Полный текст (170 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يُؤذِيَ الناسَ برائحتِه الكريهةِ.
ومِن الأحكامِ الآخرُويَّةِ:
أنَّ دخولَ الجنَّةِ عليه حرامٌ، وهو مُخلَّدٌ في نارِ الجحيمِ، نَسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ، كمَا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائدة: ٧٢].
مسألة: اتَّفق العلماءُ على أنَّ المشرِكينَ الأَصلِيِّين يُسمَّون مُشرِكين؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٦]، وقولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التّغَابُن: ٢].
ومَجانِينُهم وأَطفالُهم يُسمَّون كفَّارًا وإنْ لم تَقُم عليهم الحُجَّةُ، لكنْ مَنْ لم تَبلُغْه الدَّعوةُ حُكمُه في الدُّنيا كمَا سَبَق، وفي الآخرةِ يُمتَحن يومَ القيامةِ، ومَن بَلغَتْه الدَّعوةُ أَخَذ أَحكامَ المشرِكينَ السَّابقةَ في الدُّنيا والآخرةِ.
مسألة: حُكمُ المُسلِم الذي طَرأَ عليه الشِّركُ.
المسلمِ الذي طَرأَ عليه الشِّركُ مِنْ حيثُ الاسمُ هُو مُشرِكٌ، ومِن حيثُ الحكمُ: لا تَحِلُّ ذَبِيحتُه، ولا الزَّواجُ منه، ولا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه إذا ماتَ.
وأمَّا مِنْ حيثُ العذابُ بالقتالِ والقتلِ وعذابِ الآخرةِ فهذا يَكون بعدَ قِيامِ الحُجَّةِ عليه.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسرَاء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّسَاء: ١٦٥].
стр. 107
مسألة: هل يُعذَر المُشرِكُ بجَهلِه؟
يُفرَّق بين المسائِلِ الظَّاهرةِ والمسائلِ الخَفيَّةِ، فيُعذَر بالمسائلِ الخفيَّةِ دونَ المسائلِ الظَّاهرةِ.
وضابطُ الظَّاهرةِ: ما يُعلَم مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ مِمَّا يَعرِفه الخاصُّ والعامُّ مِنْ المسلِمين، كالشِّركِ الذي يُناقِض أَصلَ التوحيدِ، والكُفرِ الذي يُناقِض أَصلَ الإيمانِ، والاستِهزاءِ باللهِ ، أو رسولِه ﷺ أو كتابِه، أو وجوبِ الصلاةِ، أو تَحريمِ الزِّنَى، ونحوِ ذلك.
أمَّا المسائلُ الخفيَّةُ: فهِي ما يَخفَى على مِثلِه، كمسائلِ القَدَرِ والإرْجاءِ، ونحوِ ذلك.
ومِن ذلك أنْ يَكون التَّأويلُ له مَساغٌ في اللُّغةِ، كتأويلِ اليَدِ بالنِّعمةِ عندَ قولِ اللهِ : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائدة: ٦٤]، والمسائلُ الخفيَّةُ تَختلِف مِنْ حيثُ الزَّمانُ والمكانُ، بحَسَبِ قِيامِ الحُجَّةِ وانتِشارِها، فيُعذَر مَنْ كانَ في باديةٍ بَعيدةٍ عن بلادِ الإسلامِ، أو نَشَأ في بلادِ الكفارِ، ونحوُ ذلك.
فالشِّركُ الأكبرُ لا يَخفَى على مُوحِّدٍ؛ لأنَّ الشِّركَ والتوحيدَ مُتَناقِضَان لا يَجتمِعان ولا يَرتَفِعان.
تَعريفُ الشِّركِ الأصغرِ: كلُّ ما كان ذَريعةً للشِّركِ الأكبرِ، وجاءَ في النُّصوصِ تَسميتُه شِركًا.
وأمَّا حُكمُه فيَتلخَّص فيما يَلي:
الأولُ: أنه يُخالِف الشِّركَ الأكبرَ في جَميع ما مَضَى مِنْ الأحكامِ.
الثَّاني: أنه كبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذُّنوبِ، بل هو مِنْ أكبرِ الذُّنوبِ بعدَ نَوَاقضِ التوحيدِ.
стр. 108
الثالثُ: أنَّ هذا الشِّركَ قد يَعظُم حتَّى يَؤُولَ بصاحبِه إلى الشِّركِ الأكبرِ المُخرِجِ مِنْ مِلَّةِ الإسلامِ، فصاحبُه على خطرٍ عظيمٍ.
الرابعُ: أنَّ مَنْ ماتَ على الشِّركِ الأصغرِ، فمَوضِعُ خلافٍ هل يَكون داخلاً تحتَ المَشِيئةِ، أو لا؟ فذهبَ بعضُ العلماءِ كعبدِ الرحمنِ بنِ حسنٍ، وصِدِّيقِ حسنٍ خان، وعبدِ الرحمنِ بنِ قاسمٍ إلى أنه لا يُغفَر، بل قد يُؤخَذ مِنْ حسناتِه، أو يُعذَّب في قَبرِه، ونحوُ ذلك، وذهبَ غيرُهم إلى أنه تحتَ المَشِيئةِ.
الخامسُ: أنه إذا صاحبَ العملَ الصالحَ أَبطَل ثَوابَه كمَا في الرِّياءِ، وإرادةُ المسلمِ بعَملِه الصالحِ الدُّنيا وَحْدَها، والدَّليلُ قولُه ﷺ فيما يَروِيه عن رَبِّه جلَّ وعَلَا فيمَا رَواه مسلمٌ عن أَبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : قال اللهُ ﵎: «أَنا أَغنَى الشُّرَكاءِ عن الشِّركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشرَكَ فِيه مَعِيَ غَيرِي تَرَكتُه وشِرْكَه».
قاعدةٌ: ما ثَبَت أنه عِبادةٌ فصَرْفُه لغَيرِ اللهِ شِركٌ أكبرُ، ولا يَكون شِركًا أَصغرَ؛ إذْ العبادةُ خاصَّةٌ باللهِ تعالى، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجنّ: ١٨]. وما رَواه الشَّيخانِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ ماتَ وهُو يَدعُو مِنْ دونِ اللهِ نِدًّا دَخَل النَّارَ».
ومن أمثلته:
١ - الدعاءُ عبادةٌ مِنْ أَجلِّ العباداتِ، قال اللهُ : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجنّ: ١٨]، وقال ﷺ في حديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵁: «الدعاءُ هو العبادةُ». رَواه أحمدُ والبخاريُّ.
стр. 109
فصرفها لغير الله شرك؛ ومن ذلك: أن يدعو غير الله في أمر لا يَقدِر عليه إلاّ اللهُ ، مِثلُ أنْ يَطلب مِنْ أَحدٍ إنزالَ الغَيثِ، وغُفرانَ الذُّنوبِ، وغيرَ ذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ.
أو في طريقةِ الطَّلبِ، بأنْ يَكون بكَمالِ الذُّلِّ، وبكِمالِ المحبَّةِ، أو برَغبةٍ ورَهبةٍ لا تُصرَف إلاّ للهِ فهذا شركٌ أكبرُ، لصَرفِه شيئًا مِنْ خَصائصِ الأُلوهيَّةِ لغَيرِ اللهِ .
أو يَكون المدعوُّ بعيدًا عن الداعِي، فإنَّ دعاءَ مِثلَ هذا شِركٌ؛ لأنَّ اتِّساعَ السَّمعِ لِسَماعِ البعيدِ خاصٌّ باللهِ سبحانَه، ولأنه يَعتقِد في مِثلِ هذا أنه يَعلَم الغَيبَ، وأنه له تَصرُّفٌ في الكَونِ.
أو يَدعوَ الغَيرَ مع اعتقادِ أنه يَستقِلُّ في إيجادِ المطلوبِ مِنْ دونِ اللهِ، فشِركٌ أكبرُ، فإنَّ إيجادَ الشيءِ استقلالاً خاصٌّ باللهِ .
أو يَطلب مِنْ الميِّتِ شِفاءَ مَريضِه، وكَشفَ السُّوءِ عنه، ونحوَ ذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ.
وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ هذه الأفعالَ مِنْ كَشفِ السُّوءِ، وشفاءِ المريضِ لَيسَت خاصَّةً باللهِ، بل يَقوم بها بَعضُ المخلُوقِين كالطِّبيبِ مثلاً.
فجوابُ ذلك أنْ يُقال: إنَّ إيجادَ المُسبِّباتِ دونَ مُباشرةِ السَّببِ لا يَكون إلاّ للهِ سبحانَه، فهُو خاصٌّ به؛ إذْ هو يُوجِد المسبِّباتِ بالأمرِ الكَونيِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *﴾ [يس: ٨٢].
فطلبُ الأفعالِ مِنْ الميِّتِ شِركٌ أكبرُ؛ لأنه يَلزمُ مِنْ هذا أنه يُوجِد المسبِّباتِ بدونِ مُباشَرةِ السبَبِ، ففيه صَرفٌ لشيءٍ اختَصَّ به الخالقُ دونَ المخلوقِ.
стр. 110
٢ - طلبُ الحيِّ مِنْ الميِّتِ أنْ يَشفَع له عندَ اللهِ .
فهذا شِركٌ أكبرُ؛ لأنَّ الأصلَ في الأمواتِ أنَّهم لا يَسمعونَ نِداءَ مَنْ ناداهُم، ولا يَستجيبونَ دعاءَ مَنْ دعاهُم.
قال تعالى: ﴿ … وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ *﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].
٣ - الاستعانةُ، والاستغاثة، والاستعاذة عبادات وحُكمُها حُكمُ الدعاءِ، كمَا تقدَّم تَفصيلُه.
٤ - المحبَّةُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك: عبادةَ المحبوبِ مع اللهِ، كمحبَّةِ الخُرافِيِّين لِمَنْ يَدعُونَهم أولياءَ، أو أنْ يُسوِّيَ غيرَ اللهِ باللهِ في المحبَّةِ الخاصَّةِ باللهِ، بأنْ يُحِبَّ مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُدخِلَه الجنَّةَ، أو أنْ يَجعَل لغَيرِ اللهِ كمَالَ المحبَّةِ، أو يُحِبَّ المخلوقَ كمحبَّةِ اللهِ، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].
وقد تَكون شِركًا أصغرَ: وذلك أنْ يَتعلَّق القلبُ بمَحبُوبِه رِضًا وسَخَطًا، لا يَرضَى إلاّ للمالِ ولا يَسخَط إلاّ له، فسمَّاه النبيُّ ﷺ : «عَبْدَ الدِّرهَمِ، وعَبْدَ الدِّينارِ، وعَبْدَ القَطِيفَةِ، وعَبْدَ الخَمِيصَةِ». إلى أنْ قال وقد وَصَف ذلك بأنه: «إذا أُعطِيَ رَضِيَ، وإذا مُنِعَ سَخِطَ». رَواه البخاريُّ مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ﵁.
стр. 111
ومَن صُوَرِ الشِّركِ الأصغرِ: الغُلوُّ في المحبَّةِ الَّتي أَصلُها شرعيٌّ، أو طبيعيٌّ إذا لم تَصِل إلى حدِّ العبادةِ. ومِن أَمثِلةِ ذلك:
المثالُ الأولُ: الغُلوُّ في محبَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ غُلوًّا لم يَصِل إلى درجةِ محبَّةِ اللهِ ؛ لِما رَواه البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄: أنه سَمِع عُمرَ ﵃ يقولُ على المِنبَرِ: سَمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: «لا تُطرُونِي كمَا أَطرَت النَّصارَى ابنَ مَريمَ، فإنَّما أنا عَبدُه، فقُولُوا عبدُ اللهِ ورَسُولُه».
المثالُ الثَّاني: الغُلوُّ في محبَّةِ المؤمنين بأنْ تَتجاوَزَ هذه المحبَّةُ حُدودَها الشرعيَّةَ، فتَتعدَّى كَونَها محبَّةً للهِ إلى كَونِها محبَّةً مع اللهِ، كالاعتمادِ على المحبوبِ، ورَجائِه في حُصولِ مَرغوبٍ أو دَفعِ مَرهوبٍ.
ومِثلُ ذلك: لو تَرتَّب على هذه المحبَّةِ طاعةٌ للمحبوبِ في مَعصِيةِ اللهِ بجَعلِ الحرامِ حَلالاً، أو الحلالِ حرامًا.
المثالُ الثالثُ: الغُلوُّ في المحبَّةِ الطَّبيعيَّةِ.
ومِن أَمثِلَتِه: العِشقُ، وهو أَعلَى درجاتِ المحبَّةِ؛ لأنَّ الحبَّ الذي استَحكَم بصاحبِه لا بُدَّ أنْ يَستَحكِم فيه الذُّلُّ، وهذه هي العبوديَّةُ.
٥ - الخوفُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك:
أنْ يَخاف مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُصِيبَه المَخُوفُ منه بمَشِيئتِه وإرادتِه دونَ اللهِ ، أيْ: يَستقلُّ بذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ، قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزُّمَر: ٣٦]، ولأنه لا أَحدَ يُوجِد المسبِّباتِ دونَ مُباشرةِ الأسبابِ إلاّ اللهُ ، فهُو الذي يَقول للشَّيءِ كُنْ فيَكونُ.
стр. 112
أو أنْ يُسوِّي غيرَ اللهِ باللهِ في الخوفِ الخاصِّ باللهِ؛ كأنْ يَخاف مِنْ أَحدٍ أنْ يُدخِله النَّارَ، أو أنْ يَخاف مِنْ غيرِ اللهِ خَوفَ تَعبُّدٍ بكَمالِ ذُلٍّ ومحبَّةٍ.
وقد يكون شِّركُا أصغر: كأنْ يَترك واجبًا، أو يَفعلَ مُحرَّمًا خوفًا مِنْ غيرِ اللهِ ، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العَنكبوت: ١٠].
وقد يكون بِدعِيًّا: وهو الخوفُ الذي يُؤدِّي بالمسلِمِ إلى اليَأسِ والقُنوطِ مِنْ رحمةِ اللهِ.
٦ - الخَشيةُ، والرَّهْبةُ، والرغبة، والرجاء: عبادات لا يجوز صرفها إلا لله وحُكمُها حُكمُ الخوفِ على ما تقدَّم تَفصيلُه.
٧ - التَّوكُّلُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك:
التوكُّلُ على غيرِ اللهِ في الأمورِ الَّتي لا يَقدِر عليها إلاّ اللهُ، كمَغفِرَةِ الذُّنوبِ أو شِفاءِ المَرضَى بدونِ فِعلِ الأسبابِ، أو الحصولِ على وَلدٍ، والشَّفاعةِ، فهذا شِركٌ أكبرُ، ومِن ذلك التوكُّلُ على الأمواتِ.
وقد يكون شركًا أصغر: وهو التوكُّلُ على غيرِ الله فيما يَقدِر عليه، كمَن يتوكَّلُ على أميرٍ أو سلطانٍ فيما جَعلَه اللهُ بيَدِه مِنْ الرِّزقِ، أو دَفعِ الأذَى ونحوِ ذلك، فهذا شركٌ أصغرُ.
٨ - التَّوبةُ: وهي عبادةٌ أَمَر اللهُ بها في الكتابِ والسُّنةِ، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّور: ٣١] وحُكمُها حُكمُ الخوفِ على ما تقدَّم تَفصيلُه.
стр. 113
٩ - الذَّبحُ: وهو عبادةٌ مِنْ أجلِّ العباداتِ، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الأنعَام: ١٦٢]، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *﴾ [الكَوثَر: ٢]. ويَكون شِركًا أكبرَ:
وهو أنْ يَصرِف عبادةَ الذبحِ لغَيرِ اللهِ مُتقرِّبًا له، كأنْ يَذبَح للجِنِّ، أو للأمواتِ، أو للأحياءِ، وغيرِهم.
ويكون بدعيًّا: بأنْ يَتقرَّب إلى اللهِ بإزهاقِ الرُّوحِ بإراقةِ الدَّمِ، ويَصحبُ فِعلَه أمرٌ مُحدَثٌ كأنْ يَتقرَّب بجِنسٍ لم تَرِدْ به الشريعةُ، مِثلُ: الدَّجاجِ، أو أنْ يُلازِم مَكانًا مُعيَّنًا لاعتقادِ البركةِ، كأنْ يَذبَح للهِ عندَ قَبرِ رجلٍ صالحٍ أو غيرِه، وهكذا.
المسألةُ الثانيةُ: الكُفرُ باللهِ .
الكُفرُ في اللُّغةِ: السَّترُ والتَّغطيةُ.
وفي الاصطلاحِ: الكُفرُ: عدمُ الإيمانِ.
والكُفرُ الأكبرُ هو: تَكذيبٌ، أو استِحلالٌ، أو استكبارٌ، أو إعراضٌ، أو شكٌّ في شيءٍ مِمَّا جاءَ به الشَّرعُ المطهَّرُ، فالكفرُ الأكبرُ يَكون بالاعتقادِ، ويَكون أيضًا بالقولِ، ويَكون كذلك بالفِعلِ، ولو لم يَكُنْ مع أيٍّ منهما اعتقادٌ.
وحُكمُه هو حُكمُ الشركِ الأكبرِ كمَا سَبَق بَيانُه.
وله أنواعٌ كثيرةٌ أهمُّها:
كُفرُ الإنكارِ والتكذيبِ، وهو أنْ يُنكِر المكلَّفُ شيئًا مِنْ أصولِ الدِّينِ، أو أَحكامِه أو أَخبارِه الثابتةِ ثُبوتًا قَطعيًّا.
стр. 114
ومِن أمثلةِ هذا النوعِ مِنْ الكفرِ الأكبرِ:
أنْ يُنكِر شيئًا مِنْ أركانِ الإيمانِ أو غيرِها مِنْ أصولِ الدِّينِ، أو يُنكِر شيئًا مِمَّا أَخبَر اللهُ عنه في كتابِه، أو وَرَد في شأنِه أحاديثُ مُتَواترةٌ، وأَجمَع أهلُ العِلمِ عليه إجماعًا قَطعيًّا.
كأنْ يُنكِر أُلوهيَّةَ أو رُبوبيَّةَ اللهِ تعالى، أو يُنكِر اسمًا، أو صفةً للهِ تعالى مِمَّا أُجمَع عليه إجماعًا قَطعيَّا؛ كأنْ يُنكِر صفةَ العِلمِ.
أو يُنكِر وُجودَ أحدٍ مِنْ الملائكةِ المُجمَعِ عليه كجِبريلَ ومِيكائيلَ ﵉.
أو يُنكِر كتابًا مِنْ كُتبِ اللهِ المُجمَعِ عليها، كأنْ يُنكِر الزَّبُورَ أو التَّوراةَ أو القرآنَ.
أو يُنكِر نَبيًّا مِنْ الأنبياءِ المُجمَعِ عليهم، كأنْ يُنكِر رسالةَ نوحٍ، أو إبراهيمَ، أو هودٍ ﵈.
أو يُنكِر البَعثَ للأجسادِ والأرواحِ، أو يُنكِر الحسابَ أو الجنَّةَ أو النارَ، أو يُنكِر نَعيمَ القبرِ أو عذابَه.
أو يُنكِر أنَّ اللهَ سبحانَه قَدَّر جميعَ الأشياءِ قَبلَ حُدوثِها.
ومنه أنْ يُصحِّح أَديانَ الكُفَّارِ، كاليهودِ أو النَّصارَى أو غيرِهم، أو لا يُكفِّرَهم.
ومنه أنْ يَنسُب نَفسَه إلى غيرِ دِينِ الإسلامِ.
ومنه أنْ يُنكِر صُحبةَ أَبي بكرٍ، أو يَقولَ برِدَّةِ الصحابةِ أو أَكثرِهم، أو يَقولَ بفِسقِهم كلِّهم، أو يُنكِر وُجودَ الجِنِّ، أو يُنكِر إغراقَ قَومِ نوحٍ.
стр. 115
ومنه أنْ يُنكِر تَحريمَ المحرَّماتِ الظاهرةَ المُجمَع على تَحريمِها، كالسَّرِقةِ، وشُربِ الخَمرِ، والزِّنَى والتبرُّجِ، والاختلاطِ بين الرجالِ والنِّساءِ، ونحوِ ذلك.
أو يَعتقدَ أنَّ أحدًا يَجوز له الخروجُ عن شريعةِ محمدٍ ﷺ فلا يَجِب عليه الالتزامُ بأَحكامِها فيَجوزُ له تَركُ الواجباتِ وفِعلُ المحرَّماتِ.
أو يَعتقدَ أنَّ أَحدًا يَجوز له أنْ يَحكُم أو يَتحاكمَ إلى غيرِ شَرعِ اللهِ تعالى.
ومنه أنْ يُنكِر حِلَّ المباحاتِ الظاهرةِ المُجمَعِ على حِلِّها، كأنْ يَجحَد حِلَّ أكلِ لُحومِ بَهيمةِ الأنعامِ، أو يُنكِر حِلَّ تَعدُّدِ الزوجاتِ، أو حِلَّ أَكلِ الخُبزِ، ونحوِ ذلك.
ومنه: أنْ يُنكِر وُجوبَ واجبٍ مِنْ الواجباتِ المُجمَعِ عليها إجماعًا قَطعيًّا، كأنْ يُنكِر وجوبَ رُكنٍ مِنْ أركانِ الإسلامِ، أو يُنكِر أصلَ وجوبِ الجهادِ، أو أصلَ وُجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ.
ومنه أنْ يُنكِر سُنِّيةَ سُنَّةٍ مِنْ السُّننِ، أو النوافلِ المُجمَعِ عليها إجماعًا قَطعيًّا، كأنْ يُنكِر السُّننَ الرواتبَ، أو يُنكِر استحبابَ صِيامِ التطوُّعِ، أو حجِّ التطوُّعِ أو صدقةِ التطوُّعِ ونحوِ ذلك.
النوعُ الثَّاني: كفرُ الشكِّ:
وهو أنْ يَتردَّد المسلمُ في إيمانِه بشيءٍ مِنْ أصولِ الدِّينِ المُجمَعِ عليها، أو لا يَجزِمَ في تَصديقِه في خبرٍ أو حُكمٍ ثابتٍ معلومٍ مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ.
ومِن الأمثلةِ لهذا النوعِ:
أنْ يَشكَّ في صِحَّةِ القرآنِ، أو يشكَّ في ثُبوتِ عذابِ القبرِ، أو يَتردَّد في أنَّ جِبريلَ ﵇ مِنْ ملائكةِ اللهِ، أو يشكَّ في تحريمِ الخمرِ، أو يشكَّ
стр. 116
في وجوبِ الزكاةِ، أو يشكَّ في كفرِ اليهودِ أو النَّصارَى، أو يشكَّ في سُنيَّةِ السُّننِ الراتبةِ، أو يشكَّ في أنَّ اللهَ تعالى أَهلَك فرعونَ بالغَرقِ، أو يشكَّ في أنَّ قارونَ كان مِنْ قومِ موسَى، وغيرِ ذلك مِنْ الأصولِ والأحكامِ والأخبارِ الثَّابتةِ المعلومةِ مِنْ الدَّينِ بالضَّرورةِ، والَّتي سَبَق ذِكرُ أمثلةٍ كثيرةٍ لها في النوعِ الأولِ.
النوع الثالثُ: كفرُ الامتناعِ والاستكبارِ:
وهو أنْ يُصدِّق بأصولِ الإسلامِ وأحكامِه بقلبِه ولسانِه، ولكنْ يَرفُض الانقيادَ بجَوارِحِه لحُكمٍ مِنْ أحكامِه استكبارًا وترفُّعًا.
ومِن أمثلةِ هذا الكفرِ:
أنْ يَرفُض شخصٌ أنْ يصلَّيَ صلاةَ الجماعةِ ويترفَّعَ عنها لأنَّها تُسوِّي بينَه وبينَ الآخَرِينَ.
ومِن أَمثِلتِه أيضًا: أنْ يَمتنعَ شخصٌ عن لُبسِ لِباسِ الإحرامِ؛ لأنه في زَعمِه لِباسُ الفقراءِ ولا يليقُ به، ونحوِ ذلك.
النوعُ الرابعُ: كفرُ السَّبِّ والاستهزاءِ:
وهو أنْ يَستهزئَ المسلمُ، أو يَسُبَّ شيئًا مِنْ دينِ الله تعالى مِمَّا هو معلومٌ مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ، أو مِمَّا يَعلَم هو أنه مِنْ دِينِ اللهِ تعالى، وذلك بأنْ يَستهزئَ بالقولِ أو الفعلِ باللهِ تعالى، أو باسمٍ مِنْ أسمائِه، أو صِفَةٍ مِنْ صفاتِه، أو يَصِفَ اللهَ تعالى بصِفَةِ نَقصٍ، أو يَسُبَّ اللهَ تعالى، أو يَسُبَّ دِينَ اللهِ تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ *﴾ [التّوبَة: ٦٥ - ٦٦].
стр. 117
مسألة: سابُّ النبيِّ ﷺ يَكفُر بالاتِّفاقِ، وأيضًا الاتِّفاقُ مُنعقِدٌ على كفرِ مَنْ لم يُكفِّرْه.
النوعُ الخامسُ: كفرُ البُغضِ:
وهو أنْ يَكرَه دِينَ الإسلامِ، فقد أَجمَع أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أَبغَض دِينَ اللهِ تعالى كَفَر؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ *﴾ [محَمَّد: ٩].
ولأنه حينئذٍ يَكون غيرَ معظِّمٍ لهذا الدِّينِ، بل إنَّ في قلبِه عداوةً له، وهذا كلُّه كفرٌ.
النوعُ السادسُ: كفرُ الإعراضِ:
والإعراضُ عن دِينِ اللهِ تعالى قِسمان:
الأولُ: الإعراضُ المكفِّرُ:
وهو أنْ يَتركَ المرءُ دِينَ اللهِ ويَتولَّى عنه بقلبِه، ولسانِه، وجَوارِحِه، أو أنْ يَترُكَه بجَوارِحِه مع تَصديقِه بقلبِه ونُطقِه بالشَّهادتَين.
وهذا القِسمُ له ثلاثُ صُوَرٍ:
الأُولَى: الإعراضُ عن الاستماعِ لأوامرِ اللهِ ، كحالِ الكفارِ الذين هُمْ باقُونَ على أديانِهم المحرَّفةِ، أو الذين لا دِينَ لهُم، ولم يَبحثُوا عن الدِّينِ مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم.
الثانيةُ: الإعراضُ عن الانقيادِ لدِينِ اللهِ الحقِّ، وعن أوامرِ اللهِ تعالى بعد استماعِها ومعرفتِها، وذلك بعَدمِ قَبولِها، فيتركُ ما هو شَرطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ، وهذا كحالِ الكفارِ الذين دَعاهُم الأنبياءُ وغيرُهم مِنْ الدُّعاةِ إلى
стр. 118
الدِّينِ الحقِّ أو عَرفوا الحقَّ بأنفُسهِم، فلَم يُسلِموا وبَقُوا على كُفرِهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣].
الثالثةُ: الإعراضُ عن العملِ بجَميعِ أحكامِ الإسلامِ وفَرائِضِه بعدَ إقرارِه بقَلبِه بأركانِ الإيمانِ، ونُطقِه بالشَّهادتَين، فمَن تَرَك جِنسَ العملِ بأحكامِ الإسلامِ فلَم يَفعل شيئًا مِنْ الواجباتِ لا صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا زكاةٌ، ولا حجٌّ، ولا غيرُها فهو كافرٌ كفرًا أكبرَ بإجماعِ السَّلفِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ *﴾ [آل عِمرَان: ٣٢].
القِسمُ الثَّاني: الإعراضُ غيرُ المكفِّرِ:
وهو أنْ يَترك المسلمُ بعضَ الواجباتِ الشرعيَّةَ غيرَ الصلاةِ، ويُؤدِّي بعضَها؛ كأنْ يَترك إخراجَ الزكاةِ، أو صومَ رمضانَ، ونحوِ ذلك.
النوعُ السابعُ: كفرُ النِّفاقِ:
النِّفاقُ لُغةً: إخفاءُ الشيءِ وإغماضُه.
واصطلاحًا: هو أنْ يُظهِر الإيمانَ ويُبطِن الكُفرَ.
والنفاقُ يَنقسم إلى قِسمَين:
القِسمُ الأولُ: النفاقُ الأكبرُ الاعتقاديُّ:
أنْ يُظهِر الإنسانُ الإيمانَ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِرِ، ويُبطِنَ ما يُناقِضُ ذلك كلَّه أو بعضَه، وذلك بأنْ يَكون في الظاهرِ أمامَ الناسِ يَدِّعِي الإسلامَ ويُظهِرُ لهُم أنه مسلمٌ، وربَّما يَعمل أمامَهم بعضَ العباداتِ كالصلاةِ والصيامِ والحجِّ وغيرِها، ولكنَّ قَلبَه -والعياذُ بالله- لا يُؤمِن بتَفرُّدِ اللهِ تعالى بالأُلوهيَّةِ، أو الرُّبوبيَّةِ، أو لا يُؤمِن برسالةِ النبيِّ ﷺ ، أو يُبغِضه أو لا يُؤمِن بكُتبِ اللهِ المُنزلةِ، أو لا يُؤمِن بعذابِ القبرِ، أو أنْ لا
стр. 119
يُؤمِنَ بالبعثِ، أو يَعتقدَ أنَّ دِينَ النَّصارَى، أو دِينَ اليهودِ صحيحٌ.
أمَّا حُكمُ المنافقِ فهُو الكفرُ؛ لأنَّ المنافِقينَ أسوأُ حالاً مِنْ سائرِ الكفارِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا *﴾ [النِّسَاء: ١٤٥].
النوعُ الثَّاني: النفاقُ الأصغرُ:
وهو أنْ يُظهِرَ الإنسانُ أمرًا مشروعًا، ويُبطِنَ أمرًا محرَّمًا يُخالفُ ما أَظهَره، ويُسمِّيه بعضُ أهلِ العلمِ: النفاقَ العمليَّ.
ومِن صُوَرِه:
أنْ يَكذِب في حَديثِه متعمِّدًا، أو أنْ يُبغِضَ الأنصارَ، أو يُبغِضَ الخليفةَ الراشدَ عليًّا ﵁.
تَعريفُ الكفرِ الأصغرِ: كلُّ ما أَطلَق عليه الكتابُ والسنَّةُ كفرًا، ولم يَصِل إلى حَدِّ الكفرِ الأكبرِ.
وهذا النوعُ مِنْ الكفرِ يَجتمع مع أصلِ الإيمانِ، فيقال مسلمٌ وعندَه كفرٌ أصغرُ، وحُكمُه كحُكمِ الشِّركِ الأصغرِ.
وله صُورٌ كثيرةٌ منها:
قتالُ المسلمِ لأِخِيه المسلمِ، ففِي الصَّحيحَين مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: (سبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقتالُه كفرٌ).
ومنه الطَّعنُ في أنسابِ الآخَرِين، والنِّياحةً على الميِّتِ، والاستسقاءُ بالنجومِ، كمَا جاءَ في صحيحِ مسلمٍ عن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ،
стр. 120
وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ».
المسألة الثَّالثةُ: نَفيُ صِفَةٍ مِنْ الصفاتِ الثابتةِ بالكتابِ والسُّنةِ:
جحد الصفات ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: جحد تأويل وهو أن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، فإن كان له مساغ في اللغة فليس كفراً؛ لأن التأويل من موانع التكفير إلا إذا تضمن التأويل نقصا لله فإنه يكفر، لأن النقص سب لله ، وإن لم يكن له مساغ في اللغة فهو كفر. فمثلاً اليد: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائدة: ٦٤]، قال: المقصود باليد هنا النعمة، هذا له مساغ في اللغة، لكن لو قال: إن المقصود باليد: السماء، ليس له مساغ في اللغة، هذا هو جحد التأويل فيكون تكذيبا.
القسم الثاني: جحد إنكار، وهذا كفر؛ كمن أنكر اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة كأن يقول ليس لله يد أو لم يستو على عرشه فهو كفر بالإجماع؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر.
ولا يَخلُو مِنْ أحدِ ثلاثِ أحوالٍ:
أحدُها: أنْ يَكونَ النَّافِي عالمًا بالنصِّ الذي ثَبتَت به الصفةُ المنفيَّةُ كتابًا كان أو سنَّةً، ولا تُوجَد لديه شُبهاتٌ قد تًغيِّر مفهومَه للنصِّ، وإنَّما نَفَى لعِنادِه وفسادِ قَصدِه ومَرضِ قلبِه ومُشاقَّتِه للرسولِ مِنْ بعدِ ما تبيَّنَ له الحقُّ، فهذا كافرٌ؛ لتَكذيبِه كلامَ اللهِ أو كلامَ رسولِه ﷺ .
الثَّاني: أنْ يَكون النَّافِي مُجتهدًا في طلبِ الحقِّ معروفًا بالنَّصيحةِ والصِّدقِ، ولكنَّه أخطأَ وتأوَّلَ لجهلِه بالنصِّ، أو لعدمِ عِلمِه بالمفهومِ
стр. 121
الصَّحيحِ، فحُكمُه أنه مَعذورٌ، وخطؤُه مغفورٌ؛ لأنَّ نَفيَه ناتجٌ عن تأويلٍ لا عن عنادٍ وفسادِ قَصدٍ.
الثَّالثُ: أنْ يَكون النَّافِي متبِّعًا لهواهُ، مقصِّرًا في طلبِ الحقِّ، متكلِّمًا بلا علمٍ، لكنَّه لا يَقصِد مُشاقَّةَ الرسولِ، ولم يَتبيَّن له الحقُّ تمامًا، فحُكمُه أنه عاصٍ مُذنِبٌ، وقد يَكون فاسقًا.
المسألة الرابعةُ: الولاءُ الكفريُّ للكفارِ:
الولاءُ منه ما هو كفرٌ، ومنه ما ليس كفرًا كمَا سَبَق، والذي يَظهَر في ضابطِ الولاءِ الكفريِّ هو: محبَّةُ الكفارِ لأجلِ دِينِهم، أو نُصرتُهم على المسلِمينَ بالقتالِ معهم، أو بإعانَتِهم بالمالِ والسِّلاحِ، أو بالتجسُّسِ لهُم على المسلِمينَ محبَّةً لهُم ورَغبةً في ظُهورِهم على المسلِمينَ، فهذه الإعانةُ كفرٌ مُخرِجٌ من المِلَّةِ، وقد حكَى غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ إجماعَ العلماءِ على ذلك.
وإنْ كان الحاملُ له على ذلك مَصلحةٌ شخصيَّةٌ، أو خوفٌ، أو عداوةٌ دُنيويَّةٌ بينَه وبينَ مَنْ يُقاتِلُه مِنْ الكفارِ على المسلِمينَ، فهذه الإعانةُ محرَّمةٌ وكبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذُّنوبِ، ولكنَّها لَيسَت مِنْ الكفرِ المُخرِجِ مِنْ المِلَّةِ.
ودليلُ ذلك: ما حكَاه الإمامُ الطَّحاويُّ مِنْ إجماعِ أهلِ العلمِ على أنَّ الجاسوسَ المسلمَ لا يَجوز قَتلُه، ومُقتضَى ما حكَاه الطَّحاويُّ أنه غيرُ مُرتدٍّ، ويدلُّ لهذا ما رَواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ ﵁ في قصَّةِ حاطبِ بنِ أِبي بَلْتَعَةَ إذْ أَرسَل الرسالةَ إلى قريشٍ يُخبِرهم بقُدومِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «يا حَاطِبُ ما هَذا؟» قال: لا تَعجَلْ عليَّ يا رسولَ اللهِ، إنِّي كنتُ امرأً مُلصَقًا في قريشٍ ولم أَكُنْ
стр. 122
مِنْ أَنفُسِها، وكان مَنْ معَك مِنْ المهاجِرينَ لهُم قَراباتٌ يَحمُون بها أَهلِيهم وأَموالَهم بمكَّةَ، فأَحبَبتُ إذْ فاتَني ذلك مِنْ نَسبٍ فيهم أنْ أَتَّخِذ فيهم يَدًا يَحمُون بها قَرابَتي، وما فَعلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن دِيني ولا رِضًا بالكفرِ بعدَ الإسلامِ، فقال النبيُّ ﷺ : «صَدَقَكُم». فكلامُ حاطبٍ مع إقرارِ رسولِ اللهِ ﷺ صريحٌ في أنَّ مُجرَّدَ فِعلِ حاطبٍ ليس كفرًا؛ لذا قال لم أَفعَلْه كفرًا ولا رِدَّةً عن الدِّينِ.
فرعٌ: الرِّضَا بكفرِ الكافرينَ، أو عدمُ تَكفيرِهم، أو الشكُّ في كُفرِهم أو تَصحيحُ أيِّ مَذهبٍ مِنْ مَذاهِبِهم الكافرةِ، فهذا كفرٌ، ومِن ذلك الدعوةُ إلى وَحدَةِ الأديانِ، أو التَّقريبِ بين الأديانِ، أو ما يُسمَّى بالمِلَّةِ الإبراهيميَّةِ؛ إذْ مِنْ اعتقدَ أنَّ دِينًا غيرَ دِينِ الإسلامِ صحيحٌ، فإنه كافرٌ، لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *﴾ [آل عِمرَان: ٨٥]، ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عِمرَان: ١٩].
المسألة الخامسةُ: الحُكمُ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ .
الحُكمُ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ يَنقسِم إلى أقسامٍ:
١) أنْ يَجحَد الحاكمُ حُكمَ اللهِ ، ومعنَى الجُحودِ: أنْ يَكذِب ويُنكِر أنَّ هذا حُكمُ اللهِ ، وهذا كفرٌ بالاتِّفاقِ، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمل: ١٤].
٢) أنْ يُجوِّز الحاكمُ الحُكمَ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ، فهذا هو الاسْتِحلالُ وهو كُفرٌ بالاتِّفاقِ، ومِمَّا يدلُّ على أنَّ الاسْتِحلالَ كفرٌ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
стр. 123
الْكَافِرِينَ *﴾ [التّوبَة: ٣٧].
٣) أنْ يُسوِّي الحاكمُ حُكمَ غيرِ ما أَنزَل اللهُ بحُكمِ اللهِ ﷻ ، وهذا كفرٌ مُخرِجٌ مِنْ المِلَّةِ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ *﴾ [النّحل: ٧٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشّورى: ١١].
٤) أنْ يُفضِّل حُكمَ غيرِ اللهِ على حُكمِ اللهِ سبحانَه، وهذا كفرٌ مُخرِجٌ مِنْ المِلَّةِ مِنْ باب أَولَى، فهو تَكذيبٌ لكتابِ اللهِ، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *﴾ [المَائدة: ٥٠].
٥) إذا حَكَم الحاكمُ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ هَوًى وشَهوَةً فإنْ كان ذلك في أَفرادِ المسائِلِ فهذا فِسقٌ، وإنْ كان ذلك في عُمومِ المسائِلِ بأنْ يَضَع قَوانينَ مِنْ نَفسِه، أو يَتبَنَّى قَوانينَ وُضِعَت قَبلَه مع اعترافِه بالعِصيانِ ومُخالَفةِ أمرِ الرحمنِ؛ فهَل مِثلُ هذا الحاكمِ يكونُ كافرًا مُرتدًّا عن الدِّينِ؟ وهو مَوضعُ خلافٍ بين أَهلِ العلمِ.
المسألة السَّادسةُ: السِّحرُ:
السِّحرُ في اللُّغةِ: ما خَفِي ولَطُفَ سَبَبُه.
وفي الاصطلاحِ يَشمَل أَمرَين:
الأولُ: عُقَدٌ ورُقَى، أيْ: قِراآتٌ ورُقَى وطَلَاسِمُ يَتوصَّلُ بها السَّاحرُ إلى استِخدامِ الشَّياطينِ فيما يُريدُ به مِنْ ضَررِ المسحورِ.
الثَّاني: أدويةٌ وعَقاقيرُ تُؤثِّر في بَدنِ المسحورِ وعَقلِه وإرادَتِه، فتَجِدُه يَنصرِفُ ويَميلُ، وهو ما يُسمَّى بالصَّرفِ والعَطفِ.
стр. 124
كفرُ السَّاحرِ:
يُقال للساحرِ: صِف لنا سِحرَك؟ فإنْ وَصَف ما يُوجِب الكفرَ؛ كَفَر، وإلاّ فلا، لِما وَرَد عن عائشةَ ﵂: " أنَّها لم تَقتُلْ جاريةً لها سَحَرَتها ". رَواه عبدُ الرزاق، والبَيهقيُّ، وابنُ حزمٍ بسندٍ صحيحٍ، فعَدمُ قَتلِها يدلُّ على عدمِ كفرِها، ولأنَّ الأصلَ بقاءُ الإسلامِ.
وعلى هذا فالسِّحرُ يَنقسِم إلى قِسمَين:
الأولُ: ما هو كفرٌ: وهو ما كان بواسطةِ الشَّياطينِ، لأنَّ الساحرَ يَتقرَّب للشَّياطينِ بما يُريدون مِنْ الكفرِ غالبًا. والدليلُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]، فهذا يدلُّ على أنَّ الساحرَ يَكفُر.
الثَّاني: ما هو مِنْ كَبائرِ الذُّنوبِ: وهو ما كان بواسطةِ العَقاقيرِ والأَدويةِ.
قتلُ الساحرِ:
عند مالكٍ وأحمدَ: أنه يُقتَل وهو الراجح، سواءٌ قُلنا إنَّ سِحرَه كفرٌ أو إنه مِنْ كَبائرِ الذُّنوبِ، لما ورَد عن جُندُبٍ ﵁ عند الترمذيِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَدُّ السَّاحرِ ضَرْبُه بالسَّيفِ». أخرجَه الترمذيُّ، لكنَّه ضعيفٌ، وكذلك حديثُ بَجَالَةَ قال: "أَتانَا كتابُ عُمرَ قَبلَ مَوتِه بِسَنَةٍ أنْ اقْتُلُوا كلَّ ساحرٍ، فقَتَلْنَا ثَلاثَ سَوَاحِرٍ". رَواه البخاريُّ، لكنَّ لَفظةَ: "أنْ اقْتُلُوا كلَّ ساحرٍ" في مُسنَدِ الإمامِ أحمدَ ولَيسَت في البخاريِّ.
ووَرَد عن حَفْصةَ ﵂ أنَّها قَتلَت جاريةً لها سَحرَتها. أخرجَه مالكٌ في الُموطَّأِ.
стр. 125
حَلُّ السِّحرِ:
حلُّ السِّحرِ عن المسحورِ قَسَّمه العلماءُ إلى قِسمَين:
الأولُ: أنْ يَكون ذلك بالقرآنِ والأدعيةِ والقِراءاتِ المباحةِ، فهذا جائزٌ ولا بأسَ به؛ لعُموماتِ الأدلَّةِ الدالَّةِ على الرُّقْيةِ، كقوله ﷺ : «لا بَأسَ بالرُّقَى ما لم تَكُنْ شِرْكًا». رَواه مسلمٌ.
وقولِه ﷺ : «لا رُقْيَةَ إلاّ مِنْ عَينٍ أو حُمَةٍ». أخرجَه أبو داودَ.
وقولِه ﷺ : «أُنْزِلَ عَلَيَّ اللَّيلَةَ سُورَتانِ لم يُتعوَّذْ بِمِثلِهِما: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ». أخرجَه النَّسائيُّ.
وكالمأثُورِ عنه ﷺ في رُقْيةِ المريضِ: «رَبَّنا الَّذي في السَّماءِ تَقدَّسَ اسْمُكَ … ». أخرجَه أبو داودَ.
الثَّاني: حلُّ السِّحرِ عن المسحورِ بسِحرٍ مِثلِه، لا يَجوزُ مُطلقًا؛ للعُموماتِ: مِثلِ حديثِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فصَدَّقَه بِما يَقولُ لم تُقبَلْ صَلاتُه أَربعينَ ليلةً».
وكذلك: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أو كاهِنًا فصَدَّقَه بِما يَقولُ فقَد كَفَر بِما أُنْزِلَ على مُحمَّدٍ».
ولحديثِ جابرٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «النُّشْرَةُ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ». رَواه أحمدُ وغيرُه، واختُلِف في وَقفِه ورَفعِه، ووَرَد عن ابنِ مسعودٍ ﵁ مَوقوفًا نحوُه. رَواه الطبرانيُّ في المُعجَمِ الكبيرِ، والبَيهقيُّ.
وكذلك استدلُّوا بالعُموماتِ الدالَّةِ على النَّهيِ عن التَّداوِي بالمحرَّماتِ.
стр. 126
إتيانُ السَّحَرةِ على أقسامٍ:
١ - الإتيانُ مع التَّصديقِ لهُم في أمرٍ غَيبِيٍّ مُطلَقٍ، أو في أَمرٍ غَيبِيٍّ غيرِ مُطلَقٍ، كالعلمِ بمكانِ السِّحرِ والضالَّةِ ونحوِ ذلك، لكنْ بدونِ اعتقادِ أنَّ الشياطينَ تُخبِرُهم، فهذا كفرٌ أكبرُ مُخرِجٌ مِنْ المِلَّةِ؛ لأنَّ عِلمَ الغَيبِ خاصٌّ بالله، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعَام: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النَّمل: ٦٥]. وقال المنَاوِي: "إنَّ مُصدِّقَ الكاهِنِ إنْ اعتَقدَ أنه يَعلم الغَيبَ كَفَر، وإنْ اعتَقدَ أنَّ الجِنَّ تُلقِي إليه ما سَمِعَته مِنْ الملائكةِ وأنه بإلهامٍ فصَدَّقَه مِنْ هذه الجِهَةِ لا يَكفرُ".
٢ - الإتيانُ مع التَّصديقِ لهُم في أمرٍ غَيبيٍّ نِسبيٍّ، كمَكانِ السِّحرِ والضالَّةِ، ونحوِ ذلك، مع اعتقادِ أنَّ الشياطينَ تُخبِرُهم، فهذا له عُقوبَتان:
أ) لم تُقبَلْ له صلاةٌ أربعينَ يومًا.
ب) كَفَر بمَا أُنزِل على محمدٍ ﷺ : الكفرَ الأصغرَ.
٣ - الإتيانُ المجرَّدُ بدونِ تَصديقٍ، فهذا محرَّمٌ مِنْ بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، والدليلُ على ذلك ما رَواه الإمام مسلمٌ عن مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قال: قلتُ: "يا رسولَ اللهِ: إنَّ مِنَّا رجالاً يأتونَ الكُهَّانَ. قال: رسولُ الله ﷺ : «فَلَا تَأْتِهِم».
٤ - الإتيانُ إليهم مِنْ أَجلِ سُؤالهِم امتحانًا لهُم، واختبارًا لِباطنِ أَمرِهم، وعندَه ما يُميِّز به صِدقَه مِنْ كَذِبِه، فهذا جائزٌ كمَا ثَبَت في الصَّحيحينِ أنَّ النبيَّ ﷺ : سأَلَ ابنَ صَيَّادٍ فقال: «ما يَأتيكَ؟» فقال: يَأتِيني صادقٌ وكاذبٌ، قال: «مَا تَرَى؟» قال: أَرَى عَرشًا على الماءِ، قال: «فإِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لكَ خَبْأً»،
стр. 127
قال: الدُّخُّ الدُّخُّ قال ﷺ : «اخْسَأْ فلَن تَعدُوَ قَدْرَكَ، فإِنَّما أَنْتَ مِنْ إخوانِ الكُهَّانِ».
مسألة: المُنَجِّمُ، وهو: مَنْ يَنظُر في النُّجومِ يَستدلُّ بها على الَحوادِثِ.
والعرَّافُ وهو: الذي يَحدِس ويَخرُص، وضاربُ بحَصًى، ونحوِه.
فإنْ ادَّعَى أنه يَعلم به الأمورَ المُغيَّبةَ فكُفرٌ أكبرُ، وإلاّ فكُفرٌ أصغرُ؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجنّ: ٢٦ - ٢٧].
قواعدُ مُهمَّةٌ في مَعرفةِ أنواعِ الكفرِ:
١ - الكُفرُ اصطلاحٌ وحُكمٌ شرعيٌّ مَحْضٌ مَردُّه إلى اللهِ في كتابِه، وإلى رسولِه ﷺ في سُنَّتِه الصَّحيحةِ الثابتةِ عنه، وليس مَبْنَاه على الهَوَى والتَّشهِّي وسوءِ الظَّنِّ أو فاسدِ الفهمِ.
٢ - أنَّ الكفرَ كالإيمانِ له شُعَبٌ كثيرةٌ، فكمَا صحَّ في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ أِبي هريرةَ ﵁ يَرفعُه إلى النبيِّ ﷺ أنه قال: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعونَ شُعْبةً، أَعْلاها قَولُ لا إلهَ إلاّ اللهُ، وأَدْناها إمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّريقِ، والحيَاءُ شُعبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ».
٣ - أنه هناك علاقةٌ بين الكفرِ الأكبرِ والشِّركِ الأكبرِ، وهي علاقةُ عُمومٍ وخُصوصٍ، فكلُّ شِركٍ كُفرٌ، وليس كلُّ كُفرٍ شِركًا، وتقدَّم.
٤ - أنَّ الكفرَ وَرَد في مَوَارِدِه المُعتبَرَةِ في نُصوصِ الوَحيَين الشَّريفَين: كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه ﷺ يَرِدُ على صُورتَين:
أ- مُعرَّفًا بالألِفِ واللامِ، فالمرادُ به الكفرُ المعهودُ أو المستَغرِقُ في الكفرِ، وهو المُخرِجُ مِنْ المِلَّةِ.
стр. 128
ب- ويأتي مُنكَّرًا غيرَ مُعرَّفٍ لا بالألِفِ واللامِ، ولا بالإضافةِ والتَّخصيصِ، فلا يُعَدُّ بالصورةِ الثانيةِ كُفرًا أكبرَ؛ بل الأصلُ فيه أنه كُفرٌ أصغرُ لا يُخرِجُ مِنْ المِلَّةِ.
٥ - أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ يُعظِّمون لفظَ التكفيرِ جدًّا، ويَجعلونَه حقًّا للهِ ولرسولِه ﷺ فقَطْ، فلا يَجوزُ ولا يَسوغُ عندهم تَكفيُر أَحدٍ إلاّ مَنْ كفَّرَه اللهُ أو كفَّرهُ رسولُه.
ولِذَا يَقول الطَّحاويُّ في عَقيدتِه المشهورةِ المُتداوَلَةِ: "ولا نُكفِّرُ أَحدًا مِنْ أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ ما لم يَستَحِلَّه، ولا نَقول لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنبٌ لِمَنْ عَمِلَه".
٦ - أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ يُفرِّقون بين الكفرِ المُطلَقِ والكفرِ المُعيَّنِ، ولهُم شروطٌ وضوابطُ وتَورُّعٌ ودِيانةٌ في إيقاعِه على المُعيَّنِين، فإنَّهم يَرَون كُفرَ المُعيَّنِ يَقَع عليه بنَفسِه، وأهمُّ هذه الشُّروطِ في إيقاعِ الكفرِ الأكبرِ عليه: بُلوغُ الحُجَّةِ عليه، واندفاعُ الشُّبهةِ عنه، ومِمَّن اعتَنَى بهذه المسألةِ تَفصيلاً أئمةُ الدَّعوةِ النَّجديَّةِ مِنْ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ، فأبنائِه وتَلامِيذِهم، فإنَّهم أَجْلَوها وحقَّقُوها تحقيقًا لا تكادُ تَجِده عند غَيرِهم، ويَضيقُ المَقامُ -في الواقع- عن تَتبُّع كَلامِهم وجَمعِه هنا، فالحمدُ لله.
جماهيرُ السَّلفِ على عَدمِ تَكفيرِ أعيانِ طَوائفِ الأُمَّةِ الثلاثِ والسَّبعين فِرقةً حتَّى تُقام عليهم الحُجَّةُ، وإنْ كان في اعتِقاداتِهم وأقوالِهِم ما هو كفرٌ بالاتِّفاقِ، فالإمامُ أحمدُ لم يُكفِّر أعيانَ المُعتَزِلةِ.
وههُنا أمرٌ مهمٌّ لا بُدَّ مِنْ التَّفطُّنِ له، وهو أنَّ ثَمَّةَ فَرْقًا بين مَراحلَ ثلاثٍ في الكفرِ المُخرِجِ عن المِلَّةِ والمُوجِبِ للرِّدَّةِ، وهي:
стр. 129
أ- تَعيينُ أنَّ هذا الجُرمَ مِنْ الكفرِ الأكبرِ بالدَّلائلِ الشرعيَّةِ.
ب- ثُم مَرحلةُ تَكفيرِ المُعيَّنِ المُواقِعِ لهذا الجُرمِ؛ باجتماعِ الشُّروطِ فيه وانتفاءِ المَوانعِ عنه، وهو مُنَاطٌ بالقُضاةِ الشَّرعِيِّين أَصالةً.
ج- ثُم مَرحلةٌ ثالثةٌ بعَدمِ القَطعِ له بعدَ الموتِ بالخُلودِ في النارِ، مع إجراءِ أحكامِ الكفرِ عليه في أحكامِ الدُّنيا، واللهُ أعلمُ.
التَّفريقُ بين التَّكفيرِ المُطلَقِ وتَكفيرِ المُعيَّن:
مِنْ أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: التفريقُ بينَ التكفيرِ المُطلَقِ وتَكفيرِ المُعيَّنِ؛ لأنَّ مِنْ المُمكِن أنْ يَقولَ المسلمُ قَولاً أو يَفعلَ فِعلاً قد دلَّ الكتابُ والسُّنةُ وإجماعُ الأُمَّةِ على أنه كُفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلامِ، ولكنْ لا تَلازُمَ عندهم بينَ القولِ بأنَّ هذا كفرٌ، وبين تكفيرِ الشَّخصِ بعَينِه؛ فليسَ كلُّ مَنْ فَعَل مُكفِّرًا يُحكَم بكُفرِه؛ لأنَّ هناكَ شُروطًا ومَوانعَ يَجِب مُراعاتُها واعتبارُها، فأهلُ السُّنةِ يَقولون: مَنْ قال هذا فهو كافرٌ، ومَن فَعَل كذا فهو كافرٌ، وعندما يَتعلَّق الأمرُ بالشَّخصِ المُعيَّنِ الذي قالَه أو فَعلَه، لا يَحكمون بكفرِه حتَّى تَجتمِعَ فيه الشُّروطُ وتَنتفِيَ عنه المَوانعُ، فعِندئذٍ تَقوم عليه الحُجَّةُ الَّتي يَكفُر تاركُها.
وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ يَتميَّزون بها عن غيِرهم؛ لأنَّ التكفيرَ ليس حقًّا لأَحدٍ، يَحكُم به على مَنْ يشاءُ على وَفقِ هواهُ؛ بل التكفيرُ حُكمٌ شرعيٌّ يَجِب الرُّجوعُ في ذلك إلى ضوابطِ الشَّرعِ؛ فمَن كفَّرَه اللهُ تعالى أو رسولُه ﷺ وقامَت عليه الحُجَّةُ؛ فهو الكافرُ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمهُ اللهُ تعالى: "إنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِهِ، وَيُقَالُ: مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا،
стр. 130
وَهَذَا كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا *﴾ [النِّسَاء: ١٠] فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ حَقٌّ لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْوَعِيدِ، فَلَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالنَّارِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ".
وقال أيضًا: "وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلاَّ بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ".
موانعُ التَّكفيرِ:
التكفيرُ عند أهلِ السُّنةِ والجماعةِ له مَوانعُ تَمنع مِنْ تَنزيلِ الحُكمِ على الشَّخصِ بعَينِه إلاّ بعدَ تَوفُّرِ الشُّروطِ، وانتِفاءِ المَوانعِ الَّتي تَمنع تَكفيرَ المُعيَّنِ، ومِن هذه المَوانعِ وأَهمِّها:
• الجَهلُ: مِنْ شرطِ الإيمانِ عندَ أهلِ السُّنةِ، وُجودُ العِلمِ والمعرفةِ عندَ الشَّخصِ المؤمِنِ به؛ لِذَا فمَن أَنكَر أمرًا مِنْ أمورِ الشَّرعِ جاهلاً به، ولم يَبلُغْه ما يُوجِب العلمَ بِما جَهِلَه؛ فإنه لا يُكفَّر؛ حتَّى لو وَقَع في مَظهَرٍ مِنْ مَظاهِرِ الشَّركِ أو الكفرِ، فمِثلُ هذا لا يَستحِقُّ العُقوبةَ حتَّى تُقام عليه الحُجَّةُ.
• الخَطأُ: الخطأُ مِنْ مَوانعِ التَّكفيرِ في المسائلِ العلميَّةِ والعمليَّةِ إذا كان اجتهادًا لِطلَبِ الحقِّ ومُتابعةِ النبيِّ ﷺ ، وغيرَ مقصودٍ لِمُخالَفةِ الشرعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥].
• الإِكْراهُ: الإكراهُ على الكفرِ بضوابِطهِ الشرعيَّةِ يُعتبَر مِنْ مَوانعِ التكفيرِ
стр. 131
في حقِّ المُعيَّنِ.
وذلك بالضَّربِ والقَتلِ والتَّعذيبِ، أو قَطعِ عُضوٍ مِنْ أَعضائِه، بالفِعلِ لا بُمجرَّدِ التهديدِ اللَّفظيِّ، ويَغلِب على ظَنِّه أنه إذا امتَنَع أُوقِع به ذلك فَورًا لا مُحالاً، فيُباح إظهارُ ما يُخالِف الدِّينَ ولا يَأثمُ إنْ نَطَق بالكفرِ أو فَعَل؛ لانتفاءِ الرِّضا والإرادةِ، لقولِه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النّحل: ١٠٦].
стр. 132
فصل
فمَن ارتَدَّ عن الإسلامِ، وهو مُكلَّفٌ مُختارٌ دُعِيَ إلى الإسلامِ، واستُتِيبَ، وضُيِّقَ عليه وحُبِس؛ لقولِه : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ *﴾ [الأنفَال: ٣٨]، أَمَر اللهُ رسولَه أنْ يُخبِر جميعَ الذينَ كفرُوا أنَّهم إنْ انتَهَوا غُفِر لهُم ما سَلَف، وهذا معنَى الاستِتابَةِ، والمرتَدُّ مِنْ الذين كفرُوا.
روَى الإمامُ أحمدُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: "لَمَّا افتَتَحْنا تُسْتَرَ، بَعثَنِي الأَشعريُّ إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فلمَّا قَدِمْتُ عليه قال: ما فَعَلَ البَكريُّونَ، حُجَينةُ وأصحابُهُ؟ قال: فأَخَذتُ به في حديثٍ آخَرَ، قال: فقال: ما فَعَلَ النَّفَرُ البَكريُّونَ؟ قال: فلمَّا رأيتُهُ لا يُقلِعُ، قلتُ: يا أميرَ المؤمِنينَ، ما فَعَلوا! إنَّهم قَتَلوا، ولَحِقُوا بالمُشركِينَ، ارتَدُّوا عن الإسلامِ، وقاتَلوا مع المُشركِينَ حتَّى قُتِلوا. قال: فقال: لأنْ أَكونَ أَخذتُهُم سِلمًا، كان أحبَّ إليَّ مِمَّا على وجهِ الأرضِ مِنْ صفراءَ أو بيضاءَ. قال: فقلتُ: وما كان سَبيلُهُم لو أَخذتَهُم سِلمًا؟ قال: كُنْتُ أعرِضُ عليهم البابَ الذي خَرَجُوا منه، فإنْ أَبَوا استَودعتُهُم السِّجنَ". أخرجَه الخلاَّل في «الجامعِ لأحكامِ أهلِ المِلَلِ»، وصحَّحه ابنُ حزمٍ في المحلَّى.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ قال: أَخَذ ابنُ مسعودٍ قومًا ارتَدُّوا عن الإسلامِ مِنْ أهلِ العراقِ قال: فكَتَب فيهم إلى عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁، فكَتَب إليه أنْ اعرِضْ عليهم دِينَ الحقِّ وشهادةَ أنْ لَا إله إلاّ اللهُ، فإنْ قَبِلُوا فخَلِّ عنهم، وإن لم يَقبَلُوا فاقتُلهُم، فقَبِلَها بعضُهم فتَرَكه، ولم يَقبَلْها بعضُهم فقَتَله. رَواه الإمامُ أحمدُ بسندٍ صحيحٍ.
стр. 133
فإنْ أَسلَم لم يُعزَّر، وإنْ لم يُسلِم قُتِل بالسَّيفِ؛ لقولِه ﷺ : «إذا قَتَلْتُم فأَحسِنُوا القِتلَةَ». رَواه مسلمٌ مِنْ حديثِ شدَّادِ بنِ أوسٍ ﵁.
ولا يُحرَق بالنارِ؛ لقولِه ﵊: «مَنْ بدَّل دِينَه فاقتُلُوه، ولا تُعذِّبُوه بعذابِ اللهِ». يَعني النارَ. أخرجَه البخاريُّ.
ولا يَقتُله إلا الإمامُ أو نائبُه، ما لم يَلحَقْ بدارِ الكفارِ الَّتي بَينَنَا وبَينَهم حربٌ، فلِكُلِّ أَحدٍ قَتلُه، وأَخذُ ما معَه.
مسألة: تُقبَل توبةُ كلِّ مرتَدٍّ في الدُّنيا.
فتُقبَل توبةُ مَنْ سَبَّ اللهَ تعالى، ومَن سَبَّ رسولَه ﷺ ، وتُقبَل توبةُ مَنْ تَكرَّرَت رِدَّتُه، والمنافِقُ، والساحرُ؛ لعُموماتِ أَدلَّةِ التوبةِ، ولقولِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]، لكنْ لا بُدَّ أنْ يَظهَر منه ما يدلُّ على صِدقِ تَوبتِه وصلاحِ سَريرتِه.
وأيضًا مَنْ سَبَّ رسولَ اللهِ ﷺ يُعاقَب بحقِّ النبيِّ ﷺ فيُقتَل؛ لِقَتلِ محمدِ بنِ مَسْلَمةَ كَعبَ بنَ الأَشرفِ بإذنِ النبيِّ ﷺ ، فإنه كان يَهجُو رسولَ اللهِ ﷺ . رَواه مسلمٌ.
ولحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قصَّةِ الأَعمَى الذي له أمُّ ولدٍ تَقَع بالنبيِّ ﷺ فقَتَلها. رَواه أبو داودَ.
ولأنَّ سَبَّ النبيِّ ﷺ حقُّ آدميٍّ، وحقُّ الآدميِّ لا يَسقُط بالتوبةِ، كحَدِّ القَذفِ.
مسألة: توبةُ المرتَدِّ وكلِّ كافرٍ: إسلامُه، بأنْ يَشهدَ أنْ لَا إلهَ إلاّ اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَل الكَنِيسةَ، فإذا هو بيهوديٍّ يَقرأ عليهم التوراةَ فَقَرأ حتَّى أَتَى على صِفَةِ النبيِّ ﷺ وأُمَّتِه، فقال:
стр. 134
هذه صِفَتُك وصِفَةُ أُمَّتِك، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وأنَّكَ محمدٌ رسولُ اللهِ، فقال النبيُّ ﷺ : «آوُوا أَخاكُم». رَواه أحمدُ.
مسألة: مَنْ كان كُفرُه بجَحدِ فَرضٍ ونحوِه، كتحليلِ حرامٍ، أو تَحريمِ حلالٍ مُجمَعٍ عليه، أو جَحدِ نبيٍّ أو كتابٍ مِنْ كُتبِ اللهِ، أو آيةِ مِنْ كتابِ اللهِ، أو مَلَكٍ مِنْ ملائكتِه الذين ثَبَت أنَّهم ملائكةُ اللهِ، فتَوبتُه -مع إتيانِه بالشَّهادتَين-: إقرارُه بالمَجحُودِ به مِنْ ذلك؛ لأنه كَذَّب اللهَ سبحانَه بمَا اعتَقَدَه مِنْ الجَحدِ، فلا بُدَّ في إسلامِه مِنْ الإقرارِ بمَا جَحَده.
ولو قالَ كافرٌ: أَسلَمتُ، أو: أنا مسلمٌ، أو: أنا مؤمنٌ؛ صار مسلمًا، وإنْ لم يَلفُظ بالشَّهادتَين؛ لِما روَى المِقدادُ أنه قال: يا رسولَ اللهِ أَرأيتَ إنْ لَقِيتُ رجلاً مِنْ الكفارِ فقاتَلَني فضَرَبَ إحدَى يَديَّ بالسَّيفِ فقَطَعَها ثم لاذَ مِنِّي بشَجَرةٍ فقال أَسلَمتُ، أَفأَقتُلُه يا رسولَ اللهَ بعدَ أنْ قالَها؟ قال: «لا تَقْتُلْهُ». رَواه مسلمٌ.
ويُمنع المرتَدُّ مِنْ التصرُّفِ في مالِه؛ لأنه مَحجورٌ عليه لِحَقِّ المسلِمينَ، وتُقضَى منه دُيونُه، ويُنفَق منه عليه وعلى مَنْ تَلزمُه نَفقتُه.
فإنْ أَسلَم أَخَذ مالَه أو بَقيَّتَه، ونَفَذ تَصرُّفُه، وإلاّ صارَ فَيئًا لِبَيتِ المالِ مِنْ مَوتِه مرتَدًّا.
стр. 135
كتابُ القضاءِ
لُغةً: إحكامُ الشيءِ، والفراغُ منه، ومنه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فُصّلَت: ١٢].
واصطلاحًا: تَبيِينُ الحُكمِ الشَّرعيِّ، والإلزامُ به، وفَصلُ الخصومات.
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنةُ، كمَا في قولِه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقولِه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٣].
ومِن السُّنةِ: حديثُ عمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فَأصَابَ فَلَهُ أَجْرانِ، وإذا اجْتَهَدَ فَأخْطَأَ فَلَهَ أَجْرٌ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ومِن الإجماعِ: قالَ ابنُ قُدامةَ في المُغنِي ٩/ ٣٤: "وأَجمَع المسلِمونَ على مشروعيَّةِ نَصبِ القضاءِ، والحُكمِ بين الناسِ".
وهو فَرضُ كفايةٍ: فهو فرضٌ لوجوبِ رَفعِ الظُّلمِ وفَصلِ الخُصوماتِ وأَخذِ الحَقِّ وإقامةِ العدلِ، وعلى الكفايةِ لأنَّ المطلوبَ هو تَحصيل هذا العَملِ، فإذا قامَ به البَعضُ حَصَل الفرضُ وتَحقَّق المطلوبُ.
وتَولِّي القضاءِ ونحوِه مِنْ الوِلاياتِ تَعتَريه الأحكامُ الخمسةُ:
فيَكون واجبًا: إنْ كان مَنْ يَتولاَّه أهلاً للقضاءِ ولم يُوجَد سِواه.
ويَكون مَندوبًا: لصاحبِ علمٍ لا يَعرِفُه الناسُ، ووُجِدَت فيه شُروطُ
стр. 136
القاضِي؛ وذلك ليُشهِر عِلمَه للناسِ فيُنتَفَع به.
ويَكون حرامًا: لفاقدِ أهليَّةِ القضاءِ، إمَّا لجَهلِه أو لجَورِه، لِما ورَد عن النبيِّ ﷺ عن بُرَيدَةَ ﵁ أنه قال: «القُضاةُ ثلاثةٌ: قاضِيانِ في النارِ، وقاضٍ في الجنَّةِ، رجلٌ قضَى بغيرِ الحقِّ فعَلِم ذاكَ، فذاكَ في النارِ، وقاضٍ لا يَعلَم فأَهلَكَ حُقوقَ الناسِ فهو في النارِ، وقاضٍ قضَى بالحقِّ فذلكَ في الجنَّةِ». رَواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجَه، والنَّسائيُّ في الكبرَى.
ولأنَّ مَنْ لا يُحسِنه لا يَقدِر على العدلِ فيه، فيأخُذ الحقَّ مِنْ مُستحِقِّه فيَدفعُه إلى غيرِه.
ويَكون مكروهًا: لِمَنْ يَخاف العَجزَ عنه، وعدمَ القيامِ به.
ويَكون مباحًا: للصَّالحِ للقضاءِ الذي يَثِق بنَفسِه أنْ يُؤدِّيَ فَرضَه، ولا يَتعيَّن عليه لوجودِ غيرِه مِثلَه.
قال شيخُ الإسلامِ كمَا في الاختياراتِ ٤٨٠: "والواجبُ اتِّخاذُه وِلايةَ القضاءِ دِينًا وقُربَةً، فإنَّها مِنْ أَفضلِ القُرُباتِ، وإنَّما فَسَد حالُ الأكثرِ؛ لِطَلبِ الرِّئاسةِ والمالِ بها، ومَن فَعَل ما يُمكِنه لم يَلزَمْه ما يَعجِزُ عنه … ، ويَجِب العملُ بمُوجَبِ اعتِقادِه فيما له وعلَيه إجماعًا، والوِلايةُ لها رُكنانِ: القوَّةُ والأمانةُ، فالقوَّةُ في الحُكمِ تَرجِع إلى العلمِ بالعدلِ بتَنفيذِ الحُكمِ، والأمانةُ تَرجع إلى خَشيةِ اللهِ تعالى".
مسألة: يَلزم الإمامَ أنْ يَنصِب مِنْ القُضاةِ بقَدْرِ حاجةِ الناسِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يُمكِنه أنْ يُباشِرَ الخُصوماتِ في جميعِ البُلدانِ بنَفسِه.
ويَختارُ لنَصبِ القضاءِ أفضلَ مَنْ يَجِد عِلمًا ووَرَعًا؛ لأنَّ الإمامَ ناظِرٌ للمُسلِمين، فيَجِب عليه اختيارُ الأَصلَحِ لهُم.
стр. 137
ويأمُرُه بتَقوَى اللهِ؛ لأنَّ التَّقوَى رأسُ الدِّين، وأنْ يَتحرَّى العدلَ، أي: إعطاءَ الحقِّ لمُستحِقِّه مِنْ غيرِ مَيلٍ، ويَجتهِد القاضِي في إقامةِ العدلِ بين الأَخصامِ.
مسألة: يُشتَرط في القاضِي عَشرُ صِفاتٍ:
١ - أنْ يَكون بالغًا عاقلاً؛ لأنَّ غيَر المُكلَّفِ تَحتَ وِلايةِ غيرِه، فلا يَكون واليًا على غيرِه.
٢ - ذَكَرًا؛ لحديثِ أَبي بَكرةَ ﵁، وفيه قولُه ﵊: «ما أَفلَح قَومٌ وَلَّو أَمرَهُم امرأةً». رَواه البخاريُّ.
٣ - مُسلمًا، بالإجماعِ؛ ولقولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١].
٤ - أَمينًا؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
٥ - سَميعًا؛ لأنَّ الأَصمَّ لا يَسمع كلامَ الخَصمَين، وللمَشقَّةِ، لكنْ تَصِحُّ تَولِيةُ الأَصمِّ في بعضِ الأَقضِيةِ الخاصَّةِ لا على سَبيلِ العُمومِ؛ للعُموماتِ، ولأنه يُمكِن أنْ يَعتاضَ عن السَّمعِ بالكتابةِ.
وتَصِحُّ وِلايةُ الأَعمَى للقضاءِ؛ لأنَّ شُعَيبًا كان غيرَ مُبصِرٍ، وللعُموماتِ.
٦ - مُتكلِّمًا؛ للمَشقَّةِ، ولا يَفهم جميعُ الناسِ إشارَتَه، لكنْ تَصِحُّ تَولِيةُ الأَخرسِ في بعضِ الأَقضِيةِ الخاصَّةِ لا على سَبيلِ العُمومِ؛ لأنَّ النُّطقَ وسيلةٌ، فإذا أَمكَن مَعرفةُ إشارةِ القاضِي حَصلَت الوسيلةُ.
وهذه الشُّروطُ تُعتَبر حسَبَ الإمكانِ، وتَجِب وِلايةُ الأَمثلِ فالأَمثلِ، فيُولَّى
стр. 138
لعَدمِ العدلِ: الأَنفعُ مِنْ الفاسِقَين، وأَقلَّهما شرًّا، وأَعدَل المُقلِّدَين، وأَعرَفَهما بالتَّقليدِ.
مسألة: إذا حكَّم اثنانِ فأكثرَ بَينَهما رجُلاً يَصلُح للقضاءِ فحَكَم بَينَهما؛ نَفَذ حُكمُه في كلِّ ما يَحكُم به القاضِي؛ لأنَّ عمرَ وأُبيًّا تَحاكَمَا إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، وتَحاكَم عثمانُ وطَلحةُ إلى جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، أخرجَها وكيعٌ في أخبارِ القُضاةِ، ولم يَكُنْ أحدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنا قاضيًا، ولحديثِ أَبي شُرَيحٍ: "إذا اختَلَفُوا في شيءٍ أَتَوني فحَكَمتُ بينَهم فرَضِي كِلَا الفَريقَين، قال: «ما أَحسَنَ هَذا».
مسألة: أخلاقُ القاضِي الَّتي يَنبغي له التَّخلُّق بها:
١ - أنْ يَكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى مَعرفتِه، مُستظهِرًا مُضطَلِعًا بالعلمِ، مُتمكِّنًا منه.
٢ - لَيِّنًا مِنْ غيرِ ضَعفٍ؛ لِئلَّا يَهابَه صاحبُ الحقِّ.
٣ - حَليمًا؛ لِئلَّا يَغضبَ مِنْ كلامِ الخصمِ، ذا أَنَاةٍ، أي: تُؤَدةٍ وتَأَنٍّ؛ لِئلَّا تُؤدِّي عَجلتُه إلى ما لا يَنبغي.
٤ - ذا فِطْنَةٍ؛ لِئلَّا يَخدعَه بعضُ الأخصامِ، بصيرًا بأحكامِ مَنْ قَبلَه، له مَعرفةٌ بالناسِ ومُجتمَعهم وأحوالِهم.
٥ - مَجلِسه في وَسَطِ البلدِ إذا أَمكَن؛ ليَستويَ أهلُ البلدِ في المُضِيِّ إليه، فَسيحًا لا يَتأذَّى فيه بشيءٍ مِنْ حرٍّ أو بردٍ، ولا يُكره القضاءُ في الجامعِ.
مسألة: يَجِب أنْ يَعدلَ بين الخَصمَين في لَحْظِه -نَظرِه إليهما-، ولَفظِه، ومَجلِسِه -جُلوسِهما بين يَدَيه-، ودخولِهِما عليه.
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ المُوقِّعين ٣/ ١٧٣: "الحاكمُ مَنهيٌّ عن رَفعِ أَحدِ
стр. 139
الخَصمَين على الآخَرِ، وعن الإقبالِ عليه دونَه، وعن مُشاوَرتِه والقيامِ له دون خَصمِه؛ لِئلَّا يَكون ذَريعةً إلى انكسارِ قَلبِ الآخَرِ وضَعفِه عن القيامِ بحُجَّتِه وثِقَلِ لِسانِه بها".
وإنْ سلَّم أَحدُهما رَدَّ، ولم يَنتظِر سلامَ الآخَرِ، ويَحرُم أنْ يُسارَّ أَحدَهما، أو يُلقِّنَه حُجَّتَه، أو يُضِيفَه؛ لأنه إعانةٌ له على خَصمِه، وكَسرٌ لقَلبِه، أو يُعلِّمَه كيف يَدَّعي، إلا أنْ يَترك ما يَلزَمُه ذِكرُه في الدَّعوَى.
مسألة: لا يَجوز للقاضِي أنْ يَقضِيَ مع وجودِ مُشوِّشٍ للفِكرِ، كالغضبِ، ومِثلُه إذا كان حاقِنًا، أو في شدَّةِ جوعٍ، أو عطشٍ، أو هَمٍّ، أو مَلَلٍ، أو كسلٍ، أو نُعاسٍ، أو بَردٍ مؤلمٍ، أو حَرٍّ مزعجٍ؛ لأنَّ ذلك كلَّه يَشغل الفِكرَ الذي يَتوصَّل به إلى إصابةِ الحقِّ.
ولا يَخلُو الغضب مِنْ أَمرَين:
الأولُ: أنْ يَكون الغضبُ يَسيرًا لا يَمنع مِنْ فهمِ القضيَّةِ وتَصوُّرِها: فيَجوز القضاءُ؛ لِما روَى الزُّبَيرُ ﵁: "أنَّه اختَصَم مع رجلٍ مِنْ الأنصارِ في شِرَاجِ الحَرَّةِ، فقال النبيُّ ﷺ للزُّبَيرِ: «اسْقِ ثُم أَرسِل الماءَ إلى جارِكَ»، فقال الأنصاريُّ: أنْ كانَ ابنَ عَمَّتِك؟ فغَضِبَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وقال للزُّبَيرِ: «اسْقِ ثُم احْبِسِ الماءَ حتَّى يَبلُغَ الجَدْرَ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. فحَكَم في حالِ غَضَبِه.
الثَّاني: أنْ يَكون الغضبُ كثيرًا، فلا يَجوز القضاءُ في هذه الحالِ؛ لأنَّ الكثيرَ يَشغَل الفِكرَ؛ لخبرِ أَبي بَكرةَ مَرفوعًا: «لا يَقضِيَنَّ حاكمٌ بَينَ اثنَينِ وهو غَضبانُ». أخرجَه البخاريُّ، ومسلمٌ.
стр. 140
مسألة: يَحرم على القاضِي قَبولُ رِشْوَةٍ، والرِّشوةُ: أنْ يأخذَ مِنْ أَحدِ الخَصمَين ليَحكُمَ له بباطلٍ، أو يَمتنعَ مِنْ الحُكمِ بالحقِّ للمُحِقِّ حتَّى يُعطيَه، وهو مِنْ أَعظمِ الظُّلمِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ قال: "لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ والمُرْتَشِيَ". أبوداودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجَه. وإسنادُه حسنٌ، وصحَّحه الترمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ، وأقرَّه الذهبيُّ.
وكذا يَحرم على القاضِي قَبولُ هَديَّةٍ؛ لحديثِ أِبي هريرةَ ﵁، وفيه قولُه ﵊: «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ» أخرجه أحمد، ووُرُودِه عن الصحابةِ ﵃.
الهديَّةُ لا تَخلُو مِنْ أحوالٍ:
الأُولى: أنْ يَكون الغرضُ مِنْ الإهداءِ أنْ يَحكمَ القاضِي له جَورًاً، فهذه محرَّمةٌ؛ إذْ هي مِنْ الرِّشوةِ.
الثَّانية: أنْ تَكون الهديَّةُ مِمَّن له خُصومةٌ عند القاضِي، فهذه تَحرم أيضًاً وإنْ كان بينَهما قرابةٌ.
الثالثةُ: أنْ تَكون الهديَّةُ مِمَّنْ جَرَت عادتُه بمُهاداةِ القاضِي، وليس له خُصومةٌ، فهذه يَجوز للقاضِي أَخذُها ما لم تَزِدْ على ما كان يُهديه مِنْ قَبلُ.
الرابعةُ: أنْ تَكون الهديَّةُ مِمَّن جَرَت عادتُه بمُهاداةِ القاضِي وليس له خُصومةٌ، لكنْ أَحسَّ القاضِي أنه يُقدِّمها بين يَدَي الخُصومةِ، فهذه يَجِب على القاضِي رَدُّها.
الخامسةُ: أنْ تَكون الهديَّةُ مِمَّن لم تَجرِ عادتُه بمُهاداةِ القاضِي، وليس له خُصومةٌ:
стр. 141
فذهَبَ الجُمهورُ: إلى أنه لا يَجوز للقاضِي قَبولُ هديَّةِ مِنْ لم تَجرِ عادتُه بمُهاداتِه، وإنْ كان ليس له خُصومةٌ؛ لحديث أَبي حُميدٍ السَّاعِديِّ ﵁، وفيه قولُه ﷺ : «ما بالُ عاملٍ أَبعَثُه فيقولُ: هذا لكُم، وهذا أُهدِيَ لِي، أَفَلا قَعَدَ في بيتِ أَبيه وأُمِّه حتَّى يَنظُر أَيُهدَى إليه أم لا» متَّفق عليه.
مسألة: يُكرَه للقاضِي أنْ يَتولَّى البيعَ والشِّراءَ بنَفسِه، سواءٌ كان البيعُ في مَجلسِ القضاءِ أو خارجَه، إلاّ أنْ يَحتاجَ مُباشرَتَه ولم يَكُنْ له مَنْ يَكفيه، فيَجوز له ذلك حينئذٍ مَنْ غيرِ كَراهةٍ، ويَنبغي أنْ يُوكِّلَ في ذلك مَنْ لا يُعرَف أنه وَكيلُه؛ لِئلَّا يُحابَى.
مسألة: يُستحَبُّ للقاضِي ألاّ يّحكُم إلاّ بحَضرةِ الشُّهودِ؛ ليَستَوفيَ بهم الحقَّ.
مسألة: يَنفُذ حُكمُه لِمَنْ لا تُقبَل شَهادتُه له، كوالِدِه، ووَلَدِه، وزَوجتِه، وعلى عدُوِّه بالبيِّنةِ؛ لأنَّ القاضِيَ أَسيرُ البيِّنةِ، فلا تَظهَر منه تُهَمةٌ.
ولا يُنقَض مِنْ حُكمِ القاضِي، إلاّ ما خالفَ نصَّ كتابِ اللهِ أو سُنَّةَ رسولِه، كقَتلِ مُسلمٍ بكافرٍ، أو إجماعًاً قَطعيًّا، أو ما يَعتقدُه، فيَلزَم نَقضُه.
مسألة: لا يَلزَمُ إحضارُ المريضِ ونحوِه المدَّعَى عليه؛ للمشقَّةِ، ويُؤمَر أنْ يُوكِّل، فإنْ وَجبَت عليه يَمينٌ بَعَث إليه القاضِي مَنْ يُحلِّفه.
стр. 142
فصلٌ: في كَيفيَّةِ القضاءِ.
الدَّعوَى لُغةً: الطَّلبُ، قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ *﴾ [يس: ٥٧] أي: يَطلُبون.
واصطلاحًا: إضافةُ الإنسانِ إلى نَفسِه استِحقاقَ شيءٍ في يَدِ غَيرِه، أو ذِمَّتِه.
المُدَّعِي: مَنْ إذا سَكَت عن الدَّعوَى تُرِك.
والمدَّعَى عليه: مَنْ إذا سَكَت لم يُترَك، فهو المُنكِرُ.
إذا حَضَر الخَصمانِ للقاضِي سَألَهما القاضِي: أيُّكما المدَّعِي؟ لأنَّ سُؤالَه عن المدَّعِي مِنهما لا تَخصيصَ فيه لواحدٍ منهما، وإنْ شاء القاضِي سَكَت حتَّى يَبدأَ الخصمُ.
فإذا ذَكَر المدَّعِي دَعوَاه، فالمدَّعَى عليه لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ: إمَّا أنْ يُقِرَّ، أو يَسكتَ، أو يُنكرَ.
فإنْ أَقرَّ المدَّعَى عليه للمدَّعِي؛ حُكِم له عليه.
وإنْ أَنكَر المدَّعَى عليه، أو سَكَت المدَّعى عليه ولم يُجِب -فهو كالمنُكِرِ-؛ قال القاضِي للمدَّعِي: إنْ كان لكَ بَيِّنةٌ فأَحضِرْها إنْ شِئتَ، فإنْ أَحضَرَها سَمِعَها وحَكَم بها، إذا اتَّضَح له الحُكمُ، فإنْ لم يَتَّضِح له الحُكمُ أَخَّرَه حتَّى يَتَّضِحَ له.
فإنْ لم يَكُنْ للمدَّعِي بيِّنةٌ، فعَلَى المدَّعَى عليه اليمينُ، فإذا حَلَف المدَّعَى عليه بَرِئَ، وإنْ أَبَى أنْ يَحلِف حَكَم عليه القاضِي؛ لِما روَى وائلُ بنُ حُجرٍ
стр. 143
الحَضرميُّ أنَّ رَجُلَين اختَصَمَا إلى النبيِّ ﷺ ، حَضْرميٍّ وكِندِيٍّ، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا غَلَبَني على أرضٍ لي، فقال الكِندِيُّ: هي أَرضِي وفي يَدِي، وليسَ له فيها حقٌّ، فقال النبيُّ ﷺ للحَضرميِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قال: لا، قال: «فَلَكَ يَمِينُه». رَواه مسلمٌ.
ولحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لو يُعطَى الناسُ بدَعْوَاهُم لادَّعَى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأَموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه». متَّفق عليه.
فإنْ حَلَف المُنكِرُ وخَلَّى الحاكمُ سَبيلَه، ثُم أَحضَر المدَّعِي بيِّنةً عليه حَكَم القاضِي بها، ولم تَكُنْ اليمينُ مُزيلةً للحقِّ.
وللقاضِي أنْ يَرُدَّ اليمينَ على المدَّعِي إذا رَأَى ذلك بأنْ كان المدَّعِي عالماً بما يَدَّعِيه مِنْ صِدقِ نَفسِه وصِحَّةِ دَعوَاه، فيَجوز رَدُّ اليمينِ عليه ويُحكَم له بِما يَدَّعِيه، فإنْ امتَنَع سَقطَت دَعوَاه.
وإنْ كان الذي يَنفرِد بمَعرفةِ الأمرِ هو المدَّعَى عليه ولا يُشارِكُه في ذلك المدَّعِي، فيَجِب على المدَّعَى عليه أنْ يَحلِف وليس له أنْ يَرُدَّ اليمينَ، وإنْ امتَنَع حُكِم عليه؛ لأنَّ هذا ما ثَبَت عن الصحابةِ ﵃.
مسألة: البيِّنةُ في اللُّغةِ: وُضوحُ الشيءِ وانكِشافُه.
واصطلاحًاً: اسمٌ لكُلِّ ما يُبيِّن الحقَّ ويُظهِره لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحَديد: ٢٥] والمرادُ الحُجَّةُ والدَّليلُ والبُرهانُ.
وعن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ: "أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن اللُّقَطَةِ قال: «عَرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ وِكَاءَها وعِفَاصَها، ثُم اسْتَنْفِقْ بِها، فإنِ جاءِ رَبُّها فأَدِّها إليه». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
стр. 144
والرسولُ ﷺ جَعَل وَصْفَ اللُّقَطَةِ بيِّنةً على صِدقِ طالِبِها أنَّها له.
وعلى هذا تَشمَل البيِّنةُ الشَّهادةَ، والوَثائِقَ، والقَرائِنَ، وغيرَ ذلك.
مسألة: لا يَحكُم القاضِي بعِلمِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄: قال النبيُّ ﷺ : «لو رَجَمتُ أَحدًا بغَيرِ بَيِّنةٍ، رَجَمتُ هَذِه». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ، ولأنَّ تَجويزَ القضاءِ بعِلمِ القاضِي يُفضِي إلى تُهَمَتِه، وحُكمِه بما يَشتَهِي.
قال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحُكمِيَّةِ ص ٢٩١: "وقد ثَبَت عن أَبي بكرٍ وعمرَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وابنِ عباسٍ ومعاويةَ المنعُ مِنْ ذلك، ولا يُعرَف لهُم في الصحابةِ مُخالفٌ".
ويَجوز الحُكمُ بعِلمِه في أمور:
١ - فيما يَحدُث في مَجلسِ حُكمِه كإقرارِ الخَصمِ.
٢ - أنَّ له الحُكمَ بعِلمِه في التَّجريحِ والتَّعديلِ للشُّهودِ.
стр. 145
٣ - يَحكُم بعِلمِه في حقِّ اللهِ تعالى على وَجهِ الحِسبَةِ، كأنْ يَسمَعَ مَنْ يُطلِّق زَوجَته طلاقًا بائنًا ثُم يَدَّعي الزَّوجيَّةَ بعدَ ذلك.
وإنْ جَرَح الخصمُ الشُّهودَ كُلِّف البيِّنةَ بالجَرحِ، وإنْ شَكَّ في الشُّهودِ سَألَهم القاضِي كيفَ تَحمَّلُوا الشهادةَ؟ وأينَ تَحمَّلُوها؟
فإنْ لم يَأتِ مدَّعِي الجَرحِ ببيِّنةٍ حُكِم عليه؛ لأنَّ عَجزَه عن إقامةِ البيَّنةِ على الجَرحِ دَليلٌ على عدمِ ما ادَّعاه.
مسألة: القاضِي بالنِّسبةِ للبيِّنةِ لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
١ - أنْ يَعلمَ عَدالَتَهم فيَحكُمَ بها.
٢ - أنْ يَعلمَ جَرحَهم فيَرُدَّها.
٣ - أنْ يَجهلَ القاضِي حالَ البيِّنةِ، فيَطلُبُ مِنْ المدَّعِي تَزكِيَتَهم لتَثبُتَ عَدَالَتُهم فيَحكُمَ له، ويَكفي في التَّزكِيَةِ واحدٌ يَشهدُ بعَدَالةِ الشَّاهدِ.
مسألة: إنْ احتاجَ القاضِي مَنْ يُترجِم له كلامَ أَحدِ الخُصومِ أو الشُّهودِ، يَكفي واحدٌ في التَّرجمةِ، وكذا في التَّزكيةِ للشاهدِ، والجَرحِ للشاهدِ، والتعريفِ للمَشهودِ عليه والمشهودِ له والمشهودِ به، وتعريفِ المحكومِ له، والمحكومِ عليه، والمحكومِ به، أمينٌ واحدٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أَمَر زيدَ بنَ ثابتٍ أنْ يَتعلَّم كتابَ يَهودَ، قال: "فكُنتُ أَكتُب له إذا كَتَب إليهم، وأَقرَأ له إذا كَتبُوا". رَواه البخاريُّ معلَّقًا، ووَصَله ابنُ حَجرٍ في التَّغلِيقِ.
مسألة: الحُكمُ على الغائبِ.
يَجوز الحُكمُ على الغائبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤].
للغائِب ثلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَكون غائبًا عن مَجلسِ الحُكمِ، حاضرًا في البلدٍ وغيرَ مُستَتِرٍ، فلا يَجوز الحُكمُ عليه؛ لأنه يُمكِن سُؤالُه، فلَم يَجُزْ الحُكمُ عليه قَبلَه.
الثانيةُ: أنْ يَكون غائبًا عن مَجلسِ الحُكمِ حاضرًا في البلدِ لكنَّه مُستَتِرٌ.
الثالثةُ: أنْ يَكون غائبًا عن البلدِ. فيَجوزُ الحُكمُ في هاتَين الحالتَين، ثُم إذا حَضَر الغائبُ فهُو على حُجَّتِه.
لِما جاءَ في قصَّةِ قَتيلِ خَيبرَ حيثُ حَكَم النبيُّ ﷺ على اليهودِ وهُم -غُيَّبٌ- بأنْ يَحلِفَ خَمسونَ منهم أنَّهم ما قَتلُوه ويَبرَؤُون، وتقدَّم. رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
следующие страницы →