← Фикх общий

Фикх общий · id 1575

المختصر في الجنايات والحدود والقضاء

خالد المشيقح

Полный текст (170 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويَجِب في كلِّ واحدةٍ مِنْ التَّرْقُوَتَين: بَعيرٌ؛ لِما روَى سعيدٌ عن عمرَ ﵁: (فِي الضِّلعِ جَمَلٌ، وفي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ). أخرجَه مالكٌ، وعبدُ الرزاق، وابنُ أبي شيبةَ. والتَّرقُوة: العَظمُ المستديرُ حَول العُنقِ مِنْ النَّحرِ إلى الكَتِفِ. وإن انجَبَر الضِّلعُ، أو التَّرقُوةُ غيرَ مُستقيمَين فحُكومةٌ. ويَجِب في كَسرِ الذِّراعِ، وهو: السَّاعِدُ الجامعُ لعَظمَي الزَّندِ والعَضُدِ، وفي الفَخِذِ، وفي السَّاقِ والزَّندِ إذا جُبِر ذلك مُستقيمًا بَعِيران؛ لِما روَى سعيدٌ عن عمرِو بن شعيبٍ: أنَّ عمرَو بنَ العاصِ كتبَ إلى عمرَ في أَحدِ الزَّندَينِ إذا كُسِر، فكتَب إليه عمرُ أنَّ فيه بَعِيرَين، وإذا كُسِر الزَّنْدان، ففِيهما أَربعةٌ مِنْ الإبِلِ، ولم يَظهرْ له مخالفٌ مِنْ الصَّحابةِ. أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة. وما عَدَا ذلك المذكورَ مِنْ الجراحِ وكَسرِ العِظامِ كخَرَزَةِ صُلبٍ، وعُصعُصٍ، وعانةٍ: ففِيه حُكومةٌ. والحُكومةُ: أنْ يُقوَّم المَجنِيُّ عليه كأنَّه عبدٌ لا جِنايةَ به، ثُم يُقوَّمُ والجِنايةُ به قد بَرِئَت، فما نَقصَ مِنْ القيمةِ فلِلمَجنِيِّ عليه مِثلُ نِسبَتِه مِنْ الدِّيَةِ. فلو قَدَّرْنا أنَّ قيمةَ المجنِيِّ عليه لو كان عبدًا سَليمًا مِنْ الجِنايةِ: سِتُّون، وقيمتُه بالجِناية: خَمسُون؛ ففِي جُرحه: سُدسُ دِيَتِه، إلاّ أنْ تكونَ الحُكومة في مَحلٍّ له مقدَّرٌ مِنْ الشَّرعِ فلا يُبلَغ بالحُكومةِ المُقدَّرَ، كشَجَّةٍ دونَ المُوضِحَةِ لا تَبلُغ حُكومتُها أَرْشَ المُوضِحَةِ.

стр. 37

وإنْ لم تَنقُصْه الِجنايةُ حالَ بُرْءٍ؛ قُوِّم حالَ جَرَيان دَمٍ، فإنْ لم تَنقُصْه أيضًا، أو زادَتْه حُسنًا، فلا شيءَ فيها. فرع: لا يجوز التخدير عند إقامة القصاص في النفس ودون النفس؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشّورى: ٤٠].

стр. 38

فصلٌ: في العاقِلَةِ وما تَحمِلُه. العاقلةُ: مِنْ عَقَلَ، والعَقلُ في اللُّغةِ له معانٍ كثيرةٌ، ومنها: الحِجرُ، والنُّهَى ضدُّ الحُمقِ، والتَّثبُّت في الأمورِ، والحَبسُ، والدِّيَةُ. واصطلاحًا: ذُكورُ عَصَباتِ القاتلِ، كالآباءِ، والأبناءِ، والإخوةِ وبَنِيهِم، والأعمامِ وبَنِيهِم، قَريبُهم، وبَعيدُهم، كابنِ ابنِ ابنِ عَمِّ جَدِّ الجانِي، حاضرُهم وغائبُهم، يًحملون الدِّيَةَ عن القاتلِ. والأصلُ في ذلك: ما روَى أبو هريرةَ ﵁ قال: "قضَى رسولُ اللهِ ﷺ في جَنينِ امرأةٍ مِنْ بَنِي لَحْيانَ سقَطَ مَيتًا بِغُرَّةٍ -دِيَةِ جَنينٍ- عبدِ أو أَمَةٍ، ثُم إنَّ المرأةَ التي قُضِي عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيَت، فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ بأنَّ مِيراثَها لِبَنِيها وزَوجِها، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبَتِها". متَّفق عليه. ولِما ورَد عن عمرَ أنه بعثَ إلى امرأةٍ، ففَزِعَت فأجهَضَت ذا بَطنِها، فاستشارَ الصَّحابةَ في ذلك فقال عليٌّ: إنَّ دِيَتَه عليك لأنَّك أَفزعتَها، فقال عمرُ: عَزمتُ عليكَ لَمَا قَسَمتَها على قومِكَ -أي: الدِّيَةَ- أخرجَه ابنُ أَبي شَيبةَ، وعبدُ الرَّزاقِ. وحُكِي الإجماعُ على مشروعيَّةِ العاقلةِ. شُروطُ العاقلةِ: يُشترط لِمَنْ يَحمل الدِّيَةَ عن القاتلِ شُروطٌ: ١ - الحُرَّية، فلا عَقلَ على رَقيقٍ؛ لأنه لا يَملِك، ولو مَلَك فمِلكُه ضَعيفٌ. ٢ - التَّكليفُ، فلا عَقلَ على صَغيرٍ ومجنونٍ؛ لِما ورَد عن عليٍّ ﵁ عن

стр. 39

النبيِّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: … وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ». تقدَّم قريبًا. ولأنَّهما لَيسَا مِنْ أهلِ النُّصرةِ. ٣ - الغِنَى، فلا عَقلَ على فَقيرٍ؛ لأنه ليس مِنْ أهلِ المواساةِ. ٤ - الذُّكورةُ، فلا يَجِب العَقلُ على أُنثَى؛ لأنَّها ليسَت مِنْ أهلِ النُّصرةِ. ٥ - اتِّفاقُ الدِّينِ، فلا يَعقِل كافرٌ عن مسلمٍ، ولا يَعقِل مسلمٌ عن كافرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفَال: ٧٣]. ولأنَّ التَّعاقُل يَنبَنِي على المُوالاةِ والتَّناصُر، وذلك يَنعدِمُ عند اختلافِ الدِّينِ. ٦ - أنْ لا يَكونَ القَتلُ عَمدًا، فلا تَحمِل العاقلةُ عَمدًا مَحضًا؛ لِما روَى سليمانُ بنُ عمرِو بنِ الأحوصِ، قال: حدَّثَني أَبي أنه شَهِد حَجَّةَ الوَدَاعِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَجنِي جَانٍ إلاّ على نَفسِه، لا يَجنِي والدٌ على وَلَدِه، ولا مَولودٌ على والدِه». أخرجَه أحمدُ، الترمذيُّ، والنَّسائيُّ في الكُبرَى، وابنُ ماجَه، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّ العامِدَ غيرُ معذورٍ. مسألة: تَحمِل العاقلةُ قَتلَ الخطأِ وشِبهِ العَمدِ؛ لِما رُوي عن أَبي هريرةَ ﵁ قال: "اقتَتلَت امرَأَتان مِنْ هُذَيلٍ فرَمَت إحداهُما الأخرَى بحَجَرٍ، فقتَلَتها وما في بَطنِها، فقضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيَةَ جَنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وَلِيدةٌ، وقضَى بِدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها". متَّفق عليه. وقد أَجمعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ دِيَةَ جِنايةِ الخطأِ على العاقلةِ بلا خلافٍ (المُغنِي ٧/ ٦٥٠ - ٦٥١). قال ابنُ المنذِر (الاجماع له ص ١٥١): "وأَجمعَ أهلُ العلمِ أنَّ دِيَةَ الخطأِ تَحمله العاقلةُ" لِما تقدَّم مِنْ الأدِلَّة في البابِ. وعَمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ حالَ جُنونِه على العاقلةِ؛ إذْ هو مِنْ الخطأِ.

стр. 40

٧ - أنْ تكونَ الجِنايةُ على نَفسٍ آدميَّةٍ، فلا تَحملُ قيمةَ مُتلَفٍ، ولا جنايةً على حيوانٍ. ٨ - ألاّ يكونَ الجاني قد اعترفَ بجِنايتِه، أو صالحَ عليها. لا خِلافَ بين الفقهاءِ أنه إنْ اعترفَ الشخصُ بجِنايتِه الخطأِ أو شِبهِ العَمدِ، واعترَفَت معه العاقِلَةُ بذلك، أو صَدَّقَته فالدِّيَةُ عليها. أمّا إذا لم تُصدِّقْه العاقلةُ في اعترافِه ولم تَعترفْ معَه: فإنْ كان متَّهمًا في إقرارِه فلا تَحملُ العاقلةُ دِيَةَ جِنايتِه؛ لِما ورَد عن عمر ﵁ قال: "لا تَحملُ العاقلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما دونَ الثُّلثٍ" أخرجَه الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ، وإنْ كان عدلاً غيَر متَّهمٍ فتَحمل العاقلةُ دِيَةَ جِنايتِه؛ لِعمومِ الأدلَّةِ. وقال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٢/ ٤٠): "وهو أنَّ المدَّعِي والمدَّعَى عليه قد يَتواطآن على الإقرارِ بالجنايةِ ويَشتركان فيما تَحمله العاقلةُ ويَتصالحان على تَغريمِ العاقلةِ، فلا يَسري إقرارُه ولا صُلحُه، فلا يَجوز إقرارُه في حقِّ العاقلةِ، ولا يُقبَل قولُه فيما يَجِب عليها مِنْ الغرامةِ، وهذا هو القياسُ الصَّحيحُ". ولا خلافَ بينَ الفقهاءِ أنَّ العاقلةَ لا تَحملُ الجنايةَ بالصُّلحِ؛ لأثرِ ابنِ عباسٍ ﵄، ولأن ما ثبَت في الصُّلحِ لم يَثبتْ بالجنايةِ، ولأنه إنّما يَثبُت بفعلِه واختيارِه، فلَم تَحملْه العاقلةُ، وذلك: أنْ يُدعَى عليه ويُصالَح عن ذلك. مسألة: العاقلةُ لا تَحملُ دِيَةَ ما دونَ النَّفسِ، وتَحمل دِيَةَ النَّفسِ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁، ولِعِظَمِ الغرامةِ، ولحُرمةِ النُّفوسِ. وقيل: وتحمل أيضا ثلث دية النفس فما فوق.

стр. 41

وتَعجيل الدِّيَةِ وتأجيلُها على العاقلةِ بحسَبِ الحالِ والمصلحةِ فإنْ كانوا مَياسِيرَ ولا ضررَ عليهم في التَّعجيلِ أُخذَت حالَّةً، وإنْ كان في ذلك مشقَّةٌ جُعلَت مؤجَّلةً حسَبَ ما يَراه القاضِي. ويَجتهد الحاكمُ في تَحميلِ كلٍّ منهم ما يَسهُل عليه، ويَبدأ بالأَقربِ فالأَقربِ، وتُؤخذ مِنْ بعيدٍ لغَيبةِ قريبٍ، ويُؤخذ مِنْ الغنيِّ بقَدْرِه، ومِن دونِه بقَدْرِه على قَدْرِ طاقتِه في اليُسْرِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. لأنَّ النبيَّ ﷺ كما في حديثِ أَبي هريرةَ قضَى بالدِّيَةِ على العاقلةِ، ولم يُحدِّد مِقدارًا معيَّنًا على كلِّ فردٍ منها، فوجَب أنْ يَحملَ كلُّ فردٍ ما يُطيق، وما كان هذا سَبيلَه، فالرُّجوع فيه إلى القاضِي، قال في الشَّرحِ الكبيرِ (٩/ ٦٦١): "وجُملةُ ذلك أنه يَبدأ في قِسمةِ الدِّيَةِ بين العاقلةِ، الأقربُ فالأقربُ، فيَقسم على الإخوةِ وبَنِيهِم، والأعمامِ وبَنِيهِم، ثم أعمامِ الأبِ ثم بَنِيهِم، ثم أعمامِ الجَدِّ ثم بَنِيهِم، كذلك أبدًا، حتى إذا انقرَضَ النَّاسِبون، فعلى المَولَى المعتِقِ ثم على عَصَباتِه، ثم على مَولَى المَولَى، ثم على عَصَباتِه، الأقربُ فالأقربُ، كالميراثِ سَواءً، وإنْ قلنا الآباءُ والأبناءُ مِنْ العاقلةِ بُدِئَ بهم؛ لأنهم أقربُ، ومتى اتَّسعَت أموالُ قومٍ للعَقلِ لم يَعْدُهم إلى مَنْ بَعدَهم؛ لأنه حقٌّ يُستحَقُّ بالتِّعصيبِ، فقُدِّم الأقربُ فالأقربُ، كالميراثِ ووِلايةِ النِّكاحِ". مسألة: مَنْ لا عاقلةَ له، أو له وعَجَزَت، فإنْ كانَ كافرًا فالدِّيَةُ عليه، وإنْ كانَ مسلمًا فمِن بيتِ المالِ حالَّةً إنْ أَمكَن، فعَن سهلِ بنِ أَبي حَثْمةَ أَخبَر: "أنَّ نَفَرًا مِنْ قومِه انطلَقوا إلى خَيبرَ فتفرَّقوا فيها ووَجدُوا أحدَهم قَتيلاً … فكَرِه النبيُّ ﷺ أنَّ يُطَلَّ دُمَه، فوَدَاه مائةً مِنْ إبِلِ الصَّدقةِ". متَّفق عليه.

стр. 42

ونُوقش: أنَّ هذا قَتيلُ اليهودِ، وبيتُ المالِ لا يَعقِل عن الكفَّارِ بحالٍ، ففَعَله النبيُّ ﷺ تفضُّلاً. ولِما ورَد أنَّ أبا موسَى الأشعريَّ كتَب إلى عمرَ: "الرَّجُل يَموت بَينَنا ليس له رَحِمٌ، ولا مَولى، ولا عَصبةَ، فكتَب إليه عمرُ ﵁: "إنْ ترَك رَحِمًا فرَحِمٌ، وإلاّ فالمَولى، وإلاّ فلِبَيتِ مالِ المسلِمين، يَرِثُونه ويَعقِلون عنه". أخرجَه عبدُ الرزاقِ، وابنُ أَبي شيبةَ، ولِما ورَد أنَّ رجلاً قُتِل في زِحامِ الناسِ في زمنِ عمرَ، فلم يُعرفْ قاتلُه، فقال عليٌّ: "يا أميرَ المؤمِنين، لا يُطَلُّ دَمُ رجلٍ مسلمٍ"، فأدَّى دِيَتَه مِنْ بيتِ المالِ. أخرجَه عبدُ الرزاقِ، وابنُ أَبي شيبةَ. فإنْ لم يُمكِن أَخذُ الدِّيَةِ مِنْ بيتِ المالِ وَجبَت على الجانِي؛ لِعموم قولِه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. ولأنَّ الأمرَ دائرٌ بين أنْ يُطَلَّ دَمُ المقتولِ، وبين إيجابِ دِيَتِه على المُتلِفِ، فلا يجوزُ الأولُ؛ لأنَّ فيه مخالفةَ الكتابِ والسُّنةِ، وقياسِ أصولِ الشَّريعةِ، فتَعيَّن الثَّاني.

стр. 43

فصلٌ: في كفَّارةِ القَتلِ. الكَفَّارةُ في اللُّغةِ: مأخوذٌ مِنْ الكَفْرِ وهو السَّتْرُ والتَّغطِيةُ والجُحودُ، سُمِّيَت بذلك؛ لأنها تُغطِّي الإثمَ وتَستُره. وفي الشَّرعِ: ما يُخرجه القاتلُ شِبهَ عَمدٍ أو خطأ مِنْ عتقٍ أو صيامٍ تَكفيرًا لِقَتلِه. حُكمُها: الوجوبُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. وأما السُّنةُ: ما سيَأتي مِنْ الأحاديثِ. وأما الإجماعُ: قال ابنُ قُدامةَ في المُغنِي (١٠/ ٣٥): "وأَجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ على القاتلَ خطأً كفَّارةٌ، سواءٌ كان المقتولُ ذكرًا أو أُنثَى". قال ابنُ هُبَيرةَ في الإفصاحِ ٢/ ٢٢٤: "واتَّفَقوا على وجوبِ الكفَّارةِ في قَتلِ الخطأِ إذا كان المقتولُ حُرًّا مسلمًا". تَجِب الكفَّارة بشُروطٍ: الأولُ: أنْ تَكون النَّفسُ المقتولةُ مَعصومةً، حُرًّا أو عبدًا، فإنْ كان دَمُها مُهدَرًا، كالحربيِّ -الكافرِ الذي بَينَنا وبَينَه حربٌ-، والمُرتَدِّ والزَّانِي المُحصَنِ الذي ثَبَت عند القاضِي إقامةُ الحدِّ عليه؛ لم تَجِبْ الكفَّارةُ بقَتلِه. وإنْ كان مَعصومَ الدَّمِ، كالذِّمِّيِّ والمُستأمَنِ؛ فتَجِب الكفَّارةُ بقَتلِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. ولأنه آدميٌّ مقتولٌ بغيرِ وَجهِ حَقٍّ،

стр. 44

فوَجبَت الكفَّارةُ على قاتِلِه كالمسلِمِ. الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكون القتلُ صادرًا مِنْ غيرِ المقتولِ، فإنْ صدَر مِنْ المقتولِ بأنْ قَتَل نفسَه فلا كفَّارةَ عليه؛ لِحديثِ سَلَمةَ بنِ الأَكوَعِ ﵁: أنَّ عامرَ بنَ الأَكوَعِ قَتَل نَفسَه". رَواه البخاريُّ. ولم يُوجِب عليه النبيُّ ﷺ كفَّارةً. الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكون الجنينُ نُفِخَت فيه الرُّوحُ إنْ كان القَتلُ لِجَنينٍ، لأنَّ القتلَ غيرُ مُتصوَّرٍ لمن لم تُنفَخ فيه الرُّوحُ. الشَّرطُ الرابع: أنْ يَكون القتلُ خطأً، وهذا باتِّفاقِ الأئمَّةِ، قال ابنُ المنذرِ في الاجماعِ له ص ١٥٢.: "وأَجمعوا على أنَّ على القاتلِ خطأً: الكفَّارةُ ". وقال ابنُ حَزمٍ في مراتِب الإجماعِ ص ٢٣٠: "واتَّفقوا على أنَّ على المسلِمِ البالغِ العاقلِ قاتلِ المسلمِ خطأً: الكفَّارةُ". وقد دلَّ على هذا قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. وإنْ كان القتلُ غيرَ خطأٍ فلا يَخلو مِنْ أمرَين: الأولُ: أنْ يَكون شِبهَ العَمدِ: عند جُمهورِ أَهلِ العلمِ: أنَّ الكفَّارةَ واجبةٌ بقَتلِ شِبهِ العمدِ؛ لأنه خطأٌ مِنْ حيثُ الجانِي؛ إذْ لم يَقصِد القتلَ، فيَدخلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. ولأنَّ شِبهَ العَمدِ مُلحَقٌ بالخطأِ في كثيرٍ مِنْ الأحكامِ، مِثلُ وجوبِ الدِّيَةِ على العاقلةِ، فكَذا الكفَّارةُ. ولأنَّ عدَم إيجابِ الكفَّارةِ يَترتَّب عليه ألاّ يَجِب عليه شيءٌ؛ إذْ الدَّيَةُ على العاقلةِ.

стр. 45

الثاني: أنْ يَكون عمدًا: عند جمُهورِ أهلِ العلمِ: عدمُ وجوبِ الكفَّارةِ بقَتلِ العَمدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *﴾ [النِّسَاء: ٩٣] ولم يَذكر كفَّارةً. ولقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]. ولم يَذكر كفَّارةً. ولِما رُوي أنَّ سُويدَ بنَ الصامتِ قَتَل رجلاً، فأَوجَب النبيُّ ﷺ عليه القَوَدَ، ولم يُوجبْ كفَّارةً. رَواه البيهقيُّ، وابنُ سعدٍ، والطَّبَرانيُّ، وهو ضعيفٌ جدًّا. وعمرُو بنُ أُميَّةَ الضَّمْريُّ قَتَل رَجُلَين عَمدًا، فوَدَاهُما ﷺ ولم يُوجبْ عليه كفَّارةً، رَواه ابنُ سعدٍ، وهو ضعيفٌ. ولأنَّ الكفَّارةَ دائرةٌ بين العُقوبةِ والعبادةِ، فتَعيَّن أنْ يَكون سببُها دائرًا بين الَحظرِ والإباحةِ؛ لتعلُّقِ العبادةِ بالمباحِ، والعقوبةِ بالمحرَّمِ، وهذا المعنَى ليس موجودًا في العَمدِ. الشَّرطُ السادسُ: أنْ يَكون القتلُ مباشرةً أو تسبُّبًا، فإنْ كان مباشرةً فتَجِب الكفَّارةُ باتِّفاقِ الأئمةِ. وإنْ كان تسبُّبًا كما لو حَفَر بِئرًا محرَّمًا حفرُه: فعِندَ جُمهورِ أهلِ العلمِ: أنه تَجِب الكفَّارةُ بقَتلِ التَّسبُّبِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنَّ القَتلَ بالتَّسبُّبِ مُوجِبٌ للضَّمانِ، فكَذا الكفَّارةُ، ولأنه سَببٌ لإتلافِ الآدميِّ، يَتعلَّق به ضَمانُه، فتعلَّقَت به الكفَّارةُ، كما لو كان راكبًا فأَوطَأَ دابَّتَه انسانًا.

стр. 46

الشَّرطُ السابعُ: أنْ يَكون القاتلُ مكلَّفًا؛ لِحديثِ عليٍّ ﵁: «رُفِع القَلَمُ عن ثلاثةٍ، عن النَّائمِ حتى يَستيقظَ، وعن المجنونِ حتى يُفيقَ، وعن الصبيِّ حتى يَبلُغَ». رَواه الترمذيُّ وأبو داودَ وغيرُهما. وإسنادُه حسنٌ، وتقدَّم. ولأنَّ الكفَّارةَ شُرِعَت لسَترِ الذَّنبِ، وليس عليهما ذَنبٌ تَدعو الحاجةُ إلى سَترِه. فرعٌ: لا يُشترط أنْ يَكون القاتلُ مسلمًا، فتَجِب على الكافرِ كما تَجِب على المسلمِ؛ لعمومِ الآيةِ، ولأنَّ الحُدودَ تَجِب على الكافرِ عقوبةً له، فوجَبَت عليه الكفَّارةُ قياسًا عليها، ولأنَّ عدَمَ إيجابِ الكفَّارةِ على الكافرِ يُفضي إلى عدَمِ وجوبِ شيءٍ عليه؛ إذْ الدِّيَةُ تَجِب على العاقلةِ. ولا يُشترط أنْ يَكون القاتلُ حُرًّا، فتَجِب الكفَّارةُ على الرَّقيقِ. مسألة: الكفَّارةُ عِتقُ رقبةٍ، فإنْ لم يَجِد فصيامُ شهرَين متَتابِعَين. قال ابنُ هُبَيرةَ كما في الإفصاحِ ٢/ ٢٢٤: "اتَّفَقوا على أنَّ كفَّارةَ القتلِ الخطأِ: عِتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإنْ لم يَجِد فصيامُ شَهرَين متَتابِعَين". وتقدَّم في أحكامِ الظِّهارِ ما يَتعلَّق بعِتقِ الرقبةِ مِنْ حيثُ دليلُها، ووجوبُها، وشُروطُ صِحَّةِ إعتاقِها. ما يَتعلَّق بصيامِ الشَّهرَين، ومتى يَجِب، وما يَقطَع التَّتابُع، وغيرُ ذلك. ولا إطعامَ في كفَّارةِ القتلِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَذكره في كفَّارةِ القتلِ، ولأنَّ الإطعامَ بدلٌ عن العتقِ والصيامِ، والأبدالُ لا مَدخلَ للقياسِ فيها.

стр. 47

مسألة: باتِّفاقِ العلماءِ: أنَّ الرَّقيقَ يُكفِّر بالصومِ، لكنْ اختلفُوا في تَكفيرِه بالعتقِ: فعند جُمهورِ أهلِ العلمِ: أنه لا يُكفِّر بالعتقِ؛ لأنَّ العبدَ لا يَملكُ المالَ. وقيل: يُكفِّر بالعتقِ، وعليه: إذا أَذِنَ له سيِّدُه تَحقَّقَ مِلكُه، فيكفِّر بالعتقِ. مسألة: تَتعدَّد الكفَّارةُ بتعدُّدِ القتلِ، فإذا قَتَل شخصٌ جماعةً وجَبَت عليه عن كلِّ واحدٍ كفَّارةٌ مستقِلَّةٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، وللقياسِ على الدِّيَةِ، فإنَّها تَتعدَّد باتِّفاقٍ، فكذلك الكفَّارةُ، ولقيامِ كلِّ قَتيلٍ بنَفسِه، وعدمِ تعلُّقِه بغيرِه. وهذا باتِّفاقِ المذاهبِ الأربعةِ. تنبيهٌ: أحكامُ الكفَّاراتِ يَذكرها الفقهاءُ ﵏ في كتابِ الظِّهارِ، فيَذكرون هناك شُروطَ وجوبِ الإعتاقِ، وشُروطَ صِحَّةِ العتقِ في الكفَّارةِ، وصُوَرَ الانتقالِ مِنْ العتقِ إلى الإطعامِ، والتَّرتيبَ بين خِصالِ الكفَّارةِ، وما يُبطِل تتابُعَ الصيامِ والإطعامِ، وشُروطَ الُمطعَمِ، وجِنسَه، وقَدْرَه، وغيرَ ذلك. فرع: حوادث السيارات، هذه الحوادث لا تخلو من أمرين: الأمرُ الأولُ: أن تكون الإصابة في أحد الركاب الذين ركبوا باختيارِهم بإذن قائد السيارة، فهؤلاء قد ائتمنوه على أنفسهم وأموالهم، فهو أمين عليهم، وهذا لا يخلو من أحوال: الأولى: أن يكون بتعدٍّ من القائدِ؛ كالسرعة الزائدة، وكصعود مرتفع خطر، ونحو ذلك. الثاني: أن يكون بتفريطٍ من القائدِ، كأن يترك شَدَّ مسترخٍ يحتاج إلى شدٍّ، أو إصلاحِ ما يحتاج إلى إصلاحٍ، أو إغلاق ما يحتاج إلى إغلاقٍ.

стр. 48

ففي هاتين الحالتين يترتب على القائد: ١ - الإثم. ٢ - كفارة القتل كما تقدم عن كل نفس معصومة. ٣ - ديات الأنفس على العاقلة. ٤ - ضمان الأموال. الثالث: أن يكون بتصرفٍ من القائد يريد به السلامة من الخطر مثل: أن يقابله ما يخشى الضرر بالاصطدام به، أو يخرج عليه من اليمين أو الشمال من لا يتمكن معه من الوقوف، فيحرف السيارة ليتفادى الخطر ونحو ذلك. الحال الرابعة: أن يكون بغير سببٍ منه؛ مثل: أن ينفجر إطار عجلة السيارة، أو يسقط به جسر ونحو ذلك. ففي هاتين الحالتين: لا يترتب عليه ضمان ولا كفارة؛ لأنه أمينٌ، ولم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط، بل هو محسن في الأُولى، وما على المحسنين من سبيل. الأمر الثاني: أن تكون الإصابة في غير الركاب الذين معه، وتحته حالان: الحال الأولى: أن يكون بسببٍ من المصاب، لا سبب لقائد السيارة فيه، مثل: أن تقابله سيارة في خط سيره لا يمكنه الخلاص منها، أو يرمي شخص نفسه أمامه لا يمكنه تلافي الخطر؛ ففي هذه الحالة: لا ضمان عليه؛ لأن المصاب هو الذي تسبب في إصابته، وعلى قائد السيارة المقابلة الضمان لتعديه.

стр. 49

الحال الثانية: أن يكون بسبب من المصيب، مثل: أن يتلف شخصًا يسير أمامه، أو يرجع إلى الوراء فيصيب شخصًا أو غيره: ففي هذه الحالة يضمن ما أتلفه من نفس أو مال، وعليه الكفارة عن كل نفس، ودية النفس على العاقلة إذا كان خطأ أو شبه عمد؛ كما تقدم في العاقلة. أفاده شيخنا ابن عثيمين.

стр. 50

بابُ القَسَامَةِ وهي لُغةً: اسمُ القَسَمِ أُقيمَ مُقامَ المَصدَرِ، مِنْ قولِهم: أَقسَمَ إقسامًا وقَسَامةً، القَسَم -بالتَّحريك: اليمينُ، وتَقاسَم القومُ: تَحالَفُوا. واصطلاحًا: أَيمانٌ مكرَّرةٌ في دَعوَى قَتلِ معصومٍ. روَى أحمدُ ومسلمٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ أَقرَّ القَسَامَةَ على ما كانَت عليه في الجاهليَّةِ". فالقَسامةُ طريقٌ مِنْ طُرقِ نَفيِ القَتلِ عند العربِ في الجاهليَّةِ، وطريقٌ مِنْ طُرقِ إثباتِ القتلِ، واختُلف في أوَّلِ مَنْ قضَى بها في الجاهليَّةِ، فقيل: هي قَسامةُ أَبي طالبٍ في قَتيلِ بَنِي هاشمٍ، وقيل: أوَّلُ مَنْ قضَى بها في الجاهليَّةِ الوليدُ بنُ المُغِيرةِ. (صحيحُ البخاريِّ ٤/ ٢٣٦، مُغنِي المحتاجِ ٤/ ١٠٩). والأصلُ في القَسامةِ: السُّنةُ، فقد روَى سَهلُ بنُ أَبي حَثْمةَ ورافعُ بنُ خَديجٍ: "أنَّ مُحيِّصةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ الله بنَ سَهلٍ انطلَقَا قَبلَ خَيبرَ فتفرَّقَا في النَّخلِ فقُتِل عبدُ اللهِ بنُ سَهلٍ فاتَّهموا اليهودَ، فجَاء إخوةُ عبدِ الرحمنِ بنِ سَهلٍ وأبناءُ عَمِّه حُويِّصةُ ومُحيِّصةُ إلى النبيِّ ﷺ ، فتكلَّم عبدُ الرحمنِ في أمرِ أخيهِ وهو أصغرُ منهم، فقال الرسولُ ﷺ : «الكُبْرَ الكُبْرَ»، أو قال: «لِيَبْدَأ الأَكبَرُ»، فتكلَّمَا في أَمرِ صاحبِهما، فقال ﷺ : «يُقسِم خَمسُونَ مِنْكُمْ على رَجُلٍ منهم فيُدفع برُمَّتِه»، قالوا: أَمرٌ لم نَشهدْه كيف نَحلِفُ؟ قال: «فتُبْرِئُكم يَهودُ بأيمانِ خَمسينَ مِنهُم» قالوا: يا رسول الله قومٌ كفَّارٌ، قال: فوَدَاه رسولُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِه". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. واتَّفق الأئمةُ الأربعةُ على القولِ بمَشروعيَّةِ القَسامةِ؛ لِما تقدَّم مِنْ الدليلِ.

стр. 51

شُروطُ صِحَّةِ القَسامةِ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ تَكون الدَّعوَى في قَتلِ نَفسٍ، فلا تَكون القَسامةُ في دَعوَى قَطعِ طرفٍ، ولا في دَعوَى جُرحٍ؛ لأنَّها ثبَتَت على خلافِ الأصلِ في النَّفسِ؛ لحُرمتِها فاختَصَّت بها، قال ابنُ قُدامةَ: بلا خلافٍ مِنْ شروطِ صِحَّةِ القَسامةِ. الشَّرطُ الثَّاني: وجودُ اللَّوثِ، واللَّوْثُ في اللُّغةِ يُطلَق على معانٍ منها: القوَّةُ، وعَصْبُ العِمامةِ، والشَّرُّ، والجِراحاتُ، وغيرُ ذلك. واصطلاحًا: اللَّوْثُ هو ما يَغلِبُ على الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعوَى. ومِن صُوَرِ اللَّوْثِ التي ذَكرَها الفقهاءُ: قولُ القَتيلِ قتَلَني فلانٌ، ونحوُ ذلك. ومِن صٌوَرِ اللَّوْثِ: ما لو وُجِد قَتيلٌ عند مَنْ معه مُحدَّدٌ كسِكِّينٍ وخِنجَرٍ مُلطَّخٍ بالدَّمِ، ولا يُوجد غيرُه ممّا يَغلِبُ على الظَّنِّ أنه قَتلَه، كسَبُعِ ضَارٍ، ونحوِ ذلك. ومِن صُوَرِ اللَّوْثِ: أنْ يَزدحمَ الناسُ في مَضيقٍ أو مَسجدٍ ونحوِ ذلك، ثم يَتفرَّقون عن قَتيلٍ. ومِن صُوَرِ اللَّوْثِ: أنْ تَقتَتِل طائِفَتان فيُوجدَ بينهما قَتيلٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَسأل الأنصارَ هل بِقَتيلِهم أثرٌ أم لا؟ مع أنَّ القتلَ يَحصل بما لا أثرَ له، كغَمِّ الوجهِ والخَنقِ. ومِن صُوَرِ اللَّوْثِ: أنْ يَشهد بالقتلِ مَنْ لا تُقبَل شهادتُهم فيه، كما لو شَهِد بالقَتلِ صبيٌّ.

стр. 52

الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكون القتيلُ آدميًّا، فلا قَسَامةَ في بَهيمةٍ؛ لأنَّ موضوعَ القَسامةِ حُرمةُ النَّفسِ وتَعظيمُها. الشَّرطُ الرابعُ: دَعوَى القتلِ مِنْ أولياءِ القتيلِ؛ لأنَّ حقَّ الآدميِّ لا يَثبت بدونِ دَعوَاه. الشَّرطُ الخامسُ: أنْ لا يَكون على القتلِ بَيِّنةٌ أو اعترافٌ. الشَّرطُ السادسُ: أنْ يَتَّفق أولياءُ القتيلِ في دَعواهُم القتلَ، فإنْ تَناقضُوا، أو أَكذَبَ بعضُهم بعضًا قال بعضُهم قتَلَه، وقال بعضُهم لم يَقتلْه؛ لم تُقبل الدَّعوَى، وهذا باتِّفاقِ الأئمةِ. الشَّرطُ السابعُ: أنْ يَكون المتَّهم بالقتلِ مُعيَّنًا، وهذا قولُ جُمهورِ أهلِ العلمِ، فلو قال بعضُ الوَرَثةِ: قَتلَه زيدٌ، وقال بعضُهم: قَتلَه عمرٌو، فلا قَسامةَ؛ لأنَّ الأيمانَ أُقيمَت مُقامَ البَيِّنةِ. مسألة: مَنْ ادُّعِيَ عليه القتلُ لا يَخلو مِنْ أمرَين: الأمرُ الأولُ: أنْ تَكون دَعوَى القتلِ مِنْ غيرِ لَوْثٍ، فيَحلفُ يَمينًا واحدةً ويَبرأُ حيثُ لا بَيِّنةَ للمُدَّعِي، كسائرِ الدَّعاوي، يَحلف المدَّعَى عليه يَمينًا ويَبرأ، فكَذا دَعوَى القتلِ بغيرِ لَوْثٍ؛ لقولِه ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعِي، واليمينُ على مَنْ أَنكَر»، فإنْ نَكَل قُضِي عليه بالدِّيَةِ. الأمرُ الثَّاني: أنْ تَكون دَعوَى القتلِ مع وجودِ اللَّوْثِ، فيَحلفُ أولياءُ القتيلِ خَمسينَ يَمينًا، فإنْ نَكلُوا عن الخَمسين يَمينًا، أو عن بعضِها حَلَف المدَّعَى عليه خَمسين يَمينًا وبَرِئ، فإنْ نَكَل قُضِي عليه بالدِّيَةِ. وقيل: يُحبَس المدَّعَى عليه حتى يَحلف أو يَموت في السِّجنِ.

стр. 53

مسألة: يُقتَص مِنْ المدَّعَى عليه إذا تمَّت الشُّروطُ إذا كان القتلُ عَمدًا، وإنْ كان خطأً أو شِبهَ عَمدٍ فتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لِحديثِ سَهلِ بنِ أَبي حَثْمةَ، وفيه قولُه ﷺ : «أَتحلِفُون وتَستحِقُّون دَمَ صاحبكُم». رَواه مسلمٌ. وفي رِوايةٍ: «يُقسِم خَمسونَ منكُم على رَجُلٍ منهم فيُدفَع بِرُمَّتِه». رَواه مسلمٌ. وقولُه ﷺ : «يَحلف خَمسونَ منكُم على رَجُلٍ منهُم، فيُدفَع إليكم بِرُمَّتِه». رَواه مسلمٌ، وفي لَفظٍ له: «ويُسلَم إليكُم»، وثُبوت القَوَدِ بالقَسامةِ كالبَيِّنةِ. مسألة: كَيفيَّةُ القَسامةِ: تُوجَّه أيمانُ القَسامةِ إلى أولياءِ الدَّمِ البالِغينَ العُقلاءِ مِنْ عَشيرةِ المقتولِ الوارِثينَ له، ولا خِلافَ بينهم في عَدمِ تَوجُّهِها إلى الصِّبيانِ والمجَانين؛ لأنَّ الصبيَّ ليس مِنْ أهلِ النُّصرةِ، وقولُ المجنونِ ليس صحيحًا، فلا قَسامةَ عليهما. قال الشافعيُّ: فإذا كان للقتيلِ وارِثَان فامتَنَع أَحدُهما مِنْ القَسامةِ؛ لم يَمنع ذلك الآخَرَ مِنْ أنْ يُقسِم خَمسين يَمينًا، ويَستحِقُّ نَصيبَه مِنْ الميراثِ. فيَحلِفون خَمسين يَمينًا، وتُوزَّع بينهم بقَدْرِ إِرثِهم مِنْ ذَوِي الفُروضِ والعَصَباتِ بقَدْرِ إِرثِهم منه. لحديثِ ابنِ أَبي حَثْمةَ، وفيه: «أتَحلِفون وتَستحِقُّون دَمَ صاحِبِكم؟»، قالوا: لا، قال: «فتَحلِفُ لكُم يَهودُ»، قالوا: لَيسُوا مسلمِين، فوَدَاه رسولُ اللهِ ﷺ مِنْ عندِه، فبَعَث إليهم بمائةِ ناقةٍ حتى أُدخِلَت عليهم الدَّارَ، قال سَهلُ: "لقد رَكضَتني منها ناقةٌ حمراءُ". رَواه مسلمٌ. وإذا كُسِرَت اليمينُ يُكمَل على ذِي الأكثرِ مِنْ الكُسورِ ولو أقلَّهم نصيبًا مِنْ غيرِه، كابنٍ وبنتٍ: على الابنِ ثلاثةٌ وثَلاثون يَمينًا وثُلثٌ، وعلى البنتِ ستةَ

стр. 54

عَشَر وثُلثان، فيُجبَر كَسرُ اليمينِ على البنتِ؛ لأنَّ كَسرَ يَمينِها أكثرُ مِنْ كسرِ يَمينِ الابنِ، وإنْ كانَت البنتُ أقلَّ نصيبًا فتَحلف سَبعةَ عَشر يَمينًا، فإنْ تَساوَت الكُسورُ جَبرَ كلُّ واحدٍ كَسرَه، كثلاثةِ بَنينَ: فعَلَى كلِّ واحدٍ منهم سَتةَ عَشَر وثُلثان، فتُكمَل على كلٍّ، فيَحلف كلٌّ منهم سَبعةَ عَشَر يَمينًا. وصِفةُ اليَمينِ بالنِّسبةِ للمدَّعِي: "والِله لقد قَتَل فلانُ بنُ فلانٍ الفلانيُّ فلانًا عَمدًا، أو شِبهَ عَمدٍ، أو خطأً، ونحوُ ذلك". وبالنِّسبةِ للمدَّعَى عليه: ك"واللهِ ما قَتلتُه ولا شارَكتُ في قَتلِه". وإذا تمَّت القَسامةُ: فالحقُّ حينئذٍ حتى في عَمدٍ لجميعِ الورَثَةِ؛ لأنه حقٌّ ثَبَت للميِّتِ، فصارَ لورَثَتِه كالدَّينِ. مسألة: إذا لم يَرْضَ الورَثَةُ بيَمينِ المدَّعَى عليه كانَت دِيَةُ القتيلِ في بيتِ المالِ؛ لأنه ﷺ وَدَى الأنصاريَّ لمَّا لم تَرْضَ الأنصارُ بيَمينِ اليهودِ؛ لأنه لم يَبْقَ سَبيلٌ إلى الثُّبوتِ، ولم يُوجَد ما يوجِبُ السُّقوطَ، فوَجَب الغُرمُ مِنْ بيتِ المالِ؛ لِئَلَّا يَضيعَ المعصومُ هَدرًا. مسألة: مَنْ ماتَ في زَحمةٍ كجُمعةٍ وطوافٍ؛ يُفدَى مِنْ بيتِ المالِ نصَّ عليه الإمام أحمد، لِما رُوي عن عمرَ وعليٍّ، ومنه ما رَوَى سعيدٌ في سُنَنِه عن إبراهيمَ قال: قُتِل رَجُلٌ في زِحامِ الناسِ بعَرفَةَ، فجاءَ أهلُه إلى عمرَ فقال: "بَيِّنتُكم على مَنْ قَتلَه"، فقال عليٌّ: "يا أميرَ المؤمنينَ لا يُطَلُّ دَمُ امرئٍ مسلمٍ، إنْ عَلِمتَ قاتِلَه، وإلا فأعطِ دِيَتَه مِنْ بيتِ المالِ".

стр. 55

بابُ الحُدودِ. قال شيخُ الإسلامِ كما في الاختياراتِ ٤١٦: "العُقوباتُ الشرعيَّةُ إنَّما شُرِعَت رحمةً مِنْ اللهِ تعالى بعِبادِه، فهي صادرةٌ عن رَحمةِ الخلقِ وإرادةِ الإحسانِ إليهم، ولهذا يَنبغي لمَن يُعاقِب الناسَ على ذُنوبِهم أنْ يَقصدَ بذلك الإحسانَ إليهم والرَّحمةَ لهم كما يَقصِدُ الوالدُ تأديبَ ولدِه، وكما يَقصِدُ الطبيبُ معالجةَ المريضِ". قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٣/ ٢١٦): "وكذلك الحُدودُ جعلها اللُه تعالى زَوَاجرَ للنُّفوسِ وعقوبةً ونَكالاً وتَطهيرًا، فشَرعُها مِنْ أعظمِ مَصالحِ العبادِ في المعاشِ والمعادِ، بل لا تَتِمُّ سياسةُ مَلِكٍ مِنْ ملوكِ الأرضِ إلا بزَواجِرَ وعُقوباتٍ لأربابِ الجرائمِ، ومعلومٌ ما في التَّحيُّلِ لإسقاطِها مِنْ مُنافاةِ هذا الغَرضِ وإبطالِه، وتَسليطِ النُّفوسِ الشِّرِّيرةِ على تلك الجناياتِ". والُحدودُ: جَمعُ حَدٍّ، وهو لُغةً: المَنْعُ، وحدودُ الله: مَحارمُه. واصطلاحًا: عُقوبةٌ مُقدَّرةٌ شَرعًا في مَعصيةٍ لتَمنعَ الوقوعَ في مِثلِها. والأصلُ في الحُدودِ: القرآنُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المَائدة: ٣٨]. والسُّنةُ كما سيَأتي. والإجماعُ: قال ابنُ حزمٍ في مَراتبِ الإجماعِ ص ٩٦: "أَجمعُوا أنَّ مَنْ اجتمع عليه حَدُّ الزِّنَى والخَمرِ والقَذفِ والقَتلِ أنَّ القتلَ عليه واجبٌ، واختلَفُوا أيُقامُ عليه قَبلَ ذلك سائرُ الحُدودِ أم لا؟ ".

стр. 56

مسألة: شُروطُ وجوبِ الحَدِّ: الأولُ: أنْ يَكون بالغًا عاقلاً؛ لحديثِ عليٍّ ﵁: «رُفِع القَلَمُ عن ثَلاثةٍ»، وتقدَّم قريبًا، وفي قِصَّةِ ماعزٍ «أَبِكَ جُنونٌ؟». رَواه مسلمٌ، ولأنه إذا سقَط عنه التَّكليفُ في العباداتِ، فالحدُّ أَولَى. الثَّاني: أنْ يَكون مسلمًا أو ذِمِّيًا؛ لأنِّ الذِّمِّيَّ مُلتزِمٌ لأحكامِ المسلِمينَ في ضَمانِ النَّفسِ والمالِ والعِرضِ، بمُقتضَى عَقدِ الذِّمَّةِ لقولِه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المَائدة: ٤٩]، بخلافِ الحربيِّ والمستأمَنِ. الثالثُ: أنْ يَكون عالمًا بالتِّحريمِ وإنْ جَهِل العقوبةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسرَاء: ١٥]، ولقولِ عمرَ وعثمانَ وعليٍّ: "لا حدَّ إلاّ على مَنْ عَلِمَه". أخرجَه الشافعيُّ في المسنَدِ وعبد الرزاق. الرابعُ: انتِفاءُ الشُّبهَةِ. الشُّبهَةُ في اللُّغةِ: هي الالْتِباسُ. وعُرِّفَت الشُّبهةُ عند الفقهاءِ: فقيل: ما يُشْبِه الثَّابتَ وليس بِثابتٍ. وقيل: ما وُجدَت فيه صورةُ المُبيحِ ولم تَثبُت إباحتُه. وقيل: التَّعارُض بين أدلَّةِ التَّحريمِ والتَّحليلِ. وذهبَ الجُمهورُ: إلى دَرْءِ الحدودِ بالشُّبهاتِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالَت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «ادْرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبهاتِ ما استَطعتُم» أخرجَه الترمذيٌّ، الدارقطنيُّ. وما رُوي موقوفًا عن عمرَ ﵁: "لَأنْ أُعطِّلَ الحدودَ بالشُّبهاتِ أَحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُقيمَها بالشُّبهاتِ" رواه ابنِ أبي شيبةَ.

стр. 57

وما رُوي موقوفًا عن ابنِ مسعودٍ ﵁: "ادْرَؤُوا الحدودَ والقَتلَ عن عِبادِ اللهِ ما اسْتَطعتُم" رواه عبدِ الرزاق، وابنِ أبي شيبةَ. قال ابنُ المنذرِ: "كلُّ مَنْ أَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ يَدرَأُ الحدَّ بالشُّبهةِ". وعند الظَّاهريَّةِ: أنَّ الحدودَ لا تُدرَأُ بالشُّبهاتِ؛ لأدلَّةِ وجوبِ إقامةِ الحدِّ (المحلَّى ١١/ ١٥٣). مِثالُه: لو وَطِئَ أَمَةً مُشترَكةً بينَه وبينَ غيرِه فالوَطءُ محرَّمٌ، لكنْ يَسقط عنه الحدُّ عند الجُمهورِ؛ لِشُبهةِ المِلكِ، وعند الظاهريَّةِ: يُحَدُّ؛ لِحرمةِ الوَطءِ. مسألة: يُقِيمُ الحدَّ الإمامُ أو نائبُه، باتِّفاقِ الأئمةِ؛ لأنه ﷺ كان يُقِيم الحدودَ، ثُم خُلفاؤُه مِنْ بَعدُ، ويَقوم نائبُ الإمامِ مَقامَه؛ لقولِه ﷺ في حديثِ أَبي هريرةَ ﵁: «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنْ اعتَرَفَت فارْجُمها». متَّفقٌ عليه، وأَمرَ برَجمِ ماعزٍ ولم يَحضُرْه. وللسَّيدِ إقامةُ الحدِّ بالجَلْدِ فقط على رَقيقِه القِنِّ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁: «إذا زَنَت الأَمَةُ فتَبيَّن زِنَاها فلْيَجلِدْها ولا يُثرِّبْ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. وعن عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَقِيموا الحدودَ على ما مَلكَت أَيمانُكم». رَواه مسلمٌ. مسألة: مَكانُ إقامةِ الحدِّ. يُقام الحدُّ في غيرِ المسجدِ، ويَحرُم فيه؛ لحديثِ حَكيمِ بنِ حَزامٍ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى أنْ يُستَقادَ بالمسجدِ، وأنْ تُنشَد الأشعارُ، وأنْ تُقامَ فيه الحدودُ". أخرجَه أحمدُ وأبو داودَ. وعن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ هذه المساجدَ لا

стр. 58

تَصلُح لشيءٍ مِنْ هذا البولِ، ولا القَذَرِ، إنَّما هي لذِكرِ اللهِ ، والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ». رَواه مسلمٌ. مسألة: تَحرُم شفاعةٌ وقَبُولُها في حَدِّ الله تعالى بَعدَ أنْ يَبلُغ الإمامَ أو نائبَه في البلدِ؛ لِما في الصَّحيحَين عن عائشةَ ﵂: "أنَّ قُريشًا أَهمَّهم شأنُ المخزوميَّةِ التي سَرقَت، فقالوا: مَنْ يُكلِّمُ فيها رسولَ اللهِ؟ فقالوا: ومَن يَجترئُ عليه إلاّ أسامةُ بنُ زيدٍ، قال: «يا أسامةُ أَتَشفَعُ في حدٍّ مِنْ حدودِ اللهِ؟ إنَّما هَلَك بَنُوا إسرائيلَ أنَّهم كانوا إذا سَرَق فيهم الشريفُ تَركُوه، وإذا سَرَق فيهم الضَّعيفُ أقامُوا عليه الحدَّ، والذي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِه لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سَرقَت لَقَطَعتُ يَدَها». وقد أَجمعَ المسلِمونَ على أنَّ تَعطيل الحَدِّ بمالٍ يُؤخَذ أو غيرِه لا يَجوز، وأَجمعُوا على أنَّ المالَ المأخوذَ مِنْ الزِّاني والسَّارقِ والشاربِ والمحارِبِ وقاطعِ الطَّريقِ ونحوِ ذلك لِتَعطيلِ الحدِّ مالٌ سُحْتٌ خَبيثٌ. مسألة: كَيفيَّةُ الجَلدِ. يُضرَب الرَّجُل في الحدِّ قائمًا، والمرأةُ جالسةً، وتُشَدُّ عليها ثيابُها؛ لِما روَى السائبُ بنُ يَزيدَ قال: "كُنَّا نُؤتَى بالشاربِ في عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وإِمْرَةِ أَبي بكرٍ، وصَدْرًا مِنْ خِلافةِ عمرَ، فنَقومُ إليه بأَيدِينا ونِعالِنا وأَرْدِيَتِنا، حتى كان آخرُ إِمرَةِ عمرَ، فجَلَد أربعينَ، حتى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جَلَد ثمانينَ". رَواه البخاريُّ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُتِي بيهوديٍّ ويهوديَّةٍ قد زَنَيَا، فانطلَق رسولُ اللهِ ﷺ حتى جاءَ يَهودَ … كنتُ في مَنْ رَجَمَهُما، فلقد رأيتُه يَقِيها مِنْ الحِجارةِ بنَفسِه". رَواه مسلمٌ. فدلَّ على أنَّ المرأةَ تُضرَب جالسةً.

стр. 59

ولِما روَى أبو داودَ مِنْ حديثِ عمرانَ ﵁: "فأمَر بها النبيُّ ﷺ فشُكَّت عليها ثِيابُها ثم أَمَر بها فرُجِمَت". وإسنادُه صحيحٌ. مسألة: صِفَةُ السَّوطِ. اتَّفق الأئمةُ على أنه يُجلَد الصَّحيحُ القويُّ في الحدودِ بسَوطٍ معتدِلٍ، ليس رَطبًا، ولا شديدَ اليُبُوسةِ، ولا خفيفًا لا يُؤلم، ولا غليظًا يَجرَح؛ لأنَّ الجديدَ يَجرحه، والخَلَقَ لا يُؤلِمُه. والضابطُ: أن يكون الضرب مما يُؤلمه ولا يضرُّه. قال في المُغنِي ١٠/ ٣٣٢: "لا يُمَدُّ ولا يُربَط، ولا نَعلمُ عنهم في هذا خلافًا … وجَلَد أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلَم يُنقَل عن أحدٍ منهم مَدٌّ ولا قَيدٌ ولا تَجريدٌ، ولا تُنزَعُ عنه ثيابُه بل يَكون عليه الثَّوب والثَّوبان، وإنْ كان عليه فَروٌ أو جُبَّةٌ محشُوَّةٌ نُزِعَت عنه؛ لأنه لو تُرِك عليه ذلك لم يُبالِ بالضَّربِ. قال أحمدُ: لو تُرِكَت عليه ثِيابُ الشِّتاءِ ما بالَى بالضربِ". ولا يُبالِغ بضَربِه بحيثُ يَشُقُّ الجِلدَ؛ لأنَّ المقصودَ تَأديبُه لا إهلاكُه، ولا يَرفعُ ضاربٌ يدَه بحيثُ يَبدُو إِبْطُه؛ لأنَّ ذلك مبالغةٌ في الضربِ، وسُنَّ أنْ يُفرِّقَ الضربَ على بَدَنِه لِيأخُذَ كلُّ عُضوٍ منه حظَّه، ولأنَّ تَوالِي الضربِ على عضوٍ واحدٍ يُؤدِّي إلى القتلِ، ويُكثِر منه في مَواضعِ اللَّحمِ، كالأَلْيَتينِ والفَخِذَين، ويَضربُ مِنْ جالسٍ ظَهرَه وما قارَبَه. ولا يَجوز أنْ يَضربَ الرَّأسَ والوجهَ والفَرْجَ والمَقاتِلَ، كالفؤادِ والخِصيَتَين؛ لِما روَى أَبو هُريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا قاتَلَ أَحدُكم فليَجْتَنِب الوَجْهَ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. ولأنه ربَّما أدَّى ضربُه على شيءٍ مِنْ هذه إلى قَتلِه، أو ذَهابِ مَنفعتِه.

стр. 60

ويُوالي بين الضربِ ولا يُفرِّق على الأيامِ إلا أنْ يَخشى مِنْ تَواليه هلاكَ المحدودِ. مسألة: أَشدُّ الجَلدِ في الحُدودِ: جَلدُ الزِّنَى، ثم جَلدُ القَذفِ، ثم جَلدُ الشُربِ، ثم جَلدُ التَّعزيرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَصَّ الزِّنَى بمزيدِ تأكيدٍ بقولِه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّور: ٢]، وما دُونَه أخفُّ منه في العَددِ، فلا يَجوزُ أنْ يَزيدَ عليه في الصِّفَةِ. ضابطٌ: ما خفَّ في عَددِه خفَّ في صِفَتِه. ضابطٌ: وجوبُ إقامةِ الحدِّ على الفورِ؛ لقِصَّةِ ماعزٍ ﵁ حيثُ لم يُؤخِّر النبيُّ ﷺ إقامةَ الحدِّ بعد اعترافِه. فلا يُؤخَّرُ لحَرٍّ أو بَردٍ إلا مع خَشيةِ الضَّررِ أو التَّلفِ، فيؤخَّرُ حتى تَزولَ المفسَدةُ. مسألة: المريضُ لا يَخلو مِنْ حالتَين: الأُولى: أنْ يُرجَى بُرؤُه فيؤخَّرُ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ للغامديَّةِ: «ارْجِعي حتَّى تَضعِي ما في بَطنِك»، ثُم قال لها: «ارْجِعي حتَّى تُرضِعيه». رَواه مسلمٌ. ولأنَّ في تأخيرِه إقامةَ الحدِّ على الكمالِ مِنْ غيرِ إتلافٍ، فكان أَولَى. الثانيةُ: أنْ لا يُرجَى بُرؤُه، فيُضربُ بسَوطٍ يُؤمَن معه التَّلفُ، فإنْ خِيفَ مِنْ السَّوطِ أُقيم بالعُثْكُولِ ونحوِه، كطَرَفِ ثَوبٍ. فرع: لا يجوز شرعًا إعادة العضوِ المقطوعِ في الحدِّ؛ لأن المقصود من الحد هو إتلاف هذا العضو الفاسد. فرع: يجوز التَّخديرُ عند إقامةِ الحدِّ؛ لأنَّه من الإحسان، إلا في الجلدِ؛ لأنَّ المقصود حصول الألم.

стр. 61

ضابطٌ: مَنْ مات في حَدٍّ -أي: بسَببِ إقامةِ الحدِّ- فالحقُّ قَتلَه، ولا شيءَ على مَنْ حدَّه؛ لأنه أَتَى به على الوجهِ المشروعِ، بأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه ﷺ . ومَن تعدَّى فزادَ ولو جلدةً، أو بسَوطٍ لا يَحتمِلُه المَجلودُ فتَلِف المحدودُ؛ ضَمِنَه بِدِيَتِه. مسألة: وهل يُحفَر للمرجومِ في الزِّنَى؟ النبيُّ ﷺ لم يَحفِر لليهوديَّين، ورَوَى بُرَيدةُ ﵁ في قصَّةِ رَجمِ الغامديَّةِ: " … ثُم أَمَر بها فحُفِر لها إلى صَدرِها، وأَمَر الناسَّ فرَجمُوها … ". رَواه مسلمٌ. ورَوَى بُرَيدةُ أيضًا في قصَّةِ رَجمِ ماعزٍ ﵁: "فلمَّا كان الرابعةُ حُفِرَ له ثُم أُمِر به فرُجِم". رَواه مسلمٌ. وفي حديثِ أَبي سعيدٍ ﵁ في رَجمِ ماعزٍ ﵁: " … فواللهِ ما حَفَرْنا له ولا أَوثَقْناه، ولكنْ قامَ لنا فرَمَيْناه بالعظامِ والخِرَقِ". رَواه مسلمٌ. وجُمِع: بأنه لم يُحفَر له أوَّلَ الأمرِ ثُم حُفِر له أخيرًا. والأقربُ: رُجوعُ الأمرِ إلى اجتهادِ الإمامِ. ويُسَنُّ أنْ يَشهد إقامةَ الحدِّ جماعةٌ مِنْ المؤمنين؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢]. فرعٌ: حُكمُ ما إذا اجتمَعَت الحدودُ: لا يَخلو مِنْ أمرَين: الأولُ: أنْ يَكون فيها قتلٌ. مِثلُ أنْ يَسرِقَ ويَزنِيَ وهو مُحصَنٌ، ويَشربَ الخَمرَ ويَقتُل في المُحارَبةِ: تَتَداخلُ الحدودُ، فيُقتلُ ويَسقُط سائرُ الحدودِ؛ لقولِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵃: "إذَا

стр. 62

اجْتَمَعَ حَدَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى، فِيهِمَا الْقَتْلُ أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ". ولأنَّ القتلَ أَقوى عقوبةٍ للزَّجرِ والرَّدعِ، ولا حاجةَ لِما سِواهُ مِنْ عقابٍ، فلا فائدةَ منه. الثاني: ألاّ يَكونَ فيها قَتلٌ. كما لو سَرَق وزَنَى غيُر المُحصَنِ، وشَرِب الخمرَ، فلا تَتَداخلُ ويُستوفَى جميعُها اتِّفاقًا. فرعٌ: التَّداخُل بين عقوبةِ جِنايةِ الحدِّ والقِصاصِ. ١ - اتَّفق الفقهاءُ على أنه إذا اجتَمَع على الجانِي حدُّ القذفِ والقِصاصُ بسبَبِ اعتِدائِه على ما دونَ النَّفسِ فإنَّها تُقام العُقوباتُ كلُّها؛ لأنَّ حقَّ الآدميِّ مبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ فهو كالدُّيونِ، وحقُّ اللهِ تعالَى مَبنيٌّ على المُسامحةِ. ٢ - إذا اجتَمَع على الجانِي حدُّ القَذفِ والقِصاصُ في النَّفسِ يُقام عليه حدُّ القَذفِ أوَّلاً، ثم يُقتَصُّ منه؛ لأنَّ حقَّ الآدَميِّين واجبُ الأداءِ، فهو مَبنيٌّ على المُشاحَّةِ، بخِلافِ حقِّ اللهِ تعالى المبنيِّ على المُسامحةِ. مسألة: رُجوعُ مَنْ عليه حدٌّ، لا يَخلو مِنْ أمرَين: الأولُ: أنْ يَكون ثُبوت الحَدِّ بالتَّوبةِ: فإنْ كانَت التَّوبةُ بَعدَ الرَّفعِ إلى وليِّ الأمرِ أو نائبِه لم يُقبَل رُجوعُه؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المَائدة: ٣٤]. ونَصُّه تعالَى على اعتبارِ تَوبةِ المُحارِبِ قَبلَ القُدرةِ عليه مِنْ بابِ التَّنبيهِ على اعتبارِ تَوبةِ غيرِه بِطَريقِ الأَولَى، فإذا دَفعَت تَوبتُه مع شِدَّةِ ضَررِه وتَعدِّيه فَلَأنْ تَدفَع تَوبةُ ما دَونَه بِطَريقِ الأَولَى. وفي الصَّحيحَين في قِصَّةِ الذي قال: أَصبتُ حدًّا، فأَقِمْه عليَّ، قال: «أَلَيسَ قَدْ صَلَّيتَ مَعَنا؟» قال: نعم، قال: «فإنَّ اللَه قد غَفَر لك ذَنْبَك». قد رَفَع اللهُ العقوبةَ عن التائبِ شَرعًا وقَدَرًا، فلَيس في شَرعِ اللهِ ولا في قَدَرِه

стр. 63

عقوبةُ تائبٍ ألبَتَّةَ، قال شيخُ الإسلامِ في السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ (١/ ٨٧): "ولِهذا اتَّفقَ العلماءُ -فيما أَعلمُ- على أنَّ قاطعَ الطريقِ واللِّصَّ ونحوَهُما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمرِ ثم تابُوا بعد ذلك لم يَسقُط الحدُّ عنهم، بل تَجِبُ إقامتُه وإنْ تابُوا، فإنْ كانُوا صادِقِين في التوبةِ كان الحدُّ الكفَّارةَ لهم، وكان تَمكينُهم -وذلك مِنْ تَمامِ التوبةِ- بمَنزِلَةِ ردِّ الحقوقِ إلى أهلِها، والتمكينُ مِنْ استِيفاءِ القِصاصِ في حقوقِ الآدَميِّين … ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [المَائدة: ٣٤]، فاستَثنَى التائِبِين قَبلَ القُدرةِ عليهم فقَط، فالتَّائبُ بَعدَ القُدرةِ عليه باقٍ في مَنْ وَجَب عليه الحدُّ؛ للعُمومِ والمفهومِ والتعليلِ". قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٣/ ١٧٣): "فإذا رُفِع إلى الإمامِ لم تُسقِط تَوبتُه عنه الحدَّ؛ لِئَلَّا يُتَّخذ ذلك ذَرِيعةً إلى تَعطيلِ حُدودِ اللهِ؛ إذْ لا يَعجِز كلُّ مَنْ وَجَب عليه الحدُّ أنْ يُظهِر التوبةَ لِيتخلَّص مِنْ العقوبةِ، وإنْ تابَ تَوبةً نَصوحًا؛ سدًّا لذَرِيعةِ السُّقوط بالكليَّةِ"، وذكَر قِصَّةَ توبةِ ماعزٍ. الأمرُ الثَّاني: أنْ يَكون ثُبوتُ الحدِّ بالإقرارِ؛ فإنه إنْ جاء تائبًا قُبِل رُجوعِه عن الحدِّ، وإلاّ لم يُقبَل.

стр. 64

فصلٌ: في حَدِّ الزِّنَى. الزِّنَى حرامٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، ومِن أكبرِ الذُّنوبِ بَعدَ الشِّركِ والقَتلِ، قال أحمدُ: "لا أعلمُ بَعدَ القتلِ ذَنبًا أعظمَ مِنْ الزِّنَى". ويَتفاوت، فزِنًى بذاتِ زَوجٍ أو مَحرَمٍ أَعظمُ، وإنْ كان زوجُها جارًا انضمَّ سوءُ الجِوارِ، أو قريبًا انضمَّ له قَطعُ الرَّحِم. فالزِّنى مِنْ أعظمِ الجرائمِ، وكبارِ المعاصِي؛ لِما فيه مِنْ اختلاطِ الأَنسابِ الذي يَبطُل معه التَّعارُف والتَّناصُر على إحياءِ الدِّينِ، وفيه هلاكُ الحَرثِ والنَّسلِ، ولِذَا زُجِر عنه بالقتلِ أو الجَلْدِ ليَرتَدِع عن مِثلِ فِعلِه مَنْ يَهُمُّ به، فيَعودَ ذلك بعِمارةِ الدُّنيا، وصلاحِ العالَمِ الموصِلِ لإقامةِ العباداتِ. قال تعالى: ﴿ … وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *﴾ [الفُرقان: ٦٨ - ٦٩]، ﴿أَثَامًا﴾ [الفُرقان: ٦٨] عقوبةً على فِعلِه، وعن أَبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : «لا يَزنِي الزَّانِي حينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ، ولا يَسرقُ حينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ، ولا يَشربُ حينَ يَشربُها وهو مؤمنٌ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. والزِّنى: فِعلُ الفاحشةِ في قُبُلٍ. مسألة: عُقوبةُ الزَّاني. إذا زَنَى المكلَّفُ المحصَنُ رُجِم حتَّى يَموتَ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ ﵄، وفيه قولُه ﷺ : «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا فإنْ اعتَرفَت فارْجُمها». متَّفقٌ عليه، ولحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁، وفيه: «البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبُ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ». رَواه مسلمٌ.

стр. 65

ولِرَجمِ النبيِّ ﷺ لماعزٍ والغامديةِ واليهودِيَّين. وقال عمرُ ﵁: "إنَّ اللهَ قد بَعَث محمَّدًا ﷺ بالحقِّ وأَنزَل عليه الكتابَ، فكانَ مِمَّا أَنزَل آيةُ الرَّجمِ … وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زَنَى إذا أُحصِن مِنْ الرِّجالِ والنساءِ إذا قامَت البَيِّنةُ أو الحَبَلُ أو الاعترافُ". متَّفق عليه. والمُحصَن: مَنْ وَطِئَ امرَأتَه في نِكاحٍ صحيحٍ، لحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ: "والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ". رَواه مسلمٌ. قال ابنُ المنذرِ في الإجماعِ ١/ ٤٤ "أَجمعُوا على أنَّ المرءَ لا يَكون بعدَ النِّكاحِ مُحصَنًا حتَّى يَكون معه الوطءُ". ولا يُجمَع بين الجَلدِ والرَّجمِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رَجَم ماعزًا والغامديَّةَ واليهوديَّين ولم يَجلِدْهم -وتقدَّمَت قريبًا-، ولحديثِ أَبي هريرةَ وزَيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵄، وفيه قولُه ﷺ : «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا فإنْ اعترَفَت فارْجُمها». متَّفق عليه، ولم يَذكر الجَلدَ. مسألة: وإذا زَنَى المكلَّفُ الحرُّ غيرُ المُحصَنِ؛ جُلِد مائةَ جَلدةٍ بالاتِّفاقِ؛ لقولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّور: ٢]. وغُرِّب أيضًا -مع الجَلدِ- عامًا؛ لحديثِ عُبادةَ ﵁، وفيه قولُه ﷺ : «البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلدُ مِائةٍ والرَّجمُ». رَواه مسلمٌ، ولحديثِ أَبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵄، وفيه قولُه ﷺ : «وعلى ابنِكَ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ». متَّفق عليه. مسألة: اختَلَف العلماءُ في كَيفِيَّةِ التَّغريبِ. فعِند الشافعيَّةِ والحنابلةِ: أنَّ التَّغريبَ هو النَّفيُ؛ لِما تقدَّم مِنْ حديثِ

стр. 66

عُبادةَ ﵁، وفيه: «ونَفيُ سَنَةٍ». وعند أَبي حنيفةَ: التَّغريبُ أنْ يُحبَس في بلدِ الزِّنَى. وعند مالكٍ: التَّغريبُ أنْ يُحبس في البلدِ الذي يُغرَّب إليه. ولو كانَ المَجلودُ امرأةً فتُغرَّب مع مَحرمٍ وعليها أُجرَتُه. وإذا زَنَى الرقيقُ جُلِد خَمسينَ جَلدةً؛ لقولِه تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥] والعذابُ المذكورُ في القرآنِ: مِائةُ جَلدةٍ لا غيرُ. مسألة: عُقوبةُ اللُّوطِيِّ. اللِّوَاطُ: إِتيانُ الذَّكرِ الذَّكرَ في دُبُرِه. وعُقوبتُه: القَتلُ حَدًّا مطلقًا، سواءٌ كان مُحصَنًا أو غيرَ مُحصَنٍ، فاعلاً أو مفعولاً، إذا كان كلٌّ منهما مكلَّفًا مُختارًا. وأَجمع المسلِمون على أنَّ فِعلَ قَومِ لُوطٍ مُحرَّمٌ، ومِن كبائرِ الذُّنوبِ، وأنه مِنْ أَبشَعِ المنكَراتِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «مَنْ وجدتُموه يَعمل عملَ قومِ لوطٍ فاقتُلوا الفاعلَ والمفعولَ به». رَواه أحمدَ، أبو داودَ، والترمذيُّ. ووَرَد أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ كتَب إلى أَبى بكرٍ الصديقِ ﵄ في خِلافتِه يَذكر له أنه وَجَد رَجُلاً في بعضِ نَواحِي العربِ يُنكَح كما تُنكَح المرأةُ، وأنَّ أبا بكرٍ ﵁ جَمَع الناسَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَهم عن ذلك، فكان مِنْ أَشدِّهم يومئذٍ قَولاً عليُّ بنُ أَبى طالبٍ ﵁ قال: "إنَّ هذا ذَنبٌ لم تَعصِ به أُمَّةٌ مِنْ الأُمَمِ إلاّ أُمَّةً واحدةً صَنَع اللهُ بها ما قد عَلِمتُم، نَرَى أنْ نُحرقَه بالنَّارِ،

стр. 67

فاجتَمَع رأيُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ على أنْ يُحرقَه بالنارِ، فكتَبَ أبو بكرٍ ﵁ إلى خالدِ بنِ الوليدِ يأمُره أنْ يُحرقَه بالنارِ" رَواه البيهقيُّ في السُّننِ الكبرَى. مسألة: وَطءُ المَيِّتةِ: لا خلافَ بين الفقهاءِ في حُرمةِ وَطءِ المَيتةِ، سواءٌ أكانَت في حياتِها زوجتَه أم أجنبيَّةً عنه، وعدَّه ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ مِنْ كبائرِ الإثمِ والفواحشِ. ويَجِب الحدُّ بوَطءِ الميِّتةِ؛ لأنه وَطءٌ في فَرجِ آدميَّةٍ، فأَشبَه وطءَ الحيَّةِ، ولأنه أَعظمُ ذنبًا وأكبُر إثمًا؛ لِضَمِّه إلى الفاحشةِ هَتْكَ حُرمةِ الميِّتِ. مسألة: وَطءُ البَهيمةِ. اتَّفق الأئمةُ على حُرمةِ وَطءِ البَهيمةِ؛ لدخولِه تحتَ عمومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. ولِما روَى أبو هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَلعونٌ مَنْ أَتى شيئًا مِنْ البَهائِمِ» أخرجَه الطبرانيُّ في الأوسط. قال الفَخرُ الرازيُّ: أَجمعَت الأُمَّةُ على حُرمةِ إتيانِ البَهائمِ. ونصَّ جَمعٌ مِنْ الفقهاءِ على أنه مِنْ كبائرِ الإثمِ والفواحشِ، ولا يَجِب الحدُّ بوَطئِها، ويُبالَغ في تَعزيرِه؛ لأنه قد أَتى منكَرًا، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعَارج: ٢٩ - ٣٠]، ولم يَصِحَّ في وجوبِ الحدِّ بوَطئِها شيءٌ عن النبيِّ ﷺ كحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: «مَنْ أَتى بَهيمةً فاقتُلوه واقتُلُوهَا مَعَه». أخرجَه أبو داودَ.

стр. 68

ويَجِب قتلُ البهيمةِ، سواءٌ أكانَت مملوكةً للفاعلِ أم لغيرِه، مأكولةً أم غيرَ مأكولةٍ، للحديثِ السابقِ وإن كان ضعيفًا، ولأنَّ في بقائِها تَذكارًا للفاحشةِ، فيُعيَّرُ بها. وعلى القولِ بقتلِ البهيمةِ المَوطوءَةِ أو نَدبِه فإنَّها إنْ كانَت للفاعلِ ذَهبَت هَدرًا؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَضمَن مالَ نَفسِه، وإنْ كانَت لغيرِ الواطِئِ يَجِب ضَمانُها على الفاعلِ؛ لأنَّها أُتلفَت بسَببِه، أَشبَه ما لو قَتَلها. ويَحرم أَكلُها، وذلك لأنَّها حيوانٌ يَجِب قتلُه لحقِّ اللهِ تعالى، فلَم يَجُز أَكلُه كسائرِ المقتولاتِ لحقِّ اللهِ تعالى. وعن أَبي حنيفةَ -وبه قال المالكيَّةُ، والشافعيَّةُ-: جوازُ أَكلِها مع عدمِ الكراهةِ. وذلك لقولِه تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المَائدة: ١]، حيثُ جاء ذِكرُ الحِلِّ في الآيةِ مطلقًا، ولم يُفصَل بين الموطوءَةِ وغيِرها. ولأنَّها لم تُذكَر مع المحرَّماتِ في قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المَائدة: ٣]، ولأنَّها حيوانٌ مِنْ جنسٍ يَجوز أكلُه، ذبَحَه مَنْ هو مِنْ أهلِ الذَّكاةِ فحَلَّ أكلُه، كما لو لم يُفعَل به هذا الفعلُ. مسألة: لا يَجِب الحدُّ إلا بالشُّروطِ السابقةِ العامَّةِ لكلِّ حَدٍّ، وأيضًا يُشترَط شَرْطان: أحدُهما: تَغيِيبُ الزَّانِي حَشَفتَه الأصليَّةَ كلَّها في الفرجِ المحرَّمِ. الشَّرطُ الثَّاني: ثُبوتُ الزِّنى. ولا يَثبُت إلا بأحدِ أمورٍ:

стр. 69

أحدُها: أنْ يُقِرَّ به، اتَّفق الفقهاءُ على ثُبوتِ الزِّنَى بالإقرارِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رَجَم ماعزًا والغامديَّةَ بإقرارَيهِما. ويَكفِي لإقرارٍ مَرَّةٌ واحدةٌ، لأنَّ النبيَّ ﷺ اكتَفَى مِنْ الغامديَّةِ بإقرارِها مرَّةً واحدةً. ويُشترَط في الإقرارِ أنْ يَكون مفصَّلاً مبيِّنًا لحقيقةِ الوَطءِ؛ لِتَزولَ التُّهَمةُ والشُّبهةُ، ولقولِ النبيِّ ﷺ لماعزٍ: «لعلَّك قَبَّلتَ أو غَمَزتَ أو نَظَرتَ؟» قال: لا يا رسولَ اللهِ، قال: «أَنِكتَها؟»، لا يَكْنِي، فعِند ذلكَ أَمَر برَجْمِه. وفي روايةٍ: قال: «حتَّى غابَ ذلكَ مِنْكَ في ذلكَ مِنها؟» قال: نعَم، قال: «كَمَا يَغِيب المِرْوَدُ في المُكْحُلةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟» قال: نعم. قال: «فهل تَدرِي ما الزِّنَى؟» قال: نعَم، أَتيتُ منها حرامًا ما يَأتي الرَّجُل مِنْ امرأتِه حَلالاً. أخرجَها أبو داود، والنسائيُّ. ويَأتي ما يتعلَّق بشُروطِ الإقرارِ في آخِرِ الكتابِ. الأمرُ الثَّاني: مِمّا يَثبُت به الزِّنَى: الشَّهادةُ بالإجماعِ. وذلك أنْ يَشهد عليه بزِنًى واحدٍ أربعةٌ يَصِفُونه؛ لقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النُّور: ٤]، لأنَّ النبيَّ ﷺ لمّا أقرَّ عندَه ماعزٌ، قال له: «أَنِكتَها؟»، لا يَكْنِي، قال: نعَم، قال: «كمَا يَغِيب المِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ، والرِّشاءُ في البِئرِ؟» قال: نعَم. وتقدَّم قريبًا. ولقولِه ﷺ لهلالِ بنِ أُميَّةَ: «ائْتِ بأربعةِ شُهداءَ يَشهدون على صِدقِ مَقالَتِك، وإلاّ فحدٌّ في ظَهرِك». رَواه البخاريُّ. وعند ابنِ حَزمٍ: أنه يُقبَل في الزِّنَى امرَأَتان مُسلِمَتان عَدلَان، فيَكونُ الشُّهودُ ثلاثةَ رجالٍ وامرَأَتَين، أو رَجُلَين وأربعَ نِسوةٍ، أو رَجُلاً وستَّ نِسوةٍ،

стр. 70

أو ثَمانِيَ نِسوةٍ فقَط؛ لأنَّ النِّساءَ مِنْ أهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، سواءٌ أَتَوا القاضيَ جُملةً، أو مُتفرِّقين. الثالثُ: القَرائِنُ، كأنْ تَحمِل امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّدَ، فقَرينةٌ على الزِّنَى؛ لقولِ عمرَ ﵁: "والرَّجمُ في كتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زَنَى إذا أُحصِن، مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَت البيِّنةُ أو كان الحَبَلُ أو الاعتِرافُ". متَّفق عليه. وقال شيخُ الإسلامِ كمَا في السِّياسةِ الشرعيَّةِ (١/ ١٣٣): "هو المَأثورُ عن الخُلفاءِ الراشِدِين، وهو الأَشبَهُ بالأصولِ الشرعيَّةِ، ومَذهبِ أهلِ المدينةِ، فإنَّ الاحتِمالاتِ النادرةَ لا يُلتفَت إليها، كاحتمالِ كَذِبِها وكَذِبِ الشُّهودِ". ما لم تَدَّعِ شُبهةً، بأنْ ادَّعَت أنَّها مُكرَهةٌ، أو وُطِئَت بشُبهَةٍ يُمكن تَصديقُها؛ لِما ورَد أنَّ عمرَ ﵁ "أُتِي بامرأةٍ حامِلٍ غيرِ ذاتِ زَوجٍ فسَأَلها عنه، فقالَت: لم أُحِسَّ حتى رَكِبَني رَجُلٌ فقَذَف فيَّ مِثلَ الشِّهابِ، فقالَ عمرُ: دَعُوها فإنَّها تائبةٌ". رَواه البيهقيُّ.

стр. 71

فصلٌ: في حَدِّ القَذفِ. القَذفُ لُغةً: الرَّميُ مطلقًا، والتَّقاذُف: التَّرامِي. واصطلاحًا هو: الرَّميُ بزِنًى أو لِواطٍ. القَذفُ: محرَّمٌ ومِن كبائِرِ الذُّنوبِ، والأصلُ في تَحريمِه القرآنُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *﴾ [النُّور: ٤]. والسُّنةُ، لِما روَى أبو هريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اجتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، قالُوا يا رسولَ اللهِ وما هي؟ قال: «الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّم اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبَا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ المُؤمِناتِ الغَافِلاتِ». متَّفق عليه. والإجماعُ قائمٌ على تَحريمِه، وأنه مِنْ الكبائرِ. والحِكمةُ مِنْ مَشروعيَّتِه: الدَّرْءُ عن أَعراضِ المَعصُومِين، وعُقوبةُ المُعتدِين، وطُهْرةُ الجَانِين. مسألة: يَجِب القَذفُ إذا رأَى زوجتَه تَزنِي في طُهرٍ لم يَطَأْها فيه، ثم تحمل فيَعتزلُها إلى أن تَلِد ما يُمكِن كَونُه مِنْ الزَّانِي فيَلزمُه قَذفُها لِنَفيِ الوَلدِ باللِّعانِ؛ إذْ لم يُمكن نَفيُه إلا باللِّعانِ. مسألة: يُباح القَذفُ إذا رأَى زوجتَه تَزنِي ولم تَلِد ما يَلزمُه نَفيُه، بأنْ لم تَلِد، أو وَلدَت ما لا يَغلِب على ظَنِّه أنه مِنْ زانٍ.

стр. 72

فرعٌ: إنْ عَلِم المقذوفُ بالقَذفِ فيَجِب إخبارُ المقذوفِ واستِحلالُه؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كانَت عندَه مَظلَمةٌ لأَحدٍ مِنْ عِرضٍ أو شَيءٍ فلْيَتحلَّلْه اليومَ قَبلَ ألاّ يَكونَ دينارٌ ولا دِرهمٌ». رَواه البخاريُّ. وإنْ لم يَعلم؛ لا يَجِب إخبارُ المقذوفِ واستِحلالُه، بل تَكفي التوبةُ مع الاستغفارِ والدعاءِ، والثناءِ عليه؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُود: ١١٤]، ولقولِه ﷺ : «وأَتبِع السيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُها». رَواه أحمدُ والترمذيُّ وصحَّحه، ولأنَّ إخبارَ المقذوفِ تَترتَّب عليه فِتنةٌ وعداوةٌ. مسألة: العُقوباتُ المترتِّبةُ على القذفِ: ١ - الجَلدُ: إذا قذفَ المكلَّفُ المختارُ مُحصَنًا؛ جُلِد ثَمانينَ جَلدةً؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]. ٢ - الحكم عليه بالفِسْق. ٣ - ردُّ الشَّهادةِ، ورَدُّ الشهادةِ يَسقُط بالتوبةِ؛ للآيةِ الآتيةِ. مسألة: شُروطُ الإحصانِ في القَذفِ. الشَّرطُ الأولُ: الإسلامُ، فمَن قَذَف غيرَ مسلمٍ لم يُحَدَّ، وإنَّما يُؤدَّب باتِّفاقِ الأئمةِ، قال ابنُ المنذِرِ: "وجُملةُ العلماءِ مُجمِعون، وقائِلُون بهذا القولِ، ولم أُدرِك أَحدًا ولا لَقِيتُه يُخالِف ذلك"؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النُّور: ٤ - ٥]. الشَّرطُ الثَّاني: العَقلُ، باتِّفاقِ الأئمةِ، فلا يُحَدُّ مَنْ قَذَف مَجنونًا، ولكنْ

стр. 73

يُعزَّر؛ لِعَدمِ لُحوقِ المَعرَّة بقَذفِه، ولأنه لا يَجِب عليه حَدُّ الزِّنَى لو زَنَى. الشَّرطُ الثالثُ: العِفَّةُ، باتِّفاقِ الأئمةِ للآيةِ والحديثِ السابقَين، وقولِه: ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ [النُّور: ٢٣] أي: عن الزِّنَى. الشَّرطُ الرابعِ: البُلوغُ، فلا يُحَدُّ مَنْ قَذَف صبيًّا؛ لأنه أَحدُ شَرطَي التَّكليفِ فأَشبَه العقلَ، ولأنَّ زِنَى الصَّبيِّ لا يُوجِب حدًّا فلا يَجِب الحدُّ بالقَذفِ به، كزِنَى المجنونِ. وإنْ قَذَف غيرَ المُحصَنِ، وهو مَنْ تَخلَّف في شَرطٍ مِنْ شروطِ الإحصانِ السابقةِ، كذِمِّيٍّ وصغيرٍ، فيَجِب التَّعزيرُ على القاذفِ؛ لارتِكابِه المعصيةَ. مسألة: حَدٌّ القذفِ حقٌّ للمقذوفِ، وفيه حقٌّ للهِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ دِمائَكُم، وأَموالَكُم، وأَعراضَكُم عَلَيكُم حَرامٌ». متَّفق عليه، فأضافَ النبيُّ ﷺ العِرْضَ إلى الشَّخصِ، فيَسقُط بعَفوِه، ولا يُقام إلا بطَلَبِه، لكنْ لا يَستَوفِيه بنَفسِه. وإنْ ماتَ المقذوفُ فإنَّ حَدَّ القَذفِ يُورَث مطلقًا؛ لأنه حقٌّ مِنْ حُقوقِ المقذوفِ، فكان للوارِثِ القيامُ به اعتبارًا بسائِرِ حُقوقِه. لكنْ إنْ سَقَط الحَدُّ بعفوِ المقذوفِ؛ عُزِّر لحقِّ اللهِ تعالى. مسألة: صِيغةُ القَذفِ: ألفاظُ القَذفِ تَنقسِم إلى: ١ - صَريحٍ: وهو ما لا يَحتمل غيَر القَذفِ، والمَرجعُ في ذلك العُرفُ، كقولِ القاذفِ: «يا زانِي»، «يا لُوطِيّ»؛ لأنَّ اللُّوطِيَّ في العُرفِ: مَنْ يَأتي الذُّكورَ.

стр. 74

وإنْ قال: أَردتُ ب «زانِي»: زَانِيَ العَينِ، ونحوَه، أو: أنَّك مِنْ قومِ لُوطٍ، أو: أنَّك تَعملُ عَملَهم غيرَ إتيانِ الذُّكورِ؛ لم يُقبَل. وك «يا عاهِرُ»، أو «قد زَنَيت»، أو «زَنَى فَرجُك»، و «يا مَنْيُوكُ»، و «يا مَنْيُوكَةُ». ٢ - كِنايةُ القَذفِ، وهو ما يَحتمِل القَذفَ وغيرَ القَذفِ، والمَرجعُ في ذلك العُرفُ، كقولِ القاذفِ: «يا قَحْبَةُ»، و «يا فاجِرَةُ» و «يا خَبِيثَةُ» و «فَضَحتِ زَوجَك»، أو «نَكَّستِ رَأسَه»، ونحوُ ذلك. وإنْ فسَّرَه بغيرِ القَذفِ؛ قُبِل مع يَمينِه؛ لأنه يَحتملُ غيرَ الزِّنَى، وعُزِّر؛ لارْتِكابِه المَعصيةَ. مسألة: قولُه: «يا كافرُ، يا فاسقُ، يا فاجرُ، يا حمارُ»، ونحوُه: يُعزَّر. وقال بعضُ العلماءِ: يَقولُ له مِثلَ ما قالَ. مسألة: إذا قَذَف جماعةً بكَلِماتٍ، بأنْ قال لكلِّ واحدٍ: «يا زانٍ» فلكُلِّ واحدٍ حَدٌّ؛ لأنَّها حُقوقٌ لآِدمِيِّين فلَم تَتَداخَل، كالدُّيُون. وأمّا إذا قَذفَهم بكَلِمةٍ واحدةٍ فعَلَيه حَدٌّ واحدٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، ولم يُفرِّق بين قَذفِ واحدٍ أو جماعةٍ. ولأنَّ الحدَّ إنَّما وَجَب بإدخالِ المَعرَّةِ على المقذوفِ بقَذفِه، وبِحَدٍّ واحدٍ يَظهَر كَذِبُ هذا القاذفِ وتَزولُ المَعرَّةُ فوَجَب أنْ يُكتفَى به. مسألة: إذا قَذَف جماعةً لا يَجوز أنْ يَكونوا كُلُّهم زُناةً عادةً -كأهلِ بلدٍ مثلاً- لم يَجِب الحدُّ؛ لأنَّ الحدَّ إنَّما يَجِب لِنَفيِ العارِ، ولا عارَ على

стр. 75

المَقذوفِ لأنَّا نَقطع بكَذِبِه، ويُعزَّر للكَذِبِ، وقيل: يُحَدُّ لِوُجودِ القذفِ. ومَن قَذَف مَيِّتًا حُدَّ بطَلبِ وارثٍ. ومَن قَذَف نَبِيًّا كَفَر وقُتِل، أو قَذَف أُمَّ النبي كَفَر؛ لأنه رِدَّةٌ عن الإسلامِ وخُروجٌ عن المِلَّةِ، وكذلك السَّبُّ بغَيرِ القذفِ يُسقِط الإسلامَ. قال شيخُ الإسلامِ في مَجموعِ الفَتاوَى (٣٢/ ١١٩): "ولهذا كان مَنْ قَذَف أُمَّ النبيِّ ﷺ يُقتَل؛ لأنه قَدَح في نَسبِه، وكذلك مَنْ قَذَف نِساءَه يُقتَل؛ لأنه قَدَح في دِينِه، وإنَّما لم يَقتُلهم النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّهم تَكلَّموا بذلك قَبلَ أنْ يَعلم بَراءَتها". ولو تابَ أو كان كافرًا فأَسلَم لم يَسقُط؛ لأنه حدُّ قَذفٍ، فلا يَسقُط بالتوبةِ أو الإسلامِ.
следующие страницы →