← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1573

العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين

خالد المشيقح

Полный текст (304 стр.). Показаны 281–304 · переход к 286.

стр. 281

٩٢ - وكلُّ مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيءَ علَى … وجْهٍ مُحَرَّمٍ فَمَنْعُه جَلا قوله: [جلا]: أي وضح، وظهر. هذه قاعدة: [من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه] ومعنى هذه القاعدة: أن من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده ذلك شيئًا، وعوقب بنقيض قصده. ودليل هذه القاعدة: أدلة سد الذرائع مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فالله نهى أن يسب المؤمنون الكفار لئلا يؤدي ذلك إلى سب الله . وقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فنهى الله المرأة أن تضرب برجلها على الأرض سدًا للذريعة، ذريعة الفتنة. وقوله ﷺ : «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». (١) فهذه الأدلة تدل على قاعدة سد الذرائع؛ ولأن في استعجال الشيء قبل أوانه تقديمًا لما أخره الله تعالى؛ ولأن فيه إضرارًا بالآخرين. قال ابن القيم ﵀: (وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده). [فمن تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه] معاقبة له بنقيض قصده، وهذه القاعدة يدخل تحتها أمثلة منها: المثال الأول: قوله ﷺ : «لا يرث القاتل شيئًا» (٢) والحديث فيه ضعف، فمن قتل مورثه عمدًا فلا يرثه معاقبة له بنقيض قصده؛ لأنه تعجل الشيء

стр. 282

قبل أوانه، فعوقب بحرمانه. مسألة: من هو القاتل الذي يرث، والذي لا يرث؟ هذا موضع خلاف بين الأئمة ﵏ ليس هذا موضع بسطه. المثال الثاني: الموصى له إذا قتل الموصِي عمدًا فإنه لا يستحق شيئًا عقوبة له بنقيض قصده، تعجل الوصية قبل أوانها فعوقب بحرمانه. المثال الثالث: المُدَبَّر وهو الرقيق الذي عَلّق سيده عتقه بموته، فإذا قتل المُدَبَّر سيده، فإنه لا يعتق معاقبة له بنقيض قصده. المثال الرابع: من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا، كشرب الخمر، ولبس الحرير، فإنه يحرمها في الآخرة عقوبة له، ولهذا قال النبي ﷺ : «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة». (١) وأخبر النبي ﷺ : «أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٢). المثال الخامس: من خَبَّبَ امرأة على زوجها، يعني أفسد بين الزوجين؛ لكي يتزوج هذه المرأة، فإنها لا تحل له معاقبة له بنقيض قصده … وهكذا. تنبيه: القاعدة السابقة قد تدخل في الأمور الدنيوية كما نص على ذلك ابن تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى) فإن هناك من الأمور ما لو عاجله المرء قبل وقته لحرمه. • • •

стр. 283

٩٣ - وَضَاعِفِ الغُرْمَ عَلى مَنْ ثَبَتَتْ … عُقُوبةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَتْ ٩٤ - لِمَانعٍ كسارقٍ مِنْ غيرِ مَا … مُحَرَّزٍ وَمَنْ لِضالٍ كَتَمَا قوله: [الغرم]: هو ما يلزم أداؤه. وقوله: [مُحَرَّز]: الحِرز: هو الموضع الحصين. وقوله: [الضال]: هو ما ضاع من البهائم خاصة. هذه قاعدة: [العقوبة إذا سقطت لتخلف شرط، أو لوجود مانع فإن الغرم يضاعف]. ومسألة مضاعفة العقوبة هذا على مذهب الإمام أحمد ﵀، أما على قول الجمهور فلا تضعيف. ويدل لهذه القاعدة: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ سُئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثلية والعقوبة» (١) رواه أبو داود وابن ماجه. يعني إذا أُخذ الثمر من الجرين فيه القطع؛ لأنه أخذه من حرزه، الثمر حرزه الجرين موضع التيبيس لكن إذا أُخذ من أكمامه لم يؤخذ من الحرز فقال ﷺ : «ففيه قيمته ومثله». وأيضًا يدل لذلك: أن عمر ﵁ أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة قيمتها مرتين. (٢)

стр. 284

ويدل لذلك أيضًا: أن عمر ﵁ جمع أقاربه وقال: «إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم فأيما امريء جنى أضعفت عليه العقوبة مرتين» (١) لئلا تسوِّل له نفسه أن يحتمي بسلطة الخليفة، ويتساهل بالجناية. وهذه القاعدة: [أن العقوبة إذا سقطت يضاعف الغرم] لها صور: الصورة الأولى: قال: [لمانع كسارق من غيرِما محرز … ] يعني السارق إذا سرق من غير حرز سقطت عنه العقوبة لتخلف شرط القطع وهو كون السرقة من غير حرز، لكن تضاعف عليه قيمة المسروق فيجب عليه أن يأتي بالمسروق وقيمته فإن استهلك المسروق فإنه تجب عليه القيمة مرتين. الصورة الثانية: قوله: [ومَن لضال كتما] أي: إذا كتم الإنسان الضالة كبهيمة الأنعام إذا ضلت، ثم بعد ذلك كتمها فإنه يُضاعف عليه الغرم مرتين. مثال ذلك: إذا أخذ البعير وكتمه فإننا نضاعف عليه الغرم مرتين. وأيضا هناك صور أخرى للسرقة إذا كانت من غير حرز هل يضاعف فيها الغرم؟ فالمشهور من المذهب أنهم يخصصون التي تضاعف فيها القيمة في ثلاثة أشياء: الشيء الأول: الثمر. الشيء الثاني: الكَثَر. (٢) الشيء الثالث: الماشية؛ لأن هذا هو الذي ورد به النص، وليس في كل سرقة، وظاهر كلام المؤلف ﵀: أنه شامل لكل سرقة، وهذا هو الرأي الثاني في هذه المسألة؛ فكل سرقة من غير حرز فإنها تضاعف فيها القيمة مرتين.

стр. 285

الصورة الثالثة: من قَتَلَ ذميًا، فإن المسلم لا يُقتل بالذمي لتخلف شرط المكافأة، وهو شرط من شروط وجوب القصاص فالذمي ليس مكافِئًا للمسلم، لكن إذا قتله عمدًا تضاعف عليه الدية مرتين، وهذا هو الوارد عن عمر ﵁ (١)، ودية الذمي على النصف من دية المسلم. وعند أبي حنيفة ﵀: أن دية الذمي كدية المسلم في العمد، وفي الخطأ لا فرق. الصورة الرابعة: الأعور إذا قلع عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة، يعني عندنا رجل عينه اليمنى عوراء، وعينه اليسرى صحيحة، جاء إلى شخص صحيح ففقأ عينه اليسرى، لو قلنا: يقتص منه، وفقأنا عينه اليسرى لأدى ذلك إلى ذهاب بصر الأعور كله، فقالوا: لا قصاص لكن تضاعف عليه الدية؛ لورود ذلك عن عمر ﵁. وقال الإمام مالك ﵀: (إن شاء الصحيح أن يقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة). وقال أبو حنيفة والشافعي، رحمهما الله: (إن شاء عفى، وإن شاء أخذ نصف الدية). • • •

стр. 286

٩٥ - وكلُّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ جُعِلْ … كَمَيْتِهِ في حُكْمِهِ طُهْرًا وَحِلْ معنى هذه القاعدة: أن ما قطع من إنسان، أو حيوان، أو طير فحكمه طهارة وحلًا كميتته. ودليل هذه القاعدة: حديث أبي واقد الليثي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت» (١). وعلى هذا نقول: ما أبين من حي فهو كميتته في الحل والطهارة، ويدخل تحت ذلك أمثلة كثيرة: المثال الأول: ما أبين من الإنسان فهو طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، فإذا قُطِعَت يد رَجُلٍ كافر، أو مسلم فهذه اليد طاهرة؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته. وبهذا يستدل بعض العلماء ﵏ على طهارة الدم الخارج من بقية بدن الإنسان دون الفرج؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته. المثال الثاني: ما أبين من الشاة فهو كميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة، فإذا قُطِعَت رِجْل شاة فهذه الرِّجْل نجسة؛ لأن ميتة الشاة نجسة وحرام لا يجوز أكلها. المثال الثالث: حيوان البحر مثل الحوت، فإذا قطعنا شيئًا منه فإنه حلال طاهر؛ لأن الحوت ميتته حلال، وطاهرة فما أبين منه فهو حلال طاهر. المثال الرابع: ما لا نفس له سائلة. يعني الذي إذا قُتل لا يخرج منه دم يسيل مثل الجراد، والجعل، والعقرب … إلخ فما أبين مما لا نفس له سائلة، فإنه طاهر؛ لأن ميتته طاهرة وعلى هذا فقس. وهل هي حلال أو حرام؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم ﵏.

стр. 287

ويستثني العلماء ﵏ من هذه القاعدة [ما أُبين من حي فهو كميتته] مسألتين: المسألة الأولى: المسك وفأرتُه، وفأرته (يعني وعاؤه) والمسك: دم ينزل من الغزال، فهناك غزلان يُقال لها غزلان المسك، يُحبس عنها الطعام، ثم بعد ذلك تُجرى هذه الغزلان، فإذا جرت نزل من عند السرة دم يُربط بخيط قوي، ثم بعد ذلك ينْحلّ بعد فترة بسبب شدة الربط مع جلدة الغزال التي هي وعاء هذا المسك فينقلب هذا الدم إلى مسك (طِيْب) والقاعدة: [ما أُبين من حي فهو كميتته] الغزال ميتته نجسة وحرام لا تؤكل، لكن استثنوا من ذلك هذا الدم الذي يخرج من الغزال وفأرته، فهذا الدم الذي ينقلب مسكًا ووعاؤه يكون طاهرًا. المسألة الثانية: الطريدة، والطريدة: فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: مطرودة وذلك؛ كأن تندّ بهمية من بهائم الأنعام فيلحقونها ويضربونها بالسيوف ونحو ذلك حتى يُقَطِّعُوها فإذا قَطَّعُوها فما أبين من هذه الطريدة التي قَطَّعوها وقتلوها فهو حلال طاهر؛ لورود ذلك عن الصحابة ﵃. • • •

стр. 288

٩٦ - وكانَ تَأتي للدَّوَامِ غالبًا … وليس ذا بِلازِمٍ مُصَاحِبًا يعني ما يرد في الحديث كان رسول الله ﷺ يفعل، أو كان يقرأ … إلخ. يقول المؤلف ﵀: تأتي للدوام غالبًا وليس لازمًا، وعلى هذا نقول: (كان) الواردة في الأدلة الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن تأتي للدوام دائمًا، وهذا قليل، ومن ذلك ما جاء في الحديث «كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته بالتكبير» (١) وأيضًا حديث عائشة ﵂ في الصحيحين «كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله». (٢) يعني يَسْتَحْسِن النبي ﷺ التيمن، فهذه للدوام دائمًا. القسم الثاني: أن تأتي للغالب ليس للدائم وهذا هو الكثير، ومن ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا غيره على إحدى عشرة ركعة» (٣). هذا هو الغالب وربما زاد وربما نقص، لكن هذا خلاف الغالب، ومن ذلك: حديث جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ «كان يقرأ في الظهر، والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق» (٤) هذا هو الغالب أنه كان يقرأ بأواسط المفصّل (٥) وربما أطال النبي ﷺ في الظهر

стр. 289

وهكذا. القسم الثالث: أن تأتي لغير الغالب، وهذا قليل من ذلك ما ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «كان يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية». (١) فليس غالبًا أن النبي ﷺ كان يقرأ بسبح والغاشية وأيضًا ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «كان يقرأ بالجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة» (٢) فتارة يقرأ بهذا، وتارة يقرأ بهذا. • • •

стр. 290

٩٧ - وإِنْ يُضَفْ جَمعٌ وَمُفردٌ يَعُمْ … والشَّرطُ والموصُولُ ذا لهُ انحتَم قوله: [انحتم]: انحتم الأمر: وجب وجوبًا لا يمكن إسقاطه. هنا شرع المؤلف ﵀ في بيان شيء من صيغ العموم وهذه المسائل يبحثها الأصوليون ﵏ في مباحث العام. والعام لغة: الشامل. وفي الاصطلاح: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر. والأصل: العمل بالعام حتى يرد المخصِّص كما تقدم لنا في دليل الاستصحاب، وأشار المؤلف ﵀ إلى شيء من صيغ العموم. وقوله: [وإن يضف جمع ومفرد يعم]: أي من صيغ العموم: المفرد المضاف، وبهذا قطع الموفق في الروضة، وجزم به ابن القيم في إعلام الموقعين. وكذلك الجمع المضاف. مثال الجمع المضاف: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أولاد جمع، والضمير مضاف إليه، فيشمل كل الأولاد: الذكر، والأنثى، والصغير، والكبير … إلخ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] (آلاء) جمع، و (رب) مضاف إليه، فيشمل كل آلاء الله . ومثاله في المفرد: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [الرحمن: ١٣] (نعمة) مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، فيشمل كل نعم الله الدينية، والدنيوية. وتظهر فائدة بيان هذا: أنه يُحتاج إليه في ألفاظ الموقفين، والمتبرعين، والموصين، وألفاظ الفسوخ، ونحو ذلك. مثال ذلك: لو قال: رقيقي حر، هذا مفرد مضاف يعم كل الأرقاء فيعتق عليه جميع الأرقاء.

стр. 291

لو قال مثلًا: زوجتي طالق نقول: كل الزوجات طلقن عليك؛ لأن هذا مفرد مضاف، فيشمل كل الزوجات، وكذلك لو قال: بيتي وقف فيشمل جميع بيوته … إلخ. قوله: [والشرط والموصول]: أيضًا من صيغ العموم الأسماء المبهمة، يدخل في ذلك أسماء الشرط، والأسماء الموصولة، وأسماء الاستفهام فهذه كلها تدل على العموم. مثال اسم الشرط: قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥] (من) اسم شرط يشمل كل من عمل صالحًا. قال العلائي ﵀: اتفق الأصوليون الذين يقولون بالعموم على أن (مَنْ) إذا أتت بمعنى الشرطية، والجزاء فإنها تفيد العموم. وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] هذا عام يشمل أي جهة، وأيضًا مثل هذه الأشياء نستفيد منها كما قلنا في ألفاظ الموقفين، والموصين، وفي ألفاظ المعاملات، والتبرعات … إلخ. فنفهم من ذلك أن المتلفظ بهذه الألفاظ أنه يحكم عليه بالعموم، وأنه أراد العموم إلا لقرينة، أو بينة تمنع من ذلك. وقوله: [والموصول]: أي أن اسم الموصول يدل على العموم. ومن ذلك: قول النبي ﷺ في حديث أم سلمة ﵂: «الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (١) (الذي يشرب) أيّ إنسان يشرب ذكرًا كان أو أنثى … إلخ. هذا عام إلا إذا ورد ما يقتضي التخصيص. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] (والذي جاء) هذا يشمل كل من جاء بالصدق.

стр. 292

وأيضا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] هذا يشمل كل من جاهد … إلخ. وكذلك أسماء الاستفهام تدل على العموم، مثل: من حضر من الطلاب؟ وأيضًا من ألفاظ العموم لفظ (كل) قال أبو المعالي الجويني ﵀ في كتابه (البرهان): (وهي أقوى ألفاظ العموم في الدلالة على العموم) وقد صنف تقي الدين السبكي ﵀ مصنفًا في (كل) ومشتقاتها، وأطال الكلام حولها، ولخصه العلائي ﵀ في (تلقيح الفهوم) وهي تفيد العموم، سواء كانت مستقلة، أم مؤكِّدة. مستقلة نحو: قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ومؤكِّدة نحو قولك: (اشتريت هذا البيت كله). وكذلك ما يلحق (بكل) فإنها تدل على العموم مثل: (جميع، ومعشر، ومعاشر، وكافة، وعامة … إلخ). ومن ألفاظ العموم: اسم الجمع المعرف بالألف واللام مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فالمؤمنون عامة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩]. وكذلك من ألفاظ العموم: النكرات بعد النفي، والنهي، والاستفهام كما سيأتي في قول المؤلف ﵀. • • •

стр. 293

٩٨ - مُنَكَّرٌ إِنْ بَعدَ إثباتٍ يَرِدْ … فَمُطلقٌ ولِلعُمومِ إنْ يَرِدْ ٩٩ - مِنْ بَعدِ نَفْيٍ نَهْيٍ استفهامِ … شَرْطٍ وَفي الإثبات للإنعامِ النكرات تنقسم قسمين: القسم الأول: النكرة بعد الإثبات تدل على الإطلاق إلا إذا كانت للإنعام؛ أي: في مجال الامتنان، فإنها تدل على العموم. والمطلق: هو اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه. مثال ذلك: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] هذا يشمل كل رقبة: صغيرة، أو كبيرة، مؤمنة، أو كافرة، ذكر، أو أنثى، سليمة من العيوب، أو معيبة … إلخ. فهذا اللفظ مطلق يشمل كل هذه الأشياء، لكن يتناول أمرًا واحدًا لا بعينه غير محدد. وأيضًا من ذلك: لو قلت: (أكرم رجلًا)، هذه نكرة في سياق الإثبات فتدل على الإطلاق. القسم الثاني: أن ترد النكرة بعد النفي، أو النهي، أو الاستفهام، أو الشرط فإنها تدل على العموم. إذا وردت النكرة في سياق النفي تدل على العموم. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] (لا تملك) هذا نفي، و (نفس) هذه نكرة تشمل كل نفس، فتدل على العموم؛ لأنها في سياق النفي. وقوله: (لنفس): أيضًا نكرة ثانية في سياق النفي فتدل على العموم، (شيئًا) نكرة ثالثة في سياق النفي فتدل على العموم وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فهنا نفي كل رفث، وكل فسوق، وكل جدال.

стр. 294

وقوله: [من بعد نفي نهي]: أيضا النكرة في سياق النهي تدل على العموم. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] فيشمل كل إله. والدليل على إفادة النكرة في سياق النهي العموم: أنها في الحقيقة بمعنى النفي فتأخذ حكمه. قوله: [استفهام]: أيضًا النكرة في سياق الاستفهام تدل على العموم، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] وكقولك: (أأحد في المسجد؟) هذا يشمل كل أحد. قوله: [شرط]: أيضًا النكرة في سياق الشرط تدل على العموم. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (سوء) هذه نكرة في سياق الشرط، يشمل كل سوء، فتفيد العموم وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقول القائل: (من فاز فأعطه جائزة). قوله: [وفي الإثبات للإنعام]: يعني إذا كانت النكرة في سياق الإثبات ليس في سياق نفي، ولا نهي، ولا شرط، ولا استفهام، فإنها تدل على الإطلاق ولا تدل على العموم، إلا إذا كانت في معرض الامتنان، فإنها تدل على العموم. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] (فاكهة) هذه نكرة في سياق الإثبات، الأصل أنها تكون من باب الإطلاق، وليس من باب العموم، لكن لما كانت في معرض الامتنان كانت مستثناة فتدل على العموم. فنقول: قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ هذا شامل لكل فاكهة، ولكل نخل، ولكل رمان.

стр. 295

ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ فقوله: (ماء) هذا يشمل كل ماء؛ لأن هذه وردت في معرض الامتنان، فإذا كانت في معرض الامتنان وبيان النعمة حتى وإن كانت في سياق الإثبات، فإنها لا تكون من باب الإطلاق، وإنما تكون من باب العموم. • • •

стр. 296

١٠٠ - واعتبرِ العمومَ فِي نصًّ أُثِرْ … أمّا خُصُوصُ سَبَبٍ فَمَا اعْتُبِرْ هذه قاعدة أصولية: [العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب] وتقدم أن أشرنا إلى أنه يجب العمل بالعام إلى أن يرد المخصص، وكذلك إذا كان اللفظ عامًا والسبب خاصًا، فإنه لا ينظر إلى خصوص السبب؛ لأن الشريعة عامة لكل زمان، ومكان، وكل أحد، فلا ترد خاصة لأحد بعينه، وعلى هذا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولهذا تجد كثيرًا من الوقائع أسبابها خاصة ومع ذلك الحكم فيها عام، ومن ذلك اللعان سببه خاص قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] والحكم عام لكل الناس لا يخصص لأحد دون غيره مع أن السبب خاص على خلاف في منْ نزلت، فقال الحافظ ابن حجر ﵀: اختلف الأئمة في هذه المواضع فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر العجلاني، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال بن أمية، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا، وإلى هذا جنح النووي وتبعه الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك في وقت واحد. وأيضًا: آيات الظهار نقول بأنها عامة مع أن سبب الظهار خاص وهو مظاهرة أوس بن الصامت ﵁ من زوجته خولة بنت ثعلبة ﵂ (١)، ومع ذلك الآيات عامة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾

стр. 297

[المجادلة: ٢] فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والعلة في ذلك أن الشريعة عامة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (لا تنزل الشريعة لآحاد الناس، ليس هناك دليل في الشريعة وردت خصوصيته خصوصية عين). مثال ذلك: في قصة سالم مولى أبي حذيفة ﵁ لما جاءت سهلة زوجة أبي حذيفة وذكرت أن سالمًا مولى أبي حذيفة كبر، وأنه يدخل عليها … إلخ فقال النبي ﷺ : «أرضعيه تحرمي عليه» (١) وهو رجل كبير. قال الجمهور: هذه الخصوصية خصوصية عين يعني أن هذه قضية عينية خاصة بسالم مولى أبي حذيفة. وقال شيخ الإسلام ﵀: (الخصوصية هنا ليست خصوصية عين، وإنما هي خصوصية وصف وحال، فكل من كانت حاله مثل حال سالم مولى أبي حذيفة ﵁ فإن رضاع الكبير ينتشر). ومثل ذلك: قصة أبي بردة ﵁ عندما ذبح قبل الصلاة فقال له النبي ﷺ : «شاتك شاة لحم»، فقال يا رسول الله فإن عندنا عناقًا هي أحب إليّ من شاتين أفتجزئ عني فقال ﷺ : «نعم ولن تجزي عن أحد بعدك» (٢) ليست هذه خصوصية عينية، وإنما هي خصوصية حالية وصفية، وعلى هذا فقس. • • •

стр. 298

١٠١ - ما لمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِوَصْفِ … يُفيدُ عِلةً فَخُذْ بِالوَصْفِ سبق أن قررنا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن استثنى المؤلف ﵀ قال: [ما لم يكن متصفًا بوصف]: يعني أن العام إذا أورد على سبب متصف بصفة فإننا نعممه في حدود تلك الصفة. ومن الأمثلة على ذلك: قوله ﷺ لما رأى رجلًا قد ظُلِّل عليه في السفر بسبب الصيام: «ليس من البر الصوم في السفر» (١) السبب هنا خاص، وهو قصة ذلك الرجل الذي أصابته مشقة في السفر بسبب الصيام، ثم ظلل عليه، وازدحم الناس عليه فقال ﷺ : «ليس من البر الصوم في السفر» فهذا عام يشمل كل مسافر، ويشمل كل سفر، لكن هذا السبب ورد متصفًا بصفة وهي المشقة فقد لحقته مشقة ظاهرة، فمادام تلحق هذه المشقة الظاهرة فنقول: ليس من البر الصوم في السفر كحال هذا الشخص الذي لحقته مشقة، أما إذا كان لا تلحقه مشقة فإنه لا بأس أن يصوم بل يشرع، فإن النبي ﷺ صام في السفر (٢) وأفطر في السفر (٣) أيضًا. فنقول: قول النبي ﷺ ورد مقيدًا بصفة، وهي لحوق المشقة فليس من البر الصيام في السفر إذا كان يؤدي إلى المشقة. • • •

стр. 299

١٠٢ - وخَصِّصِ العامَّ بِخاصٍ وَرَدَا … كَقَيْدِ مُطلقٍ بِما قد قُيِّدَا الأصل كما أسلفنا أنه يُعمل بالعام على عمومه حتى يرد المخصص، فإذا ورد المخصص فإنه يصار إلى التخصيص. والتخصيص: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك. وقد قسم العلماء المخصصات إلى قسمين: القسم الأول: المخصصات المنفصلة وهي: الحس، والعقل، والشرع، والإجماع، والقياس. القسم الثاني: المخصصات المتصلة: وهي الاستثناء، والصفة، والشرط، والبدل، والغاية، ونمثل لكل واحد بمثال: من أمثلة المخصصات المنفصلة: مثال الحس: قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] قوله: (كل شيء) (شيء) نكرة تشمل كل شيء، لكن خصص الحس السموات، والأرض. ومثال التخصيص بالعقل وقوعه في: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فالعقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي، والمجنون بالتكليف بالحج لعدم فهمهما، والوقوع دليل الجواز، ذكره الأصوليون وهو مذهب جمهور العلماء ﵏. ومثال التخصيص بالإجماع: أن العلماء ﵏ أجمعوا على أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] مَخصَّص بالإجماع على أن العبد يُجلد خمسين جلدة على النصف من الحر، ومستند هذا الإجماع هو القياس على الأَمة، حيث ورد النص على أنها تجلد نصف ما على الحرة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فقاس العلماء العبد على الأَمة، وأجمعوا على هذا القياس. ومثال التخصيص بالقياس: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل

стр. 300

عمران: ٩٧] لم يبق على عمومه، حيث من وجب عليه حد في النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يُقتص منه، ولو كان داخل الحرم، وخصصنا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس، حيث قسناه على من جنى داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. ومثال التخصيص بالشرع: قوله ﷺ «فيما سقت السماء العُشر». (١) هذا عام يشمل القليل والكثير خُصِّصَ ذلك بقول النبي ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». (٢) ومن أمثلة المخصصات المتصلة: الصفة: قول النبي ﷺ : «من باع نخلًا مؤبَّرً» (٣) (نخلًا) هذه نكرة في سياق الشرط تفيد العموم كل نخل، لكن خُصِّصَ بقوله: (مؤبرا) هذه صفة. ومن أمثلة المخصصات المتصلة: الاستثناء: كقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فلا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه» فقال العباس ﵁ يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم فقال النبي ﷺ : «إلا الإذْخِر». (٤) وقوله: [كقيد مطلق بما قد قيدا]: المطلق سبق تعريفه. (٥) والمقيّد: هو اللفظ المتناول لمعيَّن، أو غير معيَّن موصوفٍ بأمرٍ زائدٍ على الحقيقة الشاملة لجنسه. أيضا الأصل العمل بالمطلق حتى يرد المقيّد فإذا ورد المقيد فإن المطلق يُقيَّد. من الأمثلة على ذلك: أن الله تعالى قال في كفارة الظهار

стр. 301

﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقال في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ففي كفارة الظهار تحرير رقبة مطلقة وفي كفارة القتل قُيدت هذه الرقبة بالإيمان. واعلم أنه إذا ورد مطلق ومقيّد فإن الحال لا يخلو من أربعة أقسام: القسم الأول: أن يتفق الحكم والسبب، فجمهور الأصوليين على أن المطلق يُحمل على المقيد. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقوله تعالى في آية أخرى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فقيد الدم هنا بكونه مسفوحًا فالحكم واحد وهو تحريم الدم، والسبب واحد وهو المضرة والأذى، فقالوا: يُحمل الدم المطلق على الدم المسفوح المقيد، وبعض العلماء قال: إن هذا القسم لا وجود له؛ لأنه إذا اتفق الحكم والسبب فإنه يكون شيئًا واحدًا. القسم الثاني: أن يتفق الحكم ويختلف السبب، فجمهور الأصوليين على أنه يُحمل المطلق على المقيد. مثال ذلك: قوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قيدها بالإيمان، وقال في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الحكم واحد وهو إعتاق رقبة في كفارة، والسبب مختلف (ظهار، وقتل) فقالوا: يُحمل المطلق على المقيّد وحينئذ المطلق في كفارة الظهار نحمله على المقيد في كفارة القتل، فنقول: يشترط في الرقبة المعتقة أن تكون مؤمنة. القسم الثالث: أن يتفق السبب ويختلف الحكم. مثال ذلك: قال تعالى في الصيام في كفارة الظهار: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] وقال في الإطعام في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ السبب واحد في الإطعام وفي والصيام،

стр. 302

وهو الظهار، لكن الحكم هنا اختلف ففي الإطعام قال تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ أطلق ولم يشترط التتابع، وفي الصيام اشترط الله تعالى التتابع قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ فلا نحمل هنا المطلق على المقيّد فلا يجب التتابع في الإطعام. وعلى هذا لو أطعمت اليوم ثلاثين مسكينًا، وغدًا وبعد غد أطعمت ثلاثين مسكينًا صح ذلك. القسم الرابع: أن يختلف الحكم والسبب، فهنا لا يُحمل المطلق على المقيد. من الأمثلة على ذلك: كفارة اليمين قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] قال بعد ذلك ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وفي قراءة: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعة﴾ فهنا قيد صيام كفارة اليمين بالتتابع. وقال تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ السبب هنا مختلف يمين وظهار، والحكم أيضًا مختلف، فلا نحمل الإطعام المطلق الوارد في كفارة الظهار على الوارد في كفارة اليمين. • • •

стр. 303

١٠٣ - ما لمْ يكُ التِّخْصيصُ ذِكرَ البعضِ … مِنَ العُمُومِ فالعُمُومَ أَمْضِ هذه قاعدة أيضًا مفيدة وهي: [أن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص]. مثال ذلك: إذا قلت: (أكرم الطلبة) هذا يشمل كل الطلبة، ثم قلت بعد ذلك: (أكرم زيدًا)، لا يقتضي التخصيص هنا، لا نقول: الإكرام خاص بزيد بل شامل لكل الطلبة وإنما ذكرت زيدًا لكي تعتني به أكثر، أو لكي تزيد في إكرامه. ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل مالٍ لم يقسَم» يشمل العقار، والمنقول قال بعد ذلك: «فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة» (١) وقوله بعد ذلك: (فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة). هنا ذكر النبي ﷺ بعض أفراد العام بحكم يوافق العام، فنقول: لا يقتضي التخصيص، لا نقول: إن قوله: (قضى بالشفعة في كل مال لم يقسم) أنه خاص بالعقار؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» بل نقول بأن قوله: «إذا وقعت الحدود وصُرَّفت الطرق فلا شفعة «لا يقتضي التخصيص؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. مثال آخر: تقول: (أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيدًا) فقولك: (زيدًا) ذكر لبعض أفراد العام بحكم يوافق العام وهو الإكرام، فلا يقتضي التخصيص، ولو قلت: (أكرم الطلبة) ثم قلت: (لا تكرم زيدًا) لقلنا: بأنه يقتضي التخصيص؛ لأنه يخالف العام ولا يوافقه. انتهت هذه المنظومة المباركة نسأل الله أن يغفر لناظمها ويتجاوز عنه، ويسكنه فسيح جناته، وأن يجعل ما كتبه، ونَظَمَهُ في ميزان حسناته، وأن يغفر لنا، ويرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا

стр. 304

ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.