← Фикх общий

Фикх общий · id 1576

المختصر في الأنكحة والأطعمة والأيمان والنذور

خالد المشيقح

Полный текст (194 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده. أما بعد: فهذا هو الجزء الثالث من مختصرات الفقه، وهو المختصر في الأنكحة والأطعمة والأيمان والنذور، وقد كتبته كسابقيه بعبارة سهلة ومعنىً واضح، وبنيته على ما دل عليه الدليل وترجح من أقوال محققي أهل العلم مع الاستدلال لمسائله؛ ليسهل قراءته والانتفاع به لعموم المسلمين، وأشكر الله ﷻ على إتمام هذا العمل، ثم أشكر كل من ساهم في إخراجه ونشره، وأخص بذلك الشيخ عبد العزيز بن حواس الشمري، أسأل الله ﷻ أن ينفع به كاتبه وقارئه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه. وكتبه الدكتور خالد بن علي المشيقح المدرس في كلية الشريعة بجامعة القصيم والمدرس في الحرم المكي والمسجد النبوي

стр. 2

كتاب النكاح شرع اللهُ النِّكاح لمصالح عظيمة، وحِكَمٍ عديدة، سيأتي بيانها. والنكاح لغةً: الضم، والتداخل، والجمع. وشرعًا: عقدٌ على امرأة، يُقصَد منه امتثال أمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ ، وتحصيلُ مصالح النِّكاح. والأصل فيه: الكتاب، والسُّنة، والإجماع. أمَّا الكتاب: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٣]. وأما السُّنة: فكما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأمَّا الإجماع: فقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وأجمع المسلِمون على أن النِّكاحَ مشروع). مسألةٌ: وهو سنَّة؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «يا معشر الش باب، مَنْ استطاع منكم الباءةَ، فليتزوَّجْ؛ فإنَّه أغَضُّ للبصَر، وأحصَن للفَرْجِ، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاءٌ»؛ متفق عليه، في المصباح ٢/ ٦٥٠: والوجاء رض عروق البيضتين حتى تنفضخا من غير إخراج؛ لأنه بتقليل الطعام والشراب يحصل للنفس انكسار عن الشهوة كالموجوء. ولأنَّ النبي ﷺ علَّقه على الاستطاعة، والواجب لا يتوقف على الاستطاعة، وقيل بوجوبه؛ للأمر به؛ وهو مذهب الظاهرية.

стр. 3

وفعلُهُ مع الشهوة: أفضلُ من نوافل العبادات؛ لاشتماله على مصالحَ كثيرة؛ كما سيأتي. قال ابن القيِّمِ رحمه الله تعالى -عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرّعد: ٣٨]-: (استُدِلَّ به على تفضيل النِّكاح على التخلِّي لنوافل العبادة؛ لأنَّ الله ﷻ اختار النِّكاحَ لأنبيائه ورسله). قال ابن مسعود ﵁: (لو لم يَبقَ من أجَلي إلا عشَرة أيام، وأعلم أني أموتُ في آخرها يومًا، لي فيهن طَوْلُ النِّكاح: لتزوَّجتُ؛ مخافةَ الفتنة)؛ رواه عبد الرزاق، وابن أبي شَيْبة، وسعيد بن منصور. ويجب على من خاف محذورًا بتركه؛ لأنَّه طريق إعفافِ نفسه، وصونِها عن الحرام. ويحرُمُ على من لم يقُمْ بحق الزَّوجية، أو يُلحِقُها ضررًا. ويُكرَه في حق الفقير الذي لا كسبَ له، ولا شهوة. مسألةٌ: حِكَم النِّكاح: للنِّكاح مصالحُ وحِكَم؛ منها: ١ - الاستجابة لأمر الله تعالى، ورسوله ﷺ . ٢ - غضُّ البصَر، وحفظ الفَرْج. ٣ - تكثير الأمة، ومن ثَمَّ تحصُلُ العزة والنصر والتأييد؛ كما ذكره اللهُ تعالى عن شعيب ﵇: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعرَاف: ٨٦]. ٤ - حصول السَّكَن والرحمة والمودة بين الزَّوجين.

стр. 4

٥ - القيام على أمر المرأة، وعِفَّتها، وحِفظها. ٦ - تحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته بين الأمم. ٧ - سلامة المجتمع، وأمنه. ٨ - التخلُّص من الماء الذي بقاؤه في الجسم مضرٌّ له؛ كما ذكره ابن القيِّمِ رحمه الله تعالى. مسألةٌ: لا يجوز للرجُلِ أو المرأة أن يتعاطى علاجًا يقطع شهوةَ النِّكاح؛ لحديث سعد ﵁: «أن النبيَّ ﷺ رَدَّ على عثمان بن مظعونٍ التبتُّلَ»؛ رواه البخاري ومسلِم. وقال أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءةِ، وينهى عن التبتُّلِ نهيًا شديدًا»؛ رواه أحمد، لكن يجوز استعمال علاج يخفِّفها، إذا كان له مصلحة في ذلك، وليس فيه ضررٌ عليه. مسألةٌ: ولا فرقَ في مشروعية النِّكاح بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، إذا كان قادرًا على الوطءِ؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصبِح ويمسي وليس عنده شيء»؛ رواه البخاري. ولحديث سهل بن سعد ﵁، وفيه: «أن النبيَّ ﷺ زوَّج رجُلاً لم يَقدِرْ على خاتَم حديد، وليس له إلا إزارُه، ولم يكُنْ له رداءٌ»؛ متفق عليه. ولا يكتفي بالعمر فيه مرة واحدة، بل يكون في مجموع العمر، فلو تزوج وفارق زوجته فلابد من معاودة الزواج ولو طالت فترة الزواج بينهم؛ لقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ليست العزوبةُ من الإسلام)، ولا يزول هذا الاسمُ بمرةٍ واحدة.

стр. 5

فرعٌ: ومَن أمره به والداه، لَزِمَه؛ لوجوب بِرهما. وقال شيخ الإسلام: وليس للأبوينِ إلزام الولد بنكاح مَنْ لا يريد، فإن امتنع، فلا يكون عاقًّا؛ كأكل ما لا يريد. مسألةٌ: التعدُّد سنَّة، وقيل: أنه مباح، ولكن يُشترَط له القدرةُ البدنية والمالية؛ لِما تقدم من ذِكر مصالح النِّكاح، وكلما كثُرَ الزواج كثرت هذه المصالح، ولأنَّ الله ﷻ بدأ به في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٣]، ولقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «تزوَّجْ؛ فإن خيرَ هذه الأمَّة أكثَرُها نساءً»؛ رواه البخاري. مسألةٌ: صفاتُ المرأة، يُسَنُّ أن يتزوَّجَ امرأةً تتصف بعدة صفات: ١ - ديِّنة؛ لحديثِ أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «تُنكَح المرأةُ لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسَبها، ولدِينها؛ فاظفَرْ بذات الدِّين، تَرِبتْ يداك»؛ متفق عليه. ولِما روى عمرُو بن العاص ﵁ أن الرسولَ ﷺ قال: «الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصالحة»؛ رواه مسلِم. فرعٌ: ومِن حق المرأة على وليِّها أن يزوِّجَها ذا الدِّين؛ لما روى أبو حاتم المُزَني ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا أتاكم مَنْ ترضَون دِينَهُ وخُلُقه، فزوِّجوه، إلا تَفعَلوا تكُنْ فتنةٌ في الأرض، وفساد كبير»؛ رواه التِّرمِذي، وقال: (حسن غريب). وقالت أسماءُ بنت أبي بكر ﵄: (إنما النِّكاحُ رِقٌّ؛ فلينظُرْ أحدُكم أين يُرِقُّ عَتِيقتَهُ)، رواه البَيْهَقي. ٢ - أجنبية؛ أي: لا تكونُ في أول درجات العمومة والخُؤولة؛ كما قال الشافعيةُ؛ لأنَّ ولَدَها يكون أنجبَ، ولأنه لا يأمَنُ الطلاقَ، فيُفضِيَ مع القرابة

стр. 6

إلى قطيعة الرحِمِ، وقال عمرُ ﵁ لبني السائب -وقد اعتادوا الزواجَ بقريباتهم-: (أَضْوَيْتم، فانكِحوا في النوابغ). ولعلَّ الأقرب: أن ينظُرَ الإنسانُ في الأصلح له؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ بنتَ عمته زينبَ بنتَ جحش؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، وتزوج عليٌّ ﵁ بفاطمةَ ﵂، ولزواجِ زينبَ ﵂ -بنتِ النبيِّ ﷺ بأبي العاص بن الربيع. ٣ - بِكْرٌ؛ وهذا باتفاقِ الأئمة، وهي العَذْراء؛ لقوله ﷺ : «فهلاَّ بِكْرًا تلاعِبُها وتلاعِبُك»؛ متفق عليه من حديث جابر ﵁. وتقدِّمُ الثيِّبَ عند المصلحة؛ لحديث جابر ﵁: أنَّ أباه ترك تِسْعَ بنات، أو سَبْعَ، وإنِّي كَرِهتُ أن آتيهنَّ بمثلِهنَّ، فأحببتُ أن آتيَ بامرأة تقوم عليهن وتُصلِحهنَّ، قال النبي ﷺ : «فبارَكَ اللهُ لك»؛ رواه مسلِم. ٤ - وَلُودٌ؛ أي: مِنْ نساءٍ يُعرَفْنَ بكثرة الأولاد، ويُعرَف ذلك بحال قريباتِها؛ مِنْ أخواتها وعماتها، وسلامة صحتها، وحُسْنِ شبابها؛ لحديث أنسٍ مرفوعًا: «تزوَّجوا الوَدُود الوَلُود؛ فإنِّي مكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»؛ رواه سعيد، وأحمد، وابن حِبَّان، والبَيْهَقي، وله شاهد من حديث مَعقِل بن يسار؛ رواه أبو داود والنَّسَائي، وإسناده حسَن. ولقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عِمرَان: ٣٨]. ٥ - جميلةٌ؛ لأنه أغَضُّ لبصَرِه، وأكمل للمودَّة، وأسكَنُ لنفسه؛ ولذلك شُرِعَ النظرُ قبل النِّكاح، ولِما روى أبو هُرَيرة ﵁، قال: «قيل: يا رسول الله، أي النساء خير؟ قال: التي تسُرُّهُ إذا نظَر، وتطيعه إذا أمَر، ولا تخالفه

стр. 7

في نفسها ولا ماله بما يَكرَه»؛ رواه أحمد، والنَّسَائي، وابن ماجَهْ، وصحَّحه الحاكم. مسألةٌ: النظر للمخطوبة، النظر للمخطوبة مستحبٌّ؛ لحديث المغيرةِ بن شعبة ﵁، وفيه قوله ﷺ : «اذهَبْ فانظُرْ إليها؛ فإنَّه أجدَرُ أن يؤدَمَ بينكما»؛ رواه النَّسَائي، والتِّرمِذي وحسنه، وأحمد، والحاكم وصحَّحه. فعلَّل النبي ﷺ بأن النظر سببٌ للمحبة والأُلْفة بين الزَّوجين، وإذا كان كذلك، دلَّ على مشروعيته. فرعٌ: ما ينظُرُه الخاطب، وله نظرُ ما يظهر غالبًا؛ كوجهٍ، ورقبة، ويد، وقدم، ورأس؛ لقوله ﵊: «إذا خطب أحدُكم امرأة، فقدَرَ أن يرى منها بعضَ ما يدعوه إلى نكاحها فليفعَلْ»؛ رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده حسَنٌ، وقياسًا على ذوات المحارم. وله أن يكرر النظرَ بقدر الحاجة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ صعَّد النظرَ للواهبة، وصوَّبه؛ متفق عليه من حديث سهل بن سعد ﵁. ولأنَّ ما أُحِلَّ لحاجة يقدَّرُ بقدرها، ويزول بزوالها. فرعٌ: شروط النظر للمخطوبة، يشترط لنظر المخطوبة شروطٌ: الأول: أن يكون بلا خَلْوة بالإجماع؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «لا يخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأة إلا ومعها ذو مَحرَم»؛ متفق عليه. الثاني: أن يَعلَم أو يَغلِبَ على ظنه أنه يجاب. الثالث: ألا ينظُرَ بشهوة، فإن حصل له شهوةٌ، دافَعها. الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالبًا، وتقدم الكلام عليه.

стр. 8

الخامس: وجود العزم على الزواج عند النظر؛ لحديث محمد بن مَسلَمة ﵁، وفيه قوله ﷺ : «إذا ألقى اللهُ ﷻ في قلب امرئٍ خِطْبةَ امرأة، فلا بأسَ أن ينظر إليها»؛ رواه أحمد، وفي إسناده: حجاجُ بن أرطاة؛ وهو ضعيف. السادس: ألا تستعمل المرأةُ التحمير والتصفير، ونحو ذلك؛ لِما فيه من التغرير، ولكونها أجنبيةً. مسألةٌ: وقت النظر، نصَّ الشافعيةُ والحنابلة: أن وقت النظر قبل الخِطْبة، وبعد العزم على النِّكاح. وعند بعض الشافعية: أن النظرَ بعد الخِطْبة أَوْلى؛ لحديث جابر ﵁ مرفوعًا: «إذا خطَبَ أحدُكم امرأة، فإن استطاع أن ينظُرَ إلى ما يدعوه إلى نكاحها: فليفعَلْ»؛ رواه أبو داود. والأمر في هذا واسع. ولا يحتاج إلى إذنها؛ لمطلَقِ الأمر، ولحديث جابر ﵁، وفيه: «فكنتُ أتخبَّأُ لها حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها». فإن لم يتيسَّرْ، بعَثَ امرأة ثقةً تتأملها، ثم تصفُها له؛ لحديث أنس ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ : «أرسل أمَّ سُلَيم تنظر جاريةً»؛ رواه الإمام أحمد، والحاكم وصحَّحه، والبَيْهَقي. ولا يجوز أن تَنعَتَها لغير الخاطب؛ لنهيِ النبي ﷺ «أن تَنعَتَ المرأةُ امرأةً لزوجها حتى كأنه ينظُرُ إليها»؛ رواه مسلِم. وله أن ينظر إلى صورة المرأة بحالتها الطبيعية بالشروط السابقة.

стр. 9

وعلى مَنْ استُشير في الخاطب أو المخطوبة أن يذكُرَ ما فيه مِنْ عيبٍ، ولا يكون غِيبةً. مسألةٌ: ينظُرُ من ذات المَحرَم ما يظهر غالبًا: الوجه، والرقبة، واليد، والقَدم، والرأس؛ لقوله تعالى: ﴿ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ … ﴾ [النُّور: ٣١]. ولِما روَتْ عائشة وأمُّ سلَمةَ ﵄ أن سَهلة بنت سهيل ﵄، قالت: «يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، ويراني فُضُلاً، وقد أنزل اللهُ فيهم ما قد علمتَ، فكيف ترى فيه؟»؛ رواه أبو داود. فقولها: (ويراني فُضُلاً)؛ أي: في ثياب البِذْلة، التي لا تستُرُ الأطراف. مسألة: أقسام النظر إلى المرأة: القسم الأول: نظر الرجل الأجنبي للمرأة، جميع المرأة عورة بالنسبة للرجل الأجنبي، فلا يجوز أن ينظر إلى شيء من بدنها حتى الوجه، لقول الله ﷻ : ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن، وعن عائشة ﵂ كانت تقول: (لما نزلت هذه الآية وليضربن بخمرهن على جيوبهن، أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها) رواه البخاري. وقال ابن حجر في (الفتح): (قوله: فاختمرن، أي: غطين وجوههن). ولقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزَاب: ٥٩]، والجلباب: ما يستر جميع البدن، أي يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن فيسترن أجسامهن كلها حتى وجوههن إلا ما به ترى الطريق.

стр. 10

ولما تقدم من أدلة إباحة النظر إلى المخطوبة، ودل ذلك بالمفهوم أن غير الخاطب لا ينظر إلى الوجه، ولأن الوجه مجمع المحاسن. والأئمة يتفقون على أنه إذا كان هناك فتنة فلا يجوز النظر. والنظر إلى الوجه وسيلة إلى الفتنة وإثارة الشهوة، والوسائل لها أحكام المقاصد. القسم الثاني: من المرأة، يجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة إلا ما بين السرة والركبة؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة»، وهذا في النظر. وأما في اللباس: فإن المرأة تلبَس لباس أمهات المؤمنين ونساء الصحابة، وهو ما ستر جميع البدن إلا الأطرافَ الرأسَ والرقبةَ واليدين والرجلين لحديث أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب، كيف تصنع؟ قال: «تَحُتُّه، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه، وتصلي فيه» رواه البخاري ومسلم. فترخيص النبي ﷺ أن تصلي فيه دل على أنه لباس ساتر لجميع البدن، وإذا خرجت من بيتها سترت جميع بدنها؛ لما تقدم. مسألةٌ: ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضعِ المرض من المرأة، وبالعكس، بشروط: الأول: أن يكون النظرُ بقدر الحاجة؛ أي: إلى موضع العلاج فقط؛ لقاعدة: (الضرورة تقدَّرُ بقدرِها)؛ لأنَّ الأصل حرمةُ النظر. الثاني: عدم الخَلْوة؛ للنهيِ عن ذلك.

стр. 11

الثالث: أن يكون الطبيب أمينًا، غيرَ متَّهم في خُلُقه ودِينه. الرابع: تُقدَّمُ الطبيبة في معالجة المرأة على الطبيب، إذا وُجدت. مسألةٌ: التصريح في الخِطْبة: التصريح: هو اللفظ الذي لا يحتمِلُ غيرَ طلب الزواج. كقوله: أريد أن أتزوجك، أو: أريد أن أخطُبَك، أو: زوِّجيني نفسك، أو غير ذلك ممَّا لا يحتمِل غيرَ النِّكاح. والتعريض: اللفظ الذي يحتمِل النِّكاحَ وغيره. كأن يتكلمَ بكلام يدل فحواه على رغبتِهِ في المرأة؛ كقوله: إنِّي في مثلِك لراغبٌ، أو: فلانةُ امرأةٌ صالحة، ونحو ذلك. والأصل: جواز خِطْبة المرأة؛ تعريضًا وتصريحًا، لكن يستثنى من ذلك المعتدَّة؛ وهي: التي فارقت زوجَها، ودخلت في العِدَّة، فيحرُمُ التصريح للمعتدة بالإجماع؛ لمفهومِ قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]؛ فالله ﷻ لما أباح التعريضَ بالخِطْبة، دلَّ على أن التصريحَ للمعتدة محرَّم. وخِطْبة المعتدة أقسام: القسم الأول: المعتدة من وفاة، فلا يجوز خِطْبتُها تصريحًا؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى استعجال المرأة بالإجابة، والكذبِ في انقضاء عدتها، ويجوز التعريضُ. القسم الثاني: المُبانة حال الحياة؛ بطلاق، أو فسخٍ لرَضاع، أو لِعان: فيحرم خِطْبتها تصريحًا، دون التعريض فيباح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ

стр. 12

فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، ولحديث فاطمة بنت قيس ﵂: طلَّقها زوجها البتة، فقال لها رسول الله ﷺ : «إذا حلَلتِ، فآذِنِيني»، وفي رواية: «لا تسبقيني بنفسِك»؛ رواه مسلِم. القسم الثالث: الرجعيَّةُ؛ وهي التي طلَّقها زوجها دون ما يَملِكُ من العَدَدِ بلا عِوَض -: فيحرُمُ التعريضُ والتصريح؛ لأنها في حُكْمِ الزَّوجات؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]. مسألةٌ: خِطْبة الرجُلِ معتدَّتَهُ أثناء العِدة - أي: خِطْبة الرجُلِ المرأةَ التي فارقها - تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون رجعيةً؛ فصاحب العِدَّة لا يزال زوجًا؛ فلا يحتاج إلى خِطْبة، بل له إرجاعها متى شاء. القسم الثاني: المعتدة من طلاق بائن - بينونة كبرى -: فلا يجوز للزوج خِطْبتها تصريحًا ولا تعريضًا؛ إذ لا تَحِلُّ له إلا بعد نكاح صحيح. القسم الثالث: المعتدة من طلاق بائن -بينونة صغرى- كالمخلوعة، أو المفسوخة، ونحو ذلك: فيجوزُ للزوج التصريح والتعريض؛ لأنَّ له أن يَعقِدَ عليها في العِدَّة، ولغيره التعريض دون التصريح. القسم الرابع: المعتدة من نكاح فاسد، أو وطءٍ بشبهة: فيجوز له التعريضُ دون التصريح؛ إذ هو أجنبيٌّ عنها، يباح له نكاحها. مسألةٌ: يحرُمُ على الرجعية أن تجيب مَنْ خطَبَها في عدتها تصريحًا أو تعريضًا؛ لأنَّ الخِطْبة للعقد. وأما البائن بالثلاثِ: فيباح لها إذا خُطِبتْ في عدتها التعريضُ دون التصريح لغير مطلِّقها؛ لأنها لا تحلُّ له، وأما المخلوعة والمفسوخة: فيباح

стр. 13

أن تجيب زوجَها تعريضًا وتصريحًا، وغير الزَّوج تعريضًا لا تصريحًا. فرعٌ: الخِطْبة على خِطْبة أخيه المسلِم محرَّمة؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «لا يخطُب الرجُلُ على خِطْبة أخيه حتى ينكح أو يترك»؛ رواه البخاري. ولما روى ابن عمرَ ﵄، قال: «نهى النبيُّ ﷺ أن يبيع بعضُكم على بيعِ بعض، ولا يخطُبَ الرجُلُ على خِطْبة أخيه حتى يترك الخاطبُ قبله، أو يأذَنَ له الخاطبُ»؛ متفق عليه. ولما في ذلك من إيقاع العداوة بين المسلِمين. والنهي عن الخِطْبة على الخِطْبة لا يقتضي فساد العقد؛ لأنَّ النهيَ وقع على أمرٍ خارج عن العقد؛ وهو الخِطْبة، وهي ليست شرطًا في صحة العقد. وعن الإمام أحمد: عدمُ صحة العقد مطلقًا؛ لحديث ابن عمرَ ﵄. فرعٌ: لا يخطُبُ على خِطْبة الكافر؛ لِما في ذلك من الظلم والاعتداء، وقوله ﷺ : «ولا يخطب على أخيه»: محمولٌ على الغالب، وما كان قيدًا أغلبيًّا فلا مفهومَ له؛ وهذا هو الأقرب. فرعٌ: وتجوز الخِطْبة على خِطْبة الغير في أحوال: الأُولى: إذا رُدَّ الخاطب الأول؛ لسقوط حقة بالرد؛ وهذا باتفاق الأئمة. الثانية: أن يأذن الخاطبُ الأول لغيره في الخِطْبة، فيجوز لغيره أن يخطُبَ؛ لِما تقدم في حديث ابن عمرَ ﵄: «أو يأذن له الخاطب»؛ رواه مسلِم.

стр. 14

الثالثة: أن يترك الخاطبُ الأول الخِطْبة؛ لقوله ﷺ : «حتى يترك الخاطبُ أو يأذن له»؛ رواه مسلِم، ولأنه أسقَطَ حقَّه. الرابعة: إذا استأذن الثاني الأولَ، فسكت الأولُ: جاز أن يخطُبَ الثاني؛ لأنه في معنى التركِ. قال شيخُ الإسلام في الاختيارات: (ومَن خطب تعريضًا في العِدَّة أو بعدها، فلا يُنهَى غيرُه عن الخِطْبة). مسألةٌ: يُسَن العقدُ يوم الجمعة؛ لأنَّ جماعةً من السلَفِ استحبوا ذلك؛ منهم: ضَمْرةُ بن حبيب، وراشد بن سعد، وحبيب بن عُتْبة، ولأنه يومٌ شريف ويومُ عيدٍ، وفيه خُلِقَ آدم ﵇. ويُستحبُّ وقتَ المساء؛ لأنه ساعةُ الإجابة عند بعض العلماء، ومَن حضر العقدَ دعا للمتزوِّج بالدعاء الوارد. ويُسَن أن يخطُبَ قبله بخُطْبة ابنِ مسعود ﵁؛ وهي: إن الحمدَ لله، نَحمَده ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. وفي حديثِ ابن مسعود ﵁، قال: ويَقرأ ثلاثَ آيات، ففسَّرها سفيانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *﴾ [آل عِمرَان: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا *﴾ [النِّسَاء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠]؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه.

стр. 15

مسألةٌ: الفحص الطبيُّ قبل الزواج، يجوزُ اشتراطُ الفحص الطبي قبل الزواج على الرجُلِ والمرأة من قِبَل وليِّ الأمر في بعض الأمراض المُعْدية، التي لها ضرَرٌ على الطرَف الآخر، أو الأولاد؛ لِما فيه من مصلحة للطرَفينِ، ولنسلِهما. مسألةٌ: إذا أجري عقدُ النِّكاح عن طريق آلاتِ الاتصال الحديثة -كالهاتف-: فإنَّه لا يصحُّ؛ لاشتراط الإشهاد فيه على الإيجاب والقَبول، وهذا لا يُمكِنه في هذه الأحوال؛ لأنه يُمكِنُ أن يزوَّرَ الخطُّ، وأن يقلَّدَ الصوتُ، لكنه إذا احتيج إلى العقد مع غياب الزَّوج أو الوليِّ، فإن أحدَهما يوكل شخصًا ينوب عنه في إجراء العقد. ويجوزُ -على الصحيح-: إجراءُ عقدِ النِّكاح مع تباعدِ أماكن وجود الزَّوج والوليِّ والشهود؛ وذلك عن طريق الشبكة العالمية (الإنترنت)؛ فيُمكِن لأطرافِ العقد والشهود الاشتراكُ جميعًا في مجلس واحد حكمًا، وإن كانوا متباعِدين في الحقيقة، فيسمعون الكلامَ في نفس الوقت، فيكون الإيجابُ، ويليه فورًا القَبولُ، والشهود يرَوْنَ الوليَّ والزَّوج، ويسمعون كلامهما في نفس الوقت؛ فهذا العقدُ صحيح؛ لعدمِ إمكان التزوير، أو تقليد الأصوات، حتى على القول باشتراط اتحاد مجلسِ العقد، فإنَّهم وإن كانوا في أماكنَ متباعدة، لكنهم -حُكْمًا- في مكانٍ واحد، يرى بعضُهم البعض، ويسمع بعضُهم كلامَ بعضٍ في نفس الوقت. وأخرج البَيْهَقي: كان ابنُ عمرَ ﵄ إذا دُعِيَ إلى تزويجٍ، قال: (لا تُفَضِّضُوا علينا الناسَ، الحمدُ لله، وصلَّى الله على محمد، إن فلانًا خطَبَ إليكم فلانةَ، إن أنكحتموه فالحمدُ لله، وإن رددتموه فسبحانَ الله)، وإسناده صحيح.

стр. 16

مسألةٌ: الدعاء للمتزوِّج، يُسَنُّ أن يقال للمتزوِّج: (بارك اللهُ لكما، وعليكما، وجمَعَ بينكما بخيرٍ وعافية)؛ أخرجه أبو داود، والتِّرمِذي، وابن ماجَهْ، وأحمد؛ من حديث أبي هُرَيرة مرفوعًا، وهو صحيح، وصحَّحه التِّرمِذي، وابن حِبَّان، والحاكم وأقرَّه الذهبي. ولِما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ : «كان إذا رفَّأ إنسانًا إذا تزوَّجَ، قال: بارك لك، وبارك عليك، وجمَعَ بينكما في خير»؛ رواه أحمد، وأبو داود، والتِّرمِذي وصحَّحه، وابن ماجَهْ، قوله: (إذا رفَّأ)؛ أي: أحَبَّ أن يدعوَ له بالرِّفاء. ولقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: «بارك اللهُ لك، أولِمْ ولو بشاةٍ»؛ متفق عليه. ويكونُ هذا الدعاءُ بعد العقد. فإذا زُفَّتْ إليه، قال: «اللهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها، وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذُ بك من شرِّها، وشرِّ ما جبَلتَها عليه»؛ لِما روى عبدُ الله بن عمرو ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا تزوَّجَ أحدُكم أو اشترى خادمًا، فليقُلِ: اللهمَّ إنِّي أسألك خيرَها، وخيرَ ما جبَلتَها عليه، وأعوذ بك من شرِّها، وشرِّ ما جبَلتَها عليه، وإذا اشترى بعيرًا، فليأخذ بذِروة سَنامه، وليقُلْ مثلَ ذلك»؛ رواه أبو داود، وابن ماجَهْ، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي. وروت عائشةُ ﵂، قالت: تزوَّجني النبيُّ ﷺ ، فأتتني أمِّي، فأدخلتني الدار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقلنَ: (على الخيرِ والبركة، وعلى خيرِ طائرٍ)؛ رواه البخاري.

стр. 17

فرعٌ: صلاةُ ركعتينِ عند الدخول، (تزوَّج أبو سعيدٍ ﵁، فحضَره عبدُ الله بن مسعود وأبو ذرٍّ وحذيفة ﵃، وغيرُهم من أصحاب النبي ﷺ ، ثم قالوا له: إذا دخلتَ على أهلك، فصلِّ ركعتينِ، ثم خُذْ برأس أهلك، فقُلِ: اللهمَّ بارِكْ لي في أهلي، وبارك لأهلي فيَّ، وارزُقْهم مني، وارزُقْني منهم)؛ رواه عبد الرزاق. فصل وأركانُ النِّكاح أركانُ النكاح ثلاثة: الزَّوجانِ، والإيجاب، والقَبول. والمراد بالإيجاب: اللفظُ الصادر من الوليِّ، أو مَنْ يقوم مقامه؛ كوكيله. والقَبول: هو اللفظ الصادر من الزَّوج، أو مَنْ يقوم مقامه؛ كوكيله. وينعقدُ بما دلَّ عليه بكل لغةٍ. ويصحُّ تقدُّم القَبول على الإيجاب. فرعٌ: جمهورُ العلماء على أن النِّكاحَ ينعقدُ بالكتابة، وبالإشارة المفهومة؛ كبيع وطلاق، ولو كان قادرًا على الكتابة؛ لأنَّ كلًّا من الإشارة والكتابة حُجَّةٌ؛ بدَلالة الشرع. ولا بد من التوالي بين الإيجاب والقَبول، إلا إن كان الفاصل يسيرًا عُرْفًا. مسألةٌ: ولا يثبُتُ في النِّكاح خيارُ المجلس ولا خيار الشرط؛ لأنَّ الحاجة غيرُ داعية إليه، فإنَّه لا يقع إلا بعد رويَّةٍ وفِكر، ومسألةِ كلِّ واحد من الزَّوجين عن صاحبه؛ بخلافِ البيع في الأسواق.

стр. 18

وعند شيخ الإسلام إثباتُ خيار الشرط؛ فللزوجة مثلاً أن تشترطَ الفسخ إن تبيَّنَ لها سوءُ خُلُق الزَّوج، أو نقصُ دِينه، لكن يقيَّد بالمدة اليسيرة. فصل في ذِكر شروط النِّكاح اشترط الشارع للنكاح شروطًا تَقطَعُ عنه السِّفاحَ؛ كالوليِّ، وغيره، وشرع إظهارَه وإعلانه؛ لأنَّ في الإخلال بها ذريعةً إلى الوقوع في السِّفاح بصورة النِّكاح، وزوال بعض مقاصده، وأثبت له أحكامًا زائدةً على مجرد الاستمتاع، وجعله وُصْلةً بين الناس بمنزلة الرحم؛ فقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفُرقان: ٥٤]. الشرطُ الأول: تعيينُ الزَّوجينِ؛ لأنَّ المقصود من النِّكاح التعيينُ؛ فلا يصحُّ بدونه، ولقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزَاب: ٣٧]، ولقوله ﷺ في حديث سهلِ بن سعد ﵁: «زوَّجتُكها بما معك من القرآن»؛ متفق عليه. فلا يصحُّ أن يقولَ: زوَّجتُك بنتي، ولديه غيرها، حتى يميِّزَها؛ إما بالاسم: كفاطمة، أو بالصفة التي لا يشاركُها فيها غيرها: كالصالحة، أو الإشارة: كهذه. الشرط الثاني: رِضاهما؛ فلا يصحُّ إكراهُ أحدهما بغير حق. ويستثنى من هذا: الزَّوج المجنون، والمجنونة، والمعتوه، والصغير؛ فيزوَّجُ هؤلاء مع الحاجة إلى تزويجهم دون اعتبار لإذنِهم للحاجة والمصلحة. لِما روت خنساءُ بنت خِذامٍ الأنصاريةُ ﵂: «أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّبٌ، فكَرِهتْ ذلك، فأتت الرسولَ ﷺ ، فردَّ نكاحها»؛ رواه البخاري.

стр. 19

ولحديث عبد الله بن بُرَيدة ﵁: «أن فتاةً جاءت النبيَّ ﷺ ، فذكَرت أن أباها زوَّجها من ابن أخيه؛ ليَرفَع به خسيستَهُ، فجعل الأمرَ إليها»؛ رواه أحمد، والنَّسَائي، وابن ماجَهْ، والدارَقُطْني والبَيْهَقي. مسألةٌ: تزويج الأب لابنته البِكْرِ الصغيرة لا يخلو من أمرينِ: الأول: أن يكون لها أقلُّ من تسعِ سنين، قال ابن المنذِر: (أجمع كلُّ مَنْ أحفظ عنه من أهل العلم أن نكاحَ الأبِ ابنتَه البِكْرَ الصغيرة جائزٌ، إذا زوَّجها من كفءٍ)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّلاِئي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطّلَاق: ٤]، فجعل للائي لم يَحِضْنَ عِدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العِدة إلا عن مفارَقة من نكاح، وقالت عائشةُ ﵂: «تزوَّجني النبي ﷺ وأنا ابنة ستٍّ، وبنى بي وأنا ابنة تسعٍ»؛ متفق عليه. وروى الأثرمُ: (أن قُدَامة بن مظعون تزوَّج ابنةَ الزُّبَير حين نُفِستْ، فقيل له، فقال: ابنةُ الزُّبَير إن متُّ وَرِثَتْني، وإن عِشتُ كانت امرأتي). وزوَّج عليٌّ ابنتَه أم كلثوم وهي صغيرة عمرَ بن الخطاب ﵁. وحكى ابنُ حزم عن ابن شُبْرُمةَ: أن الأب لا يزوِّجُ ابنته الصغيرة حتى تبلُغَ وتأذَنَ، وزعم أن تزوُّجَ عائشةَ وهي بنت ستِّ سنين كان مِنْ خصائصه. والذي يظهرُ: صحةُ العقد عليها، مع بقاء الخيار لها، إذا عرَفتْ مصالح النِّكاح. الثاني: أن يكون للصغيرة تسعُ سنوات فأكثر؛ فقول جمهور أهل العلم أن حُكْمَها حكمُ من لم تبلُغْ تسعَ سنين على ما تقدم؛ لأنَّها غير بالغة، ولأنَّ إذنَها لا يعتبر في سائر التصرُّفات. وعن الإمام أحمد: لا يجوز تزويجُ ابنة تسعِ سنين بغير إذنها.

стр. 20

واختار شيخ الإسلام: عدمَ إجبار بنت تسعِ سنين، بِكْرًا كانت أو ثيِّبًا؛ لاشتراط الرضا؛ وهو الأقربُ. فرعٌ: ولا يزوِّجُ باقي الأولياء -كالجَدِّ والأخ والعم- صغيرةً لم تبلغ؛ لِما ورد: أن قُدَامة بن مظعون زوَّج ابنة أخيه من عبد الله بن عمرَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: «إنَّها يتيمةٌ، ولا تُنكَح إلا بإذنها»؛ رواه الإمام أحمد، والدارَقُطْني، والبَيْهَقي، وهو حسَنٌ. ولحديث أبي هُرَيرة ﵁، مرفوعًا: «تُستأمَر اليتيمةُ، فإن سكَتتْ فهو إذنُها، وإن أبَتْ لم تُكرَهْ»؛ رواه أحمد، وإسناد حسن. وفي الصحيحينِ من حديث أبي هُرَيرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : «لا تُنكَح الأيِّمُ حتى تُستأمَر، ولا البِكْرُ حتى تُستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنُها؟ قال: أن تسكُتَ». وعن عائشةَ ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «البِكْرُ تُستأذن، قلت: إن البِكْرَ تُستأذن وتستحي؟ قال: إذنُها صُماتُها»؛ متفق عليه. مسألةٌ: ضابط البِكر والثيِّب: أولاً: اتفق الأئمةُ أن من لم تزُلْ بَكارتُها، فهي بِكر. ثانيًا: اتفق الأئمة أن من زالت بكارتُها بوطءٍ مباح، أنها ثيِّب. ثالثًا: من وُطِئتْ في نكاح فاسد، فهي في حكم الثيِّب. رابعًا: من وُطِئت في الدُّبُر، فهي في حكم البِكر. واختلف العلماءُ ﵏ فيما عدا ذلك:

стр. 21

الأُولى: من زالت بَكارتها بسبب مرض، أو وَثْبة، أو شدة حيض، أو عبَثِ المرأة، أو غير ذلك: فهل تُعد بِكرًا أو ثيِّبًا؟ على قولينِ، والأقرب: ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم؛ من أن لها حكم البِكر؛ لعدم تجرِبتها الرجالَ، ولم تخبُرِ المقصود. الثاني: مَنْ زالت بكارتها بوطءٍ محرَّم: فالأقرب: أنه إن كان الوطءُ مع رضًا، فهي في حكم الثيِّب، وإن كان مع الإكراه فهي في حكم البِكر؛ وبه قال بعض الحنابلة رحمهم الله تعالى؛ لأنَّ علةَ تفضيل البِكر على الثيِّب في القَسْم هو الحياء، فليس المناطُ بقاءَ البَكارة أو زوالَها؛ ولهذا من زالت بَكارتها بغير وطءٍ فهي في حكم البِكر، كما تقدَّم. الثالث: أن يكون الوطء بشبهة؛ مثل أن يجامع امرأةً يظنها زوجته، فتتبين غيرَ زوجته: ففي حكم البِكر؛ لأنه زِيدَ في قَسْم البِكر لعلة الحياء، وهذا موجودٌ فيمن وُطِئتْ بشبهة. الشرط الثالث: أن يَعقِد على المرأة وليُّها؛ لأن الخطاب في الكتاب والسنة بالإنكاح للأولياء الرجال، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٢]، ففي صحيح البخاري: (أنها نزلت في معقل بن يسار لما منع أخته أن تتزوج زوجها الأول لما طلقها)، قال الخطابي في معالم السنن: (هذه أدل آية في كتاب الله على أن النكاح لا يصح إلا بعقد ولي، ولو كان لها سبيل إلى أن تُنكح نفسها لم يكون للعضْل معنىً). ولحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه

стр. 22

وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر في الفتح: (صححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم). وعن أبي موسى قال، قال رسول الله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي»؛ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان، وصححه ابن المديني. (وحين تأيمت حفصة من ابن حذافة السهمي قال عمر ﵁: فلقيت أبا بكر ﵁، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة) رواه البخاري. ولما جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: (لا نكاحَ إلا بوليٍّ مرشد، وشاهدَيْ عدلٍ)؛ رواه أحمدُ في المسند والبَيْهَقي، وإسناده صحيح. فلو زوَّجتِ المرأة نفسَها بدون وليِّها، فنكاحها باطلٌ؛ ولأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى الزنى، ولأنَّ المرأة قاصرةُ النظر عن اختيار الأصلح لها. ووليُّ المرأة هو: أبوها، ثم جَدُّها لأبٍ وإن علا، ثم ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا، ثم أخوها لأبوينِ، ثم أخوها لأبٍ، ثم بنوهما، ثم عمها لأبوينِ، ثم عمها لأبٍ، ثم بنوهما، ثم أقرب عصَبتها نسَبًا؛ كالإرث، ثم المعتِقُ، ثم الحاكم. مسألة: شروط الولي: الأول: التكليف: (وهو البلوغ والعقل)؛ لأنَّ غير المكلَّف يحتاج إلى مَنْ ينظُرُ له، فلا ينظر لغيره. الثاني: الذُّكورية؛ لأنَّ المرأة لا وِلايةَ لها على نفسها؛ فغيرُها أَوْلى، ولأنه يعتبر في الولاية الكمالُ، ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لا تزوِّجُ المرأةُ المرأةَ»؛ رواه ابن ماجَهْ، والدارَقُطْني، والبَيْهَقي.

стр. 23

الثالث: الرُّشْد في العقد؛ بأن يَعرِفَ الكفءَ، ومصالحَ النِّكاح. الرابع: اتفاق الدِّين؛ فلا وِلايةَ لكافر على مسلِمة، قال ابن المنذر: (أجمع عامةُ مَنْ يُحفَظ عنه من أهل العلم على هذا)؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ١٤١]. مسألةٌ: الكافر يلي تزويجَ مَوْليَّته الكافرة؛ وهو المذهب عند الحنابلة. وقال شيخ الإسلام في الاختيارات: (قال أحمد: لا يَعقِد نصرانيٌّ ولا يهودي عقدة نكاح لمسلِم ولا مسلِمة، ولا يكونانِ وليَّيْنِ لمسلِم ولا مسلِمة، بل لا يكون الولي إلا مسلِمًا، وهذا يقتضي أن الكافرَ لا يزوِّج مسلِمة بوِلاية، ولا وَكالة، وظاهره: يقتضي أنْ لا وِلاية للكافر على ابنته الكافرة في تزويجها المسلِم). الخامس: الأمانة؛ لأنَّها ولاية نظرية، فلا يستبدُّ بها غير الأمين؛ واستُدل عليه بقوله الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦]، وبما جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ مرشد، وشاهدَيْ عدلٍ»؛ رواه أحمدُ في المسند والبَيْهَقي. فرعٌ: القاضي وليُّ مَنْ لا وليَّ لها مِنْ غير المسلِمين. فإن كانت في بلد ليس فيه قاض فرئيس الجماعة المسلمة، أو مدير المركز الإسلامي ونحو ذلك. فرع: إن استوى وليَّانِ -كالأخوينِ فأكثر-؛ صحَّ التزويجُ من كل واحد، إن أَذِنتْ لهم، فإن أذنت لأحدهم تعيَّنَ، ولم يصحَّ نكاحُ غيره، وإن لم تأذن وتشاحّوا؛ أقرع بينهم.

стр. 24

فرع: تجوز الوكالة في النكاح مطلقًا؛ لأن الأصل الجواز وعدم المانع. وروي أن النبي ﷺ وَكَّل عمرَو بن أمية الضَّمْري في تزويج أم حبيبة، رواه الحاكم وهو ضعيف، وقياساً على البيع. فرعٌ: وإن عضَلَ الأقربُ -أي: منع تزويج موليته-، أو لم يكن أهلاً، أو غاب غَيْبةً يفوت بها الخاطبُ الكفءُ: زوَّج الأبعدُ، وإن زوَّج الأبعدُ بلا عذر، صحَّ النكاح بإجازة الأقرب. الشرط الرابع: الشهادة على العقد؛ لأنَّ الغرض إعلانُ النِّكاح؛ احتياطًا للنسَب؛ ودليل ذلك: حديثُ عائشة مرفوعًا: «لا نكاحَ إلا بوليٍّ، وشاهدَيْ عدل»؛ رواه ابن حِبَّان، وقال: (لا يصح في ذكر الشاهدين غيره)، وورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ موقوفًا عند الدارَقُطْني، وإسناده صحيح، وعن ابن عباس ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة»؛ رواه الترمذي، ورواه البيهقي موقوفًا وقال: (وهذا أصح). وعن عمرَ ﵄: أنه أُتِيَ بنكاح لم يَشهَدْ عليه إلا رجُلٌ وامرأة، فقال: (هذا نكاح السرِّ، ولا أجيزه، ولو كنتُ تقدَّمتُ فيه، لرَجَمتُ)؛ أخرجه مالك في الموطأ بإسناد منقطع. قال التِّرمِذي: (والعملُ على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومَن بعدهم من التابعين، وغيرهم؛ قالوا: لا نكاحَ إلا بشهودٍ، لم يختلفوا في ذلك مَنْ مضى منهم، إلا قومٌ من المتأخرين من أهل العلم). وجمهور العلماء على أن الشهادةَ شرطٌ في صحة النِّكاح؛ للأدلة السابقة، ولأنَّ الله تعالى أمر بالإشهاد عند الرَّجْعة؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، وهي إبقاءُ نكاحٍ سابق، فبَدْؤُهُ أَوْلى، ولعِظَم شأن النِّكاح،

стр. 25

وما يترتب عليه. وقال شيخ الإسلام: يصحُّ النِّكاح بدون إشهاد؛ بشرطِ الإعلان. ويشترط في الشاهد: أن يكون بالغًا عاقلاً أمينًا قويًّا على الشهادة. مسألةٌ: والكفاءة هي الخُلُق والدِّين؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «فاظفَرْ بذات الدِّين، تَرِبتْ يداك»؛ رواه البخاري ومسلِم. ولحديث عائشة ﵂: «أن أبا حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة تبنَّى سالمًا، وأنكحه ابنةَ أخية هندَ بنت الوليد بن عتبة، وهو مولًى لامرأةٍ من الأنصار»؛ رواه البخاري. ولحديث أبي حاتم المُزَني، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه»؛ أخرجه الترمذي وقال: (حديث حسن غريب). فلا يصحُّ تزويج من لا يصلِّي، أو من يقارف الفواحش، ولا يجوز أن يزوج من تتضرر المرأةُ بالزواج منه؛ كمَن يتعاطى المخدِّرات والمُسكِرات.

стр. 26

باب المحرَّمات في النِّكاح ويعبِّرُ بعض العلماء ب: موانع النِّكاح. الأصل في النساء: الحِلُّ؛ لقوله تعالى بعد أن ذكر المحرمات من النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، وهنَّ ضربانِ: الضرب الأول: اللاتي يحرمن تحريمًا مؤبدًا؛ وهنَّ خمسة أنواع: النوع الأول: من يحرمن بالنَّسَب؛ وهنَّ سَبْعٌ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ … *﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. - الأمُّ، والجَدَّة لأبٍ، أو لأم، وإن علَوْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. - البنتُ، وبنتُ الابنِ، وبنتُ البِنْتِ، وبنتُ بنتِ الابنِ، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. - الأخت؛ شقيقةً كانت، أو لأبٍ، أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. - بنتُ الأخت، وبنتُ ابنها، وبنتُ بنتِها، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. - بنت الأخ، وبنتُ بنتِ الأخ، وبنتُ ابنه، وإن نزَلْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣].

стр. 27

- العمةُ والخالة مطلقًا، وإن علَوْنَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. النوع الثاني: اللاتي يحرمن بالرَّضاع، وبيانهنَّ كما يلي: يحرُمُ بالرَّضاع ما يحرم بالنَّسَب من الأقسام السابقة؛ فكلُّ امرأة حرُمتْ بالنسب من الأقسام السابقة؛ حرُمَ مثلُها بالرَّضاع؛ كالأمهات والأخوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، ولحديث عائشة ﵂: قال النبي ﷺ : «يحرُمُ مِنْ الرَّضاع ما يحرم مِنْ النَّسَب»؛ متفق عليه. النوع الثالث: الملاعَنةُ على الملاعِن؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها»؛ رواه البخاري. النوع الرابع: المحرَّمات بالمصاهَرة؛ وهنَّ أربعٌ: ١ - تحرُمُ بالعقد زوجةُ أبيه، وزوجة جَدِّهِ، وإن علا، من جهة الأبِ أو الأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]. ٢ - تحرم زوجةُ ابنه، وابن ابنه، وابن بنته، وإن نزل، بمجرد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. ٣ - تحرم عليه أمُّ زوجته، وجَدَّاتها، وإن علَوْنَ، بمجرد العقدِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. ٤ - ابنة الزَّوجة تحرُمُ بالدخول بأمها -أي: جِماعها-، وابنة ابنها، وابنة بنتها، سواء كان من زوج سابق أو لاحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي

стр. 28

فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الَّلاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. النوع الخامس: المحرَّمات بالاحترام؛ وهنَّ زوجات النبي ﷺ . قال ابن القيم في زاد المعاد: (وهل يحرم نظير المصاهرة بالرضاع، فيحرم عليه أم امرأته من الرضاع، وبنتها من الرضاعة، وامرأة ابنة من الرضاعة، أو يحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة، أو بين المرأة وعمتها، وبينهما وبين خالتها من الرضاعة؟ فحرمه الأئمة الأربعة وأتباعهم، وتوقف فيه شيخنا وقال، إن كان قد قال أحد بعدم التحريم، فهو أقوى). فرع: ربيبة والده وولده، وأم زوجة والده وولده، حلال؛ لأن الأصل الحل. الضرب الثاني: ما كان تحريمُهُ منهنَّ مؤقتًا، وهن نوعان: النوع الأول: ما يحرُمُ من أجل الجمع: ١ - يحرُمُ الجمع بين الأختينِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. ٢ - يحرم الجمع بين المرأة وعمَّتها، وبين المرأة وخالتها؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «لا يُجمَعُ بين المرأة وعمَّتِها، ولا بين المرأة وخالتِها»؛ متفق عليه، وقد بيَّن ﷺ الحكمةَ في ذلك حين قال: «إنَّكم إذا فعَلتُم ذلك، قطَعتُم أرحامَكم»؛ وذلك لِما يكون بين الضرائرِ من الغَيرة، فإذا كانت إحداهما مِنْ أقارب الأخرى حصَلتِ القطيعةُ بينهما، فإذا طُلِّقتِ المرأةُ وانتهت عِدَّتُها؛ حلَّتْ أختُها، وعمَّتُها، وخالتها، وابنة أختها، وابنة أخيها؛ لانتفاء المحذور.

стр. 29

٣ - ولا يجوز أن يُجمَعَ بين أكثرَ من أربعِ نسوة؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النِّسَاء: ٣]، وقد أمر النبي ﷺ مَنْ تحته أكثرُ من أربعٍ لمَّا أسلم أن يفارق ما زاد عن أربعٍ؛ رواه أبو داود، وابن ماجَهْ، والبَيْهَقي، ولأنه ﷺ قال لقيس بن الحارث: «اختَرْ منهنَّ أربعًا»؛ رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجَهْ. وقال شيخُ الإسلام: (ولا يُشترط في جواز وطئِهنَّ انقضاءُ العِدَّة، لا في جمعِ العَدَد، ولا في جمعِ الرَّحِم؛ لأنه لم يَجمَعْ عَددًا ولا وَطْئًا). مسألةٌ: من أسلم وتحته أكثر من أربع، أو أختان ونحو ذلك، فإنه يختار إن كان مكلَّفًا، وإن كان غيرَ مكلف اختار له وليُّه؛ لأنَّ الفسخ واجب، فيقوم الوليُّ مقامه في التعيين، كما يقوم مقامه في تعيينِ الواجب عليه؛ من المال، والزكاة، وغيرها. وإن أبى الاختيار، أُجبِرَ بحبسٍ، ثم تعزير؛ لأنَّ الاختيار حقٌّ عليه، فأُلزِمَ بالخروج منه إن امتنَع، كما يقوم في تعيين الواجب؛ لما ورد أن فَيْروز الدَّيْلمي ﵁: «أسلَمَ وتحته أختانِ، فخيَّره النبيُّ ﷺ ، فاختار إحداهما» رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: (حديث حسن). النوع الثاني: ما كان تحريمُهُ لعارض يزول؛ وله صُوَر: ١ - يحرُمُ تزوُّجُ المعتدة من غير مَنْ فارَقَها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، والحكمة في ذلك: أنه لا يؤمَنُ أن تكون حاملاً، فيفضي ذلك إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب. ٢ - يحرم تزوج الزانية -إذا عَلِمَ زناها- حتى تتوبَ وينقضي استبراؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٣].

стр. 30

٣ - يحرم على الرجُلِ أن يتزوج مَنْ طلقها ثلاثًا حتى يطأها زوجٌ غيرُه، بنكاح صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]؛ يعني: الثالثة، ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]. ٤ - يحرم تزوُّج المُحْرِمة حتى تَحِلَّ من إحرامها. وكذا لا يجوز للمحرِمِ أن يعقد النِّكاحَ على امرأة وهو محرِم؛ لقوله ﷺ : في حديث عثمان ﵁: «لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنكَح، ولا يخطُبُ»؛ رواه مسلم. وكذا الوليُّ إذا كان محرِمًا لا يزوِّجُ حتى يَحِلَّ. ٥ - لا يحل أن يتزوج كافرٌ امرأةً مسلِمة حتى يُسلِمَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]. ٦ - الكافرة لا يجوز الزواجُ منها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]. ويستثنى الكتابيَّةُ النصرانية أو اليهودية؛ بشروط: أ-أن تكون حُرَّة. ب-وأن تكون عفيفة. ج-وأن تكون باقية على دينها.

стр. 31

لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المَائدة: ٥]. مسألةٌ: لا يصحُّ تزويجُ مَنْ نكاحُها فاسد قبل طلاق أو فسخٍ ممن تزوجها أو القاضي؛ لأنَّ تزويجَها من غيرِ فُرْقة يفضي إلى تسليط زوجينِ عليها، كلٌّ منهما يعتقد صحةَ نكاحه، فإن أبى الزوج الطلاق أو الفسخ؛ فسخه حاكمٌ؛ لقيامِهِ مقام الممتنِع فيما وجب عليه.

стр. 32

باب الشروط في النِّكاح المراد بالشروط في النِّكاح: ما يَشرِطُهُ أحدُ الزَّوجين بسبب العقد مما له فيه منفعةٌ ومصلحة، والأصل فيها الحل؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١]، والأمرُ بالإيفاء بالعقود يتضمَّنُ الإيفاءَ بأصله ووصفِه، ومِن وصفِهِ: الشرطُ فيه، ولحديث أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «المسلِمون على شروطهم»؛ رواه البخاري معلقًا، ولحديثُ عقبة بن عامر ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إن أحقَّ الشروطِ أن تُوفُوا به ما استحلَلتُم به الفُروجَ»؛ متفق عليه. والشروط تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الشروط الصحيحة؛ وهي: ما لا يخالفُ الشرع؛ مثل: أن تشترطَ على الزَّوج ألا يخرجَها من دارها، أو لا يمنعها من العمل، أو أن يحج بها، ونحو ذلك. القسم الثاني: الشروط الباطلة غير المبطِلة؛ وهو ما نهى عنه الشرعُ، ولم يعُدِ النهيُ إلى ذات المنهيِّ عنه، أو شَرْطِه المختص به؛ مثل: إذا شرَطتْ طلاق ضَرَّتها، لا يصحُّ هذا الشرطُ ولا يجوز؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أختها لتَكفأَ صَحْفتَها، ولتَنكِحْ؛ فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها»؛ رواه البخاري، ولِما فيه من الظلم على الزَّوجة الأولى، إلا إذا كان اشتراطُ طلاق الضَّرة بسببٍ شرعي؛ كنحوِ رِيبة ظهرت منها، ونحو ذلك من المقاصد.

стр. 33

فرع: يقاس على ذلك كلُّ شرط اقتضى ظلمًا، مثل: أن يَقسِمَ لها أكثرَ من ضَرَّتها، ونحو ذلك. القسم الثالث: الشروط الباطلة في نفسِها، المبطِلة للعقد؛ وهي: ما عاد النهيُ فيها إلى أصل العقد، أو شرْطِهُ المختص به، قال ابن القيِّمِ رحمه الله تعالى: (الضابط الشرعيُّ الذي دلَّ عليه النهي: أن كل شرطٍ خالَفَ حُكْمَ الله وكتابَه، فهو باطلٌ، وما لم يخالف حُكْمَه، فهو لازم). وهو أنواع: النوع الأول: نكاح الشِّغار: الشغار بالكسر: الخلو من العوض، ومنه قولهم: شغر المكان إذا خلا، وقيل: هو البعد، كأنه بعد عن طريق الحق، وقيل: مأخوذ من شَغَرَ الكلبُ رِجلَه إذا رفعها ليبول، سمي شغارًا لقبحه، تشبيهًا له بقبح الكلب حين يرفع رجله ليبول. والشِّغار أن يزوِّجه مَوْليَّته -كأخته وبنته -على أن يزوِّجه الآخَر موليته-أي بشرطِ أن يزوِّجه موليته-؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن النبيَّ ﷺ نهى عن الشِّغار»؛ رواه البخاري ومسلِم. وقال شيخ الإسلام: (وفصلُ الخطاب: أن الله حرَّم نكاح الشِّغار؛ لأنَّ الوليَّ يجب عليه أن يزوِّج مَوْليَّته إذا خطبها كفءٌ، ونظَرُهُ لها نظَرُ مصلحةٍ، لا نظَرُ شهوة، والصداق حقٌّ لها لا له، وليس للوليِّ ولا للأب أن يزوِّجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوِّجَها لغرضه لا لمصلحتها، وبمثل هذا تسقُطُ وِلايته، ومتى كان غرضُهُ أن يعاوِضَ فَرْجَها بفَرْجِ الأخرى، لم ينظُرْ في مصلحتها، وصار كمن زوَّجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز، وعلى

стр. 34

هذا لو سُمِّيَ صداقًا حيلةً، والمقصود المشاغَرة: لم يجُزْ؛ كما نص عليه أحمد؛ لأنَّ مقصودَهُ أن يزوِّجها بتزوُّجه الأخرى، والشرع بيَّن أنه لا يقع هذا إلا لغرضِ الوليِّ، لا لمصلحة المرأة، سواءٌ سُمِّيَ مع ذلك صداقًا أو لم يُسَمَّ؛ كما قاله معاوية وغيره، وأحمد جوَّزه مع الصداق المقصود دون الحيلة؛ مراعاةً لمصلحة المرأة في الصداق). النوع الثاني: نكاح المحلِّل: وهو أن يتزوَّجها بشرطِ أنه متى حلَّلها للأول؛ طلَّقها، أو نوى الزَّوجُ الثاني التحليلَ بلا شرط يُذكَر في العقد، أو اتفقا عليه قبل العقد؛ ففي جميع هذه الأحوال: يبطُلُ النِّكاح؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أُخبِرُكم بالتيسِ المستعار؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: هو المحلِّل؛ لعَنَ اللهُ المحلِّلَ، والمحلَّلَ له»؛ رواه ابن ماجَهْ، والحاكم، وغيرهما. ولنكاح التحليل صُوَرٌ: الأولى: أن يشترِطَ عليه في العقد أن يطلِّقها بعد الدخول بها، فعند جمهور أهل العلم أنه محرَّم، وباطل. الثانية: أن ينويَ ذلك بقلبه؛ فالمذهبُ ومذهب المالكية: بطلانُ هذا العقد، ولا تَحِلُّ لزوجها الأول؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إنما الأعمال بالنيات»؛ متفق عليه، ولأنه قَصَد التحليل؛ فلم يصحَّ. وقال شيخ الإسلام: (لا يصحُّ نكاحُ المحلِّل، ونيةُ ذلك كشرطِه). الثالثة: أن يحصُلَ تواطؤٌ بين الزَّوج والزَّوجة أو وليِّها قبل العقد، ولا يذكُرَ لفظًا في صُلْبِ العقد، لكنه منويٌّ ومعلوم؛ فحكمُ هذه الصورة حكمُ الصورة السابقة.

стр. 35

الرابعة: أن لا تشرطَ عليه الطلاقَ بعد الوطء، لكنه يغيِّر رأيه في نفسه ويَرجِع، ويَعقِدُ عليها وفي نيته أنه نكاحُ رغبةٍ، فلا ينوي تحليلَها ولا تطليقها: فالمذهب -هو مذهبُ الأئمة الثلاثة-: أن العقدَ صحيح؛ لانتفاءِ المحذور، وحصول المقصود من الإمساك على الدوام. الخامسة: أن تكون نيةُ التحليل من الزَّوجة، أو من الزَّوج الأول، أو الوليِّ: فقول الأئمة -: أن العقد صحيحٌ؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطِه؛ لأنَّ كلًّا من الزَّوجة والزَّوج الأول لا يَملِكانِ رفعَ العقد؛ فوجودُ نيتهما كعدَمِه. النوع الثالث: تعليق النِّكاح: لو عُلِّقَ النِّكاح، فجمهورُ العلماء على أنه لا يصحُّ؛ لأنَّه عقدُ معاوضة؛ كما لو قال: زوَّجتُك إذا دخل شهرُ رمضان. وقيل: يصح، واختاره شيخ الإسلام، وهو الصواب؛ لورود تعليق الإمارة عن النبي ﷺ ، ولأن الأصل في الشروط في النكاح الحل. النوع الرابع: نكاح المتعة؛ وهو محرم، وله صُوَر: الأُولى: أن يتزوَّجَها لمدة معينة؛ كأسبوع مثلاً. الثانية: أن يشترط طلاقَها بمُضيِّ مدة معينة، لحديث سَبْرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة»؛ رواه مسلم. الثالثة: النِّكاح بنيَّة الطلاق: وهو محرَّم؛ لحديث عمرَ ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إنما الأعمالُ بالنيَّات»؛ متفق عليه.

стр. 36

والقصدُ معتبَرٌ في العقود؛ قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في بهجة قلوب الأبرار: (ومِثلُ ذلك من تزوَّج بنيته الطلاق، ظاهر زواجه أنه يريد الدوامَ والاستمرار، وباطنه يريد التمتُّع بها إلى أجلٍ يَمكُرُ بها بعد انتهاء غرضه عبَثًا وخداعًا، فهو توصَّل بهذه النية إلى ما حرَّم الله، وهو العبث والخديعة، وظلمُ المرأة وأوليائها)، ولأنَّ الضررَ الحاصل للزوجة بهذا النِّكاح كالضرَرِ الحاصل بنكاح المتعة، ولأنَّ الشريعة جاءت بتحريم ما كانت مَفسدتُهُ أعظمَ من مصلحته. فصلٌ في العيوب في النِّكاح العيب في اللغة: النقص. وفي الاصطلاح: كلُّ عيبٍ ينفِّرُ أحدَ الزَّوجينِ من الآخَر خِلْقةً عُرْفًا؛ كالعَمَى، والعَوَر، وقطع أحد الأطراف، ونحو ذلك. التفريق بالعيب يثبُتُ لكل من الزَّوجين؛ لما روى أبو هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «لا عدوَى ولا طِيَرةَ، ولا هامةَ ولا صفَرَ، وفِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»؛ رواه البخاري. وفرارُ أحد الزَّوجينِ من صاحبه بإثبات حقِّ الفَسْخِ، ويقاس على الجُذَام غيرُه من العيوب ممَّا ينفِّر. ولما ورد: أن عمرَ ﵁ قال: (أيُّما رجلٍ تزوَّج المرأة وبها جنون أو جُذَام أو برَصٌ؛ فلها صداقُها كاملاً؛ وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليها)؛ رواه مالك في الموطأ، والدارَقُطْني، ورجاله ثقات، وهو مِنْ رواية سعيدٍ عن عمرَ.

стр. 37

ولقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «أربعٌ لا يجُزْنَ في بيعٍ ولا نكاح: المجنونة، والمجذومة، والبَرْصاء، والعَفْلاء»؛ رواه البَيْهَقي، وقال البيهقي في الخلافيات: (وهو صحيح عن ابن عباس، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك). ولما ورد عن علي ﵁؛ أنه قال: «أيُّما رجلٍ تزوج امرأة مجنونة، أو جَذْماء، أو بها برَصٌ، أو قَرَنٌ: فهي امرأته؛ إن شاء أمسك، وإن شاء طلَّق»؛ رواه البَيْهَقي، والدارَقُطْني، وإسناده صحيح. قال ابن القيِّمِ: (والقياس: أن كل عيبٍ يَنفِرُ الزَّوجُ الآخر منه، ولا يحصل به مقصودُ النِّكاح؛ من الرحمة والمودة: يوجب الخيارَ، وهو أَوْلى من البيع، كما أن الشروطَ المشترَطة في النِّكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم اللهُ ورسوله مغرورًا قط ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبِنَ به، ومَن تدبَّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده، وعدله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح: لم يخفَ عليه رجحانُ هذا القول، وقُرْبُهُ مِنْ قواعد الشريعة). فرع: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في عيوب الزَّوجين، هل هي محدودة أو معدودة؟ ذهب جمهور أهل العلم: أنها معدودة، فيعدِّدونها، وعلَّل الجمهور بعِلَل ترجع إلى أن هذا المرضَ مانعٌ من الجماع، وكمال الاستمتاع، أو لأنه مُعْدٍ، أو لأنه منفِّرٌ لا يستطاع الصبرُ عليه، أو أن الأثر ورد بهذه العيوب فقط. وعن محمد بن الحسن، والزُّهْري، وشُرَيح، وأبي ثَوْرٍ، وبه قال شيخُ الإسلام، وابن القيِّمِ: أنها محدودة ومضبوطة بضابط.

стр. 38

فعند محمد بن الحسن: أنه كل عيبٍ لا يمكن للزوجة المُقامُ مع الزَّوج إلا بضرر. وعند شيخ الإسلام: تُرَدُّ المرأة بكل عيبٍ ينفِّرُ عن كمال الاستمتاع. والأقرب: أنه كل عيب ينفِّرُ أحد الزَّوجينِ عن الآخَر خِلْقةً عُرْفًا، وذلك مثل: أن يجد أحدُ الزَّوجين الآخرَ مقطوع اليد، أو الرِّجْل، أو مجنونًا، أو عقيمًا، أو أعمى، أو أعرج، ونحو ذلك من العيوب التي تنفِّر أحدَ الزَّوجين عن الآخَر خِلْقة عرفًا. فرع: ومن رضي بالعيب من الزوجين قولاً أو فعلاً فلا فسخ له.

стр. 39

باب نكاح الكفَّار من أهل الكتاب وغيرهم ضابط: (حكمُ نكاح الكفار كنكاح المسلِمين في الصحة)؛ يقعُ فيه الطلاق، والظِّهار، والإيلاء، ووجوب المَهْرِ، والنفقة، والإحصان، وغير ذلك، ويُقَرُّون على فاسد النِّكاح إذا اعتقدوا صحتَهُ في شرعهم، بخلاف ما لا يعتقدون حِلَّهُ؛ فلا يُقَرُّون عليه؛ لأنه ليس من دِينهم، ولا هو من دِين الإسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التّحْريم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *﴾ [المَسَد: ٤]، فأضاف الله تعالى الزوجية لكل من فرعون وأبي لهب، مما يدل على صحة النكاح، ولأنَّه أسلم كثير من الصحابة، ولم يفتش ﵊ في أنكحتهم. فإن أتونا قبل عقدِهِ، عقدناه على حكمِنا؛ بإيجاب وقَبول، ووليٍّ، وشاهدَيْ عدلٍ منا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المَائدة: ٤٢]. وإن أتونا بعد العقد، أو أسلم الزَّوجان على نكاح: لم نتعرَّضْ لكيفية صدوره؛ من وجود صيغته، أو وليٍّ، أو غير ذلك؛ لأنه أسلم خَلْقٌ كثير في عهد النبي ﷺ مع نسائهم، فأقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم، ولم يسأل عن شروط النِّكاح وكيفيته؛ فإن كان العقد وقع بلا صيغة، أو وليٍّ، أو شهود: أُقِرَّ على نكاحها؛ لأنَّ ابتداء النِّكاح حينئذ لا مانع فيه؛ فلا مانعَ من استدامته؛ فالاستدامة أقوى من الابتداء.

стр. 40

لكن يُشترط أن تكون المرأة تباح وقتَ الإسلام؛ فإن عقد على امرأة في عدتها، ثم أسلم قبل فراغ العدة، أو عقد على أختِ زوجةٍ مع وجودها في عصمته؛ لم يُقَرَّ. ومثله لو كانت الزَّوجة ممن لا يجوز ابتداءُ نكاحها حال الإسلام؛ كذات مَحرَم من نسَبٍ أو رَضاع أو مصاهَرة؛ لم يقر، فإن عمرَ ﵁ كتب: «أنْ فرِّقوا بين كل ذي رحِمٍ من المجوس»؛ رواه البخاري. فرع: إن وَطِئَ كافر كافرة، فأسلما، أو قدما إلينا وقد اعتقداه نكاحًا؛ أُقِرَّا عليه كنكاح بلا وليٍّ؛ لأنَّا لا نعترض على كيفية النِّكاح بينهم، وإن لم يعتقداه نكاحًا، فُرِّقَ بينهما؛ لأنه سِفاح، ولأنه ليس من أنكحتهم. أما المَهْرُ إذا أسلم فله أحوال: الأولى: أن يسمى المهر تسمية صحيحة؛ فليس لها غيره. الثانية: أن يسمى المهر تسمية فاسدة، وقد قبضَتْه؛ فليس لها غيره. الثالثة: أن يسمى المهر تسمية فاسدة - كخمرٍ - ولم تقبضه؛ فلها بدله. مسألة: أثر الإسلام في عقد النِّكاح؛ له أحوال: الأولى: إن أسلم الزَّوجان معًا، بأن تلفَّظا بالإسلام دفعة واحدة: فعلى نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلافُ دِين. الثانية: إذا أسلم زوج كتابية - كتابيًّا أو غير كتابي - بقي نكاحُهما؛ لأنَّ للمسلِم ابتداءَ نكاح الكتابية؛ فمِلك استدامته بطريق الأَوْلى؛ إذ الاستدامة أقوى من الابتداء. الثالثة: إذا أسلمت الزَّوجة الكتابية تحت كافر كتابي أو غيره.
следующие страницы →