Полный текст (170 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فصلٌ: في حَدِّ القَذفِ.
القَذفُ لُغةً: الرَّميُ مطلقًا، والتَّقاذُف: التَّرامِي.
واصطلاحًا هو: الرَّميُ بزِنًى أو لِواطٍ.
القَذفُ: محرَّمٌ ومِن كبائِرِ الذُّنوبِ، والأصلُ في تَحريمِه القرآنُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *﴾ [النُّور: ٤].
والسُّنةُ، لِما روَى أبو هريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اجتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، قالُوا يا رسولَ اللهِ وما هي؟ قال: «الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ الَّتِي حَرَّم اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبَا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ المُؤمِناتِ الغَافِلاتِ». متَّفق عليه.
والإجماعُ قائمٌ على تَحريمِه، وأنه مِنْ الكبائرِ.
والحِكمةُ مِنْ مَشروعيَّتِه: الدَّرْءُ عن أَعراضِ المَعصُومِين، وعُقوبةُ المُعتدِين، وطُهْرةُ الجَانِين.
مسألة: يَجِب القَذفُ إذا رأَى زوجتَه تَزنِي في طُهرٍ لم يَطَأْها فيه، ثم تحمل فيَعتزلُها إلى أن تَلِد ما يُمكِن كَونُه مِنْ الزَّانِي فيَلزمُه قَذفُها لِنَفيِ الوَلدِ باللِّعانِ؛ إذْ لم يُمكن نَفيُه إلا باللِّعانِ.
مسألة: يُباح القَذفُ إذا رأَى زوجتَه تَزنِي ولم تَلِد ما يَلزمُه نَفيُه، بأنْ لم تَلِد، أو وَلدَت ما لا يَغلِب على ظَنِّه أنه مِنْ زانٍ.
стр. 72
فرعٌ: إنْ عَلِم المقذوفُ بالقَذفِ فيَجِب إخبارُ المقذوفِ واستِحلالُه؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كانَت عندَه مَظلَمةٌ لأَحدٍ مِنْ عِرضٍ أو شَيءٍ فلْيَتحلَّلْه اليومَ قَبلَ ألاّ يَكونَ دينارٌ ولا دِرهمٌ». رَواه البخاريُّ.
وإنْ لم يَعلم؛ لا يَجِب إخبارُ المقذوفِ واستِحلالُه، بل تَكفي التوبةُ مع الاستغفارِ والدعاءِ، والثناءِ عليه؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هُود: ١١٤]، ولقولِه ﷺ : «وأَتبِع السيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُها». رَواه أحمدُ والترمذيُّ وصحَّحه، ولأنَّ إخبارَ المقذوفِ تَترتَّب عليه فِتنةٌ وعداوةٌ.
مسألة: العُقوباتُ المترتِّبةُ على القذفِ:
١ - الجَلدُ: إذا قذفَ المكلَّفُ المختارُ مُحصَنًا؛ جُلِد ثَمانينَ جَلدةً؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤].
٢ - الحكم عليه بالفِسْق.
٣ - ردُّ الشَّهادةِ، ورَدُّ الشهادةِ يَسقُط بالتوبةِ؛ للآيةِ الآتيةِ.
مسألة: شُروطُ الإحصانِ في القَذفِ.
الشَّرطُ الأولُ: الإسلامُ، فمَن قَذَف غيرَ مسلمٍ لم يُحَدَّ، وإنَّما يُؤدَّب باتِّفاقِ الأئمةِ، قال ابنُ المنذِرِ: "وجُملةُ العلماءِ مُجمِعون، وقائِلُون بهذا القولِ، ولم أُدرِك أَحدًا ولا لَقِيتُه يُخالِف ذلك"؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النُّور: ٤ - ٥].
الشَّرطُ الثَّاني: العَقلُ، باتِّفاقِ الأئمةِ، فلا يُحَدُّ مَنْ قَذَف مَجنونًا، ولكنْ
стр. 73
يُعزَّر؛ لِعَدمِ لُحوقِ المَعرَّة بقَذفِه، ولأنه لا يَجِب عليه حَدُّ الزِّنَى لو زَنَى.
الشَّرطُ الثالثُ: العِفَّةُ، باتِّفاقِ الأئمةِ للآيةِ والحديثِ السابقَين، وقولِه: ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ [النُّور: ٢٣] أي: عن الزِّنَى.
الشَّرطُ الرابعِ: البُلوغُ، فلا يُحَدُّ مَنْ قَذَف صبيًّا؛ لأنه أَحدُ شَرطَي التَّكليفِ فأَشبَه العقلَ، ولأنَّ زِنَى الصَّبيِّ لا يُوجِب حدًّا فلا يَجِب الحدُّ بالقَذفِ به، كزِنَى المجنونِ.
وإنْ قَذَف غيرَ المُحصَنِ، وهو مَنْ تَخلَّف في شَرطٍ مِنْ شروطِ الإحصانِ السابقةِ، كذِمِّيٍّ وصغيرٍ، فيَجِب التَّعزيرُ على القاذفِ؛ لارتِكابِه المعصيةَ.
مسألة: حَدٌّ القذفِ حقٌّ للمقذوفِ، وفيه حقٌّ للهِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ دِمائَكُم، وأَموالَكُم، وأَعراضَكُم عَلَيكُم حَرامٌ». متَّفق عليه، فأضافَ النبيُّ ﷺ العِرْضَ إلى الشَّخصِ، فيَسقُط بعَفوِه، ولا يُقام إلا بطَلَبِه، لكنْ لا يَستَوفِيه بنَفسِه.
وإنْ ماتَ المقذوفُ فإنَّ حَدَّ القَذفِ يُورَث مطلقًا؛ لأنه حقٌّ مِنْ حُقوقِ المقذوفِ، فكان للوارِثِ القيامُ به اعتبارًا بسائِرِ حُقوقِه.
لكنْ إنْ سَقَط الحَدُّ بعفوِ المقذوفِ؛ عُزِّر لحقِّ اللهِ تعالى.
مسألة: صِيغةُ القَذفِ:
ألفاظُ القَذفِ تَنقسِم إلى:
١ - صَريحٍ: وهو ما لا يَحتمل غيَر القَذفِ، والمَرجعُ في ذلك العُرفُ، كقولِ القاذفِ: «يا زانِي»، «يا لُوطِيّ»؛ لأنَّ اللُّوطِيَّ في العُرفِ: مَنْ يَأتي الذُّكورَ.
стр. 74
وإنْ قال: أَردتُ ب «زانِي»: زَانِيَ العَينِ، ونحوَه، أو: أنَّك مِنْ قومِ لُوطٍ، أو: أنَّك تَعملُ عَملَهم غيرَ إتيانِ الذُّكورِ؛ لم يُقبَل.
وك «يا عاهِرُ»، أو «قد زَنَيت»، أو «زَنَى فَرجُك»، و «يا مَنْيُوكُ»، و «يا مَنْيُوكَةُ».
٢ - كِنايةُ القَذفِ، وهو ما يَحتمِل القَذفَ وغيرَ القَذفِ، والمَرجعُ في ذلك العُرفُ، كقولِ القاذفِ: «يا قَحْبَةُ»، و «يا فاجِرَةُ» و «يا خَبِيثَةُ» و «فَضَحتِ زَوجَك»، أو «نَكَّستِ رَأسَه»، ونحوُ ذلك.
وإنْ فسَّرَه بغيرِ القَذفِ؛ قُبِل مع يَمينِه؛ لأنه يَحتملُ غيرَ الزِّنَى، وعُزِّر؛ لارْتِكابِه المَعصيةَ.
مسألة: قولُه: «يا كافرُ، يا فاسقُ، يا فاجرُ، يا حمارُ»، ونحوُه: يُعزَّر.
وقال بعضُ العلماءِ: يَقولُ له مِثلَ ما قالَ.
مسألة: إذا قَذَف جماعةً بكَلِماتٍ، بأنْ قال لكلِّ واحدٍ: «يا زانٍ» فلكُلِّ واحدٍ حَدٌّ؛ لأنَّها حُقوقٌ لآِدمِيِّين فلَم تَتَداخَل، كالدُّيُون.
وأمّا إذا قَذفَهم بكَلِمةٍ واحدةٍ فعَلَيه حَدٌّ واحدٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، ولم يُفرِّق بين قَذفِ واحدٍ أو جماعةٍ.
ولأنَّ الحدَّ إنَّما وَجَب بإدخالِ المَعرَّةِ على المقذوفِ بقَذفِه، وبِحَدٍّ واحدٍ يَظهَر كَذِبُ هذا القاذفِ وتَزولُ المَعرَّةُ فوَجَب أنْ يُكتفَى به.
مسألة: إذا قَذَف جماعةً لا يَجوز أنْ يَكونوا كُلُّهم زُناةً عادةً -كأهلِ بلدٍ مثلاً- لم يَجِب الحدُّ؛ لأنَّ الحدَّ إنَّما يَجِب لِنَفيِ العارِ، ولا عارَ على
стр. 75
المَقذوفِ لأنَّا نَقطع بكَذِبِه، ويُعزَّر للكَذِبِ، وقيل: يُحَدُّ لِوُجودِ القذفِ.
ومَن قَذَف مَيِّتًا حُدَّ بطَلبِ وارثٍ.
ومَن قَذَف نَبِيًّا كَفَر وقُتِل، أو قَذَف أُمَّ النبي كَفَر؛ لأنه رِدَّةٌ عن الإسلامِ وخُروجٌ عن المِلَّةِ، وكذلك السَّبُّ بغَيرِ القذفِ يُسقِط الإسلامَ.
قال شيخُ الإسلامِ في مَجموعِ الفَتاوَى (٣٢/ ١١٩): "ولهذا كان مَنْ قَذَف أُمَّ النبيِّ ﷺ يُقتَل؛ لأنه قَدَح في نَسبِه، وكذلك مَنْ قَذَف نِساءَه يُقتَل؛ لأنه قَدَح في دِينِه، وإنَّما لم يَقتُلهم النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّهم تَكلَّموا بذلك قَبلَ أنْ يَعلم بَراءَتها".
ولو تابَ أو كان كافرًا فأَسلَم لم يَسقُط؛ لأنه حدُّ قَذفٍ، فلا يَسقُط بالتوبةِ أو الإسلامِ.
стр. 76
فصلٌ: في عُقوبةِ المُسكِرِ.
أيْ: الذي يَنشأُ عنه السُّكرُ، وهو اختِلاطُ العَقلِ.
والخَمرُ أُمُّ الخبائِثِ؛ لأنَّها تُفسِد العقولَ والأبدانَ والأخلاقَ والأَنفُسَ والمُجتَمعاتِ، قال شيخُ الإسلامِ كما في مَجموعِ الفتاوَى ٢٠/ ٣٣٦: (وتَحريمُ الخَمرِ أَشدُّ مِنْ تَحريمِ اللُّحومِ الخبيثةِ، فإنَّ الخَمرَ يَجِب اجتنابُها مطلقًا)، ولا يَجوز اقتِناؤُها، ويَحرُم بَيعُها وشِراؤُها والمساهمةُ فيها؛ لأنَّ المَفاسدَ الناشِئَةَ عنها أَعظمُ مِنْ مَفاسدِ الأَطعمةِ الخبيثةِ. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المَائدة: ٩٠].
وعن عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ شَرِب الخَمرَ في الدُّنيا، ثُم لم يَتُب مِنها، حُرِمَها في الآخِرةِ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. وعن أَبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : «لا يَزنِي الزَّاني حينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ، ولا يَسرِقُ حينَ يَسرِقُ وهو مُؤمِنٌ، ولا يَشربُ حينَ يَشربُها وهو مُؤمِنٌ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وقال ابنُ القيِّمِ في الهَديِ ٤/ ١٤١: "إنَّما حَرَّم اللهُ على هذه الأُمَّةِ ما حَرَّم لِخُبثِه، وتَحريمُه له حِميةٌ لهُم، وصِيانةٌ عن تَناوُلِه … وهو يُكسِب الطَّبيعةَ والرُّوحَ صِفةَ الخُبثِ … ".
قال ابنُ هُبَيرةَ في الإفصاحِ ٢/ ٢٦٨: "واختَلَفوا في حَدِّ السُّكرِ، فقال أبو حنيفةَ: هو ألاّ يَعرف السماءَ مِنْ الأرضِ، ولا المرأةَ مِنْ الرَّجلِ، وقال مالكٌ: إذا استَوى عنده الحَسَنُ والقبيحُ فهو سَكْرانُ، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: هو أنْ يُخلِّط في كلامِه خلافَ عادَتِه".
стр. 77
مسألة: كلُّ شَرَابٍ أَسكَر كثيرُه: فقَليلُه حرامٌ وفيه العُقوبةُ؛ لحديثِ جابرٍ ﵄، وفيه قولُه ﷺ : «ما أَسكَر كثيرُه فقَليلُه حرامٌ». رَواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجَه، وفي التَّلخيصِ الحَبيرِ ٤/ ٢٠١: حسَّنَه الترمذيُّ، ورجالُه ثقاتٌ.
مسألة: ضابطُ الخمرِ.
الخمرُ يُطلَق على كلِّ مُسكرٍ مِنْ أيِّ مادةٍ؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ قال: "حُرِّمَت الخمرُ علينا حينَ حُرِّمَت، وما نَجِد -يَعني بالمدينةِ- خمرَ الأَعنابِ إلا قليلاً، وعامَّةُ خَمرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ". رَواه البخاريُّ.
ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ خَمرٍ حرامٌ». رَواه مسلمٌ.
وقال عمرُ ﵁: "الخمرُ ما خامَر العَقلَ". متَّفق عليه.
وقيل لأنسٍ ﵁: "الخمرُ مِنْ العِنَبِ أو مِنْ غيرِها؟ قال: ما خَمَّرتَ مِنْ ذلك فهُو الخَمرُ". رَواه ابنُ أَبي شيبةَ بسندٍ صحيحٍ.
قال شيخُ الإسلامِ في الفتاوَى ٢٨/ ٣٤٠: "والحَشيشةُ المصنوعةُ مِنْ ورقِ العِنَبِ حرامٌ أيضًا يُجلَد صاحبُها كما يُجلَد شاربُ الخمرِ، وهي أَخبَث مِنْ الخمرِ مِنْ جهةِ أنَّها تُفسِد العقلَ والمِزاجَ حتى يَصيرَ في الرَّجُلِ تَخنُّثٌ ودِياثَةٌ وغيرُ ذلك مِنْ الفسادِ، والخمرُ أَخبَثُ مِنْ جهةِ أنَّها تُفضي إلى المخاصمةِ والمقاتلةِ، وكِلاهُما يَصُدُّ عن ذِكرِ اللهِ تعالى وعن الصلاةِ".
مسألة: لا يُباح شُربُ ما يُسكِر كثيُره لِتَداوٍ؛ لِما روَى طارقُ بنُ سُويدٍ الجُعفيُّ ﵁: سألَ النبيَّ ﷺ عن الخمرِ؟ فنَهَاه عنها، أو كَرِه أنْ يَصنَعها، فقال: إنَّما أَصنعُها للدَّواءِ، فقال: «إنَّها لَيسَت بِدَوَاءٍ ولكنَّها داءٌ». رَواه مسلمٌ.
стр. 78
وعن أَبي هريرةَ ﵁ قال: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الدَّواءِ الخبيثِ". رَواه مسلمٌ، ولعُموماتِ أدلَّةِ النَّهيِ عن التَّداوِي بالمحرمات.
ولا يباح أيضاً شربها لعطش؛ لأنَّها لا تُسَكِّن العطشَ بل تَزيدُه، ولا غير ذلك، إلا لِدَفعِ لُقمةٍ غَصَّ بها، ولم يَحضُره غيرُه، بل يَجِب عليه ذلك مُحافظةً على حياتِه؛ لأنه مُضطرٌّ.
مسألة: عُقوبةُ شُربِ المُسكرِ: أَربعون جَلدةً، ولو رأَى الإمامُ بُلوغَه ثَمانينَ جازَ، والزيادةُ على الأَربعين تَكون تعزيرًا.
بِدَليلِ: أنَّ عليًّا جَلَد الوليدَ بنَ عُقبةَ أَربعينَ، ثم قال: "جَلَد النبيُّ ﵌ أَربعينَ، وجَلَد أبو بكرٍ أَربعينَ، وعمرُ ثَمانينَ، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أَحبُّ إليَّ". أخرجَه مسلمٌ.
وعن أنسِ بنِ مالكٍ قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ جَلَد في الخمرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، ثم جَلَد أبو بكرٍ أَربعينَ، فلمَّا كان عمرُ ودَنَا الناسُ مِنْ الرِّيفِ والقُرَى قال: ما تَرَون في جَلدِ الخمرِ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: أَرَى أنْ تَجعلَها كأَخفِّ الحدودِ. قال: فجَلَد عمرُ ثَمانينَ". أخرجَه مسلمٌ.
ولِما روَى عُبيدُ بنُ عميرٍ قال: "كان الذي يَشرب الخمرَ يَضرِبونه بأَيدِيهِم ونِعالِهم ويَصكُّونه، فكانَ ذلك على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأَبي بكرٍ وبعضِ إمارةِ عمرَ، ثُم خَشِي أنْ يُغتالَ الرَّجُلُ فجَعَله أَربعينَ سَوطًا، فلمَّا رَآهم لا يَتَناهَون جَعَله سِتِّين، فلمَّا رَآهم لا يَتَناهَون جَعَله ثَمانينَ"، ثم قال: «هذا أدنى الحدود» رَواه عبدُ الرزاقِ، وصحَّحه ابنُ حزمٍ في المحلَّى.
ويُعزَّر مَنْ حَضَر شُربَها.
стр. 79
مسألة: مَنْ شَرِب ما خُلِط به ولم يُستَهْلَك فيه، أو أَكَل عَجينًا لُتَّ به عُوقِب بما تقدَّم.
مسألة: إذا تَكرَّر منه شُربُ الخمرِ.
إذا تكرَّر مِنْ الشَّخصِ شُربُ الخمرِ فلِلإمامِ أنْ يَقتُله تَعزيرًا بحسَبِ المصلحةِ، فإذا أَكثَر الناسُ مِنْ الخمرِ ولم يَنزجِروا بالحدِّ فرَأَى الإمامُ أنْ يَقتُل فيه قَتَل، ولهذا كان عمرُ ﵁ يَنفِي فيه مرَّةً، ويَحلِق الرَّأسَ مرَّةً، وجَلَد فيه ثَمانينَ، وقد جَلَد فيه رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكرٍ أَربعينَ، فقَتلُه في الرابعةِ ليس حدًّا وإنَّما هو تَعزيرٌ بحسَبِ المصلحةِ.
ولحديثِ أَبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا سَكِر فاجْلِدُوه، ثُم إنْ سَكِر فاجْلِدُوه، ثُم إنْ سَكِر فاجْلِدُوه، فإنْ عادَ في الرَّابعةِ فاقْتُلوه». رَواه أحمدُ وأبو داودَ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه.
ولحديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو ﵄ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا شَرِب الخمرَ فاجْلِدُوه، فإنْ عادَ فاجْلِدُوه، فإنْ عادَ فاجْلِدُوه فإنْ عادَ فاقْتُلُوه». رَواه أحمدُ، وصحَّح ابنُ حزمٍ في المحلَّى هذَين الحديثَين.
مسألة: تثبُت عُقوبةُ شُربِ الخمرِ:
١ - بإقراره مرَّةً، لِما تقدَّم في بابِ حدِّ الزِّنَى أنه يَكتفي بمرَّةٍ واحدةٍ في الإقرار.
٢ - أو بالشَّهادةِ، لقولِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢].
٣ - أو بالقَرائِنِ، فيُقام حدُّ الشُّربِ بالقَرائِن: كالرَّائحةِ، والقَيءِ؛ لِما روَى السَّائبُ بنُ يَزيدَ: أنَّ عمرَ ﵁ قال: "وجدتُ مِنْ فلانٍ رِيحَ شَرابٍ،
стр. 80
وزَعَم أنَّه شَرِب الطِّلاءَ، وأنا سائلٌ عنه فإنْ كان يُسكِر جَلَدتُه"، فسأَل فقيل: إنه يُسكِر، فجَلَده عمرُ الحدَّ تامًّا". رَواه النَّسائيُّ ومالكٌ والشافعيُّ وغيرُهم.
ولِما روَى علقمةُ قال: "كُنَّا بحِمْصَ فقرأَ ابنُ مسعودٍ ﵁ سورةَ يوسفَ، فقال رجلٌ: ما هكذا أُنزِلَت، فقال: قرأتُ على رسولِ اللهِ ﷺ فقال: «أَحسنتَ»، ووَجَد منه رِيحَ الخمرِ، فقال: أَتجمَع أنْ تُكذِّب بكتابِ اللهِ وتَشربَ الخمرَ؟! فضَرَبه الحدَّ". متَّفق عليه.
ولحديثِ ساسانَ في قصَّةِ جَلدِ الوليدِ بنِ عُقبةَ: فشَهِد عليه الآخَرُ أنه رآه يَتقيَّؤُها، فقال عثمانُ ﵁: إنه لم يَتقيَّأْها حتَّى شَرِبها، وأَمَر بجَلدِه ". رَواه مسلمٌ.
ولقول أبو هريرةَ ﵁ في قصَّةِ إقامةِ الحدِّ على قُدامةَ بنِ مَظعونٍ -وكان أَحَد الشَّاهِدَين-: "لم أَرَه شَرِب، ولكنْ رأيتُه سَكرانَ يَقِيء". رَواه البيهقيُّ.
وقال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحُكميَّةِ ص ٨: "وحَكَم عمرُ وابنُ مسعودٍ ولا يُعرف لهمُا مخالفٌ بوُجوبِ الحدِّ برائحةِ الخمرِ مِنْ فِي الرَّجُلِ، أو قَيئِه خمرًا، اعتمادًا على القَرينةِ الظاهرةِ".
مسألة: العَصيرُ: ماءُ العِنَبِ أو التَّمرِ أو البُرتُقالِ، وسائرِ الفَواكِه بَعدَ عَصرِها.
والنَّبيذُ: هو ما يُنبَذ في الماءِ مِنْ تَمرٍ أو زَبيبٍ أو مِشمِشٍ أو غيرِ ذلك لِيَحلُوَ به الماءُ، ثم يُشرب قَبلَ أنْ يَشتدَّ.
يَجوز شُربُهما ما لم يَغلِيَا أو يُصبِحَا مُسكِرَين؛ لِما روَى ابنُ عمرَ ﵄ قال: "سأَل رجلٌ رسولَ اللهِ ﷺ عن الأَشربةِ، فقال: «اجتَنِبْ كلَّ مُسكِرٍ يَنِشُّ» رَواه النسائيُّ.
стр. 81
فرعٌ: لو خُلِط نَوعان مِنْ غيرِ هذه الأصنافِ، كنَبِيذِ التِّينِ والمِشمِشِ والعَسلِ وعصيرِ العِنَبِ:
فالجُمهورُ على إباحةِ ذلك؛ لِعدمِ وُرُودِ النَّهيِ إلاّ عن خَمسةِ أصنافٍ: البُسرِ، والتَّمرِ، والزَّهوِ، والرُّطَبِ، والزَّبيبِ. لما روَى أبو قتادةَ ﵁ قال: "نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يُجمَع بين التَّمرِ والزَّهوِ، والتَّمرِ والزَّبيبِ، وليُنبذْ كلُّ واحدٍ منهما على حِدَةٍ ". متَّفق عليه.
ولحديثِ أَبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَرِب النَّبيذَ منكم فليَشرَبْه زَبيبًا فردًا، أو تَمرًا فردًا». رَواه مسلمٌ.
стр. 82
فصلٌ: في التَّعزيرِ.
وهو لغةً: المَنعُ، ومنه التَّعزيرُ بمعنى النُّصرةِ؛ لأنه يَمنع المُعاديَ مِنْ الإيذاءِ.
واصطلاحًا: التأديبُ على ذَنبٍ لم تُشرَع له عُقوبةٌ ولا كفَّارةٌ.
والأصلُ في التَّعزيرِ القرآنُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٣٤].
وأمَّا السُّنةُ: فلِما يَأتي مِنْ الأحاديثِ، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مُرُوا أَولادكُم بالصلاةِ وهُم أبناءُ سَبعِ سِنينَ، واضرِبُوهُم عليها وهُم أبناءُ عَشرٍ». رَواه أحمدُ وأبو داودَ.
قال شيخُ الإسلامِ في مَجموعِ الفتاوَى ٣٥/ ٤٠٢: "واتَّفق العلماءُ على أنَّ التَّعزيرَ مَشروعٌ في كلِّ مَعصيةٍ ليس فيها حدٌّ".
حُكمُه: التَّعزيرُ واجبٌ في كلِّ مَعصيةٍ، لا حدَّ فيها ولا كفَّارةَ.
مِثالُه: الاستمتاع بأجنبيَّةٍ كمُباشرةٍ دونَ فَرجٍ، وسَرِقةٍ لا قَطعَ فيها؛ لِكَونِ المَسروقِ دُونَ نِصابٍ، أو غيرَ مُحرَزٍ، وكإتيانٍ المرأةِ المرأةَ، وكالاستِمناءِ باليدِ إنْ لم يَخَف على نَفسِه المرضَ أو الزِّنَى.
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعِين (١/ ٣٨٣): "الجِنايةُ على العِرضِ: فإنْ كان حرامًا في نَفسِه كالكَذِبِ عليه وقَذفِه وسَبِّ والِدَيه؛ فلَيس له أنْ يَفعل به كمَا فَعَل به اتَّفاقًا، وإنْ سَبَّه في نَفسِه أو سَخِر به أو هَزِئَ به أو بَالَ عليه أو
стр. 83
بَصَق عليه أو دَعَا عليه؛ فلَه أنْ يَفعل به نَظيرَ ما فَعَل به مُتحرِّيًا للعدلِ، وكذلك إذا كَسَعَه أو صَفَعَه؛ فلَه أنْ يَستوفيَ منه نَظيرَ ما فَعَل به سواءً، وهذا أَقربُ إلى الكتابِ والميزانِ وآثارِ الصحابةِ مِنْ التَّعزيرِ المخالِفِ للجنايةِ جنسًا ونوعًا وقَدْرًا وصفةً، وقد دلَّت السُّنةُ الصَّحيحةُ الصريحةُ على ذلك، فلا عِبرةَ بخِلافِ مَنْ خالَفَها".
وقال شيخُ الإسلامِ كمَا في الاختياراتِ ٤٤١: "ومَن دُعِيَ عليه ظُلمًا له أنْ يَدعوَ على ظالِمِه بمِثلِ ما دَعَا به عليه، نحوُ: أَخزاكَ اللهُ، أو لَعنكَ، أو يَشتُمه بغيرِ فَرْيةٍ، نحوُ: يا كلبُ يا خِنزيرُ؛ فلَه أنْ يقولَ له مِثلَ ذلك".
مسألة: أنواعُ التَّعزيرِ:
١ - التَّعزيرُ بالتَّوبيخِ والزَّجرِ؛ لحديثِ أَبي ذَرٍّ ﵁: قال لِيَ النبيُّ ﷺ : «يا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَه بأُمِّه؟ إنَّكَ امْرُؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
٢ - التَّعزيرُ بالحَبسِ، قال ابنُ القيِّمِ في مَدارجِ السَّالكينَ (١/ ٤٠١): "وإذا عُرِف الرَّجُلُ بالأَذَى بالعَينِ ساغَ، بل وَجَب حَبسُه وإفرادُه عن الناسِ، ويُطعَم ويُسقَى حتَّى يَموتَ، ذكر ذلك غيرُ واحدٍ مِنْ الفقهاءِ، ولا يَنبغي أنْ يَكون في ذلك خلافٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ نصيحةِ المسلِمينَ ودَفعِ الأَذَى عنهم، ولو قيلَ فيه غيرُ ذلك لم يَكُنْ بعيدًا مِنْ أصولِ الشَّرعِ.
٣ - التَّعزيرُ بالجَلدِ، ولا حدَّ لأكثرِ الجَلدِ ولا لأِقلِّه، وإنَّما هو حسَب اجتهادِ الحاكمِ على قَدْرِ الذَّنبِ؛ لِوُرودِ الزِّيادةِ عن عمرَ ﵁ في عُقوبةِ الخمرِ.
٤ - التَّعزيرُ بالعَزلِ عن المَنصِبِ، فعَن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: "شَكَا أهلُ الكوفةِ سعدًا إلى عمرَ ﵁، فعَزَله، واستَعمَل عليهِم عمَّارًا". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
стр. 84
٥ - التَّعزيرُ بأخذِ المالِ وإتلافِه، بدَليلِ أَقضِيَتِه ﷺ ، وأَقضِيَةِ خُلفائِه ﵃، كإباحتِه سَلْبَ مَنْ يَصيد في حَرمِ المدينةِ. رَواه مسلمٌ، وأَمرِه بكَسرِ دِنَانِ الخمرِ وشَقِّ ظُرُوفِها، وأَمرِه عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ﵄ بحَرقِ الثَّوبَين المُعَصْفَرَين، وتَضعيفِه الغَرامةَ على مَنْ سَرَق مِنْ غيرِ حِرزٍ، ومَن سَرَق ما لا قَطعَ فيه مِنْ الثَّمرِ والكَثَرِ، وأَقضِيَةِ الخُلفاءِ الرَّاشدِين مِثلِ أَمرِ عمرَ وعليٍّ ﵄ بتَحريقِ المكانِ الذي يُباع فيه الخمرُ.
٦ - التَّشهيرُ به، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢].
٧ - التَّعزيرُ بالقتلِ كمَا تقدَّم في قَتلِ مَنْ تكرَّر منه شُربُ الخمرِ.
وقال شيخُ الإسلامِ في الاختياراتِ ٤٣٢: "إذا كان المَقصودُ دَفعُ الفسادِ ولم يَندفع إلاّ بالقتلِ؛ قُتِل، وحينئذٍ فمَن تكرَّر منه فِعلُ الفسادِ ولم يَرتدِع بالحُدودِ المقدَّرةِ، بل استمرَّ على الفسادِ فهو كالصَّائلِ الذي لا يَندفع إلا بالقتلِ فيُقتلُ".
وما اقتَضَتْه المصلحةُ فيَجوز، مِثلُ قَتلِ الجاسوسِ المسلمِ، والمفرِّقِ لجماعةِ المسلِمينَ، والداعِي إلى غيرِ كتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه، وغيرِ ذلك ممَّا لا يَندفع إلا بالقتلِ.
والتَّعزيرُ ليس مقدَّرًا، فيُرجعُ فيه إلى اجتهادِ الحاكمِ؛ وذلك لِتفاوتِ الجرائمِ بالشِّدَّةِ والضَّعفِ، واختلافِ الأحوالِ والأزمانِ، فجُعلَت العقوباتُ على بعضِ الجرائمِ راجعةً إلى اجتهادِ الأئمةِ ووُلاةِ الأمورِ بحسَبِ الحاجةِ والمصلحةِ، ولا تَخرج عمَّا أمرَ اللهُ به ونَهَى عنه.
مسألة: يَحرُم تعزيرٌ بحَلقِ لِحْيَةٍ؛ للنَّهي عنه، ولأنه مُثْلةٌ ومحرَّمٌ لِذاتِه، كقَطعِ إِصبعٍ، ولا يَجوز أنْ يُعزَّر بحرامٍ كسَقيِه خمرًا، وقَطعِ طرفٍ، أو جَرحٍ؛ لأنه مُثْلةٌ أيضًا.
стр. 85
فصلٌ: في القَطعِ في السَّرِقَةِ.
السَّرقةُ لُغةً: أَخذُ شيءٍ مِنْ غيرِه على وجهِ الخُفيةِ.
واصطلاحًا: سَرِقةُ نِصابٍ مِنْ حِرْزِه.
والأصلُ في تحريمِ السَّرِقَةِ، ووجوبِ القَطعِ إذا تَوافرَت شُروطُه: القرآن، قولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *﴾ [المَائدة: ٣٨].
والسُّنةُ: كمَا في حديثِ أَبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَعَن اللهُ السارقَ، يَسرِق البَيضةَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ الحَبْلَ فتُقطعُ يَدُه». متَّفق عليه.
واختُلِف في المرادِ بالحديثِ على أقوالٍ:
١ - أنَّ المرادَ بالبَيضةِ بَيضةُ الحديدِ التي يَجعلها المحارِبُ على رأسِه، وبالحَبلِ حَبلُ السَّفينةِ، وهذه لها قِيمةٌ.
٢ - أنَّ الحديثَ خَرَج مَخرَج التحذيرِ بالقليلِ عن الكثيرِ.
٣ - أنَّ المرادَ بالحديثِ تَحقيرُ شأنِ السارقِ، والتنفيرُ مِنْ السرقةِ.
٤ - قال النَّوويُّ في شرحِ مسلمٍ ١١/ ١٨٣: "والصَّوابُ: أنَّ المرادَ التنبيهُ على عظيمِ ما خَسِر -وهي يَدُه- في مقابلةِ حقيرٍ مِنْ المالِ -وهو رُبعُ دينارٍ- فإنه يُشارِك البيضةَ والحبلَ في الحقارةِ، أو أرادَ جِنسَ البيضِ وجِنسَ الحبالِ، أو أنه إذا سَرَق البيضةَ فلَم يُقطَع جرَّه ذلك إلى سَرِقةِ ما هو أكثرُ منها فقُطِع فكانَت سَرِقةُ البيضةِ هي سَببَ قَطعِه، أو أنَّ المرادَ به قد يَسرِقُ البيضةَ أو الحبلَ فيَقطعُه بعضُ الوُلاةِ سياسةً لا قَطعًا جائزًا شرعًا، وقيل: إنَّ النبيَّ ﷺ
стр. 86
قال هذا عندَ نُزولِ آيةِ السَّرقةِ مُجمَلةً مِنْ غيرِ بيانِ نِصابٍ، فقالَه على ظاهرِ اللَّفظِ. واللهُ أعلمُ".
والإجماعُ على حرمةِ السرقةِ، وعلى وجوب القَطعِ إذا توفَّرت شَروطُ القطعِ.
مسألة: شُروطُ القَطعِ في السرقةِ:
يُشترط للقَطعِ في السرقةِ شُروطٌ:
الأولُ: وجودُ السَّرقةِ، وهو أخذُ المالِ على وجهِ الاختِفاءِ، فلا قَطعَ على مُنتَهِبٍ، وهو الذي يأخذُ المالَ مُجاهرةً بالقوَّةِ، ولا مُختلِسٍ، وهو الذي يأخذُ المالَ بسُرعةٍ جَهرًا، ولا غاصبٍ، وهو الذي يأخذُ المالَ قهرًا.
لكنْ يُستثنَى مِنْ ذلك جاحدُ العاريَّةِ فيُقطَعُ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالَت: " كانَت امرأةٌ تَستعير المَتَاعَ وتَجحدُه، فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ بقَطعِ يَدِها ". رَواه مسلمٌ، فهي سُنَّةٌ مُستقِلَّةٌ.
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعِين (٢/ ٨٩): "مُوافقتُه للقياسِ والحكمةِ والمصلحةِ -أيْ قَطع جاحدِ العاريَّةِ- ظاهرةٌ جدًّا، فإنَّ العاريَّةَ مِنْ مصالحِ بَنِي آدمَ الَّتي لابُدَّ لهُم منها ولا غِنَى لهُم عنها، وهي واجبةٌ عند حاجةِ المُستعيرِ وضرورتِه إليها، إمَّا بأُجرةٍ أو مَجَّانًا، ولا يُمكِن المُعيرَ كلَّ وقتٍ أنْ يُشهِد على العاريَّةِ، ولا يُمكِن الاحترازُ بمَنعِ العاريَّةِ شَرعًا وعادةً وعُرفًا، ولا فَرقَ في المعنَى بين مَنْ تَوصَّل إلى أخذِ مَتاعِ غيرِه بالسرقةِ وبين مَنْ تَوصَّل إليه بالعاريَّةِ وجَحدِها، وهذا بخلافِ جاحدِ الوَديعةِ، فإنَّ صاحبَ المَتاعِ فَرَّط حيثُ ائْتَمنَه".
الثاني: أنْ يَكون المسروقُ مالاً محترَمًا؛ لأنَّ ما ليس بِمالٍ لا حُرمةَ له، ومالُ الكافرِ الذي بَينَنا وبينَه حربٌ تَجوز سَرِقتُه؛ لأنه ليس بمُحترَمٍ، ولا قَطعَ
стр. 87
بسرقةِ مُحرَّمٍ كالخمرِ والصَّليبِ، وكُتبِ البِدَعِ، والخنزيرِ، وآلاةِ اللَّهوِ، وغيرِ ذلك.
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكون المسروقُ نِصابًا، رُبعُ دينارٍ، أي: مِثقالٌ وإنْ لم يُضرب، أو ما قِيمتُه رُبعُ دينارٍ مِنْ الأطعمةِ والأَلبِسَةِ وغيرِ ذلك مِنْ بقيَّةِ الأموالِ، لِما ثبَت في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ ابنِ عمرَ ﵄: "أنه قَطَع في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهمٍ".
ولحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تُقطَع اليدُ إلا في رُبعِ دينارٍ فصاعدًا». رَواه مسلمٌ، وكان رُبعُ الدينارِ يومئذٍ ثلاثةَ دراهمٍ، والدينارُ اثنَا عشرَ درهمًا.
فرعٌ: اختُلِف في وَزنِ الدينارِ، وتقدَّم في الزكاةِ أنَّ الراجحَ أنَّ وَزنَه: ٤. ٢٥ مِنْ الغِراماتِ، وعلى هذا يُنظر كم قيمةُ رُبعِها بالعُملةِ الموجودةِ وقتَ السرقةِ.
مسألة: الوقتُ المعتبَرُ لتحقُّقِ قَدْرِ النِّصابِ هو وقتُ إخراجِ المسروقِ مِنْ حِرْزِه؛ لأنه وقتُ السرقةِ، فإذا نَقصَت قيمةُ المسروقِ بعدَ إخراجِه لم يَسقُط القطعُ؛ لأنَّ النُّقصانَ وُجِد في العينِ بعدَ سَرِقَتِها.
وكذا لو مَلَك السارقُ العينَ المسروقةَ ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو غيرِهما بعدَ إخراجِ المسروقِ مِنْ حِرْزِه لم يَسقط القَطعُ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُسقِط القطعَ عن سارقِ الرِّداءِ بعدَما وَهَبَه إيَّاه صفوانُ.
مسألة: تُعتَبر قيمةُ العينِ المسروقةِ وقتَ إخراجِها مِنْ الِحرْزِ؛ لأنه وقتُ السرقةِ التي وَجَب بها القطعُ، فلَو ذَبَح في الحِرزِ كَبشًا فنَقصَت قيمتُه، أو شَقَّ فيه ثوبًا، فنَقصَت قيمتُه عن نِصابِ السرقةِ ثُم أَخرجَه مِنْ الحِرزِ، فلا قطعَ؛
стр. 88
لأنه لم يُخرِج مِنْ الحِرزِ نِصابًا.
الشَّرطُ الرابعُ: السرقةُ مِنْ الحِرز -موضعِ الحِفظِ-، فإنْ سَرَقه مِنْ غيرِ حِرزٍ كمَا لو وَجَد بابًا مفتوحًا فلا قَطعَ، وإنْ كان في البَيتِ خَزائنُ مُغلَقةٌ فالخزائنُ حِرزٌ لِما فيها؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا قَطعَ في ثمرٍ معلَّقٍ ولا حَرِيسةِ جَبَلٍ، فإذا آوَاهُ المُراحُ أو الجَرينُ فلا قَطعَ فيما بَلَغ ثَمنَ المِجَنِّ». أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، إسناده حسن.
مسألة: حِرز المال: ما جرت العادةُ حِفظُه فيه؛ إذْ الحِرزُ معناهُ الحفظُ، ومنه: احتَرزَ أيْ: تَحفَّظ.
ويَختلفُ الحِرزُ باختلافِ الأموالِ، والبُلدانِ، وعَدلِ السُّلطانِ وجَورِه، وقوَّتِه وضَعفِه، فإنَّ العدلَ القويَّ يُقيمُ الحدودَ فتَقِلُّ السُّرَّاقُ خوفًا مِنْ الرفعِ إليه فيَقطعَ، فلا يَحتاجُ الإنسانُ إلى زيادةِ حِرزٍ، وضَعفُه بالعكسِ، وجَورُه يُشارك مَنْ الْتجَأَ إليه ويَذُبُّ عنه، فتَقوَى صَولتُهم، فيَحتاج أربابُ الأموالِ إلى زيادةِ التحفُّظِ.
فحِرزُ النُّقودِ والجواهرِ في الخزائنِ المُعدَّةِ لذلك، وحِرزُ الثِّيابِ في الدُّولابِ المُعدِّ لحفظِها، وحِرزُ الكُتبِ في المكتبةِ، وحِرزُ الماعونِ في المطبخِ، مع إغلاق بابِ البيتِ، وصُندوقٌ بسُوقٍ وثَم حارسُ حِرزٍ، وحِرزُ المواشِي حظيرةُ الغنمِ، وحِرزُها في المَرعَى بالراعِي ونَظرِه إليها غالبًا، فمَا غابَ عن مُشاهدتِه غالبًا فقد خَرَج عن الحِرزِ، وحِرزُ سُفُنٍ في شَطٍّ برَبطِها، وحرز السيارة كونها داخل البيت، أو إقفالها خارجه، وهكذا.
стр. 89
مسألة: يُقام الحدُّ على كلِّ مَنْ اشتَركَ في السرقةِ، كالإرشادِ إلى مكانِ المسروقِ، وكمَن دَخَل الحِرزَ مع السارقِ لتَنبيهِه إذا انكشَفَ أمرُه؛ لأنَّ فِعلَ السرقةِ يُضاف إلى كلِّ واحدٍ منهم، والشريكُ مَنْ يُعِين السارقَ بفِعلٍ داخلَ الحِرزِ أو خارجَه، فإذا بَلغَت قيمةُ المسروقِ نصابًا واحدًا قُطِعُوا جميعًا.
الشَّرطُ الخامسُ: عَدمُ الولادةِ، بأنْ لا يَكون السارقُ والدًا للمسروقِ، فلا يُقطَع الأبُ ولا الأمُّ ولا الجدُّ ولا الجدَّةُ بمالِ الولدِ أو ولدِ الولدِ؛ لأنَّ الولدَ وما مَلَك لأبيه؛ لقولِه ﷺ في حديثِ جابرٍ ﵁: «أنتَ ومالُكَ لِأَبيكَ». رَواه ابنُ ماجَه، وإسنادُه صحيحٌ.
والجدُّ أبٌ، والجدَّةُ أمٌّ، والأمُّ تُلحَق بالأبِ.
ويُقطَع كلُّ قريبٍ بسرقةِ مالِ قَريبِه ولو كان أخًا؛ لِعُموماتِ أدِلَّةِ السرقةِ.
ويُقطًع أحدٌ مِنْ الزَّوجَين بسرقتِه مِنْ مالِ الآخَرِ، إذا كان مُحَرزًا عنه، أو سَرَق حرٌّ مسلمٌ مِنْ بَيتِ المالِ؛ للعُموماتِ.
الشَّرطُ السادسُ: ثُبوتُ السرقةِ، بواحدِ مِنْ أمورٍ ثلاثةٍ:
١ - الشَّهادةُ، ويَصِف الشاهدُ السرقةَ.
٢ - أو إقرارُ السارقِ بالسرقةِ ولو مرَّةً كمَا تقدَّم في حدِّ الزِّنَى.
٣ - القرائنُ، وتقدَّم في حدِّ الزِّنَى، قال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحكميَّةِ ص ٨: "ولم تَزَل الأئمةُ والخلفاءُ يَحكُمون بالقطعِ إذا وُجِد المالُ المسروقُ مع المُتَّهَم، وهذه القرينةُ أَقوَى مِنْ البيِّنةِ والإقرارِ، فإنَّهما خَبَران يَتطرَّق إليهِما الصِّدقُ والكَذِبُ، ووُجودُ المالِ معه نَصٌّ صريحٌ لا يَتطرَّقُ إليه شُبهةٌ".
стр. 90
مسألة: إذا وَجَب القطعُ؛ لاِجتماعِ شُروطِه قُطِعَت يَدُه اليمنَى بالاتِّفاق؛ لِقراءةِ ابنِ مسعودٍ: «فاقطعوا أيمانهما» أخرجَه الطبريُّ في تفسيره، مِنْ مَفصِل الكَفِّ؛ لقولِ أِبي بكرٍ وعمرُ: (تُقطَع يمينُ السارقِ مِنْ الكُوعِ)، ولا مُخالِفَ لهُما مِنْ الصحابة. عَزَاه الحافظُ في التلخيصِ الحَبيرِ ٧١/ ٤ لأبي الشيخِ في كتابه الحدود.
وخِيطَت أَفواهُ العُروقِ لِتَستدَّ، فيَنقطعَ الدَّمُ.
فإنْ عاد قُطِعَت رِجلُه اليسرَى مِنْ مَفصِل كَعبِه بتَركِ عَقِبٍ يَمشي عليه، لقولِه تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المَائدة: ٣٣]، وإذا ثَبَت ذلك في المحارَبةِ ثَبَت في السرقةِ قِياسًا عليها.
وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ لم يَكُنْ له الطَّرَفُ المستحِقُّ قَطعُه قُطِع ما بعدَه، وكذلك إنْ كان أَشَلَّ مِنْ الطَّرَفِ المستحِقِّ قَطعُه بحيثُ لا يُقطَع فيه قُطِع ما بعدَه.
وهل يُقطَع في الثالثةِ؟ روَى ابنُ عباسٍ ﵄ قال: "رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قَطَع يَدِ رَجُلٍ بعدَ يَدِه ورِجلِه" مصنَّفُ ابنِ أبي شَيبةَ، مصنَّفُ عبدِ الرزاقِ، سُننُ الدَّارَقطنيِّ، ولِما ورَد عن عمرَ ﵁ أنه أُتي برَجُلٍ قد سَرَق فقَطَعه، ثم أُتي به الثانيةَ فقَطَعه، ثم أُتي به الثالثةَ فأَراد أنْ يَقطَعه، فقال له عليٌّ ﵁: "لا تَفعَل، إنَّما عليه يَدٌ ورِجلٌ، ولكنْ احبِسْ". مصنَّفُ عبدِ الرزاقِ، وذكرَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في الفتحِ ١٢/ ١٠٠ أنَّ سَندَ عبدِ الرزاقِ حسنٌ.
ولِما رُوي أنَّ نَجْدةَ بنَ عامرٍ كَتَب إلى ابنِ عباسٍ ﵄ يَسألُه عن السارقِ، فكَتَب إليه بمِثلِ قولِ عليٍّ ﵁. رواه ابنِ أبي شَيبةَ.
стр. 91
فقَطعُه بعدَ الثَّانيةِ يُرجَع فيه إلى اجتهادِ القاضِي.
مسألة: مَنْ سَرَق شيئًا مِنْ غيرِ حِرزٍ ضَمِنه بعِوَضِه مَرَّتَين؛ فعَن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه سُئِل عن الثَّمرِ المعلَّقِ فقال: «مَنْ أَصابَ بِفِيه مِنْ ذِي حاجَةٍ غيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فلا شيءَ عَلَيه، ومَن خَرَج بشيءٍ منه فعَلَيه غَرَامةُ مِثلَيه والعُقوبةُ، ومَن سَرَق منه شيئًا بَعدَ أنْ يُؤوِيَه الجَرِينُ فبَلَغ ثَمَنَ المِجَنِّ فعَلَيه القَطعُ». أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، إسناده حسن.
ولا قَطعَ؛ لِفوَاتِ شَرطِه، وهو الحِرزُ.
стр. 92
فصلٌ: في حَدِّ قُطَّاعِ الطَّريقِ.
المُحارَبةُ ليسَت خاصَّةً بالأموالِ، بل تَتعدَّاها إلى الأعراضِ والأَنفُسِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المَائدة: ٦٤]، وهذا مِنْ الفسادِ في الأرضِ؛ لأنَّ الاعتداءَ على الأَعراضِ والأنَفُسِ أَشدُّ جريمةً مِنْ الاعتداءِ على الأموالِ.
قاطِعُ الطريقِ اصطلاحًا: مَنْ أَخذَ المالَ أو اعتَدَى على العِرضِ عن طَريقِ السِّلاحِ.
ولو كانَ السلاحُ عصًا أو حَجَرًا أو خَشَبًا؛ لأنه سِلاحٌ يَأتي على النَّفسِ والأطرافِ، أَشبَه الحديدَ.
وسواءٌ في الصحراءِ أو البُنيانِ أو البَحرِ.
ومِثلُه إذا كان يَقتُل النُّفوسَ سِرًّا لأَخذِ المالِ، مِثلَ الذي يَجلس في خانٍ يَكْرِيه لأبناءِ السَّبيلِ، فإذا انفَرَد بقَومٍ منهم قَتَلهم وأَخَذ أموالَهم، أو يَدعُو إلى مَنزلِه مَنْ يَستأجرُه لِخياطةٍ أو طِبٍّ أو نحوِ ذلك، فيَقتلُه ويأخذُ مالَه، وهذا يُسمَّى: القتلَ غِيلَةً، … أنَّهم كالمُحارِبين؛ لأنَّ القَتلَ بالحيلةِ كالقتلِ مجاهرة، كِلاهُما لا يُمكن الاحترازُ منه، بل قد يَكون ضَررُ هذا أَشدَّ؛ لأنه لا يُدرَى به؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: "أنَّ يَهوديًّا قَتَل جاريةً على أَوضاحٍ لها … فقَتَله النبيُّ ﷺ بحَجَرَين". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
ولحديثِ أنسٍ ﵁: "أنَّ نَفرًا مِنْ عُكْلٍ ثمانيةً، قَدِمُوا على رسولِ اللهِ ﷺ ، فبايَعُوه على الإسلامِ، فاسْتَوخَمُوا الأرضَ، فشَكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «أَلَا تَخرُجُونَ مع رَاعِينا في إِبِلِه، فتُصِيبونَ مِنْ أَبوَالِها وأَلبَانِها»،
стр. 93
فقالُوا: بَلى، فخَرَجُوا، فشَرِبُوا مِنْ أَبوَالِها وأَلبَانِها، فصَحُّوا، فقَتَلُوا الرَّاعيَ وطَرَدُوا الإِبِلَ، فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فبَعَث في آثَارِهِم، فأُدرِكُوا، فجِيءَ بِهِم، فأَمَر بِهِمْ فقُطِعَت أَيدِيهم وأَرجُلُهم، وسَمَر أَعيُنَهم، ثم نُبِذُوا في الشَّمسِ حتَّى ماتُوا". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
مسألة: ثُبوتُ حدِّ قُطَّاعِ الطَّريقِ.
يَثبُت بالبَيِّنةِ، أو الإقرارِ، أو القَرائنِ، كمَا في حدِّ السرقةِ.
ولا يُشتَرط الحِرزُ، ونِصابُ السَّرقةِ؛ لِعمومِ آيةِ الحِرابةِ؛ لأنَّها لم تُعلِّق جزاءَ القَطعِ على نِصابٍ مُعيَّنٍ أو حِرزٍ، ولأنَّ الحِرابةَ حُكمٌ مُستقِلٌّ بِذاتِه.
ويُقتَل الأبُ والحرُّ بالولدِ والعبدِ، ويُقتَل المسلِمُ بالكافرِ؛ للآيةِ، ولأنَّه حدٌّ للهِ تعالى فلَا تُعتَبر المكافأةُ كالزِّنَى والسَّرقةِ.
مسألة: حَدُّ قُطَّاعِ الطَّريقِ لا يَخلُو مِنْ أُمورٍ:
١ - إنْ قَتَل وأَخَذ المالَ قُتِل وُجوبًا لِحقِّ اللهِ تعالى، يَقتُله الإمامُ حدًّا، لا يَجوز العَفوُ عنه بحالٍ بإجماعِ العلماءِ، وصُلِب حتَّى يَشتهِر أمرُه، ويَحصُلَ بذلك الرَّدعُ والزَّجرُ، وقيل: يُصلَب ثلاثةَ أيَّامٍ، ويُغسَل ويُصلَّى عليه.
الصَّلْبُ هو: الشَّدُّ على خَشبةٍ أو جِذعِ شَجرةٍ أو نحوِ ذلك.
٢ - وإنْ قَتَل المحاربُ ولم يَأخُذ المالَ قُتِل حَتمًا، ولم يُصلَب؛ لأنه لم يُذكَر في خبرِ ابنِ عباسٍ الآتِي.
٣ - إنْ جَنَوا بما يُوجِب قَوَدًا في الطَّرَفِ، كقَطعِ يَدٍ أو رِجلٍ ونحوِهما؛ وَجَب استِيفاؤُه كالنَّفسِ، ولَو عَفَا المَجنِيُّ عليه؛ لأنه حدٌّ.
٤ - إنْ أَخَذُوا المالَ ولم يَقتُلوا؛ قُطِع مِنْ كلِّ واحدٍ يَدُه اليُمنَى، ورِجلُه
стр. 94
اليُسرَى في مَقامٍ واحدٍ وجوبًا.
٥ - إنْ لم يُصِيبُوا نَفسًا ولا مالاً؛ نُفُوا مِنْ الأماكنِ الَّتي يَكون فيها الناسُ بأنْ يُشرَّدُوا متفرَّقِين فلا يُترَكون يَأْوُون إلى بَلدٍ حتَّى تَظهَر تَوبتُهم؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المَائدة: ٣٣] وقِيل: المُرادُ بالنَّفيِ الحَبسُ.
قال ابنُ عباسٍ ﵄: "إذا قَتلُوا وأَخذُوا المالَ؛ قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قَتلُوا ولم يَأخُذوا المالَ؛ قُتِلوا ولم يُصلَبوا، وإذا أَخذُوا المالَ ولم يَقتُلوا؛ قُطِعَت أَيدِيهم وأَرجُلهم مِنْ خلافٍ، وإذا أَخافُوا السَّبيلَ ولم يَأخُذوا مالاً؛ نُفُوا مِنْ الأرضِ". رَواه الشافعيُّ في المسندِ.
وقِيل في عُقوبةِ المحارِبِ: الإمامُ فيه مُخيَّرٌ بين أَربعةِ أُمورٍ: القَتلِ، والصَّلبِ، والقَطعِ مِنْ خلافٍ، والنَّفيِ، فيَختارُ الإمامُ ما يَراه مُناسِبًا؛ لآيةِ الحِرابةِ، فقَد ذَكرَت الآيةُ الكريمةُ الأَجْزِيَةَ مَعطوفةً على بَعضِها بحَرفِ (أو) الَّتي ظاهِرُها التَّخيِيرُ، كما في جَزاءِ الصَّيدِ، وكفَّارةِ اليَمينِ، وكفَّارةِ التَّرفُّه.
مسألة: لا تُشتَرط المباشرةُ في الحِرابةِ؛ فحُكمُ الرِّدْءِ حُكمُ المباشِرِ؛ لأنه حُكمٌ يَتعلَّق بالمحارَبةِ فاسْتَوَى فيه الرَّدْءُ وكذا الطَّلِيعُ كالمباشِرُ؛ لِما تقدَّم مِنْ الأدلَّةِ على قَتلِ الجماعةِ بالواحدِ.
٦ - مَنْ تابَ مِنْ المحارِبينَ قَبلَ أنْ يُقدَر عليه؛ سَقَط عنه ما كان واجبًا للهِ تعالى مِنْ نَفيٍ وقَطعِ يَدٍ ورِجلٍ وصَلبٍ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [المَائدة: ٣٤]، وتَحتَّم قَتلٌ، وأخذٌ بِما للآدَمِيِّين مِنْ نَفسٍ وطَرَفٍ ومالٍ، إلاّ أنْ يُعفَى له عنها مِنْ مُستحِقِّها.
стр. 95
مسألة: حُكمُ الصَّائِلِ.
الصِّيَالُ في اللُّغةِ: مَصدرُ صَالَ يَصُولُ، وهو الاسْتِطالَةُ والوُثُوبُ والاسْتِعلاءُ على الغَيرِ.
وفي الاصطلاحِ: الصِّيَالُ: الاسْتِطالةُ والوُثُوبُ على الغَيرِ بغَيرِ حَقٍّ.
مَنْ صالَ على نَفسِه أو حُرمَتِه كأُمِّه وبِنتِه وأُختِه وزَوجتِه أو مالِه، آدَميٌّ أو بَهيمةٌ فلِلمَصُولِ عليه الدَّفعُ عن ذلك بأَسهَلِ ما يَغلِب على ظَنِّه دَفعُه به فإذا انْدَفَع بالأَسهلِ حَرُم الأَصعَب؛ لِعَدمِ الحاجةِ إليه فإنْ عَلِم أنه يَخرُج بالعَصَا لم يَكُنْ له ضَربُه بالحديدِ، لقولِه تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، فشَرَع اللهُ دَفعَ نُشوزِ الزوجةِ بالأَسهلِ فالأَسهلِ فإنْ خافَ أنْ يَبْتَدِرَه بالأَصعبِ أو القتلِ فلَه أنْ يَبدُرَه بالأَصعبِ أو القتلِ، فإنْ لم يَندفِع الصائلُ إلا بالقتلِ فلِلمَصُولِ عليه قتلُ الصَّائِلِ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنه قَتَله لدَفعِ شَرِّه، وإنْ قُتِل المصولُ عليه فهُو شَهيدٌ؛ فعَن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄، قال: سَمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «مَنْ قُتِل دونَ مالِه فهُو شَهيدٌ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ. ولمسلمٍ عن أَبي هريرةَ: جاءَ رجلٌ فقال يا رسولَ اللهِ: أَرأَيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يُريد أَخذَ مَالِي؟ قال: «فَلَا تُعْطِه»، قال: أَرأَيتَ إنْ قاتَلَني؟ قال: «قَاتِلْه»، قال: أَرأَيتَ إنْ قتَلَني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهيدٌ»، قال: أَرأَيتَ إنْ قَتَلتُه؟ قال: «هُو فِي النَّارِ».
مسألة: يَلزَم المُعتَدَى عليه الدَّفعُ عن نَفسِه، وما دونَ النَّفسِ مِنْ الأطرافِ، وكذَلكَ يَجِب الدَّفعُ عن نَفسِ غيرِه المحترَمةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، فالاسْتِسلامُ للصَّائلِ إلقاءٌ بالنَّفسِ
стр. 96
للتَّهلُكةِ، لِذَا كان الدِّفاعُ عنها واجبًا.
ولقولِه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفَال: ٣٩].
ولأنه كمَا يَحرُم على المَصُولِ عليه قَتلُ نَفسِه، يَحرُم عليه إباحةُ قَتلِها، ولأنه قَدَر على إحياءِ نَفسِه، فوَجَب عليه فِعلُ ذلك، كالمُضطَرِّ لأكلِ المَيتةِ ونحوِها.
ويُستثنَى حالَتان مِنْ وُجوبِ الدَّفعِ:
الأُولى: في حالِ فِتنةٍ؛ فلا يَجِب الدَّفعُ عن نَفسِه، لقولِه ﷺ في حديثِ أَبي ذَرٍّ ﵁: «فإنْ خَشِيتَ أنْ يَبهَرَك شُعاعُ السَّيفِ، فأَلْقِ ثَوبَك على وَجهِك». رَواه أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه، ولأنَّ عثمانَ ﵁ تَرَك القتالَ على مَنْ بَغَى عليه مع القُدرَةِ عليه، ومَنَع غيَره قِتالَهم، وصَبَر على ذلك. ولو لم يَجُز لأَنكرَ الصحابةُ عليه ذلك.
الثَّانيةُ: إذا كان الدَّفعُ لا يُجدِي ولا يُفِيدُ.
مسألة: يَجِب دَفعُ الصَّائِلِ على عِرْضِه أو عِرْضِ غَيرِه؛ لأنه لا سَبيلَ إلى إباحَتِه، ومِثلُ الزِّنَى بالبُضعِ في الحُكمِ مُقدِّماتُه في وُجوبِ الدَّفعِ حتَّى لو أَدَّى إلى قتلِ الصَّائلِ فلا ضَمانَ عليه … بل إنْ قُتِل الدَّافعُ بسبَبِ ذلك فهُو شَهيدٌ؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ قُتِل دونَ أَهلِه فهُو شَهيدٌ».
إلاّ إذا كان الدَّفعُ لا يُجدِي ولا يُفِيدُ.
ويُشترَط عند الشافعيَّةِ لوُجوبِ الدِّفاعِ عن عِرْضِه وعَرْضِ غيرِه: أنْ لا يَخاف الدَّافعُ على نَفسِه، أو عُضوٍ مِنْ أَعضائِه، أو على مَنفعةٍ مِنْ مَنافِعِ أعضائِه.
стр. 97
أمَّا المرأةُ المَصولُ عليها مِنْ أجلِ الزِّنَى بِها، فيَجِب عليها أنْ تَدفَع عن نَفسِها إنْ أَمكَنها ذلك؛ لأنَّ التَّمكيَن مِنها مُحرَّمٌ.
مسألة: يَجِب الدَّفعُ عن مالِه ومالِ غَيرِه؛ لوُجوبِ حِفظِه عن الضَّياعِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبةَ أنَّ النبيَّ ﷺ : "نَهَى عن إِضاعَةِ المالِ". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وإنْ قُتِل صاحبُ المالِ فهُو شَهيدٌ، وإنْ قَتَل الصَّائلَ فلا ضَمانَ بقَتلِه؛ لِما تقدَّم مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ﵁.
ويُستثنَى مِنْ وُجوبِ الدَّفعِ: إذا كان في فِتنةٍ، أو كانَت المُدافَعةُ لا تُفِيد شَيئًا أو خَشِيَ على نَفسِه أو عُضوٍ مِنْ أعضائِه أو مَنفَعةٍ مِنْ مَنافعِه.
مسألة: مَنْ دَخَل مَنزِلَ رَجُلٍ مُتلصِّصًا يُدفَع بالأَسهلِ فالأَسهلِ، فإنْ أَمرَه بالخُروجِ فخَرَج لم يَضرِبه؛ لاندفاعِ شَرِّه بدُونِ ضَربِه بشيءٍ، وإلاّ فلَه ضَربُه بأَسهلِ ما يَندَفِع به مِمَّا يَغلِب على ظَنِّه دَفعُه به، فإنْ خَرَج بالعَصَا لم يَضرِبه بالحَديدِ. وهذا ما لم يَخَفْ أنْ يَبدُرَه المُتلَصِّصُ بالقتلِ؛ فإنْ خافَ فلَه أنْ يَبدُرَ المُتلَصِّصَ بالقتلِ.
مسألة: مَنْ قَصَد النَّظرَ إلى مكانٍ لا يَجوز له النَّظرُ إليه جازَ للمَنظورِ إلى مَكانِه أنْ يَفقَأ عينَ النَّاظرِ، ولا قِصاصَ ولا دِيةَ، عن سَهلِ بنِ سَعدٍ، قال: "اطَّلعَ رَجُلٌ مِنْ جُحرٍ في حُجَرِ النبيِّ ﷺ ، ومع النبيِّ ﷺ مِدْرَى يَحُكُّ به رَأسَه، فقال: «لَو أَعلَمُ أَنَّكَ تَنظُرُ، لَطَعنْتُ بِه فِي عَيْنِكَ، إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
стр. 98
فصلٌ: في قِتالِ أَهلِ البَغْيِ.
البَغْيُ لُغةً: مَصدرُ بَغَى، يُقال: بَغَى يَبْغِي بَغْيًا أيْ: تَعدَّى واسْتَطالَ وعَلَا وظَلَم وعَدَل عن الحَقِّ.
والبَغيُ اصطلاحًا: هو الخروجُ على الإمامِ بتَأويلٍ سائِغٍ مِمَّن لهُم شَوكةٌ ومَنَعةٌ.
والأصلُ فيه: الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجرَات: ٩] فأَوجَب تعالَى قِتالَ البَاغِينَ على أهلِ الإيمانِ.
ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو قال: سَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «مَنْ أَعطَى إمامًا صَفقةَ يَدِه وثَمرَةَ قَلبِه فليُطِعْه ما استَطاعَ، فإنْ جاءَ أَحدٌ يُنازِعُه فاضْرِبُوا عُنقَ الآخرِ». رَواه مسلمٌ.
فكلُّ مَنْ ثَبتَت إمامتُه وَجبَت طاعتُه وحَرُم الخروجُ عليه وقِتالُه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩].
وأَجمعَت الصحابةُ ﵃ على قِتالِ البُغاةِ، فإنَّ أبَا بكرٍ ﵁ قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ، وعليٌّ ﵁ قاتَلَ أهلَ الجَملِ وأهلَ صِفِّينَ وأهلَ النَّهرَوَانِ.
مسألة: الإمامُ الأعظمُ لا يَخلُو مِنْ أمورٍ:
١ - أنْ يَكون عادلاً، فيَحرُم الخُروجُ عليه بالإجماعِ.
٢ - أنْ يَكون فاسقًا، فيَحرُم الخروجُ عليه عند أَهلِ السُّنةِ والجماعةِ، بل يُناصَح ويُخوَّف باللهِ .
стр. 99
٣ - أنْ يَكون كافرًا فهذا لا يُمكَّن مِنْ التَّولِّي على المسلِمينَ، بشَرطِ: القُدرةِ على تَنحِيَتِه، وأنْ لا يَترتَّب على عَزلِه مَفسدةٌ مِنْ سَفكِ الدِّماءِ وإتلافِ الأموالِ أَعظمَ مِنْ مَفسدةِ بَقائِه.
مسألة: شُروطُ البُغاةِ:
١ - أنْ يَكون لهُم شَوكةٌ ومَنَعةٌ وقُوَّةٌ.
٢ - أنْ يَكون لهُم شُبهةُ تأويلٍ سائغٍ، كمَا لو قالُوا المسألةُ الفُلانيَّةُ مُحرَّمةٌ، فهُم بُغاةٌ ظَلَمةٌ؛ لِعُدولِهِم عن الحقِّ وما عليه أَئِمةُ المسلِمينَ، فإنَّ الحقَّ عدمُ الخروجِ على الإمامِ ولو كانَ فاسقًا، بل يُناصَح، فإنْ كانُوا جَمعًا يَسيرًا لا شَوكةَ لهُم، أو لم يَخرُجوا بتأويلٍ، أو خَرجُوا بتأويلٍ غيرِ سائغٍ، فقُطَّاعُ طَريقٍ، تَجرِي عليهم أَحكامُ قُطَّاعِ الطَّريقِ.
مسألة: نَصبُ الإمامِ فَرضُ كِفايةٍ؛ لأنَّ بالناسِ حاجةً إلى ذلك؛ لِحمايةِ الدِّينِ والدِّماءِ والأعراضِ والأموالِ، والذَّبِّ عن البَلدِ، وإقامةِ الحدودِ واستِيفاءِ الحُقوقِ، والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ.
قال شيخُ الإسلامِ في السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ (٤/ ٢٠): "يَجِب أنْ يَعرِف أنَّ وِلايةَ الناسِ مِنْ أعظمِ واجباتِ الدِّينِ، بل لا قِيامَ للدِّينِ إلا بها، فإنَّ بَنِي آدمَ لا تَتِمُّ مَصلَحتُهم إلاّ بالاجتماعِ لِحاجةِ بَعضِهم إلى بعضٍ، ولا بُدَّ لهُم عند الاجتماعِ مِنْ رأسٍ، حتَّى قال النبيُّ ﷺ : «إذا خَرَج ثلاثةٌ في سَفرٍ فليُؤمِّرُوا أَحدَهم». رَواه أبو داودَ مِنْ حديثِ أَبي سعيدٍ وأَبي هريرةَ.
ورَوى الإمامُ أحمدُ في المُسندِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لِثلاثةٍ يَكونون بِفَلَاةٍ مِنْ الأرضِ إلاّ أَمَّرُوا عليهم أَحدَهم».
فأَوجَب ﷺ تَأمِيرَ الواحدِ في الاجتماعِ القَليلِ العارِضِ في السَّفرِ تنبيهًا
стр. 100
على سائرِ أَنواعِ الاجتماعِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أَوجَب الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ، ولا يَتِمُّ ذلك إلا بقُوَّةٍ وإمارةٍ، وكذلك سائرُ ما أَوجَبه مِنْ الجهادِ والعدلِ وإقامةِ الحجِّ والجُمَعِ والأعيادِ ونَصرِ المظلومِ، وإقامةُ الحدودِ لا تَتِمُّ إلا بالقُوَّةِ والإمارةِ، ولهذا رُوِي: «إنَّ السُّلطانَ ظِلُّ اللهِ في الأرضِ» ويُقال: سِتُّون سنةً مِنْ إمامٍ جائرٍ أَصلَحُ مِنْ ليلةٍ بِلَا سُلطانٍ، والتَّجرِبَةُ تُبيِّنُ ذلك".
وقال في مِنهاجِ السُّنةِ النبويَّةِ (١/ ٥٤٧): "ومِن المعلومِ أنَّ الناسَ لا يَصلُحون إلاّ بوُلاةٍ، وأنه لو تَولَّى مَنْ هو دُونَ هؤلاءِ مِنْ الملوكِ الظَّلَمةِ لَكانَ ذلك خيرًا مِنْ عَدَمِهم، كمَا يُقال: "سِتُّونَ سَنةً مع إمامٍ جائرٍ خيرٌ مِنْ ليلةٍ واحدةٍ بلا إمامٍ"، ويُروَى عن عليٍّ ﵁ أنه قال: "لا بُدَّ للناسِ مِنْ إمارةٍ، بَرَّةً كانَت أو فاجرَةً"، قِيل له: هذه البَرَّةُ قد عَرَفْناها، فما بالُ الفاجرةِ، قال: "يُؤمَّنُ بها السَّبيلُ ويُقام بها الحدودُ، ويجاهَدُ بها العدوُّ ويُقسَم بها الفَيءُ". ذكَرَه عليُّ بنُ مَعبدٍ في كتابِ الطاعةِ والمعصيةِ.
يَشترِطُ الفقهاءُ للإمامِ شُروطًا، منها ما هو متَّفقٌ عليه، ومنها ما هو مُختَلَفٌ فيه:
شُروطُ الإمامةِ:
أ- الإسلامُ: قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]، والإمامةُ كمَا قال ابنُ حزمٍ: أَعظمُ السَّبيلِ، ولِيُراعيَ مَصلَحةَ المسلِمينَ.
ب- التَّكليفُ: ويَشملُ العقلَ، والبُلوغَ، فلا تَصِحُّ إمامةُ صَبيٍّ أو مجنونٍ؛ لأنَّهما في وِلايةِ غيرِهما، فلا يَلِيانِ أَمرَ المسلِمينَ.
ج- الذُّكورةُ: فلا تَصِحُّ إمارةُ النِّساءِ؛ لحديثِ أَبي بَكرَةَ ﵁: «لَنْ يُفلِحَ
стр. 101
قَومٌ وَلَّوا أَمرَهُم امرأةً». رَواه البخاريُّ.
د- الكِفَايةُ، القوَّةُ والأمانةُ، والقوَّةُ: هي الجُرأةُ والشَّجاعةُ والنَّجدةُ، بحيثُ يَكون قَيِّمًا بأمرِ الحربِ والسياسةِ وإقامةِ الحدودِ والذَّبِّ عن الأُمَّةِ. والأمانةُ، أيْ: على وَظَائِفِه.
هـ- الحُرِّيةُ: فلا يَصِحُّ عَقدُ الإمامةِ لِمَنْ فيه رِقٌّ؛ لأنه مَشغولٌ في خِدمةِ سَيِّدِه.
و- سَلامةُ الحواسِّ والأعضاءِ مِمَّا يُمكِنه مِنْ القيامِ بوَظَائفِه.
مسألة: العَملُ مع البُغاةِ.
يَجِب على الإمامِ أن يُراسِل البُغاةَ فيَسأَلَهم عمَّا يَنقِمُون منه، فإنْ ذَكرُوا مَظلمةً أَزَالَها، وإنْ ادَّعَوا شُبهةً كَشَفَها؛ لقولِه تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجرَات: ٩]، والإصلاحُ إنَّما يَكون بذلك كمَا فَعَل عليٌّ ﵁، فإنه بَعَث ابنَ عباسٍ إلى الخوارجِ لمَّا تَظاهَرُوا بالعبادةِ والخشوعِ وحَملِ المَصاحِفِ لِيَسألَهم عن سَببِ خُروجِهِم، وبيَّن لهُم الحُجَّةَ الَّتي تَمسَّكُوا بها، فإنْ فاؤُوا أيْ: رَجَعُوا عن البَغيِ وطَلَبِ القتالِ تَرَكَهم؛ لأنَّ المقصودَ كَفُّهُم ودَفعُ شَرِّهِم لا قَتلُهم، وإلاّ يَرجِعُوا قاتَلَهم وجوبًا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجرَات: ٩].
ولقولِه ﷺ : «مَنْ أَتاكُم وأَمرُكم جميعٌ على رَجُلٍ واحدٍ يُريدُ أنْ يَشُقَّ عَصَاكُم أو يُفرِّقَ جَماعتَكُم فاقتُلُوه». صحيحُ مسلمٍ.
وإجماعِ الصحابة، حيثُ أَجمَعوا على قِتالِ الخارِجِين على أَبي بكرٍ ﵁ مِنْ مُرتَدِّين وبُغاةٍ، وعلى رَعيَّتِه مَعُونتُه؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
стр. 102
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩].
ويَحرُم قِتالُهم بِما يَعُمُّ إتلافَهُم، وقَتلُ ذُرِّيَّتِهم، ومُدْبِرِهِم وجَرِيحِهِم، ومَن تَرَك القتالَ منهم.
واتَّفق الأئمةُ رحمهُم اللهُ تعالى على أنَّ البُغاةَ لا تُقسَم لهُم أموالٌ، ولا تُسبَى لهُم نساءٌ؛ لِما روَى أبو أُمَامةَ ﵁ قال: "شَهِدتُ صِفِّينَ، فكانُوا لا يُجهِزُونَ على جَريحٍ، ولا يَقتُلون مُولِّيًا، ولا يَسلُبُون قَتيلاً". رواه الحاكمِ وصحَّحه، والبيهقيِّ في الكبرى.
ولقولِ أميرِ المؤمِنينَ عليٍّ ﵁ في المُحارِبين الخارِجِين عليه: "لا يُتبَع مُدبِرٌ، ولا يُذفَّفُ على جَرِيحٍ، ولا يُقتَلُ أَسِيرٌ". رواه البيهقيِّ في الكبرى مِنْ عِدَّةِ طُرقٍ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، والحاكمِ وصحَّحه.
وإذا انقَضَت الفِتنةُ فمَن وَجَد منهم مالَه بِيَدِ غيرِه أَخَذه؛ لأنَّ أَموالَهم كأموالِ غيرِهم مِنْ المسلِمينَ لا يَجوزُ اغتِنامُها؛ لِبقاءِ مِلكِهم علَيها، وما تَلِف حال حَربٍ غيرُ مَضمونٍ، قال الزُّهريُّ: "هاجَت الفِتنةُ، وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ مُتَوَافِرُون، فأَجمَعوا أنه لا يُقادُ أَحدٌ ولا يُؤخَذُ مالٌ على تأويلِ القرآنِ إلاّ ما وُجِد بعَينِه".
مسألة: إنْ اقتَتَلَت طائِفَتان لِعَصبيَّةٍ ضَمِنَت كلُّ واحدةٍ مِنْ الطَّائِفَتَين ما أَتلَفَت على الأُخرَى.
стр. 103
حُكمُ المُرتَدِّ
وهو لُغةً: الرَّاجعُ. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ [المَائدة: ٢١].
واصطلاحًا: الذي يَكفُر بَعدَ إسلامِه.
نَواقضُ الإسلامِ:
نَواقِضُ الإسلامِ هي: كلُّ اعتقادٍ أو قولٍ أو فِعلٍ يُناقِضُ أَصلَ الإيمانِ، ولا يَجتمِعُ معه.
وههُنا مسائلُ:
المسألةُ الأُولى: الشِّركُ الأكبرُ.
الشِّركُ في اللُّغةِ: خِلافُ الانفِرادِ، ويُطلَقُ على مَعنَى النَّصِيبِ والحِصَّةِ.
الشِّركُ الأكبرُ: تَسوِيةُ غيرِ اللهِ باللهِ في شيءٍ مِنْ خَصائِصِ اللهِ.
والدليلُ قولُه تعالى: ﴿تاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ *إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٧ - ٩٨]، وقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعَام: ١].
وما رَواه النَّسائيُّ بإسنادٍ حَسنٍ عن ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّ رَجُلاً دَخَل على رسولِ اللهِ ﷺ فقال: ما شاءَ اللهُ وشِئتَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أَجعَلْتَني للهِ نِدًّا؟ بَلْ ما شاءَ اللهُ وَحْدَه».
وما رَواه ابنُ أَبي حاتمٍ بإسنادٍ حَسنٍ عن ابنِ عباسٍ أيضًا في قولِه تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢]، قال: "الأَندادُ هو
стр. 104
الشِّركُ، أَخفَى مِنْ دَبِيبِ النَّملِ على صفاةٍ سَوداءَ في ظُلْمةِ اللَّيلِ، وهو أنْ يقولَ: واللهِ، وحَياتِك يا فلانُ، وحَياتِي، وقولُ: لَولَا كُلَيبةُ هذا لَأتانَا اللُّصوصُ، ولَولا البَطُّ في الدَّارِ لَأتانَا اللُّصوصُ، وقولُ الرَّجلِ: لَولا اللهُ وفُلانٌ، لا تَجعلْ فُلانًا، هذا كُلُّه به شِركٌ".
فرعٌ: إذا كانَت التَّسويةُ في الاعتقادِ، فهِي شركٌ أَكبرُ، وذلك: بأنْ يَعتقدَ أنه يُساوِي اللهَ في التَّعظيمِ والتَّدبيرِ والمشِيئةِ والتَّوكُّلِ.
فرعٌ: إذا كانَت التَّسويةُ في اللَّفظِ لا في الاعتقادِ فهِي شركٌ أَصغرُ؛ لِما رَواه الشَّيخانِ عن ابنِ عمرَ ﵄: أنه أَدرَك عمرَ بنَ الخطابِ في رَكبٍ وهو يَحلِف بأَبِيه، فناداهُم رسولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا إنَّ اللهَ يَنهاكُم أنْ تَحلِفوا بآبائِكُم، فمَن كان حالِفًا فَلْيَحلِفْ باللهِ، وإلَّا فَلْيَصمُت». رَواه مسلمٌ.
وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الحَلِفَ بغَيرِ اللهِ لو كان شِركًا أكبرَ لَمَا أَخَّر رسولُ اللهِ ﷺ تَعليمَه الصحابةَ، ولَمَا وَقَع فيه مِثلُ: عمرَ بنِ الخطابِ ﵁. إلاّ إنْ اعتَقَد أنَّ المَحلوفَ به مُعظَّمٌ كتَعظيمِ اللهِ تعالى فشِركٌ أكبرُ.
الفَرقُ بين الشِّركِ والكفرِ:
أنَّ كلَّ شِركٍ كُفرٌ، وليس كلُّ كُفرٍ شِركًا، فالكُفرُ ضِدُّ الإيمانِ والإسلامِ، والشِّركُ ضِدُّ التوحيدِ، فيُخَصُّ الشِّركُ بقَصدِ الأَوثانِ ونحوِها، فيكونُ الكفرُ أَعمَّ.
إذْ في اللُّغةِ بينهما فَرقٌ، فمِن ثَمَّ يكونُ في الشَّرعِ؛ لأنَّه نَزَل بلُغةِ العَربِ.
ولقولِه تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ *﴾ [البَيّنَة: ١]. وجهُ الدَّلالةِ: أنه عَطَف أهلَ الكتابِ على المشرِكينَ، والعَطفُ يَقتضِي المُغايَرةَ.
стр. 105
حُكمُ الشِّركِ الأكبرِ.
الشِّركُ الأكبرُ: أَعظمُ ذَنبٍ عُصِي اللهُ به، فهُو أكبرُ الكبائِرِ، وأعظمُ الظُّلمِ؛ لأنَّ الشِّركَ صَرفُ خالِصِ حقِّ اللهِ تعالى -وهُو العبادةُ- لغَيرِه، أو وَصفُ أَحدِ خَلقِه بشيءٍ مِنْ صِفاتِه الَّتي اختَصَّ بها ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمَان: ١٣]، ولِذلك رَتَّب الشرعُ عليه عُقوباتٍ عظيمةً، أَهمُّها:
• أنَّ اللهَ لا يَغفِره إذا ماتَ صاحبُه ولم يَتُب منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨].
• أنَّ صاحبَه خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلامِ، حَلالُ الدَّمِ والمالِ، قال : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التّوبَة: ٥]. ويُعادَى ويُبغَضُ ولا يُحَبُّ.
• أنَّ اللهَ تعالى لا يَقبَلُ مِنْ الُمشرِكِ عملاً، وما عَمِلَه مِنْ أعمالٍ سابِقةٍ تكونُ هباءً مَنثُورًا، كمَا قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا *﴾ [الفُرقان: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
• يَحرُم أنْ يَتزوَّج المُشرِكُ بمُسلِمةٍ، كمَا يَحرُم أنْ يَتزوجَ المسلمُ مُشركةً، كمَا قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١].
• إذا ماتَ المُشرِكُ فلا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَنُ في مَقابرِ المسلِمينَ، وإنَّما يُحفَر له حُفرةٌ بعيدةٌ عن الناسِ، ويُدفَنُ فيها؛ لِئلاَّ
стр. 106
يُؤذِيَ الناسَ برائحتِه الكريهةِ.
ومِن الأحكامِ الآخرُويَّةِ:
أنَّ دخولَ الجنَّةِ عليه حرامٌ، وهو مُخلَّدٌ في نارِ الجحيمِ، نَسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ، كمَا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائدة: ٧٢].
مسألة: اتَّفق العلماءُ على أنَّ المشرِكينَ الأَصلِيِّين يُسمَّون مُشرِكين؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٦]، وقولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التّغَابُن: ٢].
ومَجانِينُهم وأَطفالُهم يُسمَّون كفَّارًا وإنْ لم تَقُم عليهم الحُجَّةُ، لكنْ مَنْ لم تَبلُغْه الدَّعوةُ حُكمُه في الدُّنيا كمَا سَبَق، وفي الآخرةِ يُمتَحن يومَ القيامةِ، ومَن بَلغَتْه الدَّعوةُ أَخَذ أَحكامَ المشرِكينَ السَّابقةَ في الدُّنيا والآخرةِ.
مسألة: حُكمُ المُسلِم الذي طَرأَ عليه الشِّركُ.
المسلمِ الذي طَرأَ عليه الشِّركُ مِنْ حيثُ الاسمُ هُو مُشرِكٌ، ومِن حيثُ الحكمُ: لا تَحِلُّ ذَبِيحتُه، ولا الزَّواجُ منه، ولا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه إذا ماتَ.
وأمَّا مِنْ حيثُ العذابُ بالقتالِ والقتلِ وعذابِ الآخرةِ فهذا يَكون بعدَ قِيامِ الحُجَّةِ عليه.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسرَاء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّسَاء: ١٦٥].
стр. 107
مسألة: هل يُعذَر المُشرِكُ بجَهلِه؟
يُفرَّق بين المسائِلِ الظَّاهرةِ والمسائلِ الخَفيَّةِ، فيُعذَر بالمسائلِ الخفيَّةِ دونَ المسائلِ الظَّاهرةِ.
وضابطُ الظَّاهرةِ: ما يُعلَم مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ مِمَّا يَعرِفه الخاصُّ والعامُّ مِنْ المسلِمين، كالشِّركِ الذي يُناقِض أَصلَ التوحيدِ، والكُفرِ الذي يُناقِض أَصلَ الإيمانِ، والاستِهزاءِ باللهِ ، أو رسولِه ﷺ أو كتابِه، أو وجوبِ الصلاةِ، أو تَحريمِ الزِّنَى، ونحوِ ذلك.
أمَّا المسائلُ الخفيَّةُ: فهِي ما يَخفَى على مِثلِه، كمسائلِ القَدَرِ والإرْجاءِ، ونحوِ ذلك.
ومِن ذلك أنْ يَكون التَّأويلُ له مَساغٌ في اللُّغةِ، كتأويلِ اليَدِ بالنِّعمةِ عندَ قولِ اللهِ : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائدة: ٦٤]، والمسائلُ الخفيَّةُ تَختلِف مِنْ حيثُ الزَّمانُ والمكانُ، بحَسَبِ قِيامِ الحُجَّةِ وانتِشارِها، فيُعذَر مَنْ كانَ في باديةٍ بَعيدةٍ عن بلادِ الإسلامِ، أو نَشَأ في بلادِ الكفارِ، ونحوُ ذلك.
فالشِّركُ الأكبرُ لا يَخفَى على مُوحِّدٍ؛ لأنَّ الشِّركَ والتوحيدَ مُتَناقِضَان لا يَجتمِعان ولا يَرتَفِعان.
تَعريفُ الشِّركِ الأصغرِ: كلُّ ما كان ذَريعةً للشِّركِ الأكبرِ، وجاءَ في النُّصوصِ تَسميتُه شِركًا.
وأمَّا حُكمُه فيَتلخَّص فيما يَلي:
الأولُ: أنه يُخالِف الشِّركَ الأكبرَ في جَميع ما مَضَى مِنْ الأحكامِ.
الثَّاني: أنه كبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذُّنوبِ، بل هو مِنْ أكبرِ الذُّنوبِ بعدَ نَوَاقضِ التوحيدِ.
стр. 108
الثالثُ: أنَّ هذا الشِّركَ قد يَعظُم حتَّى يَؤُولَ بصاحبِه إلى الشِّركِ الأكبرِ المُخرِجِ مِنْ مِلَّةِ الإسلامِ، فصاحبُه على خطرٍ عظيمٍ.
الرابعُ: أنَّ مَنْ ماتَ على الشِّركِ الأصغرِ، فمَوضِعُ خلافٍ هل يَكون داخلاً تحتَ المَشِيئةِ، أو لا؟ فذهبَ بعضُ العلماءِ كعبدِ الرحمنِ بنِ حسنٍ، وصِدِّيقِ حسنٍ خان، وعبدِ الرحمنِ بنِ قاسمٍ إلى أنه لا يُغفَر، بل قد يُؤخَذ مِنْ حسناتِه، أو يُعذَّب في قَبرِه، ونحوُ ذلك، وذهبَ غيرُهم إلى أنه تحتَ المَشِيئةِ.
الخامسُ: أنه إذا صاحبَ العملَ الصالحَ أَبطَل ثَوابَه كمَا في الرِّياءِ، وإرادةُ المسلمِ بعَملِه الصالحِ الدُّنيا وَحْدَها، والدَّليلُ قولُه ﷺ فيما يَروِيه عن رَبِّه جلَّ وعَلَا فيمَا رَواه مسلمٌ عن أَبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : قال اللهُ ﵎: «أَنا أَغنَى الشُّرَكاءِ عن الشِّركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشرَكَ فِيه مَعِيَ غَيرِي تَرَكتُه وشِرْكَه».
قاعدةٌ: ما ثَبَت أنه عِبادةٌ فصَرْفُه لغَيرِ اللهِ شِركٌ أكبرُ، ولا يَكون شِركًا أَصغرَ؛ إذْ العبادةُ خاصَّةٌ باللهِ تعالى، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجنّ: ١٨]. وما رَواه الشَّيخانِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «مَنْ ماتَ وهُو يَدعُو مِنْ دونِ اللهِ نِدًّا دَخَل النَّارَ».
ومن أمثلته:
١ - الدعاءُ عبادةٌ مِنْ أَجلِّ العباداتِ، قال اللهُ : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجنّ: ١٨]، وقال ﷺ في حديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵁: «الدعاءُ هو العبادةُ». رَواه أحمدُ والبخاريُّ.
стр. 109
فصرفها لغير الله شرك؛ ومن ذلك: أن يدعو غير الله في أمر لا يَقدِر عليه إلاّ اللهُ ، مِثلُ أنْ يَطلب مِنْ أَحدٍ إنزالَ الغَيثِ، وغُفرانَ الذُّنوبِ، وغيرَ ذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ.
أو في طريقةِ الطَّلبِ، بأنْ يَكون بكَمالِ الذُّلِّ، وبكِمالِ المحبَّةِ، أو برَغبةٍ ورَهبةٍ لا تُصرَف إلاّ للهِ فهذا شركٌ أكبرُ، لصَرفِه شيئًا مِنْ خَصائصِ الأُلوهيَّةِ لغَيرِ اللهِ .
أو يَكون المدعوُّ بعيدًا عن الداعِي، فإنَّ دعاءَ مِثلَ هذا شِركٌ؛ لأنَّ اتِّساعَ السَّمعِ لِسَماعِ البعيدِ خاصٌّ باللهِ سبحانَه، ولأنه يَعتقِد في مِثلِ هذا أنه يَعلَم الغَيبَ، وأنه له تَصرُّفٌ في الكَونِ.
أو يَدعوَ الغَيرَ مع اعتقادِ أنه يَستقِلُّ في إيجادِ المطلوبِ مِنْ دونِ اللهِ، فشِركٌ أكبرُ، فإنَّ إيجادَ الشيءِ استقلالاً خاصٌّ باللهِ .
أو يَطلب مِنْ الميِّتِ شِفاءَ مَريضِه، وكَشفَ السُّوءِ عنه، ونحوَ ذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ.
وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ هذه الأفعالَ مِنْ كَشفِ السُّوءِ، وشفاءِ المريضِ لَيسَت خاصَّةً باللهِ، بل يَقوم بها بَعضُ المخلُوقِين كالطِّبيبِ مثلاً.
فجوابُ ذلك أنْ يُقال: إنَّ إيجادَ المُسبِّباتِ دونَ مُباشرةِ السَّببِ لا يَكون إلاّ للهِ سبحانَه، فهُو خاصٌّ به؛ إذْ هو يُوجِد المسبِّباتِ بالأمرِ الكَونيِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *﴾ [يس: ٨٢].
فطلبُ الأفعالِ مِنْ الميِّتِ شِركٌ أكبرُ؛ لأنه يَلزمُ مِنْ هذا أنه يُوجِد المسبِّباتِ بدونِ مُباشَرةِ السبَبِ، ففيه صَرفٌ لشيءٍ اختَصَّ به الخالقُ دونَ المخلوقِ.
стр. 110
٢ - طلبُ الحيِّ مِنْ الميِّتِ أنْ يَشفَع له عندَ اللهِ .
فهذا شِركٌ أكبرُ؛ لأنَّ الأصلَ في الأمواتِ أنَّهم لا يَسمعونَ نِداءَ مَنْ ناداهُم، ولا يَستجيبونَ دعاءَ مَنْ دعاهُم.
قال تعالى: ﴿ … وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ *﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].
٣ - الاستعانةُ، والاستغاثة، والاستعاذة عبادات وحُكمُها حُكمُ الدعاءِ، كمَا تقدَّم تَفصيلُه.
٤ - المحبَّةُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك: عبادةَ المحبوبِ مع اللهِ، كمحبَّةِ الخُرافِيِّين لِمَنْ يَدعُونَهم أولياءَ، أو أنْ يُسوِّيَ غيرَ اللهِ باللهِ في المحبَّةِ الخاصَّةِ باللهِ، بأنْ يُحِبَّ مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُدخِلَه الجنَّةَ، أو أنْ يَجعَل لغَيرِ اللهِ كمَالَ المحبَّةِ، أو يُحِبَّ المخلوقَ كمحبَّةِ اللهِ، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].
وقد تَكون شِركًا أصغرَ: وذلك أنْ يَتعلَّق القلبُ بمَحبُوبِه رِضًا وسَخَطًا، لا يَرضَى إلاّ للمالِ ولا يَسخَط إلاّ له، فسمَّاه النبيُّ ﷺ : «عَبْدَ الدِّرهَمِ، وعَبْدَ الدِّينارِ، وعَبْدَ القَطِيفَةِ، وعَبْدَ الخَمِيصَةِ». إلى أنْ قال وقد وَصَف ذلك بأنه: «إذا أُعطِيَ رَضِيَ، وإذا مُنِعَ سَخِطَ». رَواه البخاريُّ مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ﵁.
следующие страницы →