ذكره المؤلِّف ﵀.
٢ أحمد كما قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
٣ الحاشر. ٤ العاقب. ٥ المُقَفِّي.
٦ الماحي. ٧ نبي الرحمة. ٨ نبي التوبة.
لما روى جبير بن مطعم ﵁ قال ﷺ : «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد» (١) متفق عليه.
وروى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٢).
ومحمد على وزن مُفَعَّل سمي بذلك؛ لكثرة محامده ﷺ فإنه ﷺ له
стр. 10
وعلى آله وأصحابه وأتباعه، خصوصاً العلماء الأعلام.
أما بعد؛
محامد فاق بها بقية البشر فهو ﷺ يحمد أكثر وأفضل مما يحمد غيره.
وقوله: (وعلى آله وأصحابه وأتباعه).
اختلف أهل العلم في تفسير آل النبي ﷺ ، والصواب في ذلك أن آل النبي ﷺ هم أتباعه على دينه، إلا إذا دلت القرائن على أن المراد به أقاربه المؤمنون، فإذا قيل: اللهم صل على محمد وآله وأصحابه وأتباعه فإن المراد أقاربه المؤمنون به، وأما إذا قيل: اللهم صل على محمد وآله فإن المراد أتباعه على دينه وهذا هو الصواب.
قوله: (وأصحابه).
الأصحاب: جمع صاحب، والصحابي هو كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً به ومات على ذلك، ولو لم تكن مدة الصحبة طويلة، وهذا من خصائص صحبة النبي ﷺ .
أتباعه: جمع تابع، أي أتباعه على دينه.
قوله: (أما بعد).
(أما): حرف تفصيل مضمنٌ معنى الشرط، ومعناها: مهما يكن من شيء بعد.
(بعد): ظرف مبني على الضم.
والفائدة من هذه الكلمة هي الانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع.
وقيل: بأنه يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب.
стр. 11
فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معاني.
نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جواد كريم.
قوله: (فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه).
المؤلف ﵀ وصف الرسالة بأنها لطيفة، واللطيف من الكلام رقيقه، ثم ذكر ﵀ أن رسالته تميزت بعدد من المميزات:
الأولى: (سهلة الألفاظ).
الثانية: (واضحة المعاني).
الثالثة: (معينة على تعلم الأحكام لكل متأملٍ معاني).
قوله: (نسأل الله أن ينفع بها جامعها، وقارئها إنه جواد كريم).
ختم الشيخ ﵀ خطبة الرسالة بهذا الدعاء الجامع النافع، وهو أن ينفع الله تعالى بهذه الرسالة جامعها وقارئها، وأنا أقول: وشارحها وقارئ شرحها إنه قريبٌ مجيد جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
و (جواد): الجودُ: خلاف البخلِ، ويقال: جاد جوداً.
والجود: المطر الغزيرُ، فالجواد: كثير العطاء.
و (الكريم): الكثير الخير الجواد المنعم المفضل.
стр. 12
فصل
تعريف أصول الفقه
أصول الفقه: هي العلم بأدلة الفقه الكلية.
قوله: (أصول الفقه: هي العلم بأدلة الفقه الكلية).
عرف المؤلف ﵀ أصول الفقه باعتباره علَماً على هذا الفن، والعلماء ﵏ يعرفون أصول الفقه باعتبارين:
* الأول: باعتباره مركباً:
الأصول في اللغة: جمع أصل، وهو الأساس والمعتمد، والأصل ما يبنى عليه غيره أو ما يتفرع منه غيره، وذلك مثل: أساسات الجدران فهي أصول يبنى عليها غيرها، وأصل الشجرة الثابت في الأرض يتفرع منه غيره، والأب وإن علا فهو أصل يتفرع منه غيره.
وأما في الاصطلاح فإن الأصل يطلق على عدَّة إطلاقات:
الأول: الدليل، فيقولون: الأصل في وجوب الصيام قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي الدليل على وجوب الصيام.
الثاني: القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، وكقولهم: الأصل في الأمر الوجوب.
стр. 13
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثالث: المقيس عليه، كقولهم: الخمر أصل النبيذ في التحريم.
الرابع: الراجح، كقولهم: الأصل في الحلي عدم الوجوب، أي الراجح فيها.
والفقه في اللغة: مطلق الفهم، وقيل: بأنه الفهم الدقيق.
وأما في الاصطلاح: فهو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
وقيل: بأنه معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية.
قولهم: (معرفة): يشمل اليقين والظن.
مثال اليقين: معرفة أن الصلوات الخمس واجبة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، ومثال الظن: معرفة أن الوتر سنة مؤكدة.
قولهم: (معرفة الأحكام الشرعية): الأحكام: جمع حكم.
والحكم في اللغة: المنع.
وأما في الاصطلاح: فهو إثبات أمرٍ لأمر، أو نفيه عنه.
* والأحكام يقسمها العلماء ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أحكام شرعية.
القسم الثاني: أحكام عقلية.
القسم الثالث: أحكام عادية.
والحكم الشرعي: هو خطاب الشارع المتعلِّق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
стр. 14
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأحكام الشرعية يقسمها الأصوليون إلى قسمين:
القسم الأول: الأحكام التكليفية.
والحكم التكليفي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
القسم الثاني: الأحكام الوضعية.
والحكم الوضعي: هو خطاب الشارع المتعلّق بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو كونه صحيحًا، أو فاسدًا، أو رخصة، أو عزيمة، أو أداء، أو إعادة، أو قضاء.
والفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية:
أن الحكم التكليفي أمر وطلب، كالأمر بالصلاة، أما الوضعي فهو إخبار.
والحكم التكليفي يشترط فيه: علم المكلف، وقدرته على الفعل، كالصلاة والصيام مثلًا، بخلاف الحكم الوضعي، كالصبي مثلًا فإنه وإن لم يكن مكلفًا فهو يغرم المتلفات.
والحكم العقلي: هو معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عقلًا؛ مثال ذلك: الكل أكبر من الجزء.
والحكم العادي: هو معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عادة، مثال ذلك: الماء مرو، والخبز مشبع، والنار حارة.
وقولهم: (الشرعية): قيد يخرج الأحكام العادية والعقلية، فهذه ليست داخلة في الفقه.
стр. 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولهم: (بأدلتها التفصيلية): قيد يخرج أصول الفقه، فإن أصول الفقه يبحث في أدلة الفقه الإجمالية.
الثاني: باعتباره علماً على هذا الفن:
فإن المؤلف ﵀ قال: (هو العلم بأدلة الفقه الكلية).
وقيل: أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
وقولهم: (أدلة الفقه الكليَّة): احتراز من الأدلة التفصيلية، فإنها شأن الفقيه، وأما في أصول الفقه فتبحث الأدلة على سبيل الإجمال أي كيف يستدل بهذه الأدلة على القواعد العامة، وهذا يشمل الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها:
والأدلة المتفق عليها مثل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
والأدلة المختلف فيها مثل: قول الصحابي، الاستحسان، الاستصحاب، المصالح المرسلة.
وقولهم: (وكيفية الاستفادة منها): أي كيفية استفادة الأحكام الشرعية من الأدلة الإجمالية:
وذلك بمعرفة طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، كدراسة العام والخاص، ومتى يقدم الخاص على العام، والمطلق والمقيد، ومتى يحمل المطلق على المقيد، والمجمل والمبين، وقواعد الأمر والنهي
قولنا: (وحال المستفيد): والمستفيد هو المجتهد، ويدخل في ذلك، وغيرها من القواعد التي تدرس في أصول الفقه.
стр. 16
وذلك: أن الفقه:
إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة،
وإما دلائل يستدل بها على هذه المسائل.
دراسة مباحث التعارض والترجيح، ودراسة أحكام الفتوى والتقليد.
وقد بين هذا التعريف شيئًا من موضوعات أصول الفقه.
١ الأدلة الإجمالية: وهذا يشمل الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها.
٢ دلالات الألفاظ: وهي المباحث اللفظية ذات الأثر ببناء الأحكام على الأدلة واستخراجها منها كالأمر والنهي والعام والخاص وغيرها.
٣ الأحكام التكليفية كالواجب والمندوب، والأحكام الوضعية كالسبب والمانع والشرط.
٤ الاجتهاد والتقليد.
٥ والتعارض والترجيح.
قوله: (وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة).
المسائل: جمع مسألة: وهي ما يبرهن له في العلم.
والأحكام الخمسة يعنى بها الأحكام التكليفية، حيث إن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: أحكام تكليفية: وهي الوجوب، والتحريم، والاستحباب، والكراهة، والإباحة.
стр. 17
فالفقه: هو معرفة المسائل والدلائل.
وهذه الدلائل نوعان:
كلية، تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ونحوهما؛ وهذه هي أصول الفقه.
وأدلة جزئية تفصيلية،
* الثاني: أحكام وضعية: وهي ما يتعلق بالشرط والسبب والمانع ويأتي بيانها إن شاء الله.
قوله: (فالفقه: هو معرفة المسائل والدلائل).
عرف المؤلف ﵀ الفقه في الاصطلاح بتعريف مختصر ومفيد فقال: «معرفة المسائل والدلائل» ويعني بذلك معرفة كل مسألة بدليلها، مثال ذلك: حكم صلاة الوتر سنة مؤكدة، ودليل ذلك قول عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر إحدى عشرة ركعة. رواه مسلم (١).
قوله: (وهذه الدلائل نوعان: كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم ونحوهما، وهذه هي أصول الفقه.
وأدلة جزئية تفصيلية).
أي أنّ الدلائل التي يقوم عليها الفقه نوعان:
стр. 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الأول: أدلة كلية:
وهي القواعد العامة التي تضمنها أصول الفقه كقولنا: إن الأصل في الأمر الوجوب حتى تصرفه قرينة إلى غيره، والنهي للتحريم حتى تصرفه قرينة إلى غيره، والعام شامل لجميع أفراده حتى يثبت تخصيصه، ويعمل بالمطلق حتى يثبت تقييده وغير ذلك من الأدلة الكلية العامة والتي تشمل كل الأبواب.
* الثاني: أدلة جزئية:
وهي كل دليل يختص بمسألة معينة كقوله تعالى: «وأقيموا الصلاة» فهو يختص بوجوب إقامة الصلاة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ فهو يختص بحرمة الزنى، وقوله ﷺ : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (١) يختص باستحباب السواك، وهذه الأدلة التفصيلية تحتاج إلى أن تبنى على الأدلة الكلية كما سيأتي.
وقد دل كلام الشيخ ﵀ على أن الفقه يقوم على الأدلة الكلية التي هي القواعد الأصولية، وعلى الأدلة الجزئية، والتي هي: الكتاب والسنة وما يستند إليهما من الإجماع والقياس، وهو بهذا يؤكد على أن الفقه يحتاج إلى الأدلة الكلية، وأن الفقه لابد أن يؤسس على القواعد الأصولية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً» (٢) ويقول:
стр. 19
تفتقر إلى أن تبنى على الأدلة الكلية، فإذا تمت حكم على الأحكام بها.
فالأحكام مضطرة إلى أدلَّتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرَّة إلى الأدلَّة الكليَّة. وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه، وهي أساس النظرة والاجتهاد في الأحكام.
«الفقه لا يكون فقهاً إلا من المجتهد المستدل» (٣).
قوله: (فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية).
هذا توضيح لما سبق، فإن أي حكم شرعي لابد له من دليل يدل عليه وهو الدليل التفصيلي، وهذا الدليل التفصيلي مفتقر إلى الدليل الكلي في أصول الفقه، إذ لا يتم الاستدلال والاستنباط إلا بواسطته.
مثال ذلك: الحكم الشرعي: وجوب صلاة الجماعة.
دليلها التفصيلي: قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فهذا الدليل التفصيلي يدل على وجوب صلاة الجماعة بناء على الدليل الكلي، وهو القاعدة الأصولية: الأمر المطلق المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب.
قوله: (وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه، وهي أساس النظرة والاجتهاد في الأحكام).
ذكر المؤلف ﵀ فائدة من فوائد معرفة أصول الفقه وهذه الفائدة بينها بقوله: «الأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة
стр. 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الأدلة الكلية».
وهناك فوائد أخرى تبين أهمية دراسة أصول الفقه منها:
* الأولى: ضبط أصول الاستدلال ببيان الأدلة الصحيحة من غيرها.
* الثانية: بيان الوجه الصحيح للاستدلال، فقد يستدل أحدهم بدليل صحيح لكن على غير وجهه فينتج عن ذلك خطأً في الحكم والنتيجة، بينما دراسة أصول الفقه تضبط الوجه الصحيح للاستدلال.
* الثالثة: تيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة والنوازل ما يناسبها من الأحكام الشرعية.
* الرابعة: بيان ضوابط الفتوى.
* الخامسة: صيانة الفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة للتشريع لم ترد في الكتاب ولا في السنة.
* السادسة: صيانته من دعوى الجمود المترتب على إغلاق باب الاجتهاد، فيصان الفقه من إيجاد أدلة لم ترد.
* السابعة: الدعوة إلى اتباع الدليل.
تنبيه:
أصول الفقه ليس خاصا بالفقه الذي هو علم الفروع، بل أصول الفقه قواعد في الاستدلال لكل أحكام الشريعة في العقيدة والآداب والأخلاق،
стр. 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتفسير والحديث، وإضافة أصول للفقه ليست إضافة حصر، وإنما من باب التغليب، ولهذا بعض المحققين يسمونه أصول الشريعة، كما فعل ذلك الجصاص والجويني، وسمى الشاطبي كتابه الموافقات في أصول الشريعة، والغزالي سمى كتابه المستصفى من علم الأصول، والسمعاني سمى كتابه قواطع الأدلة في الأصول، والشوكاني سمى كتابه: إرشاد الفحول.
стр. 22
فصل
الأحكام التي يدور عليها الفقه
الأحكام التي يدورُ الفقه عليها خمسة:
الأحكام في اللغة: جمع حكم، ويطلق على معان منها القضاء والفصل والمنع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: لتقضي بما أراك الله، وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص: ٢٦] يعني اقض وافصل بين الناس لكي تمنع عدوان بعضهم على بعض.
وأما في الاصطلاح: فهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
قولنا: (خطاب الشارع) لإخراج الحكم العقلي والحكم العادي.
والحكم العقلي: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه عقلا، وذلك مثل: الكل أكبر من الجزء.
والحكم العادي: هو ما تعرف فيه النسبة عن طريق العادة، وذلك مثل: الخبز مشبع.
وقولنا: (المتعلق بأفعال المكلفين) المكلف هو البالغ العاقل فيخرج بذلك الصبي والمجنون.
وقولنا: (بالاقتضاء) يعني بالطلب، وهذا الطلب على قسمين:
стр. 23
الواجب: الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
* الأول: طلب فعل وهو إما:
على وجه اللزوم ويسمى الواجب.
أو على غير وجه اللزوم ويسمى المستحب.
* الثاني: طلب ترك وهو إما:
على وجه اللزوم ويسمى المحرم.
أو على غير وجه اللزوم ويسمى المكروه.
وقولهم: (أو التخيير) وهو المباح.
وقولهم: (أو الوضع) أي: الحكم الوضعي، ما دل عليه خطاب الشارع بجعل شيء علامة على شيء.
قوله: (الواجب: الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه).
الواجب في اللغة: الساقط واللازم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٢٦] يعني سقطت، وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد ﵁: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (١).
ثم عرفه المؤلف بقوله: «الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه» وهذا تعريف بالحكم وفيه نظر، والتعريف يكون لحقيقة الشيء لا لحكمه، فحكمه وثمرته: الذي يثاب فاعله امتثالاً ويعاقب تاركه استحقاقاً.
стр. 24
والحرام: ضده.
والأحسن في تعريف الواجب أن يقال: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الفعل على وجه اللزوم.
قولنا: (بطلب الفعل) لإخراج المكروه والمحرم؛ لأنهما طلب ترك.
وقولنا: (على وجه اللزوم) لإخراج المستحب؛ لأن المستحب لا على وجه اللزوم.
وأمثلة الواجب كثيرة منها:
الصلاة.
الزكاة.
الصيام.
ويعرف الواجب بألفاظ ودلالات كثيرة منها:
الأمر، والتصريح بالإيجاب مثل: قول النبي ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (١)، والفعل المضارع المقرون بلام الأمر، واسم فعل الأمر، ومنها الجملة الإسمية التي يراد بها الطلب.
وقد يفهم بالفرض والكتب، والوجوب، وبالوعيد على تركه، وبذم تاركه، وبأنه حق على المؤمنين، وبإحباط العمل بتركه وعدم فعله.
وقوله: (والحرام ضده).
الحرام في اللغة: الممنوع.
стр. 25
والمسنون: الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
وضده على تعريف المؤلف للواجب: «الذي يعاقب فاعله ويثاب تاركه»، وتقدم في الواجب أن هذا التعريف فيه نظر.
والأحسن في تعريف الحرام: أن يقال: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الترك على وجه اللزوم.
قولنا: (طلب الترك) لإخراج الواجب والمستحب؛ لأنهما طلب فعل.
وقولنا: (على وجه اللزوم) لإخراج المكروه؛ لأن المكروه طلب للترك لا على وجه اللزوم.
فرع: يعرف المحرم بألفاظ ودلالات منها:
أن ينص الله ورسوله ﷺ على تحريمه، أو بيان أنه محظور أو مكروه أو ممنوع.
ومنها: النهي عنه؛ فإن الأصل في النهي التحريم.
ومنها: أن يأتي الأمر باجتنابه.
ومنها: الوعيد على الفعل بعقوبة، أو ذم فاعله.
قوله: (والمسنون: الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه).
السنة في اللغة: هي الطريقة.
وأما في الاصطلاح فعرفه المؤلف: الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وفيه نظر كما تقدم في تعريف الواجب.
والأحسن أن يقال: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب
стр. 26
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفعل لا على وجه اللزوم.
قولنا: (بطلب الفعل) لإخراج المحرم والمكروه؛ فإن المحرم والمكروه كلاهما طلب ترك.
قولنا: (لا على وجه اللزوم) لإخراج الواجب؛ فإن الواجب طلب فعل على وجه اللزوم.
فرع: ويسمى المندوب والنافلة والتطوع، والرغيبة والفضيلة، قال بعض الأصوليين: هي من باب المترادف، وقال بعضهم: من باب المتباين، وعلى هذا تنقسم ثلاثة أقسام:
١ السنة المؤكدة، أو المندوب المؤكد، وهو ما داوم عليه الرسول ﷺ كالوتر والسنن الرواتب.
٢ مطلق السنة: وهو الذي لم يحفظ أن النبي ﷺ داوم عليه كسنة الضحى.
٣ التطوع، وهو فضائل الأعمال المطلقة التي لم تحد بقدر ولا وقت.
فرع: يعرف المسنون:
بورود الصارف من الوجوب إلى الندب.
ومنها: أن يعقب الأمر بقول لمن شاء.
ومنها: أن يكون الشيء منهيا عنه ثم يؤمر به بعد ذلك.
ومنها: أن يأمر النبي ﷺ بشيء ثم يتركه.
стр. 27
والمكروه ضده
ومنها: فعل النبي ﷺ المجرد تقربا من غير أن يأمر به.
ومنها: الترغيب فيه بذكر ثوابه من غير أمر، وبيان محبة الله للفعل، ومدح فاعله.
قوله: (والمكروه ضده).
المكروه في اللغة: هو المبغض، مأخوذ من الكريهة، وهي شدة الحرب.
وأما في الاصطلاح فعرفه المؤلف بقوله: «ضده» أي ضد المسنون، والمقصود: «الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله» وفيه نظر كما تقدَّم في تعريف الواجب.
والأحسن في تعريف المكروه أن يقال: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بطلب الترك لا على وجه اللزوم.
قولنا: (طلب الترك) لإخراج الواجب والمستحب؛ لأنهما طلب فعل.
وقولنا: (لا على وجه اللزوم) لإخراج المحرم؛ لأن المحرم طلب ترك على وجه اللزوم.
فرع: يعرف المكروه بوجود الصارف من التحريم إلى الكراهة، وأن يترتب على فعل الشيء الحرمان من فضيلة.
مثل: أكل الثوم والبصل، فمن أكلهما ممنوع من دخول المسجد.
فرع: على لسان الشارع يأتي المكروه، ويراد به المحرَّم؛ لأن الله تعالى
стр. 28
والمباح: مستوي الطرفين
ذكر بعض المحرمات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]، وقال ﷺ : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١).
وعند الحنفية يطلق المكروه على شيئين:
١ المكروه كراهة تحريم: وهو ما نهى عنه الشرع نهيا جازما، ولكنه ثبت بطريق ظني، مثل: أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
٢ المكروه كراهة تنزيه: وهو ما نهى عنه الشرع نهيا غير جازم، وهو مرادف للمكروه عند الجمهور.
قوله: (والمباح: مستوي الطرفين).
المباح لغة: المعلن والمأذون، أخذا من الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، وقيل: من باحة الدار، وهي: ساحتها، وفيه معنى السعة.
وقيل في تعريفه: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير.
وقال بعض العلماء: هو ما لا يتعلق بفعله مدح ولا ذم.
فرع: ويعرف المباح بأمور منها:
أنه الأصل، فالأصل في الأعيان من مطاعم وآلات وغيرها الإباحة.
стр. 29
وينقسم الواجب إلى:
فرض عين، يطلب فعله من كل مكلف بالغ عاقل، وهو جمهور أحكام الشريعة الواجبة.
وإلى فرض كفاية، وهو الذي يطلب حصوله وتحصيله من المكلفين، لا من كل واحد بعينه، كتعلم العلوم والصناعات النافعة والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك.
ومنها: دلالة الكتاب والسنة على أنه مباح.
ومنها: أن يكون الحكم مسكوتا عنه.
ومنها: الأمر الوارد بعد الحظر.
ومنها: النص على التخيير بين الفعل والترك.
ومنها: نفي الإثم والمؤاخذة.
قوله: (وينقسم الواجب إلى فرض عين يطلب فعله من كل مكلف بالغ عاقل وهو جمهور أحكام الشريعة الواجبة.
وإلى فرض كفاية وهو الذي يطلب حصوله وتحصيله من المكلفين، لا من كل واحد بعينه، كتعلم العلوم والصناعات النافعة والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك).
أي الواجب له عدة تقسيمات، من هذه التقسيمات ما ذكره المؤلف ﵀ باعتبار الفاعل فإنه ينقسم إلى قسمين:
* الأول: فرض عين: وهو الذي لا تدخله النيابة مع القدرة، بل
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يطلب فعله من كل مكلف بعينه، كالطهارة، والصلوات الخمس، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ونحو ذلك، فما دامت القدرة موجودة وجب على المكلف أن يفعله بنفسه، أما مع عدم القدرة ففي المسألة تفصيل بحسب نوعية العبادة.
وأفاد المؤلف ﵀ بأن فرض العين هو جمهور أحكام الشريعة الواجبة، والمقصود أن فرض العين أكثر من فرض الكفاية في الشريعة الإسلامية وهذا ظاهر.
* الثاني: فرض كفاية: وهو ما يسقطه فعل البعض (فعل من يكفي ولو مع القدرة)؛ لأن المطلوب حصوله وتحصيله من المكلفين، لا من كل واحدٍ بعينه، كتعلم العلوم والصناعات النافعة، والأذان، وتجهيز الميت، والصلاة عليه، ودفنه، والقضاء، والإفتاء، ونحو ذلك.
وقد يكون فرض الكفاية فرض عين، وذلك إذا لم يوجد إلا واحد ممن يتعين عليه الواجب؛ كوجود مغسل واحد للميت ونحو ذلك.
فرع: لم يتكلم المؤلف عن الأحكام الوضعية وهي كما يلي:
* أولاً: السبب:
وهو في اللغة: الطريق الموصل إلى الشيء، ومنه سمي الحبل سببا، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].
وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.
مثال ذلك: وقت الصلاة سبب للوجوب، فيلزم من عدم السبب عدم
стр. 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوجوب، ويلزم من وجوده وجود الوجوب.
وقولهم لذاته: أي لذات السبب، لا لأمر خارج عنه، فقد يوجد السبب ولا تجب الصلاة لوجود مانع كالحيض مثلاً.
* ثانيا: الشرط:
وهو في اللغة: إلزام شيء والتزامه.
وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
مثاله: الطهارة شرط لصحة الصلاة، فيلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الطهارة صحة الصلاة ولا عدمها لذات الشرط؛ لأن الطهارة قد تحصل ولا تحصل صلاة، أو تحصل صلاة غير مستوفية لبقية الشروط والأركان.
* ثالثا: المانع:
هو في اللغة بمعنى: الحاجز أو الحائل.
وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.
مثل: الرق مانع من الإرث، فالرق وصف متعلق بشخص هو ابن للميت مثلا، فلولا هذا الوصف لورث من تركته، ولكن لوجود هذا الوصف منع من الإرث، فيكون هذا الوصف مانعا من موانع الإرث.
стр. 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولهم: لذاته: أي ذات المانع، فقد يعدم الرق ولكن يكون الشخص ليس من الوارثين أصلا كالعم مع الابن، أو محجوبا بوارث آخر، كأن يكون الميت له ابن وابن ابن وكلاهما حر غير رقيق، فابن الابن لا يرث مع أنه ليس برقيق؛ لأنه محجوب بالابن.
* رابعا: العلة:
العلة في اللغة: المرض، أو ما اقتضى تغييرا في المحل.
وفي الاصطلاح: «وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطا للحكم».
ومثالها: الإسكار علة لتحريم الخمر، والطعم مع الكيل علة لتحريم التفاضل في بيع البر بالبر والتمر بالتمر وما جرى مجراهما.
* خامسا: الصحة:
الصحة في اللغة: ضد المرض.
وفي الاصطلاح: ترتب الآثار المقصودة من الفعل عليه.
فالآثار المقصودة من فعل العبادة عند الفقهاء هي براءة الذمة وسقوط المطالبة به، وهذه تحصل من الفعل الصحيح للعبادة.
والآثار المقصودة من المعاملة تختلف باختلاف نوعها، فإن كانت بيعا فهي دخول الثمن في ملك البائع، والمبيع في ملك المشتري، وإن كان
стр. 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نكاحا فَحِلُّ الاستمتاع للزوج، وتملُّك الزوجة للصداق.
وقيل في تعريف الصحيح من العبادة: موافقة الفعل لأمر الشارع، سواء أسقط القضاء بالفعل أم لا.
* سادسًا، وسابعًا: الفساد والبطلان:
الفساد في اللغة: ضد الصلاح.
والبطلان: ذهاب الشيء خسرا وهدرا.
وفي الاصطلاح: تخلف الآثار المقصودة من الفعل عنه.
فإن كانت عبادة ففسادها أن لا تبرأ بها الذمة، ولا يحصل بها الثواب، وإن كان عقدا أو نحوه ففساده أن لا يترتب عليه أثره من نقل الملك، أو حل الاستمتاع ونحو ذلك.
والفاسد والباطل عند الجمهور مترادفان وهو: ما لا يترتب عليه أثره، وعند الحنفية الباطل: هو ما لم يشرع بأصله ووصفه كالربا والزنا.
والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه كالبيع بعد النداء الثاني.
مثال آخر للفاسد: العقود الربوية، فإذا باع رشيد من رشيد درهما بدرهمين فالعقد فاسد وليس بباطل.
ومثال آخر للباطل: إذا باعه حملا.
وبين العقدين عندهم فرق:
فإن العقد الفاسد إذا اتصل بالقبض يفيد الملك الخبيث، والباطل لا
стр. 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يفيد شيئا.
والعقد الفاسد يمكن إصلاحه برد الزيادة إذا كانت هي سبب الفساد فيكون الباقي حلالا طيبا، أما الباطل فهو لغو لا فائدة فيه ولا يمكن إصلاحه.
تنبيه:
ووقع مثل ذلك للحنابلة في الحج، والنكاح ففرقوا بين العقد الفاسد والباطل وجعلوا الباطل: ما أجمع العلماء على بطلانه، كالعقد على الزوجة المعتدة، والفاسد: ما اختل شرطه كالنكاح بلا ولي.
والصحة والفساد جعلهما بعض الأصوليين من الأحكام التكليفية، وقالوا: الصحة ليست شيئا زائدا على الاقتضاء والتخيير، بل هي راجعة إلى واحد من الأحكام التكليفية الخمسة.
* * *
стр. 35
وهذه الأحكام الخمسة تتفاوت تفاوتاً كثيراً، بحسب حالها ومراتبها وآثارها:
فما كان مصلحته خالصةً أو راجحةً أمر به الشارع أمر إيجاب أو استحباب.
وما كانت مفسدته خالصةً أو راجحة نهى عنه الشارع نهي تحريم أو كراهة.
فهذا الأصل يحيط بجميع المأمورات والمنهيات.
قوله: (وهذه الأحكام الخمسة … ) إلخ.
المقصود من ذلك بيان أن المأمورات والمنهيات تنقسم إلى أربعة أقسام:
* الأول: أن يكون المأمور به مصلحة خالصة، كالأمر بالتوحيد، والإخلاص، والعدل، والإحسان، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وفعل المعروف ونحو ذلك، فهذا يأمر به الشرع أمر إيجاب أو استحباب، بحسب نوعية المأمور به.
* الثاني: أن يكون المأمور به مصلحته راجحة، وهي التي تخالطها مفسدة ولكن المصلحة فيها غالبة، كالأمر بالجهاد، فإن فيه إعلاء كلمة الله ونصرة دينه مع ما فيه من التعرض للقتل، وهذا يأمر بها الشرع أمر إيجاب أو استحباب؛ لأن العبرة بالغالب ولا ينظر إلى ما فيها من المفسدة؛ لضعف أثرها وغلبة المصلحة عليها.
* الثالث: أن يكون المنهي عنه مفسدة خالصة، وهي التي لا يخالطها مصلحة كالنهي عن الشرك والظلم وعقوق الوالدين، ونحو ذلك مما لا
стр. 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مصلحة فيه، فهذه ينهى عنها الشرع نهي تحريم أو كراهة بحسب المفسدة.
* الرابع: أن يكون المنهي عنه مفسدة راجحة، وهي التي تضمنت مصلحة ولكن جانب المفسدة أغلب، كالنهي عن الخمر والميسر والربا والظلم ونحو ذلك، فإن هذه المذكورات فيها مصالح كسب المال وما يحصل لفاعلها من اللذة ولكن مفاسدها أعظم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] وهذه ينهى عنها الشارع نهى تحريم أو كراهة؛ لأن العبرة بالغالب، ولا ينظر إلى ما فيها من المصلحة؛ لضعف أثرها وغلبة المفسدة عليها.
يقول ابن القيم ﵀: «ولما كانت خاصة العقل النظر فيه إلى العواقب والغايات، كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة، وإن كانت فيه لذة ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته» (١).
* * *
стр. 37
وأما المباحات، فإن الشارع أباحها وأذن فيها، وقد يتوصل بها إلى: الخير فتلحق بالمأمورات، وإلى الشر فتلحق بالمنهيات.
فهذا أصل كبير أن الوسائل لها أحكام المقاصد،
قوله: (وأما المباحات فإن الشارع أباحها وأذن فيها).
المباح قد يكون مطلوب الفعل أو الترك لغيره، لكن لذاته ليس مطلوب الفعل ولا الترك.
وهذا هو النوع الثاني من نوعي المباح وهو الذي صار وسيلة لمأمور به أو منهي عنه، فيكون حكمه حكم ما كان وسيلة إليه، فإن كان المباح يتوصل به إلى الخير فهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب، ويثاب على ذلك بحسب نيته، وإن كان يتوصل به إلى منهي عنه فهو منهي عنه نهي تحريم أو كراهة.
مثال ما كان وسيلة لمأمور به: النوم والأكل حكمهما الإباحة، فإذا كانا وسيلة للتقوي على طاعة الله تعالى أو كسب الرزق صار مستحباً يثاب عليه المكلف.
ومثال ما كان وسيلة لمنهي عنه: بيع المباحات لمن يعمل فيها معصية، كبيع العنب إلى من يتخذه خمراً، والأكل والشرب من الطيبات فإنهما مباحان لكن الإسراف فيهما إلى حد التخمة مكروه، وقد يحرم، واللهو أيضاً مباح في غير محرم فإن أدى إلى تفويت الصلاة أو التعدي على الآخرين صار محرماً.
قوله: (فهذا أصلٌ كبير أن الوسائل لها أحكام المقاصد).
الوسائل: جمع وسيلة: وهي الطريق إلى الشيء.
стр. 38
وبه نعلم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وما يتوقف الحرام عليه فهو حرام، ووسائل المكروه مكروهة).
والمقاصد: جمع مقصد: وهو ما يقصده المكلف من فعل مأمور به أو ترك منهي عنه.
والمعنى: أن ما يثبت للمقصود من حكم، فإنه يثبت مثله للوسيلة الموصلة إليه، فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها، فإن كان تحقيق المقصود واجباً، فإن الأخذ بالوسيلة الموصلة إليه يكون أمراً واجباً.
مثال ذلك: الصلاة من حيث أداؤها مقصد، والمشي إليها وسيلة، وبما أن الصلاة واجبة، فالوسيلة إليها واجبة، ومثله يقال في المندوب وغيره كما سيأتي إن شاء الله.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع حسنة» (١).
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة» (١).
وهذه القاعدة يندرج تحتها أربعة فروع:
* الأول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب.
ما لا يتم الواجب إلا به، كالمشي إلى الصلاة فهو واجب؛ إذ لا تتم صلاة الجماعة في المسجد إلا بالمشي إليها، ومثله السعي إلى الجمعة، والسفر إلى مكة لأداء الحج أو العمرة، وكنقل الأقدام إلى زيارة الوالدين أو صلة الأرحام، وطلب الماء للوضوء، أو شراؤه بثمن المثل أو زيادة لا تضر، أو شراء ثوب لستر العورة ونحو ذلك.
وهذه واجبة بنفس دليل ذلك الواجب، وقد يرد دليل على ما لا يتم الواجب إلا به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
ومن إطلاقات القاعدة أيضاً قولهم: الأمر بالشيء أمرٌ به وبجميع لوازمه وشروطه.
مثال ذلك: أن الأمر بالصلاة أمرٌ بها وبشروطها وبلوازمها، ومن شروط الصلاة الطهارة وستر العورة، وعليه فإنه يلزم الأمر بشراء الماء للوضوء وشراء الثوب لستر العورة.
وأما قولهم: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ إما؛ لأنه خارج
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن قدرة المكلف، كزوال الشمس لإقامة صلاة الظهر، وخروج الهلال لشهر رمضان ونحو ذلك مما هو خارج عن قدرة المكلف واستطاعته.
وإما لعدم الشرط كالاستطاعة في الحج فهي شرط من شروط وجوبه، فلا نقول بأنه يجب على الإنسان أن يحصل المال حتى يكون مستطيعاً لكي يجب عليه الحج.
ومن ذلك أيضاً شرط ملك النصاب في الزكاة فلا نقول للفقير اذهب واجمع المال حتى تملك نصاباً، لكي تجب عليك الزكاة.
* الثاني: ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون: كالسواك والتطيب يوم الجمعة، فإذا توقف تحقيق ذلك على شراء السواك أو الطيب كان ذلك الشراء مسنوناً بمعنى أنه مندوب إليه بواسطة المسنون نفسه، وهكذا يقال في نوافل الصلاة والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك من المسنونات.
* الثالث: ما يتوقف الحرام عليه فهو حرام: ومن ذلك الشرك الأكبر، فكل قولٍ أو فعلٍ يفضي إليه فهو محرم، وكذا الشرك الأصغر ووسائله كالحلف بغير الله تعالى إن لم يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله ونحو ذلك، وكالسعي إلى المعاصي كالزنا والخمر ونحو ذلك، أو الخلوة بالمرأة الأجنبية المفضية إلى الفاحشة ولو في إقراء القرآن أو السفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين.
* الرابع: وسائل المكروه مكروهة: فأكل الثوم مكروه، وشراؤه وسيلة لأكله فيكون مكروهاً.