. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مصلحة فيه، فهذه ينهى عنها الشرع نهي تحريم أو كراهة بحسب المفسدة.
* الرابع: أن يكون المنهي عنه مفسدة راجحة، وهي التي تضمنت مصلحة ولكن جانب المفسدة أغلب، كالنهي عن الخمر والميسر والربا والظلم ونحو ذلك، فإن هذه المذكورات فيها مصالح كسب المال وما يحصل لفاعلها من اللذة ولكن مفاسدها أعظم، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] وهذه ينهى عنها الشارع نهى تحريم أو كراهة؛ لأن العبرة بالغالب، ولا ينظر إلى ما فيها من المصلحة؛ لضعف أثرها وغلبة المفسدة عليها.
يقول ابن القيم ﵀: «ولما كانت خاصة العقل النظر فيه إلى العواقب والغايات، كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة، وإن كانت فيه لذة ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته» (١).
* * *
стр. 37
وأما المباحات، فإن الشارع أباحها وأذن فيها، وقد يتوصل بها إلى: الخير فتلحق بالمأمورات، وإلى الشر فتلحق بالمنهيات.
فهذا أصل كبير أن الوسائل لها أحكام المقاصد،
قوله: (وأما المباحات فإن الشارع أباحها وأذن فيها).
المباح قد يكون مطلوب الفعل أو الترك لغيره، لكن لذاته ليس مطلوب الفعل ولا الترك.
وهذا هو النوع الثاني من نوعي المباح وهو الذي صار وسيلة لمأمور به أو منهي عنه، فيكون حكمه حكم ما كان وسيلة إليه، فإن كان المباح يتوصل به إلى الخير فهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب، ويثاب على ذلك بحسب نيته، وإن كان يتوصل به إلى منهي عنه فهو منهي عنه نهي تحريم أو كراهة.
مثال ما كان وسيلة لمأمور به: النوم والأكل حكمهما الإباحة، فإذا كانا وسيلة للتقوي على طاعة الله تعالى أو كسب الرزق صار مستحباً يثاب عليه المكلف.
ومثال ما كان وسيلة لمنهي عنه: بيع المباحات لمن يعمل فيها معصية، كبيع العنب إلى من يتخذه خمراً، والأكل والشرب من الطيبات فإنهما مباحان لكن الإسراف فيهما إلى حد التخمة مكروه، وقد يحرم، واللهو أيضاً مباح في غير محرم فإن أدى إلى تفويت الصلاة أو التعدي على الآخرين صار محرماً.
قوله: (فهذا أصلٌ كبير أن الوسائل لها أحكام المقاصد).
الوسائل: جمع وسيلة: وهي الطريق إلى الشيء.
стр. 38
وبه نعلم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وما يتوقف الحرام عليه فهو حرام، ووسائل المكروه مكروهة).
والمقاصد: جمع مقصد: وهو ما يقصده المكلف من فعل مأمور به أو ترك منهي عنه.
والمعنى: أن ما يثبت للمقصود من حكم، فإنه يثبت مثله للوسيلة الموصلة إليه، فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها، فإن كان تحقيق المقصود واجباً، فإن الأخذ بالوسيلة الموصلة إليه يكون أمراً واجباً.
مثال ذلك: الصلاة من حيث أداؤها مقصد، والمشي إليها وسيلة، وبما أن الصلاة واجبة، فالوسيلة إليها واجبة، ومثله يقال في المندوب وغيره كما سيأتي إن شاء الله.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع حسنة» (١).
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة» (١).
وهذه القاعدة يندرج تحتها أربعة فروع:
* الأول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب.
ما لا يتم الواجب إلا به، كالمشي إلى الصلاة فهو واجب؛ إذ لا تتم صلاة الجماعة في المسجد إلا بالمشي إليها، ومثله السعي إلى الجمعة، والسفر إلى مكة لأداء الحج أو العمرة، وكنقل الأقدام إلى زيارة الوالدين أو صلة الأرحام، وطلب الماء للوضوء، أو شراؤه بثمن المثل أو زيادة لا تضر، أو شراء ثوب لستر العورة ونحو ذلك.
وهذه واجبة بنفس دليل ذلك الواجب، وقد يرد دليل على ما لا يتم الواجب إلا به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
ومن إطلاقات القاعدة أيضاً قولهم: الأمر بالشيء أمرٌ به وبجميع لوازمه وشروطه.
مثال ذلك: أن الأمر بالصلاة أمرٌ بها وبشروطها وبلوازمها، ومن شروط الصلاة الطهارة وستر العورة، وعليه فإنه يلزم الأمر بشراء الماء للوضوء وشراء الثوب لستر العورة.
وأما قولهم: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب؛ إما؛ لأنه خارج
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن قدرة المكلف، كزوال الشمس لإقامة صلاة الظهر، وخروج الهلال لشهر رمضان ونحو ذلك مما هو خارج عن قدرة المكلف واستطاعته.
وإما لعدم الشرط كالاستطاعة في الحج فهي شرط من شروط وجوبه، فلا نقول بأنه يجب على الإنسان أن يحصل المال حتى يكون مستطيعاً لكي يجب عليه الحج.
ومن ذلك أيضاً شرط ملك النصاب في الزكاة فلا نقول للفقير اذهب واجمع المال حتى تملك نصاباً، لكي تجب عليك الزكاة.
* الثاني: ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون: كالسواك والتطيب يوم الجمعة، فإذا توقف تحقيق ذلك على شراء السواك أو الطيب كان ذلك الشراء مسنوناً بمعنى أنه مندوب إليه بواسطة المسنون نفسه، وهكذا يقال في نوافل الصلاة والصدقة والحج والعمرة ونحو ذلك من المسنونات.
* الثالث: ما يتوقف الحرام عليه فهو حرام: ومن ذلك الشرك الأكبر، فكل قولٍ أو فعلٍ يفضي إليه فهو محرم، وكذا الشرك الأصغر ووسائله كالحلف بغير الله تعالى إن لم يعتقد أن عظمة المحلوف به كعظمة الله ونحو ذلك، وكالسعي إلى المعاصي كالزنا والخمر ونحو ذلك، أو الخلوة بالمرأة الأجنبية المفضية إلى الفاحشة ولو في إقراء القرآن أو السفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين.
* الرابع: وسائل المكروه مكروهة: فأكل الثوم مكروه، وشراؤه وسيلة لأكله فيكون مكروهاً.
стр. 41
(فصل) الأدلة التي يستمد منها الفقه
الأدلة التي يستمد منها الفقه أربعة:
هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لبيان أدلة الأحكام الشرعية إجمالاً، وسيتكلم عن كل واحد منها بشيء من التفصيل.
* تعريف الأدلة:
والأدلة لغة: جمع دليل، وهو ما فيه دلالة وإرشاد إلى أمر من الأمور.
واصطلاحاً: ما يستدل بالنظر الصحيح فيه على حكم شرعي عملي على سبيل القطع أو الظن.
والأدلة تنقسم إلى قسمين:
* الأول: أدلة متفق عليها: وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس.
* الثاني: أدلة مختلف فيها: وهي قول الصحابي والاستحسان والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وإجماع أهل المدينة، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع.
قوله: (الأدلة التي يستمد منها الفقه) أي التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بالمكلفين، وهي الكتاب والسنة والإجماع وهي أدلةٌ نقلية، وأما القياس فهو دليل عقلي؛ لأن مرده إلى النظر والرأي المستند إلى النقل.
стр. 42
الكتاب والسنة، وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون، وانبنى دينهم عليه.
والإجماع والقياس الصحيح، وهما مستندان إلى الكتاب والسنة.
فالفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة.
قوله: (وهما الأصل الذي خوطب به المكلفون) والمراد من ذلك أن الكتاب والسنة هما الأصل في خطاب المكلفين بالأحكام الشرعية، والإجماع والقياس مستندان إليهما؛ لأن الإجماع لابد أن يستند إلى نص، والقياس مسلك اجتهادي في حدود نصوص الكتاب والسنة بضوابط معينة، بل إن الأدلة الثلاثة كلها راجعة إلى القرآن؛ لأن العمل بالسنة إنما دل عليه القرآن، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ولأن السنة جاءت لبيان القرآن وتفسيره وتفصيل ما أُجمل فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
قوله: (فالفقه في أوله إلى آخره لا يخرج عن هذه الأصول الأربعة).
هذا ظاهر حيث إن جميع مسائل الفقه التي يحتاج إليها الناس ويُفتون بها ثابتة بهذه الأدلة الأربعة، ومن استقرأ كلام أهل العلم ﵏ يجد أنهم يستدلون بهذه الأدلة الأربعة التي أشار إليها المؤلف، وكذلك مما عداها مما أشرنا إليه كقول الصحابي والاستحسان وإجماع أهل المدينة والمصالح المرسلة.
стр. 43
وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة: تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح لما فيها من المنافع والمصالح إن كانت مأموراً بها، ومن المضار إن كانت منهياً عنها.
والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء،
قوله: (وأكثر الأحكام المهمة تجتمع عليها الأدلة الأربعة، تدل عليها نصوص الكتاب والسنة، ويجمع عليها العلماء، ويدل عليها القياس الصحيح).
أي أن أكثر الأحكام الشرعية التي لابد للناس من العلم بها، مما يجب عليهم ويحرم ويباح، تجتمع عليها الأدلة الأربعة، لأنها من قبيل المعلوم المقطوع به، وذلك كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والعدل، والصدق، وتحريم الزنا والخمر، والفواحش، والظلم، وعقوق الوالدين وغير ذلك.
قوله: (والقليل من الأحكام يتنازع فيها العلماء).
أي أن الأحكام التي حصل فيها خلاف بين العلماء قليلة بالنسبة للأحكام المهمة التي هي أصول؛ لأن من هذه الأحكام المختلف فيها مسائل مقدرة غير واقعة، ومنها ما هو تفاريع فقهية على بعض الأحكام الأصول، وهذا الاختلاف له أسبابه، كعدم سماع الحديث، أو عدم ثبوته، أو الاختلاف في فهمه، أو كيفية الاستدلال به، أو اعتقاد عدم معارض
стр. 44
وأقربهم إلى الصواب فيها من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة.
للدليل، أو نحو ذلك مما هو معروف في محله.
قوله: (وأقربهم إلى الصواب من أحسن ردها إلى هذه الأصول الأربعة).
أي أن هذه المسائل المختلف فيها لابد لها من دليل، قد يكون هذا الدليل نصاً، وقد يكون استنباطاً، ولهذا قال الشافعي ﵀: «قلّ ما اختلفوا فيه إلا وجدنا فيه عندنا دلالة من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو قياساً عليهما أو على واحد منهما» وأقرب العلماء إلى الصواب في هذه المسائل المختلف فيها من أحسن استنباط حكمها الشرعي من نص أو إجماع أو قياس، ولابد في ذلك من الإحاطة بدلالات الألفاظ وقواعد الاستنباط، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] قال الشيخ السعدي في تفسيره: «أي كتاب الله وسنة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما، أو إيماء أو تنبيه أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عليهما بناء الدين ولا يستقيم الإيمان إلا بهما، فالرد إليهما شرطٌ في الإيمان» (١).
стр. 45
فصل
في الكتاب والسنة ودلالتهما
أما الكتاب: فهو هذا القرآن العظيم، كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد رسول الله ﷺ ليكون من المنذرين،
هذا الفصل عقده المؤلف لبيان معنى الكتاب والسنة وكيفية استنباط الحكم من هذين الدليلين.
قوله: (أما الكتاب فهو القرآن العظيم):
عرف الشيخ ﵀ القرآن وهو أشهر من أن يعرف لكنه تَبِع الأصوليين في ذلك، ولعل في تعريفه إظهار بعض خصائصه التي جعلته المصدر الأول للتشريع في كل زمان ومكان، وهو حجة الله تعالى على جميع البشر، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله تعالى به.
قوله: (كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد رسول الله ﷺ .
شرع المؤلف ﵀ بتعداد خصائص القرآن الكريم، وذكر أن أول خصائص القرآن: أنه كلام الله تعالى حقيقة تكلم به بحرف وصوت مسموعين، وأنه اللفظ والمعنى جميعاً، وأنه المنَزَّل على رسول الله محمد ﷺ ، وقد نزل به جبريل ﵇، وهذا كله دليل على تعظيم هذا الكتاب وشدة
стр. 46
بلسان عربيٍ مبين،
الاهتمام فيه؛ لأنه نزل من الله لا من غيره.
ويخرج بهذا التعريف جميع الكتب التي أنزلت على غير محمد ﷺ كالتوراة والإنجيل والزبور فهي ليست قرآناً؛ لأن القرآن مختص بنبينا ﷺ .
قوله: (بلسان عربيٍ مبين):
هذه الخصيصة الثانية من خصائص القرآن الكريم، وهي أنه نزل باللسان العربي، فحروفه هي الحروف التي تتكلم بها العرب، ليس فيها زيادة حرف واحد، واللسان العربي هو أفضل الألسنة، فقد نزل بلغة من بعث إليهم في ذلك الوقت ولسانهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
* مسألة: هل في القرآن ألفاظٌ أعجمية؟ اختلف أهل العلم ﵏ على قولين:
* القول الأول: وهو رأي الجمهور: إن القرآن ليس فيه ألفاظٌ أعجمية؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] ولسان العرب الذين أرسل إليهم النبي ﷺ هو اللسان العربي.
* القول الثاني: ذهب إليه بعض الأصوليين: وقالوا إن في القرآن ألفاظًا أعجمية مثل: استبرق، مشكاة، سندس، وهذه ليست من لغة العرب، قال تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
стр. 47
للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم،
وأجيب عن ذلك بجوابين:
* الأول: أنه لا يسلم أنها ليست عربية، فإنه إذا لم يعرف عن بعض العرب أنه نطق بها؛ فلا يلزم من ذلك أن يكون الناطق بها غير العرب.
* الثاني: على تسليم أنها ليست عربية، فإن العرب تكلمت بها وعربتها؛ قال الشافعي: «إنه ليس في القرآن لفظٌ ليس عربي».
قوله: (للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم).
أشار الشيخ ﵀ بذلك إلى أن القرآن يشتمل على كل ما يحتاجه الناس، وهو ثلاثة أنواع:
* الأول: أحكام اعتقادية:
وهي المتعلقة بالعقيدة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما يلحق بهذه الأصول ويتفرع عنها.
* الثاني: أحكام أخلاقية سلوكية:
وهي المتعلقة بتهذيب النفس وتزكيتها، كأعمال القلوب ومكارم الأخلاق، وجميل الصفات كالمحبة والخوف والرجاء والصدق والشكر وبر الوالدين وصلة الأرحام والصبر والعفو والإصلاح بين الناس وكف الأذى
стр. 48
وهو المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
والوفاء بالعهد وغير ذلك.
* الثالث: أحكام عملية:
وهي المتعلقة بأفعال المكلفين وهي نوعان:
أ عبادات: وهي ما بين العبد وربه، كالصلاة والزكاة والصيام والحج.
ب معاملات: وهي كل ما يتعلق بتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، كأحكام البيوع والنكاح والطلاق والجنايات والحدود والسياسة الشرعية.
واصطلح العلماء على تسميتها بالمعاملات وليس معنى ذلك خلوها من معنى العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قوله: (وهو المقروء بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور).
ذكر المؤلف ﵀ أربعاً أخرى من خصائص القرآن إضافة إلى ما تقدم وهي:
أنه مقروء بالألسنة بمعنى أنه متعبد بتلاوته في الصلاة وغيرها، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة، قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزَّمل: ٢٠] وقراءته عبادة فيها ثواب عظيم، كما ثبت ذلك في حديث
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، و (لام) حرف، و (ميم) حرف» (١).
مسألة: القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة:
القراءة الصحيحة هي: ما صح سندها، ووافقت اللغة ولو من وجه، ووافقت رسم المصحف العثماني.
والقراءة الشاذة: ما صح سندها ووافقت اللغة ولو من وجه، وخالفت رسم المصحف العثماني.
والمخالفة قد تكون بزيادة كلمة أو تغييرها ونحو ذلك، ومثالها قراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، فكلمة (متتابعات) غير موجودة في المصحف العثماني، ولهذا أطلق عليها بعض العلماء اسم القراءة الشاذة أو الآحادية.
ولما كان رسم المصحف العثماني متواترا، عدوا ما خرج عنه آحادا أو شاذا.
واختلفوا في القراءة الشاذة أو الآحادية هل تجوز القراءة بها في الصلاة؟
* القول الأول: ذهب الجمهور إلى عدم صحة القراءة بها؛ لأنها ليست قرآنا؛ إذ القرآن متواتر وهي ليست متواترة.
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* القول الثاني: وهو إحدى الروايتين عن مالك وإحدى الروايتين عن أحمد واختاره ابن القيم ﵀: صحة القراءة بها في الصلاة إذا صح سندها، واستدل بأن ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما كانوا يقرأون بها ولا يمكن أن نقول ببطلان صلاة هؤلاء وأمثالهم.
حجية القراءة الشاذة:
* القول الأول: أنها حجة، وهو منسوب لأبي حنيفة وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي.
ودليل هذا القول: أن هذه القراءة نقلت عن الرسول ﷺ بسند صحيح فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.
القول الثاني: أنها ليست بحجة، وهو المشهور عن الشافعي ﵀.
والدليل على ذلك: أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنا؛ لأن القرآن متواتر وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس حجة عند الشافعي.
ومن خصائص القرآن الكريم أيضاً: أنه مكتوب في المصاحف، وكان ذلك في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وهذا من مناقبه الجليلة وحسناته العظيمة، بعد استشارته الصحابة ﵃.
ومن خصائصه أيضاً: أنه محفوظ في الصدور، فإن الله تعالى اختص
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه الأمة بذلك، وهو أن القرآن محفوظ في صدورهم، كما ورد في ذلك حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني»، إلى أن قال: «وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء» (١).
ومعنى ذلك أنه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرأ على كل حال، بخلاف أهل الكتاب فإنهم لا يقرأونه إلا نظراً.
ومن خصائصه أيضاً: أنه محفوظ من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩]، وقال أيضاً: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ومعنى ذلك أنه لا يقربه شيطان من شياطين الجن والإنس، وتفسير قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ بزيادة عليه، وتفسير قوله: ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي بنقصان منه، فهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي ذو حُكم وحكمة، ومحمود على جميع أسمائه، وجميع صفاته، وجميع أفعاله، ومحمود لكثرة خيره وسعة جوده وكرمه.
* * *
стр. 52
وأما السنة: فإنها أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته على الأقوال والأفعال.
قوله: (وأما السنة .. ).
السنة في اللغة: هي السيرة سواء كانت حميدةً أو ذميمة، قال لبيد:
من معشر سنَّت لهم آباؤهم … ولكل قومٍ سنةٌ وإمامُها
وأما في الاصطلاح: فلها ثلاثة معان:
* الأول: ما يقابل الواجب ويرادف المندوب، ويدرس في الأحكام التكليفية في أبواب الأصول وتقدم.
* الثاني: ما يقابل البدعة، ويراد بها ما وافق القرآن أو حديث النبي ﷺ ، ويدخل في ذلك سنة الخلفاء الراشدين ﵃، ويدرس ذلك في كتب الاعتقاد وأصول الدين.
* الثالث: ما يقابل القرآن، وهو المراد هنا، ويراد بها قول النبي ﷺ أو فعله أو تقريره، ويضيف المحدثون وصفه ﷺ في خُلُقه، فيكون المعنى عندهم أعم؛ لأنهم أهل العناية برواية الأخبار.
والسنة يقسمها العلماء ﵏ إلى قسمين:
الأول: باعتبار ذاتها، وهذا على أنواع:
* الأول: السنة القولية:
مثالها: حديث عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى
стр. 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١).
* الثاني: السنة الفعلية:
مثالها: صفات العبادات التي بينها النبي ﷺ بفعله، فالنبي ﵊ بيّن الصلاة بفعله، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، وبيّن الحج بفعله وقال: «لتأخذوا عني مناسككم» (٣).
* الثالث: السنة التقريرية:
مثالها: حديث معاوية بن الحكم ﵁: أن النبي ﷺ سأل جارية: «أين الله؟» فقالت: في السماء، فأقرها النبي ﷺ على ذلك (٤).
الثاني: باعتبار علاقتها مع القرآن، وهذا على أنواع:
* الأول: مؤكدة للقرآن:
ومعنى ذلك أن يأتي الحكم في القرآن ثم تأتي السنة بتأكيده.
ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزَّمل: ٢٠] أمر من الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبعد ذلك جاءت السنة بتأكيد هذا
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأمر من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (١).
* الثاني: أنها مبينة للقرآن:
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزَّمل: ٢٠] أمر مجمل من الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم جاءت السنة بتبيين تفاصيل الصلاة وكيفية إقامتها، وبتبيين مقادير الزكاة، وشروطها، وبيان الأموال التي يجب فيها الزكاة.
* الثالث: أن تكون مستقلة أو زائدة على ما في القرآن:
ومن ذلك: أحكام الشفعة، وميراث الجدة، وغير ذلك كما في كتب الفروع.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الإجماع على وجوب اتباع ما ثبت من سنة النبي ﷺ ، والأدلة من الكتاب والسنة متظاهرة على ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
وجه الدلالة: أن الله تعالى ساوى بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وقال أيضاً: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣: ٤].
وجه الدلالة: أن الآية دلت على استواء السنة مع القرآن في كونهما
стр. 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحياً من الله تعالى، إلا أن السنة موحى بها بالمعنى دون اللفظ.
وعن المقدام بن معدي كرب ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» (١).
وقد دل هذا الحديث بتمامه على أمرين:
* الأول: حجية السنة واستقلالها بتشريع بعض الأحكام، وأن القرآن لا يغني عن السنة، بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع؛ لقول النبي ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه»، والمراد بالكتاب القرآن، وبالمثل السنة، ومثليتها تكون في وجوب العمل بهما.
* الثاني: في الحديث آية باهرة للنبي ﷺ ، ولذا أورده البيهقي ﵀ في كتابه «دلائل النبوة» فإن النبي ﷺ أخبر عن شيء قد وقع، فقد ظهر في زماننا من يرد الاحتجاج بالسنة وينكر العمل بها، ولهم في ذلك شبه سموها أدلة، وماهي إلا محض أوهام، وهذا ليس بوليد هذا العصر، فإن لكل قومٍ وارثاً، وسلفهم في ذلك طوائف من أهل البدع، يقول الشوكاني ﵀: «والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لاحظ له في دين الإسلام» (٢).
стр. 56
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع: السنة المتواترة حجة بالاتفاق.
وأما الآحادية فحجة عند جماهير العلماء واستدلوا على ذلك بعدد من الأدلة منها:
١ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وجه الدلالة: أن الطائفة في اللغة تطلق على الواحد وعلى العدد القليل والكثير، وقد أوجب الله عليهم أن ينذروا قومهم، ولولا أن نذارتهم مقبولة لما كان لإيجاب النذراة عليهم فائدة.
٢ أن النبي ﷺ كان يرسل رسله وأمراءه وقضاته وسعاته المأمورين بجمع الزكاة، وهم آحاد فلو لم يجب قبول خبرهم عنه لما أرسلهم، ولما حصل المقصود بإرسالهم.
٣ إجماع الصحابة على قبول خبر الواحد والعمل به، ويدل على إجماعهم قضايا ووقائع لا يمكن تكذيبها مجتمعة.
* * *
стр. 57
فالأحكام الشرعيَّة: تارة تؤخذ من نص الكتاب والسنة، وهو اللفظ الواضح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى.
شرع المؤلف ﵀ بذكر مباحث دلالات الألفاظ وابتدأ:
قوله: (تؤخذ من نصِّ الكتاب … ).
١ النص:
والنص في اللغة: الكشف والظهور، يقال: نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، ومنه منصة العروس، وهو الكرسي الذي تجلس عليه.
وفي اصطلاح الأصوليين: هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط.
فهو في مقابلة الظاهر والمجمل.
ومثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزَّمل: ٢٠] فهذا نص في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
ومن ذلك أيضاً: قول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (١).
فهذا نص في بناء الإسلام على هذه الأركان الخمسة.
وحكم النص: أنه يجب العمل به والمصير إليه.
стр. 58
وتارة تؤخذ من ظاهرهما، وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي.
وقوله: (وتارة تؤخذ من ظاهرهما: وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي).
٢ الظاهر:
والظاهر في اللغة: الواضح.
وأما في الاصطلاح: فهو ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر.
مثال الظاهر: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
فقوله الذي بيده عقدة النكاح يحتمل أن يكون الولي أو الزوج، لكن لما قال ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي الزوجات بقي حق الزوج، فيكون هو المراد.
مثال آخر: قول النبي ﷺ : «توضؤوا من لحوم الإبل» (١).
وهذا الحديث يحتمل معنيين:
المعنى الأول: الوضوء اللغوي وهو مجرد النظافة.
المعنى الثاني: الوضوء الشرعي وهو التعبد لله بغسل الأعضاء الأربعة على وجه مخصوص.
فقوله: «توضؤوا» يحتمل هذين المعنيين لكن أحدهما أظهر من الآخر،
стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحمله على الوضوء الشرعي أظهر؛ لأن الألفاظ الشرعية تحمل على مراد الشارع.
حكم الظاهر: أنه يجب المصير إلى المعنى الظاهر.
فرع: المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع.
ويطلق على عدَّةِ معانٍ:
المعنى الأول عند السلف: الحقيقة التي يؤول إليها الأمر، كقول كثير من السلف في بعض الآيات: «هذه ذهب تأويلها، وهذه لم يأت تأويلها».
والمعنى الثاني عند السلف: التفسير والبيان، كقول بعض المفسرين: «القول في تأويل قول الله تعالى».
المعنى الثالث عند الأصوليين: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يدل على ذلك.
فخرج بقولنا: «المرجوح»؛ النص والظاهر.
أما النص؛ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح.
والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
١ فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح؛ كتأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] إلى معنى: واسأل أهل القرية، لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
стр. 60
وتارة تؤخذ من المنطوق، وهو ما دل على الحكم في محل النطق.
وتارة تؤخذ من المفهوم، وهو ما دل على الحكم: بمفهوم موافقة إن كان مساوياً للمنطوق أو أولى منه،
٢ - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح؛ كتأويل المعطلة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] إلى معنى استولى، والصواب: أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل.
قوله: (وتارة تؤخذ من المنطوق):
٣ المنطوق:
وقد عرفه المؤلف بقوله: وهو ما دل على الحكم في محل النطق، وقيل: هو المعنى المستفاد من صريح اللفظ.
ومعنى قوله: في محل النطق، أي: في العبارة المنطوق بها.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزَّمل: ٢٠]، يستفاد منه الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] يستفاد منه النهي عن الأكل من متروك التسمية.
قوله: (وتارة تؤخذ من المفهوم):
٤ المفهوم:
هو المعنى اللازم للفظ ولم يصرح به فيه.
وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، أي في مقدر خارج
стр. 61
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن المنطوق به.
والمفهوم ينقسم إلى قسمين:
* الأول: مفهوم موافقة: هو ما وافق المسكوت عنه المنطوق به في الحكم.
* الثاني: مفهوم مخالفة: هو ما خالف المسكوت عنه المنطوق به في الحكم.
ومفهوم الموافقة ينقسم إلى قسمين:
* الأول: مفهوم موافقة أولوي:
وهو ما كان أولى من المنطوق به من المعاني المسكوت عنها.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فالمنطوق هو حكم التأفيف، والذي يفهم منه وهو المسكوت عنه تحريم الضرب من باب أولى؛ لأنه أشد في الإيذاء من التأفيف.
* الثاني: مفهوم موافقة مساوي:
وهو ما كان مساويا للمنطوق به من المعاني المسكوت عنها.
مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] فالمنطوق به أكل مال اليتيم، ويفهم من ذلك أن ما عدا الأكل يأخذ حكمه في التحريم أيضاً، كما لو شرب ماء اليتيم أو استهلكه بأي طريق؛ لأنه مساوٍ له في الإتلاف.
стр. 62
أو بمفهوم المخالفة إذا خالف المنطوق في حكمه لكون المنطوق وصف بوصف أو شُرط فيه شرط إذا تخلف ذلك الوصف أو الشرط، تخلف الحكم).
ومفهوم الموافقة حجة عند جميع الأئمة، وخالف فيه الظاهرية ولا يلتفت إلى خلافهم.
قوله: (أو بمفهوم المخالفة إذا خالف المنطوق في حكمه):
شرع المؤلف ﵀ في بيان مفهوم المخالفة وأنواعه، ومفهوم المخالفة: هو ما خالف المسكوت عنه المنطوق به في الحكم.
ومفهوم المخالفة يقسمه العلماء إلى ستة أقسام:
* الأول: مفهوم الوصف: وهو ما يفهم من تخصيص الحكم بوصف.
ويقصد به: ما هو أعم من النعت عند النحاة، فيشمل النعت، والحال، والجار والمجرور، والظرف، والتمييز.
ومثاله: قول النبي ﷺ : «وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة» (١).
قوله: (سائمة): هذا وصف، والمراد به أنها ترعى المباح أكثر الحول، ويفهم منه مفهوم مخالفة وهو أن الأربعين التي ليست سائمة فلا تجب فيها الزكاة.
* الثاني: مفهوم الشرط: وهو ما يفهم من تخصيص الحكم بشرط.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
стр. 63
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله: (وإن كنّ): هذا شرط، ويفهم منه أنّ المرأة إذا طلقت طلاقاً بائناً وليست حاملاً أنه لا نفقة لها.
* الثالث: مفهوم العدد: وهو ما يفهم من تعليق الحكم على عدد مخصوص.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
ويفهم منه أن ما دون الثمانين لا يحصل به إقامة الحد.
* الرابع: مفهوم الغاية: وهو ما يفهم من مد الحكم إلى غاية بإحدى أدوات الغاية وهي: (إلى، حتى، اللام).
ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
قوله: (فإن طلقها): بمعنى طلقها الطلقة الثالثة، فجعل الله غاية الحل للزوج الأول أن تنكح الزوجة زوجاً غيره.
* الخامس: مفهوم التقسيم: وهو ما يفهم من تقسيم المحكوم عليه قسمين فأكثر، وتخصيص كل منهما بحكم.
ومثاله: قول النبي ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن» (١).
ويفهم من هذا أن هناك فرقاً بين الثيب والبكر، وهو أن الثيب لابد أن
стр. 64
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تستأذن ولابد أن تنطق، وأن البكر لابد من رضاها دون اشتراط نطقها.
* السادس: مفهوم اللقب: وهو ما يفهم من تخصيص الاسم المجرد بالحكم من نفي الحكم عما عداه.
وسواء أكان الاسم لإنسان أو حيوان، اسم علم أم اسم جنس.
وهذا القسم ضعيف عند الأصوليين ولا تقوم به حجة؛ لأن الاسم لا يشعر بالتعليل، ولهذا لا يدل ذكره على نفي الحكم عن غيره.
مثاله: ما ورد في حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء» (١).
ويفهم من هذا الحديث أن الربا لا يكون إلا في هذه الأصناف الستة.
فرع: حكم مفهوم المخالفة:
القول الأول: مفهوم المخالفة بأنواعه الخمسة الأولى حجة عند الجمهور، مع اختلافهم في قوة كل نوع من أنواعه.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ قوله ﷺ : «وسأزيده على السبعين» (٢) بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠].
стр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ فهم من النص على السبعين أن ما زاد عنها قد يكون حكمه مختلفا عن المقتصر على هذا العدد.
٢ أن الصحابة ﵃ فهموا من تخصيص الوصف بالذكر انتفاء الحكم عما خلا عنه، ويدل على ذلك وقائع منها:
ما روى يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ألم يقل الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١).
ولما قال النبي ﷺ : «يقطع الصلاة الكلب الأسود»، قال عبد الله بن الصامت لأبي ذر: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان» (٢).
٣ ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا بد له من فائدة، فإذا لم نعلم فائدة غير انتفاء الحكم عما عداه جعلنا التخصيص دالا على ذلك.
القول الثاني: عدم حجية مفهوم المخالفة مطلقا، وذهب أكثر الحنفية إلى ذلك؛ وقالوا لأن القرآن والسنة مليئان بالنصوص التي فيها تعليق الحكم على وصف أو عدد أو غاية، ولا يكون نفي الحكم عما سوى المذكور مرادا باتفاق الصحابة.
стр. 66
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ولا خلاف في تحريم الربيبة وإن لم تكن في الحجر.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ولا خلاف في جواز القصر للمسافر وإن لم يكن خائفا.
وأجيب: بأن تلك المواضع لم تتوافر فيها شروط الاحتجاج الآتي ذكرها.
* شروط العمل بالمفهوم:
يشترط للعمل بالمفهوم شروط، أهمها:
١ أن لا يكون تخصيص المذكور بالذكر جرى مجرى الغالب، فإن كان كذلك فلا يحتج به.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فوصف الربائب بكونهن في الحجور جرى مجرى الغالب؛ إذ الغالب أن تكون بنت الزوجة مع أمها عند زوجها الثاني.
وإنما اشترطوا ذلك؛ لأن ما جرى مجرى الغالب يكون حاضرا في الذهن عند التكلم فيذكره في كلامه ولا يقصد نفي الحكم عما عداه.
٢ أن لا يكون حكم المذكور جاء لكونه مسؤولا عنه، أو بيانا لحكم واقعة، فإن سئل عنه فرتب الحكم عليه، أو كان أمرا واقعا جاء بيان حكمه على صفته التي هو عليها، لم يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه.
стр. 67
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فإنه لا يدل على جواز أكل الربا إذا كان قليلا؛ لأن الآية بيان لحكم أمر واقع.
٣ أن لا يكون المذكور في اللفظ قد سبق ذكره حتى يكون معهودا، فإن كان معهودا فلا يدل ذكره على قصر الحكم عما عداه، وهو أعم من الذي قبله؛ لأن المسؤول عنه معهود لسبق ذكره.
وهذه الشروط التي ذكروها كلها ترجع إلى شرط واحد: وهو أن لا يظهر لتخصيص المذكور بالذكر فائدة سوى اختصاصه بالحكم عما لم يشاركه في الصفة المذكورة (١).
* * *
стр. 68
(والدلالة من الكتاب والسنة ثلاثة أقسام:
دلالة مطابقة: إذا طبقنا اللفظ على جميع المعنى،
ودلالة تضمن: إذا استدللنا باللفظ على بعض معناه،
ودلالة التزام: إذا استدللنا بلفظ الكتاب والسنة ومعناهما على توابع ذلك ومتمماته وشروطه، وما لا يتم ذلك المحكوم فيه أو المخبر عنه إلا به).
قوله: (والدلالة … ).
شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان الدلالة وأقسامها.
تعريف الدلالة:
الدلالة لغة: بكسر الدال وفتحها، والفتح أحسن، وهي فهم المعنى من اللفظ، والمراد هنا الدلالة اللفظية.
وهي ثلاثة أقسام:
* الأول: دلالة مطابقة:
وهي دلالة اللفظ على جميع معناه الذي وضع له.
* الثاني: دلالة التضمن:
وهي دلالة اللفظ على جزء من مسماه.
* الثالث: دلالة التزام:
وهي دلالة اللفظ على أمرٍ خارجٍ عن المسمى لكنه لازم له.
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: دلّ دلالة مطابقة وتضمن والتزام.
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقوله: ﴿خَالِقُ﴾: دلّ دلالة مطابقة على صفة الخلق وصفة الذات جميعاً، ودل دلالة تضمن على صفة الخلق وحدها، وعلى صفة الذات وحدها، ودل دلالة التزام على صفة العلم والقدرة؛ لأن الخلق لا يكون إلا عن وقدرة، وعلى هذا فقس.
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] دل دلالة مطابقة على جميع أفعال الصلاة وأقوالها، ودل دلالة تضمن على فعل الركوع وحده مثلا، أو التسبيح وحده مثلا، ودل دلالة التزام على أمر خارج عن الصلاة وهو شروطها من رفع الحدث واستقبال القبلة وغير ذلك، إذ إن إقامة الصلاة لا تتحقق إلا بهذا.
واعلم أن أقسام الدلالة من قسم المنطوق وهي على قسمين:
* الأول: المنطوق الصريح:
وهو دلالة المطابقة ودلالة التضمن.
* الثاني: المنطوق غير الصريح:
وهو دلالة الالتزام، وهي ثلاثة أنواع:
أ دلالة الاقتضاء:
وهي دلالة الكلام على معنى غير موجود لا يستقيم الكلام إلا بتقديره.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي أن السياق يقتضي تقدير كلمة فأفطر فعدة من
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيام أخر؛ لأن القضاء لا يلزم بمجرد المرض أو السفر بل لابد من الفطر.
ب دلالة الإيماء والتنبيه:
وهو فهم التعليل من ترتيب الحكم على الوصف المناسب.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فهذا يدل على أن العلة السرقة؛ لأن الله رتب الحكم بالفاء على وصف مناسب وهو السرقة، وهذا يومئ إلى العلة وينبه عليها، ولذا سماه بعضهم الإيماء أو التنبيه إلى العلة.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] والمراد إن الأبرار لبرهم لفي نعيم.
ج دلالة الإشارة:
وهي أن يدل اللفظ على معنى ليس مقصوداً في الأصل، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام من أجله.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإن الآية دلت على إباحة إتيان الزوجة ليلة الصيام، في أي وقتٍ من الليل إلى آخر جزءٍ منه.
ويستفاد من ذلك: صحة صوم من أصبح جنباً، فإن امتداد الإباحة إلى آخر جزء من الليل يستلزم أن الصائم قد يصبح جنباً، وهذا المعنى غير مقصود من سياق الآية، فتكون دلالتها عليه بالإشارة.
стр. 71
فصل
(أصول يضطر إليها الفقيه)
(الأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب،
شرع المؤلف ﵀ في مباحث الأمر والنهي وهي من المباحث التي أولاها الأصوليون بحثاً وأطالوا في ذلك؛ لأن الأوامر والنواهي مناط التكليف، ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي.
قوله: (والأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب):
الأمر تحته عدد من المسائل:
* المسألة الأولى: تعريف الأمر:
الأمر في اللغة: الحال أو الشأن قولاً كان أو فعلاً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وأما في الاصطلاح: هو استدعاء العمل بالقول ممن هو دونه على وجه الاستعلاء.
قولنا: (العمل): يشمل القول والفعل، فأما القول فكما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وأما الفعل كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقولنا: (بالقول) يخرج الفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور: لا يسمى
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفعل أمراً إلا مع القرينة.
ولهذا فإن أفعال الرسول ﷺ المجردة لا تكون بمثابة الأمر، إلا إذا دل الدليل على وجوب متابعته فيها.
وقولنا: (ممن هو دونه): يخرج استدعاء العمل ممن هو مساوٍ له، فهذا لا يسمى أمراً وإنما يسمى التماساً، ويخرج استدعاء العمل من الأدنى إلى الأعلى، فهذا لا يسمى أمراً وإنما يسمى دعاءً.
* المسألة الثانية: اقتضاء الأمر الوجوب.
الأصل في أوامر الكتاب والسنة المطلقة المجردة عن القرائن أنها تقتضي الوجوب، كما هو قول جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب» (١).
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
فالله جلَّ وعلا توعد المخالفين لأمر الرسول ﷺ بالفتنة وهي الزيغ أو بالعذاب الأليم، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب، فدل ذلك على أن أمر الرسول ﷺ المطلق يقتضي الوجوب.
٢ ولقوله تعالى على لسان موسى مخاطبا أخاه هارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ
стр. 73
إلا إذا دل الدليل على الاستحباب، أو الإباحة
أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤].
فالآية الأولى جعلت مخالفة الأمر معصية، والآية الثانية جعلت المعصية سبباً لدخول جهنم.
٣ ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (١).
وجه الدلالة من الحديث: لما كان الأمر تتعلق به المشقة دل على الوجوب، ولو كان الأمر للاستحباب لم يكن هناك مشقة.
٤ ومن ذلك: إجماع الصحابة على الاستدلال بالأمر على الوجوب في وقائع متعددة.
قوله: (إلا إذا دل الدليل على الاستحباب):
فإذا دل الدليل على الاستحباب فإنه يحمل عليه، ومثاله سيأتي قريبًا من حديث أبي هريرة ﵁.
قوله: (أو الإباحة):
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
هذا أمر من الله بالصيد بعد الحل من النسك، ولكن الصارف له من الوجوب إلى الإباحة هو الإجماع؛ فإن المسلمين مجمعون على أن الصيد مباح.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع: ذكر المؤلف ﵀ النص الصارف من الوجوب إلى الاستحباب، والصوارف ثلاثة:
* الأول: أن يدل الدليل على أن المراد بهذا الأمر الاستحباب ولا يراد به الوجوب وهذا له أمثلة منها:
حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١).
فأمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله من هذه الأربع، ووجد الصارف الذي يدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع أنه للاستحباب وليس للوجوب وهو حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر التشهد الأول قال: «ثم لْيَتَخيّر من الدعاء أعجبه» (٢) أي أعجب الدعاء إليه فدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع لا تتعين.
* الصارف الثاني: الإجماع قد يُجمع العلماء ﵏ على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب.
ومن الأمثلة على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] هذا أمر ومع ذلك العلماء ﵏ مجمعون على أن الإنسان إذا حلّ من إحرامه لا يجب عليه أن يصطاد.
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الصارف الثالث: إذا علمنا أن هذا الأمر، أو أن هذا النهي يُقصد به الإرشاد والأدب فإن هذا الأمر لا يقتضي الوجوب، والنهي لا يقتضي التحريم اللهم إلا إذا قامت قرينة تدل على أنه يقصد به الوجوب، أو يقصد به التحريم فإنه يبقى على الأصل، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ومن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: قول النبي ﷺ : «إذا توضأتم أو لبستم فابدؤوا بميامنكم» (١) فإذا توضأ الإنسان، أو لبس فقد أمره أن يبدأ بيمينه لكن هذا على سبيل الإرشاد والأدب ولذلك حمله العلماء على الاستحباب.
المثال الثاني: أن النبي ﷺ لما تخلف عن الصلاة وأناب أبا بكر ﵁، وجد النبي ﷺ خفة من مرضه فخرج النبي ﷺ فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر لكي يقوم النبي ﷺ من مقامه فأشار إليه النبي ﷺ أن يمكث فلم يمكث أبو بكر (٢)؛ لأن أبا بكر علم من إشارة النبي ﷺ أنه ليس للإلزام وإنما أراد بذلك الإكرام، فدل ذلك على أن الشيء إذا قُصد به الأدب والإكرام والإرشاد أنه لا يقتضي الوجوب، لكن إذا دلت القرائن على أن الشارع أراد بهذا الأمر الوجوب، أو النهي التحريم حتى ولو كان على سبيل الإرشاد والإكرام فإنه يبقى على الأصل.