Полный текст (170 стр.). Показаны 141–170 · переход к 146.
стр. 141
فذهَبَ الجُمهورُ: إلى أنه لا يَجوز للقاضِي قَبولُ هديَّةِ مِنْ لم تَجرِ عادتُه بمُهاداتِه، وإنْ كان ليس له خُصومةٌ؛ لحديث أَبي حُميدٍ السَّاعِديِّ ﵁، وفيه قولُه ﷺ : «ما بالُ عاملٍ أَبعَثُه فيقولُ: هذا لكُم، وهذا أُهدِيَ لِي، أَفَلا قَعَدَ في بيتِ أَبيه وأُمِّه حتَّى يَنظُر أَيُهدَى إليه أم لا» متَّفق عليه.
مسألة: يُكرَه للقاضِي أنْ يَتولَّى البيعَ والشِّراءَ بنَفسِه، سواءٌ كان البيعُ في مَجلسِ القضاءِ أو خارجَه، إلاّ أنْ يَحتاجَ مُباشرَتَه ولم يَكُنْ له مَنْ يَكفيه، فيَجوز له ذلك حينئذٍ مَنْ غيرِ كَراهةٍ، ويَنبغي أنْ يُوكِّلَ في ذلك مَنْ لا يُعرَف أنه وَكيلُه؛ لِئلَّا يُحابَى.
مسألة: يُستحَبُّ للقاضِي ألاّ يّحكُم إلاّ بحَضرةِ الشُّهودِ؛ ليَستَوفيَ بهم الحقَّ.
مسألة: يَنفُذ حُكمُه لِمَنْ لا تُقبَل شَهادتُه له، كوالِدِه، ووَلَدِه، وزَوجتِه، وعلى عدُوِّه بالبيِّنةِ؛ لأنَّ القاضِيَ أَسيرُ البيِّنةِ، فلا تَظهَر منه تُهَمةٌ.
ولا يُنقَض مِنْ حُكمِ القاضِي، إلاّ ما خالفَ نصَّ كتابِ اللهِ أو سُنَّةَ رسولِه، كقَتلِ مُسلمٍ بكافرٍ، أو إجماعًاً قَطعيًّا، أو ما يَعتقدُه، فيَلزَم نَقضُه.
مسألة: لا يَلزَمُ إحضارُ المريضِ ونحوِه المدَّعَى عليه؛ للمشقَّةِ، ويُؤمَر أنْ يُوكِّل، فإنْ وَجبَت عليه يَمينٌ بَعَث إليه القاضِي مَنْ يُحلِّفه.
стр. 142
فصلٌ: في كَيفيَّةِ القضاءِ.
الدَّعوَى لُغةً: الطَّلبُ، قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ *﴾ [يس: ٥٧] أي: يَطلُبون.
واصطلاحًا: إضافةُ الإنسانِ إلى نَفسِه استِحقاقَ شيءٍ في يَدِ غَيرِه، أو ذِمَّتِه.
المُدَّعِي: مَنْ إذا سَكَت عن الدَّعوَى تُرِك.
والمدَّعَى عليه: مَنْ إذا سَكَت لم يُترَك، فهو المُنكِرُ.
إذا حَضَر الخَصمانِ للقاضِي سَألَهما القاضِي: أيُّكما المدَّعِي؟ لأنَّ سُؤالَه عن المدَّعِي مِنهما لا تَخصيصَ فيه لواحدٍ منهما، وإنْ شاء القاضِي سَكَت حتَّى يَبدأَ الخصمُ.
فإذا ذَكَر المدَّعِي دَعوَاه، فالمدَّعَى عليه لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ: إمَّا أنْ يُقِرَّ، أو يَسكتَ، أو يُنكرَ.
فإنْ أَقرَّ المدَّعَى عليه للمدَّعِي؛ حُكِم له عليه.
وإنْ أَنكَر المدَّعَى عليه، أو سَكَت المدَّعى عليه ولم يُجِب -فهو كالمنُكِرِ-؛ قال القاضِي للمدَّعِي: إنْ كان لكَ بَيِّنةٌ فأَحضِرْها إنْ شِئتَ، فإنْ أَحضَرَها سَمِعَها وحَكَم بها، إذا اتَّضَح له الحُكمُ، فإنْ لم يَتَّضِح له الحُكمُ أَخَّرَه حتَّى يَتَّضِحَ له.
فإنْ لم يَكُنْ للمدَّعِي بيِّنةٌ، فعَلَى المدَّعَى عليه اليمينُ، فإذا حَلَف المدَّعَى عليه بَرِئَ، وإنْ أَبَى أنْ يَحلِف حَكَم عليه القاضِي؛ لِما روَى وائلُ بنُ حُجرٍ
стр. 143
الحَضرميُّ أنَّ رَجُلَين اختَصَمَا إلى النبيِّ ﷺ ، حَضْرميٍّ وكِندِيٍّ، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا غَلَبَني على أرضٍ لي، فقال الكِندِيُّ: هي أَرضِي وفي يَدِي، وليسَ له فيها حقٌّ، فقال النبيُّ ﷺ للحَضرميِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قال: لا، قال: «فَلَكَ يَمِينُه». رَواه مسلمٌ.
ولحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لو يُعطَى الناسُ بدَعْوَاهُم لادَّعَى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأَموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه». متَّفق عليه.
فإنْ حَلَف المُنكِرُ وخَلَّى الحاكمُ سَبيلَه، ثُم أَحضَر المدَّعِي بيِّنةً عليه حَكَم القاضِي بها، ولم تَكُنْ اليمينُ مُزيلةً للحقِّ.
وللقاضِي أنْ يَرُدَّ اليمينَ على المدَّعِي إذا رَأَى ذلك بأنْ كان المدَّعِي عالماً بما يَدَّعِيه مِنْ صِدقِ نَفسِه وصِحَّةِ دَعوَاه، فيَجوز رَدُّ اليمينِ عليه ويُحكَم له بِما يَدَّعِيه، فإنْ امتَنَع سَقطَت دَعوَاه.
وإنْ كان الذي يَنفرِد بمَعرفةِ الأمرِ هو المدَّعَى عليه ولا يُشارِكُه في ذلك المدَّعِي، فيَجِب على المدَّعَى عليه أنْ يَحلِف وليس له أنْ يَرُدَّ اليمينَ، وإنْ امتَنَع حُكِم عليه؛ لأنَّ هذا ما ثَبَت عن الصحابةِ ﵃.
مسألة: البيِّنةُ في اللُّغةِ: وُضوحُ الشيءِ وانكِشافُه.
واصطلاحًاً: اسمٌ لكُلِّ ما يُبيِّن الحقَّ ويُظهِره لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحَديد: ٢٥] والمرادُ الحُجَّةُ والدَّليلُ والبُرهانُ.
وعن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ: "أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن اللُّقَطَةِ قال: «عَرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ وِكَاءَها وعِفَاصَها، ثُم اسْتَنْفِقْ بِها، فإنِ جاءِ رَبُّها فأَدِّها إليه». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
стр. 144
والرسولُ ﷺ جَعَل وَصْفَ اللُّقَطَةِ بيِّنةً على صِدقِ طالِبِها أنَّها له.
وعلى هذا تَشمَل البيِّنةُ الشَّهادةَ، والوَثائِقَ، والقَرائِنَ، وغيرَ ذلك.
مسألة: لا يَحكُم القاضِي بعِلمِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄: قال النبيُّ ﷺ : «لو رَجَمتُ أَحدًا بغَيرِ بَيِّنةٍ، رَجَمتُ هَذِه». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ، ولأنَّ تَجويزَ القضاءِ بعِلمِ القاضِي يُفضِي إلى تُهَمَتِه، وحُكمِه بما يَشتَهِي.
قال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحُكمِيَّةِ ص ٢٩١: "وقد ثَبَت عن أَبي بكرٍ وعمرَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وابنِ عباسٍ ومعاويةَ المنعُ مِنْ ذلك، ولا يُعرَف لهُم في الصحابةِ مُخالفٌ".
ويَجوز الحُكمُ بعِلمِه في أمور:
١ - فيما يَحدُث في مَجلسِ حُكمِه كإقرارِ الخَصمِ.
٢ - أنَّ له الحُكمَ بعِلمِه في التَّجريحِ والتَّعديلِ للشُّهودِ.
стр. 145
٣ - يَحكُم بعِلمِه في حقِّ اللهِ تعالى على وَجهِ الحِسبَةِ، كأنْ يَسمَعَ مَنْ يُطلِّق زَوجَته طلاقًا بائنًا ثُم يَدَّعي الزَّوجيَّةَ بعدَ ذلك.
وإنْ جَرَح الخصمُ الشُّهودَ كُلِّف البيِّنةَ بالجَرحِ، وإنْ شَكَّ في الشُّهودِ سَألَهم القاضِي كيفَ تَحمَّلُوا الشهادةَ؟ وأينَ تَحمَّلُوها؟
فإنْ لم يَأتِ مدَّعِي الجَرحِ ببيِّنةٍ حُكِم عليه؛ لأنَّ عَجزَه عن إقامةِ البيَّنةِ على الجَرحِ دَليلٌ على عدمِ ما ادَّعاه.
مسألة: القاضِي بالنِّسبةِ للبيِّنةِ لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
١ - أنْ يَعلمَ عَدالَتَهم فيَحكُمَ بها.
٢ - أنْ يَعلمَ جَرحَهم فيَرُدَّها.
٣ - أنْ يَجهلَ القاضِي حالَ البيِّنةِ، فيَطلُبُ مِنْ المدَّعِي تَزكِيَتَهم لتَثبُتَ عَدَالَتُهم فيَحكُمَ له، ويَكفي في التَّزكِيَةِ واحدٌ يَشهدُ بعَدَالةِ الشَّاهدِ.
مسألة: إنْ احتاجَ القاضِي مَنْ يُترجِم له كلامَ أَحدِ الخُصومِ أو الشُّهودِ، يَكفي واحدٌ في التَّرجمةِ، وكذا في التَّزكيةِ للشاهدِ، والجَرحِ للشاهدِ، والتعريفِ للمَشهودِ عليه والمشهودِ له والمشهودِ به، وتعريفِ المحكومِ له، والمحكومِ عليه، والمحكومِ به، أمينٌ واحدٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أَمَر زيدَ بنَ ثابتٍ أنْ يَتعلَّم كتابَ يَهودَ، قال: "فكُنتُ أَكتُب له إذا كَتَب إليهم، وأَقرَأ له إذا كَتبُوا". رَواه البخاريُّ معلَّقًا، ووَصَله ابنُ حَجرٍ في التَّغلِيقِ.
مسألة: الحُكمُ على الغائبِ.
يَجوز الحُكمُ على الغائبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤].
للغائِب ثلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَكون غائبًا عن مَجلسِ الحُكمِ، حاضرًا في البلدٍ وغيرَ مُستَتِرٍ، فلا يَجوز الحُكمُ عليه؛ لأنه يُمكِن سُؤالُه، فلَم يَجُزْ الحُكمُ عليه قَبلَه.
الثانيةُ: أنْ يَكون غائبًا عن مَجلسِ الحُكمِ حاضرًا في البلدِ لكنَّه مُستَتِرٌ.
الثالثةُ: أنْ يَكون غائبًا عن البلدِ. فيَجوزُ الحُكمُ في هاتَين الحالتَين، ثُم إذا حَضَر الغائبُ فهُو على حُجَّتِه.
لِما جاءَ في قصَّةِ قَتيلِ خَيبرَ حيثُ حَكَم النبيُّ ﷺ على اليهودِ وهُم -غُيَّبٌ- بأنْ يَحلِفَ خَمسونَ منهم أنَّهم ما قَتلُوه ويَبرَؤُون، وتقدَّم. رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
стр. 146
ولحديثِ هندٍ، قالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبَا سُفيانَ رجلٌ شَحيحٌ، وليس يُعطينِي مِنْ النَّفقةِ ما يَكفِيني ووَلَدِي، قال: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروفِ». متَّفق عليه.
قال شيخُ الإسلامِ في الفتاوَى الكبَرى ٥/ ٥٥٩: "وإنْ أَمكَن القاضِيَ أنْ يُرسِلَ إلى الغائبِ رَسولاً ويَكتبَ إليه الكتابَ والدَّعوَى ويُجابَ عن الدَّعوَى بالكتابِ والرسولِ فهذا هو الذي يَنبغي كمَا فَعَل النبيُّ بمكاتبةِ اليهودِ لَمَّا ادَّعَى الأنصاريُّ عليهم قَتْلَ صاحبِهِم وكاتَبَهم ولم يَحضُروه".
стр. 147
فصلٌ: في كتابِ القاضِي إلى القاضِي.
ما يَكتُبه القاضِي إلى قاضٍ آخَرَ في كلِّ ما يُحتاج إليه لأَجْلِ الحُكمِ.
أَجمَعَت العلماءُ على قَبولِ كتابِ القاضِي إلى القاضِي؛ لقولِه تعالى: حكايةً عن بَلقِيسَ: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النَّمل: ٢٩]، ولأنه ﷺ كَتَب إلى النَّجاشِيِّ، وإلى قَيصَرَ، وإلى كِسرَى يَدعُوهم إلى الإسلامِ، وكاتَبَ وُلَاتَه وعُمَّالَه، وسُعاتَه.
وحكَى الإجماعَ عليه غيرُ واحدٍ، قال في الشرحِ الكبيرِ لابنِ قُدامةَ (١١/ ٤٦٧): "وأَجمَعَت الأُمَّةُ على كتابِ القاضِي إلى القاضِي، ولأنَّ الحاجةَ إلى قَبولِه داعيةٌ، فإنَّ مَنْ له حقٌّ في بلدٍ غيرِ بلدِه لا يُمكنُه إثباتُه والمطالَبةُ به إلا بكتابِ القاضِي فوَجَب قَبولُه".
مسألة: يُقبَل كتابُ القاضِي إلى القاضِي في كلِّ حقٍّ لآدميٍّ، كالقَرضِ، والبيعِ، والإجارةِ، وحقٍّ للهِ ، كحَدِّ الزِّنَى، وشُربِ الخمرِ، ونحوِ ذلك.
مسألة: يُقبَل كتابُ القاضِي إلى القاضِي في كلِّ ما يَحتاج الكتابةَ إليه لأَجْلِ الحُكمِ؛ كمَا لو حَكَم القاضِي بحُكمٍ فكَتَب إلى قاضٍ آخَرَ ليُنفِذَه القاضِي الآخَرُ، وكمَا لو ثَبَت عندَه ليَحكُمَ به المكتوبُ إليه.
стр. 148
فصلٌ: في القِسمَةِ.
مِنْ قَسَمتَ الشيءَ، إذا جَعَلتَه أقسامًا، والقِسمُ بكَسرِ القافِ: النَّصيبُ.
وهي تَميِيزُ بَعضِ الأَنْصِبَاءِ مِنْ بَعضٍ وإفرازُها عنها.
الأصلُ فيها: الكتابُ، والسُّنةُ، والإجماعُ:
مِنْ الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ *﴾ [القَمَر: ٢٨]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النِّسَاء: ٨].
ومِن السُّنةِ: ما روَى جابرٌ ﵄: "أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بالشُّفْعَةِ فِيما لم يُقسَم، فإذا وَقعَت الحُدودُ وصُرِّفَت الطُّرقُ فلا شُفعَةَ". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وقَسَم النبيُّ ﷺ غَنائِمَ خَيبرَ على ثمانيةَ عشرَ سَهمًا، وكان يَقسِم الغَنائِمَ بين الغانِمِين.
وأَجمَعَت الأُمَّةُ على جوازِ القِسمَةِ.
والقِسمَةُ نَوعان:
الأولُ: قِسمةُ التَّراضِي: وهي ما لا يَنقسِم إلاّ بضَرَرٍ، أو لا تَنقسِم إلاّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحدِهِما على الآخَرِ إلاّ برِضَا الشُّرَكاءِ؛ مِثلُ الأرضِ الصَّغيرةِ، والبيتِ الصَّغيرِ، ونحوِ ذلك.
لقاعدةِ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، فهذه القِسمةُ بَيعٌ فِيما يُقابِل المَردُودَ -تَثبُت له أحكامُ البيعِ-، وإفرازٌ فِيما عَدَاه؛ لأنَّ المُعاوَضةَ وَقعَت في مُقابِلِ الجزءِ الزائدِ فيَقتَصِر مَعنَى المُعاوَضةِ عليه، وكذا إفرازٌ إنْ وَقعَت بإجبارِ القاضِي.
стр. 149
ولا يُجبَر مَنْ امتَنَع مِنْ قِسمَتِها؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، ولِما فيها مِنْ الضَّررِ، ومَن دَعَا شَريكَه فيها إلى بَيعٍ أو إجارةٍ أُجبِر، فإنْ أَبَى باعَه الحاكمُ عليهما وقَسَم الثَّمَنَ بَينَهما على قَدْرِ حِصَصِهما.
والضَّررُ المانعُ مِنْ قِسمةِ الإجبارِ: نَقصُ القِيمةِ بالقِسمةِ.
الثَّاني: قِسمةُ إجبارٍ، وهي: ما لا ضَررَ، ولا رَدَّ عِوَضٍ في قِسمَتِه. كالدَّارِ الكبيرةِ، والأرضِ الواسعةِ، والمَكِيلِ، والمَوزونِ كالأَدهانِ والأَلبانِ ونحوِها، إذا طَلَب الشَّريكُ قِسمتَها أُجبِر شَريكُه عليها إنْ امتَنَع مِنْ القِسمةِ مع شَريكِه.
وهذه القِسمةُ إفرازٌ لِحَقِّ أَحدِ الشَّريكَين مِنْ الآخَرِ، لا بَيعٌ؛ لأنَّها تُخالفُه في الأحكامِ.
مسألة: يَجوز للشُّرَكاءِ أنْ يَتقاسمُوا بأنفُسِهم، وبقاسِمٍ يَنصِبُونه، أو يَسأَلُوا القاضِيَ نَصْبَه، وأُجرَتُه على قَدْرِ الأَمْلاكِ، فإذا اقْتَسمُوا أو اقْتَرعُوا لَزِمَت القِسمةُ، وكيفَ اقْتَرَعُوا جازَ.
ويُشترَط في القاسِمِ القوَّةُ والأمانةُ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
وإنْ ظَهَر فيها غَبنٌ فاحشٌ ثَبَت فيها الِخيارُ.
مسألة: كيفيةُ القِسمةِ:
تُعدَّل السِّهامُ بالأجزاءِ إنْ تَساوَت كالمَكِيلاتِ والمَوزُوناتِ غيرِ المُختلِفَةِ، وبالقِيمةِ إنْ اختَلفَت بأنْ كانَت تَحتاج إلى تَقويمٍ كالأرضِ المُختلِفةِ الأجزاءِ، فإنَّها لا تَخلُو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:
стр. 150
أَحدُها: أنْ تَكون السِّهامُ مُتساويةً وقيمةُ أجزاءِ المقسومِ مُختلِفةٌ، كأرضٍ بين سِتَّةِ أشخاصٍ لكلِّ واحدٍ سُدسُها، فهذه تُعدَّل بالقِيمةِ وتُجعَل سِتَّةَ أَسهُمٍ مُتساويةَ القِيمةِ، ثم يُقرَع بينهم، وكَيفما قُرِع جازَ.
الثَّاني: أنْ تَكون السِّهامُ مُختلِفةً وقيمةُ أجزاءِ المقسومِ مُتساويةٌ، مِثلُ أرضٍ بين ثلاثةٍ لأَحدِهم نِصفُها، وللثاني ثُلثُها، وللثالث سُدسُها، وأَجزاؤُها مُتساويةُ القِيمةِ، فإنَّها تُجعَل سِهامًا بقَدْرِ أَقلِّها وهو السُّدسُ، فتُجعَل سِتَّةَ أَسهُمٍ، وتُعدَّل بالأجزاءِ، ويُكتَب ثلاثُ رِقاعٍ بأَسمائِهم، ويُخرَج رِقعةٌ على السَّهمِ الأوَّلِ، فإنْ خَرجَت لصاحبِ السُّدسِ أَخذَه، ثم يُخرَج أُخرَى على الثَّاني، فإنْ خَرجَت لصاحبِ الثُّلثِ أَخَذ الثَّانيَ والثالثَ، وكانَت الثلاثةُ الباقيةُ لِصاحِبِ النِّصفِ بغيرِ قُرْعةٍ، وإنْ خَرجَت القُرْعةُ الثانيةُ لِصاحِبِ النِّصفِ أَخَذ الثَّانيَ والثَّالثَ والرابعَ، وكان الخامسُ والسَّادسُ لِصاحبِ الثُّلثِ.
الثالثُ: إذا اختَلفَت السِّهامُ والقِيمةُ، فإنَّ القاسمَ يُعدِّل السِّهامَ بالقِيمةِ ويَجعلُها سِتَّةَ أَسهُمٍ مُتساويَةَ القِيَمِ، ثم يُخرِج الرِّقاعَ فيها الأسماءُ على السِّهامِ كمَا في القِسمِ السابقِ سواءً، إلاّ أنَّ التَّعديلَ هَهُنا بالقِيَمِ، وفي الَّتي قَبلَها بالمِساحَةِ.
مسألة: مَنْ ادَّعَى غَلَطًا فالقِسمةُ تُنقَض إنْ قامَت البيِّنةُ على الغَلطِ، أو نَكَل المدَّعَى عليه عن اليمينِ؛ لأنَّ مُدَّعِي الغلطِ دَعوَاه بالحُجَّةِ فتُعادُ القِسمةُ بينَهم.
مسألة: إنْ خَرَج في نَصيبِ أَحدِهما عَيبٌ فلَه فَسخُ القِسمةِ إنْ كان جاهلاً بالعَيبِ، وله الإمساكُ مع الأَرْشِ للعَيبِ؛ لأنَّ ظُهورَ العَيبِ في نَصِيبِه نَقصٌ، فُخيَّرُ بين الأَرْشِ والفَسخِ، كالمُشتَري.
стр. 151
فصلٌ في: الشَّهاداتِ.
الشَّهادةُ في اللُّغةِ: تُطلَق على معانٍ منها: العِلمُ والبَيانُ، والحُضورُ، والحَلِفُ، والإخبارُ.
والأصلُ في الشهادةِ: الكتابُ، كمَا في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢].
والسُّنةُ: ما روَى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ ﵁ قال: يا رسولَ اللهِ إنِّي وَجَدتُ مع امرَأتِي رجلاً أُمهِلُه حتَّى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ؟ قال: «نَعَم».
والإجماعُ، والاعتبارُ؛ لدعاءِ الحاجةِ إليها.
مسألة: تَحمُّل الشَّهادةِ في حُقوقِ الآدَميِّين: فرضُ كفايةٍ، فإذا قامَ به مَنْ يَكفي سَقَط عن بَقيَّةِ المسلِمين، وإنْ لم يُوجَد إلاّ مَنْ يَكفي تَعيَّن عليه بشَرطِ عَدمِ الضَّررِ لِمَنْ تَحمَّل.
وأمَّا حُقوقُ اللهِ فتَنقسِم إلى قِسمَين:
القِسم الأولُ: ما لا يُستَدام فيه التَّحريمُ، كالزِّنَى وشُربِ الخمرِ، فلا يَجِب التَّحمُّل، اللَّهُمَّ إلاّ إنْ كان مَشهورًا بالفِسقِ.
القِسمُ الثَّاني: ما يُستَدام فيه التَّحريمُ، كالعِتقِ، والطَّلاقِ، والخُلعِ، والظِّهارِ، فهذا يَجِب فيه التَّحمُّل والأَداءُ؛ وذلك لِحِمايةِ حُقوقِ اللهِ تعالى، ولِمَنعِ انْتِهاكِ حُرُماتِه.
стр. 152
لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، قال ابنُ عباسٍ وغيرُه: المرادُ به التَّحمُّل للشَّهادةِ، وإثباتُها عندَ الحاكمِ. أخرجَه ابنُ جريرٍ الطبريُّ في تفسيره.
ولأنَّ الحاجةَ تَدعُو إلى ذلك؛ لإثباتِ الحُقوقِ والعُقودِ، فكان واجبًا، كالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ.
مسألة: أداءُ الشَّهادةِ فرضُ عينٍ على مَنْ تَحمَّلها متَى دُعِيَ إليه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، إنْ قَدَر على أَدائِها بلا ضَررٍ يَلحَقه في بَدَنِه أو عِرضِه أو مالِه أو أَهلِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢].
ولا يَحِلُّ كِتمانُ الشَّهادةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، وهذا وَعيدٌ يُوجِب عدمَ الكِتمانِ مع انتفاءِ الضَّررِ، ومتَى وَجبَت الشَّهادةُ لَزِم كِتابتُها إذا خَشِيَ نِسيانَها، ويَحرُم أَخذُ الأجرةِ، إلاّ مع الحاجةِ، لكنْ إنْ عَجَز عن المَشْيِ، أو تأَذَّى به، فلَه أُجرةُ مَركوبٍ، والنَّفقةُ.
ولا يَحِلُّ أنْ يَشهَد أَحدٌ إلاّ بِما يَعلمُه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسرَاء: ٣٦]، وقال: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزّخرُف: ٨٦]، أي: يَعلمُ ما شَهِد به عن بَصيرةٍ وإيقانٍ.
والعلمُ إمَّا برُؤيةٍ أو سماعٍ مِنْ مَشهودٍ عليه، كبَيعٍ، وطلاقٍ، وغيرِ ذلك، أو سماعٍ باستِفاضةٍ فِيما يَتعذَّر عِلمُه غالبًا بِدُونِها، كنَسَبٍ، وموتٍ، ومِلكٍ مُطلَقٍ، ونكاحٍ عَقدِه ودَوامِه، ووَقفٍ، ونحوِها، كعِتقٍ وخُلعٍ.
ولا يَشهدُ باستِفاضةٍ إلاّ عن عَددٍ يَقَع بهم العلمُ.
стр. 153
وذَهَب أبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ مِنْ الحنفيَّةِ، والمتأخِّرون مِنْ أصحابِ الشافعيِّ إلى أنَّ المرادَ بالتَّسامُعِ: حُصولُ الشُّهرةِ ولو بخَبرِ عَدلَين، أو رَجلٍ وامرَأتَين بحَيثُ يَحصُل للشَّاهدِ مِنْ خَبرِهم نوعُ علمٍ، وفي هذه الحالةِ يُشتَرط أنْ يَكون الإخبارُ بلَفظِ الشَّهادةِ؛ لأنَّها تُوجِب زيادةَ عِلمٍ لا يُوجِبُها لَفظُ الخبريَّةِ، ولأنَّ الحُقوقَ تَثبُت بقولِ اثنَين.
واختارَ المَجدُ وشيخُ الإسلامِ: أو واحدٌ يَسكُن إليه.
ضابطٌ: يَجِب أنْ يَذكُر الشَّاهدُ ما يُشتَرط للحُكمِ، ويَختلِفُ الحُكمُ به في كلِّ ما يَشهَد فيه.
стр. 154
فصلٌ
شروطُ مَنْ تُقبَل شَهادتُهم: سِتَّةٌ:
أَحدُها: البُلوغُ، فلا تُقبَل شهادةُ الصِّبيانِ، إلاّ شهادةَ الصِّبيانِ بَعضِهم على بَعضٍ إذا دَعَت الحاجةُ إليها، وذلكَ في القَتلِ، والجِراحِ فقَط بحَيثُ يَتِّفق اثنانِ فصاعدًا في الشَّهادةِ قَبلَ أنْ يَتفرَّقُوا، وألاّ يَكون معهم كبيرٌ؛ لِما ورَد عن الشَّعبيِّ عن مَسروقٍ أنَّ سِتَّةَ غِلمانٍ ذَهبُوا يَسبَحون فغَرِقَ أَحدُهم، فشَهِد ثلاثةٌ على اثنَينِ أنَّهما غَرَّقاه، وشَهِد اثنانِ على ثلاثةٍ أنَّهم غَرَّقُوه، فقَضَى عليُّ بنُ أَبي طالبٍ ﵁ على الثلاثةِ خُمسَي الدِّيَةِ، وعلى الاثنَينِ ثلاثةُ أخماسِ الدِّيَةِ. رَواه ابنُ أبي شَيبةَ، وابنُ حزمٍ في المحلَّى، واحتَجَّ به.
ولِما صَحَّ عن ابنِ الزُّبيرِ ﵄ أنه قال عن شَهادةِ الصِّبيانِ: "إذا جِيءَ بهم عندَ المُصيبةِ جازَت شَهادتُهم". قال ابنُ أَبي مُلَيكَةَ: فأَخَذ القُضاةُ بقولِ ابنِ الزُّبَير. رواه البيهقي في الكبرَى.
وقد دلَّ على قَبولِ شَهادةِ الصِّبيانِ: أنَّ الشارعَ نَدَب إلى تَعليمِهم الرَّميَ والصِّراعَ، وسائرَ ما يُدرِّبُهم، ويُعلِّمُهم البَطْشَ، ومَعلومٌ أنَّهم في غالبِ أَحوالِهم يَجنِي بَعضُهم على بعضٍ، ولو لم يُقبَل قَولُ بَعضِهم على بعضٍ لأُهدِرَت دِماؤُهم مُطلقًا ولو شَهِد بَعضُهم على بعضٍ.
الثَّاني: العَقلُ، فلا تُقبَل شهادةُ مَجنونٍ، ولا مَعتوهٍ، وتُقبَل الشَّهادةُ مِمَّن يُخنَق أحيانًا إذا تَحمَّل وأَدَّى في حالِ إفاقتِه؛ لأنَّها شهادةٌ مِنْ عاقلٍ.
الثالثُ: الإسلامُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، فلا تُقبَل مِنْ كافرٍ إلاّ في مَوضعِ ضَرورةٍ، لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ
стр. 155
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ … *﴾ [المَائدة: ١٠٦].
ولِما روَى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: "خَرَج رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهمٍ مع تَميمٍ الداريِّ وعَديِّ بنِ بَدَّاءٍ، فماتَ السَّهميُّ بأرضٍ ليسَ بها مسلمٌ، فلمَّا قَدِمَا بتَرِكَتِه فَقَدُوا جامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فأَحلَفَهما رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم وُجِدَ الجامُ بمكةَ، فقالوا: ابْتَعْناهُ مِنْ تميمٍ وعَديٍّ، فقامَ رَجُلان مِنْ أَولِيائِه فحَلَفَا لَشَهادَتُنا أَحقُّ مِنْ شَهادَتِهما، وأنَّ الجامَ لِصاحِبِهم، قال: وفيهِم نَزلَت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ … *﴾ [المَائدة: ١٠٦].
وتُقبَل شهادةُ الكفارِ بَعضِهم على بعضٍ.
الرابعُ: الحِفظُ، فلا تُقبَل مِنْ مُغفَّلٍ، ومَعروفٍ بكَثرةِ سَهوٍ وغَلطٍ؛ لأنه لا تَحصُل الثِّقةُ بقَولِه، وتُقبَل مِمَّن يَقِلُّ منه السَّهوُ والغَلطُ، والنِّسيانُ؛ لأنه لا يَسلَم منه أَحدٌ.
الخامسُ: العَدَالةُ، وهي لُغةً: الاستقامةُ، مِنْ العَدلِ ضِدِّ الجَورِ.
وشرعًا: هيئةٌ راسخةٌ في النَّفسِ تَحُثُّ على مُلازَمةِ التَّقوَى باجتِنابِ الكبائِرِ، وتَوقِّي الصَّغائِرِ، والتَّحاشِي عن الرَّذائِلِ المُباحةِ.
وعرَّف ابنُ حزمٍ العَدلَ بأنه: مَنْ لم تُعرَف له كَبيرةٌ، ولا مُجاهرةٌ بصغيرةٍ.
العدالةُ هنا في بابِ الشَّهادةِ تَرجِع إلى رِضَى الناسِ عن الشَّاهدِ، ومَعرفتِه بالصِّدقِ في الأقوالِ والأخبارِ، وعدمِ مَعرفتِه بالغَفلةِ والنِّسيانِ، قال عمرُ ﵁: "المسلِمونَ عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ، إلا مَجلودًا في حَدٍّ، أو مُجرَّبًا في شَهادةِ زُورٍ، أو ظَنِينًا -أي: مُتَّهمًا- في وَلاءٍ أو قَرابةٍ". رَواه البيهقيُّ، وفي الإرواءِ ٨/ ٢٩٣: ثَبَت في كتابِ عمرَ إلى أَبي موسَى.
стр. 156
ولأنَّ اللهَ تعالى لم يَأمُرْ برَدِّ خبرِ الفاسِقِ، بل أَمَر بالتَّثبُّتِ منه هل هو صادقٌ أو كاذبٌ؟ فإنْ كان صادقًا قُبِل قَولُه وعُمِل به، وفِسقُه عليه، وإنْ كان كاذبًا رُدَّ خَبرُه ولم يُلتَفَت إليه.
فرعٌ: تُقبَل شهادةُ الأخرسِ، إذا فُهِمَت إشارتُه؛ لأنَّ الشَّهادةَ يُعتَبر فيها اليَقينُ، أو أَدَّاها الأخرسُ بخَطِّه فتُقبَل؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عِمرَان: ٤١]، والرَّمزُ في هذه الآيةِ مُستَثنى مِنْ الكلامِ استِثناءً مُتَّصِلاً، ومِن المُقرَّرِ أنَّ المُستَثنَى مِنْ جِنسِ المُستَثنَى منه، فدلَّ ذلك على أنَّ الرَّمزَ وهو الإشارةُ مِنْ الكلامِ، فيُعطَى حُكمَ الكلامِ.
ولِما روَى البخاريُّ عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالَت: "صلَّى رسولُ اللِه ﷺ في بَيتِه وهو شاكٌّ فصلَّى جالسًا وصلَّى وَراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم أنْ اجْلِسوا". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
فدلَّ على أنَّ الإشارةَ طَريقٌ يَحصُل به العلمُ.
وتُقبَل شَهادةُ الأَعمَى فِيما طريقُه السَّماعُ مُطلَقًا؛ لِعُمومِ آياتِ الشَّهادةِ، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢].
ولِما روَى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال النبيُّ ﷺ : «إنَّ بِلالاً يُؤذِّن بِلَيلٍ، فكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤذِّنَ»، أو قال: «حتَّى تَسمعُوا أذانَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ».
فإنَّ النبيَّ ﷺ أَمَر بالإمساكِ اعتمادًا على سَماعِ أَذانِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وهو رَجلٌ ضَريرٌ.
ولا تُشتَرطُ الحُريَّةُ فتُقبَل شَهادةُ عبدٍ وأَمَةٍ في كلِّ ما يُقبَل فيه حُرٌّ وحُرَّةٌ.
مسألة: تُقبَل شَهادةُ عَمودَي النَّسبِ، وهُم: الآباءُ وإنْ عَلَوا، والأَولادُ
стр. 157
وإنْ سَفَلُوا بَعضُهم لِبَعضٍ إلاّ مع التُّهَمةِ؛ لِلعُموماتِ، ولِما تَقدَّم عن عمرَ ﵁.
ولِما رُوِي عن الزُّهريِّ أنه قال: "لم يَكُنْ يُتَّهم سَلفُ المسلِمينَ الصالحُ في شَهادةِ الوالدِ لوَلَدِه، ولا الولَدِ لوالِدِه، ولا الأخِ لأَخِيه، ولا الزَّوجِ لامرَأتِه، ثم دَخَل الناسُ بعدَ ذلك فظَهَرَت منهم أُمورٌ حَملَت الوُلَاةَ على اتِّهامِهم، فتُرِكَت شهادةُ مَنْ يُتَّهم إذا كانَت مِنْ قرابةٍ".
قال ابنُ حزمٍ: "وهذا إخبارٌ عن إجماعِ الصحابةِ ﵃، فكَيفَ استَجازُوا خِلافَهم لِظَنٍّ فاسدٍ مِنْ المتأخِّرينَ". وقال عمرُ: "أو ظَنِينًا في وَلاءٍ أو قَرابةٍ"، والظَّنِينُ: المُتَّهمُ، والشَّهادةُ تُرَدُّ بالتُّهَمةِ، ودلَّ هذا على أنَّها لا تُرَدُّ بالقَرابةِ، وإنَّما تُرَدُّ بتُهَمَتِها.
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين: "وكذلك شَهادةُ القريبِ لِقَريبِه لا تُقبَل مع التُّهَمةِ وتُقبَل بدُونِها، هذا هو الصَّحيحُ".
وقال: "الصَّحيحُ أنَّها تُقبَل شَهادةُ الابنِ لأَبِيه، والأبِ لابنِه فِيما لا تُهَمةَ فيه، نصَّ عليه، والتُّهَمةُ وَحدَها مُستَقِلَّةٌ بالمنعِ سواءٌ كان قَريبًا أو أَجنبيًّا، فشَهادةُ القَريبِ لا تُرَدُّ بالقَرابةِ وإنَّما تُرَدُّ تُهَمَتُها، ولا رَيبَ في دُخولِهم في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، وقال: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المَائدة: ١٠٦]، هذا مِمَّا لا يُمكِن دَفعُه، ولم يَستَثنِ اللهُ ولا رسولُه مِنْ ذلك لا أبًا ولا وَلدًا، ولا أخًا ولا قَرابةً، ولا أَجمَع المسلِمونَ على استِثناءِ أَحدٍ مِنْ هؤلاءِ، وإنَّما التُّهَمةُ هي الوَصفُ المؤثِّرُ في الحُكمِ، فيَجِب تَعليقُ الحُكمِ به وُجودًا وعَدَمًا".
مسألة: في عَددِ الشُّهودِ.
стр. 158
١ - لا يُقبَل في الزِّنَى إلا أَربعةُ شُهودٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٥].
ولِما أَخرَج مسلمٌ عن أبي هريرةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ ﵁ قال: يا رسولَ اللهِ إنِّي وَجَدتُ مع امرَأتِي رَجُلاً، أُمهِلُه حتَّى آتِيَ بأَربعةِ شُهداءَ؟ قال: «نَعَم».
وعندَ الظَّاهريَّةِ: أربعةُ رجالٍ عُدولٍ مُسلِمين، أو مَكانَ كلِّ رَجُلٍ امرَأَتان مُسلِمَتان عدلان، فيَكون ذلك ثلاثةَ رِجالٍ وامرَأَتان، أو رَجُلَين وأربعُ نِسوةٍ، أو رَجُلٌ واحدٌ وسِتُّ نِسوةٍ، أو ثَمانِ نِسوةٍ فقَطْ.
ولِما ورَد عن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَلَيسَ شَهادةُ المرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهادةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قال: «فذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
٢ - يُقبَل في اللِّواطِ وبَقيَّةِ الحُدودِ كالقَذفِ، والشُّربِ، والسَّرِقةِ، وقَطعِ الطَّريقِ، والقِصاصِ، وما ليس بعُقوبةٍ، ولا مالٍ، ولا يُقصَد به المالُ، ويَطَّلِع عليه الرِّجالُ غالبًا، كنِكاحٍ، وطَلاقٍ، ورَجعةٍ، وخُلعٍ، ونَسَبٍ، ووَلاءٍ، وإيصاءٍ إليه: يُقبَل فيه رَجُلانِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢].
يَجوز قَبولُ شَهادةِ النِّساءِ وَحْدَهُنَّ أو مع الرَّجُلِ، فيَكفي أَربعُ نِسوةٍ، أو رَجُلٌ وامرَأَتان في سائِرِ الحُقوقِ مِنْ الحُدودِ والدِّماءِ، وما فيه القِصاصُ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجعةِ، والأَموالِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وهذا مُطلَقٌ.
ولحديثِ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَليسَ شَهادةُ المَرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهادةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قال: «فذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ
стр. 159
عَقْلِها». رَواه البخاريُّ، ومسلمٌ.
ولِما رُوِي عن يَحيَى بنِ عُبَيدِ اللهِ عن أَبيه: أنَّ رَجُلاً مِنْ عُمانَ تَملَّأَ مِنْ الشَّرابِ فطَلَّقَ امرَأَته ثلاثًا، فشَهِد عليه نِسوةٌ، فكَتَبَ في ذلكَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ فأَجازَ شَهادةَ النِّسوةِ وأَبَتَّ عليه الطَّلاقَ.
٣ - مَنْ عُرِف بغِنًى وادَّعَى أنه فَقيرٌ ليَأخُذَ مِنْ الزَّكاةِ لم يُقبَل إلا ثَلاثةُ رِجالٍ؛ لِما رَواه مسلمٌ وغيرُه عن قَبِيصةَ بنِ مُخارِقٍ الهلاليِّ قال: تَحمَّلتُ حَمَالةً فأَتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أَسألُه فيها، فقال: «أَقِمْ حتَّى تَأتِيَنا الصَّدقةُ فنَأمُرَ لكَ بها»، قال: ثُم قال: «يا قَبِيصةُ إنَّ المَسألَةَ لا تَحِلُّ إلاّ لأَحدِ ثلاثةٍ: … ورَجُلٍ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ حتَّى يَقومَ ثَلاثةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَومِه فيَقولونَ: لقَدْ أَصابَت فُلانًا فَاقَةٌ».
٤ - يُقبَل في المالِ، وما يُقصَد به المالُ كالبَيعِ، والأَجَلِ، والخِيارِ في البَيعِ والقَرضِ، والرَّهنِ، والغَصبِ، والإجارةِ، والشَّرِكةِ، والشُّفْعَةِ، وضَمانِ المالِ، وإتلافِه، والعِتقِ، والكِتابةِ، والتَّدبيرِ، والوصيَّةِ بالمالِ: رَجُلان أو رَجُلٌ وامرَأَتان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وسِياقُ الآيةِ: أو رَجُلٌ ويَمينُ المُدَّعِي؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: "إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضَى باليمينِ مع الشَّاهدِ". رِواه مسلمٌ.
أو أَربعُ نِسوةٍ، أو امرَأَتان ويمينُ المُدَّعِي وإنَّما جُعِلَت المرأةُ فيها على النِّصفِ مِنْ الرَّجُلِ لحِكمةٍ أشارَ إليها العزيزُ الحكيمُ في كتابِه وهي: أنَّ المرأةَ ضَعيفةُ العَقلِ قليلةُ الضَّبطِ لِما تَحفظُه، وقد فَضَّل اللهُ الرِّجالَ على النِّساءِ في العُقولِ والفَهمِ والحِفظِ والتَّميِيزِ، فلا تَقومُ المرأةُ في ذلك مَقامَ الرَّجُلِ، وفي مَنعِ قَبولِ شَهادَتِها بالكُليَّةِ إضاعةُ لكثيرٍ مِنْ الحقوقِ وتَعطيلٌ لها، فكان مِنْ أحسنِ الأُمورِ وأَلصَقِها بالعقولِ أنْ ضَمَّ إليها في قَبولِ الشَّهادةِ نَظِيرتَها لِتُذكِّرَها
стр. 160
إذا نَسِيَت، فتَقومُ شَهادةُ المرأَتَين مَقامَ شَهادةِ الرَّجُلِ، ويَقَع مِنْ العلمِ أو الظِّنِّ الغالبِ بشَهادَتِهما ما يَقَع بشَهادةِ الرَّجُلِ الواحدِ.
٥ - وما لا يَطَّلِع عليه الرِّجالُ، كعُيوبِ النِّساءِ تَحتَ الثِّيابِ، والبَكارةِ، والثُّيُوبَةِ، والحَيضِ، والوِلادةِ، والرَّضاعِ، والاسْتِهلالِ، ونحوِه تُقبَل فيه شَهادةُ امرأةٍ عَدلٍ، والرَّجلُ فيه كالمَرأةِ؛ لِما روَى البخاريُّ عن عُقبةَ بنِ الحارثِ: "أنه تَزوَّج أمَّ يَحيَى بِنتَ أَبي إهابٍ قال: فجاءَت أَمَةٌ سَوداءُ فقالَت: قَدْ أَرضَعْتُكُما، فذَكَرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فأَعرَض عَنِّي، قال: فتَنَحَّيتُ، فذَكَرتُ ذلكَ له، قال: «كيفَ وقَد زَعمَت أنَّها قَدْ أَرضَعَتْكُما؟»، فنهاه عنها".
٦ - يُقبَل في داءِ دابَّةٍ، ومُوضِحَةٍ: طَبيبٌ وبَيطارٌ واحدٌ مع عَدمِ غَيرِه في مَعرفةِ الدَّاءِ؛ لأنه يُخبِر به عن اجتهادِه.
فرعٌ: القَضاءُ بشَهادةِ الشَّاهدِ الواحدِ:
عندَ ابنِ القيِّمِ، والقاضِي شُرَيحٍ، وزُرارَةَ بنِ أَوفَى: أنه يَجوزُ القضاءُ بشَهادةِ الشَّاهدِ الواحدِ حيثُ لا يَلزمُ التَّقيُّدُ بعَددٍ مُعيَّنٍ مِنْ الشُّهودِ إلاّ في الزِّنَى فقَطْ.
لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *﴾ [الحُجرَات: ٦].
ووَجهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى أَمرَنا في هذه الآيةِ بالتَّبيُّنِ والتَّثبُّتِ مِنْ خبرِ الفاسقِ الواحدِ ولم يَأمُر برَدِّه.
ولِما روَى أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وأحمدُ، والبيهقيُّ عن عُمارةَ بنِ خُزَيمةَ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعرابيٍّ … فقال الأَعرابيُّ: لا، واللهِ ما بِعتُكَ، فقال النبيُّ ﷺ : «بَلَى قَدْ ابْتَعْتُه مِنْكَ»، فطَفِقَ الأَعرابيُّ يَقول: هَلُمَّ
стр. 161
شَهيدًا، فقال خُزَيمةُ بنُ ثابتٍ: أَنا أَشهدُ أنَّكَ قَدْ بَايَعْتَه، فأَقْبَلَ النبيُّ ﷺ على خُزَيمةَ، فقال: «بِمَ تَشهَدُ؟» فقال: بتَصدِيقِكَ يا رسولَ اللهِ، فجَعلَ رسولُ اللهِ ﷺ شَهادةَ خُزَيمةَ بشَهادةِ رَجُلَين".
وقد أَجمَع المسلِمونَ على قَبولِ أذانِ المُؤذِّنِ الواحدِ، وهو شَهادةٌ منه بدُخولِ الوقتِ، وخبرٌ عنه يَتعلَّق بالمُخبِرِ وغَيرِه. (إعلامُ المُوقِّعين ١/ ١٠٤). قال ابنُ القيِّمِ: "ومِن ذلك أنه يَجوز للحاكِمِ الحُكمُ بشَهادةِ الرجلِ الواحدِ إذا عَرَف صِدقَه في غيرِ الحُدودِ، ولم يُوجِب اللهُ على الحُكامِ ألاّ يَحكُموا إلاّ بشاهِدَين أصلاً، وإنَّما أَمَر صاحبَ الحقِّ أنْ يَحفَظ حَقَّه بشاهِدَين أو بشاهدٍ وامرَأتَين، وهذا لا يدلُّ على أنَّ الحاكمَ لا يَحكُم بأقلَّ مِنْ ذلك، بل قد حَكَم النبيُّ ﷺ بالشاهدِ واليمينِ وبالشاهدِ فقَطْ".
فرع: الآلات الحديثة؛ كآلات التصوير، وقرائن البصمات، والشعر، والدم وغير ذلك من القرائن المختلفة، يرجع فيها إلى أهل الخبرة في إمكان الاستدلال به على ثبوت الحدِّ أو القصاص، أو لا يمكن الاستدلال به؛ لما يدخله من الغش والتدليس، فيختلف باختلاف تلك القرائن قوَّةً وضعفًا.
стр. 162
فصلٌ: في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ.
تُقبَل الشَّهادةُ على الشَّهادةِ في كلِّ حقٍّ للهِ أو حُقوقِ الآدَميِّين، ولا يُحكَم بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ إلاّ أنْ تَتعذَّر شَهادةُ الأصلِ بموتٍ، أو مرضٍ، أو ضَررٍ، أو مَشقَّةٍ ظاهرةٍ؛ لأنه إذا أَمكَن الحاكمَ أنْ يَسمَع شَهادةَ شاهِدَي الأصلِ استَغْنَى عن البحثِ عن عدالةِ شاهِدَي الفَرعِ، وكان أَحوطَ للشَّهادةِ، ولا بُدَّ مِنْ دوامِ عُذرِ شُهودِ الأصلِ إلى حُكمِ القاضِي.
ولا بُدَّ أيضًا مِنْ ثُبوتِ عَدالةِ شاهِدَي الأصلِ، وشاهِدَي الفَرعِ إلى صُدورِ الحُكمِ، ودَوامِ عَدالَتِهم.
مسألة: إذا رَجَع الشُّهودُ لا يَخلُو مِنْ قِسمَين:
الأولُ: أنْ يَكون قَبلَ الحُكمِ بشَهادَتِهم فإنِّها تَسقُط، ولا يَجوز للقاضِي القضاءُ بها؛ لأنه حَصَل تَناقضٌ في كلامِ الشُّهودِ، والقاضِي لا يَقضِي بالمُتناقِضِ.
ولا ضمانَ على الشُّهودِ عندَ رُجوعِهم عن شَهادَتِهم قَبلَ الحُكمِ لأَحدِ الخَصمَين؛ لأنه لا يَثبُت الحقُّ بالشَّهادةِ إلا القضاءِ، ويُعاقَبون بالتَّعزيرِ وذلك في غَيرِ الزِّنَى، وأمَّا في الزِّنَى فإنَّ رُجوعَهم قَبلَ القضاءِ يَنعقِد قَذْفًا لا شَهادةً.
الثَّاني: أنْ يَكون بعدَ الحُكمِ وقَبلَ الاستِيفاءِ، فنَوعان:
النَّوعُ الأولُ: أنْ يَكون في الحُدودِ، والقِصاصِ فلا يَجوز الاستِيفاءُ؛ لِعِظَمِ حُرمَةِ الدِّماءِ.
النَّوعُ الثَّاني: أنْ يَكون المحكومُ به مالاً أو غيرَه مِنْ الحُقوقِ، فقَد اختَلَف
стр. 163
الفقهاءُ في نَقضِ الحُكمِ على قَولَين:
الأولُ: أنه يَجِب نَقضُه.
وبهذا قال الحسنُ البَصْريُّ، وحَمَّادُ، والأَوزاعيُّ، وسعيدُ بنُ المُسيَّبِ، وابنُ حَزمٍ؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما ثَبَت بشَهادةِ الشُّهودِ، فإذا رَجَعوا عنها زالَ ما ثَبَت به الحُكمُ، فيَجِب نَقضُه كمَا لو كانا كافِرَين.
الثَّاني: أنه لا يُنقَض الحُكمُ.
وبهذا قال جُمهورُ الفقهاءِ؛ لأنَّ كلامَ الشُّهودِ مُتناقِضٌ، فكمَا لا يُحكَم بالمتناقِضِ لا يُنقَض الحُكمُ بالمتناقِضِ؛ لأنَّ الكلامَ المتناقِضَ ساقطُ العِبرَةِ عَقلاً وشَرعًا.
وأمَّا ما يَتعلَّق بالضَّمانِ: فيَضمَن الشُّهودُ بعدَ صُدورِ الحُكمِ؛ لأنَّ الحقَّ ثَبَت للمشهودِ له على المشهودِ عليه فكان له استِيفاؤُه كمَا لو لم يَرجِعوا عن الشَّهادةِ.
وإذا كان الرُّجوعُ عن قِصاصٍ أو حَدٍّ فيُقتَصُّ مِنْ الشُّهودِ عندَ رُجوعِهم؛ لِما روَى الشَّعبيُّ: "أنَّ رَجُلَين شَهِدَا عندَ عليٍّ ﵁ على رَجُلٍ أنه سَرَق فقَطَعَه، ثم أَتيَاه برَجُلٍ آخَرَ فقالَا: أَخطَأْنا بالأولِ وهذا السَّارقُ، فأَبطَل شَهادَتَهما على الآخَرِ وضَمَّنَهما دِيَةَ يَدِ الأولِ، وقال: لو أَعلَم أَنَّكُما تَعمَّدتُما لقَطَعْتُكما". رَواه البخاريُّ.
ولا مُخالِف له مِنْ الصحابةِ، فيَكون إجماعًا.
مسألة: المسائلُ الَّتي يُستَحلَف فيها:
١ - حُقوقُ اللهِ تعالى غيرُ الماليَّةِ كالحُدودِ، والعِباداتُ كالصلاةِ والصيامِ
стр. 164
ونحوِ ذلك، فقَد اتَّفقَت المذاهبُ الأربعةُ على أنه لا يُستَحلَف فيها.
٢ - حُقوقُ اللهِ تعالى الماليَّةُ، كالزَّكاةِ والكَفَّاراتِ والنُّذورِ، يُستَحلَف المُنكِرُ لذلك؛ لأنه حقٌّ ماليٌّ.
٣ - حُقوقُ الآدَميِّين يُستًحلًف فيها.
واليمينُ المشروعةُ: هي اليمينُ باللهِ تعالى، أو صِفَةٍ مِنْ صِفاتِه.
ولا يَجوز الحَلِف بغيرِ اللهِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ يَنْهاكُم أنْ تَحلِفُوا بِآبائِكُم، فمَن كانَ حالِفًا فَلْيَحلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ». متَّفق عليه.
مسألة: لا تُغلَّظُ اليمينُ إلاّ فِيما له خَطرٌ إذا رَآه القاضِي؛ فتُغلَّظُ باللَّفظِ؛ لِما رُوِي أنَّ النبيَّ ﷺ قال لليهوديِّ: «أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذي أَنْزَلَ التَّوراةَ على مُوسَى أَهكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى في كِتابِكُم؟» قال: لا، ولَولا أنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهذا ما أَخبَرتُكَ". رَواه مسلمٌ.
وتُغلَّظُ بالزَّمانِ: أنْ يَحلِف بعدَ العَصرِ، أو بينَ الأذانِ والإقامةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المَائدة: ١٠٦].
وتُغلَّظُ بالمكانِ بمَكةَ، بينَ الرُّكنِ والبابِ، وبالمدينةِ بالرَّوضةِ، وبَقيَّةِ البلادِ عندَ مِنبَرِ الجامعِ؛ لقوله ﷺ : «مَنْ حَلَف على مِنْبَري هذا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنْ النَّارِ». رَواه أحمدُ، وأبو داودَ مِنْ حديثِ جابرٍ، وصحَّحه الحاكمُ.
стр. 165
كتابُ الإقرارِ
وهو: الاعتِرافُ والإثباتُ.
واصطلاحًا: أنْ يُضِيفَ حَقًّا لغَيرِه على نَفسِه.
والشَّهادةُ: أنْ يُضِيفَ حَقًّا لغَيرِه على غَيرِه.
والدَّعوَى: أنْ يُضِيفَ حَقًّا لنَفسِه على غَيرِه.
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
أمَّا الكتابُ: فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عِمرَان: ٨١] إلى قولِه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عِمرَان: ٨١].
وأمَّا السُّنةُ: فمَا وَرَد أنَّ ماعزًا أَقرَّ بالزِّنَى، فرَجَمه النبيُّ ﷺ .
وأمَّا الإجماعُ: فالأُمَّةُ أَجمَعَت على صِحَّةِ الإقرارِ.
قال ابنُ هُبَيرةَ في الإفصاحِ ٢/ ١٤: "واتَّفَقُوا على أنَّ الحُرَّ البالغَ إذا أَقرَّ بحَقٍّ مَعلومٍ مِنْ حُقوقِ الآدَميِّين لَزِمَه إقرارُه، ولم يَكُنْ له الرُّجوعُ فيه".
شُروطُ الإقرارِ:
١ - البُلوغُ، فلا يَصِحُّ إقرارِ الصَّبيِّ، إلاّ إنْ أُذِن له بالبَيعِ والشِّراءِ ونحوِه فيَصِحُّ إقرارُه في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه، وكذا إقرارُه بالجنِايةِ؛ لِما تقدَّم مِنْ صِحَّةِ شَهادَتِهم في الجِنايةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ عليٍّ ﵁: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثَةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يَستَيْقِظَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ، وعن المَجنُونِ حتَّى يَعْقِلَ». رَواه البخاريُّ موقوفًا معلَّقًا بصِيغةِ الجَزمِ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ.
стр. 166
٢ - أنْ يَكون المُقِرُّ عاقلاً، فلا يَصِحُّ إقرارُ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ، والمجنونِ، والمَعتُوهِ، والنائمِ بالاتِّفاقِ، والسَّكرانِ على الصَّحيحِ؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] والسَّكرانُ لا يَعلم ما يقول؛ لِما جاءَ في حديثِ بُرَيدةَ ﵁ في قِصَّةِ ماعزٍ لَمَّا أَقرَّ بالزِّنَى، فقال النبيُّ ﷺ له: «أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟» قال: لا، فقامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فلَم يَجِدْ فيهِ رِيحَ خَمْرٍ". رَواه مسلمٌ.
٣ - الاختيارُ، ويَأتي حُكمُ إقرارِ المُكرَه.
لقولِه تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦].
مسألة: ذَهَب الحسنُ بنُ زِيادٍ، وأَشهَبُ مِنْ المالكيَّةِ، وابنُ تَيمِيَّةَ، وابنُ القيِّمِ: إلى صِحَّةِ إقرارِ المُتَّهَمِ، إذا صَدَر بعدَ الإكراهِ بشَرطِ وُجودِ القَرينةِ على صِحَّةِ إقرارِه؛ لِما رَوَى ابنُ عمرَ ﵄: "أنَّ النبيَّ ﷺ قاتَلَ أهلَ خَيبَر … فصَالَحُوه على أنْ يُجلَوا منها ولهُم ما حَمَلَت رِكابُهم ولرسولِ اللهِ ﷺ الصَّفراءُ والبَيضاءُ فغَيَّبُوا مَسْكًا فيه مالٌ وحُليًّا لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيٍّ: «ما فَعَل مَسْكُ حُيَيٍّ؟»، فقال أَذْهَبَتْه النَّفقاتُ والحُروبُ، فقال: «العَهدُ قَريبٌ والمالُ أَكثرُ مِنْ ذلكَ»، فدَفَعَه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الزُّبَيرِ فمَسَّهُ بعذابٍ فقال: رَأيتُ حُيَيًّا يَطوفُ في خَرِبَةٍ هَهُنا فوَجَدُوا المَسْكَ في الخَرِبَةِ". رَواه البيهقيُّ وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ.
وعن أنسٍ قال: "فانْطَلَقوا حتَّى نَزَلُوا بَدرًا، ووَرَدَت عليهم رَوَايَا قُرَيشٍ، وفيهم غلامٌ أسودُ لِبَنِي الحَجَّاجِ، فأَخذُوه، فكان أَصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَسألُونه عن أَبي سُفيانَ وأصحابِه، فيَقولُ: ما لِي عِلمٌ بأَبي سُفيانَ، ولكنْ هذا أبو جَهلٍ، وعُتبَةُ، وشَيبَةُ، وأُميَّةُ بنُ خَلفٍ، فإذا قال ذلكَ ضَربُوه، فقال: نَعَم، أنا أُخبِرْكم، هذا أبو سُفيانَ … ". رَواه مسلمٌ.
стр. 167
قال ابنُ حزمٍ في الُمحلَّى ١٣/ ٤٢: "فإنْ استَضافَ إلى الإقرارِ أمرٌ يَتحقَّقُ به يَقِينًا صِحَّةَ ما أَقرَّ به -ولا يُشكُّ في أنه صاحبُ ذلكَ- فالواجبُ إقامةُ الحَدِّ عليه … ".
وقال شيخُ الإسلامِ في مَجموعِ الفتاوَى ٣٤/ ١٥٤: "وأمَّا ضَربُه لِيُقِرَّ فلا يَجوز إلاّ مع القرائِنِ الَّتي تدلُّ على أنه قَتَله، فإنَّ بَعضَ العلماءِ جَوَّز تَقريرَه بالضَّربِ في هذه الحالِ، وبعضُهم مَنَع مِنْ ذلك مُطلقًا".
وقال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحُكميَّةِ ص ١٣: "وفي ذلك دَليلٌ على صِحَّةِ إقرارِ المُكرَهِ إذا ظَهَر معه المالُ، وأنه إذا عُوقِبَ على أنْ يُقِرَّ بالمالِ المَسروقِ، فأَقرَّ به وظَهَر عنده: قُطِعَت يَدُه، وهذا هو الصَّوابُ بلا رَيبٍ، وليس هذا إقامةً للحَدِّ بالإقرارِ الذي أُكرِهَ عليه، ولكنْ بوُجودِ المالِ المسروقِ معه الذي تُوصِّلَ إليه بالإقرارِ".
وقال أيضًا: "قال شيخُنا ابنُ تَيميَّةَ -رحمه الله تعالى-: وما عَلِمتُ أَحدًا مِنْ أئمةِ المسلِمينَ يقول: إنَّ المدَّعَى عليه في جَميعِ هذه الدَّعاوَى يَحلِف، ويُرسَل بلا حَبسٍ ولا غيرِه، فلَيس هذا -على إطلاقِه- مَذهبًا لأَحدٍ مِنْ الأئمةِ الأربعةِ ولا غيرِهم مِنْ الأئمةِ، ومَن زَعَم أنَّ هذا -على إطلاقِه وعُمومِه- هو الشَّرعُ: فقد غَلِط غَلطًا فاحِشًا مُخالِفًا لنُصوصِ رسولِ اللهِ ﷺ ولإجماعِ الأُمَّةِ".
٤ - أنْ يَكون غيرَ مُتَّهمٍ في إقرارِه؛ لأنَّ إقرارَ الإنسانِ على نَفسِه شَهادةٌ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٣٥]، والشَّهادةُ على نَفسِه إقرارٌ، والشَّهادةُ تُرَدُّ بالتُّهَمةِ.
стр. 168
٥ - العِلمُ بالمُقَرِّ له، باتِّفاقِ الأئمةِ على أنَّ الجَهالةَ الفاحِشَةَ بالمُقَرِّ له لا يَصِحُّ معها الإقرارُ، لأنَّ المَجهولَ لا يَصلُح مُستَحِقًّا؛ إذْ لا يُجبَر المُقِرُّ على البيانِ مِنْ غيرِ تَعيِينِ المُستَحَقِّ، فلا يُفِيد الإقرارُ شيئًا.
وأمَّا إذا كانَت الجَهالةُ غيرَ فاحشةٍ بأنْ قال: عليَّ ألفٌ لأَحدِ هذَين، أو لأَحدِ هَؤلاءِ العَشرةِ، أو لأَحدِ أَهلِ البلدِ وكانُوا مَحصُورِين، فالإقرارُ صَحيحٌ؛ لأنه قَدْ يُفِيد وُصولَ الحقِّ إلى المستَحِقِّ بتَحليفِ المُقِرِّ لكلِّ مَنْ حَصَرَهم، أو بِتَذكُّرِه.
مسألة: يَصِحُّ إقرارُ المريضِ للوارِثِ إذا لم يَكُنْ هناك تُهَمةٌ، وعدمُ قَبولِه مع التُّهَمةِ؛ لأنه في حالةِ عَدمِ وُجودِ التُّهَمةِ يَكون الإقرارُ صادرًا مِنْ مُكلَّفٍ، فيُقبَل كمَا يُقبَل إقرارُه للأَجنبيِّ الذي لا تُهَمةَ فيه؛ ولأنَّ العِلَّةَ مِنْ مَنعِ قَبولِ الإقرارِ للوارِثِ هي التُّهَمةُ فيَختَصُّ المنعُ بمَوضِعِها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وهذا عامٌّ.
ضابط: يَصِحُّ الإقرارُ بِكُلِّ ما أَدَّى مَعنَاه، ك: صَدَقتَ، أو: نَعَم، أو: أنا مُقِرٌّ بدَعوَاكَ، أو: أنا مُقِرٌّ. فقَطْ، أو: خُذْها، أو: اقْبِضْها، ونحوِه، قال اللهُ تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعرَاف: ٤٤].
ضابطٌ: لا يُقبَل رُجوعُ المُقِرِّ عن إقرارِه إلاّ ما كان حَدًّا للِه تعالى، وتقدَّم في بابِ الحُدودِ حُكمُ الرُّجوعِ عن الحَدِّ.
مسألة: إنْ قال: كان له عليَّ كذا وقَضَيتُه، أو: بَرِئتُ منه، فقَولُ المُقِرِّ بيَمِينِه، ولا يَكون مُقِرًّا، فإذا حَلَف خُلِّيَ سَبيلُه؛ لأنه رَفَع ما أَثْبَتَه بدَعوَى القضاءِ مُتَّصِلاً، فكان القولُ قولَه، ما لم تَكُنْ عليه بَيِّنةٌ فيُعمَلُ بها.
стр. 169
مسألة: إذا أَقرَّ بشيءٍ واستَثنَى بَعضَه فلا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
الحالُ الأُولى: أنْ يَكون المستَثنَى أَقلَّ مِنْ المستَثنَى منه، كمَا لو أَقرَّ بعَشَرةٍ إلاّ ثلاثةً: فجائزٌ باتِّفاقِ الأئمةِ.
وله هذه الدَّارُ ولِي هذا البيتُ، يَصِحُّ ويُقبَل ولو كان أَكثرَها.
الحالُ الثانيةُ: أنْ يَكون المستَثنَى مُساويًا للمستَثنَى منه فباطلٌ باتِّفاقِ الأئمةِ، كمَا لو أَقرَّ بخَمسةٍ إلاّ خَمسةً؛ لأنًّ مُقتَضاه الرُّجوعُ عن الإقرارِ، والأصلُ إعمالُ كلامِ المُكلَّفِ لا إهمالُه.
الحالُ الثالثةُ: أنْ يَكون المستَثنَى أكثر مِنْ المستَثنَى منه؛ كما لو أَقرَّ له بعَشَرةٍ إلاّ ثمانيةً، فالمَذهَبُ عند الحنابلة عَدمُ صِحَّةِ الاستِثناءِ؛ لِمُخالَفَتِه مُقتَضَى اللُّغةِ، وعندَ الحنفيَّةِ، والمالكيَّةِ، والشافعيَّةِ صِحَّةُ الاستثناءِ؛ لأنَّ استِثناءَ الأكثرِ يَصِحُّ في الكَيفِ فيَصِحُّ في الكَمِّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ [الحِجر: ٤٢]، والغاوُوُنَ أَكثرُ مِنْ المُهتَدِين.
وتقدَّم بَقيَّةُ شُروطِ الاستِثناءِ في كتابِ الطَّلاقِ والأَيمانِ.
ضابطٌ: يَصِحُّ الاستِثناءُ مِنْ غيرِ جِنسٍ على الإطلاقِ، كمَا لو قال له مائةُ دِرهَمٍ إلا دِينارًا.
ضابطٌ: إنْ أَقرَّ بمُجمَلٍ كقولِه: له عليَّ شيءٌ، أو حَقٌّ، ونحوِ ذلك، طُلِب منه تَفسيرُه؛ لوُجوبِ تَفسيرِه عليه، فإنْ أَبَى حُبِس حتَّى يُفسِّرَه.
ويُقبَل تَفسيرُه بِما يُوافِق الظَّاهرَ وعُرْفَ المُقِرِّ؛ لِقاعدةِ العُرفِ، والعادةُ محكَّمةٌ.
стр. 170
ضابطٌ: إنْ أَقرَّ بشيءٍ كان إقرارًا به وبِما هو تابعٌ له عُرفًا.
مسألة: إنْ قال المُقِرُّ عن إنسانٍ: له عليَّ ما بينَ دِرهمٍ وعَشرةٍ، لَزِمه ثمانيةٌ؛ لأنَّ ذلك هو مُقتَضَى لَفظِه، وإنْ قال: له عليَّ ما بينَ دِرهمٍ إلى عَشرةٍ، أو قال: له عليَّ مِنْ دِرهمٍ إلى عَشرةٍ، لَزِمه تِسعةٌ؛ لعَدمِ دُخولِ الغايةِ.
والحمد لله رب العالمين.