← Фикх общий

Фикх общий · id 1575

المختصر في الجنايات والحدود والقضاء

خالد المشيقح

Полный текст (170 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *﴾ [النِّسَاء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فهَذَا هو الجزءُ الرابعُ مِنْ مختصراتِ الفِقهِ (المختصرُ في الجِنَايَاتِ والحدُودِ والقَضَاءِ)، وقد بنَيْتُه على ما ثَبَتَ به الدَّليلُ مِنْ كِتابِ الله وسنَّةِ الرسولِ ﷺ وإجماعِ الأُمَّةِ، والقياسِ الصحيحِ، وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بعبارَةٍ سهلةٍ ومعنىً واضح؛ لكي يكون في متناوَلِ الجميعِ، ويسهل تدارسه وتدريسه في الدروس العلمية للعامة والخاصة، أسألُ الله تعالى بمنِّهِ وكرمِهِ أن يبارِكَ وينفَعَ به؛ كما نفع بسابِقِه، إنه وليُّ ذلك والقادِرُ عليه، وصلَّى الله وسلَّم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2

كتابُ الجناياتِ حَقنُ الدِّماءِ، وتَعظيمُ أمرِ الاعتداءِ على الأَنفُسِ والأَعراضِ والأَموالِ مِنْ الضَّرورياتِ الخَمسِ التي اتَّفقَت عليها دعوةُ الأنبياءِ والرُّسلِ، عليهم الصلاةُ والسلامُ. وقَد شرَعَ الإسلامُ لكلِّ واحدةٍ مِنْ هذه الضَّرورياتِ الخَمسِ أحكامًا تَكفُل إيجادَه وإقامتَه، وأحكامًا تَكفُل حِفظَه وصِيانتَه. وتَواترَت النُّصوصُ في تَحريمِ العُدوانِ، ووَعدِ المُطيعِ بالرِّضا والرِّضوان، والعاصِي بالنِّيرانِ؛ فقال تعالى في تَحريمِ القَتلِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعَام: ١٥١] إلى قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، وقال ﷺ في حديثِ أَبي بَكْرَةَ: «إنَّ دِماءَكم وأَمْوالَكم وأَعْراضَكم عَلَيكم حَرامٌ كحُرْمَةِ يَومِكُم هذا، في شَهْرِكُم هذا، في بَلَدِكُم هذا). رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. وقال ﷺ في حديثِ أَبي هُريرةَ ﵁: «اجْتَنِبوا السَّبعَ المُوبِقاتِ. قالوا: وما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حَرَّم اللهُ إلا بالحقِّ … ». الحديثَ، رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. وقال تعالى في عُقوبةِ القاتلِ في الآخرةِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *﴾ [الفُرقان: ٦٨ - ٦٩]. وفي الآيةِ الأُخرَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *﴾ [النِّسَاء: ٩٣].

стр. 3

والجِنايَاتُ: جَمعُ جِنَايةٍ، وهي لُغةً: التَّعدِّي على بَدَنٍ أو مالٍ أو عِرْضٍ. واصطلاحًا: التَّعدِّي على البَدَنِ بما يُوجِب قِصاصًا أو مالاً أو كفَّارةً. قال شيخ الإسلام كما في الاختيارات ص ٤١٦: "العُقوباتُ الشَّرعيَّةُ إنما شُرِعَت رحمةً مِنْ اللهِ تعالى بعِبادِه، فهِيَ صَادرةٌ عن رحمةِ الخَلقِ وإرادةِ الإحسانِ إليهم، ولهذا يَنبغِي لِمَنْ يُعاقِب الناسَ على ذُنوبِهم أنْ يَقصِد بذلك الإحسانَ إليهم، والرحمةَ لهم كَمَا يَقصِد الوالدُ تأديبَ وَلَده، وكما يَقصِد الطَّبيبُ مُعالجَةَ المريضِ". وحِكمةُ القِصاصِ: زَجرُ النُّفوسِ عن العُدوانِ، وشِفاءُ غَيظِ المَجنيِّ عليه، وحِفظُ النُّفوسِ والأَطرافِ، وطُهْرةٌ للقاتِل، وعَدلٌ بين القاتلِ والمقتولِ، وحياةٌ للنوعِ الإنسانيِّ. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩]، أي: ولكُم في هذا الجِنسِ مِنْ الحُكمِ -الذي هو القِصاصُ- حياةٌ عظيمةٌ؛ لِمَنْعِه عَمّا كانوا عليه مِنْ قَتلِ جماعةٍ بواحدٍ متى اقتَدَرُوا، أو نوعٌ مِنْ الحياةِ وهو الحاصلُ للمَقتولِ والقاتلِ بالارتِداعِ عن القَتلِ؛ للعِلمِ بالاقْتِصاصِ. وقالت العَربُ في جاهليَّتها: "القَتلُ أَنْفَى للقَتلِ، وبسَفْكِ الدماءِ تُحقَن الدماءُ"، وقال اللهُ كلمةً أَبلغ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩].

стр. 4

فصلٌ: في الجِنايةِ على النَّفْسِ. القَتلُ المحرَّم: هو الاعتداءُ ظُلمًا وعُدوانًا على نَفسِ مَعصومِ الدَّمِ. وقد دلَّ على حُرمتِه القرآنُ كما في قولِه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعَام: ١٥١]. ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلاّ بإحدَى ثلاثٍ: النَّفسُ بالنَّفسِ، والثَّيِّبُ الزَّاني، والتَّاركُ لدِينِه المفارقُ للجماعةِ» متَّفَق عليه. والإجماعُ منعقدٌ على ذلك. ومَن قَتلَ مسلمًا عمدًا عُدوانًا فَسَق، وأَمرُه إلى الله، إنْ شاءَ عذَّبَه، وإنْ شاء غفَرَ له، وتَوبتُه مَقبولةٌ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *﴾ [الفُرقان: ٦٨ - ٧٠]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]. ولحديثِ عمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «التوبةُ تَجُبُّ ما قَبلَها». رواه مسلم، وقال ابنُ القَيِّمِ في الجوابِ الكَافي ص ١٠٢: "والتَّحقيقُ أنَّ القَتلَ تَتعلَّقُ به ثلاثةُ حُقوقٍ: حقٌّ للهِ، وحقٌّ للمَقتولِ، وحقٌّ للوَليِّ، فإذا

стр. 5

أَسلمَ القاتلُ نَفسَه طَوعًا إلى الوَليِّ، ونَدَمًا وخَوفًا مِنْ اللهِ، وتابَ توبةً نَصوحًا؛ سقَطَ حقُّ اللهِ بالتوبةِ، وحقُّ الأولياءِ بالاستِيفاءِ أو الصُّلحِ أو العَفوِ، وبَقِي حقُّ المقتولِ يُعوِّضُه اللهُ يومَ القيامةِ عن عَبدِه التائبِ، ويُصلِح بَينه وبَينه". مسألة: القَتلُ يَنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: القسمُ الأولُ: العَمْدُ: أنْ يَقصِدَ مَنْ يَعلمُه آدميًّا مَعصومًا، فيَقتُلَه بما يَغلِبُ على الظَّنِّ مَوتُه به. مِثلُ أنْ يَضرِبه بحَجَرٍ كَبيرٍ، أو سِكِّينٍ ونحوِه، أو بالسِّحرِ إذا كان مما يَقتل غالبًا بسؤالِ أهلِ المعرفةِ. وأمّا القَتلُ بالعَينِ: فقال ابنُ القيِّمِ في مَدارجِ السَّالكين (١/ ٤٠٢): "إنْ كانَ ذلك بغَيرِ اختيارِه بل غَلبَ على نَفسِه؛ لم يُقتَصَّ منه وعليه الدِّيَةُ، وإنْ تَعمَّد وقَدَر على رَدِّه وعَلِم أنه يَقتُل به؛ ساغَ للوَليِّ أنْ يَقتُله بمِثلِ ما قَتلَ به، فيَعِينُه إن شاء كما عانَ هو المقتولَ، وأمّا قَتلُه بالسَّيفِ قِصاصًا فَلَا؛ لأنَّ هذا ليس مِمّا يَقتُل غالبًا، ولا هو مُماثلٌ لجنايتِه". مسألة: القَتلُ العَمدُ ما توفَّر فيه شَرْطان: أحدُهما: قَصدُ الجِنايةِ، والثَّاني: أنْ تكونَ الآلةُ ممّا يَقتُل في الغالِبِ. القِسم الثَّاني: شِبْهُ العَمْدِ: أنْ يَقصِدَ جِنايةً لا تَقتُل غالبًا. كمَن ضرَبَه في غيرِ مَقتَلٍ بسَوطٍ أو عصًا صغيرةٍ، أو لَكَزَه، ونحوِه؛ لقولِه ﷺ في حديثِ عبدِ اللهِ بن عمرٍو ﵄: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الخَطَأِ وشِبهِ العَمْدِ ما كان

стр. 6

بالسَّوطِ والعَصَا: مائةٌ مِنْ الإبِلِ، منها أَربَعون في بُطونِها أَولَادهُا» رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ وابنُ القطَّان. قال السَّرخسيُّ في المبسوطِ ٢٦/ ٦٥: "ثبَتَ شِبهُ العَمدِ عن صَحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، منهم: عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ ﵃، ولم يُنكِره أَحدٌ فكان إجماعًا " القِسمُ الثَّالثُ: الخطأُ: أنْ يَفعلَ ما له فِعلُه، مِثلُ: أنْ يَرميَ صَيدًا، فيُصيبَ آدميًّا لم يَقصِدْه، ومنه عَمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ؛ لأنه لا قَصدَ لهما، فهُما كالمكلَّفِ المُخطئِ. مسألة: الفَرقُ بين قَتلِ العَمدِ، وشِبهِ العَمدِ، والخطأِ. أولاً: الفَرقُ بين قَتلِ العَمدِ وشِبهِ العَمدِ: يَتَّفق العَمدُ وشِبهُ العَمدِ في قَصدِ الجِنايةِ، والوقوعِ في الإثمِ، ووُجوبِ التَّوبةِ، ويَفترِقان فيما يَلي: ١ - أنَّ الجِنايةَ في العَمدِ تَقتُل غالبًا، بخلافِ شِبهِ العَمدِ. ٢ - في الآلةِ في العَمدِ تَقتُل غالبًا، بخلافِ شِبهِ العَمدِ. ٣ - الدِّيَةُ في العَمدِ على القاتلِ، وفي شِبهِ العَمدِ على العاقِلَةِ. ٤ - العَمدُ لا تَجِبُ عليه الكفَّارة، وشِبهُ العَمدِ تَجِبُ عليه كفَّارة القَتلِ. ثانيًا: الفَرقُ بين شِبهِ العَمدِ والخطأِ: يَتَّفق شِبهُ العَمدِ والخطأِ في أمورٍ: ١ - عدمِ قَصدِ القَتلِ.

стр. 7

٢ - أنَّ الدِّيَةَ على العاقِلَةِ. ٣ - تَجِبُ الكفَّارةُ في كلٍّ منهما. ويَفترِقان في أمورٍ: ١ - قَصدِ الجِنايةِ في شِبهِ العَمدِ، بخلافِ الخطأِ. ٢ - الوقوعِ في الإثمِ، ووُجوبِ التَّوبةِ، بخلافِ الخطأِ. ٣ - أنَّ الدِّيَةَ في شِبهِ العَمدِ مُغلَّظةٌ، بخلافِ الخطأِ فهي مخفَّفةٌ. ثالثًا: الفَرقُ بين العَمدِ والخطأِ: الفرقُ بين العَمدِ والخطأِ في أمورٍ: ١ - أنَّ العَمدَ فيه قَصدُ الجِنايةِ والإثمِ، والخطأ ليس فيه قَصدُ الجِنايةِ ولا إثمَ فيه. ٢ - أنَّ العَمدَ الدِّيَةُ فيه على الجاني، والخطأ الدَّيَةُ فيه على عاقِلَتِه. ٣ - أنَّ العَمدَ الدِّيَةُ فيه مُغلَّظةٌ، والخطأ مُخفَّفةٌ. ٤ - أنَّ العَمدَ ليس فيه كفَّارةٌ، والخطأ فيه الكفَّارةُ. مسألة: قَتلُ الجماعةِ بالواحدِ: تُقتَل الجماعةُ بالواحدِ في حالتَين: ١ - أنْ يَصلُح فِعلُ كلِّ واحدٍ لِلقتلِ لو انفرد، قال ابنُ قُدَامةَ في المُغْني ٩/ ٣٦٧: "وجُملَته أنَّ الجماعةَ إذا قَتلوا واحدًا فعلى كلِّ واحدٍ منهم القِصاصُ إذا كان كلُّ واحدٍ منهم لو انفرَدَ بِفِعلِه وَجَبَ عليه القِصاصُ".

стр. 8

ورَوَى سعيدُ بنُ المُسيَّبِ: " أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ قَتلَ سَبعةً مِنْ أهلِ صَنعاءَ قَتلوا رجلاً وقال: لو تَمالَأَ عليه أهلُ صَنعاءَ لقَتلتُهم به جميعًا". قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في فَتحِ البَاري ١٢/ ٣٢٧: "وهذا الأثرُ موصولٌ إلى عمرَ بأصحِّ إسنادٍ". ٢ - أو تَواطَؤُوا -اتَّفقوا- على قَتلِه قُتِلوا جَميعًا. وإنْ سقَط القِصاصُ بالعفوِ عن القاتِلين أدَّوا دِيَةً واحدةً؛ لأنَّ القَتلَ واحدٌ فلا يَلزَمُ به أكثرُ مِنْ دِيَةٍ كما لو قَتلُوه خطأً. مسألة: مَنْ أَكرَه مكلَّفًا على قَتلِ مُكافِئِه فَقَتلَه، فالقَوَدُ أو الدِّيَةُ عليهما؛ لأنَّ المُكرِه تَسبَّب إلى قَتلِه، والمُكرَه قَتلَه ظُلمًا. مسألة: إنْ أَمرَ بالقَتلِ غَيرَ مُكلَّفٍ، كصغيرٍ أو مجنونٍ، فالقَوَدُ أو الدِّيَةُ على الآمِرِ؛ لأنَّ المأمورَ آلةٌ له لا يُمكِن إيجابُ القِصاصِ عليه، فوَجَب على المُتسبِّبِ به. وإنْ أَمرَ مُكلَّفٌ بالقَتلِ مُكلَّفًا عالمًا تَحريمَ القَتلِ فالضَّمانُ عليه بالقَوَدِ أو الدِّيَةِ؛ لِمُباشرتِه القَتلَ مع عَدمِ العُذرِ، دونَ الآمِرِ بالقَتلِ فلا ضَمانَ عليه، لكن يُؤدَّب بما يَراه الإمام مِنْ ضَربٍ أو حَبسٍ، ومَن دَفَع إلى غيرِ مكلَّفٍ آلةَ قَتلٍ ولم يأمُرْه به فقَتَل، يُعزَّر الدَّافعُ. مسألة: إنْ اشتَرَك في القتل اثنَان لا يَجِبُ القِصاصُ على أحدِهما، كأبٍ وقاتلٍ، فالقَوَدُ على الشَّريكِ؛ لأنه شارَكَ في القَتلِ العَمدِ العُدوانِ، وإنما امتَنَع القِصاصُ عن الأبِ ونحوِه لمعنًى يَختصُّ به. فإن عَدَل وَليُّ المَجنيِّ عليه إلى طَلبِ المالِ؛ لَزِمَه نِصفُ الدِّيَةِ، كالشَّريكِ في إتلافِ مالٍ.

стр. 9

مسألة: شُروطُ وُجوبِ القِصاصِ أربعةٌ: الشرط الأول: عِصمةُ المقتولِ بأنْ لا يَكونَ مُهدَرَ الدَّمِ، فلو قَتلَ مُسلمٌ كافرًا مُهدَرَ الدَّمِ لِكَونِه محارِبًا لِلمُسلمين، أو زانيًا مُحصَنًا وَجَب إقامةُ الحَدِّ عليه عند القاضِي؛ لم يَضمَنْه بقِصاصٍ ولا دِيَةٍ. الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكون القاتلُ بالغًا عاقلاً؛ لحديث عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ، عن النَّائِمِ حتى يَستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ، وعن الَمجنونِ حتى يُفيقَ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجَه، ولأنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ مغلَّظةٌ، فلا يَجِبُ قِصاصٌ على صغيرٍ ولا مجنونٍ، ولا مَعتُوهٍ، ولا نائمٍ. مسألة: مَنْ غُطِّيَ عقلُه بسُكْرٍ لا يَخلو مِنْ أَمرَين: الأمرُ الأولُ: أنْ يَكونَ سُكرُه بِعُذرٍ، كما لو شَرِبَ مُسكِرًا يَظنُّه عصيرًا، فلا قِصاصَ عليه. الأمرُ الثَّاني: أنْ يَكونَ لغَيرِ عذرٍ، كما لو شَرِبَ مُسكِرًا عالمًا متعمِّدًا. جُمهورُ أَهلِ العِلمِ: وُجوبُ القِصاصِ على مَنْ زالَ عَقلُه بالسُّكرِ؛ لعُموماتِ أَدلَّةِ القِصاصِ، وللأَدلَّة على عَدمِ وقوعِ طَلاقِ السَّكرانِ. ولأنه لو لم يَجِبْ القِصاصُ والحدُّ لأَفْضَى إلى أنَّ مَنْ أَرادَ أنْ يَعصِيَ اللهَ تعالى أن يشُربِ ما يُسكِرُه ثم يَقتل ويَزني ويَسرِق، ولا يَلزَمُه شيءٌ، ويَكونُ عِصيانُه سَببًا للتَّخفيفِ عنه.

стр. 10

وعند الشَّافعيَّةِ، وقولٌ للحنابلةِ، والظاهريَّةِ: أنَّ السَّكرانَ لا يَجِبُ عليه قِصاصٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]. والسَّكرانُ لا يَعلمُ ما يَقول وما يَفعل. ولقِصَّةِ ماعزٍ ﵁ عندما أَقرَّ بالزِّنى، أَمرَ ﷺ مَنْ يَشَمُّه هل شَرِبَ خَمرًا، دلَّ ذلك على عَدمِ مؤاخَذةِ السَّكرانِ. وللأدلَّةِ على عَدمِ وُقوعِ طَلاقِ السَّكرانِ. ولأنه زائلُ العقلِ فلا يَجِبُ عليه قِصاصٌ قياسًا على المجنونِ. ولِعَدمِ وجودِ القَصدِ منه. الشَّرطُ الثالثُ: المُكافَأَة: بأنْ يُساويَه في الدِّينِ، فيُقتلُ المسلمُ بالمسلمِ، ولو اختَلفَا في العِلمِ، والنَّسبِ، والفَقرِ والغِنَى، والصِّحَّةِ والمرضِ، والكِبَرِ والصِّغَرِ، والعَقلِ والجنونِ، والذُّكورةِ والأُنوثةِ، وغيرِ ذلك، ويُقتلُ الكافرُ بالكافرِ، ويُقتلُ الكافرُ مطلقًا بالمسلمِ، بالإجماعِ. واتَّفق أهلُ العلمِ على أنَّ المسلمَ لا يُقادُ بالكافرِ الحربيِّ -مَنْ بَينَنا وبينَه حربٌ-؛ لأنَّ المسلمَ مأمورٌ بقَتلِه، مُثابٌ على ذلك. وعند جُمهورِ أهلِ العلمِ: أنَّ المسلمَ لا يُقتلُ بالذِّمِّيِّ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ ﵁، وفيه قولُه ﵊: «ولا يُقتَلُ مُسلمٌ بِكَافِرٍ». رَواه البخاريُّ. ولاِنتفاءِ المُساواةِ بين المؤمنينَ والكفَّارِ، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ *﴾ [السَّجدَة: ١٨]، ولقولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحَشر: ٢٠]، وغيرِ ذلك مِنْ الآياتِ الدَّالةِ لهذا المعنى.

стр. 11

ولِحَديثِ عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «المؤمِنونَ تَتكَافَأُ دِمَاؤُهُم وهُم يَدٌ على مَنْ سِوَاهُم، ويَسعَى بِذِمَّتِهِم أَدنَاهُم، ألَا لا يُقتَلُ مُؤمنٌ بِكَافرٍ ولا ذُو عَهدٍ في عَهدِه». رَواه أَبو داودَ. ولِحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذُو عَهدٍ في عَهدِه». رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجَه. لكنْ عند المالكيَّةِ واللَّيثِ بنِ سعدٍ: أنه يُقتل المسلمُ بالذِّمِّيِّ إذا قتله غِيلةً -وهو قَتلُ الرَّجُلِ خُفْيةً لأخذِ مالِه-؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المَائدة: ٣٣]، ولأنَّ قَتلَ المسلمِ بالذِّمِّيِّ إذا قَتلَه غِيلةً ليس قِصاصًا وإنما هو حَدٌّ، كقتلِ المُحارِبِ. مسألة: عند الحنفيَّةِ، وبه قال الثَّوريُّ، وقتادةُ: أنَّ الحُرَّ يُقتلُ بالعبدِ، إلاّ إنْ كان سيِّدًا له. واستدلُّوا على قَتلِ الحُرِّ بالعبدِ: بعُموماتِ وُجوبِ القِصاصِ، كقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، و ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المَائدة: ٤٥]، و ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩]. وحديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدِّم: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إلاّ بإحدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّاركُ لِدِينِه المُفارقُ للجَماعةِ». متَّفق عليه. وللحديثِ المتقدِّمِ: «المسلِمونَ تَتكافَأُ دِمَاؤُهُم». واستدلُّوا على أنه لا يُقتلُ السيِّدُ بعَبدِه: بقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، ووَليُّ العبدِ هو مَولاهُ، فإذا كان هو الوَليَّ

стр. 12

لم يَثبتْ له قِصاصٌ على نَفسِه. وبما وَردَ عن عمرَ ﵁ أنه قال: "لو لم أَسمَع رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لا يُقادُ المملوكُ مِنْ مَولاهُ، ولا الوالدُ مِنْ وَلَدِه»؛ لَأَقَدْتُك منه". رَواه النَّسائيُّ. الشَّرطُ الرابعُ: عَدمُ الوِلادَةِ: بأنْ لا يَكونَ المقتولُ ولَدًا للقاتلِ وإن نَزلَ، ولا لِبِنتِه وإن نزَلَتْ، فلا يُقتلُ أَحدُ الأَبوَين أو الأجدادِ أو الجدَّاتِ بالولدِ وإنْ سَفَلَ؛ لقولِه ﵊: «لا يُقتل والدٌ بوَلدِه» أَخرجَه أحمدُ والتِّرمذيُّ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: "هو حديثٌ مشهورٌ عند أهلِ العِلمِ بالحجازِ والعراقِ، مُستَفِيضٌ عندهم"، وللنُّصوصِ التي أَوجَبَت بِرَّ الوالدَين، كقولِه تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [الإسرَاء: ٢٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [الأحقاف: ١٥]. ولِحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: "قلتُ: يا رسولَ اللهِ أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ فقال: «الصَّلاةُ على وَقتِها» قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «بِرُّ الوَالِدَين»، قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ». متَّفقٌ عليه. ولِحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أنتَ ومَالُكَ لأِبِيكَ». رَواه ابنُ ماجَه وغيرُه. ولأنه وَردَ عن عمرَ ﵁: أنه قضَى على الأبِ بالدِّيَةِ المغلَّظةِ بِقَتلِ ابنِه ولم يَقتُلْه به. والمشهورُ عند المالكيَّةِ: أنَّ الوالدَ إذا ظهَر منه قَصدُ العَمدِ في قَتلِ ولدِه بأنْ أَضجَعه على الأرضِ فذَبَحه بالسِّكِّين أو شَقَّ بَطنَه؛ قُتِل به؛ لأنَّ هذا العملَ لا يَحتَمِل قَصدَ التَّأديبِ، وإنْ قَتَله حَذفًا بالسَّيفِ ونحوِه لم يُقتَلْ به؛ لاحتمالِه قَصدَ التَّأديبِ.

стр. 13

ويُقتل الولدُ بكُلٍّ مِنْ الأبوَين وإنْ عَلَوَا؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، وخُصَّ منه ما تَقدَّم بالنَّصِّ. مسألة: متَى وَرِثَ قاتلٌ أو ولدُه بعضَ دَمِ المقتول فلا قَوَدَ، فلَو قَتلَ أخَا زوجتِه فوَرِثَتْه، ثم ماتَت فوَرِثَها القاتلُ أو ولدُه فلا قِصاصَ؛ لأنَّ القصاص لا يَتبعَّضُ.

стр. 14

فصلٌ: في استِيفاءِ القِصاصِ. وهو فِعلُ مَجنيٍّ عليه، أو فِعلُ وَليِّه بِجَانٍ مِثلَ فِعلِه أو شِبهَه. يُشتَرط له ثلاثةُ شُروطٍ: أحدُها: كَونُ مُستحِقِّه بالغًا عاقلاً فإنْ كان مُستحِقُّ القِصاصِ صَبيًّا أو مَجنونًا لم يُستَوفَ حتى يَبلُغَ الصَّغيرُ ويَعقِلَ المجنونُ؛ لأنَّ معاويةَ بنَ أَبي سُفيانَ حَبَس هُدْبَةَ بنَ خَشْرَمٍ حتى بَلَغ ابنُ القتيلِ، وذلك في عَصرِ الصَّحابةِ فلَم يُنكَرْ. فإنْ كان بعضُ المستحِقِّين بالغًا عاقلاً، وبعضُهم صَغيرًا أو مَجنونًا، استُوفِيَ القِصاصُ بطَلَبِ البالغِ العاقلِ؛ للعُموماتِ الواردةِ في القَوَدِ، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المَائدة: ٤٥]، وقولُه تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤]، وقولُه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشّورى: ٤٠]. ولأنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ ﵁ قتَلَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ مُلجِمٍ قاتلَ أبيه ولم يَنتظرْ الصِّغارَ. الشَّرطُ الثَّاني: اتِّفاقُ مستحِقِّي الدَّمِ على القِصاصِ، فإنْ عَفَا بعضُ الوَرَثةِ سقَطَ القِصاصُ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، فقوله تعالى: ﴿شَيْءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٣١] نَكِرةٌ في سِياقِ الشَّرطِ فتَعُمُّ، فتَشمَلُ الآيةُ كلَّ وَليٍّ، سواءٌ كان رَجُلاً أو امرأةً. ولأنَّ القِصاصَ لا يَتجزَّأُ، فإذا عَفَا بعضُ الوَرَثةِ سقَطَ حقُّه، ولا يُمكن استيفاءُ نَصيبِ مَنْ لم يَعفُ دُونَ العَافِي.

стр. 15

وليس لِبعضِهم أنْ يَنفردَ به، فيَنتظِرُ الغائبَ؛ لأنه يَكون مُستوفيًا لحقِّ غيرِه بغيرِ إذنِه، ومَن ماتَ قامَ وارِثُه مَقامَه. الشرط الثالثُ: أنْ يُؤمَن في الاستِيفاءِ أنْ يَتعدَّى الجانيَ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسرَاء: ٣٣]. فإذا وجَبَ على حامِلٍ لم تُقتَلْ حتى تضَعَ الولدَ وتَسقِيَه اللَّبَأَ، ثم إنْ وُجِدَ مَنْ يُرضِعُه، وإلاّ تُرِكَت حتى تَفطِمَه. ولا يُقتَصُّ مِنْ الحامِلِ في طَرفٍ كاليَدِ والرِّجلِ حتى تَضعَ، والحدُّ بالرَّجمِ إذا زَنَت المُحصَنةُ الحاملُ في ذلك كالقِصاصِ، فلا تُرجَمُ حتى تَضعَ وتَسقِيَه اللَّبَأَ، ويوجدَ مَنْ يُرضِعُه، وإلاّ فحتَّى تَفطِمَه. لقولِ النبيِّ ﷺ للغامديَّةِ: «اِرْجِعِي حتَّى تَضعِي ما في بَطنِكِ»، ثمَّ قال لَها: «اِرْجِعِي حتَّى تُرضِعِيه». رَواه مسلمٌ. مسألة: يُقتَصُّ مِنْ القاتلِ على الوجهِ الذي قَتلَ به القَتيلَ، فإنْ قَتَله بالإغراقِ قُتِلَ بالإغراقِ، وإنْ أَلْقاه مِنْ شاهقٍ أُلقِيَ مِنْ شاهقٍ، وإنْ مَنعَه مِنْ الطعامِ مُنِعَ مِنْ الطعامِ، ونحوُ ذلك. لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النّحل: ١٢٦] فدَلَّت الآيةُ على وُجوبِ المُمَاثَلةِ في القِصاصِ، ولقولِه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤]. ولِحديثِ أنسٍ ﵁ في الجاريةِ التي رُضَّ رأسَها بين حَجرَين، فسُئِلَت مَنْ فعَلَ بكِ هذا؟ حتى ذَكرُوا اسمَ يهوديٍّ فأَوْمَأَت برأسِها أنْ نعم، فأمرَ به النبيُّ ﷺ فرُضَّ رأسُه بين حَجرَين. متَّفق عليه.

стр. 16

مسألة: إذا حَصلَ القَتلُ بفِعلٍ محرَّمٍ: يُقتَل الجانِي بفِعلٍ مباحٍ يُشبِه ما فَعلَه بالمَجنِيِّ عليه إذا أَمكَن، كما لو قَتلَه بَسَقْيِ الخَمرِ قُتِلَ بِسَقْيِه شرابًا مباحًا حتى يَموتَ، ونحوِ ذلك؛ لأَجْلِ المُمَاثلةِ. ولا يَجوز تَبنِيجُ الجانِي قَبلَ القِصاصِ بحيثُ لا يَشعُر بأَلمٍ؛ لأنه قد آلَمَ القَتيلَ، فيَنبغي أنْ يَذوقَ ما أَذاقَه المجنيُّ عليه. مسألة: العَفوُ عن القِصاصِ. العَفوُ: التَّجاوُز عن الذَّنبِ وتَركُ العِقابِ عليه، وأصلُه المَحْوُ والطَّمسُ. وكان القِصاصُ حَتمًا على اليهودِ ومُحرَّمٌ عليهم العفوُ والدِّيَةُ، وكانت الدِّيَةُ حَتمًا على النَّصارى وحرامٌ عليهم القِصاصُ، فخُيَّرَت هذه الأُمَّةُ تَخفيفًا ورَحمةً. والأصلُ في العفوُ: الكتابُ، والسُّنةُ، والإجماعُ. قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]. ومِن السُّنةِ ما يأتي مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ﵁، وأَجمَع المُسلِمونَ على مَشروعيَّتِه. وعفوُه مجَّانًا أفضلُ إنْ كان في العفوِ إصلاحٌ. لقولِه تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، ولِحديثِ أَبي هريرةَ مَرفوعًا: «ما عَفَا رَجُلٌ عن مَظْلَمَةٍ إلاّ زَادَه اللهُ بها عِزًّا». رَواه مسلمٌ.

стр. 17

قال شيخُ الإسلامِ: "استِيفاءُ الإنسانِ حَقَّه مِنْ الدَّمِ عَدلٌ، والعفوُ إحسانٌ، والإحسانُ هُنا أَفضلُ، لكنَّ هذا الإحسانَ لا يَكونُ إحسانًا إلاّ بَعدَ العَدلِ، وهو ألَا يَحصُلَ بالعفوِ ضَرَرٌ، فإذا حصَلَ به ضَرَرٌ كان ظُلْمًا مِنْ العافِي إمّا لِنَفسِه وإمّا لِغَيرِه، فلا يُشرَع". مسألة: يَجِبُ بالقَتلِ العَمدِ: القَوَدُ، أو الدِّيَةُ، فيُخيَّر الولِيُّ بينهما؛ لِحديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ قُتِل له قَتيلٌ، فهو بِخَيرِ النَّظرَين، إمّا أنْ يُودَى وإمّا أنْ يُقادَ». رَواه البخاريُّ ومسلم. مسألة: حَقُّ العَفوِ لِجَميعِ الوَرَثةِ رِجالاً كانوا أو نِساءً، وَرِثُوا بالفَرضِ أو بالتَّعصيبِ. وحُجَّتُهم: حديثُ أَبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ قُتِل له قَتيلٌ، فهو بِخَيرِ النَّظرَين، إمّا أنْ يُودَى وإمّا أنْ يُقَادَ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. مسألة: في القَتلِ غِيلَةِ. اختلَفَ أهلُ العِلمِ في ضابطِ القَتلِ غِيلةً. قال القَارِي: "الغِيلَةُ أنْ يُخدَع ويُقتَلَ في مَوضعٍ لا يَراه فيه أَحدٌ". وقِيلَ: هو قَتلُ الرَّجُلِ خُفْيةً لِأَخْذِ مالِه. وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ: "أمّا إذا كان يَقتُل النُّفوسَ سِرًّا لأِخذِ المالِ، مِثلَ الذي يَجلس في خانٍ يَكْرِيه لأِبناءِ السَّبيلِ فإذا انْفرَد بِقَومٍ منهُم قَتَلهم، وأَخَذ أموالَهم، أو يَدْعو إلى مَنزلِه مَنْ يَستأجرُه لِخياطةٍ أو طِبٍّ، أو نحوِ ذلك، فيقتُلُه ويأخُذ مالَه، فهذا يُسمَّى القَتلَ غِيلةً". وليس لِوُلاةِ الَمقتولِ أنْ يَعفُوا، بل ذلك إلى السُّلطانِ يَقتُل فيه القاتلَ.

стр. 18

لِقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المَائدة: ٣٣]. قالوا: وقَتلُ الغِيلةِ مِنْ الحِرابَةِ. ولِحَديثِ أنسٍ ﵁ قال: "لمّا قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُرَيْنةَ وعُكْلٍ على النبيِّ ﷺ اجْتَوَوا المدينةَ، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ . فقال: «لَو خَرَجتُم إلى إِبِلِ الصَّدَقةِ فَشَرِبتُم مِنْ أَبوَالِها وأَلبَانِها»، ففَعَلُوا، فلمّا صَحُّوا عَمَدُوا إلى الرُّعاةِ فقَتَلُوهم، واسْتَاقُوا الإِبِلَ، وحارَبُوا اللَه ورسولَه، فبَعثَ رسولُ اللهِ في آثارِهم فأُخِذُوا فقَطَع أَيدِيَهم وأَرجُلَهم، وسَمَلَ أَعيُنَهم، وأَلْقاهُم في الشَّمسِ حتى ماتُوا). رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. قال ابنُ القَيِّمِ: "وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ قَتلَ الغِيلةِ، يُوجبُ قَتلَ القاتلِ حَدًّا، فلا يُسقِطُه العفوُ". ولِحَديثِ أنسٍ ﵁: (أنَّ يَهوديًّا رَضَّ رأسَ جارِيَةٍ بينَ حَجرَين، على أَوْضَاحٍ لها، أو حُلِيٍّ، فأُخِذ، واعْتَرفَ، فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُرَضَّ رأسُه بينَ حَجرَين» -تقدَّم قريبًا-. وظاهرُ الحديثِ: أنَّ قَتلَ الغِيلةِ لا يُشترَط فيه إِذنُ الولِيِّ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يَدفَعْه إلى أَولِيائِها، ولم يَقُلْ إنْ شِئتُم فاقتُلوه، وإنْ شِئتُم فاعفُوا، بل قَتلَه حَتمًا. مسألة: يَجوزُ الصُّلحُ عن القِصاصِ إلى مالٍ، سَواءٌ كان هذا المالُ قَليلاً أو كَثيرًا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، قال ابنُ عباسٍ ﵄: نَزلَت الآيةُ في الصُّلحِ عن دمِ القَتلِ العَمْدِ.

стр. 19

ولِحديثِ عبدِ اللِه بنِ عمرٍو ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتلَ مُتعمِّدًا دَفعَ إلى أَولياءِ المَقتولِ فإنْ شَاؤُا قَتلُوا، وإنْ شَاؤُا أَخذُوا الدِّيَةَ، وهي ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأَربَعُونَ خَلِفَةً، وذلك عَقْلُ العَمدِ، وما صالَحُوا عليه فهُو لَهُم، وذلك تَشديدُ العَقْلِ». رَواه ابنُ ماجَه والتِّرمذيُّ، وفي نَصبِ الرَّايةِ ٤/ ٤١٠: صَحيحٌ. ولِما رُويَ مِنْ حَبسِ معاويةَ لِهُدبةَ بنِ خَشْرَمٍ في قِصاصٍ حتى بلَغَ ابنُ القَتيلِ، وقد بذَلَ الحَسنُ والحُسينُ وسَعيدُ بنُ العاصِ لاِبنِ القَتيلِ سَبعَ دِياتٍ ليَعفُوَ عنه، فأَبَى ذلك، وقتَلَه. قال ابنُ قُدامةَ: "لا أَعلمُ فيه خِلافًا". مسألة: صُوَرُ العَفوِ: الأُولى: أنْ يَعفوَ عن القِصاصِ فقط، فَلَه أَخذُ الدِّيَةِ، والصُّلحُ على أكثرَ منها. الثانيةُ: أنْ يَعفوَ عن الدِّيَةِ فقط، فَلَه القِصاصُ، ولَه أَخذُ الدِّيَةِ، والصُّلحُ على أكثرَ منها. الثالثةُ: أنْ يَعفوَ عن القِصاصِ والدِّيَةِ جميعًا فيَسقُطان. فرع: إذا عفَا ثُمَّ قتَلَ: إذا كان مَنْ له القِصاصُ شَخصًا واحدًا فعَفَا عن الجانِي، ثُم قتَلَ الجانِيَ الذي عفَا عنه، فأمرُه إلى أَولياءِ المقتولِ، إنْ أَحبُّوا قَتلُوا وإنْ أَحبُّوا عَفَوا. لقولِه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المَائدة: ٩٤].

стр. 20

فصلٌ: الجِنايةُ على الأَطرافِ والمَنَافِعِ، والكُسُورُ، والجُروحُ. الأطرافُ: جَمعُ طَرَفٍ، وهي أَعضاءُ الإنسانِ. والمَنَافعُ: جَمعُ مَنفَعةٍ، وهي مَنَافعُ الإنسانِ كالسَّمعِ والبصرِ والشَّمِّ، وغيرِ ذلك. والكُسورُ: جَمعُ كَسْرٍ، وهي كَسرُ العِظامِ، والجُروحُ: جَمعُ جُرْحٍ، وهو شَقُّ الجِلدِ واللَّحمِ. والأصلُ في القِصاصِ فيها قولُ اللهِ : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المَائدة: ٤٥]، فتُؤخَذ العَينُ بالعينِ، والأنفُ بالأنفِ، والأُذُنُ بالأذنِ، والسِّنُّ بالسِّنِّ، والجَفْنُ بالجَفْنِ وهكذا. ضابطٌ: مَنْ اقتُصَّ منه في النَّفسِ يُقتَصُّ منه في الأَطرافِ والكُسُورِ والمنافعِ والجروحِ، ومَن لا فلا، فيُقتَصُّ مِنْ المسلمِ للمسلمِ إذا جَنَى على طَرفٍ مِنْ أطرافِه، كما لو قطَعَ إحدَى يَدَيه أو إحدَى أصابعِه، أو جرَحَه، أو كسَرَه، ولا يُقتَصُّ مِنْ مسلمٍ لكافرٍ؛ لأنه لا يُقتَل المسلمُ بالكافرِ. مسألة: شَرطُ القِصاصِ في الأَطرافِ والجُروحِ والمنافعِ. الشَّرطُ الأولُ: المُمَاثلةُ في الاسمِ والموضعِ، فلا تُؤخذُ يمينٌ بيسارٍ، ولا يسارٌ بيمينٍ، ولا خِنصَرٌ ببِنصَرٍ، وعَكسِه؛ لِعدَمِ المُساواةِ. الشَّرطُ الثَّاني: اسْتواؤُهُما في الصِّحَّةِ والكَمَالِ، فلا تُؤخذُ صحيحةٌ بشَلَّاءَ، ولا كاملةٌ الأصابعِ بناقصةِ الأصابعِ، ويُؤخذُ عكسُه، فتُؤخذُ الشَلَّاءُ

стр. 21

بالصحيحةِ، وناقصةُ الأصابعِ بكامِلَتِها. الشرط الثالث: الأمن من الحيض. ضابطٌ: متى أَمكَن القِصاصُ في الكُسورِ، والجُروحِ، والمنافعِ؛ وَجَب. ضابطٌ: سِرايةُ القَوَدِ مُهدَرَةٌ، وسِرايةُ الجِنايةِ مَضمونةٌ. معنَى ذلك: أنه لو اقتُصَّ منه في اليدِ لِكَونِه قطَعَ يدًا فسَرَى إلى النَّفسِ؛ فلا ضمانَ، ولو جنَى على يَدِ شَخصٍ فسَرَت الجِنايةُ إلى النَّفسِ؛ ضَمِنَ. مسألة: لا يُقتَصُّ مِنْ عضوٍ أو جُرحٍ ولا تُطلب له دِيَةٌ قَبلَ بُرْئِه؛ لِما روَى جابرٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُستقادَ مِنْ الجارحِ حتَّى يَبْرَأَ المَجرُوحُ. رَواه أحمدُ، ولأنه يَحتمِل زيادةَ الجِنايةِ وسِرَايتَها. مسألة: ما يُرجَى عَودُه مِنْ سِنٍّ أو مَنفعةٍ لا قِصاصَ على مَنْ جنَى عليها ولا دِيَةَ، بل يُعزَّر لكن إذا أُيِسَ مِنْ عَودِها بقولِ أهلِ الخِبرةِ؛ فإنها تُضمَن بقِصاصٍ أو دِيَةٍ. فرع: لا يجوز شرعًا إعادة ما قطع في قصاص إلا برضى المجني عليه؛ لأن الحق له. فرع: ليس للمجني عليه إلا ما توجبه الجناية عليه من عمد وخطأ؛ أما التعويض عن انقطاعه عن عمله؛ فليس له فيه شيء؛ إذ لم يرد في الشرع.

стр. 22

فصلٌ: في الدِّيَاتِ. الديات: جَمعُ دِيَةٍ، وهي: المالُ المؤدَّى إلى مَجنِيٍّ عليه أو وَلِيِّه، بسبَبِ جِنايةٍ. والأصلُ في مَشروعيَّةِ الدِّيَةِ، الكتابُ والسُّنةُ، والإجماعُ. أمّا الكتابُ: فقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. وأما السُّنةُ: فحديثُ أَبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزمٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ كَتبَ لعمرِو بنِ حَزمٍ كتابًا إلى أهلِ اليَمنِ فيه الفَرائضُ، والسُّنَنُ، والدِّيَاتُ، وقال فيه: «وإنَّ في النَّفسِ المؤمِنَةِ مِائةً مِنْ الإِبِلِ». ويَأتي. وحديثُ أَبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ له قَتيلٌ فأَهلُه بين خَيرَين، إنْ أَحبُّوا قَتلُوا، وإنْ أَحبُّوا أَخذُوا العَقْلَ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. وأمّا الإجماعُ فقد أَجمعَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيَّةِ الدِّيَةِ في الجُملةِ. والحِكمةُ مِنْ شرعيَّةِ الدِّيَةِ: تَشفِّي الأَولياءِ، فبِها يَحصُل دَرْكُ غَيظِهم الذي يَكون في أَخذِه جَبرٌ للمُصيبةِ وتَهدئةٌ للثَّائرةِ. وأيضًا التَّخفيفُ عن الأُمَّةِ في التَّشريعِ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، قال أبو جعفرٍ الطبريُّ في قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨] يَعني تعالى بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ١٩٦] هذا الذي حَكمتُ به وسَنَنْتُه لكُم مِنْ إِبَاحَتي لكُم -أيَّتُها الأُمَّةُ- العفوُ عن القِصاصِ عن قاتلِ قَتيلِكم، على دِيَةٍ تَأخُذُونَها فتَملِكونَها مِلكَكُم سائِرَ أَموالِكُم التي مَنَعتُها

стр. 23

مَنْ قَبلَكُم مِنْ الأُمَمِ السَّالِفة. ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨] يَقولُ: تَخفيفٌ مِنِّي لكُم مِمَّا كُنْتُ ثَقَّلتُه على غَيرِكم، بِتَحريمِ ذلك عليهِم. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٧] مِنِّي لكُم. فعَن ابنِ عباسٍ: "كان مَنْ قَبلَكم يَقتُلون القاتلَ بالقَتيلِ، لا تُقبَل منهم الدِّيَةُ فأنزلَ اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨] إلى آخِرِ الآيةِ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨] يَقولُ خفَّفَ عنكُم، وكان على مَنْ قَبلَكُم أنَّ الدِّيَةَ لم تَكُنْ تُقبَلُ، والذي يَقْبَلُ الدِّيَةُ، ذلك منه عَفوٌ". مسألة: كُلُّ مَنْ أَتلفَ إنسانًا بمُباشرةٍ أو سَببٍ -كأنْ حفَرَ بِئرًا مُحرَّمًا حَفرُه في طريقٍ ضيِّقٍ، أو وَضَعَ حَجَرًا، أو قِشرَ بِطِّيخٍ، أو ماءً بفِنائِه أو طريقٍ، ونحو ذلك-؛ لَزِمَتْه دِيَتُه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. مسألة: إذا اجتَمعَ مُباشرٌ ومُتسبِّبٌ، فلا يَخلُو من ثلاثة أقسام: الأولُ: إذا اجتمعَ المُباشِرُ والمتسبِّبُ، ولم تَكُنْ المباشَرةُ مبنِيَّةً على السَّببِ فالضَّمانُ على المباشِرِ، مِثلُ: إذا حفَرَ بِئرًا عُدوانًا، فدفعَ آخَرُ فيها آدميًّا مَعصومًا أو مالاً لِمعصومٍ فتَلِفَ، فالضَّمانُ على المباشِرِ وَحْدَه. الثَّاني: إذا اجتمعَت المباشَرَةُ والسَّببُ، وكانت المباشرةُ مبنِيَّةً على السَّببِ، ولم يَكُنْ مِنْ المباشرةِ عُدوانٌ؛ تعلَّقَت المسؤوليَّةُ بالسَّببِ، دونَ المباشرةِ، مِثلُ: إذا قَدَّم طعامًا مَسمومًا عالمًا به إلى مَنْ لا يَعلَم أنه مَسمومٌ فأَكلَه فمات، فالمسؤوليَّةُ على المتسبِّبِ وهو المُقدِّم للطَّعامِ، لأنَّ القَتلَ مَبنيٌّ على السَّببِ وهو تَقديمُ الطَّعامِ المسمومِ، وليس مِنْ المباشِرِ وهو الآكِلُ عُدوان.

стр. 24

الثالثُ: إذا اجتَمعَت المباشَرةُ والسَّببُ وكانَت المباشَرةُ مبنِيَّةً على السَّببِ، وكان مِنْ المباشَرةِ عُدوانٌ، كانَت المسؤوليَّةُ مشترَكةً بينها وبين السَّببِ، مِثلُ: إذا أَكرَه شَخصٌ آخَرَ على قَتلِ معصومٍ، فإنَّهما يَشتركان في المسؤوليَّةِ. مسألة: إنْ كانَت الجِنايةُ عَمدًا مَحضًا فالدِّيَةُ في مالِ الجانِي؛ لأنَّ الأصلَ يَقتضِي أنَّ بَدلَ المُتلَف يَجِبُ على مُتلِفِه، وتَكون حالَّةً غيرَ مؤجَّلةٍ كما هو الأصلُ في بَدلِ المُتلَفاتِ. قال النبيُّ ﷺ : «لا يَجنِي جَانٍ إلاّ على نَفسِه»، وقال لِبَعضِ أَصحابِه حينَ رأَى معه وَلدَه: «ابنُكَ هذا؟» قال: نعم. قال: «أَمَا إنَّه لا يَجْنِي عليكَ ولا تَجْنِي عَلَيه». قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعَام: ١٦٤]. ودِيَةُ شِبهِ العَمدِ والخطأِ: على عاقِلَتِه، أي: عاقِلَةِ الجانِي؛ لِحديثِ أَبي هريرةَ ﵁: "اقتَتَلَت امرَأَتان مِنْ هُذَيلٍ، فرَمَت إحدَاهُما الأُخرَى بِحَجَرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى رسولُ اللهِ ﷺ بِدِيَةِ المرأَةِ على عاقِلَتِها". رَواه البخاريُّ، ومسلمٌ. قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ٩/ ٤٨٨: "ولا نَعلمُ بين أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّ دِيَةَ الخطأِ على العاقِلَةِ. قال ابنُ المُنذِر: "أَجمعَ على هذا كُلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ".

стр. 25

فصلٌ: في مَقاديرِ دِياتِ النَّفسِ. المَقاديرُ: جَمعُ مِقدَارٍ، وهو مَبلَغُ الشَّيء وقَدْرُه. أولاً: دِيَةُ الحُرِّ المسلمِ: مائةُ بَعيرٍ، قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ٩/ ٤٨١: "أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِبِلَ أَصلٌ في الدِّيَةِ، وأنَّ دِيَةَ الحُرِّ المسلمِ مائةٌ مِنْ الإِبِلِ، وقد دلَّت عليه الأحاديثُ الواردةُ منها: حديثُ عمرِو بنِ حَزمٍ، وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو في دِيَةِ خطأِ العَمدِ، وحديثُ ابنِ مسعودٍ في دِيَةِ الخطأِ". وحديثُ سَهلِ بنِ أَبي حَثْمةَ ﵁ في قصَّةِ قَتيلِ خَيبرَ عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ، وأنَّ النبيَّ ﷺ وَدَاه بمائةٍ مِنْ الإبِلِ. رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. ووَرَد عن عمرَ ﵁. ولأنَّ الجنايةَ على ما دونَ النَّفسِ مِنْ الأطرافِ والجُروحِ وغيرِها قُدِّرَت بالإبِلِ. ولأنَّ النبيَّ ﷺ فرَّقَ بين دِيَةِ العَمدِ والخطأِ، فغلَّظَ بعضَها وخفَّفَ بعضَها، ولا يَتحقَّقُ هذا في غيِر الإبِلِ. مسألة: باتِّفاقِ الأئِمَّةِ: أنَّ دِيَةَ شِبهِ العَمدِ مُغلَّظةٌ كالعَمدِ؛ لِحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: «قَتيلُ الخطأِ شِبهِ العَمدِ، قَتيلُ السَّوطِ والعَصَا مائةٌ مِنْ الإبِلِ، أَربعُونَ خَلِفَةً في بُطونِها أَولادُها». ففِي قَتلِ العَمدِ وشِبهِه: خمسٌ وعِشرونَ بنتَ مَخَاضٍ، وخمسٌ وعِشرون بنتَ لَبُونٍ، وخمسٌ وعِشرون حِقَّةً، وخمسٌ وعِشرون جَذَعةً.

стр. 26

وعند الشافعيَّةِ، ورِوايةٌ عن أحمدَ: أنَّها ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعةً، وأربعونَ خَلِفَةً؛ لِما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو مرفوعًا قال: «مَنْ قَتلَ متعمِّدًا رُفِعَ إلى أَولياءِ المقتولِ، فإنْ شاؤُوا قَتَلُوا، وإنْ شاؤُوا أَخذُوا الدِّيَةَ، وهي: ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعةً، وثلاثونَ خَلِفَةً». رَواه أبو داودَ. وفي الخطأِ مخففَّةً تَجِبُ أَخماسًا: عِشرونَ بنتَ مخاضٍ، وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ، وعِشرونَ حِقَّةً، وعشرونَ جَذَعةً، وعِشرونَ مِنْ بَنِي مَخاضٍ؛ لِوُرودِه عن ابنِ مسعودٍ. أَخرجَه عبدُ الرَّزَّاق وابنُ أبي شَيبة. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ: أنها أرباعٌ: ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثون بنتَ لَبونٍ، وعشرون بنتَ مخاضٍ، وعشرون ابنَ لَبونٍ ذكَرٍ. رَواه أبو داودَ، وإسنادُه صحيحٌ. ويُشترَط في الإبِلِ السلامةُ مِنْ العيوبِ؛ لأنَّ الإطلاقَ يَقتضي السَّلامةَ. ثانيًا: دِيَةُ المرأةِ المسلمةِ على النِّصفِ مِنْ دِيَةِ الرجُلِ المسلمِ؛ لِما في حديثِ معاذٍ ﵁: «دِيَةُ المرأةِ على النِّصفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ». أخرجَه البيهقيُّ. قال الحافظُ ابنُ حَجرٍ في التَّلخيصِ الحَبِير ٢٤/ ٤: "إسنادُه لا يَثبُت مِثلُه". قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ٩/ ٥٢٨: "فأمّا دِياتُ نِسائِهم فعَلَى النِّصفِ مِنْ دِياتِهم، لا نَعلَم في هذا خلافًا. قال ابنُ المنذِرِ: "أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنِّ دِيَةَ المرأةِ نِصفُ دِيَةِ الرَّجُلِ". ثالثًا: دِيَةُ الكافرِ نِصفُ دِيَةِ المسلمِ، ونِساؤُهم على النِّصفِ مِنْ دِيَةِ ذُكورِهم كالمسلمين؛ لِحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ : "قَضَى بأنَّ عَقلَ أَهلِ الكتابِ نِصفُ عَقلِ المسلمين". رَواه أحمدُ وأبو داودَ، الترمذيُّ، النسائيُّ، ابنُ ماجَه، وكذَا جِراحُه على النِّصفِ مِنْ جِراحاتِ المُسلِمين.

стр. 27

رابعًا: نساءُ الكفَّارِ على النِّصفِ مِنْ دِيَةِ ذُكرانِهم، كدِيَةِ نساءِ المُسلِمين؛ قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ٩/ ٥٢٨: "فأمّا دِياتُ نِسائِهم فعَلَى النِّصفِ مِنْ دِياتِهم، لا نَعلم في هذا خلافًا. قال ابنُ المنذِرِ: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ دِيَةَ المرأةِ نِصفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، ولأنه لمَّا كان دِيَةُ نِساءِ المُسلِمين على النِّصفِ مِنْ دِياتِهم، كذلك نِساءُ أَهلِ الكتابِ على النِّصفِ مِنْ دِياتِهم". مسألة: يَستوي الذَّكرُ والأُنثى إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ، فإن جاوزَ الثُّلثَ فعَلَى النِّصفِ، ففِي المُغنِي ٩/ ٥٣٢: "وتُساوي جراحُ المرأةِ جراحَ الرجلِ إلى ثُلثِ الدِّيَةِ، فإن جاوزَ الثُّلث فعلَى النِّصفِ، رُويَ هذا عن عمرَ وابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ، وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ وعمرُو بنُ دينارٍ وعروةُ بنُ الزبيرِ والزُّهريُّ وقتادةُ والأعرجُ وربيعةُ ومالكٌ، وقال ابنُ عبدُ البَرِّ: وهو قولُ فقهاءِ المدينةِ السبعةِ وجُمهورِ أَهلِ المدينةِ، وحُكيَ عن الشافعيِّ في القديمِ؛ لِحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه مرفوعًا: «عَقلُ المرأةِ مِثلُ عَقلِ الرَّجُلِ حتَّى تَبلُغَ الثُّلثَ مِنْ دِيَتِه». أخرجَه النَّسائيُّ والدارقطنيُّ. خامسًا: دِيَةُ القِنِّ قِيمتُه، قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ١٢/ ٥٨: "أَجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّ في العبدِ الذي لا تَبلغ قيمتُه دِيَةَ الحُرِّ: قيمتُه، وإنْ بلغَت قيمتُه دِيَةَ الحُرِّ أو زادَت عليها فذهَبَ أحمدُ رحمه الله تعالى إلى أنَّ فيه قيمتَه بالغةً ما بلغَت، وعند أَبي حَنيفةَ: لا يَبلغ دية الحُرِّ". وفي جِراحِ القِنِّ إنْ قُدِّر مِنْ حُرٍّ بقِسطِه مِنْ قيمتِه، ففِي يَدِه نِصفُ قيمتِه؛ لأنَّ في دِيَةِ يَدِ الحُرِّ نِصفُ دِيَةِ نَفسِه، وفي أنفِه قيمتُه كاملةً، وإنْ لم يُقدَّرْ مِنْ حُرٍّ ضُمِن بما نَقَصه بجِنايتِه بَعدَ البُرءِ أي: الْتِئامِ جُرحِه، كالجِنايةِ على غيرِه مِنْ الحيواناتِ.

стр. 28

سادسًا: يَجِبُ في الجَنينِ الحُرِّ ذكَرًا كان أو أُنثَى إذا سقَطَ ميِّتًا بجنايةٍ على أُمِّه عَمدًا أو خطأً غُرَّةٌ بالإجماع، أي: عَبدٌ أو أَمَةٌ، ما وقَع عليه اسمُ عبدٍ؛ لحديث أَبي هريرةَ، وفيه: "فرَمَت إحداهُما الأخرَى بحَجرٍ فأصابَت بطنَها، فقتَلَتها، فأَسقطَت جَنينًا، فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ بعَقلِها على عاقِلَةِ القاتلةِ، وفي جَنينِها غُرَّة، عبدٌ أو أَمةٌ". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. وإنْ سقَط حيًّا لوقتٍ يَعيش لِمِثلِه، وهو نِصفُ سنةٍ فأكثرَ.، ففيه دِيَةُ النَّفسِ. قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ٩/ ٥٥١: "هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المنذرِ: أَجمعَ كلُّ مَنْ نحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ في الجنينِ يَسقُط حيًّا مِنْ الضَّربِ دِيَةٌ كاملةٌ".

стр. 29

فصلٌ: دياتُ الأعضاءِ ومَنافعِها. ضابطٌ: مَنْ أَتلفَ ما في الإنسانِ منه شيءٌ واحدٌ، كالأنفِ واللِّسان والذَّكَرِ، ففِيه دِيَةُ النَّفسِ؛ لحديث عمرِو بنِ حَزمٍ مرفوعًا: «وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيَةُ». أخرجَه النَّسائيُّ. مسألة: لسانُ الأَخرسِ. ذهبَ الجُمهورُ: إلى أنَّ فيه حُكومةٌ؛ لأنه لا تقديرَ فيه، والمقصودُ فيه المنفعةُ، وقد ذهبَ مُعظمُهما. وذهبَ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه: إلى أنَّ فيه ثُلثَ الدِّيَةِ؛ لِما روَى عمرُو بنُ شعيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه قال: "قضَى النبيُّ ﷺ في العينِ القائمةِ السادَّةِ لِمكانِها بثُلثِ الدِّيَةِ، وفي اليدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطعَت بثُلثِ دِيَتِها، وفي السِّنِّ السوداءِ إذا قُلعَت بثُلثِ دِيَتِها". رَواه النَّسائيُّ، وأبو داودَ. مسألة: قَطعُ بعضِ اللِّسانِ. إذا لم يَذهبْ مِنْ الكلامِ شيءٌ ففِيه بقَدْرِ ما ذهبَ منه؛ لأنَّ ما وَجبَت الدِّيَةُ فيه كاملةً وجَبَ منها بقَدْرِ الذَّاهبِ، فإذا قُطعَ رُبعُ اللِّسانِ ففِيه رُبعُ الدِّيَةِ، وهكذا. وإذا ذهبَ مع القَطعِ بعضُ الكلامِ: ففِيه الأكثرُ مِمَّا قُطعَ منه، أو ما ذهبَ مِنْ كَلامِه؛ لوجوبِ الدِّيَةِ بتَفويتِ أَحدِهما، فوجَبَ فيه الأكثرُ مِمَّا ذهبَ منهما.

стр. 30

مسألة: قَطعُ الحَشَفَةِ. الحَشَفَةُ هي: رأسُ الذَّكَرِ، التي تكونُ عليه الجِلْدةُ التي تُقطَع عند الخِتانِ. تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً بقَطعِ الحَشَفةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الذَّكَرِ تَكمُل بالحَشَفةِ، كَما تَكمُل مَنفعةُ الكَفِّ بالأصابعِ. قال ابنُ قُدامةَ: "ولا نَعلمُ فيه مُخالفًا". وإذا قَطَع جُزءًا مِنْ الحَشَفةِ وَجَب مِنْ الدِّيَةِ بقَدْرِ الذاهبِ. وإذا كانَت الجِنايةُ على ذَكَرٍ قد ذَهبَت حشَفَتُه ففِيه حُكومةٌ. مسألة: إذا قُطِع مِنْ الإنسانِ عُضوٌ ففِيه دِيَةُ ذلك العُضوِ دونَ المَنفعةِ، إلا الأُذُنَ والأَنفَ فإنَّهما إذا قُطِعَا وذهبَت مَنفعتُهما ففِيهِما دِيَةُ العُضوِ والَمنفعةِ؛ لأنَّ المنفعةَ خارجَ العُضوِ، فلا تَدخُل دِيَةُ أَحدِهما في الآخَرِ. مسألة: إذا قُطِع عُضوٌ مَشلولٌ ففِيه حُكومةٌ، إلا الأنفَ والأُذنَ ففِيهِما دِيَةُ ذلك العُضوِ؛ لأنَّ المقصودَ الجمالُ، والمنفعةُ خارجٌ عنهما. ضابطٌ: مَنْ أَتلفَ ما في الإنسانِ منه شَيئانِ، كالعَينَين، والأُذنَين، والشَّفتَين، واللَّحْيَين، وثَدْيَي المرأةِ، وثَنْدُوَتَيِ الرَّجُلِ، واليَدَين مِنْ الكُوعِ، والرِّجلَين مِنْ الكَعبِ، والأَلْيَتَين، والأُنثَيَين، وإِسْكَتَي المرأةِ -بكَسرِ الهمزةِ وفَتحِها وهُما اللَّحمَتان المُحيطَتان بالفَرْجِ مِنْ جانِبَيه إحاطةَ الشَّفَتَين- وهُما شَفْرَاها، ونحوِ ذلك، ففِيهِما الدِّيَةُ كاملةً، وفي أَحدِهما نِصفُها. قال في الُمغنِي (٩/ ٥٨٦): "أَجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في العَينَين إذا أُصيبتَا خطأً الدِّيَةَ، وفي العينِ الواحدةِ نِصفَها؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ عن أَبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وفي العَينَينِ الدِّيَةُ». رَواه النَّسائيُّ. لِما جاء في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الأُذُنِ خَمسونَ مِنْ الإِبِلِ». لِما جاء في

стр. 31

كتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ الذي كتبَه له النبيُّ ﷺ : «وفي الشَّفَتَينِ الدِّيَةُ». تقدَّم قريبًا. مسألة: اتَّفق أهلُ العلمِ على وجوبِ الدِّيَةِ في اسْتِئصالِ الثَّديَين؛ لأنَّ فيهما جَمالاً ومنفعةً، فوَجبَت فيهما الدِّيَةُ كاليَدَين والرِّجلَين. مسألة: قَطعُ الحَلَمَتَين: تَجِبُ الدِّيَةُ فيهما كاملةً؛ لأنه أَذهبَ منهما ما تَذهبُ المنفعةُ بذَهابِه، فوَجبَت دِيَتُهما، كالأصابعِ مع الكَفِّ. لِما وَرَد في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي اليَدِ خمَسُونَ مِنْ الإِبِلِ». تقدِّم قريبًا. مسألة: إذا قُلِع اللَّحْيان مع الأَسنانِ فلا تَدخُل دِيَةُ أَحدِهما في الآخَرِ؛ لأنَّهما جِنسانِ مُختلِفان. ضابطٌ: مَنْ أَتلَف ما في الإنسان منه ثلاثةُ أَشياءَ ففِيه الدِّيَةُ، وفي أَحدِها ثُلثُ الدِّيَةِ، ففِي المَنْخِرَين ثُلثَا الدِّيَةِ، وفي الحاجزِ بينَهما ثُلثُها؛ لأنَّ المارِنَ يَشمَل ثلاثةَ أشياءَ: مَنْخِرَين وحاجزًا، فوجَبَ تَوزيع الدِّيَةِ على عَددِها. ضابطٌ: مَنْ أَتلفَ ما في الإنسانِ منه أَربعةُ أَشياءَ ففِيه الدِّيَةُ، وفي أَحدِها رُبعُ الدِّيَةِ، ففِي الأَجفانِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وفي كلِّ جَفنٍ رُبعُها. مسألة: يَجِبُ في كلِّ واحدٍ مِنْ الشُّعورِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وهي شعرُ الرأسِ، وشعرُ اللِّحيةِ، وشعرُ الحاجِبَين، وأَهدابُ العَينَين، ولأنه كلُّ واحدٍ مِنْ الشُّعورِ في البَدنِ منه شيءٌ واحدٌ، وفي حاجِبٍ نِصفُ الدِّيَةِ، وفي هُدْبٍ رُبعُها، وفي شاربٍ حُكومةٌ. فإنْ عادَ الذَّاهبُ مِنْ تلك الشُّعورِ فنَبَت؛ سَقَط مُوجِبُه، فإنْ كان أَخذَ شَيئًا رَدَّه.

стр. 32

وإنْ ترك من لِحْيةٍ أو غيرِها ما لا جَمالَ فيه، فدِيَةٌ كاملةٌ. وفي بعضِ ما تقدَّم بعضُه مِنْ الدِّيَةِ. ضابطٌ: مَنْ أَتلَف ما في الإنسانِ منه عَشرةُ أَشياءَ ففِيه الدِّيَةُ، وفي أَحدِها عُشرُ الدِّيَةِ، ففِي أَصابعِ اليَدَين الدِّيَةُ، وفي أَصابعِ الرِّجلَين الدِّيَةُ، وفي كلِّ إِصبَعٍ مِنْ أَصابعِ اليَدَين أو الرِّجلَين عُشرُ الدِّيَةِ؛ لِما وَرَد في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي كُلِّ إِصبَعٍ مِنْ أَصابِعِ اليَدِ والرِّجْلِ عَشرٌ مِنْ الإِبِلِ». وتقدَّم قريبًا؛ لِحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: «دِيَةُ أَصابِعِ اليَدَينِ والرِّجلَينِ عَشرٌ مِنْ الإبِلِ لكلِّ إِصبَعٍ». أخرجَه التِّرمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، الدارَقطنيُّ، وصحَّحه الترمذيُّ. وعن ابنِ عباسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: «هَذِه وهَذِه سَواءٌ» يعني الخِنْصِرَ والإبهامَ. صحيحُ البخاريِّ. وفي كلِّ أُنمُلَةٍ مِنْ أَصابعِ اليَدَين أو الرِّجلَين ثُلثُ عُشرِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ في كلِّ إِصبَعٍ ثلاثةُ مَفَاصِلَ والإبهامُ فيه مَفصِلان، وفي كلِّ مَفصِلٍ نِصفُ عُشرِ الدِّيَةِ، كَدِيَةِ السِّنِّ. وفي كلِّ سِنٍّ، أو نابٍ، أو ضِرسٍ، ولو مِنْ صغيرٍ ولم يَعُدْ خَمسٌ مِنْ الإبِلِ؛ قال ابنُ قُدامةَ في الُمغنِي ٩/ ٦١٢: "لا نَعلمُ بين أهلِ العلمِ خلافًا في أنَّ دِيَةَ الأسنانِ خَمسٌ في كلِّ سِنٍّ؛ لخبرِ عمرِو بنِ حَزمٍ مرفوعًا: «في السِّنِّ خَمسٌ مِنْ الإبِلِ». رَواه النَّسائيُّ، ولقولِه ﷺ في حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄: «الأصابعُ سواءٌ، والأسنانُ سواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرسُ سواءٌ، هذه وهذه سواءٌ» رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه. وإذا جنَى على السِّنِّ فاضطرَبَت أو تغيَّرَ لونُها، فإنْ ذهبَت مَنفعتُها ففِيه دِيَةُ السِّنِّ، وإنْ بقيَت المَنفعةُ ففِيها حُكومةٌ.

стр. 33

فصلٌ: في دِيَةِ المَنافِعِ. ضابطٌ: يَجِب في كلِّ مَنفعةٍ دِيَةٌ كاملةٌ، وهي السَّمعُ، والبصرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، والكلامُ، والعقلُ، ومنفعةُ المشيِ، والأكلِ، والنكاحِ، وعدمِ استمساكِ البَولِ والغائطِ، ونحوِها. ففِي كتابِ عمرِو بن حَزمٍ ﵁: «وفي المَشامِّ الدِّيَةُ». تقدَّم قريبًا. ولِقضاءِ عمرَ ﵁ في رَجُلٍ ضرَبَ رَجُلاً، فذَهبَ سمعُه وبصرُه ونكاحُه وعقلُه: بأربعِ دِياتٍ والرَّجُلُ حيٌّ. وإنْ كان الناقصُ يُمكن تَقديرُه بأنْ لا يُدرِكَ بأحدِ المذاقِ الخَمسِ، وهي: الحَلاوةُ والمَرارةُ والحُموضةُ والمُلُوحةُ والعُذُوبةُ، ويُدرِكَ بالباقي ففِيه خُمسُ الدِّيَةِ، وفي اثنينِ خُمساهَا (المُغنِي ١٢/ ١٢٥). لأنَّ في كلِّ واحدٍ مِنْ هذه مَنفعةً كبيرةً، ليس في البَدنِ مثلُها، كالسَّمعِ والبصرِ، وفي ذهابِ بعضِ ذلك قَدْرُه مِنْ الدِّيَةِ، ففِي نِصفِ المنفعةِ نِصفُ الدِّيَةِ، ففِي بعضِ الكلامِ بِحِسابِه، ويُقسَم على ثمانيةٍ وعِشرين حَرفًا، وإنْ لم يُعلَم قَدْرُ الذاهِبِ، فحُكومةٌ. مسألة: يَجِب في عينِ الأعورِ الدِّيَةُ كاملةً، قضَى به عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وابنُ عمرَ، رواها ابن أبي شيبة، ولم يُعرَف لهم مُخالفٌ مِنْ الصَّحابةِ ﵃، ولأنَّ قَلعَ عينِ الأعورِ يَتضمَّن إذهابَ البصرِ كلِّه؛ لأنه يَحصل بعَينِ الأعورِ ما يَحصل بالعَينَين. إذا كانَ الجانِي أَعورَ، فإذا كانَت الجِنايةُ خطأً؛ فلا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في أنَّ الذي يَجِب بهذه الجِنايةِ نِصفُ الدِّيَةِ.

стр. 34

وإذا كانَت الجنايةُ عَمدًا؛ فذهبَ الحنابلةُ إلى أنه لا قَوَدَ، وعليه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لِما رُوي عن عمرَ، وعثمانَ ﵄، أخرجَه عبدُ الرازق، في رَفعِ القَوَدِ عن الأعورِ وإيجابِ الدِّيَةِ كاملةً. ولأنَّ القِصاصَ يُفضي إلى استيفاءِ جميعِ البصرِ مِنْ الأعورِ، وهو إنما أَذهَب بصرَ عينٍ واحدةٍ، وإن كانَ قَلَعَها خطأً فنِصفُ الدِّيَةِ. وذهبَ مالكٌ إلى أنه إنْ شاءَ اقتَصَّ، وإنْ شاءَ أخذَ دِيَةً كاملةً كالمسلِمِ إذا قَتلَ ذِمِّيًّا. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ إلى أنه إنْ شاءَ اقتَصَّ، أو عَفَا، وليس له إلاّ نِصفُ الدِّيَةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «وفي العَينِ الواحِدَةِ خَمسُونَ مِنْ الإِبِلِ». مِنْ حديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ، وتقدَّم قريبًا. ويَجِب في قَطعِ يَدِ الأَقطَعِ أو رِجلِه ولو عَمدًا نِصفُ الدِّيَةِ، كغيرِ الأَقطَعِ؛ لأنه عضوٌ أَمكَن القِصاصُ مِنْ مِثلِه، فكان الواجبُ فيه القِصاصُ أو دِيَةُ مِثلِه.

стр. 35

فصلٌ: في الجُروحِ والكُسورِ. في المُوضِحَةِ -وهي ما تُوضِحُ العَظمَ وتُبرِزُه-: خمَسةُ أَبعِرَةٌ؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفِي المُوضِحَةِ خَمسٌ مِنْ الإبِلِ». وتقدَّم قريبًا. الهاشِمةُ -وهي التي تُوضِحُ العَظمَ وتَهْشِمُه وتَكسِره- وفيها: عَشرةُ أَبعِرةٍ، رُوي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، ولم يُعرَف له في عَصرِه مخالفٌ مِنْ الصحابةِ. أخرجَه عبدُ الرازق. المُنقِّلةُ -وهي ما تُوضِح العَظمَ وتَهشِمه وتَنقُل عِظامَها- وفيها: خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبِلِ؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفِي المُنقِّلةِ خَمسَ عَشرةَ مِنْ الإبِلِ». وتقدَّم قريبًا. وفي كلِّ واحدةٍ مِنْ المَأمُومةِ -وهي التي تَصِل إلى جِلدَةِ الدِّماغِ- والدَّامِغَةِ -بالغَين المُعجمةِ، التي تَخرِقُ الجِلدَةَ-: ثُلثُ الدِّيَةِ؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفِي المأمُومَةِ ثُلثُ الدِّيَةِ». والدَّامغةُ أَبلَغ، وهذه الجِراحاتُ الخَمسُ خاصَّةً في الرأسِ والوجهِ. وفي الجائِفَةِ ثُلثُ الدِّيَةِ، وهي التي تَصِل إلى الجَوفِ، كبطنٍ -ولو لم تَخرِقْ أَمعاءَ- وظهرٍ، وصدرٍ، وحَلْقٍ، ومَثانَةٍ؛ لِما في كتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفِي الجائِفَةِ ثُلثُ الدِّيَةِ». وإنْ أَدخَل السَّهمَ مِنْ جانبٍ فخرَج مِنْ آخَرَ: فجائِفَتَان. وفي بقِيَّةِ الجِراحاتِ: حُكومةٌ. ويَجِب في الضِّلعِ إذا جُبِر كما كانَ: بَعيرٌ.

стр. 36

ويَجِب في كلِّ واحدةٍ مِنْ التَّرْقُوَتَين: بَعيرٌ؛ لِما روَى سعيدٌ عن عمرَ ﵁: (فِي الضِّلعِ جَمَلٌ، وفي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ). أخرجَه مالكٌ، وعبدُ الرزاق، وابنُ أبي شيبةَ. والتَّرقُوة: العَظمُ المستديرُ حَول العُنقِ مِنْ النَّحرِ إلى الكَتِفِ. وإن انجَبَر الضِّلعُ، أو التَّرقُوةُ غيرَ مُستقيمَين فحُكومةٌ. ويَجِب في كَسرِ الذِّراعِ، وهو: السَّاعِدُ الجامعُ لعَظمَي الزَّندِ والعَضُدِ، وفي الفَخِذِ، وفي السَّاقِ والزَّندِ إذا جُبِر ذلك مُستقيمًا بَعِيران؛ لِما روَى سعيدٌ عن عمرِو بن شعيبٍ: أنَّ عمرَو بنَ العاصِ كتبَ إلى عمرَ في أَحدِ الزَّندَينِ إذا كُسِر، فكتَب إليه عمرُ أنَّ فيه بَعِيرَين، وإذا كُسِر الزَّنْدان، ففِيهما أَربعةٌ مِنْ الإبِلِ، ولم يَظهرْ له مخالفٌ مِنْ الصَّحابةِ. أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وما عَدَا ذلك المذكورَ مِنْ الجراحِ وكَسرِ العِظامِ كخَرَزَةِ صُلبٍ، وعُصعُصٍ، وعانةٍ: ففِيه حُكومةٌ. والحُكومةُ: أنْ يُقوَّم المَجنِيُّ عليه كأنَّه عبدٌ لا جِنايةَ به، ثُم يُقوَّمُ والجِنايةُ به قد بَرِئَت، فما نَقصَ مِنْ القيمةِ فلِلمَجنِيِّ عليه مِثلُ نِسبَتِه مِنْ الدِّيَةِ. فلو قَدَّرْنا أنَّ قيمةَ المجنِيِّ عليه لو كان عبدًا سَليمًا مِنْ الجِنايةِ: سِتُّون، وقيمتُه بالجِناية: خَمسُون؛ ففِي جُرحه: سُدسُ دِيَتِه، إلاّ أنْ تكونَ الحُكومة في مَحلٍّ له مقدَّرٌ مِنْ الشَّرعِ فلا يُبلَغ بالحُكومةِ المُقدَّرَ، كشَجَّةٍ دونَ المُوضِحَةِ لا تَبلُغ حُكومتُها أَرْشَ المُوضِحَةِ.

стр. 37

وإنْ لم تَنقُصْه الِجنايةُ حالَ بُرْءٍ؛ قُوِّم حالَ جَرَيان دَمٍ، فإنْ لم تَنقُصْه أيضًا، أو زادَتْه حُسنًا، فلا شيءَ فيها. فرع: لا يجوز التخدير عند إقامة القصاص في النفس ودون النفس؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشّورى: ٤٠].

стр. 38

فصلٌ: في العاقِلَةِ وما تَحمِلُه. العاقلةُ: مِنْ عَقَلَ، والعَقلُ في اللُّغةِ له معانٍ كثيرةٌ، ومنها: الحِجرُ، والنُّهَى ضدُّ الحُمقِ، والتَّثبُّت في الأمورِ، والحَبسُ، والدِّيَةُ. واصطلاحًا: ذُكورُ عَصَباتِ القاتلِ، كالآباءِ، والأبناءِ، والإخوةِ وبَنِيهِم، والأعمامِ وبَنِيهِم، قَريبُهم، وبَعيدُهم، كابنِ ابنِ ابنِ عَمِّ جَدِّ الجانِي، حاضرُهم وغائبُهم، يًحملون الدِّيَةَ عن القاتلِ. والأصلُ في ذلك: ما روَى أبو هريرةَ ﵁ قال: "قضَى رسولُ اللهِ ﷺ في جَنينِ امرأةٍ مِنْ بَنِي لَحْيانَ سقَطَ مَيتًا بِغُرَّةٍ -دِيَةِ جَنينٍ- عبدِ أو أَمَةٍ، ثُم إنَّ المرأةَ التي قُضِي عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيَت، فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ بأنَّ مِيراثَها لِبَنِيها وزَوجِها، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبَتِها". متَّفق عليه. ولِما ورَد عن عمرَ أنه بعثَ إلى امرأةٍ، ففَزِعَت فأجهَضَت ذا بَطنِها، فاستشارَ الصَّحابةَ في ذلك فقال عليٌّ: إنَّ دِيَتَه عليك لأنَّك أَفزعتَها، فقال عمرُ: عَزمتُ عليكَ لَمَا قَسَمتَها على قومِكَ -أي: الدِّيَةَ- أخرجَه ابنُ أَبي شَيبةَ، وعبدُ الرَّزاقِ. وحُكِي الإجماعُ على مشروعيَّةِ العاقلةِ. شُروطُ العاقلةِ: يُشترط لِمَنْ يَحمل الدِّيَةَ عن القاتلِ شُروطٌ: ١ - الحُرَّية، فلا عَقلَ على رَقيقٍ؛ لأنه لا يَملِك، ولو مَلَك فمِلكُه ضَعيفٌ. ٢ - التَّكليفُ، فلا عَقلَ على صَغيرٍ ومجنونٍ؛ لِما ورَد عن عليٍّ ﵁ عن

стр. 39

النبيِّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: … وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ». تقدَّم قريبًا. ولأنَّهما لَيسَا مِنْ أهلِ النُّصرةِ. ٣ - الغِنَى، فلا عَقلَ على فَقيرٍ؛ لأنه ليس مِنْ أهلِ المواساةِ. ٤ - الذُّكورةُ، فلا يَجِب العَقلُ على أُنثَى؛ لأنَّها ليسَت مِنْ أهلِ النُّصرةِ. ٥ - اتِّفاقُ الدِّينِ، فلا يَعقِل كافرٌ عن مسلمٍ، ولا يَعقِل مسلمٌ عن كافرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفَال: ٧٣]. ولأنَّ التَّعاقُل يَنبَنِي على المُوالاةِ والتَّناصُر، وذلك يَنعدِمُ عند اختلافِ الدِّينِ. ٦ - أنْ لا يَكونَ القَتلُ عَمدًا، فلا تَحمِل العاقلةُ عَمدًا مَحضًا؛ لِما روَى سليمانُ بنُ عمرِو بنِ الأحوصِ، قال: حدَّثَني أَبي أنه شَهِد حَجَّةَ الوَدَاعِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَجنِي جَانٍ إلاّ على نَفسِه، لا يَجنِي والدٌ على وَلَدِه، ولا مَولودٌ على والدِه». أخرجَه أحمدُ، الترمذيُّ، والنَّسائيُّ في الكُبرَى، وابنُ ماجَه، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ العامِدَ غيرُ معذورٍ. مسألة: تَحمِل العاقلةُ قَتلَ الخطأِ وشِبهِ العَمدِ؛ لِما رُوي عن أَبي هريرةَ ﵁ قال: "اقتَتلَت امرَأَتان مِنْ هُذَيلٍ فرَمَت إحداهُما الأخرَى بحَجَرٍ، فقتَلَتها وما في بَطنِها، فقضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيَةَ جَنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وَلِيدةٌ، وقضَى بِدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها". متَّفق عليه. وقد أَجمعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ دِيَةَ جِنايةِ الخطأِ على العاقلةِ بلا خلافٍ (المُغنِي ٧/ ٦٥٠ - ٦٥١). قال ابنُ المنذِر (الاجماع له ص ١٥١): "وأَجمعَ أهلُ العلمِ أنَّ دِيَةَ الخطأِ تَحمله العاقلةُ" لِما تقدَّم مِنْ الأدِلَّة في البابِ. وعَمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ حالَ جُنونِه على العاقلةِ؛ إذْ هو مِنْ الخطأِ.

стр. 40

٧ - أنْ تكونَ الجِنايةُ على نَفسٍ آدميَّةٍ، فلا تَحملُ قيمةَ مُتلَفٍ، ولا جنايةً على حيوانٍ. ٨ - ألاّ يكونَ الجاني قد اعترفَ بجِنايتِه، أو صالحَ عليها. لا خِلافَ بين الفقهاءِ أنه إنْ اعترفَ الشخصُ بجِنايتِه الخطأِ أو شِبهِ العَمدِ، واعترَفَت معه العاقِلَةُ بذلك، أو صَدَّقَته فالدِّيَةُ عليها. أمّا إذا لم تُصدِّقْه العاقلةُ في اعترافِه ولم تَعترفْ معَه: فإنْ كان متَّهمًا في إقرارِه فلا تَحملُ العاقلةُ دِيَةَ جِنايتِه؛ لِما ورَد عن عمر ﵁ قال: "لا تَحملُ العاقلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما دونَ الثُّلثٍ" أخرجَه الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ، وإنْ كان عدلاً غيَر متَّهمٍ فتَحمل العاقلةُ دِيَةَ جِنايتِه؛ لِعمومِ الأدلَّةِ. وقال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٢/ ٤٠): "وهو أنَّ المدَّعِي والمدَّعَى عليه قد يَتواطآن على الإقرارِ بالجنايةِ ويَشتركان فيما تَحمله العاقلةُ ويَتصالحان على تَغريمِ العاقلةِ، فلا يَسري إقرارُه ولا صُلحُه، فلا يَجوز إقرارُه في حقِّ العاقلةِ، ولا يُقبَل قولُه فيما يَجِب عليها مِنْ الغرامةِ، وهذا هو القياسُ الصَّحيحُ". ولا خلافَ بينَ الفقهاءِ أنَّ العاقلةَ لا تَحملُ الجنايةَ بالصُّلحِ؛ لأثرِ ابنِ عباسٍ ﵄، ولأن ما ثبَت في الصُّلحِ لم يَثبتْ بالجنايةِ، ولأنه إنّما يَثبُت بفعلِه واختيارِه، فلَم تَحملْه العاقلةُ، وذلك: أنْ يُدعَى عليه ويُصالَح عن ذلك. مسألة: العاقلةُ لا تَحملُ دِيَةَ ما دونَ النَّفسِ، وتَحمل دِيَةَ النَّفسِ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁، ولِعِظَمِ الغرامةِ، ولحُرمةِ النُّفوسِ. وقيل: وتحمل أيضا ثلث دية النفس فما فوق.
следующие страницы →