شخص ويدعي أنه يريد من هذا الشخص كذا وكذا وأنه جحده … إلخ، ويأتي تمام هذا في قوله:
• • •
٧٦ - وَجَائِزٌ أخذُك مالا استُحِقْ … شَرعًا ولو سِرًّا كَضَيفٍ فهْو حَقْ
هذه المسألة يسميها العلماء ﵏ بمسألة الظَفَر وهي أن يظْفَر الإنسان بمال لشخص له حق عنده جحده إياه فهل له أن يأخذ منه هذا المال بدلًا من حقه أو لا؟ هذه المسألة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون السبب ظاهرًا، فهذا لك أن تأخذ من ماله حقك الذي تريد منه، ويدخل في ذلك نفقة الأولاد، والزوجة، وحق الضيف كما قال الشيخ ﵀ هنا، فسبب نفقة الزوجية ظاهر، وسبب نفقة الأولاد والقرابة أمرها ظاهر، وسبب نفقة الضيف الضيافة أمرها ظاهر، فالزوجة إذا لم ينفق عليها زوجها وقصر في نفقتها الواجبة ثم ظفرت بشيء من ماله، فلها أن تأخذ من ماله بقدر الواجب، والأولاد أو الأقارب إذا قصّر قريبهم في الإنفاق عليهم ثم ظفروا بشيء من ماله، فلهم أن يأخذوا الكفاية أو تمامها.
ودليل ذلك: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لهند لما شكت إليه أبا سفيان أنه رجل شحيح قال ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك، ويكفي بنيك». (١) أيضًا رخص النبي ﷺ للضيف إذا امتنع المُضيف أن يأمر له بحقه، أن يأخذ حقه منه كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم». (٢)
القسم الثاني: أن يكون السبب خفيًا مثل القرض، وثمن المبيع، وقيمة المتلف، والوديعة، والعارية … إلخ، فليس لك أن تأخذ فإذا جحد
стр. 247
وديعتك، أو عاريتك، أو أقرضته وجحد القرض، أو بعت عليه بثمن، مؤجل وجحد الثمن، أو أتلف مالك وجحد القيمة، فليس لك أن تأخذ منه إذا ظفرت بشيء من ماله فلا تخن من خانك، وإنما ترجع إلى القاضي فتأخذ حقك منه؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى التلاعب والفوضى … إلخ.
وذهب الشافعي وقول في مذهب أبي حنيفة ومالك إلى أنه يجوز أن يأخذ، فمن كان يطلب إنسانًا دينًا قال الشافعي: إنه يجوز له أن يأخذ حقه.
وقال بعضهم: إنه يجوز أن يأخذ إذا كان لا يمكن إثباته عند القاضي، أما إذا كان يمكن إثباته عند القاضي؛ كأن يكون الذي عليه الدين مقر به، أو عنده بينِّه فقالوا: لا يجوز في هذه الحال أن يأخذ؛ لأنه ينسب إلى الخيانة والسرقة عند خفاء السبب، وكما تقدم قال ﷺ «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». (١)
وفصّل بعض العلماء بين الشيء اليسير، فلك أن تأخذ حقك من ماله، وبين الكثير فليس لك أن تأخذ.
• • •
стр. 248
٧٧ - قد يَثْبُتُ الشَّيءُ لغيرِهِ تَبَعْ … وإنْ يَكُنْ لوِ استَقَلَّ لا مْتَنَعْ
هذه قاعدة: [يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا]:
التبع: هو المشارك لغيره في الحكم.
والمعنى أن هذا التبع يثبت له حكم متبوعه، والحكم لا يثبت له لو كان مستقلًا، وإنما اكتسبه من تَبَعِه لغيره.
والاستقلال: الانفراد في الحكم لوحده.
ومعنى القاعدة: [أن الشيء قد يكون له حكم حال الانفراد عن غيره، ولكن إذا اشترك مع غيره وتبعه فإنه يتغير حكمه لحكم متبوعه، ولا يصح هذا الحكم له لو كان منفردًا].
وللفقهاء ألفاظ أخرى تدل على القاعدة أو قريب منها كقولهم: [قد يثبت الشيء ضمنًا وحكمًا ولا يثبت قصدًا]، وقولهم: [يغتفر في التوابع مالا يغتفر في غيرها]، وقولهم: [التابع تابع]، وقولهم: [التابع لا يفرد بحكم].
ويدل لذلك: أن النبي ﷺ «حرّق نخل بني النضير» (١) وهذا جائز لما فيه من النكاية بالعدو، لكن هذا التحريق يؤدي إلى تعذيب الحيوانات بالنار من الحشرات والطيور فتعذيب هذه الأشياء إذا كانت على وجه الاستقلال محرم ولا يجوز؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار لكنه جاز تبعًا لغيره، فلما كان التحريق فيه مصلحة، فعله النبي ﷺ مع أنه سيترتب على ذلك أن يحرق شيئًا من الحيوانات فنقول: يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا فلما كان تابعًا لغيره جاز ذلك، وكذلك الفلاح يحرق أرضه لما يترتب على ذلك من المصلحة في الأرض؛ ولأن التابع أيسر من المستقل فهو داخل في ضمنه وفي حكمه، ومن ذلك المأموم يسجد مع الإمام
стр. 249
سجود السهو وهو لم يسهو وإنما سها الإمام فنقول: زاد هنا تبعًا للإمام.
ومن الأمثلة أيضًا: يأتي المأموم، والإمام في الركعة الثانية، فيدخل معه، فهي الركعة الثانية للإمام والركعة الأولى للمأموم، فالإمام سيجلس للتشهد فيتابعه المأموم ويجلس للتشهد مع أن هذا ليس موضع جلوس له؛ لأنها الركعة الأولى بالنسبة له.
ومن الأمثلة: السوس في التمر لا يجوز أن تأكلها استقلالًا لكن لو أكلت التمرة وما فيها من سوس فإن هذا جائز ولا بأس به.
ومن الأمثلة: ثمرة النخل لا يجوز أن تبيعها حتى يبدو صلاحها، فإذا بدا الصلاح ولو في بسرة واحدة جاز لك أن تبيع البسر وهو أخضر لم يحمّر أو يصفّر.
ومن الأمثلة: الصلاة لا تجوز النيابة فيها؛ أي: مَنْ يصلي عن فلان، لكن لو حج عن إنسان حي أو ميت جاز له أن يصلي ركعتي الطواف وتدخل ركعتا الطواف تبعًا لا استقلالًا.
وكذلك ذكاة الجنين ذكاة أمه فيحل بذكاة أمه إذا خرج ميتًا ولا يحتاج إلى ذكاة أما لو خرج حيًا فلا يحل إلا بذكاة.
ومن الأمثلة: المجهول لا يجوز لك أن تبيعه، فالحمل على وجه الاستقلال لا يجوز لك أن تبيعه، لكن تبيع الشاة وفيها حمل يجوز؛ لأنه تابع؛ لأن الحمل قد يكون ذكرًا، وقد يكون أنثى، وقد يكون واحدًا، وقد يكون اثنين … إلخ.
وكذلك اللبن على وجه الاستقلال في الضرع لا يجوز بيعه؛ لأنه مجهول لكن تبيع الشاة أو البقرة … إلخ وفيها اللبن فهذا جائز؛ لأنه يثبت تبعًا مالا يثبت استقلالًا.
ومن الأمثلة: لو حلف أن لا يشتري صوفًا فاشترى شاة على ظهرها صوف، لم يحنث لأن الصوف هنا لم يكن مستقلًا، وإنما تابع للشاة.
стр. 250
وهذه القاعدة متفق عليها بين الفقهاء فقد حكى الاتفاق غير واحد ومنهم: السيوطي ﵀ في «الأشباه والنظائر» والنووي في «المجموع شرح المهذب» والماوردي في الحاوي الكبير».
ولهذا قال المؤلف ﵀:
٧٨ - كَحَامِلٍ إنْ بِيعَ حَمْلُها امْتَنَعْ … وَلَوْ تُباعُ حَامِلًا لم يَمْتَنِعْ
يعني لو بيع الحمل وحده لا يصح كما تقدم في الأمثلة السابقة، لكن لو بيعت الحامل مع الحمل هذا جائز؛ لأن القاعدة [يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا].
• • •
стр. 251
٧٩ - وكُلُّ شَرطٍ مُفْسِدٍ للعقدِ … بِذِكرِهِ يُفسِدُهُ بِالقصْدِ
٨٠ - مِثْلُ نِكَاحِ قاصِدِ التَّحْلِيلِ … ومَنْ نَوى الطلاقَ للرَّحِيلِ
هذه قاعدة: [أن كل شرط إذا ذُكر في العقد أفسده فكذلك أيضًا إذا نواه أفسد العقد].
ودليل هذه القاعدة: حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١) متفق عليه.
مثال ذلك: المرأة إذا طُلقت ثلاثًا فإنها لا تحل لزوجها حتى يطأها زوج غيره بعقد صحيح، فإن كان هناك شرط أو اتفاق بأن قال الولي: بشرط أن تطلقها إذا أحللتها لزوجها، أو اتفاق بين الولي والزوج، أو بين الزوج والزوجة على أنه متى أحلها لزوجها طلقها، فهذا يبطل عقد النكاح، لأن النبي ﷺ «نهى عن نكاح التحليل» (٢) فالشرط إذا ذكر أفسد العقد، وكذلك إذا نوي فإنه يفسد العقد.
فمثلًا هنا ليس فيه اتفاق لكن نوى الزوج أنه متى أحلها لزوجها فإنه سيطلقها.
مثال ذلك: زيد من الناس طلق زوجته آخر الطلقات الثلاث فقال شخص: أتزوجها وأحلها له، ثم بعد ذلك يتزوجها زيد ونوى ذلك فالنية هنا تفسد العقد كالشرط.
والدليل على ذلك: حديث عمر ﵁ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣). وهذا بنيته لم يقصد الدوام، وإنما نوى التحليل. وورد أن ابن عمر سئل عن الرجل ينكح المرأة ليحلها لزوجها بلا مؤامرة، وإنما فقط نية من الزوج فقال ابن عمر ﵄: «كنا نعد هذا سفاحًا على
стр. 252
عهد رسول الله ﷺ ». (١)
قوله: [ومن نوى الطلاق للرحيل]: أي من تزوج بنية أنه يطلق هذه المرأة عند رحيله من هذا البلد، فإن هذا محرم ولا يجوز، وهذا ما يسمى بالزواج بنية الطلاق، وقد اختلف العلماء في حكمه:
فالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه من نكاح المتعة، لحديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات .. » (٢) فالأمور بمقاصدها، فكما أن من نوى تحليل المطلقة ثلاثًا لا تحل ولا يصح معه العقد؛ فكذا من نوى الزواج بنية الطلاق؛ ولأن النكاح يراد للدوام والاستمرار وهذا ينتفي مع النكاح بنية الطلاق، وأيضًا فإن النكاح شرع لما يترتب عليه من مصالح عظيمة تنتفي مع النكاح بنية الطلاق، ولما فيه من الغش والتدليس، ولا يرضاه أحد لموليته وقد قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣) ولما فيه من اتخاذ آيات الله هزوًا.
وعند الأئمة الثلاثة: جوازه ومنهم من كرهه لاستكماله الشروط والأركان.
واستدلوا أيضًا: بأن المعيب يتزوج وهو يعلم أنه سيفسخ منه النكاح، وأجيب: بأن كتمانه للعيب محرم فلا عبرة به.
واستدلوا: بأنه يجوز الزواج من الأَمة وقد تعتق فتختار الفسخ، وأجيب: بأن هذا طارئ ونادر وليس أصليًا كإرادة الطلاق.
واستثنى المؤلف من القاعدة السابقة ما إذا كان الطرف الآخر يجهل هذه النية وذلك بقوله:
стр. 253
٨١ - لكنَّ مَنْ يَجْهلُ قَصْدَ صاحبِهْ … فالعقْدُ غيرُ فاسدٍ مِنْ جانبِهْ
٨٢ - لأنَّه لا يَعلمُ الذي أَسَرْ … فَأُجْرِيَ العَقْدُ على ما قدْ ظَهَرْ
أي أن العقد يفسد في جانب العالم بذلك، أما من الجاهل فالعقد صحيح في جانبه.
مثال ذلك: إذا اشترى عنبًا وهو يقصد أن يعصرها خمرًا فلو اشترط أنه سيعصرها خمرًا فهذا الشرط يفسد العقد، وكذلك إذا نواه فإنه يفسد العقد، ويكون في حقه فاسدًا، أما في حق الآخر الذي لا يعلم، فإنه صحيح.
مثال آخر: هذه المرأة التي تزوجها هذا الشخص يريد تحليلها فالعقد في حقها صحيح، فإذا مات فإنها ترثه وتعتد له، وإذا كان حيًا تطالبه بالنفقة والمهر … إلخ من سائر أحكام النكاح، فيترتب عليه أحكام النكاح الصحيح بالنسبة لهذه المرأة، أما بالنسبة لهذا الزوج الذي نوى التحليل، فإن العقد في حقه فاسد، فلو ماتت لا يرثها؛ لأنه عقد فاسد وعلى هذا فقس.
стр. 254
٨٣ - والشَّرطُ والصُّلحُ إذا ما حلَّلا … مُحرَّمًا أو عكسُه لنْ يُقْبَلا
الشَّرَطُ في اللغة: العلامة ومنه الشُرَط؛ لأن لهم علامات يتميزون بها عن الناس وهي لباسهم.
وأما في الاصطلاح: إلزام أحد المتعاقدين الآخر ما له فيه منفعة، ومصلحة.
الصلح في اللغة: قطع المنازعة. وأما في الاصطلاح: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاحٍ بين متخاصمين.
والأصل في الشروط: الصحة لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والإيفاء بالعقد يتضمن الإيفاء بأصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.
وأيضًا لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «المسلمون على شروطهم» (١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم. وأيضًا حديث عقبة ﵁ قال ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». (٢) فالأصل في العقود الصحة والحل ويجب الوفاء بها لما تقدم من الأدلة ولا فرق على الصحيح بين الشروط في المعاملات، وفي الأنكحة، كلها يجب الوفاء بها.
و الفرق بين الشروط في العقد وشروط العقد:
الفرق الأول: أن شروط العقد من وضع الشارع، والشروط في العقد
стр. 255
من وضع المتعاقدين.
مثال ذلك: كون المبيع معلومًا، والثمن معلومًا، والعقد من مالك، هذا من وضع الشارع، أما الشروط في العقد فهي من وضع المتعاقدين.
الفرق الثاني: أن شرط العقد لا يصح إسقاطه، وأما الشرط في العقد فيصح إسقاطه، فلو أن إنسانًا اشترط على من يشتري سيارته أن يستعملها لمدة يوم أو يومين … إلخ. فيصح أن يسقط هذا الشرط، أما شرط كون المبيع معلومًا، أو الثمن معلومًا، أو شرط الولاية في عقد النكاح، فهذا لا يصح إسقاطه.
الفرق الثالث: أن الإخلال بشروط العقد يترتب عليها فساد العقد، وأما الإخلال بالشروط في العقد فيترتب عليها عدم الإلزام به فإذا لم يوفِّ به فإن من له الشرط له أن يفسخ، أما الإخلال بشروط العقد فإنه يترتب عليه فساد المعاملة.
الفرق الرابع: أن شروط العقد تكون قبل العقد، أما الشروط في العقد فإنها تكون قبل العقد، وفي صلب العقد، وفي زمن الخيارين، وتقدم الإشارة إلى شيء من ذلك.
مسألة: والشروط في العقد تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شروط صحيحة.
القسم الثاني: شروط فاسدة.
أيضًا يقسم العلماء ﵏ الشروط الصحيحة إلى أقسام:
القسم الأول: شرط يقتضيه العقد. مثاله: لو أن إنسانًا اشترى سيارة وقال: أشترط أن أركبها فيقال: هذا الشرط يقتضيه العقد، فالإنسان إذا ملك سلعة له سائر التصرفات فيها من بيع، أو هبة، أو وقف، أو استخدام، أو أكل لما يؤكل، ونحو ذلك فله هذه التصرفات وإن لم يشترط.
أو اشترى طعامًا وقال: بشرط أن آكله، هذا شرط يقتضيه العقد ولهذا لا يذكره بعض العلماء ﵏ يسقطونه، أو تزوج المرأة وقال بشرط أن استمتع بها هذا شرط يقتضيه العقد … إلخ.
القسم الثاني: شرط منفعة في العاقد، أو المعقود عليه.
стр. 256
مثال ذلك: باع السيارة واشترط أن يستعملها لمدة يومين، فهذا شرط صحيح (شرط منفعة في المعقود عليه) أو اشترى سيارة واشترط على البائع أن يُصلِح فيها كذا وكذا، فهذا شرط صحيح، أو أن يغسلها فهذا شرط منفعة في العاقد.
القسم الثالث: اشتراط صفة في المعقود عليه، مثاله: اشترى سيارة فاشترط أن يكون لونها كذا، وسرعتها، وقوتها كذا … إلخ أو تزوج امرأة واشترط أن تكون متعلمة، دينة، بكرًا … إلخ فهذه شروط صحيحة.
القسم الرابع: اشتراط مصلحة تعود على العقد أو العاقد، كاشتراط البائع رهنًا مقابل تأجيل الثمن، أو كفيلًا، أو ضامنًا، أو اشترط المشتري تأجيل الثمن، أو اشترطت المرأة أن لا يتزوج عليها، أو أن لا يتسرى عليها، أو لا يخرجها من بلدها.
وكذا لو اشترط الرجوع في العقد، فلو اشترط الرجوع في عقد البيع، أو الشركة، أو الضمان، أو المساقاة، أو الهبة، أو الوقف فله ذلك، والقاعدة في ذلك: [أن خيار الشرط جائز في كل العقود] لما تقدم من الدليل على ذلك.
والشرط الفاسد: هو ما خالف النص.
وتنقسم الشروط الفاسدة إلى قسمين:
القسم الأول: شروط فاسدة غير مفسدة.
القسم الثاني: شروط فاسدة مفسدة.
القسم الأول: الشروط الفاسدة غير المفسدة: وهي ما خالف الشرع، ولم يعد إلى ذات المعقود عليه أو شرط صحته، ولم يعارض مقصوداً أصلياً من أجله شرع العقد ..
مثال ذلك: أن يشتري السيارة ويقول: بشرط أن أربح فيها نقول: هذا شرط فاسد غير مفسد؛ لأنه مخالف لقول النبي ﷺ : «الخراج
стр. 257
بالضمان» (١) والحديث فيه ضعف.
فكما أن لك خراج الشيء، أيضًا عليك ضمانه، فكما أن ربح هذه السيارة لك، كذلك إذا خسرت فالخسارة عليك، فكونك تشترط أن تربح، وأنك لا تخسر هذا شرط فاسد لكن لا يفسد العقد.
مثال آخر: أن يبيع رقيقه ويشترط أن الولاء له إذا أعتقه المشتري، فهذا شرط فاسد؛ لأن الشارع أبطله، أو أن يشتري السلعة ويقول إن اشتراها الناس وإلا رددتها عليك، فهذا شرط فاسد لأنه يخالف ما دل عليه النص «الخراج بالضمان».
و من الأمثلة في الأنكحة: أن تقول المرأة: أنا أتزوجك بشرط أن تطلق زوجتك، فهذا شرط فاسد؛ لأن النبي ﷺ : «نهى أن تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها» (٢) أو تقول: أنا أرضى بالزواج لكن بشرط أن تقسم لزوجتك يومًا ولي يومين، أو لزوجتك يومين ولي ثلاثة، فهذا شرط فاسد لما فيه من الظلم والاعتداء … إلخ.
القسم الثاني: شروط فاسدة مفسدة تبطل العقد، وهي ما عاد النهي إلى ذات المنهي عنه، أو شرط صحته، أو كان يعارض مقصوداً أصلياً من أجله شرع العقد.
مثل: اشتراط عدم حل الزوجة لزوجها في عقد الزواج.
مثال آخر: أن يقول أقرضتك بشرط أن تبيعني أو أن تقرضني فهذا شرط فاسد مفسد؛ لأن القرض يراد به الإرفاق، والإحسان، وإرادة وجه الله ، والنبي ﷺ قال: «لا يحل سَلَفٌ وبيع». (٣)
стр. 258
و من الشروط الفاسدة المفسدة: شرط العِينة أن يبيعه سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها منه بأقل من ثمنها نقدًا؛ كأن يبيع السيارة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل من ثمنها نقدًا فهذا شرط فاسد مفسد.
ومثاله في الأنكحة: نكاح التحليل يتزوج المرأة بشرط أنه متى حللها لزوجها طلقها، ونكاح الشغار: أن يقول: زوجتك موليِّتي على أن تزوجني موليِّتك. ونكاح المتعة: يتزوجها بشرط أنه إذا مضت مدة كذا وكذا طلقها … إلخ هذه كلها شروط فاسدة مفسدة.
الصلح: ذكرنا تعريفه.
وهو ينقسم إلى قسمين:
- القسم الأول: الصلح في حقوق الله ، وذلك بإقامتها وتأديتها على الوجه الشرعي، أما الصلح بإسقاطها فهذا باطل.
مثال ذلك: الصلاة الصلح فيها أن يقيمها الإنسان كما أمره الله ، ولو أن شخصًا صالح شخصًا على أن لا يصلي ويعطيه كذا وكذا، كأن يعطي الولد أباه كذا وكذا ولا يصلي، أو صالح شخصًا على أن يعطيه كذا وكذا ويصلي عنه، أو يتوضأ عنه، أو يغتسل عنه أو يتيمم عنه، كل هذا صلح باطل.
- القسم الثاني: الصلح في حقوق المخلوقين هذا يصح ويقسمه العلماء ﵏ إلى أقسام:
القسم الأول: صلح في الأموال.
القسم الثاني: صلح بين أهل العدل، وأهل البغي.
القسم الثالث: صلح بين الكفار، وبين المسلمين.
стр. 259
القسم الرابع: صلح بين الزوجين … إلخ.
والصلح في الأموال يقسمونه إلى قسمين:
- القسم الأول: صلح عن إقرار.
- القسم الثاني: صلح عن إنكار.
مثال صلح الإقرار: أن يقر له بمال.
مثاله: يقول أنا أقر أن هذا الكتاب لك لكن أعطيك عنه كذا وكذا من المال، أو أعطيك عنه كتابًا آخر فهذا صحيح.
مثال صلح الإنكار: أن ينكر دعوى المال، ثم يصالح عن هذه الدعوى. مثاله: أن يقول المدعي: أنا أريد منك ألف ريال ثم ينكر هذه الألف، إما لكونه نسي، أو جهل، أو نحو ذلك، ثم يصالحه المدعي على شيء، بدلًا أن يرفع المدعي الأمر للقاضي ويذهب المدعى عليه ويحلف، فافتداء ليمينه يصالحه، يقول: أنت تدعي علي بألف ريال خذ خمسمائة ريال، فنقول: هذا صحيح مادام أن المدعى عليه يجهل والمدعي ليس كاذبًا.
والصلح إما أن يكون على دين، وإما يكون على عين.
مثاله على دين: أن يدعي عليه بدين فيقول: نعم أنا مقر أنك تريد مني دينًا، لكن أصالحك على هذا الدين بكذا وكذا، يقول: تريد مني ألف ريال دين، أعطيك عنه برًا، أو شعيرًا، أو كتابًا، أو نحو ذلك، فكل هذه الأشياء صحيحة بشروطها الشرعية وهذه يتكلم عليها العلماء ﵏ في باب الصلح، وقد يكون الصلح أيضًا عن حقوق ليست أموالًا.
ومثاله على عين: أن يدعي عليه أن هذا الكتاب الذي بيده، أو البيت الذي يسكنه له، ثم يصالحه على مال.
مسألة: الصلح عن حق الشفعة، والصلح عن حق الخيار، الأصل في ذلك الصحة إلا إذا كان صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا؛ كأن يصالح
стр. 260
رجل على أن لا يأكل الطعام فنقول: بأن هذا محرم ولا يجوز؛ لأنه حرّم حلالًا، أو تُصالح المرأة زوجها على أن لا يقسم لزوجته الأخرى أو أن لا يعاشرها بالمعروف.
وصلح الإنكار إذا لم تتوفر فيه شروطه الشرعية فهو محرم ولا يجوز.
مثال ذلك: رجل صالح امرأة على أنها زوجته وليست زوجته، أو رقيقًا على أنه رقيقه وليس رقيقًا له، فهذا محرم ولا يجوز، أو ينكر المدعى عليه، وهو كاذب في إنكاره.
• • •
стр. 261
٨٤ - وكُلُّ مَشْغُولٍ فَليسَ يُشْغَلُ … بِمُسْقِطٍ لِما بِهِ يَنْشَغِلُ
قوله: [مشغول]: اشتغل بكذا عمل وتلهى به عن غيره، ومال.
مشغول: مقيد بالتزام يحدد بعض التصرف فيه.
وقوله: [وكل مشغول فليس يشغل]: دليل هذه القاعدة: قوله ﷺ : «إن في الصلاة لشغلا» (١) فالصلاة لها أفعال، وأذكار خاصة فلا تشغل بغير ما شرع فيها ونظير ذلك قول الشيخ السعدي ﵀:
وكل مشغول فليس يشغل … مثاله المرهون والمسبَّل (٢)
ومعنى القاعدة: أن من اشتغل بشيء شرعي، سواء من المكلفين أنفسهم، أو فيما يلزمهم من أملاكهم ومعاوضتهم، فإنه لا يجوز أن يشتغل بشيء آخر حتى يفرغ من الأول.
مثال ذلك: اقترضت من زيد ألف ريال، ثم رهنت بيتك، فهذا البيت الآن انشغل، أصبح توثقة لهذه الألف التي اقترضتها، فلا يصح بيع هذا البيت؛ لأنه الآن انشغل بتوثقه القرض.
أيضًا المُسَبَّل (الوقف) أصبح مشغولًا بالوقف، فلو وقفت بيتك، أو سيارتك لا يصح أن تهبها أو تبيعها … إلخ؛ لأنها انشغلت بالوقف.
ومثل ذلك: في العبادات لو أن الإنسان شرع يصلي ثم سمع المؤذن يؤذن فلا يجيبه؛ لأنه مشغول في الصلاة، والنبي ﷺ قال: «إن في الصلاة لشغلًا» (٣) لكن الأذكار القصيرة التي وجد سببها في الصلاة يأتي بها المصلي.
أي أن كل ذكر وجد سببه في الصلاة فإنه يؤتى به كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 262
فإذا عطس يحمد الله، وإذا سمع نباح كلب، فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، أو سمع صياح ديك، فإنه يسأل الله من فضله، أو أصابته مصيبة، فإنه يسترجع، أو نعمة فإنه يحمد الله … إلخ.
لكن الأذكار الطويلة كالأذان … إلخ لا يأتي بها؛ لأنه مشغول، والمشغول لا يشغل وعلى هذا فقس.
ومن الأمثلة على ذلك: الأجير الخاص: وهو من قُدِّر نفعه بالزمن، فإذا استأجرت شخصًا من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية عشرة، الآن هو مشغول، والمشغول لا يشغل فليس له أن يبيع، أو يشتري … إلخ. أي أنك ملكت هذا الزمن من الأجير الخاص، فليس له أن يؤجر نفسه، أو يبيع، أو يشتري .... إلخ؛ لأن المشغول لا يشغل، وكذلك إذا أجرت بيتك لا تملك أن تؤجرها؛ لأن المشغول لا يشغل وعلى هذا فقس.
وكذلك: المعتمر إذا لبّى بالعمرة لا يجوز له أن ينصرف عنها حتى ينتهي منها؛ لأنه مشغول بها.
وكذلك: المعتكف إذا لزم مسجده لا يجوز له الخروج إلى عبادة، أو شغل آخر؛ لأنه مشغول به.
والموظف إذا كان عمله محدودًا بساعات معينة لا يجوز له أن يشتغل في هذا الوقت بعمل آخر؛ لأن المشغول لا يشغل.
• • •
стр. 263
٨٥ - كَمُبْدَلٍ في حُكْمِهِ اجعَلْ بَدَلا … ورُبَّ مَفْضُولٍ يكونُ أَفْضَلَا
هاتان قاعدتان أشار إليهما الشيخ ﵀ الأولى:
قوله: [كمبدل في حكمه اجعل بدلا]: أي أنه إذا أقيم عمل، أو عين مقام عمل أو عين أخرى أخذ حكمه.
فالبدل له حكم المبدل، ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فالصعيد الطيب له حكم المبدل الماء في أحكامه إلا ما يُستثنى كما سيأتي.
وأيضًا: حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». (١)
فالقعود بدل عن القيام، فإذا لم يتمكن، بأن لحقته مشقة ظاهرة فإنه يجلس، ففي القيام يقرأ الفاتحة، وفي الجلوس أيضًا يقرأ الفاتحة، وفي القيام يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره، وفي الجلوس أيضًا يضع يده على اليمنى على يده اليسرى على صدره، فإذا أراد أن يركع رفع يده في القيام، وكذلك أيضًا في الجلوس … إلخ؛ لأن البدل له حكم المبدل.
وأيضا: حديث أبي بردة ﵁ لما ذبح أضحيته قبل الصلاة أمره النبي ﷺ أن يذبح مكانها أخرى. (٢) فالبدل له حكم المبدل، فيشتري أضحية أخرى بدلًا عن الأولى تتوفر فيها شروط الأضحية الشرعية.
والتيمم كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ بدل له حكم المبدل وهو الماء، فالماء لا يشترط للوضوء به دخول الوقت، كذلك التيمم لا يشترط على الصحيح للطهارة به دخول الوقت فيصح أن يتطهر به، ولو قبل الوقت؛ لأن البدل له حكم المبدل.
стр. 264
وكذلك إذا خرج الوقت لا تبطل طهارة الماء، وكذلك طهارة التيمم لا تبطل بخروج الوقت، وإذا توضأ يصلي به أي عبادة، وكذلك إذا تيمم لأي عبادة فإنه يصلي بهذا التيمم أي عبادة.
وأما قول بعض أهل العلم ﵏: إنه استباح تلك العبادة فلا يستبيح إلا مثلها ودونها ولا يستبيح أعلاها، فهذا خلاف الصواب، بل البدل له حكم المبدل.
وكذلك الوقف إذا بيع فالبدل له حكم المبدل، فنبدل الأول بمثله أو أصلح، فإذا كان مسجدًا نشتري مسجدًا مثله أو أصلح منه، ويكون وقفًا بمجرد الشراء، ويصرف رَيعه كما يصرف رَيع الأول فالبدل له حكم المبدل.
وأيضًا الأضحية: إنسان اشترى أضحية وعيّنها ثم تلفت بتعد، أو تفريط فإنه يشتري أضحية مثل تلك الأضحية السابقة وعلى هذا فقس.
مسألة: هل يستوي البدل والمبدل في الأجر؟
ذهب بعض أهل العلم ﵏: إلى أنهما لا يستويان في الأجر ولو كان البدل مثل المبدل منه في الأجر لم يكن هناك فرق بين فعل البدل والمبدل منه، ولم يكن شرط فعل البدل فقد المبدل منه، فيُفهم منه أنهما لا يستويان فلا يُجعل التيمم كالوضوء، فالوضوء أفضل، ولا يُجعل الصوم كالعتق فالعتق أفضل؛ لأن نفعه متعد، ويترتب عليه تحرير رقبة مسلمة، وكذلك في أنواع المبدلات، وهذا ذكره الزركشي عن العز بن عبد السلام لكن يقال: إن في هذا تفصيلًا:
وأنه في بعض المواضع يكون كما سبق، وفي بعض المواضع قد يكون البدل مثل المبدل في حال العذر والمشقة، فإذا لم يستطع الوضوء لمرضه، أو لفقد الماء فقد جاءت السنة أنه يكتب له أجر من توضأ.
قال ﷺ : «إذا مرض العبد، أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا
стр. 265
صحيحًا». (١)
وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض». (٢)
قوله: [ورب مفضول يكون أفضلا]: هذه القاعدة الثانية، الأصل أن الفاضل أفضل من المفضول، ويدل لهذا: قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». (٣) فالفرائض أفضل من السنن كما في الحديث القدسي، لكن قد توجد مصالح تجعل المفضول أفضل من الفاضل، ولذلك أمثلة:
المثال الأول: قراءة القرآن أفضل الذكر، لكن قد يكون الذكر أفضل من قراءة القرآن إذا كان مشروعًا في محله، أو زمنه، أو حاله فمثلًا دبر الصلاة السنة أن يذكر الله مع أن قراءة القرآن أفضل من الذكر، ولكن لما كان مشروعًا في هذه الحال كان أفضل.
المثال الثاني: صلاة السنة في وقتها أفضل، لكن قد تتعلق مصالح يؤخر الإنسان فيها صلاة السنة حتى لو خرج الوقت مثل ما فعل النبي ﷺ عندما شغله وفد عبد القيس في تعلم أمور الإسلام فأخر النبي ﷺ سنة الظهر البعدية إلى دخول وقت العصر (٤) فكون النبي ﷺ يفعلها في وقتها هذا هو الفاضل، وكونه يفعلها بعد الوقت، هذا مفضول، بل لا تصح بعد الوقت إذا كان عمدًا بلا عذر، لكن لما كان يترتب على التأخير مصالح كان المفضول هنا أفضل من الفاضل.
стр. 266
المثال الثالث: صلاة الجماعة الأفضل أن تكون في المسجد، بل هذا هو الواجب، وفعلها في البيت مفضول، فإذا كان يترتب على فعلها في البيت مصلحة فلا بأس، فلو أنه إذا خرج إلى المسجد لم يصلِّ أُناس في البيت بأن يتركوا الصلاة بالكلية، وإذا جلس صلوا فكونه يجلس ويصلي معهم أفضل من كونه يخرج إلى المسجد .. إلخ.
المثال الرابع: الإسرار بالصدقة أفضل، والجهر مفضول، لكن إذا ترتب على ذلك مصلحة؛ كأن يقتدي الناس به … إلخ فالجهر في هذه الحال أفضل من الإسرار. (١)
• • •
стр. 267
٨٦ - كُلُّ استِدَامَةٍ فأقوى مِنْ بَدَا … فِي مِثْلِ طِيبِ مُحْرِمٍ ذَا قَدْ بَدَا
قوله: [استدامة]: يقال: دام الشيء دوْمًا، ودوامًا ثبت، والاستدامة: طلب دوام الشيء، وثبوته.
وهذه القاعدة: يُعبر عنها العلماء ﵏ بقولهم: [الاستدامة أقوى من الابتداء، والدفع أهون من الرفع].
ودليل هذه القاعدة: حديث عائشة ﵂ قالت: «كأني أنظر إلى وبيص المسك في مَفارِق رسول الله ﷺ وهو محرم» (١) فالمحرم ممنوع ابتداءً من الطيب لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته قال ﷺ : «ولا تحنطوه، ولا تمسوه بطيب» (٢) ومشروع له قبل الإحرام، لكن استدامة هذا الطيب جائزة بعد الإحرام؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، لا نقول له: إذا تطيبت في رأسك ووجهك قبل الإحرام يجب عليك أن تغسله بل لا بأس أن تستديمه، وفي حديث عائشة ﵂ قالت: «كنت أرى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ ».
ومن الأمثلة: على ذلك أيضًا: المحرم ليس له أن يتزوج لحديث عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يَنْكحُ المحرم ولا يُنكِح ولا يَخْطُبُ» (٣) فهو ممنوع من الزواج لكن له أن يُراجع زوجته التي طلقها فهذا لا بأس به؛ لأن المراجعة هنا استبقاء (استدامة) للنكاح وليس ابتداء للنكاح فالاستدامة أقوى من الابتداء.
كذلك المحرم: ممنوع أن يصيد صيدًا ابتداء، لكن لو أحرم وعنده غزالة قد صادها قبل أن يحرم، ثم أحرم والغزالة هذه في ملكه، فإنه لا يجب عليه أن يُطْلِق هذه الغزالة مع أنه ابتداءً ممنوع من الصيد مادام أنه
стр. 268
محرم، لكن كونه يستديم الصيد لا بأس بذلك؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
ومن الأمثلة: ذكر العلماء ﵏ أن الولي له أن يمنع موليّته من زوج فيه بعض العيوب، فيمنع موليّته من الزوج المجنون، أو المجذوم، أو الأبرص، لكن لو تزوجت المرأة رجلًا عاقلًا ثم جُن فإن الولي لا يملك أن يُجبرها على فسخ النكاح؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
• • •
стр. 269
٨٧ - وكلُّ مَعلومٍ وجُودًا أو عَدَمْ … فالأصْلُ أنْ يَبْقَى على ما قد عُلِمْ
هذه القاعدة تقدمت (١) تحت قاعدة: [اليقين لا يزول بالشك] فالأصل بقاء ما كان على ما كان، وذكرنا هذه القاعدة والقواعد المترتبة عليها، فيقول ﵀: كل معلوم وجوده، أو عدمه الأصل بقاؤه، ودليل هذه القاعدة: حديث عبد الله بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ لما شكى إليه الرجل يُخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث فقال ﷺ «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» (٢) هذا يدل على أن الأصل بقاء الطهارة المعلومة، فإذا توضأ الإنسان وارتفع حدثه وشك هل أحدث أو لم يحدث؟ فالأصل بقاء الطهارة، ولو أنه أحدث ثم شك هل وقع منه طهارة ترفع الحدث أو لم تقع؟ فالأصل بقاء الحدث.
وكذلك لو شك هل وقّف بيته، فالأصل عدم الوقف، وكذلك لو شك هل باع؟ الأصل عدم البيع.
ولو شك في طلاق زوجته هل قال: أنت طالق أو قال: أنت طاهر؟ فالأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.
ولو شك في العدد هل طلق زوجته طلقتين، أو ثلاثًا؟ فالأصل بقاء النكاح وأنه طلقها طلقتين.
стр. 270
٨٨ - والنَّفْيُ للوُجُودِ ثُمَّ الصِّحهْ … ثُمّ الكَمَالِ فارْعَيَنَّ الرُتْبَهْ
النفي الداخل على المسميات الشرعية له ثلاث مراتب:
يكون للوجود، إن لم تمكن هذه المرتبة فإنه للصحة، ثم بعد ذلك للكمال، إن وجد الصارف.
فالمرتبة الأولى للوجود إذا لم تمكن هذه المرتبة فالنفي للصحة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل يصرف هذا النفي إلى الكمال وأنه ليس نفيًا للصحة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من قال إن النفي للكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يُذم صاحبه فقد صدق، وإن أراد الكمال المستحب فلم يقع في كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ ذلك ولا يجوز أن يقع). فإذا قلت: لا خالق إلا الله فالنفي هنا للوجود، يعني ليس هناك خالق موجود غير الله وإذا قلت: لا صلاة إلا بوضوء، الصلاة الآن موجودة فنقول: النفي هنا للصحة هذا الأصل إلا إذا وجد صارف ولم يوجد صارف.
وقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (١) النفي هنا للصحة، وأن النكاح لا يصح إلا بولي إلا إذا وجد صارف ولم يوجد الصارفُ.
وقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» (٢) فالنفي هنا ليس للصحة، وإنما هو للكمال لوجود الصارف، وهو أن هذه الصلاة اكتملت شروطها وواجباتها، وأركانها، لكن لما وجد شيء يشوّش على الإنسان فالنفي هنا للكمال، فالكمال أن يمتنع الإنسان عن كل ما يشوش عليه صلاته،
стр. 271
أما إذا كان هذا التشويش يؤدي إلى الإخلال بشرط، أو ركن كالطمأنينة فالنفي يبقى على أصله وهو أنه نفي للصحة.
كذلك قوله ﷺ : «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» (١) نقول: النفي هنا للصحة؛ لأن الصلاة وجدت فلا يمكن أن يكون للوجود، فمن صلى خلف الصف فصلاته غير صحيحة لقوله ﷺ : «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» إلا إذا وجد صارف وذلك فيما إذا كان الصف مكتملًا، فإن النفي لا يكون للصحة.
• • •
стр. 272
٨٩ - وَالأصْلُ في القَيْدِ احترازٌ وَيَقِلْ … لِغَيْرِهِ كَكَشفِ تَعْليلٍ جُهِلْ
أفاد المؤلف: أن الأصل في القيود التي تأتي في الأدلة الشرعية أنها للاحتراز والتقييد، وليست للتعليل وعلى هذا نقول: القيود التي تأتي في الأدلة الشرعية تنقسم قسمين:
القسم الأول: للاحتراز، والتقييد، وهذا هو الأصل.
القسم الثاني: للتعليل، وهذا قليل.
مثال ما كان قيدًا واحترازًا: قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فذكر الله قيدًا للاحتراز والشرط. وعلى هذا الربيبة بنت الزوجة إن كنت دخلت بأمها فإنها تحرم عليك، أما إذا لم تكن دخلت بأمها فإنها حلال لك، فلك أن تتزوج هذه الربيبة، فهذا قيد احتراز، يعني ما تحرم الربيبة حتى تدخل بأمها، أما لو خلوت بالأم ما حرمت عليك، ولو استمتعت بالأم ما حرمت عليك، لا تحرم بنت الزوجة ولا بنات أبنائها ولا بنات بناتها إلا بوطء الزوجة الأم، أما قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فهذا ليس شرطًا وهذا ما عليه جمهور أهل العلم ﵏ فالربيبة تحرم عليك، سواء أكانت في حجرك، أم لم تكن في حجرك.
والدليل على ذلك: أن الله فصّل في شرط وترك التفصيل في شرط آخر فقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ وترك التفصيل في قوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ فدل على أن هذا القيد ليس للاحتراز، وإنما هو للتعليل، والإشارة إلى الحكمة؛ لأن المعنى أنها في حجرك فكأنها بنتك، فكيف تتزوجها!؟ وأيضًا قيد الحجر قيد أغلبي، وما كان قيدًا أغلبيًا لا مفهوم له.
стр. 273
ومن الأمثلة على القسم الثاني وهو التعليل: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ هذا ليس شرطًا، وإنما هو لبيان العلة؛ لأن الله هو الذي خلقكم فاعبدوه قال العلماء ﵏: يُستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، فكما أنك تقر بأن الله هو الخالق الرازق المدبر … إلخ فهو الذي يستحق العبادة.
ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ فقوله: (لما يحييكم) هذا القيد للتعليل أي أن النبي ﷺ لا يدعونا إلا لما يحيينا، وليس قيدًا يخرج ما إذا دعانا لغير ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يدعونا الرسول ﷺ إلا لما يحيينا.
• • •
стр. 274
٩٠ - وَإنْ تَعَذَّرَ اليَقِينُ فارْجِعَا … لِغَالِبِ الظَّنِّ تكنْ مُتَّبِعَا
إذا تعذر اليقين فإننا نرجع لغالب الظن، عندنا ظن، وعلم، وجهل بسيط، وجهل مركب، وشك، ووهم:
فالعلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه.
والجهل البسيط: هو عدم الإدراك بالكلية.
والجهل المركب: هو إدراك الشيء على غير ما هو عليه.
والشك: التردد بين الأمرين، إذا ترجّح أحدهما فالراجح ظن، والمرجوح وهم، فإذا حصل للإنسان شك فإنه يرجع إلى الظن إذا تمكن من الظن، إذا لم يتمكن من الظن يبني على اليقين؛ أي: يأخذ بالأقل.
ودليل ذلك: حديث ابن مسعود ﵁ في الشك في الصلاة أن النبي ﷺ قال: «فليتحر الصواب» (١). يعني ينظر إذا غلب على ظنه شيء فإنه يأخذ به، فإذا شككت في الصلاة هل صليت ثلاثًا أو أربعًا وترجح عندك أنها ثلاث فاجعلها ثلاثًا، أو ترجح عندك أنها أربع فاجعلها أربعًا، فإذا لم يترجح عندك شيء تأخذ بالأقل وهو اليقين.
إذا شككت في أشواط الطواف هل هي ستة أو سبعة؟ ترجع للظن، غلب على ظنك أنها سبعة اجعلها سبعة، أو غلب على ظنك أنها ستة اجعلها ستة، أو شككت في أشواط السعي، أو في عدد حصيات رمي الجمار … إلخ. وعلى هذا نقول: إذا شك الإنسان فإن شكه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يترجّح عنده شيء فإنه يأخذ بالراجح؛ لما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁: «ثم ليتحر الصواب، ثم ليَبْنِ عليه» وأيضًا حديث عائشة ﵂ في صفة غسل النبي ﷺ قالت: «حتى إذا ظن أنه قد
стр. 275
أروى بشرته أفاض الماء على سائر بدنه». (١)
القسم الثاني: أن لا يترجح عنده شيء فيأخذ بالأقل؛ لحديث أبي سعيد ﵁ في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِكم صلى أثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبْنِ على ما استيقن». (٢)
ومن الأمثلة على ذلك: إذا شك الصائم في غروب الشمس نقول: إذا ظننت أن الشمس غربت فأفطر، وإلا فالأصل بقاء النهار فلا تفطر؛ لأنه اليقين.
وإذا شككت في دخول الوقت، فالأصل عدم دخوله، لكن إذا ظننت أن الوقت قد دخل فصلِّ، وإن شككت ولم يترجح عندك شيء فنقول: انتظر حتى تظن أن الوقت قد دخل.
ومن ذلك إذا شك في عدد الركعات، أو أشواط الطواف، أو السعي ونحو ذلك، فيأخذ بالأقل؛ لأنه اليقين، وهذا التقسيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أما المشهور عند الحنابلة ﵏: هو الأخذ بالأقل مطلقًا.
• • •
стр. 276
٩١ - وكلُّ مَا لأمرُ بِهِ يَشْتَبِهُ … مِنْ غَيْرِ مَيْزٍ قُرعَةٌ تُوْضِحُهُ
هذه القاعدة في القرعة.
والقرعة في اللغة: السُهْمة والنصيب.
أما في الاصطلاح: فهو ما يستعمل لتمييز النصيب، أو الحق من بين أمثاله.
والقرعة طريق من طرق فصل الخصومات، وتمييز الأنصباء والحقوق، وقد دل عليها القرآن والسنة.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] قال ابن عباس ﵄: «اقترعوا فجرت الأقلام مع الْجِرْيَةِ وعَال قلم زكريا الجِرْيَة فَكَفَلَها زكريا» (١).
وقوله تعالى عن يونس ﵇: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] ووردت القرعة في السنة في ستة مواضع من ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». (٢)
وأيضا حديث عائشة ﵂ في الصحيحين «أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه». (٣)
وفي صحيح مسلم «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند وفاته فأمر النبي ﷺ أن يُقرَع بينهم فأرق اثنين وأعتق أربعة». (٤)
وسعد بن أبي وقاص ﵁ «أقرع بينهم في الأذان يوم القادسية». (٥)
стр. 277
ولأن القرعة تحل الإشكال، وتحسم النزاع، وتدفع داء التشهي، وما قيل: إنها نوع من القمار فهو قول غير صحيح ولا يصح، بل هي أعظم ما يُطيَّبُ به النفوس، وهذا من محاسن الشرع.
والقرعة هي لفصل الخصومات، تارة تكون مباحة، وتارة تكون محرمة، فتكون مباحة في مواضع، وابن رجب ﵀ حصر المواضع التي ذكر العلماء ﵏ أن القرعة تستعمل فيها، كالأذان والإمامة، وولاية النكاح … إلخ، والقرعة تستخدم في مواضع:
الموضع الأول: تستخدم لتمييز المستحِق المبهم ابتداءً.
مثال ذلك: القَسْم بين الزوجات، رجل زُفَّ إليه زوجتان جميعًا أيهما يبدأ بالقَسْم لها؟ فكل من الزوجتين مستحقة للقَسْم ابتداءً، وهذا الاستحقاق مبهم فتُجرى القرعة بينهما.
مثال آخر: رجل أوصى بعتق ستة أعبد له، والثلث اثنان، فهل نخرج زيدًا وبكرًا، أو عمرًا وصالحًا، أو محمدًا وإبراهيم … إلخ، فنجري بينهما القرعة.
الموضع الثاني: التزاحم في الاختصاصات، فإذا سبق اثنان إلى مختص من المختصات مثل مكان البيع، أو مكان الشراء، أو مكان الجلوس، أو مواقف السيارات، كل منهما سبق إلى هذا المحل في وقت واحد ولا يتسع لهم، فنجري القرعة بينهما.
وكذلك أماكن الإقراء، والإفتاء، والتدريس كعالمين سبقا إلى مسجد للتدريس فيه، أو للإفتاء، أو نحو ذلك فإننا نجري القرعة بينهما.
الموضع الثالث: التزاحم في الولايات، مثلُ: ولاية النكاح، إذا كان عندنا أخوان شقيقان كل منهما له أن يعقد، أو عمَّان شقيقان كل منهما
стр. 278
له أن يعقد، أو ابنا أخ كل منهما له أن يعقد، رتبتهما واحدة، حتى لو كان أحدهما كبيرًا والآخر صغيرًا، فإن رتبتهما واحدة، فنجري القرعة بينهما إلا إذا عينت المرأة واحدًا فإنه يتعين، وإذا لم يتعين وتشاحا نجري القرعة بينهما.
ومثل ذلك: الأذان إذا تزاحما عليه، وكل واحد منهما توفرت فيه الصفات الشرعية، وكذلك في الإمامة إذا تشاحا وتوفرت الصفات الشرعية في كل منهما فإننا نجري القرعة بينهما.
الموضع الرابع: تمييز المستحِق المعيَّن عند اشتباهه بغيره، فرق بين الموضع الأول، وهذا الموضع، فالموضع الأول المستحِق مبهم، لكن في هذا الموضع المستحِق معيَّن معروف، ولكن اشتبه بغيره.
مثال ذلك: رجل طلق إحدى زوجتيه ثم الْتبس عليه أيهما طلق الصغيرة أم الكبيرة؟ فإننا نجري القرعة.
المثال الثاني: اعتق أحد رقيقيه ولا يدري أيهما أعتق؟ فإننا نجري القرعة.
المثال الثالث: زوّج وليّان هذه المرأة، يعني لها أخوان الكبير زوجها لعمرو، والصغير زوجها لزيد لا ندري أي العقدين السابق فإنا نرجع إلى القرعة.
المثال الرابع: إذا وصف اللقطة اثنان، فنجري القرعة بينهما.
الموضع الخامس: بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة؛ كأن تكون السهام مختلفة، وقيمة أجزاء المقسوم متساوية.
مثال ذلك: ثلاثة يملكون أرضًا هذا له النصف، وهذا له الثلث، وهذا له السدس نجعلها ستة أسهم بقدر أقلها، ثم بعد ذلك نجري القرعة فصاحب النصف يخرج يأخذ ثلاثة أسهم، وصاحب السدس يأخذ سهمًا، وصاحب الثلث يأخذ سهمين، وكذلك إذا كانت السهام متساوية
стр. 279
وقيمة أجزاء المقسوم مختلفة، كأرض بين ستة أشخاص لكل واحد سدس، فتعدل بالقيمة وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة، ثم يقرع بينهم.
فهذه المواضع الخمسة تستخدم فيها القرعة.
وعندنا موضعان لا تستخدم فيهما القرعة واستخدام القرعة فيهما من قبيل المحرم:
الموضع الأول: إذا تعينت المصلحة، فلا يجوز أن نجري القرعة هنا.
مثال ذلك: تقدم اثنان لإمامة المسجد أحدهما اقرأ من الآخر فنقول: تعينت المصلحة أن يكون الإمام الأقرأ؛ لقوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» (١) أو تقدم اثنان للأذان في هذا المسجد وأحدهما تتوفر فيه الشروط الشرعية نقول: بأنه يقدَّم؛ لأن المصلحة تعينت فإجراء القرعة هنا لا يجوز.
الموضع الثاني: إذا ظهر الحق فإن المستحق يأخذ حقه ولا يجوز إجراء القرعة؛ لأنه يكون من الميسر ويكون فيه مخاطرة.
مثال ذلك: عرفنا المرأة المطلقة فلا يجوز أن نجري القرعة، أو عرفنا الرقيق الذي أعتق عندما اشتبه بغيره فلا يجوز أن نجري القرعة، أو أن الشريكين زيدًا وعمرًا هذا له نصف الربح، وهذا له نصف الربح، ثم بعد ذلك قالوا: نضرب القرعة ومن خرجت له القرعة يأخذ ثلاثة الأرباع، والآخر يأخذ الربع، فلا يجوز ضرب القرعة؛ لأن صاحب الحق واضح كل يأخذ نصيبه.
مسألة: كيفية القرعة: تقدم لنا في القواعد أن ما جاء مطلقًا على لسان الشارع، ولم يقيده بشيء نرجع في تقييده إلى العرف، وعلى هذا فبأي شيء حصلت القرعة، فإننا نأخذ به: سواء بكتابة أوراق، كأنْ تشتبه المطلقات، فيكتب المطلقة كذا، والمطلقة كذا ثم تؤخذ القرعة، أم
стр. 280
بإلقاء حجارة أم غير ذلك. المهم أنه ليس لها طريقة معينة، بل الشارع أطلقها، فنرجع في ذلك إلى العرف فكل ما يميز بين المشتبهات فإننا نصير إليه.
• • •
стр. 281
٩٢ - وكلُّ مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيءَ علَى … وجْهٍ مُحَرَّمٍ فَمَنْعُه جَلا
قوله: [جلا]: أي وضح، وظهر.
هذه قاعدة: [من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه] ومعنى هذه القاعدة: أن من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده ذلك شيئًا، وعوقب بنقيض قصده.
ودليل هذه القاعدة: أدلة سد الذرائع مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فالله نهى أن يسب المؤمنون الكفار لئلا يؤدي ذلك إلى سب الله . وقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فنهى الله المرأة أن تضرب برجلها على الأرض سدًا للذريعة، ذريعة الفتنة.
وقوله ﷺ : «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». (١)
فهذه الأدلة تدل على قاعدة سد الذرائع؛ ولأن في استعجال الشيء قبل أوانه تقديمًا لما أخره الله تعالى؛ ولأن فيه إضرارًا بالآخرين.
قال ابن القيم ﵀: (وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده).
[فمن تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه] معاقبة له بنقيض قصده، وهذه القاعدة يدخل تحتها أمثلة منها:
المثال الأول: قوله ﷺ : «لا يرث القاتل شيئًا» (٢) والحديث فيه ضعف، فمن قتل مورثه عمدًا فلا يرثه معاقبة له بنقيض قصده؛ لأنه تعجل الشيء
стр. 282
قبل أوانه، فعوقب بحرمانه.
مسألة: من هو القاتل الذي يرث، والذي لا يرث؟
هذا موضع خلاف بين الأئمة ﵏ ليس هذا موضع بسطه.
المثال الثاني: الموصى له إذا قتل الموصِي عمدًا فإنه لا يستحق شيئًا عقوبة له بنقيض قصده، تعجل الوصية قبل أوانها فعوقب بحرمانه.
المثال الثالث: المُدَبَّر وهو الرقيق الذي عَلّق سيده عتقه بموته، فإذا قتل المُدَبَّر سيده، فإنه لا يعتق معاقبة له بنقيض قصده.
المثال الرابع: من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا، كشرب الخمر، ولبس الحرير، فإنه يحرمها في الآخرة عقوبة له، ولهذا قال النبي ﷺ : «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة». (١)
وأخبر النبي ﷺ : «أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (٢).
المثال الخامس: من خَبَّبَ امرأة على زوجها، يعني أفسد بين الزوجين؛ لكي يتزوج هذه المرأة، فإنها لا تحل له معاقبة له بنقيض قصده … وهكذا.
تنبيه: القاعدة السابقة قد تدخل في الأمور الدنيوية كما نص على ذلك ابن تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى) فإن هناك من الأمور ما لو عاجله المرء قبل وقته لحرمه.
• • •
стр. 283
٩٣ - وَضَاعِفِ الغُرْمَ عَلى مَنْ ثَبَتَتْ … عُقُوبةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَتْ
٩٤ - لِمَانعٍ كسارقٍ مِنْ غيرِ مَا … مُحَرَّزٍ وَمَنْ لِضالٍ كَتَمَا
قوله: [الغرم]: هو ما يلزم أداؤه.
وقوله: [مُحَرَّز]: الحِرز: هو الموضع الحصين.
وقوله: [الضال]: هو ما ضاع من البهائم خاصة.
هذه قاعدة: [العقوبة إذا سقطت لتخلف شرط، أو لوجود مانع فإن الغرم يضاعف].
ومسألة مضاعفة العقوبة هذا على مذهب الإمام أحمد ﵀، أما على قول الجمهور فلا تضعيف.
ويدل لهذه القاعدة: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ سُئل عن الثمر المعلق فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خُبْنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثلية والعقوبة» (١) رواه أبو داود وابن ماجه.
يعني إذا أُخذ الثمر من الجرين فيه القطع؛ لأنه أخذه من حرزه، الثمر حرزه الجرين موضع التيبيس لكن إذا أُخذ من أكمامه لم يؤخذ من الحرز فقال ﷺ : «ففيه قيمته ومثله».
وأيضًا يدل لذلك: أن عمر ﵁ أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة قيمتها مرتين. (٢)
стр. 284
ويدل لذلك أيضًا: أن عمر ﵁ جمع أقاربه وقال: «إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم فأيما امريء جنى أضعفت عليه العقوبة مرتين» (١) لئلا تسوِّل له نفسه أن يحتمي بسلطة الخليفة، ويتساهل بالجناية.
وهذه القاعدة: [أن العقوبة إذا سقطت يضاعف الغرم] لها صور:
الصورة الأولى: قال: [لمانع كسارق من غيرِما محرز … ] يعني السارق إذا سرق من غير حرز سقطت عنه العقوبة لتخلف شرط القطع وهو كون السرقة من غير حرز، لكن تضاعف عليه قيمة المسروق فيجب عليه أن يأتي بالمسروق وقيمته فإن استهلك المسروق فإنه تجب عليه القيمة مرتين.
الصورة الثانية: قوله: [ومَن لضال كتما] أي: إذا كتم الإنسان الضالة كبهيمة الأنعام إذا ضلت، ثم بعد ذلك كتمها فإنه يُضاعف عليه الغرم مرتين.
مثال ذلك: إذا أخذ البعير وكتمه فإننا نضاعف عليه الغرم مرتين.
وأيضا هناك صور أخرى للسرقة إذا كانت من غير حرز هل يضاعف فيها الغرم؟ فالمشهور من المذهب أنهم يخصصون التي تضاعف فيها القيمة في ثلاثة أشياء:
الشيء الأول: الثمر. الشيء الثاني: الكَثَر. (٢)
الشيء الثالث: الماشية؛ لأن هذا هو الذي ورد به النص، وليس في كل سرقة، وظاهر كلام المؤلف ﵀: أنه شامل لكل سرقة، وهذا هو الرأي الثاني في هذه المسألة؛ فكل سرقة من غير حرز فإنها تضاعف فيها القيمة مرتين.
стр. 285
الصورة الثالثة: من قَتَلَ ذميًا، فإن المسلم لا يُقتل بالذمي لتخلف شرط المكافأة، وهو شرط من شروط وجوب القصاص فالذمي ليس مكافِئًا للمسلم، لكن إذا قتله عمدًا تضاعف عليه الدية مرتين، وهذا هو الوارد عن عمر ﵁ (١)، ودية الذمي على النصف من دية المسلم.
وعند أبي حنيفة ﵀: أن دية الذمي كدية المسلم في العمد، وفي الخطأ لا فرق.
الصورة الرابعة: الأعور إذا قلع عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة، يعني عندنا رجل عينه اليمنى عوراء، وعينه اليسرى صحيحة، جاء إلى شخص صحيح ففقأ عينه اليسرى، لو قلنا: يقتص منه، وفقأنا عينه اليسرى لأدى ذلك إلى ذهاب بصر الأعور كله، فقالوا: لا قصاص لكن تضاعف عليه الدية؛ لورود ذلك عن عمر ﵁.
وقال الإمام مالك ﵀: (إن شاء الصحيح أن يقتص، وإن شاء أخذ الدية كاملة).
وقال أبو حنيفة والشافعي، رحمهما الله: (إن شاء عفى، وإن شاء أخذ نصف الدية).
• • •