← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1573

العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين

خالد المشيقح

Полный текст (304 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الطبعة الثانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقمت بحمد الله بشرح منظومة شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀، آمين، في عدة دورات في مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية والكويت، وآخر هذه الشروح قمت به في الحرمين الشريفين، في الحرم المكي الشريف ربيع الأول عام ١٤٣٤ هـ، وفي الحرم المدني في شعبان ١٤٣٤ هـ. وقد تميزت هذه المنظومة بأمور منها: أولاً: سهولة اللفظ ووضوح المعنى. ثانيًا: اشتملت على جملة من القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، والضوابط الفقهية، والفروق الفقهية. ثالثًا: أن ناظمها عالم كبير له قدم راسخة في فنون العلم. وقد أقبل عليها كثير من طلبة العلم بحفظها وتدارسها وذلك لما تقدم من سهولة لفظها ووضوح معانيها وما شملته من فنون العلم السالفة

стр. 2

الذكر. وقد قام الأخ/ محمد بن مفتاح الفهمي وفقه الله بتفريغ الأشرطة المسجلة وترتيبها والعناية بذلك. كما قام الأخ/ إبراهيم بن أحمد الحميضي وفقه الله بالعناية بتخريج الأحاديث، فجزاهما الله خيرًا. أسأل الله أن ينفع بها ناظمها، وشارحها، والمستفيد من ذلك، آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه أ. د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح أستاذ الدراسات العليا بجامعة القصيم - قسم الفقه في ١٥/ ٦/ ١٤٣٤ هـ

стр. 3

ترجمة المؤلف فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن سليمان بن عبد الرحمن ابن عثمان الوهيبي التميمي وجده الرابع أطلق عليه عثيمين فاشتهر به. مولده: ولد في مدينة عنيزة إحدى مدن القصيم في السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام ١٣٤٧ هـ. نشأته: قرأ القرآن الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن ابن سليمان آل دامغ ﵀ فحفظه، ثم اتجه إلى طلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الآداب، وكان الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ قد أقام اثنين من طلبة العلم عنده ليدرسا الطلبة الصغار أحدهما الشيخ علي الصالحي، والثاني الشيخ محمد بن عبد العزيز المطوع ﵀، قرأ عليه مختصر العقيدة الواسطية للشيخ عبد الرحمن السعدي، ومنهاج السالكين في الفقه للشيخ عبد الرحمن أيضًا، والأجرومية والألفية. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان في الفرائض والفقه. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي الذي يعتبر شيخه الأول حيث لازمه وقرأ عليه التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول

стр. 4

الفقه والفرائض ومصطلح الحديث والنحو والصرف. وكانت لفضيلة الشيخ منزلة عظيمة عند شيخه ﵀ فعندما انتقل والد الشيخ محمد ﵀ إلى الرياض إبان أول تطوره رغب في أن ينتقل معه ولده - الشيخ ﵀ فكتب له الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ (إن هذا لا يمكن نريد محمدًا أن يمكث هنا حتى يستفيد). ويقول فضيلة الشيخ ﵀: (إنني تأثرت به كثيرًا في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني، وكذلك أيضًا تأثرت به من ناحية الأخلاق لأن الشيخ عبد الرحمن ﵀ كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة، وكان ﵀ على قدر كبير في العلم والعبادة، وكان يمازح الصغير، ويضحك إلى الكبير، وهو من أحسن من رأيت أخلاقًا). قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حيث يعتبر شيخه الثاني، فابتدأ عليه قراءة صحيح البخاري وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض الكتب الفقهية. يقول الشيخ (تأثرت بالشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ من جهة العناية بالحديث، وتأثرت به من جهة الأخلاق أيضًا وبسط نفسه للناس). في عام ١٣٧١ هـ جلس للتدريس في الجامع، ولما فتحت المعاهد العلمية في الرياض التحق بها عام ١٣٧٢ هـ، يقول الشيخ ﵀: (دخلت المعهد العلمي من السنة الثانية، والتحقت به بمشورة من الشيخ علي الصالحي، وبعد أن استأذنت من الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله، وكان المعهد العلمي في ذلك الوقت ينقسم إلى قسمين خاص وعام، فكنت في القسم الخاص، وكان في ذلك الوقت أيضًا من شاء أن يقفز - كما يعبرون - بمعنى أنه يدرس السنة المستقبلية له في أثناء الإجازة ثم يختبرها في أول العام الثاني، فإذا نجح انتقل إلى السنة التي بعدها وبهذا اختصرت الزمن) ا هـ.

стр. 5

وبعد سنتين تخرج وعين مدرسًا في معهد عنيزة العلمي مع مواصلة الدراسة انتسابًا في كلية الشريعة ومواصلة طلب العلم على يد الشيخ عبد الرحمن السعدي. ولما توفي فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ تولى إمامة الجامع الكبير بعنيزة والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية بالإضافة إلى التدريس في المعهد العلمي ثم انتقل إلى التدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم بالإضافة إلى عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وكان لفضيلة الشيخ ﵀ نشاط كبير في الدعوة إلى الله وتبصير الدعاة في كل مكان وله جهود مشكورة في هذا المجال. والجدير بالذكر أن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ قد عرض بل ألح على فضيلة الشيخ في تولي القضاء، بل أصدر قراره بتعيينه رحمه الله تعالى رئيسًا للمحكمة الشرعية بالإحساء فطلب منه الإعفاء، وبعد مراجعات واتصال شخصي مع فضيلة الشيخ سمح رحمه الله تعالى بإعفائه من منصب القضاء. مؤلفاته: له رحمه الله تعالى مؤلفات كثيرة تزيد على المائة ما بين كتاب ورسالة. وفاته: كانت في عصر يوم الأربعاء بتاريخ ١٥/ ١٠/ ١٤٢١ هـ الموافق ١٠/ ١١/ ٢٠٠١ م وتم دفنه بمقبرة العدل بمكة المكرمة بجوار قبر شيخه العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. وأسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة وأن يجمعنا وإياه في جنات النعيم وأن يجزيه عما قدّم للإسلام والمسلمين خيرًا.

стр. 6

منظومة أصول الفقه وقواعده قال الناظم الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: ١ - الحمدُ للهِ المُعِيد المُبْدِي … مُعْطِي النَّوالِ كُلَّ مَنْ يَسْتَجدِيِ ٢ - مُثَبِّتِ الأحكامِ بالأصُولِ … مُعينِ مَنْ يَصْبُو إلى الوُصُولِ ٣ - ثُمَّ الصلاةُ مَعْ سَلامٍ قدْ أَتمْ … على الذِي أُعطِي جَوامِعَ الكَلِمْ ٤ - مُحَمّدِ المبعُوثِ رَحْمةَ الوَرَى … وَخَيرِ هادٍ لجَميعِ مَنْ دَرَى ٥ - وبعدُ فالعلمُ بحورٌ زاخِرَهْ … لنْ يَبْلغَ الكادِحُ فِيهِ آخِرَهْ ٦ - لكنَّ في أصولِهِ تَسْهِيلا … لنَيْلِه فَاحرصْ تجِدْ سَبِيلا ٧ - فاغْتنِمِ القواعدَ الأصُولا … فَمْن تَفُتْهُ يُحْرَمِ الوُصولا ٨ - وهَاكَ مِنْ هذِي الأصولِ جُمَلا … أرجُو بِها عالِ الجنَانِ نُزُلا ٩ - قواعِدًا مِنْ قولِ أَهلِ العِلْمِ … وليس لي فيها سِوىَ ذا النظْمِ القواعد والأصول ١٠ - الدينُ جاءَ لسعادَةِ البَشَرْ … ولانْتِفَاءِ الشَّرِّ عَنْهُم والضَّرَرْ ١١ - فكُلُّ أمرٍ نافعٍ قَدْ شَرَعَه … وكُلُّ ما يَضُرُّنَا قَدْ مَنَعَهْ ١٢ - ومعْ تساوِي ضَرَرٍ ومَنْفَعَه … يكونُ ممنوعًا لدَرْءِ المفْسَدَهْ ١٣ - وكُلُّ ما كَلَّفَهُ قدْ يُسِّرَا … من أَصْلِهِ وعِندَ عارضٍ طَرَا ١٤ - فاجْلِبْ لتيسيرٍ بِكُلِّ ذِي شَطَطْ … فليسَ فِي الدِّين الحَنيفِ مِنْ شَطَطْ ١٥ - وما استطعتَ افعَلْ مِنَ المأمُورِ … واجْتَنِبِ الكُلَّ مِنَ المحظورِ ١٦ - والشرعُ لا يَلزمُ قبلَ العِلمِ … دَليلُهُ فِعلُ المسِيَ فَافْتَهِمِ ١٧ - لكنْ إذا فَرَّطَ في التَّعلُّمِ … فَذَا مَحَلُّ نَظرٍ فَلْتَعْلَمِ ١٨ - وكُلَّ ممنوعٍ فَللضَّرورَةِ … يُباحُ والمكْرُوهُ عِنْدَ الحَاجةِ

стр. 7

١٩ - لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ … يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ ٢٠ - وما نُهِي عَنهُ من التَّعَبُّدِ … أوْ غَيرِهِ أفْسِدْه لا تَرَدَّدِ ٢١ - فكلُّ نَهيٍ عادَ للذَّواتِ … أو للشُروطِ مفْسِدًا سَيَاتِي ٢٢ - وإِنْ يَعُدْ لِخَارجٍ كالعِمّهْ … فَلنْ يَضِيرَ فافْهَمَنَّ العِلَّهْ ٢٣ - والأصلُ في الأشياءِ حِلٌّ وامْنَعِ … عِبَادَةً إلا بإذنِ الشَّارِعِ ٢٤ - فإنْ يقعْ في الحكمِ شَكٌ فارجعِ … للأصلِ في النوعَيْنِ ثم اتبِعِ ٢٥ - والأصلُ أنَّ الأمرَ والنَّهي حُتِمْ … إلا إذا النَّدبُ أو الكُرْهُ عُلِمْ ٢٦ - وكلُّ مَا رُتِّبَ فِيهِ الفَضْلُ … مِنْ غَيرِ أمرٍ فهْو نَدبٌ يَجْلُو ٢٧ - وكلُّ فِعلِ للنَّبيِّ جُرِّدَا … عن أمرِهِ فَغَيرُ وَاجِبٍ بَدَا ٢٨ - وإِنْ يكنْ مُبيِّنًا لأمرِ … فالحُكْمُ فيه حُكمُ ذاكَ الأمْرِ ٢٩ - وقدِّم الأعلَى لدَى التَّزاحُمِ … في صَالحٍ والعَكسُ في المظالِمِ ٣٠ - وادفعْ خفيفَ الضَّرَرَيْنِ بالأخفْ … وخذْ بعالِي الفاضَليْنِ لا تَخَفْ ٣١ - إنْ يَجْتَمِعْ معَ مُبِيحٍ ما مُنِعْ … فَقَدِّمَنْ تغليبًا الذي مُنِعْ ٣٢ - وكلُّ حكمٍ فَلِعِلَّةٍ تَبِعْ … إِنْ وُجِدَتْ يُوجَدْ وإلا يَمْتَنِعْ ٣٣ - وأَلْغِ كلَّ سابقٍ لسببِهْ … لا شرطِهِ فادْرِ الفروقَ وانتبهْ ٣٤ - والشَيءُ لا يَتِمُّ إلا أنْ تَتِمْ … شُروطُه ومَانِعٌ مِنهُ عُدِمْ ٣٥ - والظنُّ فِي العِبَادةِ المُعْتَبَرُ … ونَفسَ الامرِ في العُقُودِ اعتَبَرُوا ٣٦ - لكنْ إذَا تَبَيَّنَ الظنُّ خَطَا … فأبْرِيءِ الذّمةَ صَحِّحِ الخَطَا ٣٧ - كَرَجُلٍ صَلَّى قُبَيْلَ الوَقْتِ … فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ بَعْدَ الوَقتِ ٣٨ - والشَّكُّ بعدَ الفِعلِ لا يُؤثِّرُ … وهكذَا إذا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ ٣٩ - أوْتَكُ وَهْمًا مِثلَ وَسْوَاسٍ فَدَعْ … لِكلِّ وَسْوَاسٍ يَجِي بِه لُكَعْ ٤٠ - ثمَّ حديثُ النفسِ مَعْفُوٌّ فَلا … حُكمَ لهُ مَا لمْ يُؤَثِّرْ عَمَلا ٤١ - والأمرُ للفَورِ فَبَادِرِ الزَّمَنْ … إِلا إذَا دَلَّ دَليلٌ فاسْمَعَنْ ٤٢ - والأمرُ إنْ رُوعيَ فيهِ الفَاعلُ … فَذَاكَ ذُوعَيْنٍ وذَاكَ الفَاضِلُ ٤٣ - وإنْ يُرَاعَ الفِعْلُ معْ قطعِ النَّظَرْ … عنْ فاعِلِ فَذو كِفَايةٍ أُثِرْ ٤٤ - والأمرُ بعدَ النَّهيِ للحِلّ وَفيِ … قولٍ لِرفعِ النهي خُذْ بِه تَفِي

стр. 8

٤٥ - وافْعَلْ عَبادةً إذا تَنَوَّعَتْ … وُجُوهُهَا بِكلِّ مَا قَدْ وَرَدَتْ ٤٦ - لِتَفْعَلَ السُّنَّةَ في الوَجْهَيْنِ … وتحفظَ الشَّرْعَ بِذِي النّوعَيْنِ ٤٧ - والْزَمْ طرِيقَةَ النَّبِيِّ المُصْطفَى … وَخُذْ بِقَوْلِ الرَّاشِدِين الخُلَفَا ٤٨ - قولُ الصَّحابِيْ حُجَّةٌ على الأصَحْ … ما لمْ يُخالِفْ مِثلَه فمَا رَجَحْ ٤٩ - وحجَّةُ التّكْلِيفِ خُذهَا أربعَهْ … قرآنُنَا وَسُنَّةٌ مُثَبَّتَهْ ٥٠ - مِنْ بَعدِها إجماعُ هذِي الأُمَّهْ … والرَّابعُ القياسُ فَافْهَمَنَّهْ ٥١ - واحْكُمْ لِكلِّ عَامَلٍ بنيّتِه … واسْدُدْ على المحتَالِ بابَ حيلتِهْ ٥٢ - فإنَّما الأعمالُ بالنَّيَّاتِ … كَما أَتَى في خبرِ الثِّقاتِ ٥٣ - ويَحْرُمُ المُضِيُّ فيما فَسَدَا … إلا بحجِّ واعْتِمَارٍ أَبَدَا ٥٤ - والنَّفلُ جوِّزْ قطعَهُ مَا لم يَقَعْ … حَجًا وعُمرةً فَقَطعُهُ امْتَنَع ٥٥ - والإثمُ والضَّمانُ يَسقُطانِ … بِالجَهْلِ والإكراهِ والنِّسْيَانِ ٥٦ - إن كان ذا في حقِّ مولانا ولا … تُسقطْ ضمانًا في حقوق للمَلا ٥٧ - وكلُّ مُتْلَفٍ فمضمونٌ إذا … لَمَ يكْن الاتلافُ مِنْ دَفع الأَذَى ٥٨ - أويكُ مأذونًا به مِنْ مالكِ … أو ربِّنَا ذي المِلكِ خيرِ مالكِ ٥٩ - فكُلُّ ما يحصلُ مما قدْ أُذِنْ … فليس مضمونًا وعكسُهُ ضُمِنْ ٦٠ - ويُضْمَنُ المثليُّ بالمثلِ ومَا … ليس بمثليَّ بما قد قُوِّمَا ٦١ - وما على المُحسنِ مِنْ سبيلِ … وعكسُهُ الظالمُ فاسْمَع قِيْلِي ٦٢ - ثمَّ العُقودُ إنْ تَكُنْ مُعاوضَهْ … فَحَرِّرَنْهَا ودَعِ المخَاطَرَهْ ٦٣ - وإنْ تكُنْ تَبَرُّعًا أو تَوْثِقهْ … فأمْرُها أخفُّ فادْرِ التفرِقَهْ ٦٤ - لأنَّ ذِي إنْ حَصَلَتْ فَمَغْنَمْ … وإنْ تَفُتْ فَلَيس فِيها مَغْرَمْ ٦٥ - وكُلُّ ما أَتَى وَلمْ يُحَدَّدِ … بالشَّرِع كالحرْزِ فبالعُرفِ احْدُدِ ٦٦ - منْ ذاكَ صِيغاتُ العُقُودِ مُطلقًا … ونحوُها في قَولِ مَنْ قَدْ حَقَّقَا ٦٧ - واجْعَلْ كَلَفْظٍ كُلَّ عُرْفٍ مُطَّرِدْ … فَشَرطُنَا العُرفيُّ كَاللفْظِيْ يَرِدْ ٦٨ - وشَرْطُ عَقْدٍ كوْنُه منْ مَالكِ … وكلُّ ذِي ولايَةٍ كالمالكِ ٦٩ - وكلُّ مَنْ رِضاه غيرُ مُعْتَبَرْ … كُمْبْرَإٍ فعلمُهُ لا يُعْتَبَرْ ٧٠ - وكُلُّ دَعوَى لِفسادِ العَقْدِ … مَعَ ادِّعاءِ صِحَّةٍ لا تُجْدِي

стр. 9

٧١ - وكُلُّ مَا يُنكِرهُ الحِسُّ امنَعَا … سَمَاعَ دَعْواهُ وضِدَّهُ اسْمعَا ٧٢ - بيَّنةً أَلْزِمْ لكُلِّ مُدَّعِ … وَمُنْكِرًا أَلْزِمْ يمينًا تُطِعِ ٧٣ - كُلُّ أمِينٍ يدّعي الرَّدَّ قُبِلْ … مَالمْ يَكُنْ فِيمَا لَه حظٌ حَصَلْ ٧٤ - وَأطْلِق القَبُولَ في دَعْوَى التلَفْ … وكُلُّ مَنْ يُقْبَل قولُه حَلَفْ ٧٥ - أدِّ الأمانَ لِلذي قدْ أَمَّنَكْ … ولا تَخُنْ مَنْ خَان فَهْوَ قدْ هَلك ٧٦ - وَجَائِزٌ أخذُك مالًا استُحِقْ … شَرعًا ولو سِرًّا كَضَيفٍ فهْو حَقْ ٧٧ - قد يَثْبُتُ الشَّيءُ لغيرِهِ تَبَعْ … وإنْ يَكُنْ لوِ استَقَلَّ لا مْتَنَعْ ٧٨ - كَحَامِلٍ إنْ بِيعَ حَمْلُها امْتَنَعْ … وَلَوْ تُباعُ حَامِلًا لم يَمْتَنِعْ ٧٩ - وكُلُّ شَرطٍ مُفْسِدٍ للعقدِ … بِذِكرِهِ يُفسِدُهُ بِالقصْدِ ٨٠ - مِثْلُ نِكَاحِ قاصِدِ التَّحْلِيلِ … ومَنْ نَوى الطلاقَ للرَّحِيلِ ٨١ - لكنَّ مَنْ يَجْهلُ قَصْدَ صاحبِهْ … فالعقْدُ غيرُ فاسدٍ مِنْ جانبِهْ ٨٢ - لأنَّه لا يَعلمُ الذي أَسَرْ … فَأُجْرِيَ العَقْدُ على ما قدْ ظَهَرْ ٨٣ - والشَّرطُ والصُّلحُ إذا ما حلَّلا … مُحرَّمًا أو عكسُه لنْ يُقْبَلا ٨٤ - وكُلُّ مَشْغُولٍ فَليسَ يُشْغَلُ … بِمُسْقِطٍ لِما بِهِ يَنْشَغِلُ ٨٥ - كَمُبْدَلٍ في حُكْمِهِ اجعَلْ بَدَلا … ورُبَّ مَفْضُولٍ يكونُ أَفْضَلَا ٨٦ - كُلُّ استِدَامَةٍ فأقوى مِنْ بَدَا … فِي مِثْلِ طِيبِ مُحْرِمٍ ذَا قَدْ بَدَا ٨٧ - وكلُّ مَعلومٍ وجُودًا أو عَدَمْ … فالأصْلُ أنْ يَبْقَى على ما قد عُلِمْ ٨٨ - والنَّفْيُ للوُجُودِ ثُمَّ الصِّحهْ … ثُمّ الكَمَالِ فارْعَيَنَّ الرُتْبَهْ ٨٩ - وَالأصْلُ في القَيْدِ احترازٌ وَيَقِلْ … لِغَيْرِهِ كَكَشفِ تَعْليل جُهِلْ ٩٠ - وَإنْ تَعَذَّرَ اليَقِينُ فارْجِعَا … لِغَالِبِ الظَّنِّ تكنْ مُتَّبِعَا ٩١ - وكلُّ مَا لأمرُ بِهِ يَشْتَبِهُ … مِنْ غَيْرِ مَيْزٍ قُرعَةٌ تُوْضِحُهُ ٩٢ - وكلُّ مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيءَ علَى … وجْهٍ مُحَرَّمٍ فَمَنْعُه جَلا ٩٣ - وَضَاعِفِ الغُرْمَ عَلى مَنْ ثَبَتَتْ … عُقُوبةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَتْ ٩٤ - لِمَانعٍ كسارقٍ مِنْ غيرِ مَا … مُحَرَّزٍ وَمَنْ لِضالٍ كَتَمَا ٩٥ - وكلُّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيِّ جُعِلْ … كَمَيْتِهِ في حُكْمِهِ طُهْرًا وَحِلْ ٩٦ - وكانَ تَأتي للدَّوَامِ غالبًا … وليس ذا بِلازِمٍ مُصَاحِبًا

стр. 10

٩٧ - وإِنْ يُضَفْ جَمعٌ وَمُفردٌ يَعُمْ … والشَّرطُ والموصُولُ ذا لهُ انحتَم ٩٨ - مُنَكَّرٌ إِنْ بَعدَ إثباتٍ يَرِدْ … فَمُطلقٌ ولِلعُمومِ إنْ يَرِدْ ٩٩ - مِنْ بَعدِ نَفْيٍ نَهْيٍ استفهامِ … شَرْطٍ وَفي الإثبات للإنعامِ ١٠٠ - واعتبرِ العمومَ فِي نصًّ أُثِرْ … أمّا خُصُوصُ سَبَبٍ فَمَا اعْتُبِرْ ١٠١ - ما لمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِوَصْفِ … يُفيدُ عِلةً فَخُذْ بِالوَصْفِ ١٠٢ - وخَصِّصِ العامَّ بِخاصٍ وَرَدَا … كَقَيْدِ مُطلقٍ بِما قد قُيِّدَا ١٠٣ - ما لمْ يكُ التِّخْصيصُ ذِكرَ البعضِ … مِنَ العُمُومِ فالعُمُومَ أَمْضِ

стр. 11

التمهيد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فعنوان هذه المنظومة: (منظومة في أصول الفقه وقواعد الفقه). قوله: (منظومة) النظم لغة: يطلق على معان منها: التأليف، والترتيب. والنظم خلاف النثر. والمراد: الكلام المقفى الموزون. والأصول: جمع أصل: وهو ما يُبنى عليه غيره، أو ما يتفرع منه غيره، وسيأتي أن العلماء يطلقون الأصل ويريدون به عدة أشياء. (١) والفقه في اللغة: الفَهْم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨]. واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. قولنا: (معرفة): يشمل العلم والظن؛ لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيًا، وقد يكون ظنيًا. قولنا: (الأحكام): يأتي تعريف الأحكام عند الكلام على البيت الثاني من هذه المنظومة.

стр. 12

وقولنا: (الشرعية): أي: المتلقاة من الشرع، كالوجوب والحرمة. فخرج به الأحكام العقلية، كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء، والعادية كمعرفة أن الماء مروٍ، وأن الخبز مُشبع. قولنا: (العملية): يخرج الاعتقادية كتوحيد الله، ومعرفة أسمائه وصفاته، فلا يسمى ذلك فقهًا اصطلاحًا. وقولنا: (المكتسبة من الأدلة التفصيلية): أي: أن هذه الأحكام من الأدلة المفصِّلة للأحكام فخرج بذلك أصول الفقه؛ لأنه مكتسب من الأدلة الإجمالية. وتعريف أصول الفقه باعتباره فنًا مستقلًا هو: أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. فقولنا: (أدلة الفقه الإجمالية): يشمل الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها؛ لأن أدلة الفقه تنقسم قسمين: القسم الأول: أدلة متفق عليها. القسم الثاني: أدلة مختلف فيها، كما سيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في النظم. (١) وقولنا: (الإجمالية): يخرج أدلة الفقه، فإن أدلة الفقه تفصيلية. وقولنا: (كيفية الاستفادة منها): يعني معرفة طرق الاستنباط: الأمر، والنهي، والمطلق، والمقيد، والعام، والخاص … إلخ. وقولنا: (حال المستفيد): المستفيد: هو المجتهد، ففي أصول الفقه تُبْحَثُ أحكامُ المجتهد وما يُلحق بذلك من أحكام الفتوى، والتعارض، والترجيح؛ لأنها من خصائص المجتهد، وتدخل مباحث التقليد لكون المقلّد تابعًا له.

стр. 13

والقواعد لغة: جمع قاعدة، وهي تنقسم قسمين: القسم الأول: قواعد حسية مثل: قواعد البيت وأساسه قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. القسم الثاني: قواعد معنوية مثل: قواعد الفقه: [لا ضرر ولا ضرار]، و [الأمور بمقاصدها] … إلخ، والفقه سبق تعريفه (١). وعُرّفت القواعد الفقهية في الاصطلاح بتعاريف كثيرة. وهي - وإن اختلفت عباراتها - متقاربة المعنى وهي: حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته لتُعرف أحكامها منها. قولنا: (حكم) سيأتي تعريفه. (٢) وقولنا: (أغلبي): ليس كليًا وهذا من الفروق بين القواعد الفقهية، والقواعد الأصولية، فالقواعد الأصولية قواعد كلية، تندرج جميع الجزئيات تحتها. وأما القواعد الفقهية فهي أغلبية. وقولنا: (حكم أغلبي): أي أن هناك مسائل مستثناة من تلك القواعد تخالف أحكامها حكم القاعدة، وهذا الاستثناء لا ينقض كلية تلك القواعد ولا يقدح في عمومها للأسباب الآتية: أولًا: ما ذكره الشاطبي في موافقاته بقوله: إن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كليًا، وأيضًا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي. ثانيًا: إن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحًا في الكليات العقلية.

стр. 14

فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات. ثالثًا: إن تخلف مسألة ما عن حكم قاعدة لا يلزم منه اندراج هذه المسألة تحت حكم قاعدة أخرى، فالمسألة المُخرَّجة تندرج ظاهرًا تحت حكم قاعدة، ولكنها في الحقيقة مندرجة تحت حكم قاعدة أخرى. وهذا من باب تنازع المسألة بين قاعدتين. فليس إذًا استثناء جزئية من قاعدة ما بقادح في كلية هذه القاعدة ولا بمخرج لتلك الجزئية عن الاندراج تحت قاعدة أخرى. وقولنا: (لتعرف أحكامها منها): هذه فائدة القواعد الفقهية أنك تعرف الحكم من هذه القاعدة، فقد لا تستحضر الدليل لكن إذا استحضرت القاعدة الفقهية فإنك تعرف الحكم منها. مثال ذلك: من القواعد الفقهية: [الأصل في المياه الطهارة] فإنك تستدل بهذه القاعدة على أن الماء الذي غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء طهور؛ لأن الأصل في المياه الطهارة، فهذا الماء طهور يرفع الحدث، ويزيل الخبث، وأيضًا الماء المستعمل في رفع الحدث طهور … إلخ، فإذا كانت عندك هذه القاعدة فإنك تعرف الأحكام من هذه القاعدة. وقولنا: (لتعرف أحكامها منها): هذا بيان لثمرة القاعدة، وقد قيل: إن ثمرة الشيء لا تدخل في حقيقته. الفرق بين القاعدة الفقهية، والضابط الفقهي: الفقهاء كثيرًا ما يستعملون لفظ «القاعدة» ويَعْنُون بها الضابط ويستعملون لفظ «الضابط» ويَعْنُون به القاعدة لكن ثمة فروقًا بين القاعدة والضابط هي: الفرق الأول: أن القاعدة - كما سبق - تجمع فروعًا من أبواب شتى،

стр. 15

ويندرج تحتها من مسائل الفقه ما لا يحصى، وأما الضابط فإنه يختص بباب واحد من أبواب الفقه تعلل به مسائله، أو يختص بفرع واحد فقط مثاله: [كل ما صح بيعه صح رهنه]، فهو خاص بباب الرهن. الفرق الثاني: أن القاعدة في الأعم الأغلب متفق على مضمونها بين المذاهب أو متفق على أكثرها، وأما الضابط فقد يختص بمذهب معين بل منه ما يكون وجهة نظر فقيه واحد في مذهب معين قد يخالفه فيه فقهاء آخرون من المذهب نفسه مثاله: «المُحْرِمُ إذا أخر النسك عن وقته أو قدمه لزمه دم «هذا ضابطٌ» عند أبي حنيفة. وخالفه في ذلك غيره؛ منهم تلميذاه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. الفرق الثالث: أن القاعدة الفقهية فيها إشارة لمأخذ الحكم ودليل الحكم مثل: [الأمور بمقاصدها] فيه إشارة لمأخذ الحكم. بينما الضابط الفقهي لا يشير إلى مأخذ المسألة ودليلها، ومن أمثلة الضابط الفقهي: [ما جاز في الفريضة من الصلوات جاز في النفل] وطريقة جمهور من يصنّف في قواعد الفقه بحسب التتبع أنهم لا يفرقون بين القاعدة الفقهية، و الضابط الفقهي. وهذا يقع كثيرًا في قواعد ابن رجب ﵀، وفي كتاب الفروق للقَرَافي وغيرهم، بل إن بعضهم قد يذكر ضوابط كثيرة ويسميها كتاب القواعد، أو قواعد الفقه، وكثير منهم قد فرق بينهما من جهة الاصطلاح لكنه لم يفرق من جهة العمل والتطبيق. الفرق بين قواعد الأصول وقواعد الفقه: إذا نظرنا في قواعد الأصول وقواعد الفقه رأينا أن فروقًا عدة تميز بينهما منها: أولًا: أن قواعد الأصول تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها.

стр. 16

ثانيًا: أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله، وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية. وأما قواعد الفقه فإنما يراد بها ربط المسائل المختلفة الأبواب برباط متحد وحكم واحد هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله. ثالثًا: أن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية. وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية. وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلًا لها. رابعًا: أن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه فليست محصورة أو محدودة العدد، بل هي كثيرة جدًا منثورة في كتب الفقه العام وكتب الفتاوى في جميع المذاهب. خامسًا: أن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء فهي قواعد كلية مطردة - كقواعد العربية - بلا خلاف. وأما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب كالاستثناء بالنص، أو الإجماع، أو الضرورة، أو غير ذلك من أسباب الاستثناء، ولذلك يطلق عليها كثيرون بأنها قواعد أغلبية أكثرية لا كليَّة مطردة. ومع وضوح الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية فقد نجد قواعد مشتركة بين العلمين ولكن تختلف فيهما زاوية النظر، حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلًا إجماليًا يستنبط منه حُكم كلي، والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكمًا جزئيًا لفعل من أفعال المكلفين. فمثلًا قاعدة: [الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد]: ينظر إليها

стр. 17

الأصولي من حيث كونها دليلًا يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال. وينظر إليها الفقيه من حيث تعليل فعل من أفعال المكلفين فيبين حكمه من خلالها.

стр. 18

ميزة القواعد الفقهية وفوائدها الميزة الأولى: ما ذكره القَرَافي: إن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدًا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلا. هذه المقولة تعطينا ميزات عظيمة من ميزات القواعد الفقهية وهي كونها قواعد كثيرة جدًا غير محصورة بعدد، وهي منثورة في كتب الفقه العام والفتاوى والأحكام، وهو ﵀ قد أراد من تأليف كتابه (الفروق) جمع هذه القواعد في كتاب واحد يجمع شتاتها ويكشف أسرارها وحكمها. والميزة الثانية: إيجاز عبارتها مع عموم معناها وسعة استيعابها للمسائل الجزئية إذْ تصاغ القاعدة في جملة مفيدة مكونة من كلمتين، أو بضع كلمات من ألفاظ العموم، مثل قاعدة [العادة محكمة] وقاعدة: [الأمور بمقاصدها] وقاعدة: [المشقة تجلب التيسير] فكلٌّ من هذه القواعد تعتبر من جوامع الكلم؛ إذ يندرج تحت كل منها ما لا يحصى من المسائل الفقهية المختلفة. والميزة الثالثة: أن كلًا منها ضابط يضبط فروع الأحكام العملية ويربط بينها برابطة

стр. 19

تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها. وأما فوائد القواعد الفقهية فهي كثيرة جدًا نكتفي بذكر بعضٍ منها: أولًا: أنها تضبط الفروع الفقهية وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد مهما اختلفت موضوعاتها إذا اتحد حكمها. فهي بذلك تيسر على الفقهاء والمفتين ضبط الفقه بأحكامه كما قال القرافي: (من ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات). لأن حفظ جزئيات الفقه وفروعه يستحيل أن يقدر عليه إنسان، لكن حفظ القواعد مهما كثرت تدخل تحت الإمكان. ثانيًا: أنها تكوِّن عند الباحث ملكة فقهية قوية تُنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة، ومعرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل المتكررة. ثالثًا: أنها تعين القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة والنوازل الطارئة بأيسر سبيل وأقرب طريق. ولذلك قال بعضهم: إن حكم دراسة القواعد الفقهية والإلمام بها على القضاة والمفتين فرض عين، وعلى غيرهم فرض كفاية. رابعًا: أنها تربي عند الباحث ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة، وتوضح له وجهًا من وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب. خامسًا: أنها تظهر مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام، ومراعاته للحقوق والواجبات، وتسهل على غير المختصين بالفقه الاطلاع على محاسن هذا الدين، وتبطل دعوى من ينتقصون الفقه الإسلامي، ويتهمونه بأنه إنما يشتمل على حلول جزئية وليس قواعد كلية.

стр. 20

مراتب القواعد الفقهية القواعد الفقهية ليست نوعًا واحدًا، ولا في مرتبة واحدة، وإنما هي أنواع ومراتب: المرتبة الأولى: القواعد الكلية الكبرى ذوات الشمول العام للفروع والمسائل؛ حيث يندرج تحت كلِّ منها جُلُّ أبواب الفقه ومسائله وأفعال المكلفين. وهذه القواعد ست هي: ١ - قاعدة: [إنما الأعمال بالنيات أو الأمور بمقاصدها]. ٢ - قاعدة: [اليقين لا يزول - أو لا يرتفع - بالشك]. ٣ - قاعدة: [المشقة تجلب التيسير]. ٤ - قاعدة: [لا ضرر ولا ضرار أو الضرر يزال]. ٥ - قاعدة: [العادة محكّمة]. ٦ - قاعدة: [إعمال الكلام أولى من إهماله]. المرتبة الثانية: قواعد أضيق مجالًا من سابقاتها - وإن كانت ذوات شمول واسع - حيث يندرج تحت كل منها أعداد لا تحصى من مسائل الفقه في الأبواب المختلفة. ومثال ذلك قاعدة: [الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد - أو بمثله]. وقاعدة: [تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة]. المرتبة الثالثة: القواعد ذوات المجال الضيق التي لا عموم فيها حيث تختص بباب أو جزء باب، وهذه التي تسمى بالضوابط جمع ضابط وفي

стр. 21

هذا يقول عبد الوهاب بن السبكي ﵀ فالقاعدة: «الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها» ومنها ما لا يختص بباب كقولنا: [اليقين لا يرفع الشك] ومنها ما يختص كقولنا: [كل كفارة سببها معصية فهي على الفور]. والغالب فيما قصد بباب وقُصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطًا. المرتبة الرابعة: القواعد المذهبية التي تختص بمذهب دون مذهب، أو يعمل بمضمونها بعض الفقهاء دون الآخرين مع شمولها وسعة استيعابها لكثير من مسائل الفقه من أبواب مختلفة. وهذه تعتبر من أسباب اختلاف الفقهاء في إصدار الأحكام تبعًا لاختلاف النظرة في مجال تعليل الأحكام. ومن أمثلة هذه المرتبة: قاعدة: [لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل] وأساسها قولهم: [إن التهمة إذا تطرقت إلى فعل الفاعل حكم بفساد فعله] وهذه القاعدة يعمل بها الحنفية والحنابلة دون الشافعية، وقد يعمل بها المالكية ضمن قيود، ومنها عند الحنفية: [الأصل أن جواز البيع يتبع الضمان] وأما عند الشافعي: [فإن جواز البيع يتبع الطهارة] .... إلخ. موضوع أصول الفقه: هو معرفة الأدلة ومراتبها وأحوالها. مصادر أصول الفقه: المقصود بها: الأدلة والأصول التي بنيت عليها قواعده وهي: ١ - استقراء نصوص الكتاب والسنة الصحيحة. ٢ - الآثار المروية عن الصحابة والتابعين. ٣ - إجماع السلف الصالح. ٤ - قواعد اللغة العربية وشواهدها المنقولة عن العرب. ٥ - الفطرة والعقل السليم.

стр. 22

٦ - اجتهاد أهل العلم واستنباطاتهم وفق الضوابط الشرعية. فائدة أصول الفقه: من فوائد علم أصول الفقه: الفائدة الأولى: ضبط أصول الاستدلال، وذلك ببيان الأدلة الصحيحة من الزائفة. الفائدة الثانية: إيضاح الوجه الصحيح للاستدلال، فليس كل دليل صحيح يكون الاستدلال به صحيحًا. الفائدة الثالثة: تيسير عملية الاجتهاد وإعطاء الحوادث الجديدة ما يناسبها من الأحكام. الفائدة الرابعة: بيان ضوابط الفتوى، وشروط المفتي، وآدابه. الفائدة الخامسة: معرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين العلماء والتماس الأعذار لهم في ذلك. الفائدة السادسة: الدعوة إلى اتباع الدليل حيثما كان، وترك التعصب والتقليد الأعمى. الفائدة السابعة: حفظ العقيدة الإسلامية بحماية أصول الاستدلال، والرد على شبه المحرفين. الفائدة الثامنة: صيانة الفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة. الفائدة التاسعة: ضبط قواعد الحوار والمناظرة؛ وذلك بالرجوع إلى الأدلة الصحيحة المعتبرة. الفائدة العاشرة: الوقوف على سماحة الشريعة ويسرها والاطلاع على محاسن هذا الدين. • • •

стр. 23

أهم المؤلفات في القواعد الفقهية المؤلفات في القواعد الفقهية كثيرة، ومن أهم هذه الكتب: في مذهب الحنفية: ١ - أصول الكرخي (ت ٣٤٠ هـ). ٢ - تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي (ت ٤٣٠ هـ). ٣ - الأشباه والنظائر لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ). وفي مذهب المالكية: ١ - كتاب الفروق للقرافي (ت ٦٨٤ هـ). ٢ - القواعد لمحمد بن محمد المقري (ت ٧٥٨ هـ). ٣ - إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، لأحمد بن يحيى الونشريسي (ت ٩١٤ هـ). وفي مذهب الشافعية: ١ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ). ٢ - الأشباه والنظائر، لتاج الدين عبد الوهاب السبكي (ت ٧٧١ هـ). ٣ - الأشباه والنظائر، لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ). ومن كتب الحنابلة: ١ - القواعد النورانية الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ). ٢ - كتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائد، لابن رجب (ت ٧٩٥ هـ).

стр. 24

العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين قال المؤلف ﵀: [بسم الله الرحمن الرحيم]: [الباء]: حرف جر للمصاحبة أو للاستعانة وكسرت الباء وإن كان حق الحروف المفردة الفتح للزومها الحرفية والجر، ولِتشابهِ حركتها عملها. و [اسم]: اسم مجرور بالباء وحذفت الألف من (اسم)؛ لكثرة الاستعمال، والجار والمجرور مُتعلق بمحذوف وهذا المحذوف نقدره فعلًا مؤخرًا مناسبًا للمقام وإنما قدره العلماء فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ونقدره مؤخرًا لأمرين: الأمر الأول: التبرك بالبداءة باسم الله . الأمر الثاني: الحصر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. وقدرناه مناسبًا للمقام؛ لأنه أدل على المراد، فمثلًا إذا أردت أن تقرأ تقول: (باسم الله) التقدير باسم الله أقرأ، وإذا أردت أن تذبح قلت: (باسم الله) فالتقدير: باسم الله أذبح هذا أدل على المراد من قولنا: (باسم الله ابتدئ) فكونك تقدره بأقرأ إذا أردت أن تقرأ أولى من أن تقدره بابتديء؛ لأن أقرأ أدل على المراد الذي تريد أن تفعله. [والله]: أصله الإله حُذفت الهمزة وأُدغمت اللام في اللام فقيل: (الله)، ومعنى (الله) أي ذي الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين. فإذا جُمِع بين لفظ الجلالة وبين الرب فإن (لفظ الجلالة) يُفسَّر بتوحيد الألوهية يعني ذا الألوهية على خلقه أجمعين، (والرب) يفسَّر بتوحيد

стр. 25

الربوبية يعني ذا الربوبية على خلقه أجمعين. وأما إذا قيل: (الله) فقط في بسم الله فإن لفظ الجلالة نُفسره بذي الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين، ومعنى (ذو الألوهية) أي الذي تألهه القلوب محبة وتعظيمًا، (ومعنى الربوبية) أي المالك الخالق المدبر وهو الذي ربَّى عباده تربية عامة وتربية خاصة فالله ربّاهم وأوجدهم من العدم ورزقهم من النعم. وقوله: [الله]: علم على الباري جل وعلا من أسمائه الخاصة وهو أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العليا، ولذا يضاف إليه بقية أسماء الله فيقال: الرحمن، والرحيم من أسماء الله ولا يقال: (الله) من أسماء الرحمن أو الرحيم … إلخ. قوله: [الرحمن]: هذا أيضًا من أسماء الله الخاصة به وهو ذو الرحمة الواسعة. قوله: [الرحيم]: أي ذو الرحمة الواصلة. • • •

стр. 26

١ - الحمدُ للهِ المُعِيد المُبْدِي … مُعْطِي النَّوالِ كُلَّ مَنْ يَسْتَجدِيِ قوله: [الحمد لله]: الحمد عُرّف لغة: بأنه الثناء بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة، سواء أكان ذلك في مقابلة نعمة أم لم يكن كذلك. وفي الاصطلاح: قيل: بأنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره، وفيه إشارة إلى أن الحمد متعلق بالإنعام وليس كذلك بل يتعلق بجميع صفات الكمال. وعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله بأنه: (وصف المحمود بصفات الكمال محبة وتعظيمًا). قال ابن القيم ﵀: (فإن تجرد الحمد عن المحبة والتعظيم فهو مدح، وإن اقترن بالحمد محبة وتعظيمًا فهو حمد) وبهذا نَعْرِف الفرق بين الحمد والمدح؛ فالحمد يكون مع المحبة والتعظيم، والمدح لا يكون معهما. وهنا الألف واللام للجنس المفيدة للاستغراق، فالمحامد كلها لله إما مِلْكًا وهذا فيما يتعلق بحمد العباد له سبحانه، وحمد العباد بعضهم لبعض، أو استحقاقًا وهذا فيما يتعلق بحمد الله لنفسه. قوله: [لله]: اللام للاختصاص، والاستحقاق، ولفظ الجلالة سبق تعريفه. والحمد ينقسم قسمين: القسم الأول: حمد مطلق، وهذا خاص بالله ؛ فالله يُحمد على كل صفاته وكل أسمائه وأفعاله. القسم الثاني: حمد مُقيّد وهذا يكون للمخلوق؛ فالمخلوق لا يُحمد حمدًا مطلقًا وإنما يُحمد حمدًا مقيدًا، يُحمد على هذا الفعل ولا يُحمد على ذلك الفعل؛ لأن المخلوق ناقص، ولهذا يأتينا أن الناظم ﵀ ذكر من أسماء النبي ﷺ محمد (١) وسُمي بذلك؛ لكثرة محامده.

стр. 27

قوله: [المعيد]: هذه صفة من صفات الله ؛ فالذي يُعيد الأشياء - يعني يرجعها مرة بعد أخرى - هو الله فالله المنفرد بإبداء الخلق، وإعادته مرة أخرى، فلا يشاركه في ذلك مشارك، وهو الذي يبعث الشمس ثم يعيدها مرة أخرى بعد غروبها. قوله: [المبدي]: بدأ الله الخلق أي خلقهم وهاتان صفتان لله : الإعادة والابتداء قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣]. قوله: [معطِي النَّوالِ]: معطي هذا ظاهر. والنَّوال: هو العطاء وهو المفعول الأول لاسم الفاعل معطي؛ لأن أعطى تنصب مفعولين: المفعول الأول (النَّوال)، والمفعول الثاني (كل). قوله: [كل من يستجدي]: الاستجداء: الطلب، والمعنى أن الله تعالى يعطي العطاء كل من يطلبه منه. • • •

стр. 28

٢ - مُثَبِّتِ الأحكامِ بالأصُولِ … مُعينِ مَنْ يَصْبُو إلى الوُصُولِ قوله: [مثبت الأحكام]: يعني أن الأحكام تؤخذ من الأصول والمراد بالأصول هنا الأدلة فالأحكام تثبت وتؤخذ من الأصول والأحكام جمع حكم. والحكم في اللغة: المنع. وأما في الاصطلاح: فهو إثبات أمرٍ لأمر، أو نفيه عنه. والأحكام يقسمها العلماء ثلاثة أقسام: القسم الأول: أحكام شرعية. القسم الثاني: أحكام عقلية. القسم الثالث: أحكام عادية. والأحكام الشرعية يقسمها الأصوليون إلى قسمين: القسم الأول: الأحكام التكليفية، والحكم التكليفي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. القسم الثاني: الأحكام الوضعية: والحكم الوضعي: هو خطاب الشارع المتعلّق بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو كونه صحيحًا، أو فاسدًا، أو رخصة، أو عزيمة، أو أداء، أو إعادة، أو قضاء. والفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية: أن الحكم التكليفي أمر، وطلب كالأمر بالصلاة، أما الوضعي فهو إخبار. والحكم التكليفي يشترط فيه علم المكلف وقدرته على الفعل كالصلاة والصيام مثلًا بخلاف الحكم الوضعي، كالصبي مثلًا فإنه وإن لم يكن مكلفًا يغرم المتلفات. والحكم الشرعي: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين

стр. 29

بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والحكم العقلي: هو معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عقلًا؛ مثل الكل أكبر من الجزء. والحكم العادي: هو معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عادة مثل الماء مرو، والخبز مشبع، والنار حارة .... إلخ. قوله: [بالأصول]: الأصول: جمع أصل، وتقدم أن الأصل ما يُبنى عليه غيره أو ما يتفرع منه غيره. واعلم أن العلماء ﵏ يطلقون الأصل على عدة إطلاقات: الإطلاق الأول: الدليل فمثلًا يقولون: الأصل في وجوب الصوم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ويقولون أيضًا: الأصل في وجوب الصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. الإطلاق الثاني: القاعدة المستمرة فمثلًا يقولون: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل؛ لأن الأصل تحريم الميتة. الإطلاق الثالث: في باب القياس فيُطلقون الأصل على المقيس عليه؛ لأن القياس له أركان أربعة: الركن الأول: الأصل: وهو المقيس عليه. الركن الثاني: الفرع: وهو المقيس. الركن الثالث: العلة الجامعة. الركن الرابع: الحكم: وهو محل القياس. الإطلاق الرابع: الراجح. قوله: [من يصبو]: أي يميل. قوله: [إلى الوصول]: أي إلى مقصوده من تعلم العلم والوصول إلى

стр. 30

الحق، فالله جل وعلا يعين كل شخص يطلب الوصول إلى الحق لكن قد يتخلف المقصود لوجود مانع أو لحكمة أرادها الله . وهذا البيت: [مثبت الأحكام بالأصول … معين من يصبو إلى الوصول] يسميه علماء البلاغة: براعة الاستهلال، وبراعة الاستهلال: أن يأتي المؤلف في خطبة كتابه ما يفيد بيان موضوع ما سيؤلف فيه، أو يتحدث عنه. مثال ذلك: إذا أراد الإنسان أن يؤلف في الفقه فإنك تجده يقول: الحمد لله الذي فَقَّه من شاء من عباده بكتابه، وسنة نبيه ﷺ . وإذا أراد أن يؤلف كتابًا في النكاح يقول: الحمد لله الذي أمر بالزواج .. إلخ. ونظير ذلك قول الشيخ السعدي ﵀ في منظومته في الأصول والقواعد الفقهية: الحمد لله العلي الأرفق … وجامع الأشياء والمفرق (١) قوله: [وجامع الأشياء]: أفاد أنه سينْظُم أبياتًا تجمع أشياء متفرقة وهي القواعد الفقهية. • • •

стр. 31

٣ - ثُمَّ الصلاةُ مَعْ سَلامٍ قدْ أُتمْ … على الذِي أُعطِي جَوامِعَ الكَلِمْ قوله: [ثم الصلاة]: قال الأزهري ﵀ في تعريفها: (معناها من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء والتضرع) والراجح ما قاله أبو العالية ﵀ كما في صحيح البخاري: (الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى) (١). وقال ابن القيم ﵀ في كتابه جلاء الأفهام: (الصلاة المأمور بها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه، وإظهار شرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه) فإذا قلنا: اللهم صلِّ على محمد فإننا ندعو الله أن يفعل ذلك بنبيه ﷺ وهو الثناء عليه، وأن يظهر شرفه، ويقربه ويكرمه. قال ابن القيم ﵀: (وصلاتنا سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك به) وهذا القول هو الصواب. وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه جلاء الأفهام في هذه المسألة، وردَّ القول بأن المراد بالصلاة الرحمة ومما ذكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. فإن الواو تقتضي المغايرة، وعطف الرحمة على الصلاة يدل ذلك على أن الصلاة ليست بمعنى الرحمة، وأيضًا لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختلف السلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء. قوله: [مع سلام]: السلام: اسم مصدر من سلم، ومصدره تسليم، والسلام اسم من أسماء الله كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ

стр. 32

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه والسالم من النقص، ومن كل ما ينافي كماله. والسلام أيضًا يطلق على التحية، وعلى الأمان، وعلى السلامة من النقائص. فإذا قلت: (السلام عليك أيها النبي) فأنت تدعو للنبي ﷺ بالسلامة من كل آفة، والدعاء للنبي ﷺ بالسلامة ينقسم قسمين: القسم الأول: دعاء بالسلامة الحسية. القسم الثاني: دعاء بالسلامة المعنوية. أما الدعاء بالسلامة الحسية: ففي حياته أن يحفظ بدن النبي ﷺ من النقائص والآفات … إلخ. وبعد مماته تدعو أن يسلمه الله من أهوال يوم القيامة؛ فإن الرسل يجثون على ركبهم من شدة هول ذلك اليوم ويدعون «اللهم سلِّم سلِّم». (١) وأما الدعاء بالسلامة المعنوية: فهي أن تدعو لسنته وشرعه بالسلامة من تأويل المبطلين وانتحال الغالين. قوله: [قد أتم]: يعني أنه ينبغي للإنسان أن يُسلِّم تسليمًا تامًا كما قال تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ولهذا أتى الله بالمصدر الذي يفيد التأكيد. قوله: [على الذي أُعطي جوامع الكلم]: الجوامع: جمع جامع. والكلم: أي الكلمات. وجوامع الكلم: ما قل لفظه وكثر معناه، والنبي ﷺ أُعطي جوامع الكلم. (٢) أي أنه اختصر له الكلام؛ فتجد في السنة كلمات جمعت أشياء

стр. 33

كثيرة، فمثلًا قوله ﷺ في حديث عمر ﵁: «إنما الأعمال بالنيات» (١) يدخل تحت هذا الحديث من المسائل والتفريعات الشيء الكثير فهو داخل في جملة أبواب الفقه والشريعة. وأيضًا قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) يعني عمله مردود عليه. يدخل تحته الشيء الكثير. • • •

стр. 34

٤ - مُحَمّدِ المبعُوثِ رَحْمة الوَرَى … وَخَيرِ هادٍ لجَميعِ مَنْ دَرَى قوله: [محمد]: اسم من أسماء النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. والنبي ﷺ له أسماء: ١ - محمد كما ذكره الناظم ﵀. ٢ - أحمد كما قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. ٣ - الحاشر. ٤ - العاقب. ٥ - المُقَفِّي. ٦ - الماحي. ٧ - نبي الرحمة. ٨ - نبي التوبة. لما روى جبير بن مطعم ﵁ قال ﷺ : «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد» (١) متفق عليه. وروى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٢) رواه مسلم. ومحمد على وزن مُفَعَّل سمي بذلك؛ لكثرة محامده ﷺ ، فإن النبي ﷺ له محامد فاق بها بقية البشر فهو ﷺ يحمد أكثر وأفضل مما يحمد غيره.

стр. 35

قوله: [المبعوث]: أي المرسل، فالبعث بمعنى الإرسال قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]. قوله: [رحمة الورى]: الورى هم الخلق وهذا يشمل الجن والإنس. وقوله: [رحمة]: هذا فيه بيان حكمة من حكم بعث الرسل فالرسل بعثوا لحكمتين: الحكمة الأولى: رحمة للخلق. الحكمة الثانية: إقامة الحجة عليهم؛ أي: على الخلق. أما الحكمة الأولى فدليلها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وأما الحكمة الثانية فدليلها قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. ومن خصائص النبي ﷺ أنه بُعث إلى الناس كافة، وأما الرسل قبله فما كانوا يبعثون إلا إلى قومهم خاصة. قوله: [وخير هاد]: هذه صفة لقوله: (محمد) وهاد من الهدَاية وهي: الدلالة. والهداية تنقسم قسمين: القسم الأول: هداية الدلالة والإرشاد. القسم الثاني: هداية التوفيق. هداية الدلالة والإرشاد: هي التي أُثبتت للرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أي أنك تدل وتبيّن وتوضح. وأما هداية التوفيق فهي خاصة بالله كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقوله ﵀ هنا: (خير هاد) من الهداية التي بمعنى الدلالة والإرشاد

стр. 36

وليست من الهداية التي بمعنى التوفيق. قوله: [لجميع من درى]: يعني كل من كان ذا علم ودراية وبصيرة فإنه يعرف هداية النبي ﷺ ، وأما أعمى البصيرة، فإنه لا يعرفها؛ لأن النبي ﷺ جاء بالنور من عند الله، نور الوحيين (الكتاب، والسنة)، والوحيان أمرهما ظاهر وبيِّن فكل من قرأهما وسمعهما فإنه يهتدي بإذن الله . • • •

стр. 37

٥ - وبعدُ فالعلمُ بحورٌ زاخِرَهْ … لنْ يَبْلغَ الكادِحُ فِيهِ آخِرَهْ قوله: [وبعد فالعلم]: (بعد) ظرف زمان مبني على الضم، وقد اختلف العلماء ﵏ في الفائدة من (أما بعد) فقال بعض العلماء: يُؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر. وقال بعضهم: يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع وهذا القول هو الصواب. واختلف العلماء ﵏ في أول من تكلم ب (أما بعد): فقيل: داود ﵇، وقيل: يعقوب ﵇، وقيل: بأنه يَعْرُب بن قحطان، وقيل: قِس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي. قال ابن حجر: (والأول أشبه). وقوله: [فالعلم]: العلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه. قوله: [بحور]: جمع بحر والبحر معروف. ولا شك أن العلم بحور وفنون متنوعة، كعلم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الحديث … إلخ. قوله: [زاخرة]: أي ممتلئة. قوله: [لن يبلغ الكادح فيه آخره]: الكادح: هو المُجِدُّ في العمل، أي أن الإنسان مهما جد واجتهد فإنه لن يبلغ آخر العلم؛ لأنه لن يستطيع أحد أن يبلغ البحر مهما كان وبهذا نستفيد من كلام المؤلف ﵀ أن الإنسان لا يلزم أن يكون فقيهًا مدققًا يعني أن يبلغ الغاية في الفقه، أو أن يكون أصوليًا محرِّرًا، أو أن يكون محدثًا حافظًا، هذا ليس بلازم؛ لأنه كما ذكر الشيخ ﵀ أن العلم بحور زاخره … إلخ. لكن الإنسان يجدّ ويجتهد ولا يشترط أن يبلغ النهاية فإن بلوغ النهاية هذا غير ممكن. • • •

стр. 38

٦ - لكنَّ في أصولِهِ تَسْهِيلا … لنَيْلِه فَاحرصْ تجِدْ سَبِيلا قوله: [لكن في أصوله]: أي أن في أصول العلم تسهيل لنيله، وهذه فائدة من فوائد أصول الفقه والقواعد الفقهية، فإن الإنسان إذا عرف القواعد الفقهية وأصول الفقه عرف كثيرًا من الفروع، وقد تقدم قريبًا بيان فوائد القواعد الفقهية، وأصول الفقه. قوله: [في أصوله]: تقدم تحرير ذلك. (١) قوله: [فاحرص]: الحرص: شدة الرغبة في الشيء. قوله: [تجد سبيلا]: يعني طريقًا إلى معرفة العلم، والوصول إلى ما قصدت معرفته وذلك بضبط هذه الأصول والقواعد. • • •

стр. 39

٧ - فاغْتنِمِ القواعدَ الأصُولا … فَمْن تَفُتْهُ يُحْرَمِ الوُصولا قوله: [اغتنم]: خُذ واظفر بالقواعد والأصول كما أن المجاهد يحرص على أن يظفر بالغنيمة. قوله: [فمن تفته]: (من) اسم شرط جازم، و (تفته) فعل الشرط. قوله: [يحرمِ الوصولا]: (يحرم) جواب الشرط وحُرِّك لالتقاء الساكنين، يعني يُحرَم أن يصل إلى مقصوده من التمكن من العلم، ففرق بين شخص ألمّ بهذه الأصول والقواعد فإنه يتمكن من العلم وبين شخص قد فاتته هذه الأصول والقواعد فإنه سبب للحرمان من التمكن، وهذا ليس خاصًا فقط بأصول الفقه وقواعده، بل في مصطلح الحديث إذا ألمّ بقواعد الجرح، والتعديل، وما يتعلق بقواعد التصحيح … إلخ. فإنه يضبط علم الحديث وإذا فاتته مثل هذه القواعد فإنه يُحرم الوصول إلى الضبط وهكذا في قواعد التفسير، وغير ذلك من الفنون. • • •

стр. 40

٨ - وهَاكَ مِنْ هذِي الأصولِ جُمَلا … أرجُو بِها عالِ الجنَانِ نُزُلا قوله: [هاك]: اسم فعل أمر بمعنى خذ، والفرق بين اسم الفعل والفعل: أنه إن جاز إسناده إلى ألف الاثنين وواو الجماعة وياء المخاطبة فهو فعل، وإن لم يجز فهو اسم فعل. وهاك: لا يتغير إذا خاطبت به الواحد والاثنين والجماعة وإنما يتغير كاف الخطاب فقط. قوله: [من]: هذه تبعيضية فالشيخ ﵀ لم يذكر كافة الأصول والقواعد وإنما ذكر منها جملة، والذي ذكره الشيخ ﵀ إذا تأمله الإنسان يجد أنه استوعب مهمات الأصول والقواعد كما سيأتي إن شاء الله. قوله: [أرجو]: يعني أسأل الله ونسأل الله لشيخنا أن يُحقق له مطلوبه بأن يُجيب سُؤْله. قوله: [عال الجنان نزلا]: يعني العالي منها وهي: جنة الفردوس فإن النبي ﷺ قال: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تُفجَّر أنهار الجنة». (١) قوله: [الجنان]: جمع جنة وهي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها تُجِنّ من دخلها لكثرة أشجارها؛ أو لأنها مُجْتَنَّة يعني مستترة بكثرة أشجارها. قوله: [نزلًا]: أي منزلًا وضيافة.
следующие страницы →