وليست من الهداية التي بمعنى التوفيق.
قوله: [لجميع من درى]: يعني كل من كان ذا علم ودراية وبصيرة فإنه يعرف هداية النبي ﷺ ، وأما أعمى البصيرة، فإنه لا يعرفها؛ لأن النبي ﷺ جاء بالنور من عند الله، نور الوحيين (الكتاب، والسنة)، والوحيان أمرهما ظاهر وبيِّن فكل من قرأهما وسمعهما فإنه يهتدي بإذن الله .
• • •
стр. 37
٥ - وبعدُ فالعلمُ بحورٌ زاخِرَهْ … لنْ يَبْلغَ الكادِحُ فِيهِ آخِرَهْ
قوله: [وبعد فالعلم]: (بعد) ظرف زمان مبني على الضم، وقد اختلف العلماء ﵏ في الفائدة من (أما بعد) فقال بعض العلماء: يُؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر.
وقال بعضهم: يؤتى بها للانتقال من المقدمة إلى صلب الموضوع وهذا القول هو الصواب.
واختلف العلماء ﵏ في أول من تكلم ب (أما بعد):
فقيل: داود ﵇، وقيل: يعقوب ﵇، وقيل: بأنه يَعْرُب بن قحطان، وقيل: قِس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي.
قال ابن حجر: (والأول أشبه).
وقوله: [فالعلم]: العلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه.
قوله: [بحور]: جمع بحر والبحر معروف. ولا شك أن العلم بحور وفنون متنوعة، كعلم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الحديث … إلخ.
قوله: [زاخرة]: أي ممتلئة.
قوله: [لن يبلغ الكادح فيه آخره]: الكادح: هو المُجِدُّ في العمل، أي أن الإنسان مهما جد واجتهد فإنه لن يبلغ آخر العلم؛ لأنه لن يستطيع أحد أن يبلغ البحر مهما كان وبهذا نستفيد من كلام المؤلف ﵀ أن الإنسان لا يلزم أن يكون فقيهًا مدققًا يعني أن يبلغ الغاية في الفقه، أو أن يكون أصوليًا محرِّرًا، أو أن يكون محدثًا حافظًا، هذا ليس بلازم؛ لأنه كما ذكر الشيخ ﵀ أن العلم بحور زاخره … إلخ. لكن الإنسان يجدّ ويجتهد ولا يشترط أن يبلغ النهاية فإن بلوغ النهاية هذا غير ممكن.
• • •
стр. 38
٦ - لكنَّ في أصولِهِ تَسْهِيلا … لنَيْلِه فَاحرصْ تجِدْ سَبِيلا
قوله: [لكن في أصوله]: أي أن في أصول العلم تسهيل لنيله، وهذه فائدة من فوائد أصول الفقه والقواعد الفقهية، فإن الإنسان إذا عرف القواعد الفقهية وأصول الفقه عرف كثيرًا من الفروع، وقد تقدم قريبًا بيان فوائد القواعد الفقهية، وأصول الفقه.
قوله: [في أصوله]: تقدم تحرير ذلك. (١)
قوله: [فاحرص]: الحرص: شدة الرغبة في الشيء.
قوله: [تجد سبيلا]: يعني طريقًا إلى معرفة العلم، والوصول إلى ما قصدت معرفته وذلك بضبط هذه الأصول والقواعد.
• • •
стр. 39
٧ - فاغْتنِمِ القواعدَ الأصُولا … فَمْن تَفُتْهُ يُحْرَمِ الوُصولا
قوله: [اغتنم]: خُذ واظفر بالقواعد والأصول كما أن المجاهد يحرص على أن يظفر بالغنيمة.
قوله: [فمن تفته]: (من) اسم شرط جازم، و (تفته) فعل الشرط.
قوله: [يحرمِ الوصولا]: (يحرم) جواب الشرط وحُرِّك لالتقاء الساكنين، يعني يُحرَم أن يصل إلى مقصوده من التمكن من العلم، ففرق بين شخص ألمّ بهذه الأصول والقواعد فإنه يتمكن من العلم وبين شخص قد فاتته هذه الأصول والقواعد فإنه سبب للحرمان من التمكن، وهذا ليس خاصًا فقط بأصول الفقه وقواعده، بل في مصطلح الحديث إذا ألمّ بقواعد الجرح، والتعديل، وما يتعلق بقواعد التصحيح … إلخ. فإنه يضبط علم الحديث وإذا فاتته مثل هذه القواعد فإنه يُحرم الوصول إلى الضبط وهكذا في قواعد التفسير، وغير ذلك من الفنون.
• • •
стр. 40
٨ - وهَاكَ مِنْ هذِي الأصولِ جُمَلا … أرجُو بِها عالِ الجنَانِ نُزُلا
قوله: [هاك]: اسم فعل أمر بمعنى خذ، والفرق بين اسم الفعل والفعل: أنه إن جاز إسناده إلى ألف الاثنين وواو الجماعة وياء المخاطبة فهو فعل، وإن لم يجز فهو اسم فعل.
وهاك: لا يتغير إذا خاطبت به الواحد والاثنين والجماعة وإنما يتغير كاف الخطاب فقط.
قوله: [من]: هذه تبعيضية فالشيخ ﵀ لم يذكر كافة الأصول والقواعد وإنما ذكر منها جملة، والذي ذكره الشيخ ﵀ إذا تأمله الإنسان يجد أنه استوعب مهمات الأصول والقواعد كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: [أرجو]: يعني أسأل الله ونسأل الله لشيخنا أن يُحقق له مطلوبه بأن يُجيب سُؤْله.
قوله: [عال الجنان نزلا]: يعني العالي منها وهي: جنة الفردوس فإن النبي ﷺ قال: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تُفجَّر أنهار الجنة». (١)
قوله: [الجنان]: جمع جنة وهي الدار التي أعدها الله لأوليائه في الآخرة، وسميت بهذا الاسم؛ لأنها تُجِنّ من دخلها لكثرة أشجارها؛ أو لأنها مُجْتَنَّة يعني مستترة بكثرة أشجارها.
قوله: [نزلًا]: أي منزلًا وضيافة.
стр. 41
٩ - قواعِدًا مِنْ قولِ أَهلِ العِلْمِ … وليس لي فيها سِوىَ ذا النظْمِ
قوله: [قواعدًا]: بالفتح لكن نُوّن وإن كان لا ينصرف لضرورة النظم.
قوله: [وليس لي فيها سوى ذا النظم]: يعني أن الشيخ ﵀ لم يأتِ بها من عنده وإنما هذه القواعد سطرها العلماء ﵏ وحرروها وكتبوها. وهناك كتب كثيرة في القواعد للعلماء ﵏ ذكروها نثرًا فقام الشيخ ﵀ ونظم هذه القواعد.
• • •
стр. 42
القواعد والأصول
القواعد والأصول هذا عنوان لما سيذكر بعد من القواعد الفقهية والأصولية وقد تقدم تعريفهما والفرق بينهما.
١٠ - الدينُ جاءَ لسعادَةِ البَشَرْ … ولانْتِفَاءِ الشَّرِّ عَنْهُم والضَّرَرْ
قوله: [الدين جاء لسعادة البشر]: قال الشيخ السعدي ﵀ في منظومته:
الدين مبني على المصالح … في جلبها والدرء للقبائح (١)
فنظير قول الشيخ ﵀: [الدين جاء لسعادة البشر … إلخ] قول الشيخ السعدي ﵀: [الدين مبني على المصالح … إلخ] وإذا تأملت الشريعة فهي كما ذكر الشيخ ﵀، وكما ذكره قبله أيضًا الشيخ السعدي أن الدين جاء لسعادة البشر إذْ الدين مبني على مصالح الخلق وبهذا تحصل سعادتهم.
فالله أكمل الدين وأتمه وبناه على المصالح، ويتضح هذا بمعرفة هذه المصالح.
المصالح: جمع مصلحة والمصلحة على وزن مفعلة وهي في اللغة: المنفعة. وأما في الاصطلاح: فهي المنفعة التي قصدها الشارع لعباده من حفظ أديانهم، وعقولهم، وأموالهم، ونسلهم، وأنفسهم، ودفع كل ما يفوت هذه المصالح أو يخل بها.
قال: في شرح مختصر التحرير (لا خلاف بين الملل والأديان في
стр. 43
كون المصلحة أتت للحفاظ على هذه الكليات). أ. هـ
ومن الأدلة على اعتبار الشريعة للمصلحة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ .... ﴾ الآية [النحل: ٩٠].
فتأمل ما أمر الله به تجده مصلحة ومنفعة: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وتأمل ما نهى عنه تجده مفسدة ومضرة: الفحشاء، والمنكر، والبغي.
والتوحيد فيه من المصالح العظيمة كتسليم القلب لخالقه ولمَّ شعثه عن التوجه لغير الله تعالى، وعدم الخنوع لمخلوق مثله لا ينفعه ولا يضره والفوز بجزاء الموحدين، والنجاة من عقاب المشركين.
والصلاة صلة بين العبد وربه يناجي ربه ويجد فيها راحة قلبه وقرة عينه وتكفير سيئاته وزيادة حسناته.
والزكاة طهرة للقلوب والأخلاق، والأموال، والفقراء، والأغنياء، وهكذا الصوم والحج .... إلخ.
ولو تأمل العبد العبادات الشرعية والمعاملات لوجد من حِكَمِها ومصالحها ما يبهر العقل مع أنه لا يدرك إلا جزءًا يسيرًا من حِكَمِها ومصالحها.
والأحكام الشرعية جاءت لمصلحة المكلفين؛ وذلك بحفظ الكليات الخمس؛ فما من أمر ولا نهي في الشرع إلا لحفظ الكليات الخمس: [الدين، والعقل، والمال، والنفس، والنسل].
والعلماء ﵏ يقسمون المصالح إلى ثلاثة أقسام:
١ - مصالح ضرورية.
٢ - مصالح حاجية.
٣ - مصالح تحسينية.
стр. 44
المصالح الضرورية: هي التي لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهي تشمل حفظ الضروريات الخمس التي اتفقت الشرائع على حفظها وهي:
١ - حفظ الدين. ٢ - حفظ العقل.
٣ - حفظ المال. ٤ - حفظ النفس.
٥ - حفظ النسل.
إذا تأملت الشريعة وجدتها قد جاءت بحفظ الدين من عدة أوجه:
الوجه الأول: شرعت الدعوة إلى الدين.
الوجه الثاني: أوجبت الإيمان بأركان الإسلام، وأركان الإيمان والإحسان، وأيضًا جاء الأمر بالتوحيد، والإحسان.
الوجه الثالث: شرعت الجهاد لكل من يقف أمام نشر الدين.
الوجه الرابع: أوجبت قتل كل من غيّر دينه .... إلخ.
الوجه الخامس: رَغّبَتْ بفعل كل ما يقوي الدين من سائر النوافل والطاعات.
الوجه السادس: شرعت التعزيرات لكل من يخل بواجبات الدين … إلخ.
الوجه السابع: الدفاع عنه، وبيان تحريف المبطلين، وتأويل الغالين.
وأيضا جاءت الشريعة بحفظ العقل من عدة أوجه:
الوجه الأول: حرمت كل مسكر ومفتِّر.
الوجه الثاني: أوجبت العقوبة على كل من شرب مسكرًا.
الوجه الثالث: أوجبت دية كاملة على كل من جنى على العقل … إلخ.
الوجه الرابع: رغَّبَتْ في التفكر، والنظر، والتدبر مما يُنمي العقل … إلخ.
стр. 45
وجاءت الشريعة بحفظ المال من عدة أوجه:
الوجه الأول: شرعت العمل في كسب المال بطرق مباحة.
الوجه الثاني: حرمت الإسراف والتبذير.
الوجه الثالث: أوجبت حد السرقة على من سرق هذا المال.
الوجه الرابع: من أتلف مالًا لغيره فإن الشريعة أوجبت عليه ضمان هذا المال.
الوجه الخامس: حرمت كل الطرق التي تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، أو ظلمهم فيها كالربا، والميسر، والغرر، والرشوة، والغش، وغير ذلك.
وجاءت الشريعة بحفظ النفس من عدة أوجه:
الوجه الأول: حرمت القتل وأوجبت القصاص، أو الدية في قتل النفس عمدًا بل حرمت حتى الإشارة بالسلاح إلى النفس المعصومة.
الوجه الثاني: أوجبت الدية في قتل النفس شبه العمد، والخطأ.
الوجه الثالث: أوجبت الكفارة المغلظة في قتل النفس شبه العمد أو الخطأ .. إلخ.
الوجه الرابع: حرمت الاعتداء على النفس المعصومة وهي أربعة أنواع:
١ - المسلم.
٢ - الذمي.
٣ - المعاهد.
٤ - المستأمن، وأوجبت في قتلها الدية، والكفارة، على تفصيل عند الفقهاء.
الوجه الخامس: حرمت الجناية على مادون النفس.
أيضًا بالنسبة للنسل والعِرض فقد جاءت الشريعة بحفظه من عدة أوجه:
стр. 46
الوجه الأول: حرّمت الزنا.
الوجه الثاني: حرمت القذف.
الوجه الثالث: أمرت بالزواج لتكثير النسل وحثت على التعدد عند القدرة عليه، وعلى تزوج الولود، ورغبت في تخفيف الصداق … إلخ.
الوجه الرابع: حرمت التبني.
والمصالح الحاجية: هي المصالح التي يحتاج إليها؛ لأجل التوسعة، ورفع كل ما يؤدي إلى الحرج والمشقة.
وإذا تأملت الشريعة وجدتها قد جاءت به سواء أكان ذلك في العبادات أم المعاملات أم العقود أم الحدود أم القصاص … إلخ.
مثال ذلك: رُخص العبادات كالإفطار للمسافر، والمريض، والقصر، والجمع للمسافر، وإذا عدم الماء له أن يتيمم، والمريض له أن يجمع الصلوات … إلخ.
وفي المعاملات شرعت عقود يحتاج الناس إليها، كعقد السلَم، وعقد الاستصْناع، وعقد الشركة، وعقد المساقاة، وعقد المزارعة … إلخ.
فكل ما يُحتاج إليه لأجل المشقة والتوسعة وعدمه يؤدي إلى المشقة والحرج فإن الشريعة جاءت به.
والمصالح التحسينية هي: ما يدعو إلى الأخذ بمحاسن الأخلاق ومكارم العادات وقد جاءت الشريعة بسنن الفطرة كتقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والتنظف، والتجمل، والتطيب، والسواك.
وكل ما يشمل مكارم الأخلاق جاءت به الشريعة كإكرام الضيف، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وإكرام الجار، وعدم إيذائه، وقُلْ مثل ذلك في المعاملات: التيسير في البيع والشراء والإقالة … إلخ. ومثله أيضًا: في الأنكحة والحدود والقصاص فإن النبي ﷺ قال: «إذا قتلتم فأحسنوا
стр. 47
القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». (١)
فتبين لنا في هذا الشطر من البيت كما قال الشيخ ﵀ أن الدين جاء لسعادة البشر فكل ما فيه خير جاء الدين بشرعه، وكل ما فيه شر وضرر جاء الدين بنفيه.
قوله: [ولانتفاء الشر عنهم والضرر]: هذا الشطر من البيت هو عبارة عن إحدى قواعد الفقه الخمس الكلية وهي قاعدة: [لا ضرر ولا ضرار].
والقواعد الكلية خمس كما سيأتي إن شاء الله وهي:
القاعدة الأولى: قاعدة: [الأمور بمقاصدها].
القاعدة الثانية: قاعدة: [لا ضرر ولا ضِرار].
القاعدة الثالثة: قاعدة: [اليقين لا يزول بالشك].
القاعدة الرابعة: قاعدة: [المشقة تجلب التيسير].
القاعدة الخامسة: قاعدة: [العادة مُحكَّمة].
وبعض العلماء يزيد قاعدة: [إعمال الكلام أولى من إهماله].
فدليل قاعدة [لا ضرر ولا ضِرار] قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢].
وقد روى في حديث أبي سعيد (٢) وعبادة (٣) وأبي هريرة (٤)
стр. 48
وابن عباس (١) وعائشة (٢) ﵃ أن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» وهذا الحديث لا يصح مرفوعًا للنبي ﷺ لكنه يصح مرسلًا في موطأ الإمام مالك ﵀ (٣) وعلى كل حال هذا الحديث ورد له طرق كثيرة، وإذا لم يثبت فإن هذه القاعدة ثابتة في القرآن كما تقدم في الآيات السابقة.
والضُّرُ: خلاف النفع. وأما في الاصطلاح: فهو إلحاق مشقة بالغير.
مسألة: معنى الضرر والضرار:
قال ابن رجب ﵀: (واختلفوا هل بين اللفظين أعني الضرر والضِرار فرق أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد. والمشهور أن بينهما فرقًا؛ فالضرر: هو الاسم. والضرار: هو الفعل. وقيل: الضرر أن يدخل على غيره ضررًا بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل على غيره ضررًا بما لا منفعة له به. ورجح هذا القول طائفة منهم: ابن عبد البر، وابن الصلاح ﵏.
وقيل: إن الضرر أن يضر بمن لا يضره، والضِرار أن يضر بمن قد أضره، وبكل حال فالشرع إنما نفى الضرر والضرار بغير حق، وأما إدخال الضرر على أحد بحق لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر اعتدائه، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل فهذا غير مراد قطعًا .... أ. هـ.
стр. 49
والضُّرُ ينقسم قسمين:
القسم الأول: أن يكون أصلًا.
القسم الثاني: أن يكون تبعًا.
أن يكون أصلًا: مثل أن يتعمد الإنسان إيذاء الناس مباشرة فيؤذيهم في أبدانهم، أو أعراضهم، أو أموالهم فهذا محرم ولا يجوز وجاء الشرع بنفيه.
أن يكون تبعًا: لا يتعمد ذلك لكن عمله هذا يؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين.
ولذلك أمثلة:
المثال الأول: لو تصرف الجار في بيته بما يضر جاره، ففتح الماء في بيته فأدى إلى تسرب الماء إلى بيت الجار فيضر الجار، فإن هذا حتى لو كان تبعًا، فإن الشريعة جاءت بنفيه وأن هذا لا يجوز.
المثال الثاني: لو أحدث في بيته كنيفًا، أو تنورًا، أو غيره بما يلحق الضرر بجاره فهذا محرم.
وقد يكون الضرر تابعًا لكن يعفو عنه الشارع لمصلحة أكبر، وذلك مثل الزواج بالثانية، لاشك أن الأُولى تتضرر بذلك لكن لمّا كانت المصلحة أكبر فإن الشارع عفا عن هذا الضرر.
كذلك الضرر في الشريعة مدفوع ومرفوع:
مدفوع قبل وقوعه فأنت منهي أن تضار غيرك، ومرفوع أيضًا بعد وقوعه فأنت مأمور بترك هذا الضرر.
• • •
١١ - فكُلُّ أمرٍ نافعٍ قَدْ شَرَعَه … وكُلُّ ما يَضُرُّنَا قَدْ مَنَعَهْ
قوله: [فكل أمر نافعٍ قد شرعه]: سبق أن الشريعة جاءت بالمصالح الثلاث:
١ - المصالح الضرورية.
стр. 50
٢ - المصالح الحاجية.
٣ - المصالح التحسينية.
قوله: [وكل ما يضرنا قد منعه]: تقدم أن من القواعد الكلية قاعدة [لا ضرر ولا ضِرار].
• • •
стр. 51
١٢ - ومعْ تساوِي ضَرَرٍ ومَنْفَعَه … يكونُ ممنوعًا لدَرْءِ المفْسَدَهْ
هذا البيت عبارة عن قاعدة: [درء المفاسد مقدم على جلب المصالح] وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة: [لا ضرر ولا ضِرار]، وهنا جملة من القواعد المندرجة تحت قاعدة: [لا ضَرر ولا ضِرار].
القاعدة الأولى: [درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة] ودليلها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فسب الكفار فيه مصلحة وهي إهانتهم وبيان فساد دينهم، فإذا تضمن مفسدة وهي مقابلتهم السب بسب الله نهي عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء هل هو على الإباحة، أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملًا على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به والإباحة، بل يُقطع أن الشرع يحرمه لاسيما إذا كان مفضيًا إلى ما يبغضه الله ورسوله).
ونمثل لذلك بأمثلة:
المثال الأول: وجود رائحة البصل، أو الثوم في الإنسان، هذه مفسدة، وصلاة الجماعة مصلحة، فكون الإنسان إذا جاء إلى المسجد سيؤذي الناس برائحة البصل، أو الثوم، أو بغيرهما فهذه مفسدة وصلاة الجماعة مصلحة فهنا تعارضت المفسدة والمصلحة فنقول: [درء المفاسد مقدم على جلب المصالح] فما دام أن البصل والثوم فيه رائحة فنقول: اجلس ولا تصلِّ مع الناس ولو كان سيفوته مصلحة وهي صلاة الجماعة.
المثال الثاني: لو أن الإنسان سيقوم الليل وقيامه لليل سيؤدي إلى تفويت صلاة الفجر مع الجماعة، فهنا مصلحة ومفسدة فنقول: اترك قيام الليل لكي تصلي الفجر مع جماعة الناس.
المثال الثالث: التجارة في المحرمات فيه مفسدة فيمنع، ولو كان في
стр. 52
التجارة مصلحة وهي الربح.
وجعل ابن القيم ﵀ إنكار المنكر على أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقِلَّ وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.
قال ابن القيم ﵀: فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون الشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك.
وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب، أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلًا لهم.
وإذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها إلى كتب البدع والضلال والسحرة فدعه وكتبه الأولى.
وهذا باب واسع.
ومن أدلة هذه القاعدة أن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات كما في حديث أبي هريرة ﵁: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم». (١)
القاعدة الثانية: [الضرر الخاص يُتحمَّل لدفع الضرر العام]. فإن الضرر الحاصل للعامة يزال بالضرر الخاص بالواحد؛ لأنه أهون
стр. 53
الشرين، وأدنى المفسدتين.
ولذلك أمثلة:
المثال الأول: الطبيب الجاهل يُحْجَر عليه لمصلحة الناس فكوننا نَحْجُر عليه ونمنعه من التطبب فيه ضرر خاص، لكن يُتحمّل لدفع الضرر العام، إذ لو تركناه يداوي الناس وهو جاهل لتضرر الناس.
المثال الثاني: المفتي الجاهل يُحْجَر عليه، فالطبيب الجاهل يُحجر عليه لضرر الناس في أبدانهم، والمفتي الجاهل يُحجر عليه لضرر الناس في أديانهم وإن كان يلحقه ضرر لكن هذا الضرر الخاص من أجل المصلحة العامة.
المثال الثالث: قال العلماء: لو تَتَرَّس الكفار بمسلمين فاحتجنا إلى أن نرمي الكفار وأدّى ذلك إلى قتل المسلمين، فهنا ضرر خاص لحقهم لكنه يُتحمَّل للضرر العام.
المثال الرابع: الساحر يُقتل؛ لأنه يفتن الناس، فيتحمل الضرر الخاص بقتله ويدفع الضرر الأعم للأمة، وهذه القاعدة كما يحتاجها الفقيه أيضًا يحتاجها غيره: كالقاضي، والمعلم، والمربي، والداعية إلى الله ، والآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكذلك الوالد مع أولاده، والمدير مع موظفيه.
القاعدة الثالثة: [الضرر لا يزال بالضرر]، وإزالة الضرر له ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يترتب على الإزالة ضررًا مطلقًا وحينئذٍ يجب إزالته بالكلية.
الحال الثانية: أن يترتب على إزالة الضرر ضرر أخف فيرتكب الضرر الأخف من أجل دفع الأعظم.
الحال الثالثة: أن يترتب على إزالة الضرر ضرر أعظم من الضرر المزال، أو مساوٍ له فهذا هو معنى هذه القاعدة [فلا يزال الضرر بضرر
стр. 54
مثله أو أشد منه].
ولذلك أمثلة:
المثال الأول: رجل جائع ليس معه ما يسد رَمقَه أي: ما يمسك حياته، وآخر جائع معه ما يسد رمقه، معه خبز فنقول: الضرر لا يزال بالضرر فكون هذا المضطر يأخذ الخبزة من الآخر فهذا أزال ضرره بضرر غيره فليس له ذلك.
المثال الثاني: لو أن شخصًا أُكره على القتل، قيل له: إما أن تَقتل زيدًا وإلا قتلتك فكونه يزيل الضرر عنه بقتل زيد ليس له ذلك.
القاعدة الرابعة: [الضرر يزال بقدر الإمكان] ولذلك أمثلة:
المثال الأول: لو أن هناك مالًا ليتيم وجاء ظالم ليأخذه فلا بأس لولي اليتيم أن يدفع من مال اليتيم ما يدفع به أخذ المال كله إذا كان يندفع بكذا وكذا لا يُزاد على ذلك … إلخ.
المثال الثاني: الحَجْر على السفيه لدفع سوء تصرفاته المالية، يحجر عليه فيما يتعلق بالمال دون غيره من بقية التصرفات.
القاعدة الخامسة: [الضرر اليسير يُحتمل في العقود] ولذلك أمثلة:
المثال الأول: العيب اليسير عُرفًا عند التجار يُحتمل في العقود فلو أنك اشتريت سلعة ووجدت فيها عيبًا يسيرًا فهذا ضرر يسير في العقود فيحتمل.
المثال الثاني: لو اشتريت سلعة وحصل لك غبن يسير يتغابن فيه الناس … إلخ فإن هذا يحتمل في العقود.
ومثل ذلك: أساسات الحيطان لا يشترط العلم بها.
القاعدة السادسة: [الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف] مثّل العلماء ﵏: بنفقة الأولاد، والزوجة … إلخ فيجبر الأب على أن ينفق على أولاده والزوج على زوجته … إلخ.
стр. 55
القاعدة السابعة: [الاضطرار لا يبطل حق الغير] فإذا اضطر الإنسان إلى عين مال الغير كما لو اضطر إلى طعامه إلى أكله فيجب عليه ضمانه.
وعند شيخ الإسلام لا يجب الضمان إلا مع الغنى، وأما إذا اضطر إلى نفع مال الغير كما لو اضطر إلى ثوب الغير ليتقي به البرد، أو الحر ونحو ذلك فلا يجب الضمان.
١٣ - وكُلُّ ما كَلَّفَهُ قدْ يُسِّرَا … من أَصْلِهِ وعِندَ عارضٍ طَرَا
قوله: [كلفه]: التكليف بالأمر فرضه على من يستطيع القيام به.
قوله: [طرا]: طرأ طرءًا وطروءًا حدث وخرج فجأة فهو طارئ.
هنا أشار الشيخ ﵀ إلى أن التكاليف الشرعية ولله الحمد قد دخلها التيسير، ودخول التيسير في الأوامر الشرعية من وجهين: -
الوجه الأول: من حيث الأصل: فالأصل في التكاليف الشرعية أنها مبنية على التيسير، والتسهيل، والدليل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وأيضًا قوله ﷺ : «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». (١)
فالوضوء، والغسل، والصلاة، والصيام، والزكاة كلها مبنية على التيسير، فالآصار والأغلال هذه كانت على الأمم قبلنا، أما هذه الأمة فالأصل في الشريعة أنها مبنية على التيسير.
الوجه الثاني: من حيث العارض؛ فقد يعرض لهذه التكاليف الشرعية المبنية على التيسير أسباب؛ فيدخلها التيسير مرة أخرى ولهذا قال الشيخ ﵀: [وعند عارض طرا].
стр. 56
وهذه هي القاعدة الثانية الكلية من القواعد الخمس وهي قاعدة: [المشقة تجلب التيسير].
وهذه القاعدة يُعبّر عنها أيضًا بلفظ آخر: [إذا ضاق الأمر اتسع].
ودليل هذه القاعدة: ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وما رواه أحمد في مسنده وغيره مرفوعًا «إنما بعثت بالحنيفية السمحة» (١) وأما الإجماع: فحكاه غير واحد كالشاطبي في «موافقاته».
والمشقة قسّمها العلماء ﵏ إلى قسمين:
القسم الأول: مشقة معتادة: فهذه يُكلِّف بها الشارع فالإنسان يعتاد أن يتحملها، فكون الإنسان يُصلي الصلوات الخمس هذه مشقة لكنها معتادة، وكونه يصوم شهر رمضان ويزكي هذا الجزء من ماله هذه مشقة لكنها معتادة.
القسم الثاني: مشقة خارجة على العادة: فهذه لا يُكلِّف بها الشارع.
مثال ذلك: إطالة السهر في القيام، وإطالة الصوم في النهار، وإخراج كل المال في الزكاة، أو نصف المال، أو ربعه … إلخ هذه لا يُكلِّف بها الشارع.
والمشقة يقسمها الفقهاء كما نص على ذلك ابن نُجيم الحنفي في (الأشباه والنظائر) إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مشقة تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته، (كإخراج المال كله في الزكاة).
стр. 57
القسم الثاني: مشقة خفيفة لا تخرج الفعل عن طاقة العبد وقدرته (كأدنى مرض).
القسم الثالث: مشقة يتنازعها القسمان السابقان فقد تصل إلى رتبة الأول وقد تنزل إلى رتبة القسم الثاني، وإنما جاءت الرخصة مع هذا النوع من المشاق لسببين اثنين كما قال الشاطبي ﵀ في (الموافقات):
الأول: لحفظ جوارح العبد، ونفسه، وماله، وما إلى ذلك حتى لا ينقطع عن العبادة ويكره التعبد لله.
الثاني: حتى لا يصيب العبد انقطاع عن العبادة عند تزاحم الأعمال التعبدية ويصيبه الكسل والملل.
واعلم أن المشقة من حيث مجيئها وأحكامها ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مشقة لا تعلق للعبد وفعله بمجيئها مثل المصائب، والابتلاءات كالأمراض … إلخ.
القسم الثاني: مشقة للعبد تعلق بمجيئها وقد يأتي الفعل بدونها فهذه غير مطلوبة شرعًا من المكلف مثل ما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ في صنيع أبي إسرائيل من كونه «نذر أن لا يستظل، وأن لا يفطر، وأن لا يقعد، وأن لا يتكلم فأمره النبي ﷺ أن يستظل، ويقعد، ويتكلم وأن يستمر في صيامه» (١) فهذه جلبها العبد على نفسه.
القسم الثالث: ما كانت مصاحبة للفعل وهي نوعان:
الأول: مشقة اعتيادية. الثاني: مشقة زائدة.
قوله: [وعند عارض طرا]: ما هو هذا العارض؟ هذا العارض يُعبِّر عنه العلماء ﵏ بقولهم: [أسباب التخفيف].
والتخفيف في الشريعة له أسباب:
стр. 58
السبب الأول: النسيان، وسيأتينا في كلام الشيخ ﵀ فنؤجل الكلام على هذا السبب إلى أن يرد في كلام الشيخ ﵀. (١)
مثال ذلك: لو أن الإنسان نسي وصلى وعليه نجاسة فنقول: هذا النسيان من أسباب التخفيف فصلاته صحيحة. ولو نسي وأكل وهو صائم، فإن هذا من أسباب التخفيف فصيامه صحيح، ولو نسي وصلى وهو محدث، فإن هذا من أسباب التخفيف لا إثم عليه لكن يجب عليه أن يعيد الصلاة.
السبب الثاني: الخطأ، وسيأتي إن شاء الله وسيتكلم عليه المؤلف ﵀ مع النسيان. (٢)
السبب الثالث: المرض.
المرض في اللغة: هو السَّقَم، واعتلال الصحة.
وأما في الاصطلاح: فهو كل ما يكون معه حرج ومشقة حال فعل المأمور.
ولذلك أمثلة:
المثال الأول: إذا كان الإنسان يلحقه حرج ومشقة ظاهرة إذا لم يفطر وهو مريض، فهذا من أسباب التخفيف.
المثال الثاني: إذا كان المريض يلحقه مشقة ظاهرة إذا لم يجمع، أو لم يتيمم، فهذا من أسباب التخفيف، فله الجمع والتيمم، وكذا إذا لحقه حرج ومشقة إذا صلى قائماً أو راكعاً أو ساجداً، فإنه يجلس ويؤمئ بالركوع والسجود.
والدليل على أن المرض من أسباب التخفيف:
стр. 59
١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: ١٨٤.
٢ - وحديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له لما شكى له أن به بواسير: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١).
السبب الرابع: السفر:
السفر في اللغة: قطع المسافة.
وأما في الاصطلاح: فهو الخروج من الوطن على قصد السفر عرفاً.
والدليل على أن السفر من أسباب التخفيف:
١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: ١٨٤.
٢ - فعل النبي ﷺ : فإنه إذا سافر قصر وجمع، فدل على أنه من أسباب التخفيف.
مسألة: ذكر العلماء ﵏ شروطاً للسفر الذي يكون من أسباب التخفيف؛ إذْ ليس كل سفر يكون سبباً للتخفيف، وهذه الشروط على سبيل الإجمال:
الشرط الأول: المسافة، فهل يشترط للسفر مسافة معينة أو لا يُشترط؟ هذا موضع خلاف:
جمهور أهل العلم ﵏: أن مسافة القصر: مسيرة يومين، تساوي ٤٨ ميلا، والميل يساوي كيلو وستين متر، تساوي ٧٧. ٧٢ كيلو مترا، وقيل: تساوي ٧٧. ٢٣٨ كيلو مترا وستة أسباع المتر.
وعند الحنفية: مسيرة ثلاثة أيام.
стр. 60
وعند داود الظاهري: يقصر في طويل السفر وقصيره.
والأقرب: ما ذهب إليه الحنابلة ﵏، لما ثبت أن ابن عمر وابن عباس ﵄: "كانا يقصران ويفطران في أربعة برد" علقه البخاري بصيغة الجزم.
الشرط الثاني: أن لا يكون سفراً محرماً، فمتى كان سفراً محرماً فلا يجوز له أن يترخص فيه برخص السفر، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: ١٧٣.
قالوا: الباغي: هو الذي يخرج على الإمام، والعادي: هو قاطع الطريق، وهذا يكون في السفر.
الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة، وشيخ الإسلام -رحمهما الله-: أن هذا ليس شرطاً؛ لعمومات الأدلة، وهذا هو الأقرب، فيترخص الإنسان في جنس السفر، حتى في السفر المحرم يجمع ويقصر ويمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الآية: "إن الباغي: هو الذي يَبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي: هو الذي يتجاوز قدر الحاجة".
الشرط الثالث: الخروج من البلد، فليس له أن يترخص داخل البلد، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: ١٨٤، ولم يقل الله : أو على نية السفر، ولم يرد أن النبي ﷺ ترخص حتى خرج من البلد.
الشرط الرابع: المدة، فهل للسفر الذي يُترخص فيه مدة محددة أو ليس له مدة محددة؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم ﵏:
الرأي الأول: رأي الحنابلة ﵏: أن مدة السفر الذي
стр. 61
يترخص فيه أربعة أيام، فإذا أراد أن يقيم أكثر من أربعة أيام ووصل البلد فليس له أن يترخص.
الرأي الثاني: رأي المالكية والشافعية-﵏: إذا نوى إقامة ثلاثة أيام قصر، وأكثر يتم.
الرأي الثالث: رأي الحنفية ﵏: إذا نوى خمسة عشر يوماً فأكثر أتم، وأقل يقصر.
والصواب في ذلك: أنه ليس له حد، لكن إذا أطال الإنسان الإقامة وتشبه بالمقيمين بطول الإقامة فإنه لا يترخص، وقد ورد عن ابن عباس ﵄ حده بتسعة عشر يوماً، وهي أعلى مدة قصر فيها النبي ﷺ فيصار إليها.
السبب الخامس: الجهل: من أسباب التخفيف وسيأتي إن شاء الله في كلام الناظم ﵀ عند قوله: والشرع لا يلزم قبل العلم. (١)
السبب السادس: الإكراه.
الإكراه: من الكَرْه بالفتح وهو المشقة، قاله الفرَّاء.
وقيل: من الكُرْه، قال ابن منظور في (اللسان): "أَجمع كثير من أَهل اللغة أَنْ الكَرْهَ والكُرْهَ لُغتانِ، فبأَيِّ لغة وقع فجائِزٌ، إلا الفراء فإنه زعم أَنْ الكُرْهَ ما أَكْرهْتَ نَفْسَك عليه، والكَرْه ما أَكْرَهَكَ غيرُكَ عليه".
والإكراه: هو حمل الغير على أمر لا يرضاه لو خُلِّي ونفسه.
الدليل على أن الإكراه من أسباب لتخفيف:
١ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النحل: ١٠٦.
٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لي
стр. 62
عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" (١).
٣ - وقوله ﷺ : "لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق" (٢)، أي: إكراه.
والحديثان فيهما ضعف.
مسألة: اشترط العلماء ﵏ في الإكراه الذي يكون سببا للتخفيف شروطاً:
الشرط الأول: أن يكون المُكرِه قادراً على إيقاع ما هدد به، والمُكرَه ليس قادراً على دفعه.
الشرط الثاني: أن يكون الإكراه عاجلاً ليس آجلاً.
مثال ذلك: لو قال له رجل: طلق زوجتك وإلا قتلتك بعد سنة، فإنه لا يكون إكراهاً معتبراً.
الشرط الثالث: أن يكون ما يُكَره عليه يشق تحمله.
الشرط الرابع: أن يظن المكرَه أن المكرِه سيوقع ما هدد به؛ لأن ذلك لا يخلو من ثلاث حالات:
١ - أن يعلم أنه سيوقع ما هدد به: فيكون سبباً للتخفيف.
٢ - أن يظن أنه سيوقع ما هدد به: فهنا أيضاً يكون سبباً للتخفيف.
٣ - أن يشك أو يظن أنه لن يوقع ما هدد به: فهذا لا يكون سبباً للتخفيف.
الشرط الخامس: أن يكون الإكراه بغير حق، فإن كان بحق فلا يكون سبباً للتخفيف.
مسألة: الأصل أن الإكراه سبب للتخفيف في الإثم والضمان، لكن قد
стр. 63
لا يكون سبباً في التخفيف كما في مسألة القتل، ونحوها.
مثال ما كان الإكراه سبباً للتخفيف:
في العبادات: إذا أُكره على الإفطار في رمضان فلا يبطل صومه، أو أُكره أن يأكل في الصلاة، فإن صلاته لا تبطل.
وكذلك في المعاملات: فلو أُكره على البيع أو الشراء، أو أُكره في النكاح على الطلاق، فكل ذلك لا يقع.
وقد لا يكون الإكراه سبباً للتخفيف: كما لو أُكره على قتل إنسان، فليس له أن يقتله.
مسألة: ينقسم الإكراه إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون في حقوق الله:
أ - من حيث الحكم التكليفي: فإنه لا يأثم؛ لما تقدم من الأدلة.
ب - من حيث الحكم الوضعي - الضمان-: فإن كان من باب الأوامر: فإنه يعيد؛ لأنه يمكنه أن يستدرك، فلو أكره على أن يصلي بلا وضوء، فلا إثم عليه لكن يعيد الصلاة.
وأما إن كان من باب النواهي: فإنه يعذر، فلو أُكره على أن يتكلم في الصلاة، أو يأكل وهو صائم، فإنه معذور في هذه الحال، فلا يعيد.
القسم الثاني: أن يكون في حقوق المخلوقين:
أ - من حيث الحكم التكليفي: فلا يأثم، كما تقدم.
ب - من حيث الحكم الوضعي -الضمان-: فإنه يوجب الضمان، لكن يكون تارة على المُكرِه فقط، وتارة يكون على المُكرِه والمُكرَه معاً.
فالأصل: أن الضمان يكون على المكرِه، كما لو أَكرَه زيدٌ عمراً على إتلاف مال صالح، فالضمان على زيد.
وقد يكون الضمان عليهما جميعاً، كما لو أَكرَه زيدٌ عمراً على القتل، فالقصاص عليهما جميعا، فالمكرِه متسبب، والمُكرَه مباشر، وليست
стр. 64
نفسه أولى بالبقاء من نفس المقتول.
*مسألة: الإكراه يكون في الأقوال كما يكون في الأفعال غير أنها لا تنفذ بالإكراه، فمن أكره على الكفر لا يكفر بنطقه، ومن أكره على البيع لا ينعقد بيعه، ومن أكره على الطلاق لا ينفذ طلاقه وهكذا، ولذلك قالوا: " قول المكره بغير حق ملغى".
قال ابن رجب ﵀: (وأما الإكراه على الأقوال فاتفق العلماء على صحته، وأن من أكره على قول محرم إكراهاً معتبراً أن له أن يفتدي نفسه به ولا إثم عليه، وقد دل عليه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]).
ولما عدد المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ نواقض الإسلام التي يخرج بفعلها أو قولها من الإسلام استثنى المكره.
السبب السابع: النقص.
والنقص ذكر العلماء ﵏ له أنواعاً:
النوع الأول: الجنون:
والجنون: فقدٌ للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحياناً.
والقاعدة في المجنون من حيث التخفيف:
١ - العبادات البدنية المحضة: فلا تجب عليه، ولا تصح منه كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
٢ - العبادات المركبة من المال والبدن: لا تجب عليه ولا تصح منه، كالجهاد، والحج، والعمرة، والكفارات.
٣ - العبادات المالية: كالزكاة تجب في ماله.
٤ - الحقوق المالية المحضة: كالنفقات، وضمان المتلفات، وأروش الجنايات، تجب في ماله، فلا يكون الجنون هنا سبباً للتخفيف، إلا إذا بلغ أرش الجناية ثلث الدية فعلى العاقلة، وأقل من الثلث في ماله.
стр. 65
٥ - ما يتعلق بعقوده وفسوخه: فلا تصح منه.
٦ - ما يتعلق بجناياته وحدوده: فالجنون سبب للتخفيف، فلا يقتص منه، ولا يقام عليه حد، لكن ما يتعلق بأرش جنايته تقدم الكلام عليها.
النوع الثاني من أنواع النقص: العَتَه.
والفرق بين العته والجنون؛ أن الجنون: فقد للعقل يصحبه اضطراب وهيجان أحياناً.
وأما العته: فهو نقص في العقل يصحبه خمول وكسل وسكون.
والقاعدة: أن العته بالنسبة للتخفيف ينقسم قسمين:
القسم الأول: عته ليس معه إدراك، فهذا حكمه حكم المجنون، وقد تقدم حكمه.
القسم الثاني: عته معه إدراك، فهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي حكمه.
النوع الثالث من أنواع النقص: الأنوثة.
الأنوثة قد تكون سبباً للتخفيف، فيسقط عنها من التكاليف ما لا يسقط عن الذكر.
والقاعدة: [أن الأصل تساوي الذكور والإناث في التكاليف إلا ما دل الدليل عليه].
فالأنثى لا تجب عليها صلاة الجماعة، ولا الجمعة، ولا الجهاد، ولا الأذان، ولا الإقامة؛ لدلالة الدليل على ذلك، فهو سبب للتخفيف، وإلا فالأصل التساوي في الأحكام، فيجب على الأنثى ما يجب على الذكر من عبادات، وتكاليف، كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك، ويحرم عليها ما يحرم على الذكر من محرمات كالزنى، وشرب الخمر، والسرقة وغير ذلك، ويصح منها ما يصح من الذكر من عقود كالبيع، والاجارة، والوقف، وغير ذلك.
стр. 66
ودليل ذلك:
١ - عموم الأدلة من القرآن والسنة، فهي شاملة للذكور والإناث.
٢ - الإجماع على ذلك.
النوع الرابع من أنواع النقص: الرِّق.
والرق في اللغة: العبودية.
وفي الاصطلاح: عجز حكمي يقوم بالإنسان، سببه الكفر بالله .
والقاعدة: أن التكاليف الشرعية بالنسبة للرقيق تنقسم إلى أقسام:
١ - العبادات البدنية المحضة: فحكمه التساوي مع الحُر، فالصلاة، والصيام ونحو ذلك يجبان على الحر والرقيق، وكذا الكفارات البدنية كالصيام.
والصواب: حتى صلاة الجماعة، والجمعة تجبان على الرقيق.
٢ - العبادات المالية المحضة: فلا تجب على الرقيق، كالزكاة، والكفارات المالية كالعتق والإطعام والكسوة، ونحوها.
٣ - العبادات المركبة من المال والبدن: فلا تجب على الرقيق، كالحج والعمرة والجهاد.
٤ - الحقوق المالية: كأروش الجنايات وقيم المتلفات وغيرها، قال السعدي ﵀: (وقسّموا ما يتعلق بالرقيق من ضمانات الأموال إلى أربعة أقسام:
قسم يتعلق بذمة سيده قليله وكثيره، وهو ما أذن له فيه.
وقسم يتعلق برقبة العبد وهو جناياته وإتلافاته فيخيّر سيده بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش الجناية والإتلاف، أو يسلمه للمجني عليه.
وقسم يتعلق أيضاً برقبته على المشهور، وهو تصرفاته التي يلزم فيها مال - مثل: زواجه بلا إذن سيده، فإنه يلزم منه المهر-، وعلى القول الصحيح: هذا القسم يتعلق بذمته.
القسم الرابع: ديون العبد التي بلا إذن السيد، فتتعلق بذمته قولاً
стр. 67
واحداً يتبع بها بعد عتقه، والله أعلم).
٥ - عقوده وفسوخه: من البيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك، فتصرفات الرقيق كلها غير صحيحة وباطلة إلا مع الإذن، لكن يقع طلاقه.
وهل يملك بالتمليك سواء كان التمليك من السيد أو غيره؟ فيه خلاف.
٦ - ما يتعلق بجناياته وحدوده: فالرق ليس سبباً للتخفيف، فتقام عليه الحدود والقصاص في العمد، إلا ما ورد من تنصيف الحد في حقه.
وفي غير العمد: تقدم ما يتعلق بأروش الجنايات.
النوع الخامس من أنواع النقص: النوم والإغماء.
فالنوم والإغماء من أسباب التخفيف، ودليل ذلك: قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ" (١)، والمغمى عليه أشد من النائم.
والتخفيف عن النائم والمغمى عليه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: ما يتعلق بالإثم: فلا يأثم عند ترك المأمور وفعل المحظور، لكن يجب عليه تدارك المأمور الذي يجب عليه تداركه.
فالمغمى عليه إذا كان الإغماء بغير اختياره، فإنه لا يجب عليه قضاء الصلاة إلا إذا أفاق فيها أو أغمي عليه في وقتها ولم يصلها، أو أغمي عليه باختياره، وإذا نام الإنسان عن الصلاة لا يأثم لكن يجب عليه القضاء.
القسم الثاني: ما يتعلق بأقوالهما: لا يترتب عليها أثر، فلا تنعقد عقودهما مثلا كعقود المعاملات، والتبرعات، والأنكحة، والفسوخ ونحوها فلا تنعقد من النائم، والمغمى عليه.
стр. 68
من أمثلة ذلك: إذا باع أو اشترى وهو نائم فلا يصح، أو طلق وهو نائم فلا يقع.
وكذلك إذا باع أو اشترى وهو مغمى عليه فلا يصح منه، أو طلق زوجته فلا يقع عليها.
القسم الثالث: ما يتعلق بأفعالهما:
أما يتعلق بحقوق المخلوقين: فيضمنان، فلو أتلفا مالاً لمخلوق ضمنا، لما تقدم من الأدلة على ضمان أموال المخلوقين.
وأما ما يتعلق بحقوق الله: فلا ضمان عليهما، فلو شربا خمراً، أو أتلفا صيداً في الحرم فلا ضمان عليهما، ولا حد.
النوع السادس من أنواع النقص: الصغر.
فالصغير يخفف عنه، والأوامر بالنسبة إلى الصغير تنقسم إلى أقسام:
١ - العبادات البدنية المحضة: كالصلاة، والصيام، والوضوء، والغسل لا تجب عليه؛ لحديث عائشة ﵂: "رفع القلم عن ثلاثة … "، وتصح منه إذا ميّز، وأجرها له، ولوليه أجر، لقوله تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه).
٢ - العبادات المركبة من المال والبدن: كالحج، والعمرة، والجهاد، لا تجب عليه ويصح منه الحج والعمرة مطلقاً ولو كان غير مميز، وله أجره، ولوليه أجر، لحديث ابن عباس ﵄ في قول النبي ﷺ للمرأة التي رفعت إليه صبيا فقالت: ألهذا حج؟، قال: نعم ولك أجر) رواه مسلم.
٣ - العبادات المالية المحضة: كالزكاة، فتجب عليه، ولو كان غير مميز.
٤ - الحقوق المالية: كقيم المتلفات، وأروش الجنايات، والنفقات، فتجب عليه مطلقا في ماله، إلا ما يتعلق بأروش الجنايات إذا بلغت ثلث الدية فتجب على عاقلته.
стр. 69
٥ - عقوده وفسوخه: لا تصح منه، إلا أنه يستثنى من عقوده ما يلي:
أ- الأمور اليسيرة عرفا، فتصح.
ب - ما كان مصلحة محضة، كقبول الهبة والوقف ونحو ذلك، فتصح.
ج- إذا كان القصد اختباره عند تسليم ماله إليه، فلا بأس أن يؤذن له في بعض التصرفات لينظر رشده.
٦ - الحدود والجنايات: لا تجب عليه، لكن ما يتعلق بأروش الجنايات تقدم الكلام عليه.
السبب الثامن من أسباب التخفيف: العسر وعموم البلوى.
وهو شيوع البلاء بحيث يصعب على المرء التخلص أو الابتعاد، كطهارة فم الهرة وسؤرها لكثرة تطوافها.
مسألة: كان النبي ﷺ يقوم الليل (١) حتى تتفطر قدماه ويقرأ (٢) بالبقرة، وآل عمران، والنساء، قال بعض أهل العلم: إنه ﵊ ارتاحت نفسه إلى العبادة أما غيره من الناس فليس مثله. وأيضًا ما جاء عن بعض السلف لعلهم ارتاحت نفوسهم إلى هذه فأحبوها، ولا يوجد في أحكام الشريعة ما هو شاق أو ما لا يستطاع فعله بالنسبة للمكلفين بل إن العباد يطيقون أكثر مما كلفوا به وهذا موضع إجماع الأمة.
• • •
١٤ - فاجْلِبْ لتيسيرٍ بِكُلِّ ذِي شَطَطْ … فليسَ فِي الدِّين الحَنيفِ مِنْ شَطَطْ
هذا البيت تابع للقاعدة السابقة.
قوله: [شطط]: يعني مشقة يُقال شَطَّ في القول شَطَطًا وشُطُوطًا أغلظ فيه، فإذا حصلت المشقة فإنه يُجلب التيسير ويؤتى به.
قوله [الدين الحنيف]: أي المائل عن الشرك. ولا شك أن الدين قائم
стр. 70
على التوحيد في أقسامه الثلاثة (١)، مائل عن الشرك بأنواعه.
стр. 71
١٥ - وما استطعتَ افعَلْ مِنَ المأمُورِ … واجْتَنِبِ الكُلَّ مِنَ المحظورِ
أي أن المأمور يجب عليك أن تفعل ما استطعت منه.
ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولما روى أبو هريرة ﵁ قال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». (١) وحديث عمران ﵁ السابق قال ﷺ : «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢) الأصل في المأمور أنك تأتي به كله، فإذا لم تستطع أن تأتي به كله فتأتي بما استطعت منه؛ إذْ المأمور شرع من أجل تحصيل المصلحة فإذا لم تتمكن من جميعها حصل ما تستطيع منها. ويدخل تحت هذه القاعدة فروع كثيرة من ذلك: الصلاة يصلي المسلم قائمًا فإذا لم يستطع أن يصلي قائمًا يصلي جالسًا ويؤميء بالركوع والسجود … إلخ.
وفي زكاة الفطر يجب أن يؤدي المسلم صاعًا، فإذا لم يجد إلا نصف صاع فإنه يؤديه، وكذلك الحج الأصل أن الإنسان يحج بماله وبدنه، فإذا لم يستطع أن يحج بماله وبدنه فإنه ينيب من يحج عنه.
مسألة: إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه، فتحته أقسام:
الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة؛ فلا يجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على الذهاب إلى المسجد، لكن عجز عن الصلاة مع الجماعة.
الثاني: أن يكون المقدور عليه عبادة لو انفرد؛ فيجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على نصف صاع من زكاة الفطر، وجب عليه أن يخرجه.
الثالث: أن يكون غير عبادة لو انفرد، فلا يجب الإتيان به.
مثاله: لو قدر على الصيام إلى نصف النهار فلا يجب عليه الصيام.
قوله: [واجتنب الكل من المحظور]: يعني المنهي عنه.
ويدل لذلك: قوله ﷺ : «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (٣) إذا نهى الشارع عن شيء يجب
стр. 72
على الإنسان أن يجتنبه ويجتنب كل طرقه ووسائله.
مثال ذلك: نهى الشارع عن الزنا، فيجب أن ينتهي عنه، وعن كل الطرق الموصلة إليه؛ لأن الترك أسهل من الفعل، ولأن الإنسان لو فعل شيئًا من هذا المحظور فإنه يكون قد أدّى شيئًا من المفسدة؛ لأن المحظور نهى عنه للمفسدة المترتبة عليه.
• • •
стр. 73
١٦ - والشرعُ لا يَلزمُ قبلَ العِلمِ … دَليلُهُ فِعلُ المسِي فَافْتَهِمِ
هذا كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: (إن الشرائع لا تلزم قبل العلم) ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
ومن السنة ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: [فعل المسيء فافتهم] وفعل المسيء هذا أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان جالسًا في المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ فقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصل» ثلاثًا قال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فقال النبي ﷺ : «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». (١)
وجه الدلالة: أن الأعرابي أخل بالطمأنينة ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة السابقة، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة فهذا دليل على أن الجاهل يعذر بالجهل وأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم.
ومن الأدلة على هذه القاعدة: قصة المستحاضة (٢) التي سألته عن تركها للصلاة ولم يأمرها النبي ﷺ بإعادة ما سبق من الصلوات، مع أنها ظنت أن هذا الدم حيض وتركت الصلاة.
• • •
١٧ - لكنْ إذا فَرَّطَ في التَّعلُّمِ … فَذَا مَحَلُّ نَظرٍ فَلْتَعْلَمِ
الأصل كما مشى عليه الناظم ﵀ أنه يُعذر بالجهل وتقدم دليل ذلك
стр. 74
من الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك ذكر الناظم ﵀ أن الإنسان إذا فرط في التعلم فإنه لا يعذر، وعلى هذا نقول العذر بالجهل ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون حديث عهد بإسلام فهذا يعذر بالجهل فإذا أسلم حديثًا، ثم شرب الخمر، أو لعب الميسر ونحو ذلك فإنه يُعذر بالجهل.
القسم الثاني: أن يكون ناشئًا ببادية بعيدة عن حواضر المسلمين بحيث لا يسمع من العلماء … إلخ فهذا يُعذر بالجهل.
ودليل ذلك: ما تقدم من حديث المسيء صلاته (١)؛ لأنه أعرابي ناشيء في البادية فَعذَره النبي ﷺ .
القسم الثالث: أن يكون ناشئًا ببلاد الكفار قال العلماء: إنه يُعذر بالجهل إلحاقًا له بالناشيء في البادية.
القسم الرابع: ما يَدِقُّ ويغمض من المسائل التي لا يعلمها إلا أهل العلم، فإن العامي يعذر فيها.
القسم الخامس: إذا كان الإنسان مقيمًا في المدن ولم تقم عنده شبهة بأن هذا محرم، أو أن هذا شرك ونحو ذلك فإنه يُعذر أما إن قامت عنده شبهة وأَمْكَنه التعليم ولم يتعلم فإنه لا يعذر وهذا القسم هو الذي أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: [لكن إذا فرط في التعلم … فذا محل نظر فلتعلم].
فإذا توفر عنده أمران:
الأمر الأول: قيام الشبهة.
الأمر الثاني: تمكنه من التعليم بحيث يمكنه أن يسأل العلماء عن هذا الحكم ولم يفعل فإنه لا عذر له، لكونه مفرطًا أما إن كانت الشبهة لم تقم عنده أو قامت عنده ولم يتمكن من السؤال بحيث لم يجد عالمًا يسأله … إلخ فإنه يعذر حينئذٍ لعدم تفريطه.
ويأتي أيضًا عند قول المؤلف: والإثم والضمان يسقطان بالجهل