← Каваид фикха

Каваид фикха · id 1573

العقد الثمين في شرح منظومة الشيخ ابن عثيمين

خالد المشيقح

Полный текст (304 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١٥ - وما استطعتَ افعَلْ مِنَ المأمُورِ … واجْتَنِبِ الكُلَّ مِنَ المحظورِ أي أن المأمور يجب عليك أن تفعل ما استطعت منه. ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولما روى أبو هريرة ﵁ قال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». (١) وحديث عمران ﵁ السابق قال ﷺ : «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢) الأصل في المأمور أنك تأتي به كله، فإذا لم تستطع أن تأتي به كله فتأتي بما استطعت منه؛ إذْ المأمور شرع من أجل تحصيل المصلحة فإذا لم تتمكن من جميعها حصل ما تستطيع منها. ويدخل تحت هذه القاعدة فروع كثيرة من ذلك: الصلاة يصلي المسلم قائمًا فإذا لم يستطع أن يصلي قائمًا يصلي جالسًا ويؤميء بالركوع والسجود … إلخ. وفي زكاة الفطر يجب أن يؤدي المسلم صاعًا، فإذا لم يجد إلا نصف صاع فإنه يؤديه، وكذلك الحج الأصل أن الإنسان يحج بماله وبدنه، فإذا لم يستطع أن يحج بماله وبدنه فإنه ينيب من يحج عنه. مسألة: إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه، فتحته أقسام: الأول: أن يكون المقدور عليه وسيلة محضة؛ فلا يجب الإتيان به. مثاله: لو قدر على الذهاب إلى المسجد، لكن عجز عن الصلاة مع الجماعة. الثاني: أن يكون المقدور عليه عبادة لو انفرد؛ فيجب الإتيان به. مثاله: لو قدر على نصف صاع من زكاة الفطر، وجب عليه أن يخرجه. الثالث: أن يكون غير عبادة لو انفرد، فلا يجب الإتيان به. مثاله: لو قدر على الصيام إلى نصف النهار فلا يجب عليه الصيام. قوله: [واجتنب الكل من المحظور]: يعني المنهي عنه. ويدل لذلك: قوله ﷺ : «وما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (٣) إذا نهى الشارع عن شيء يجب

стр. 72

على الإنسان أن يجتنبه ويجتنب كل طرقه ووسائله. مثال ذلك: نهى الشارع عن الزنا، فيجب أن ينتهي عنه، وعن كل الطرق الموصلة إليه؛ لأن الترك أسهل من الفعل، ولأن الإنسان لو فعل شيئًا من هذا المحظور فإنه يكون قد أدّى شيئًا من المفسدة؛ لأن المحظور نهى عنه للمفسدة المترتبة عليه. • • •

стр. 73

١٦ - والشرعُ لا يَلزمُ قبلَ العِلمِ … دَليلُهُ فِعلُ المسِي فَافْتَهِمِ هذا كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: (إن الشرائع لا تلزم قبل العلم) ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ومن السنة ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: [فعل المسيء فافتهم] وفعل المسيء هذا أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان جالسًا في المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي ﷺ فقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصل» ثلاثًا قال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فقال النبي ﷺ : «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». (١) وجه الدلالة: أن الأعرابي أخل بالطمأنينة ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ أن يعيد الصلاة السابقة، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة فهذا دليل على أن الجاهل يعذر بالجهل وأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم. ومن الأدلة على هذه القاعدة: قصة المستحاضة (٢) التي سألته عن تركها للصلاة ولم يأمرها النبي ﷺ بإعادة ما سبق من الصلوات، مع أنها ظنت أن هذا الدم حيض وتركت الصلاة. • • • ١٧ - لكنْ إذا فَرَّطَ في التَّعلُّمِ … فَذَا مَحَلُّ نَظرٍ فَلْتَعْلَمِ الأصل كما مشى عليه الناظم ﵀ أنه يُعذر بالجهل وتقدم دليل ذلك

стр. 74

من الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك ذكر الناظم ﵀ أن الإنسان إذا فرط في التعلم فإنه لا يعذر، وعلى هذا نقول العذر بالجهل ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يكون حديث عهد بإسلام فهذا يعذر بالجهل فإذا أسلم حديثًا، ثم شرب الخمر، أو لعب الميسر ونحو ذلك فإنه يُعذر بالجهل. القسم الثاني: أن يكون ناشئًا ببادية بعيدة عن حواضر المسلمين بحيث لا يسمع من العلماء … إلخ فهذا يُعذر بالجهل. ودليل ذلك: ما تقدم من حديث المسيء صلاته (١)؛ لأنه أعرابي ناشيء في البادية فَعذَره النبي ﷺ . القسم الثالث: أن يكون ناشئًا ببلاد الكفار قال العلماء: إنه يُعذر بالجهل إلحاقًا له بالناشيء في البادية. القسم الرابع: ما يَدِقُّ ويغمض من المسائل التي لا يعلمها إلا أهل العلم، فإن العامي يعذر فيها. القسم الخامس: إذا كان الإنسان مقيمًا في المدن ولم تقم عنده شبهة بأن هذا محرم، أو أن هذا شرك ونحو ذلك فإنه يُعذر أما إن قامت عنده شبهة وأَمْكَنه التعليم ولم يتعلم فإنه لا يعذر وهذا القسم هو الذي أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: [لكن إذا فرط في التعلم … فذا محل نظر فلتعلم]. فإذا توفر عنده أمران: الأمر الأول: قيام الشبهة. الأمر الثاني: تمكنه من التعليم بحيث يمكنه أن يسأل العلماء عن هذا الحكم ولم يفعل فإنه لا عذر له، لكونه مفرطًا أما إن كانت الشبهة لم تقم عنده أو قامت عنده ولم يتمكن من السؤال بحيث لم يجد عالمًا يسأله … إلخ فإنه يعذر حينئذٍ لعدم تفريطه. ويأتي أيضًا عند قول المؤلف: والإثم والضمان يسقطان بالجهل

стр. 75

والإكراه والنسيان (١) • • •

стр. 76

١٨ - وكُلَّ ممنوعٍ فَللضَّرورَةِ … يُباحُ والمكْرُوهُ عِنْدَ الحَاجةِ هذه قاعدة: [أن الضرورات تبيح المحظورات]: المحظورات: هي المحرمات والأصل أن هذه المحرمات لا تبيحها إلا الضرورات، والمكروهات تبيحها الحاجات. قال بعض العلماء: إلا ما كان تحريمه تحريم وسائل فإن الحاجة أيضًا تبيحه ويأتي قوله: وكُلَّ ممنوعٍ فَللضَّرورَةِ … يُباحُ والمكْرُوهُ عِنْدَ الحَاجةِ الدليل على أن الضرورات تبيح المحظورات قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. لكن يشترط لذلك شروط: الشرط الأول: أن تكون الضرورة واقعة فإن كانت منتظرة فإن المحرم لا يباح. مثال ذلك: إنسان وقع في مخمصة وهي شدة الجوع فإن له أن يأكل من الميتة، أما إذا لم يصبه الجوع، وإنما يخشاه فليس له أن يأكل منها. الشرط الثاني: أن لا يكون هناك وسيلة أخرى غير المحرم، فإن كان هناك وسيلة مباحة فإنه لا يجوز؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. الباغي: هو الذي يبغي الحرام مع قدرته على الحلال. الشرط الثالث: أن يكون الأخذ من المحرم بقدره وعبَّر عنه بعض العلماء بقوله: [أن يكون زمن الإباحة مقيدًا بزمن بقاء العذر]، وعبّر عنه بعض العلماء بقوله: [الضرورة تُقَدَّر بقَدْرِها] فيأخذ من المحرّم ما يسد رمقه. والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ والباغي والعادي تقدم تعريفهما. (١)

стр. 77

مثال ذلك: نظر الطبيب للمريضة، أو لعورة المريض للضرورة لا يبيح النظر مطلقًا بل القدر الذي تندفع به الضرورة. الشرط الرابع: أن تندفع الضرورة بهذا المحرم، فإذا لم تندفع به فإنه لا يجوز، وإذا شككنا هل تندفع الضرورة بهذا المحرم أو لا؟ فالأصل عدم الحل؛ لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقنة واندفاع الضرورة مشكوك فيه، واليقين مُقدم على الشك. الشرط الخامس: أن يكون المحظور أنقص من الضرورة. مثاله: إذا أجبر إنسان وهُدِّد على أن يقتل إنسانًا، قيل له: اقتل هذا الرجل وإلا قتلناك ففي هذه الحال لا يجوز أن يقتله؛ لأن هذا المحظور ليس أنقص بل مساوٍ. قال الشيخ السعدي ﵀ في منظومته: وكل محظور مع الضرورة … بقدر ما تحتاجه الضرورة (١) قوله: [والمكروه عند الحاجة]: الفرق بين الضرورة والحاجة: أن الضرورة: ما يضطره الإنسان للمحافظة على نفسه، أو منافعه، أو أطرافه. وقيل: الضرورة: حالة تطرأ يخاف معها فوت شيء من مصالح الدين أو الدنيا، بحيث لا تندفع إلا بارتكاب محرم، أو ترك واجب. والحاجة: ما يلحق الحرج والمشقة بعدمها. يعني المكروه تبيحه الحاجة، فالمكروه أخف من المحرم، فإذا احتاج الإنسان إلى هذا المكروه فإنه يباح. مثال ذلك: أكل البصل والثوم مكروه لكن إذا احتاج إلى الأكل منهما، وإن لم يكن مضطرًا فإنه لايكره حتى وإن كان هناك شيء آخر يستطيع أن

стр. 78

يدفع به غير الثوم أو البصل. مثال آخر: سفر الإنسان وحده هذا مكروه، لكن قد يحتاج إلى السفر وحده ولا يضطر فيباح، وكذلك الالتفات في الصلاة مكروه لكن الحاجة تبيحه، فإذا احتاج الإنسان أن يبصق فإنه يلتفت ويتفل عن يساره. • • • ١٩ - لكنَّ ما حُرِّمَ للذَّرِيعَةِ … يَجُوزُ للحَاجَةِ كَالعَريَّةِ قوله ﵀: [لكن ما حرم للذريعة يجوز للحاجة كالعرية] قلنا: إن المحرم لا يباح إلا عند الضرورة، ويُستثنى من ذلك ما كان تحريمه من باب تحريم الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد فإن الحاجة تبيحه. ومعنى الحاجة: هي الحالة التي يصل فيها الإنسان حدًا إذا لم تراعَ لكان في ضيق وحرج، لكن لا تضيع مصالحه الضرورية، والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. قولنا: (عامة): هي الحاجة الشاملة لجميع الأمة. وقولنا: (خاصة): هي الحاجة الشاملة لطائفة معينة من الناس كأهل بلد، أو حرفة معينة كالتجار، أو الصنّاع، أو الزراع. أما الحاجة الخاصة بفرد، أو بأفراد محصورين فغير معتبرة أصلًا ولا تلحق بالضرورة؛ لأن لكل فرد حاجات متجددة ومختلفة عن غيره ولا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به. والفرق بين الضرورة والحاجة من وجهين: الوجه الأول: أن الضرورة في الغالب تكون إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي، وتكون هذه الإباحة مؤقتة حيث تنتهي بزوال الاضطرار، وتتقيد بالشخص المضطر. أما الإباحة الاستثنائية الثابتة بالحاجة فهي غالبًا لا تخالف نصًا صريحًا لكن تخالف القواعد العامة في الشرع، والحكم في الغالب يكون بصورة ثابتة.

стр. 79

الوجه الثاني: أن الضرورة تبيح المحظورات، سواء أكان الاضطرار حاصلًا للفرد أم للجماعة، أما الحاجة فلا تكون سببًا للتيسير إلا إذا كانت حاجة عامة أو خاصة بطائفة كثيرة غير محصورة فلا تكون سببًا للتيسير في حق فرد وأفراد محصورين. وقوله: [يجوز للحاجة كالعرية]. ضرب المؤلف ﵀ مثالًا بالعرية ومسألة العرايا مستثناة من المزابنة. والمزابنة: هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر اليابس. الأصل أنه لا يجوز بيع التمر اليابس بالتمر الرطب، لأنك إذا بعت ربويًا بجنسه فإنه يشترط التساوي من كل وجه لابد أن يكون يدًا بيد مثلًا بمثل، ويدل لذلك: حديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء». (١) فإذا بعت تمرًا بتمر فلابد أن يكون يدًا بيد، وأن يتساويا في الكيل، وفي اليبوسة والرطوبة، لابد أن يكون تمرًا رطبًا بتمر رطب، وتمرًا يابسًا بتمر يابس، فإذا اختلفا في الرطوبة واليبوسة وقعت في ربا الفضل؛ ولهذا في حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن بيع التمر بالرطب يعني التمر اليابس بالرطب فقال ﷺ : «أينقص الرطب إذا يبس. قالوا: نعم، فنهى عن ذلك». (٢) فالمزابنة كما تقدم هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر اليابس، يُستثنى من ذلك مسألة العريّة وهي بيع الرطب على رؤوس

стр. 80

النخل بالتمر اليابس بشروط، فإذا توفرت هذه الشروط فمسألة العرّية أباحها الشارع: الشرط الأول: أن تكون فيما دون خمسة أوسق. فخمسة أوسق فأكثر لا تجوز. الشرط الثاني: أن يكون لا ثمن معه يشتري به الرطب. الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا لأكلها رطبًا لكي يتفكه مع الناس، أما إذا كان يشتري الرطب بالتمر اليابس لكي يبيع الرطب فلا يجوز. الشرط الرابع: الحلول والتقابض، التمر اليابس يقبضه البائع وهو الفلاّح بكيله يكيله له المشتري ويقبضه البائع، والنخل قَبْضه بتخليته، فالبائع يُخلي بين المشتري وبين هذه النخلة. الشرط الخامس: التساوي في ذلك بأن يبيعه كيلًا بمثل ما يؤول إليه إذا جف هذا الرطب، فإذا كان رطبًا يساوي وسقين، وإذا جف يساوي وسقًا ونصف مثلًا، فنقول: هنا يأخذ وسقًا ونصفًا من التمر اليابس، فإذا كان كذلك فإنه تباح مسألة العرية. والدليل: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق» (١). وحديث سهل بن أبي حثمة ﵁ أن النبي ﷺ «نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في بيع العرايا». (٢) فهنا أُبيحت العرايا. قال العلماء ﵏: (إن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل وليس من باب تحريم المقاصد). فأباح الشارع مسألة العرايا والتساوي ليس مقطوعًا فيه وقد قال العلماء ﵏ في باب ربا الفضل: [الشك في التماثل كالعلم

стр. 81

بالتفاضل] يعني إذا بادلت ربويًا بجنسه وأنت تشك في التماثل فكما لو علمت بالتفاضل فيحرم ذلك؛ لابد أن تعلم التماثل تمامًا، وهنا في مسألة الرطب بالتمر لا نعلم التماثل كل الأمر مبني على الخرص والتقدير وهذا الغالب أن يكون فيه تفاضل فربا الفضل هذا أبيح في هذه الحال للحاجة. ومسألة العرايا ليس فيها ضرورة وإنما حاجة فقط لكي يتفكّه، فليس هناك ضرورة إلى أن يحفظ نفسه أو أطرافه وإنما يحتاج فقط أن يتفكه فأبيح له مسألة العرايا، فقال العلماء ﵏: «تحريم ربا النسيئة تحريمه من باب تحريم المقاصد، وأما ربا الفضل فتحريمه من باب تحريم الوسائل، لقوله ﷺ في حديث أسامة ﵁: «إنما الربا في النسيئة» (١) فقالوا إذا كان كذلك فإن الحاجة تبيحه كمسألة العرايا. ومن المسائل المترتبة على ذلك لبس الحرير قال العلماء ﵏: (بأن لبس الحرير تحريمه من باب تحريم الوسائل فالحاجة تبيحه) فلو كان إنسان فيه حكَّة أو قمل، أو نحو ذلك واحتاج إلى لبس الحرير ليس هنا ضرورة، وإنما حاجة فلا بأس ولهذا رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵄ في لبس ثوب الحرير من حكة بهما. (٢) ويظهر لي: أن تقسيم المحرم إلى تحريم وسائل وتحريم مقاصد فيه نظر، وأن ما ورد الدليل على تحريمه فإنه لا يباح إلا لضرورة، إلا لدليل يدل على خلاف ذلك.

стр. 82

٢٠ - وما نُهِي عَنهُ من التَّعَبُّدِ … أوْ غَيرِهِ أفْسِدْه لا تَرَدَّدِ ٢١ - فكلُّ نَهيٍ عادَ للذَّوات … أو للشُروطِ مفْسِدًا سَيَاتِي ٢٢ - وإِنْ يَعُدْ لِخَارجٍ كالعِمّهْ … فَلنْ يَضِيرَ فافْهَمَنَّ العِلَّهْ هذه قاعدة أصولية وهي قاعدة مشهورة: [النهي يقتضي الفساد] وهذه القاعدة أُلفت فيها مؤلفات منها كتاب العلائي (تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد) ودليل هذه القاعدة: قول النبي ﷺ في حديث عائشة ﵂: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (١) فدل ذلك على أن ما نهى عنه الشارع فإنه يقتضي الفساد. قوله: [وما نهي عنه من التعبد أو غيره]: يعني ما نهي عنه من العبادات أو غيره من المعاملات، والتبرعات، والأنكحة … إلخ. قوله: [أفسده]: يعني أحكم عليه بالفساد. ذكر المؤلف ﵀ أقسام هذه القاعدة وأن هذه القاعدة تنقسم إلى أقسام: واعلم أن الحنابلة من أوسع المذاهب في تطبيق هذه القاعدة، ولذلك ثلاثة من هذه الأقسام الأربعة يرون أنها تقتضي الفساد. القسم الأول: أن يكون النهي عائدًا إلى ذات المنهي عنه، فإنه يقتضي الفساد. ويدل له: أحاديث وآثار كثيرة كنحو ما رواه أحمد في المسند مرفوعًا «لا صلاة لمن لا وضوء له». (٢) وما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه صلى الفجر بالناس وهو جنب فأعادها ولم يعيدوا.

стр. 83

والمراد بالفساد: أنه لا يترتب على الفعل الآثار المقصودة منه سواء في العبادات، أو العقود. قال الخطابي ﵀: (هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه). والعلماء لا يفرقون بين الفاسد والباطل، والحنفية يفرقون فعندهم الفاسد ما نهي عنه لوصفه، والباطل ما نهي عنه لأصله. وبعض الحنابلة يقول: الفاسد مالم يقع إجماع على تحريمه وفساده، والباطل ما وقع إجماع على تحريمه، ولذلك يقولون: نكاح المتعة باطل للإجماع على تحريمه، والنكاح بلا ولي فاسد لعدم الاتفاق عليه. ولهذا أمثلة منها: المثال الأول: صيام يوم العيد؛ لأن النبي ﷺ : «نهى عن صوم يوم العيد» (١) فنقول بأن هذا الصيام فاسد. المثال الثاني: الصلاة في أوقات النهي نقول بأنها فاسدة؛ لأن النبي ﷺ كما في حديث أبي سعيد ﵁ في الصحيحين قال: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». (٢) المثال الثالث: الصلاة في المقبرة، والحمام، وأعطان الإبل كل هذه نهى الشارع عنها، فالنهي يعود إلى ذات المنهي عنه فيقتضي الفساد. المثال الرابع: نكاح المحارم فنكاح زوجة الأب أو نكاح زوجة الابن كل هذا النهي يعود إلى ذات المنهي عنه فيقتضي الفساد. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]. المثال الخامس: بيع الميتة .. إلخ كما في حديث جابر ﵁ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة،

стр. 84

والخنزير، والأصنام». (١) القسم الثاني: أن يكون النهي عائدًا إلى أمر خارج فلا يقتضي الفساد. ومثَّل المؤلف ﵀ بقوله: [وإن يعد لخارج كالعمة] العِمَّة: لغة في العمامة. مثال ذلك: إنسان صلى وعليه عمامة من حرير فهذا لا يتعلق بذات الصلاة، ولا بشروط الصلاة فنقول: لا يقتضي الفساد. المثال الثاني: صلى وعليه خاتم من ذهب، فصلاته صحيحة … إلخ. المثال الثالث: اغتاب وهو صائم فصيامه صحيح … إلخ فما دام أن النهي لا يعود إلى ذات المنهي عنه ولا شرطه، وإنما يعود إلى أمر خارج فإنه لا يقتضي الفساد. القسم الثالث: أن يعود إلى شرط العبادة، أو المعاملة على وجه يختص بتلك العبادة، أو المعاملة؛ فإذا كان كذلك فإنه يقتضي الفساد. مثال ذلك: الشارع نهى عن كون الثمن مجهولًا، فالنهي هنا يعود إلى شرط المعاملة، لكن على وجه يختص بهذه المعاملة (يختص بالبيع) فهذا النهي يقتضي الفساد. روى أبو هريرة ﵁ في صحيح مسلم أن النبي ﷺ : «نهى عن بيع الغرر» (٢) فما دام أنه يختص بهذه المعاملة ويتعلق بالبيع وتوجه النهي إلى الشرط، فإنه يقتضي الفساد. المثال الثاني: بيع الإنسان شيئًا لا يملكه، فهذا يعود إلى شرط من شروط المعاملة يختص بهذه المعاملة فالنهي يقتضي الفساد. المثال الثالث: إذا صلى وعلى ثوبه نجاسة فإن هذا يختص بشرط العبادة على وجه يختص بالعبادة فإن النهي يقتضي الفساد (٣).

стр. 85

القسم الرابع: أن يعود النهي إلى شرط العبادة، أو المعاملة على وجه لا يختص بالعبادة، أو المعاملة فهذا موضع خلاف، والصحيح: أن النهي لا يقتضي الفساد. وله أمثلة كثيرة: المثال الأول: الوضوء بماء مغصوب، الغصب لا يتعلق بالعبادة، الذي يتعلق بالعبادة أن الإنسان يتوضأ بماء طهور فيرتفع حدثه والشارع نهى عن الغصب، ولم ينه عن الوضوء بالماء المغصوب فالنهي عاد إلى شرط من شروط العبادة لكن على وجه لا يختص بتلك العبادة. المثال الثاني: التيمم على تراب مغصوب، وكذلك الصلاة في بيت مغصوب، أو في ثوب مسروق، أو منتهب، أو مختلس … إلخ، فكل هذه الأشياء النهي فيها لا يختص بتلك العبادة فلا يقتضي الفساد؛ لأن الشارع نهى فقط عن الغصب. قال أهل العلم ﵏: إن الجهة إذا انفكت فكان مأمورًا من وجه ومنهيًا من وجه صحت العبادة؛ لأن النهي لا يعود إلى شرط العبادة ولا إلى ركنها وهو لا شك أنه عاص بفعله هذا؛ ولأن النهي غير متعلق بذات العبادات شرعًا فهو تعلّق بعيد لا يلتفت إليه الشرع في الإبطال. قوله: [فلن يضير]: يعني لا يضر إذا كان عائدًا إلى أمر خارج. قوله: [فافهمن العلة]: المؤلف ﵀ أمرك أن تفهم العلة وهذا يشمل العلة في كل المسائل، وسيأتي تعريف العلة عند قول المؤلف: ((وكل حكم فلعلة تبع)). إذا فهم الطالب العلل فإنه يعرف سمو الشريعة وحكمتها، وبناء الأحكام فيها، وأنه لم يُشرع فيها شيء إلا لسبب يقتضيه. قال السعدي ﵀: وإن أتى التحريم في نفس العمل … أو شرطه فذو فساد وخلل (١) • • •

стр. 86

٢٣ - والأصلُ في الأشياءِ حِلٌّ وامْنَعِ … عِبَادَةً إلا بإذنِ الشَّارِعِ هذه قاعدة فقهية ويدخل تحت ذلك أشياء كثيرة وهذه قاعدة مندرجة تحت إحدى القواعد الخمس الكلية وهي: [اليقين لا يزول بالشك] فمن القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة كما سيأتي إن شاء الله قاعدة: [الأصل في الأشياء الحل] يندرج تحت ذلك أشياء كثيرة، فالأصل في المعاملات من بيع، وإجارة، ورهن، وشركة، وغير ذلك الحل، وكذلك التبرعات، من هبات وأوقاف ووصايا، وفي باب الأطعمة من حيوانات ونباتات، وزروع، وثمار، وطيور، الأصل في ذلك الحل، وأيضًا في باب الألبسة من قطن، وصوف، وشعر، وكَتَّان، وغير ذلك، وكذلك في باب الأنكحة الأصل في ذلك الحل فالإنسان له أن يتزوج أي امرأة إلا إذا كان هناك مانع وإلا فالأصل في الأشياء الحل. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فساق الآية مساق الامتنان وغايته الحل والإباحة كما قال القرطبي ﵀ في تفسيره. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ولما روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرم ثم حرم من أجل مسألته» (١) رواه البخاري ومسلم. فهذه الأدلة تدل على أن الأصل في الأشياء الحل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (هو كالإجماع)،

стр. 87

وأنكر وجود المخالف في هذه المسألة عندهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الأصل في الأشياء الإباحة وطهارة الثياب والحجارة لمن كان مسلمًا يعمل الصالحات؛ لأنها إعانة له على الطاعة، وأما الكافر ومن يستعملها في غير محلها فإن الأصل في حقهم المنع سدًا لذريعة التقوي بها على المعاصي. قوله: [وامنع عبادة إلا بإذن الشارع]: الأصل في العبادات الحظر والمنع فلا يتعبد الإنسان بأي عبادة إلا بعبادة جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قال شيخ الإسلام: (العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع). ودليل ذلك: القرآن والسنة فأما القرآن فقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فحصر الله التحليل والتحريم إليه سبحانه وحده. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٨، ١٩]. وأما السنة فحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي أن عمله مردود عليه. قال الشاطبي ﵀ في (الاعتصام) وهذا أصل في أن الأصل في العبادات المنع والحظر. أ. هـ. وقال أيضًا: (وهذا - يعني حديث عائشة - عده العلماء ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجه المخالفة لأمره ﵇، ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية).

стр. 88

وأخرج البيهقي في (السنن الكبرى) والخطيب في الفقيه والمتفقه عن سعيد بن المسيب: أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر ركعتين زائدتين عن سنة الفجر يطيل في سجودهما وركوعهما فزجره عن ذلك (١). وأيضًا حكى شيخ الإسلام ﵀ في (مجموع الفتاوى) اتفاق السلف ﵏ على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع. ولابد أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع في ستة أمور: ١ - السبب. ٢ - الجنس. ٣ - القدْر. ٤ - الكيفية والهيئة. ٥ - المكان. ٦ - الزمان. فإن خالفت في أحد هذه الأمور فغير مشروعة لابد أن تكون موافقة للشرع في هذه الأمور الستة: الأمر الأول: السبب، فعلى هذا لو اتخذ عبادة عند سبب لم يرد به الشرع فإن هذا لا يصح. مثال ذلك: لو أنه استاك عند دخوله المسجد قياسًا على الاستياك عند دخول البيت، فإن هذا لا يصح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فتركه هو السنة) أي إذا وجد المقتضي، وزال المانع، ولم يكن الترك لحق الغير فالترك هو السنة. فالفعل كما يكون سنة أيضًا الترك يكون سنة، فكل شيء وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله يكون تركه سنة، وبهذا نعلم أن ما يقام من حفل مولد النبي ﷺ أنه بدعة؛ لأن مولد النبي ﷺ وجد سببه في عهده ولم يفعله ﷺ ولم يفعله الخلفاء الراشدون. فالخلاصة في ذلك: أن من يتخذ سببًا لعبادة من العبادات ولم يفعله النبي ﷺ فإن هذا لا يجوز.

стр. 89

الأمر الثاني: أن تكون موافقة للشرع في الجنس، وعلى هذا لو تعبد الإنسان بجنس لم يأتِ به الشرع فإن هذا بدعة، ولذلك أمثلة: المثال الأول: في الهدي والأضحية، فالشرع جاء بجنس مُعيّن وهي بهيمة الأنعام، فكون الإنسان يضحي مثلًا بدجاج، أو بسائر الطيور فإن هذا بدعة؛ لأن هذا ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله ﷺ . المثال الثاني: في العقيقة جاءت الشريعة بذبح شاتين للذكر وشاة للأنثى، فلو أن الإنسان عقّ عن ابنه بغزال فإن هذا جنس لم يأتِ به الشرع. الأمر الثالث: القَدْر فلابد أن تكون هذه العبادة موافقة للشرع في قدرها وهذه المسألة يقسمها العلماء ﵏ إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون ما زاد على القدر المشروع لا يتبعّض فهذا بدعة، فلو صلى الظهر خمسًا، أو المغرب أربعًا فإنه جاء بعبادة لم يأتِ بها الشرع فيما يتعلق بالقدْر. القسم الثاني: أن يكون ما زاد على القدر المشروع يتبعّض ويمكن فصله فهذا فيه تفصيل: إن اعتقد أنه من الوارد فإنه بدعة، وإنه لم يعتقد أنه من الوارد، وإنما أراد أن يتعبد به استقلالًا فإن هذا لا بأس به. مثال ذلك: الواجب في زكاة الفطر صاع فلو أن الإنسان أخرج صاعين على أن هذه الزيادة صدقة ونافلة، فإن هذا لا بأس به لكن لو أخرجه على أنه يتقرب به وأنه زكاة واردة فإن هذا بدعة، ونظير ذلك أيضًا أن المشروع في دبر كل صلاة أن يسبح الله ويحمده ويكبره تسعًا وتسعين مرة ثم يقول في تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) فلو زاد على ذلك من هذا التسبيح، إن اعتقد أنه سنة واردة في هذا الموضع فإنه بدعة، وأما إذا زاد على أنه يتنفل بهذه العبادة فإنه لا بأس به.

стр. 90

الأمر الرابع: الهيئة والكيفية، فإذا خالفت في ذلك فإنها تكون بدعة؛ فلو أنه صلى صلاة خلاف الصلاة المشروعة فإن هذه بدعة، أو صام صيامًا أو حجًا خلاف الحج والصوم المشروعين فإن هذا بدعة؛ كما لو قدم السجود على الركوع أو ركع ركوعين أو نحو ذلك فإن هذا بدعة. الأمر الخامس: المكان فإذا خالفت الشرع في مكانها فإن ذلك بدعة. مثال ذلك: الحج له أمكنة معلومة فالطواف لا يكون إلا في البيت فلو طاف في غير البيت فهذا بدعة، والوقوف في عرفة ومزدلفة هذه أمكنة حدّدها الشارع، وكذلك الاعتكاف لا يكون في غير المسجد … إلخ. الأمر السادس: الزمن فإذا خالفت الشرع في زمانها فإنها تكون بدعة، فلو أن رجلًا صلى الظهر قبل زوال الشمس، أو صلى الفجر بعد طلوع الشمس … إلخ، هذا كله خلاف أمر الله، وأمر رسوله ﷺ . • • •

стр. 91

٢٤ - فإنْ يقعْ في الحكمِ شَكٌ فارجعِ … للأصلِ في النوعَيْنِ ثم اتبِعِ أي إن يقع في الشيء الحادث شك، يعني إذا شك في أمر هل هو حلال أو حرام؟ هل هو مشروع أو غير مشروع؟ [فارجع للأصل في النوعين] والنوعان تقدم ما يتعلق بالعبادات وغير العبادات فتدخل المعاملات، والتبرعات، والأنكحة، والعادات. فالعبادات إذا شكَكْت هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟ فالأصل عدم المشروعية، وأما في غير العبادات إذا شكَكْت هل هو حلال أو حرام؟ فالأصل في ذلك الحل. مثال ذلك: شكَكْت في نوع من أنواع المعاملات كالألبسة أو شكَكْت في نوع من أنواع الأطعمة، أو العادات، والهيئات هل هو مباح أو ليس مباحًا؟ فالأصل في ذلك الإباحة. وفي هذا البيت إشارة إلى إحدى القواعد الخمس الكلية وهي قاعدة: [اليقين لا يزول بالشك] وهذه القاعدة من أوسع القواعد الفقهية تطبيقًا وأكثرها امتدادًا في أبواب الفقه وقد ذكر السيوطي أنها تدخل في جميع أبواب الفقه. واليقين في اللغة في المشهور: العلم وزوال الشك، وقد يأتي بمعنى الظن الراجح والغالب، وقد استعمل الظن بمعنى اليقين في القرآن في عدد من الآيات قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. وقال النووي: (اعلم أنهم يطلقون العلم واليقين ويريدون بهما الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم … ). أ. هـ وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. وجه الدلالة: أنه قد فسر الظن هنا بالتوهم، وقد علمنا أن الوهم قد يطلق عليه الظن الفاسد.

стр. 92

اعتراض وجواب عنه: من المعلوم عقلًا أنه لا يمكن اجتماع اليقين والشك في حال واحدة، وفي الوقت نفسه لدى شخص واحد، والذي يفهم من ظاهر النص أنه يمكن اجتماعها في تلك الحال … إلخ. والجواب: أن المراد بنص القاعدة أن اليقين السابق لا يزول بالشك الطارئ اللاحق، فلم يحصل إذًا اجتماع لليقين والشك. الاعتراض الثاني: أن من الأمور المقررة أن اليقين إذا طرأ عليه شك زال اليقين؛ بمعنى أنه لو كان الشخص متيقنًا ثم شك، فإنه يوصف بأنه شاك لا أنه متيقن، و الذي يفهم من القاعدة: أن اليقين لا يزول بالشك الطارئ بل يبقى، وهذا تناقض. والجواب: أن المقصود من نص القاعدة أن حكم اليقين لا يزول بالشك وليس المقصود أن ذات اليقين لا يزول بالشك بل اليقين في ذاته زائل بالشك والباقي إنما هو حكم اليقين. قال مجاهد ﵀: (كل ظن في القرآن فهو يقين) وهذا إشكال إلا أن الزركشي ﵀ قال: هناك ضابطان للفرق بين اليقين والظن في القرآن: أحدهما: أنه حيث وجد الظن محمودًا مثابًا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذمومًا متوعدًا عليه بالعذاب فهو الشك. والثاني: أن كل ظن به (أنْ) المخففة فهو شك وكل ظن يتصل به (أنَّ) المشددة فهو يقين؛ لأن المشددة للتأكيد خلافًا للمخففة. ودليل هذه القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. وحديث عبد الله بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ شُكي إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال ﷺ : «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا

стр. 93

أو يجد ريحًا» (١) ولحديث عدي بن حاتم ﵁ كما سيأتي، ولحديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن». (٢) فإذا شك الإنسان هل أحدث أو لم يحدث؟ فالأصل في ذلك بقاء الطهارة، وإذا شك هل تطهر أو لم يتطهر؟ فالأصل بقاء الحدث، وإذا شك هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ فالأصل بقاء الليل، له أن يأكل حتى يطلع الفجر، وإذا شك في غروب الشمس هل غربت أو لم تغرب؟ فالأصل بقاء النهار، فليس له أن يأكل ولا يصلي المغرب، وإذا شك هل وقع الطلاق أو لم يقع؟ فالأصل بقاء النكاح … وهكذا. وأما الإجماع: أي على القاعدة فحكاه غير واحد كالقرافي في (الذخيرة) وفي (الفروق) وابن دقيق العيد في (إحكام الأحكام). وهذه القاعدة: [اليقين لا يزول بالشك]. لها قواعد تتفرع عنها نذكرها على سبيل الإجمال ونمثل لكل قاعدة بمثال: القاعدة الأولى: [الأصل عدم المُسْقِط وبقاء الواجب]. مثال ذلك: إذا شك الإنسان هل قضى الصلاة التي عليه أو لم يقضها؟ فالأصل عدم قضاء الصلاة وبقاء الواجب، ولو شك هل قضى الدَّين الذي عليه أو لم يقضه؟ فالأصل بقاء الدين في الذمة. القاعدة الثانية: [الأصل بقاء ما كان على ما كان] (بقاء ما كان): أي ثبوت الأمر في الزمان الحاضر. (على ما كان) أي على ما ثبت عليه في الزمان الماضي. ومعنى (الأصل): أي القاعدة المستمرة في الشرع وهذه القاعدة: دليل الاستصحاب. وسيأتي الكلام عليها في الأدلة المختلف فيها.

стр. 94

القاعدة الثالثة: [الأصل براءة الذمة]: أي السلامة والخلو من التكليف، فمعنى القاعدة: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل ويدل لهذه القاعدة قوله ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١). ومن الفروع المترتبة على ذلك لو ادعى شخص على شخص حقًا من الحقوق فنقول: بأن المدَّعَى عليه الأصل براءة ذمته حتى يثبت هذا الحق بالبينة. القاعدة الرابعة: [الأصل في الأبضاع واللحوم التحريم]: هاتان قاعدتان: الأولى: الأصل في اللحوم التحريم، لكن تقيد هذه القاعدة بما إذا حصل شك واشتباه، وإلا فالأصل الحل. وعلى هذا لو أن الإنسان شك في لحم هل هو مذكى أو لحم ميتة؟ فالأصل في ذلك التحريم. ويدل لهذا: قول النبي ﷺ لعدي ﵁: «فإن وجدت مع كلبك كلبًا آخر فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على غيره» (٢) وأيضًا قال ﷺ : «إذا وجدته قد وقع في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» (٣) فدل على أن الأصل في اللحوم التحريم، وإذا شك أيضًا هل ذُبح هذا اللحم على وفق الشرع أو لم يُذبح على وفقه؟ فالأصل في ذلك التحريم لكن عندنا قاعدة أخرى وهي: [أن الفعل الصادر من أهله الأصل فيه الصحة] فإذا كان هذا اللحم من مسلمين، أو من أهل كتاب

стр. 95

فلا تسأل عن فعلهم؛ لأن الأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة. ويدل لذلك: حديث عائشة ﵂ أن قومًا قالوا للنبي ﷺ إن قومًا حديثو عهد بإسلام يأتوننا باللحم لا ندري أذُكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي ﷺ : «سموا الله عليه أنتم وكلوه». (١) أنتم مسؤولون عن فعلكم وفعل غيركم لستم مسؤولين عنه. القاعدة الثانية: الأصل في الأبضاع التحريم. ويدل لهذا أدلة كثيرة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. ٢ - أدلة تحريم الزنا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» (٢) متفق عليه. لكن الأصل في النساء الحل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بعد أن ذكر ما يحرم من النساء. لكن لو اشتبهت أجنبية بامرأة غير أجنبية فنقول: لا يجوز له أن يتزوج بها مع أن الأصل الحل لكن لما كان عنده امرأتان هند وأختها إحداهما رضعت معه من أمه فاشتبهت الآن الأجنبية بالمحرم فلا يجوز له أن يتزوج بها؛ لأننا لا ندري أيهما رضعت من أمه هل هي هند أو فاطمة؟ القاعدة الخامسة: [الأصل في الصفات العارضة العدم] ومن أمثلة هذه القاعدة: لو أن أحدًا اشترى سلعة ثم وجد بها عيبًا فنقول: الأصل عدم العيب، فإذا اختلف البائع والمشتري نقدم قول

стр. 96

البائع؛ لأن الأصل في الصفات العارضة العدم وأن هذا البائع باع هذه السلعة وليست معيبة. القاعدة السادسة: [الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته] الحادث: الشيء الذي لم يكن موجودًا ثم وجد أي: أن وقته المعتبر هو الوقت القريب، فلو أن شخصًا نام ثم وجد في ثوبه منيا ثم شك هل حصل من نوم الليل أو النهار؟ نقول يُرجعه إلى أقرب أوقاته وأقرب الأوقات النوم بالنهار. القاعدة السابعة: [لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض البيان بيان]. فهذه القاعدة تشتمل على أمرين: الأمر الأول: لا ينسب إلى ساكت قول، إذْ الأحكام تبنى على الألفاظ في الأصل، ومن أمثلة ذلك: إذا سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن. ومن ذلك: لو أتلف شخص مال آخر، وصاحب المال ساكت فلا يكون سكوته إذنًا في الإتلاف بل يضمن. الأمر الثاني: لكن السكوت في معرض البيان بيان، وهذا كالاستثناء من القاعدة، ومن أمثلة ذلك: سكوت البكر عند استئمار وليها قبل التزويج. ومن ذلك: إذا سكت المحرم وقد حُلِق رأسه مع القدرة على منعه تلزمه الفدية. القاعدة الثامنة: [لا عبرة بالتوهم] التوهم أدنى من الظن، والمراد به: الاحتمال العقلي البعيد. ومن أمثلة ذلك: لو اشتبهت القبلة فصلى بلا تحر ولا اجتهاد فلا تصح صلاته لبنائها على الوهم. القاعدة التاسعة: [الممتنع عادة كالممتنع حقيقة].

стр. 97

الممتنع حقيقة: هو المستحيل الذي لا يمكن وقوعه عقلًا. والممتنع عادة: هو الذي لم يعهد وقوعه، وإن كان فيه احتمال بعيد بالوقوع. ومن أمثلة ذلك: ادعاء من عُرِف بالفقر أموالًا عظيمة على شخص وأنه قد اقترضها منه. القاعدة العاشرة: [الأصل حمل الكلام على ظاهره]. القاعدة الحادية عشر: [الأصل في العقود والشرط في العقود الصحة]. القاعدة الثانية عشر: [الأصل في الأعيان الحل والطهارة]. • • •

стр. 98

٢٥ - والأصلُ أنَّ الأمرَ والنَّهي حُتِمْ … إلا إذا النَّدبُ أو الكُرْهُ عُلِمْ أفاد المؤلف ﵀ في هذا الشطر قاعدتين أصوليتين: القاعدة الأولى: [الأمر يقتضي الوجوب إلا لصارف]. القاعدة الثانية: [النهي يقتضي التحريم إلا لصارف]. والدليل على القاعدة الأولى: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فدل على أن الله ورسوله ﷺ إذا قضيا أمرًا، فإن المؤمن لا يكون له الخيرة من أمره، وأنه يجب عليه أن يتبع أمر الله وأمر رسوله ﷺ وأن الأصل في الأوامر الوجوب. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] فقوله (عن أمره) هذا مفرد مضاف يشمل كل أوامر الله فالذي يخالف الأمر هذا يحذر أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم. قال الإمام أحمد ﵀: (أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك) (١) وتفسير الإمام أحمد ﵀ الفتنة بالشرك تفسير بأعلى الفتن وإلا فإن الفتنة تشمل الشرك وغيره، فهذا الوعيد على من خالف أمر الله وأمر رسوله ﷺ وهذا يدل على أن الأصل في الأوامر الوجوب. ثالثًا: من السنة قول النبي ﷺ في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢). فقوله ﷺ : (لولا أن أشق) دل على أن الأمر فيه مشقة ولا يكون فيه

стр. 99

مشقة إلا إذا كان الأمر دالًا على الوجوب إذْ لو لم يدل على الوجوب لم يكن فيه مشقة وفي لفظ «عند كل وضوء» (١) فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الوجوب فلو كان يقتضي الاستحباب لم يكن فيه مشقة؛ لأن الإنسان يكون مخيرًا بين الفعل والترك والأفضل له أن يفعل. رابعًا: أن النبي ﷺ أخّر صلاة العشاء ثم خرج فقال: «إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي». (٢) فهذا يدل على أن أوامر النبي ﷺ تقتضي الوجوب؛ إذْ لو أن النبي ﷺ أمر أن تؤدَّى صلاة العشاء في ذلك الوقت لكان في ذلك مشقة وترتُّب المشقة يدل على وجوبه. خامسًا: إجماع الصحابة ﵃ على امتثال أوامر النبي ﷺ دون السؤال عما أراد الرسول ﷺ بأمره. سادسًا: اللغة: فإنها تدل على ذلك فإن السيّد إذا أمر خادمه بأمر ثم بعد ذلك لم يمتثل لَحسُن لومه فكونه إذا ترك الامتثال يحسن لومه دل على أنه ترك واجبًا من الواجبات، وكذلك لو أن الأب أمر ابنه بأمر ثم بعد ذلك لم يمتثل لحسن لومه وتوبيخه فهذا يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب. قوله: [أن الأمر والنهي حُتم]: أيضًا النهي يقتضي التحريم فالأصل في النواهي أنها تقتضي التحريم ويدل لذلك: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ هذا أمر بالانتهاء والأمر يدل على الوجوب كما سبق فدل ذلك على أن فعل المنهي يقتضي التحريم لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

стр. 100

هنا أمر الله بالانتهاء عن الأشياء التي نهى عنها النبي ﷺ فدل ذلك على أن الانتهاء واجب وترك الواجب فيه الإثم. ثانيًا: من السنة قوله ﷺ «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه» (١) هنا أمر بالاجتناب، والأمر يدل على الوجوب فدل ذلك على أن فعل المنهي عنه يدل على التحريم؛ لأن في ذلك تركًا للواجب. ثالثًا: اتفاق الأئمة الأربعة ﵏ على أن النهي يقتضي التحريم. رابعًا: اللغة فإن السيد لو نهى خادمه عن أمر من الأمور، ثم بعد ذلك فعل هذا الأمر الذي نُهي عنه فإنه يحسن لومه وتوبيخه، وكذلك الأب لو نهى ولده ثم فعله فإنه يحسن لومه وتوبيخه، فدل ذلك على أن النهي يقتضي التحريم. فإن قال قائل: هل النهي في الأدب يكون دالًا على التحريم؟ نقول إن بعض العلماء قال: نفرق بين الأحكام والآداب. أولًا: لعموم النصوص، فإن النصوص الدالة على أن النهي يفيد التحريم تشمل الأمرين. ثانيًا: أنه لا يوجد تفريق مضبوط لا يخترم بين الأحكام والآداب. ثالثًا: أن الشريعة تُعنى بالأحكام، والآداب تنتج عن هذه الأحكام. وذهب أكثر العلماء: على أن الأمر أو النهي إذا قصد به الآداب والإرشاد لا يقتضي الوجوب، أو التحريم كما سيأتي. قوله: [إلا إذا الندب أو الكره علم]: الأصل كما تقدم أن الأوامر تقتضي الوجوب وأن النواهي تقتضي التحريم إلا إذا وجد صارف وقد ذكر العلماء ﵏ الصوارف: الصارف الأول: أن يدل الدليل على أن المراد بهذا الأمر الاستحباب

стр. 101

ولا يراد به الوجوب وهذا له أمثلة كثيرة نذكر منها: المثال الأول: حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قال ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١)، هنا أمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله من هذه الأربع، ووجد أن الصارف الذي يدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع أنه للاستحباب وليس للوجوب وهو حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ لما ذكر التشهد الأول قال: «ثم لْيَتَخيّر من الدعاء أعجبه» (٢) أي أعجب الدعاء إليه فدل على أن الاستعاذة بالله من هذه الأربع ليس واجبًا. المثال الثاني: أن النبي ﷺ «نهى أن يشرب الرجل قائمًا» (٣) وشرِبَ النبي ﷺ قائمًا (٤) فدل ذلك على أن النهي هنا لا يدل على التحريم وإنما يدل على الكراهة. الصارف الثاني: الإجماع قد يُجمع العلماء ﵏ على أن هذا الأمر لا يراد به الوجوب. ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] هذا أمر ومع ذلك العلماء ﵏ مجمعون على أن الإنسان إذا حلّ من إحرامه لا يجب عليه أن يصطاد. الصارف الثالث: إذا علمنا أن هذا الأمر، أو أن هذا النهي يُقصد به الإرشاد والأدب فإن هذا الأمر لا يقتضي الوجوب، وأن هذا النهي لا

стр. 102

يقتضي التحريم اللهم إلا إذا قامت قرينة تدل على أنه يقصد به الوجوب، أو يقصد به التحريم فإنه يبقى على الأصل، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ومن الأمثلة على ذلك: المثال الأول: قول النبي ﷺ : «إذا توضأتم أو لبستم فابدؤوا بميامنكم» (١) فإذا توضأ الإنسان، أو لبس هنا أمره أن يبدأ بيمينه لكن هذا في الإرشاد والأدب فحمله العلماء على الاستحباب. المثال الثاني: أن النبي ﷺ لما تخلف عن الصلاة وأناب أبا بكر ﵁، وجد النبي ﷺ خفة من مرضه فخرج النبي ﷺ فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر لكي يقوم النبي ﷺ من مقامه فأشار إليه النبي ﷺ أن يمكث فلم يمكث أبو بكر (٢)؛ لأن أبا بكر علم من إشارة النبي ﷺ أنه ليس للإلزام وإنما أراد بذلك الإكرام فدل ذلك على أن الشيء إذا قُصد به الأدب والإكرام والإرشاد أنه لا يقتضي الوجوب، لكن إذا دلت القرائن على أن الشارع أراد بهذا الأمر الوجوب، أو النهي التحريم حتى ولو كان على سبيل الإرشاد والإكرام فإنه يبقى على الأصل. ومن الأدلة على ذلك: أن الشارع أمر بالأكل باليمين، ونهى عن الأكل بالشمال وهذا من باب الإرشاد والأدب قال ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٣) فأمر النبي ﷺ بالأكل والشرب باليمين ونهى عن الأكل والشرب بالشمال وأخبر أن الشيطان يأكل ويشرب بشماله، هذا الأمر حسب ما ذكرنا أنه

стр. 103

إذا قصد به الإرشاد والأدب يُحمل على الاستحباب لكن دلت قرينة على أن المراد به الوجوب؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، ونحن منهيون عن اتباع خطوات الشيطان وموافقته؛ لأنه عدوٌ لنا فلا يكون إمامًا لنا. • • •

стр. 104

٢٦ - وكلُّ مَا رُتِّبَ فِيهِ الفَضْلُ … مِنْ غَيرِ أمرٍ فهْو نَدبٌ يَجْلُو قوله: [يجلو]: بمعنى يتبين ويظهر، فإن الأشياء التي رُتب عليها الفضل ولم يرد فيها أمر لا تقتضي الوجوب وإنما تقتضي الاستحباب، وعلى هذا فإن ما رُتب عليه فضل لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يرد فيه الأمر، فهذا حكمه كما سبق من حيث كونه يقتضي الوجوب إلا لصارف. الأمر الثاني: أن لا يرد فيه أمر، فإنه لا يقتضي الوجوب وإنما يقتضي الفضل والاستحباب. ومن الأمثلة: المثال الأول: قوله ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١) فالفقه في الدين هذا كله ليس واجبًا، لكن يجب منه ما يحتاج إليه الإنسان لتصحيح عبادته ومعاملته، وما عدا ذلك لا يجب بل يستحب. المثال الثاني: قال ﷺ : «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (٢). وقوله ﷺ : «أنا وكافل اليتيم كهاتين (٣) في الجنة» (٤) وقوله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٥) فمثل هذه الأشياء ورد فيها الفضل لا نقول بأنها تدل على الوجوب وإنما تدل على الاستحباب في الجملة. • • •

стр. 105

٢٧ - وكلُّ فِعلِ للنَّبيِّ جُرِّدَا … عن أمرِهِ فَغَيرُ وَاجِبٍ بَدَا قوله: [النبي]: المراد به النبي محمد ﷺ (١) فأل هنا للعهد الذهني، وليست للعهد الذِّكري، أو الحضوري؛ لأنه لم يُذكر وليس بحاضر. قوله: [جردا عن أمره]: يعني الفعل المجرد غير واجب بدا وهذا البيت يفيد قاعدة وهي: [أن أفعال النبي ﷺ المجردة الأوامر تفيد الاستحباب ولا تفيد الوجوب]. واعلم أن أفعال النبي ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام: - القسم الأول: ما فعله النبي ﷺ على وجه القربة والطاعة فهذا لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: أن يدل دليل على اختصاصه بهذا الفعل فإنه يختص به ولا يكون مشروعًا لغيره وذلك مثل: الوِصَال «وصال النبي ﷺ في الصوم» (٢) فهذا مخصوص بالنبي ﷺ ، ومثل ذلك: صلاة ركعتين بعد العصر (٣) فهذا جعله بعض أهل العلم من خصائصه … إلخ. الأمر الثاني: أن لا يدل دليل على اختصاص النبي ﷺ بهذا الحكم، فإن الأصل في ذلك التأسّي. ويدل لذلك أدلة منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾

стр. 106

[آل عمران: ١٣٢] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وأيضًا قول النبي ﷺ في خطبة الجمعة: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ». (١) فالأشياء التي لم يقم دليل على أن النبي ﷺ اختص بها فالأصل عدم الخصوصية ومن ادعى الخصوصية فعليه الدليل. ومن الأمثلة على ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن شريح بن هاني قال: «قلت لعائشة ﵂ بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ فقالت: بالسواك» (٢) هذا الفعل فَعَلَه النبي ﷺ على وجه القربة والطاعة ولم يقم دليل على اختصاص النبي ﷺ فما دام كذلك فالأصل التأسي. - القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ لا على وجه القربة والطاعة وهذا تحته أقسام: القسم الأول: ما فعله النبي ﷺ بمقتضى الجِبِلَّة والطبيعة فهذا في حد ذاته لا يتعلق به أمر ولا نهي، فلا نقول للإنسان إنك تفعل كذا أولا تفعل كذا .. إلخ. مثال ذلك: نوم النبي ﷺ وأكله وشربه ونكاحه … إلخ. هذه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، لكن هيئات مثل هذه الأشياء قد يتعلق بها أمر أو نهي فالأكل قد يتعلق به أمر وقد يتعلق به نهي كالأكل باليمين، والشرب باليمين، والتسمية، والحمدلة، ولا يأكل ما يضره … إلخ وكذلك النوم فإنه ينام على طهارة، وعلى جنبه الأيمن، ويأتي بأذكار النوم … إلخ وأما ذات

стр. 107

النوم، وذات الأكل والشرب … إلخ فهذه الأشياء فعلها النبي ﷺ جبلة فلا يتعلق بها أمر ولا نهي. القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ على وجه العادة فهذا أيضًا مباح مثل: كيفية الأكل، والشرب، واللباس هذه من قبيل العادات لكن الشارع قد يأمر ببعض الكيفيات وينهى عن بعض، مثل أن يأكل كذا، أو يشرب كذا، أو يأكل على هذه الهيئة أو ينام على هذه الهيئة .... إلخ فما فعله النبي ﷺ على سبيل العادة هذا لا نقول بأن الإنسان مأمور أن يتابع النبي ﷺ في هذه الأشياء فإنه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، بل السنة للإنسان أن يفعل العادة في المكان والزمان الذي هو فيه ما لم يخالف الشرع. يعني يوافق أهل بلده في عادتهم. مثال ذلك: النبي ﷺ لبس عمامة لكن عادة الناس في مثل هذا البلد أنهم لا يلبسون عمامة، والسنة أن الإنسان يوافق الزمان، والمكان الذي هو موجود فيه كلبس الشماغ أو الغترة … إلخ فيوافقهم في ذلك ما لم يخالف الشرع؛ لأنه لو خالف الناس لأصبح لباسه لباس شهرة. وأيضًا: النبي ﷺ ركب الخيل والحمار والناس الآن في هذا البلد لا يركبون الخيل والحمار … إلخ فهل نقول: بأنك توافق النبي ﷺ في عادته، أو نقول: له اركب السيارة مثل فعل الناس؟ السنة أن يترك مثل هذه الأشياء ويفعل ما يفعله الناس؛ لأن كونه يوافق الناس هذا يبعده عن الشهرة وكونه يركب الخيل، ويقول أريد أن أقتدي بالنبي ﷺ نقول: هذا من قبيل العادات والنبي ﷺ فعل ما يوافق أهل بلده وزمانه وأنت السنة أن توافق زمانك ومكانك. القسم الثالث: ما تردد بين العادة والمشروعية، قد يوجد أفعال للنبي ﷺ يتردد أمرها بين العادة وبين المشروعية فهل فعلها من السنة أو لا؟ الضابط في ذلك: أن ما تردد بين العادة والمشروعية: إن قَدّرْت أن

стр. 108

لنبي ﷺ فعله مُوافَقةً لزمانه ومكانه فليس من قبيل السنة وإنما هو من قبيل العادة، وإن قَدَّرْت أن النبي ﷺ خالف فيه زمانه ومكانه فهو من قبيل السنة. مثال ذلك: اتخاذ الشعر فعله النبي ﷺ (١) موافقًا لأهل زمانه ومكانه؛ لأن العرب كانوا في عهد النبي ﷺ يتخذون الشعور ففعله النبي ﷺ موافقًا لأهل زمانه ومكانه فلا نقول: بأنه سنة بل هو من قبيل العادات، وأيضًا لما خرج النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة وقف وبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا … (٢) إلخ فهل هو من قبيل السنة أو العادة؟ الأقرب أنه من قبيل العادة ولهذا لا يطلب من الإنسان أن يفعل مثل هذه الأشياء. - القسم الثالث: ما كان بيانًا لأمر فحكمه حكم ذلك الأمر وهذا أفاده الشيخ ﵀ بقوله: ٢٨ - وإِنْ يكنْ مُبيِّنًا لأمرِ … فالحُكْمُ فيه حُكمُ ذاكَ الأمْرِ فما فعله النبي ﷺ بيانًا لأمر فهذا حكمه حكم ذلك الأمر، فإن كان الأمر يقتضي الوجوب فهذا الفعل حكمه حكم ذلك الأمر وهو الوجوب، وإن كان يقتضي الاستحباب فحكمه حكم ذلك الأمر وهو الاستحباب. مثال الوجوب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب بيّنه النبي ﷺ بفعله فالنبي ﷺ مسح كل رأسه ولم يقتصر على مسح بعض الرأس «بدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (٣) فمسح كل رأسه. مثال الاستحباب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾

стр. 109

[البقرة: ١٢٥] هذا أمر بيّنه النبي ﷺ في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ لما أتى المقام قرأ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وصلى خلف المقام ركعتين (١) وحكم ركعتي الطواف خلف المقام السنية بالإجماع فالعلماء مجمعون على أن صلاة ركعتي الطواف خلف المقام سنة فهذا الأمر مصروف عن الوجوب بالإجماع، فيكون فعل النبي ﷺ مبيّنًا لهذا الأمر، وهذا الأمر، للاستحباب فيأخذ حكمه وهو الاستحباب. • • •

стр. 110

٢٩ - وقدِّم الأعلَى لدَى التَّزاحُمِ … في صَالحٍ والعَكسُ في المظالِمِ ٣٠ - وادفعْ خفيفَ الضَّرَرَيْنِ بالأخفْ … وخذْ بعالِي الفاضَليْنِ لا تَخَفْ عندنا هنا تزاحم المصالح، وتزاحم المفاسد. فالمصالح: هي أوامر الشرع. والمفاسد: هي نواهي الشرع. فعندنا في هذا الشطر قاعدتان: [أنه عند تزاحم المصالح نقدم الأعلى منها] و [وعند تزاحم المفاسد نقدم الأخف منها] ويقول السعدي ﵀: فإن تزاحم عدد المصالح وضده تزاحم المفاسد … يُقدم الأعلى من المصالح (١) يرتكب الأدنى من المفاسد (٢) وتزاحم المصالح لا يخلو من أمرين: الأمر الأول: إمكانية الجمع بين هذه المصالح، بحيث يستطيع أن يأتي بها كلها فنقول يأتي بها جميعًا. الأمر الثاني: عدم إمكانية الجمع بين هذه المصالح بحيث لا يستطيع أن يفعل إلا إحدى المصلحتين وهذا هو المراد هنا فأيهما يقدم؟ هذا تحته أقسام: القسم الأول: أن تتزاحم الواجبات، فإذا تزاحمت فإننا نقدم آكد الواجبين، ولذلك أمثلة: المثال الأول: إنسان عنده ماء وحضر وقت الصلاة، وهذا الماء يحتاجه للشرب ويحتاجه للوضوء فالوضوء واجب، وإبقاء النفس، والمحافظة عليها واجب فأيهما آكد؟ نقول: إبقاء النفس آكد فيقدم الشرب على الوضوء. المثال الثاني: إنسان عليه فائتة وعليه حاضرة، عليه فائتة صلاة الفجر،
следующие страницы →