فصل
(أصول يضطر إليها الفقيه)
(الأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب،
شرع المؤلف ﵀ في مباحث الأمر والنهي وهي من المباحث التي أولاها الأصوليون بحثاً وأطالوا في ذلك؛ لأن الأوامر والنواهي مناط التكليف، ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي.
قوله: (والأصل في أوامر الكتاب والسنة أنها للوجوب):
الأمر تحته عدد من المسائل:
* المسألة الأولى: تعريف الأمر:
الأمر في اللغة: الحال أو الشأن قولاً كان أو فعلاً، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وأما في الاصطلاح: هو استدعاء العمل بالقول ممن هو دونه على وجه الاستعلاء.
قولنا: (العمل): يشمل القول والفعل، فأما القول فكما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وأما الفعل كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقولنا: (بالقول) يخرج الفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور: لا يسمى
стр. 72
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفعل أمراً إلا مع القرينة.
ولهذا فإن أفعال الرسول ﷺ المجردة لا تكون بمثابة الأمر، إلا إذا دل الدليل على وجوب متابعته فيها.
وقولنا: (ممن هو دونه): يخرج استدعاء العمل ممن هو مساوٍ له، فهذا لا يسمى أمراً وإنما يسمى التماساً، ويخرج استدعاء العمل من الأدنى إلى الأعلى، فهذا لا يسمى أمراً وإنما يسمى دعاءً.
* المسألة الثانية: اقتضاء الأمر الوجوب.
الأصل في أوامر الكتاب والسنة المطلقة المجردة عن القرائن أنها تقتضي الوجوب، كما هو قول جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب» (١).
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
١ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
فالله جلَّ وعلا توعد المخالفين لأمر الرسول ﷺ بالفتنة وهي الزيغ أو بالعذاب الأليم، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب، فدل ذلك على أن أمر الرسول ﷺ المطلق يقتضي الوجوب.
٢ ولقوله تعالى على لسان موسى مخاطبا أخاه هارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ
стр. 73
إلا إذا دل الدليل على الاستحباب، أو الإباحة
أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤].
فالآية الأولى جعلت مخالفة الأمر معصية، والآية الثانية جعلت المعصية سبباً لدخول جهنم.
٣ ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (١).
وجه الدلالة من الحديث: لما كان الأمر تتعلق به المشقة دل على الوجوب، ولو كان الأمر للاستحباب لم يكن هناك مشقة.
٤ ومن ذلك: إجماع الصحابة على الاستدلال بالأمر على الوجوب في وقائع متعددة.
قوله: (إلا إذا دل الدليل على الاستحباب):
فإذا دل الدليل على الاستحباب فإنه يحمل عليه، ومثاله سيأتي قريبًا من حديث أبي هريرة ﵁.
قوله: (أو الإباحة):
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
هذا أمر من الله بالصيد بعد الحل من النسك، ولكن الصارف له من الوجوب إلى الإباحة هو الإجماع؛ فإن المسلمين مجمعون على أن الصيد مباح.
стр. 74
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرع: ذكر المؤلف ﵀ النص الصارف من الوجوب إلى الاستحباب، والصوارف ثلاثة:
* الأول: أن يدل الدليل على أن المراد بهذا الأمر الاستحباب ولا يراد به الوجوب وهذا له أمثلة منها:
حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١).
فأمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله من هذه الأربع، ووجد الصارف الذي يدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع أنه للاستحباب وليس للوجوب وهو حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر التشهد الأول قال: «ثم لْيَتَخيّر من الدعاء أعجبه» (٢) أي أعجب الدعاء إليه فدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع لا تتعين.
* الصارف الثاني: الإجماع قد يُجمع العلماء ﵏ على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب.
ومن الأمثلة على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] هذا أمر ومع ذلك العلماء ﵏ مجمعون على أن الإنسان إذا حلّ من إحرامه لا يجب عليه أن يصطاد.
стр. 75
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* الصارف الثالث: إذا علمنا أن هذا الأمر، أو أن هذا النهي يُقصد به الإرشاد والأدب فإن هذا الأمر لا يقتضي الوجوب، والنهي لا يقتضي التحريم اللهم إلا إذا قامت قرينة تدل على أنه يقصد به الوجوب، أو يقصد به التحريم فإنه يبقى على الأصل، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ومن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: قول النبي ﷺ : «إذا توضأتم أو لبستم فابدؤوا بميامنكم» (١) فإذا توضأ الإنسان، أو لبس فقد أمره أن يبدأ بيمينه لكن هذا على سبيل الإرشاد والأدب ولذلك حمله العلماء على الاستحباب.
المثال الثاني: أن النبي ﷺ لما تخلف عن الصلاة وأناب أبا بكر ﵁، وجد النبي ﷺ خفة من مرضه فخرج النبي ﷺ فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر لكي يقوم النبي ﷺ من مقامه فأشار إليه النبي ﷺ أن يمكث فلم يمكث أبو بكر (٢)؛ لأن أبا بكر علم من إشارة النبي ﷺ أنه ليس للإلزام وإنما أراد بذلك الإكرام، فدل ذلك على أن الشيء إذا قُصد به الأدب والإكرام والإرشاد أنه لا يقتضي الوجوب، لكن إذا دلت القرائن على أن الشارع أراد بهذا الأمر الوجوب، أو النهي التحريم حتى ولو كان على سبيل الإرشاد والإكرام فإنه يبقى على الأصل.
стр. 76
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن الأمثلة على ذلك:
أن الشارع أمر بالأكل باليمين، ونهى عن الأكل بالشمال وهذا من باب الإرشاد والأدب قال ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (١) فأمر النبي ﷺ بالأكل والشرب باليمين ونهى عن الأكل والشرب بالشمال وأخبر أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، هذا الأمر حسب ما ذكرنا أنه إذا قصد به الإرشاد والأدب يُحمل على الاستحباب لكن دلت قرينة على أن المراد به الوجوب؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ونحن منهيون عن اتباع خطوات الشيطان وموافقته؛ لأنه عدوٌ لنا فلا يكون إمامًا لنا.
стр. 77
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* المسألة الثالثة: للأمر صيغة خاصة.
عامة السلف على أن الأمر له صيغة خاصة وهي افعل للحاضر، وليفعل للغائب، وقد عد الأصوليون من صيغه:
١ فعل الأمر، مثل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١).
٢ المضارع المقرون بلام الأمر، مثل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
٣ المصدر النائب عن فعل الأمر، مثل: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] أي: فاضربوا الرقاب.
٤ اسم فعل الأمر، مثل: صه، بمعنى: اسكت.
والخبر قد يأتي بمعنى الأمر، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
فهذان الخبران يقصد بهما الأمر، فكأنه قال: المطلقات مأمورات بالانتظار ثلاثة قروء قبل زواجهن، وأولات الأحمال مأمورات بالانتظار حتى يضعن حملهن.
وعند بعض أهل البدع كالأشعرية: أن الأمر ليس له صيغة خاصة، وهذا يبنونه على أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، ويتوصلون بذلك إلى إنكار صفة كلام الله .
* المسألة الرابعة:
اقتضاء الأمر المطلق للفورية، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة الخامسة:
دلالة الأمر على التكرار، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة السادسة:
الأمر بالشيء نهي عن ضده، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة السابعة:
الأمر بعد الحظر، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
стр. 78
والأصل في النواهي أنها للتحريم، إلا إذا دلّ الدليل على الكراهة).
قال: (والأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا دل الدليل على الكراهة).
والنهي تحته مسائل:
* المسألة الأولى: تعريفه:
النهي في اللغة: المنع، وطلب الترك.
وأما في الاصطلاح: استدعاء ترك العمل بالقول ممن هو دونه.
قولنا: (استدعاء ترك العمل):
أي: طلب ترك الفعل أو القول، فيدخل في ذلك المكروه والمحروم.
وقولنا: (بالقول):
يخرج الفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور: لا يسمى الفعل نهيا إلا مع القرينة.
وقولنا: (ممن هو دونه):
يخرج طلب الترك ممن هو أعلى منه وهذا يسمى دعاء، ويخرج طلب الترك ممن هو مساوٍ وهذا يسمَّى التماسًا.
* المسألة الثانية: صيغة النهي.
للنهي صيغة واحدة متفق على كونها تفيد النهي، وهي صيغة: (لا تفعل)، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١].
стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وزاد بعضهم صيغتي: (انته) و (اكفف)، ونحوهما من الأوامر الدالة على الترك.
قوله: (والأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا دل الدليل على الكراهة).
* المسألة الثالثة:
أن الأصل في النواهي أنها للتحريم إلا إذا وُجد دليل يدل على الكراهة، والدليل على ذلك:
١ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ووجه الدلالة: أن الله أمر بالانتهاء عما نهى عنه رسوله ﷺ ، والأمر يقتضي الإيجاب كما سبق.
٢ قوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (١)، فهذا الحديث فيه الأمر بالانتهاء عما نهى عنه الرسول ﷺ من غير استثناء، والأمر للوجوب.
٣ أن صيغة (لا تفعل) تقتضي ترك الفعل والامتناع عنه، والامتناع أبداً لا يحصل إلا بالتحريم.
٤ أن أهل اللغة لا يفهمون من الصيغة عند الإطلاق إلا المنع الجازم، ولهذا إذا قال السيد لعبده: لا تفعل كذا ثم فعله، استحق العقوبة، والقرآن
стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسنة جاءا بلغة العرب.
٥ أن الصحابة فهموا من النهي المطلق التحريم، فإذا روي لهم أن النبي ﷺ نهى عن شيء عدوه محرماً سواء أصحبته قرينة تدل على التحريم أم لا.
٦ أن كثيراً من النواهي رُتب عليها عقوبات شرعية متنوعة مما يدل على أن الأصل في النهي التحريم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩].
ومنه كذلك قول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن» (١).
قوله: (إلا إذا دلّ الدليل على الكراهة).
بمعنى أنه لا يخرج عن أصل التحريم إلا إذا كان هناك دليل يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ومن أمثلة ذلك أن الشارع نهى عن أكل الثوم والبصل ودل الدليل على أن هذا النهي ليس للتحريم إنما للكراهة، وذلك لما ثبت عن النبي ﷺ أنه أقر أكل هذه البقول وأكلت بحضرته ولم ينكر ذلك، فدل ذلك على أن النهي فيها ليس على سبيل التحريم إنما على سبيل الكراهة.
стр. 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصوارف ثلاثة كما تقدم في الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: النص، والإجماع، والإرشاد والأدب، وتقدم بيان ذلك قريبا.
ومن أمثلة ذلك: أن النبي ﷺ «نهى أن يشرب الرجل قائمًا» (١) وشرِبَ النبي ﷺ قائمًا (٢) فدل ذلك على أن النهي هنا لا يدل على التحريم وإنما يدل على الكراهة.
* المسألة الثالثة: النهي عن الشيء يقتضي تحريم كل جزء منه:
النهي عن الشيء نهيٌ عنه وعن جميع أجزائه، كما أن الأمر بالشيء أمرٌ به وبكل جزء منه مع الاستطاعة.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ … ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فنهى الشارع المحرم أن يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله أي وقت حلوله وهو يوم عيد النحر، وهذا النهي شاملٌ لكل الرأس، كما أنه شامل لكل فردٍ من أفراد الرأس، فلا يجوز للمحرم أن يأخذ ولا شعرة من شعرات رأسه حتى يتحلل التحلل الأول.
ومن ذلك أيضاً: أن الشارع نهى عن شرب الخمر، فيحرم على الإنسان أن يشرب الخمر سواء كان مسكراً أو غير مسكر، حتى ولو شرب
стр. 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نقطة واحدة فإنه محرم ويترتب عليه الحد.
ومن ذلك أيضاً: النظر المحرم فإنه يشمل النظر سواء كان عن طريق مباشر أو غير مباشر، كما لو نظر إلى صورة وغير ذلك.
* المسألة الرابعة:
اقتضاء النهي الفساد، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة الخامسة:
اقتضاء النهي الفورية، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* المسألة السادسة:
النهي عن الشيء أمر بضده، وتأتي في كلام المؤلف ﵀.
* * *
стр. 83
(والأصل في الكلام الحقيقة فلا يعدل به إلى المجاز إن قلنا به، إلا إذا تعذرت الحقيقة،
قوله: (والأصل … ).
والحقيقة: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له.
والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
والأصل في الكلام الحقيقة كما ذكره المؤلف.
وقوله: (إن قلنا به): فيه إشارة إلى الخلاف في إثبات المجاز.
وهنا مسألة: وهي هل في اللغة العربية مجاز أو ليس فيها مجاز (١)؟
اختلف العلماء في إثبات المجاز على ثلاثة أقوال:
* القول الأول: وهو قول الجمهور، قالوا بوجوده في اللغة والقرآن والسنة، ويدل على ذلك قول الله : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ وهذا مجاز؛ لأنه استعمال للفظ في غير موضعه.
ومثال ذلك: لفظ الدابة هي في الحقيقة اسم لكل ما يدب على الأرض، وفي المجاز هي اسم لما يركب من ذوات الأربع.
ومثاله أيضاً: لفظ الغائط في حقيقته هو اسمٌ للمنخفض من الأرض، وفي المجاز هو اسمٌ للخارج المستقذر من الإنسان.
стр. 84
والحقائق ثلاث: شرعية ولغوية وعرفية).
* والقول الثاني: نفي وقوع المجاز في اللغة والشرع، وبه قال أبو علي الفارسي، وأبو إسحاق الإسفراييني
وابن تيمية وابن القيم، وإنما يعرف المراد من اللفظ من خلال القرائن ودلالات الأحوال، بدليل:
١ أن المجاز لم يعرفه السلف فهو مصطلح حادث.
٢ ولأنه يجوز نفيه فيلزم على القول به جواز نفي الكتاب والسنة، وجواز نفي صفات الله بدعوى مجازيتها.
* والقول الثالث: يوجد المجاز في اللغة ولا يوجد في الكتاب والسنة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال ابن خويز منداد، وابن فورك، وابن القاص، لما تقدم من الأدلة.
قوله: (والحقائق ثلاث: شرعية ولغوية وعرفية).
قسم العلماء ﵏ الحقيقة إلى ثلاثة أقسام:
١ الحقيقة الشرعية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له شرعاً.
٢ الحقيقة اللغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغة.
٣ الحقيقة العرفية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له عرفاً.
واختلف العلماء ﵏ في أي الحقائق الثلاث أحق بالتقديم؟
فقدم بعضهم الحقيقة الشرعية، وقدّم بعضهم الحقيقة اللغوية، وقدّم بعضهم الحقيقة العرفية.
والأقرب في ذلك أن يقال: إن هذه المسألة تنقسم إلى أقسام:
стр. 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* القسم الأول: إذا كان الأمر متعلقاً بالعبادات؛ فإننا نقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن هذا هو المتبادر من مراد الشارع، فمثلاً: لو أن شخصاً حلف وقال: والله لأصلينّ هذا اليوم، فمتى يبر بيمينه؟
نقول: إن الصلاة لها حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، وحقيقة الصلاة الشرعية هي التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وأما حقيقتها اللغوية فهي الدعاء، وعلى ذلك فأيهما نقدم؟
فنقدم الحقيقة الشرعية، فلا يبر بيمينه حتى يصلي صلاة شرعية مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مستكملة لشروطها وأركانها، وأقل الصلاة ركعتان، إلا إذا كان هناك سبب أو نية أو عرف، فإذا كانت نيته بالصلاة الدعاء فالنية مقدمة.
ومن أمثلة ذلك: لو قال: والله لأصومن هذا الشهر، فالصيام له حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، والحقيقة الشرعية هي الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وحقيقته اللغوية هي مجرد الإمساك، فأيهما يقدم؟
نقدم الحقيقة الشرعية، فلا يبر بيمينه حتى يصوم صوماً صحيحاً عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، إلا إذا كان هناك سبب أو نية أو عرف.
ومن أمثلته كذلك: لو قال قائل: والله لأعتمرن، العمرة لها حقيقة شرعية وأخرى لغوية، والحقيقة الشرعية هي زيارة مكة وأداء مناسك العمرة، والحقيقة اللغوية هي مجرد الزيارة، فمتى يبر بيمينه؟
стр. 86
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب: إذا أدى مناسك العمرة فإنه يكون قد برَّ بيمينه؛ لأن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية.
* القسم الثاني: إذا كان الأمر متعلقاً بالعقود فإننا نقدم الحقيقة الشرعية.
مثال ذلك: لو قال: والله لأبيعن هذا اليوم، البيع له حقيقتان حقيقة شرعية وحقيقة لغوية، الحقيقة الشرعية: هي مبادلة مال بمال باستكمال شروطه الشرعية، والحقيقة اللغوية هي مطلق المبادلة، فمتى يعتبر باراً بيمينه؟
الجواب عن ذلك: لا يبر بيمينه حتى يعقد عقد بيع صحيح، فلو عقد عقد بيع فاسد لا يكون باراً بيمينه.
* القسم الثالث: إذا كان الأمر متعلقاً بالأعيان أو الأقوال أو الأفعال؛ فإننا نقدم الحقيقة اللغوية، وعلى هذا فإنه لو حلف شخص على عينٍ من الأعيان أو على قول من الأقوال أو على فعل من الأفعال؛ فإننا نرجع إلى حقيقة ذلك في اللغة.
مثال ذلك: لو حلف على فاكهة حلف على عين من الأعيان أو حلف أن يأكل لحماً، أو أن يقول قولاً من الأقوال، أو حلف على فعل شيء كأن يركب أو يسافر، فما هو المقدم في هذه المسائل؟
الجواب: نرجع إلى حقيقة ذلك اللغوية ما لم يكن هناك سبب أو نية أو عرف، فإذا كان هناك عرف فإنا نرجع إلى الحقيقة العرفية ونقدمها على الحقيقة اللغوية؛ لأن الحقيقة العرفية أصبحت كالمهجورة، لكن إذا لم يكن هناك عرف فإننا نقدم الحقيقة اللغوية.
стр. 87
فما حكم به الشارع وحده، وجب الرجوع فيه إلى الحد الشرعي.
وماحكم به ولم يحده اكتفاءً بظهور معناه اللغوي، وجب الرجوع فيه إلى اللغة.
ومالم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة، رجع فيه إلى عادة الناس وعرفهم.
وقد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف، كالأمر بالمعروف والمعاشرة بالمعروف ونحوهما، فاحفظ هذه الأصول التي يضطر إليها الفقيه في كل تصرفاته الفقهية.
قوله: (فما حكم به الشارع … ).
هذا فيما لم يرد له حد في الشرع؛ لأن ما حكم به الشارع ينقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: أن يضع الشارع له حداً.
* القسم الثاني: أن يتركه الشارع مطلقا.
فإن ما كان من قبيل القسم الأول؛ فإننا نرجع فيه إلى حد الشارع.
مثال ذلك: الصلاة، فإن الشارع قد حد لها حداً، وذلك بالقيام المعروف والقراءة والركوع والسجود ونحو ذلك، فهذا يجب الرجوع فيه إلى حد الشارع.
ومن ذلك الصيام، فإن الشارع قد حده بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فما حده الشارع وبينه وفسره فإننا نرجع فيه إلى حد الشارع.
وأما ما كان من قبيل القسم الثاني فإننا نرجع فيه إلى العرف؛ وذلك
стр. 88
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأن من القواعد الخمس الكلية التي يدور عليها الفقه قاعدة العرف أو «العادة محكمة».
ومن ذلك: صلة الرحم، فصلة الرحم أوجبها الله بقوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨].
وقال: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (١)، لكن لم يحد الشارع صلة الرحم، فنرجع في تحديدها إلى العرف، فيمن تجب صلته ومن لا تجب صلته، وبما تكون الصلة وقدرها إلى آخره.
ومن ذلك أيضاً: عشرة الزوجة، فإن الشارع لم يحدها، وإنما أرجعها إلى العرف وذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وعلى ذلك فإنه يجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، وأن يقوم بالحقوق الواجبة عليه لهذه الزوجة وفق العرف.
ومن ذلك أيضاً: الحرز مكان حفظ المال في السرقة، وهذا أيضاً لم يحده الشارع، فيختلف باختلاف الأموال والبلدان وقوة السلطان وضعفه.
стр. 89
فصل دلالة نصوص الوحيين
ونصوص الكتاب والسنة:
منها: عام، وهو اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة، وذلك أكثر النصوص.
قوله: (منها: عام … ).
العموم نوع من أنواع دلالات الألفاظ التي ينبغي للفقيه العناية بها، وقد تقدم أن المؤلف ﵀ ذكر شيئاً من دلالات الألفاظ، فذكر الأمر والنهي والمنطوق والمفهوم … إلخ، ثم ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين.
أما دلالة العام فإن تحتها عدد من المباحث:
* المبحث الأول: تعريفه لغةً واصطلاحاً:
العام في اللغة: هو الشامل.
وفي الاصطلاح عرفه المؤلف ﵀ بقوله: (هو اللفظ الشامل لأجناس، أو أنواع، أو أفراد كثيرة).
ومثال الأجناس: الناس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا .... ﴾ [النساء: ١].
стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثال الأنواع: الرجال في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
ومثال الأفراد: المسلمون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
والأحسن أن يقال في تعريفه: هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر.
فقولنا: (اللفظ): خرج بذلك الفعل والإشارة.
وقولنا: (المستغرق): يخرج ما ليس مستغرقاً كالعلَم مثل: محمد، وصالح، والنكرة في سياق الإثبات مثل: قول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] فهذه ليست مستغرقة.
وقولنا: (بلا حصر): يخرج ألفاظ العدد فإنها مستغرقة لكن مع الحصر مثل: مائة، مائتان، ثلاثمائة، ألف، ألفان.
* المبحث الثاني: أقسام العام:
ينقسم العام إلى عدة أقسام:
القسم الأول: باعتبار ما فوقه وما تحته وهو نوعان:
الأول: عام مطلق مثل: المعلوم، فإنه يدخل فيه الموجود والمستحيل.
الثاني: عام نسبي، مثل: الحيوان فإنه لا يشمل كل شيء فلا يدخل فيه الجماد.
القسم الثاني: باعتبار عمومه وعدمه:
стр. 91
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وينقسم إلى:
١ عام أريد به العموم قطعاً ولا يدخله التخصيص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
٢ عام يراد به العموم ويدخله التخصيص، وهو المسمى بالعام المطلق أي الذي لم يقترن به ما يدل على تخصيصه، ولا ما يدل على أنه غير قابل للتخصيص.
٣ عام أريد به الخصوص، وهو الذي لفظه عام من حيث الوضع ولكن اقترن به دليل يدل على أنه مراد به بعض مدلوله اللغوي، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فلفظ الناس عام ولكنه لم يرد به عموم الناس بدليل قوله: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فدل على وجود أناس جمعوا، وأناس مجموع لهم، وأناس نقلوا الخبر للمجموع لهم، فلفظ الناس تكرر مرتين والمراد في الأولى نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس، والمراد في الثانية أبو سفيان ومن معه من الأحزاب.
* القسم الثالث: باعتبار تخصيصه وهو نوعان:
الأول: عام محفوظ غير مخصص.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فهذا عام لم يدخله التخصيص.
الثاني: عام دخله التخصيص.
стр. 92
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثاله: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
هذا يشمل كل ما ملكت اليمين لكن خُصّ من ذلك الأختان، فإنه لا يجوز للإنسان أن يجمع بين الأختين في ملك اليمين بالوطء؛ لقوله تعالى عند ذكره المحرمات من النساء: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ … ﴾ [النساء: ٢٣]، ولما ورد عن الصحابة ﵃.
* المبحث الثالث: صيغ العموم: ويأتي في آخر الرسالة.
* المبحث الرابع: العام بعد التخصيص:
العام بعد التخصيص حجة فيما بقي، ولكنه حجة ظنية، اتفق على ذلك رأي الأصوليين والفقهاء من المذاهب الأربعة.
* المبحث الخامس: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويأتي في كلام المؤلف ﵀.
стр. 93
ومنها خاص، يدُلُّ على بعض الأجناس أو الأنواع أو الأفراد،
قال ﵀: (ومنها خاص، يدُلُّ على بعض الأجناس أو الأنواع أو الأفراد).
وأمثلة ذلك في بعض الأجناس قولنا: هذا إنسان، وفي بعض الأنواع قولنا: هذا رجل، أو هذه امرأة، وفي بعض الأفراد كقولنا: حضر علي.
و دلالة الخاص تحتها عدة مباحث:
* المبحث الأول: تعريفه.
التخصيص في اللغة: الإفراد والتمييز.
واصطلاحاً: هو قصر العام على بعض أفراده لدليل يدل على ذلك.
* المبحث الثاني: حكمه.
انعقد الإجماع على تخصيص العام بالخاص من حيث الجملة.
* المبحث الثالث: أقسام التخصيص.
المخصصات عند الأصوليين تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المخصصات المنفصلة: وهي كل دليل يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه، وهي أنواع:
١ - الحس.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
ف (كل): من صيغ العموم، لكن الحس خص هذا العموم فهي لم تدمر
стр. 94
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السماوات والأرض.
وكقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].
فهذا خُص بالحس؛ لأن هناك أشياء لم تعط إياه هذه الملكة.
٢ - العقل.
وقد اختلف في عد العقل من المخصصات، ومثّل له الأصوليون بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقالوا: بأن العقل خصّ صفات الله ، وصفات الله ليست مخلوقة، وهذا فيه ضعف.
والصحيح: أن هذا ليس من قسم التخصيص، وإنما هذا من العام الذي أريد به الخاص.
ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فالعقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي، والمجنون بالتكليف بالحج لعدم فهمهما.
٣ - النص:
والتخصيص بالنص له أنواع:
أ تخصيص القرآن بالقرآن:
مثاله: تخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فالآية الأولى تفيد أن كل مطلقة عدتها ثلاث حيض، وإذا قيل:
стр. 95
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إنها مخصوصة بالآية الثانية فتخرج الحوامل من العموم.
ب تخصيص القرآن بالسنة:
مثاله: تخصيص قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، بما ثبت أنه رجم الزاني المحصن، فيكون مخصوصا من العموم، وهو تخصيص بالفعل.
ومثله تخصيص قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، بما روته عائشة أن النبي ﷺ كان يأمرها أن تتزر فيباشرها وهي حائض (١).
وقد اختلف الأصوليون في تخصيص القرآن بالسنة الآحادية، فذهب الجمهور إلى أنه جائز، وهذا منقول عن الأئمة الأربعة، ومنه: تخصيص آيات المواريث بقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر» (٢).
ج تخصيص السنة بالسنة:
مثاله: تخصيص قوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون العشر» (٣) بقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٤)، فإن الحديث الأول عام في القليل والكثير، والثاني دل على إخراج القليل الذي لا يبلغ خمسة أوسق عن أن تجب فيه زكاة.
стр. 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
د تخصيص السنة بالقرآن:
مثاله: تخصيص قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١) بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فالحديث دل على مقاتلة جميع الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والآية خصصت أهل الكتاب فإنهم لا يقاتلون إذا أعطوا الجزية.
٤ المفهوم: وهو قسمان:
١ - مفهوم الموافقة: وتقدم تعريفه.
ومثال التخصيص به: تخصيص حديث: «ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٢) بمفهوم الموافقة في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإن مفهوم الموافقة من الآية: أن الابن لا يجوز أن يؤذي أباه بالشكوى إلى القاضي ولا يحل له عرضه أو معاقبته إذا ماطله في حق له.
٢ مفهوم المخالفة: مثال التخصيص به: تخصيصهم حديث: «الماء طهور لا ينجسه شيء» (٣)، بمفهوم حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٤)، فمفهوم هذا الحديث: أن الماء إذا لم يبلغ القلتين يحمل
стр. 97
الخبث، أي: يتنجس، ولو لم يتغير طعمه أو ريحه أو لونه.
٥ - الإجماع: ومثال التخصيص به قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] مَخصَّص بالإجماع على أن العبد يُجلد خمسين جلدة على النصف من الحر، ومستند هذا الإجماع هو القياس على الأَمة، حيث ورد النص على أنها تجلد نصف ما على الحرة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فقاس العلماء العبد على الأَمة، وأجمعوا على هذا القياس.
٦ - القياس: وهو موضع خلاف، والصواب جواز تخصيص القرآن والسنة بالقياس الجلي دون الخفي، والمراد بالجلي: ما كان بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو منصوصا على علته.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لم يبق على عمومه، حيث من وجب عليه حد في النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يُقتص منه، ولو كان داخل الحرم، وخصصنا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس، حيث قسناه على من جنى داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
القسم الثاني: المخصصات المتصلة فهذه أنواع:
١ - الاستثناء، وتحته مسائل:
* المسألة الأولى: تعريفه:
لغةً: مأخوذ من الثني، وهو الرجوع.
стр. 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اصطلاحاً: هو خروج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها.
* المسألة الثانية: شروط صحة الاستثناء:
وشروط التخصيص بالاستثناء:
الشرط الأول: أن يبقى شيء بعد الاستثناء، وهذه المسألة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ أن يبقى بعد الاستثناء الأكثر أو النصف.
حكمه: استثناء صحيح.
مثل: لو قال قائل: رقيقي أحرار إلا زيد.
ومن ذلك أيضاً: لو قال قائل: زوجاتي الأربع طوالق إلا فاطمة وزينب.
ب أن يستثني الكل.
حكمه: أنه استثناء غير صحيح.
مثال ذلك: لو قال قائل: رقيقي الثلاثة أحرار إلا ثلاثة منهم، أو قال: زوجاتي طوالق إلا أربعاً.
وقد حكى الآمدي والزركشي وغيرهما الاتفاق على بطلان الاستثناء المستغرق؛ لأننا لو قلنا بصحته لكان قوله: أحرار، وطوالق ملغى ليس معملاً، والأصل في الكلام إعماله لا إهماله، وليس من كلام العرب ولا يعرفونه، وإنما هو نوع من العبث فلا يحمل عليه كلام العقلاء.
стр. 99
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما إذا كان الاستثناء من الصفة فيجوز وإن استغرق، ومثاله: عبيدي أحرار إلا من لم يصل الفجر معنا، فتبين أن عبيده كلهم لم يصلوا الفجر معه، فلا يبطل الاستثناء ولا يعتقون، وهذا لا ينافي كلام العرب.
ج أن يبقى الأقل، وهذا موضع خلاف.
مثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثاً إلا اثنتين.
وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: إن هذا لا يصح، وبه قال أكثر الأصوليين؛ وعللوا قولهم بعدم صحته في اللغة العربية.
القول الثاني: إن هذا صحيح؛ واستدلوا على هذا بأن استثناء الأكثر بحيث لا يبقى إلا الأقل وارد في الصفة، فإذا ورد في الصفة فكذلك أيضاً يصح في العدد.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
فقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فيه دليل على استثناء الأكثر؛ لأن الذين اتبعه من الغاوين أكثر من المهتدين، وبناء على ذلك فإن القول الثاني هو القول هو الصواب.
الشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
وقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: إذا اختلف الجنس لا يصح الاستثناء، وهذا ما عليه
стр. 100
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جمهور أهل العلم ﵏.
ومثال ذلك: لو قال: له عليّ مائة دينار إلا درهماً؛ لأن الجنس مختلف وعلى هذا لا يصح التخصيص فيلزمه مائة دينار.
القول الثاني: لا يشترط اتحاد الجنس؛ واستدلوا بوروده في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] وورد ذلك في اللغة العربية، ومن ذلك قول الشاعر:
وبلدةٌ ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيسُ
فقوله: (إلا اليعافير وإلا العيسُ) هذا ليس من جنس المستثنى منه.
وهذا القول هو الأقرب للصواب.
الشرط الثالث: الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، فلابد من الاتصال حقيقةً أو حكماً.
حقيقةً: أن يأتي بالمستثنى مباشرة، ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثاً إلا واحدة، فيستثني مباشرة.
حكماً: أي في حكم المتصل، بأن يعرض له عارض من عوارض النطق، كما لو حصل له سعال أو عطاس ونحو ذلك، ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثًا ثم تثاءب أو حصل له سعال أو عطاس ونحو ذلك، ثم قال: إلا واحدة، فقالوا: هذا في حكم المتصل.
واختلفوا في اشتراطه على قولين:
стр. 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القول الأول: أن اتصال المستثنى والمستثنى منه شرط، وبه قال جمهور العلماء؛ لقوله ﷺ : «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الحالف إذا رأى الخير في مخالفة ما حلف عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي ما حلف عنه، ولو كان الاستثناء المتأخر صحيحا لأرشده إليه، ولم يرشده إلى التكفير؛ لأن الاستثناء أيسر على المكلفين.
القول الثاني: أن الاتصال ليس شرطاً، وهذا هو الوارد عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير ﵀ واختلف النقل عنه فقيل: يجيز تأخر الاستثناء شهرا أو شهرين، وقيل: أربعة أشهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: مطلقا.
فعن ابن عباس ﵄ قال: «إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة، وإنما نزلت هذه الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، قال: إذا ذكر استثنى». وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (٢).
والصواب في ذلك: أنه يشترط الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه، ولو أنه حصل فاصل يسير من كلام أو سكوت فإن هذا لا بأس به ويدل لذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما ذكر تحريم مكة ثم تكلم النبي ﷺ فقال العباس ﵁: يا رسول الله إلا الإذخر، فقال النبي ﷺ : «إلا الإذخر» (٣).
стр. 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن ذلك أيضاً ما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيح لما قال سليمان: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدةٍ منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله»، فقال الملك: (قل إن شاء الله)، فلم يقل إن شاء الله، قال النبي ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً له في حاجته» (١).
الشرط الرابع: النية، فلابد أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.
ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالق ثلاثاً، ثم نوى فقال: إلا واحدة فهذا لا يصح؛ لأنه لو لم ينوه قبل النطق بالمستثنى منه لكان الاستثناء إلغاء لبعض مراد المتكلم، والاستثناء عند أهل اللغة ليس إلغاء، وإنما هو بيان أن الجملة ليست مرادة بكاملها منذ إنشاء الكلام.
والقول الثاني: أن هذا ليس شرطاً؛ بدليل ما تقدم من قول العباس: إلا الإذخر، فقال ﵊: «إلا الإذخر». ويظهر من الحال أن النبي ﷺ لم ينو الاستثناء.
وأيضاً ما ثبت من حديث أبي هريرة السابق أن النبي ﷺ قال: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً له في حاجته» وهو الأقرب.
الشرط الخامس: أن يكون الاستثناء صادراً من المتكلم نفسه.
فإذا كان الاستثناء صادراً من غيره فإنه لا يصح، ومثال ذلك: لو قال قائل: زوجتي طالقٌ ثلاثاً، ثم قال أبوه: إلا واحدة فإنه لا يصح، ولهذا قال الملك لسليمان ﵊: (قل إن شاء الله) ولم يستثن الملك.
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرط السادس: أن يستثني باللفظ إذا صرّح بالعدد.
أما إذا لم يصرح بالعدد فتكفي النية؛ لأن العام يرد في اللغة ويراد به الخاص.
مثال ذلك: لو قال قائل: رقيقي أحرار، وينوي إلا زيداً، فإنه يصح لأنه في اللغة العربية يصح أن يأتي العام ويراد به الخاص.
ومن ذلك أيضاً: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
ومن ذلك أيضاً: لو قال قائل: زوجاتي طوالق وينوي إلا هنداً، فإنه يصح.
أما إذا صرّح بالعدد فإنه لابد من اللفظ ولا تكفي النية؛ لأن العدد نص فلا يرفعه إلا النص، وعلى هذا لو قال قائل: زوجاتي الأربع طوالق وأراد إلا هنداً فإنه لا يصح؛ لأنه نص على العدد، ولا يرفع النص إلا النص؛ لأنه في قوته، والنية أضعف.
* المسألة الثالثة: إذا تعقّب الاستثناء جملاً.
إذا تعقّب الاستثناء جملاً فهل يعود للجملة الأخيرة أو يعود للجملة كلها؟
لا خلاف في أن الاستثناء المتعقب جملا إذا قامت قرينة تدل على أنه يعود إلى الجميع أو يعود إلى الأخيرة أو غيرها يعمل فيه بالقرينة، وإنما الخلاف فيما خلا عن قرينة تبين عود الاستثناء.
стр. 104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
* القول الأول: أنه يعود للجمل كلها، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لأن الشرط كالاستثناء في تعلقه بما قبله، والشرط إذا تعقب جملا متعاطفة عاد إلى الكل باتفاق، فيكون الاستثناء كذلك.
* القول الثاني: أنه يعود للجملة الأخيرة، وهو قول الحنفية؛ لأن العموم يثبت في كل صورة بيقين، وعود الاستثناء إلى جميعها مشكوك فيه، والمتيقن لا يرفع بالشك.
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] اشتملت هذه الآية على ثلاثة أحكام: فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون، ثم بعد ذلك استثنى الله الذين تابوا، فهل الاستثناء هنا يعود على الجمل كلها؟
والجواب: أما بالنسبة للجلد فالتوبة ليس لها أثر في إسقاطه، وأما عدم قبول الشهادة ووصفهم بالفسق، فالجمهور على أنهما يرتفعان بالتوبة، وعند الحنفية إنما يرتفع وصف الفسق فقط.
والصواب في ذلك: أنه عائد على الجميع إلا إذا دلت قرينة على أنه متعلق بالأخير.
стр. 105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
٢ - التخصيص بالشرط.
تعريف الشرط:
لغةً: التزام شيء وإلزامه.
اصطلاحاً: هو تعليق شيء على شيء بإنّ الشرطية أو إحدى أخواتها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢].
ف (ما): من صيغ العموم يعني كل ما ترك أزواجكم، ولكن قيده بقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، فالشرط خصص حكم العموم بعدم وجود الولد.
٣ - التخصيص بالصفة: ويقصد بها كل معنى يميز بعض المسميات، فيشمل النعت أو الحال أو الظرف أو الجار والمجرور، أو غير ذلك.
مثال النعت: قول النبي ﷺ : «من اشترى نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (١).
(نخلاً): يشمل المؤبر وغير المؤبر، لكنه خص بالمؤبر، فإذا كان مؤبراً يكون للبائع، وإذا لم يكن مؤبراً فيكون للمشتري.
ومثال الحال: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا
فحيث لا تعارض بين العام والخاص عمل بكلٍ منهما، وحيث ظنّ تعارضهما خص العام بالخاص)
قال ﵀: (فحيث لا تعارض بين العام والخاص عمل بكلٍ منهما، وحيث ظنّ تعارضهما خص العام بالخاص).
والمراد من ذلك بيان أن العام مع الخاص لهما حالتان:
* الحالة الأولى: ألا يكون بينهما تعارض.
وهذا إذا ورد الخاص بحكم، والعام بحكم يوافقه، فلا يخصص الخاص العام، بل يعمل بكلٍ منهما لعدم تعارضهما.
مثال ذلك: أكرم الطلبة، ثم تقول: أكرم خالداً، فهذا لا يقتضي التخصيص.
ومن ذلك أيضاً: حديث جابر بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (١).
فهذا نص عام في جميع أنواع الأرض من تراب ورمل وحجر ونحو ذلك وورد في حديث حذيفة: «جعلت تربتها لنا طهوراً» (٢).
وعند التأمل نجد أن حديث حذيفة ﵁ خاص بالتراب، وحديث جابر ﵁ عام في جميع أنواع الأرض، إلا أنه لا تعارض بينهما؛ وعليه فلا يخصص حديث حذيفة ما ثبت في حديث جابر ﵃، بل يبقى حديث
стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جابر على عمومه، فنقول: بجواز التيمم بكل نوع من أنواع الأرض، ويبقى حديث حذيفة على خصوصه؛ لأن التربة فردٌ من أفراد الأرض والحكم فيهما واحد.
وفائدة ذكر الخاص مع دخوله في العام: بيان عدم تخصيصه أو تفخيمه وإثبات مزيته على غيره، حيث أفرد في نص مستقل.
* الحالة الثانية: أن يكون بينهما تعارض في الظاهر.
وذلك إذا كان للخاص حكم يخالف حكم العام، فيخصص العام بالخاص.
مثال ذلك: أكرم الطلبة ثم تقول: لا تكرم خالداً، فهذا يقتضي التخصيص.
والتخصيص: هو إخراج بعض أفراد العام بدليل متصل أو منفصل، وتقدم.
* * *
стр. 109
(ومنها مطلق عن القيود، ومقيد بوصف أو قيد معتبر، فيحمل المطلق على المقيد).
قوله: (ومنها مطلق … ).
هذا نوع آخر من أنواع دلالات الألفاظ وهو المطلق والمقيد، وتحته عدد من المباحث:
* المبحث الأول: تعريف المطلق:
لغةً: هو المنفك عن قيد.
واصطلاحاً: هو اللفظ المتناول لواحدٍ لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.
أو: الدال على الحقيقة من غير وصف زائد عليها.
قولنا: (لواحد): يخرج العام، وبهذا نعرف الفرق بين العام والمطلق، فالمطلق يراد به واحد، والعام يشمل أكثر من واحد.
وبعض المتقدمين لا يفرقون بينهما، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق سواء» والفرق بينهما من التعريف كما تقدم، ومن حيث الحكم، فإن المطلق إذا ورد الأمر به لا يتناول جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحت اللفظ، بل تحصل براءة الذمة بواحد منها.
أما العام فيشمل جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحته، ولا تبرأ الذمة إلا بفعل الجميع.
وقولنا: (لا بعينه): يخرج المعرفة مثل: زيد.
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولنا: (باعتبار حقيقة شاملة لجنسه): أخرج المشترك والواجب المخير.
والمشترك: هو اتحاد اللفظ وتغير المعنى.
مثل: العين، وهذا يشمل عين الباب والجارية والذهب فهذا مشترك وليس مطلقاً.
والواجب المخير: هو ما خُير فيه المكلف بين أشياء.
مثل: قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فخير الشارع الفاعل بين هذه الأمور الثلاثة فهذا تخيير بين ثلاثة أشياء وليس مطلقاً.
وأما المقيد: فهو اللفظ المتناول لمعينٍ وغير معينٍ موصوفٍ بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
فقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: أي عن رقبة واحدة لكنها مطلقة، فتشمل الرقبة المسلمة والكافرة، والصغيرة والكبيرة، والمريضة والصحيحة، والذكر والأنثى.
وجاء تقييد الرقبة في كفارة القتل بأنها الرقبة المؤمنة ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فوصف الرقبة هنا بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.