← Фикх общий

Фикх общий · id 1576

المختصر في الأنكحة والأطعمة والأيمان والنذور

خالد المشيقح

Полный текст (194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والقصدُ معتبَرٌ في العقود؛ قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في بهجة قلوب الأبرار: (ومِثلُ ذلك من تزوَّج بنيته الطلاق، ظاهر زواجه أنه يريد الدوامَ والاستمرار، وباطنه يريد التمتُّع بها إلى أجلٍ يَمكُرُ بها بعد انتهاء غرضه عبَثًا وخداعًا، فهو توصَّل بهذه النية إلى ما حرَّم الله، وهو العبث والخديعة، وظلمُ المرأة وأوليائها)، ولأنَّ الضررَ الحاصل للزوجة بهذا النِّكاح كالضرَرِ الحاصل بنكاح المتعة، ولأنَّ الشريعة جاءت بتحريم ما كانت مَفسدتُهُ أعظمَ من مصلحته. فصلٌ في العيوب في النِّكاح العيب في اللغة: النقص. وفي الاصطلاح: كلُّ عيبٍ ينفِّرُ أحدَ الزَّوجينِ من الآخَر خِلْقةً عُرْفًا؛ كالعَمَى، والعَوَر، وقطع أحد الأطراف، ونحو ذلك. التفريق بالعيب يثبُتُ لكل من الزَّوجين؛ لما روى أبو هُرَيرة ﵁ مرفوعًا: «لا عدوَى ولا طِيَرةَ، ولا هامةَ ولا صفَرَ، وفِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»؛ رواه البخاري. وفرارُ أحد الزَّوجينِ من صاحبه بإثبات حقِّ الفَسْخِ، ويقاس على الجُذَام غيرُه من العيوب ممَّا ينفِّر. ولما ورد: أن عمرَ ﵁ قال: (أيُّما رجلٍ تزوَّج المرأة وبها جنون أو جُذَام أو برَصٌ؛ فلها صداقُها كاملاً؛ وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليها)؛ رواه مالك في الموطأ، والدارَقُطْني، ورجاله ثقات، وهو مِنْ رواية سعيدٍ عن عمرَ.

стр. 37

ولقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «أربعٌ لا يجُزْنَ في بيعٍ ولا نكاح: المجنونة، والمجذومة، والبَرْصاء، والعَفْلاء»؛ رواه البَيْهَقي، وقال البيهقي في الخلافيات: (وهو صحيح عن ابن عباس، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلاف ذلك). ولما ورد عن علي ﵁؛ أنه قال: «أيُّما رجلٍ تزوج امرأة مجنونة، أو جَذْماء، أو بها برَصٌ، أو قَرَنٌ: فهي امرأته؛ إن شاء أمسك، وإن شاء طلَّق»؛ رواه البَيْهَقي، والدارَقُطْني، وإسناده صحيح. قال ابن القيِّمِ: (والقياس: أن كل عيبٍ يَنفِرُ الزَّوجُ الآخر منه، ولا يحصل به مقصودُ النِّكاح؛ من الرحمة والمودة: يوجب الخيارَ، وهو أَوْلى من البيع، كما أن الشروطَ المشترَطة في النِّكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم اللهُ ورسوله مغرورًا قط ولا مغبونًا بما غُرَّ به وغُبِنَ به، ومَن تدبَّر مقاصد الشرع في مصادره وموارده، وعدله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح: لم يخفَ عليه رجحانُ هذا القول، وقُرْبُهُ مِنْ قواعد الشريعة). فرع: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في عيوب الزَّوجين، هل هي محدودة أو معدودة؟ ذهب جمهور أهل العلم: أنها معدودة، فيعدِّدونها، وعلَّل الجمهور بعِلَل ترجع إلى أن هذا المرضَ مانعٌ من الجماع، وكمال الاستمتاع، أو لأنه مُعْدٍ، أو لأنه منفِّرٌ لا يستطاع الصبرُ عليه، أو أن الأثر ورد بهذه العيوب فقط. وعن محمد بن الحسن، والزُّهْري، وشُرَيح، وأبي ثَوْرٍ، وبه قال شيخُ الإسلام، وابن القيِّمِ: أنها محدودة ومضبوطة بضابط.

стр. 38

فعند محمد بن الحسن: أنه كل عيبٍ لا يمكن للزوجة المُقامُ مع الزَّوج إلا بضرر. وعند شيخ الإسلام: تُرَدُّ المرأة بكل عيبٍ ينفِّرُ عن كمال الاستمتاع. والأقرب: أنه كل عيب ينفِّرُ أحد الزَّوجينِ عن الآخَر خِلْقةً عُرْفًا، وذلك مثل: أن يجد أحدُ الزَّوجين الآخرَ مقطوع اليد، أو الرِّجْل، أو مجنونًا، أو عقيمًا، أو أعمى، أو أعرج، ونحو ذلك من العيوب التي تنفِّر أحدَ الزَّوجين عن الآخَر خِلْقة عرفًا. فرع: ومن رضي بالعيب من الزوجين قولاً أو فعلاً فلا فسخ له.

стр. 39

باب نكاح الكفَّار من أهل الكتاب وغيرهم ضابط: (حكمُ نكاح الكفار كنكاح المسلِمين في الصحة)؛ يقعُ فيه الطلاق، والظِّهار، والإيلاء، ووجوب المَهْرِ، والنفقة، والإحصان، وغير ذلك، ويُقَرُّون على فاسد النِّكاح إذا اعتقدوا صحتَهُ في شرعهم، بخلاف ما لا يعتقدون حِلَّهُ؛ فلا يُقَرُّون عليه؛ لأنه ليس من دِينهم، ولا هو من دِين الإسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التّحْريم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *﴾ [المَسَد: ٤]، فأضاف الله تعالى الزوجية لكل من فرعون وأبي لهب، مما يدل على صحة النكاح، ولأنَّه أسلم كثير من الصحابة، ولم يفتش ﵊ في أنكحتهم. فإن أتونا قبل عقدِهِ، عقدناه على حكمِنا؛ بإيجاب وقَبول، ووليٍّ، وشاهدَيْ عدلٍ منا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المَائدة: ٤٢]. وإن أتونا بعد العقد، أو أسلم الزَّوجان على نكاح: لم نتعرَّضْ لكيفية صدوره؛ من وجود صيغته، أو وليٍّ، أو غير ذلك؛ لأنه أسلم خَلْقٌ كثير في عهد النبي ﷺ مع نسائهم، فأقرهم النبي ﷺ على أنكحتهم، ولم يسأل عن شروط النِّكاح وكيفيته؛ فإن كان العقد وقع بلا صيغة، أو وليٍّ، أو شهود: أُقِرَّ على نكاحها؛ لأنَّ ابتداء النِّكاح حينئذ لا مانع فيه؛ فلا مانعَ من استدامته؛ فالاستدامة أقوى من الابتداء.

стр. 40

لكن يُشترط أن تكون المرأة تباح وقتَ الإسلام؛ فإن عقد على امرأة في عدتها، ثم أسلم قبل فراغ العدة، أو عقد على أختِ زوجةٍ مع وجودها في عصمته؛ لم يُقَرَّ. ومثله لو كانت الزَّوجة ممن لا يجوز ابتداءُ نكاحها حال الإسلام؛ كذات مَحرَم من نسَبٍ أو رَضاع أو مصاهَرة؛ لم يقر، فإن عمرَ ﵁ كتب: «أنْ فرِّقوا بين كل ذي رحِمٍ من المجوس»؛ رواه البخاري. فرع: إن وَطِئَ كافر كافرة، فأسلما، أو قدما إلينا وقد اعتقداه نكاحًا؛ أُقِرَّا عليه كنكاح بلا وليٍّ؛ لأنَّا لا نعترض على كيفية النِّكاح بينهم، وإن لم يعتقداه نكاحًا، فُرِّقَ بينهما؛ لأنه سِفاح، ولأنه ليس من أنكحتهم. أما المَهْرُ إذا أسلم فله أحوال: الأولى: أن يسمى المهر تسمية صحيحة؛ فليس لها غيره. الثانية: أن يسمى المهر تسمية فاسدة، وقد قبضَتْه؛ فليس لها غيره. الثالثة: أن يسمى المهر تسمية فاسدة - كخمرٍ - ولم تقبضه؛ فلها بدله. مسألة: أثر الإسلام في عقد النِّكاح؛ له أحوال: الأولى: إن أسلم الزَّوجان معًا، بأن تلفَّظا بالإسلام دفعة واحدة: فعلى نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلافُ دِين. الثانية: إذا أسلم زوج كتابية - كتابيًّا أو غير كتابي - بقي نكاحُهما؛ لأنَّ للمسلِم ابتداءَ نكاح الكتابية؛ فمِلك استدامته بطريق الأَوْلى؛ إذ الاستدامة أقوى من الابتداء. الثالثة: إذا أسلمت الزَّوجة الكتابية تحت كافر كتابي أو غيره.

стр. 41

الرابعة: إذا أسلم أحد الزَّوجين غير الكتابيين - كالمجوسيَّين يُسلِم أحدهما -: ففي الحالتين الأخيرتين، متى أسلم الزَّوج الآخر بعد العِدَّة، أو في أثناء العِدَّة: فهما على نكاحهما، سواء قبل الدخول أو بعده، لكن إذا لم يُسلِم حتى انتهت العِدَّة، فالمرأة بالخيار، إن شاءت تزوَّجتْ، وإن شاءت انتظرت زوجها حتى يُسلِم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ردَّ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع، ولم يجدد عقدًا، وبين إسلامهما ما يقرب من ثمان عَشْرة سنة، ولأنَّ من الصحابة ﵃ من يُسلِم أحدهما قبل الآخر، فهما على نكاحهما، وما لم يسلم الزَّوج فهي أجنبية عنه. مسألةٌ: إذا ارتد أحد الزَّوجين، فهما على نكاحهما حتى يُسلِم المرتد، فإن رجعَ فهما على نكاحهما، وإن لم يرجع فالزَّوجة بعد العِدَّة بالخيار؛ إن شاءت انتظرت زوجها حتى يسلم، وإن شاءت تزوَّجتْ، لكن إذا ارتد الزَّوج؛ تحرُمُ عليه، وتكون أجنبية عنه حتى يرجع إلى الإسلام. قال شيخ الإسلام: (إذا أسلمتِ الزَّوجة والزَّوجُ كافر، ثم أسلم قبل الدخول أو بعد الدخول: فالنِّكاح باقٍ، ما لم تنكح غيره، والأمر إليها، ولا حُكْمَ له عليها، ولا حقَّ لها عليه، فمتى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده، فهي امرأته إن اختار، وكذا إن ارتد الزَّوجان أو أحدهما ثم أسلما أو أحدهما".

стр. 42

باب الصَّداق صداق المرأة: مهَرُها، وأصدَقَها: أي سمَّى لها صداقًا، وسمِّي بذلك؛ لإشعاره بصِدق رغبته في النِّكاح، وله ثمانية أسماء. صداقٌ ومَهْرٌ نِحْلةٌ وفريضةٌ حِباءٌ وأجرٌ ثم عُقْرٌ علائقُ والصَّداق اصطلاحًا: ما يعطيه الزَّوج لزوجته مقابل العقد عليها. والأصل فيه: القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النِّسَاء: ٤]، والسنَّة؛ كما سيأتي، والإجماع على مشروعيته. مسألة: يسن تخفيفُهُ؛ لحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «أعظمُ النساءِ بركةً أيسَرُهنَّ مُؤْنة»؛ أخرجه أحمد، وابن أبي شَيْبة، والنَّسَائي في الكبرى، وفيه ضعف. ولحديث سهل ﵁، وفيه قوله ﷺ : «التمِسْ ولو خاتَمًا من حديد»؛ رواه البخاري ومسلِم. مسألةٌ: حكم الصداق: المهرُ واجب في النِّكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، فقيَّد الإحلالَ به، لكن إذا شرَطَ نفيَهُ، كما لو قال: أتزوج بلا صداق فشرطُهُ فاسد مُفسِدٌ للعقد. وتسنُّ تسميته في العقد؛ لقطع النزاع، وذِكرُ المَهْر في العقد ليس شرطًا لصحة النِّكاح، فيجوز إخلاء عقد النِّكاح عن تسميتِهِ باتفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦].

стр. 43

ولحديث سهل ﵁ في قصة الواهبة، وفيه قوله ﷺ : «التمِسْ ولو خاتَمًا من حديد»؛ متفق عليه. وورَدَ عن ابن مسعود ﵁؛ أنه سئل: عن رجُلٍ تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: (لها مثلُ صداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شطَطَ، وعليها العِدَّة، ولها الميراث، فقام مَعقِل بن سِنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله ﷺ في بَرْوَعَ بنت واشق -امرأةٍ منا- بمثلِ ما قضيتَ)؛ رواه التِّرمِذي والنَّسَائي، وصحَّحه الترمذي. مسألةٌ: يسن أن يكون من أربعمائة درهم من الفضة، وهي صداقُ بنات النبي ﷺ ؛ لحديث عليِّ بن أبي طالب: «أنه أصدق فاطمةَ درعَ حديدٍ حُطَمية، وكان ثمنها أربعمائة درهم»؛ أخرجه أبو داود، والنَّسَائي، وأحمد، إلى خمسمائة درهم، وهي صداق أزواجه ﷺ ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان صداقُهُ ﷺ لأزواجه ثنتَيْ عَشْرة أُوقِيَّةً ونَشًّا»، والنَّشُّ: نصف أوقية؛ فتلك خمسمائة درهم؛ فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه؛ أخرجه مسلِم، إلا صفية وأم حبيبة ﵄، فصفيَّةُ أصدَقها ﷺ عِتْقَها، وأم حبيبة أصدَقها النجاشيُّ أربعة آلاف درهم. وقال عمرُ ﵁: «ألا لا تُغالُوا بصداق النساء؛ فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدنيا، أو تقوَى عند الله؛ لكان أَوْلاكم بها النبي ﷺ ؛ ما أصدَقَ رسولُ الله ﷺ امرأةً من نسائه ولا امرأةً من بناته أكثرَ من ثنتَيْ عَشْرة أوقية»؛ رواه أبو داود، والنَّسَائي، والتِّرمِذي، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي. مسألةٌ: لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا حدَّ لأكثرِ الصداق؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النِّسَاء: ٢٠]، وفي القنطار أقوال؛ منها: أنه المال الكثير، وقيل: إنه ألفُ مثقال من الذهب، وقيل: ملءُ جِلدِ ثورٍ من الذهب، وقيل: على سبيل المبالغة.

стр. 44

وأما أقل المَهْر، فالضابط: أنه يصحُّ بكل ما يجوز أن يكون مالاً شرعًا من الأعيان والمنافع، قليلاً كان أو كثيرًا، ما لم ينتهِ في القِلة إلى حدٍّ لا يُتموَّل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤] دون تحديدِ حدٍّ معين. ولحديث سهل بن سعد ﵁، وفيه: «تزويجُهُ ﷺ الصحابيَّ بما معه من القرآن»؛ متفق عليه. مسألةٌ: وإن أصدَقها تعليمَ قرآنٍ أو غيرِه من العلوم الشرعية، أو المباحة: صحَّ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ : «زوَّجتُكها بما معك من القرآن»؛ متفق عليه، ولأن التعليم منفعة، والمنافع أموال. ويجوز أن يأتيَها بمن يعلِّمها إياه، إن كان مثلَهُ في التعليم، وإن تعلمته من غيره، وتعذَّر عليه تعليمُها: لَزِمته أجرةُ التعليم. مسألةٌ: يجوز جعلُ المنفعة صداقًا؛ كدار تنتفع بسكَنها، أو استعمال سيارته، ونحو ذلك؛ لأنَّها منفعة يجوز أخذ العِوَض عليها؛ فهي مال. مسألةٌ: إن أصدَقها طلاقَ ضَرَّتها، لم يصحَّ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «لا يحلُّ لرجُلٍ أن ينكح امرأهً بطلاقِ أخرى»؛ أخرجه أحمد، وفيه ابن لهيعة ضعيف، وله شاهد صحيح من حديث أبي هُرَيرة ﵁ مرفوعًا، بلفظ: «لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختها؛ لتستفرغَ صَحْفتَها، ولتَنكِحْ؛ فإن لها ما قُدِّرَ لها»؛ أخرجه البخاري ومسلِم، ولأنها منفعةٌ ليس لها قيمة مالية، ولما في ذلك من المضارَّة للضَّرة. قال شيخ الإسلام: (لو قيل ببطلان النِّكاح، لم يبعُدْ؛ لأنَّ المسمى فاسدٌ لا بدل له، فهو كالخمرِ، ونكاح الشِّغار).

стр. 45

ولها مَهْرُ مثلِها؛ لفساد التسمية. مسألةٌ: إذا كانت المنفعة خدمةَ الزَّوج للزوجة؛ كأن يعمل في تجارتها، أو زراعتها، أو رعيِ غنَمِها، ونحو ذلك: فقسمانِ: الأول: ما فيه امتهان وتحقير للزوج، كما لو تزوَّجها على أن يخدمَها بغسلِ ثيابها ونحو ذلك: فلا يجوز؛ لأنَّ القِوامة والسيادة في القرآن والسُّنة للزوج على الزَّوجة. الثاني: ما ليس فيه مهانة ولا مَذلة للزوج؛ كالعمل بتجارتها، أو زراعتها، ونحو ذلك: فلا بأس. مسألةٌ: متى بطَلَ المسمى؛ لكونه مجهولاً -كعبدٍ، أو ثوب، أو خمر، أو نحوها-: وجب مهرُ المثل بالعقد، ويصحُّ النِّكاح، ويبطل المسمى؛ لجهالته أو تحريمه، ويجب لها مهرُ مثلها من النساء؛ لحديث مَعقِل بن سنان الأشجعي، وفيه قوله ﷺ : «ولها مهرُ نسائِها». وقيل: بل مثلُ المغصوب أو قيمته، ويجب مثلُ الخمر خَلًّا. مسألةٌ: تصحُّ الجهالة اليسيرة في الصداق؛ كما لو تزوَّجها على عبد، أو فرَسٍ، أو ما أشبهه مما يذكر جنسه؛ فإنَّه يصحُّ، ولها الأوسط؛ لأنَّ العِوَض ليس مقصودًا في النِّكاح قصدًا أصليًّا. مسألةٌ: باتفاق الأئمة يجوز تعجيلُ الصداق وتأجيله، ويُستحب كون المَهْر معجَّلاً؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ في قصة الواهبة، وفيه قوله ﷺ : «زوَّجتُكها بما معك من القرآن»، لمن لم يجد ولو خاتَمًا من حديد؛ متفق عليه، ولم يجعله مؤجَّلاً. فإن عيَّنَا أجلاً؛ أُنيط به، وإن لم يعيِّنا أجلاً بل أطلقا، فمحِلُّهُ الفُرْقة؛

стр. 46

بالطلاق أو الموت؛ على العُرْفِ والعادة في الصداق الآجل. مسألة: وإن أصدقها محرَّمًا -كخمرٍ ودخان- فلها قيمتُه، إلا إن علما التحريمَ، فيفسُدُ، ولها مهرُ المثل؛ لحديث مَعقِل بن سنان الأشجعي السابق. فرع: إن وجدتِ المَهْرَ المباح مَعِيبًا -كعبدٍ به نحوُ عرَجٍ- خُيِّرت بين إمساكه مع أَرْشه، وبين ردِّه وأخذ قيمته إن كان متقوِّمًا، وإلا فمثله. مسألة: للأبِ أن يشترط شيئًا من المَهْر على المشهور مِنْ مذهب الإمام أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ﴾ [القَصَص: ٢٧]؛ فجعل الصداقَ الإجارةَ على رعاية غنَمه، وهو شرطٌ لنفسه، ولأنَّ للوالد الأخذَ من مال ولده؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» رواه ابن ماجه، والطحاوي في المشكل، قال ابن القطان الفاسي: (إسناده صحيح). وقال عطاء، وطاوس، وعِكْرمة، وعمر بن عبد العزيز، والثَّوْري ومالك: يكون ذلك كلُّه للمرأة؛ لحديث عبد الله بن عمرَ ﵄: أن رسولَ الله ﷺ قال: «أيُّما امرأةٍ نكحَتْ على صداقٍ أو حِباء أو عِدَة قبل عصمة النِّكاح: فهو لمن أُعطِيَهُ»؛ رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسَائي، وابن ماجَهْ، لكن في إسناده ابن جُرَيج، وهو مدلِّس، وقد عنعنه. ولأنَّ الولاية شُرِطتْ للنظر لمصلحة المرأة، فإذا جاز الشرطُ فيها؛ نظر الوليُّ لمصلحته دون مصلحة مَوْليَّته. ولو شُرِطَ بعض الصداق لغير الأب -كالجد والأخ- فكلُّهُ للزوجة؛ لأنه عِوَضُ مقابل للاستمتاع بها، والشرط باطلٌ؛ لأنَّ غير الأب لا حقَّ له في مال الزَّوجة.

стр. 47

مسألة: من زوَّج بنته -ولو ثيبًا- بدون مهر المثل؛ صحَّ، ولو كَرِهتْ؛ لأنه ليس المقصودُ في النِّكاح العِوَضَ، ولا يلزم أحدًا تتمةُ المَهْر. ولقول عمر ﵁: «ألا لا تُغالُوا بصداق النساء، ما أصدَقَ الرسولُ ﷺ امرأةً من نسائه، ولا أصدَق امرأة من بناته: أكثرَ من ثنتَيْ عَشْرة أوقيَّه»، وكان ذلك في جمع من الصحابة، ولم يُنكَر. وإن زوَّجها بدون مهرِ مثلِها وليٌّ غيرُ الأب بإذنها: صحَّ مع رشدِها؛ لأنَّ الحق لها، وقد أسقطته، وإن لم تأذَنْ في تزويجها بدون مهر مثلِها لغير الأب، فلا يلزم الزَّوجَ إلا المسمى، والباقي على الوليِّ؛ كالوكيل في البيع. مسألة: إن زوَّج ابنَهُ بمَهْر المِثلِ أو أكثرَ، صحَّ؛ لأنَّ المرأة لم ترضَ بدونه، وقد تكون مصلحةُ ابنه في بذل الزيادة، ويلزم الابنَ إن كان له مال، وإلا فعلى أبيه، فإن لم يكُنْ، فمن تلزمه نفقتُه. فرع: وللولي قبضُ الصداق؛ لأنَّه العادة، وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو سفيهة، فلأنه يَلِي مالها. مسألة: وتَملِك المرأة جميعَ صداقها بالعقد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النِّسَاء: ٤]، وقول النبي ﷺ في حديث سهل ﵁، الذي رواه البخاري ومسلِم: «إنْ أعطيتَها إزارك، جلَستَ لا إزارَ لك»: دليلٌ على أنه كلَّهُ للمرأة. مسألة: المَهْرُ ينقسم إلى قسمين: الأول: معيَّن؛ كما لو قال: أصدقتُكِ هذه السيارة، أو البقرة. الثاني: غير معيَّن؛ كما لو قال: أصدقتُكِ ثوبًا من ثيابي، ونحو ذلك.

стр. 48

وهذا التقسيم يترتب عليه أحكامٌ: ١ - للمرأة نماءُ المَهْر المعيَّن؛ من حَبٍّ، وثمرة، وولد، ونحوها؛ لأنه نماءُ مِلكها. ٢ - إن تَلِفَ المَهْر المعيَّن أو نقَص قبل قبضها، فمن ضمانها؛ لتمام مِلكها عليه، إلا إن منعها زوجُها قبضه، فيَضمَنه إن تَلِفَ، وعليه نقصُهُ إن تعيَّبَ أو نقَص، والزيادة لها. ٣ - ها التصرُّف في المَهْر المعيَّن بالبيع، والهبة، والوقف، ونحو ذلك. ٤ - أن عليها زكاةَ المعيَّن إذا حال عليه الحولُ من العقد، وحول المبهم من تعيين. ٥ - إن طلَّق الزوج قبل الدخول أو الخَلْوة، فله نصفُ المَهْر المعين، ولها نصفُهُ؛ باتفاق الأئمة. وأما غير المعيَّن، فنماؤه للزوج، وإن تَلِفَ فمِن ضمانه، وعليه زكاتُه. مسألةٌ: الزَّوج هو الذي بيدِهِ عقدةُ النِّكاح عند الجمهور. وقد رجع الإمامُ أحمد رحمه الله تعالى عن القول بأنه الأبُ، وحجتُهُ: قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، وعفوُ الزَّوج عن النصف الذي يستردُّهُ هو العفو الأقرب للتقوى؛ لتصرُّفه في ماله، وعفوُ الوليِّ عن صداق مَوْليَّته ليس أقربَ للتقوى، ولورودِه عن عليٍّ ﵁؛ رواه الدارَقُطْني، ورجاله ثقات، وكذا جُبَير بن مُطعِم؛ رواه الدارَقُطْني، ورجاله ثقات، وابن عبَّاسٍ ﵁؛ رواه الدارَقُطْني. وعن الإمام أحمد: أنه الأب، واختاره الشيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله تعالى؛ وبه قال

стр. 49

الإمام مالك. وحجتُهُ: أن الله ﷻ خاطب الأزواجَ أولاً بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، ثم الزَّوجاتِ بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]؛ وهو الوليُّ. فعلى القول الأول: الوليُّ ليس له أن يعفوَ عما وجب لابنتِه؛ لأنَّ الذي بيده عقدةُ النِّكاح هو الزَّوج؛ كما سبق. وعند الإمام مالك، واختاره شيخ الإسلام: أن للوليِّ أن يعفوَ عن صداقِ ابنته؛ لأنَّ الذي بيده عقدةُ النِّكاح هو الوليُّ. مسألةٌ: وإن اختلف الزَّوجانِ أو وليُّهما في قدر الصداق أو عينِه؛ كأن قال الزَّوج: أصدقتُكِ هذه السيارة، فقالت: بل السيارةَ الأخرى، أو اختلفا فيما يستقرُّ؛ بأن قالت: حصل وَطْءٌ أو خَلْوة، فقال: لم يحصل، أو اختلفا في جنس الصداقِ، فقال الزَّوج: أصدقتُكِ ثوبًا، فقالت: بل كتابًا: فقول الزَّوج بيمينه؛ لأنه مُنكِر، والأصل براءةُ ذمَّته، إلا مع وجود البيِّنة، أو القرائن. مسألةٌ: إن اختلفا في قبضِهِ، فالقول قولها، أو قولُ وليِّها مع اليمين؛ حيث لا بيِّنة له؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ القبض، ما لم يكُنْ هناك قرائنُ؛ كالعادات، إن كانت العادة تقضي بتقديم معجَّل المَهْر إلى الزَّوجة قبل أن تُزَفَّ إلى زوجها، فلا تُصدَّق في إنكارها؛ لأنَّ العُرْفَ هنا يقوم مقام البيِّنة. مسألةٌ: إن تزوَّجها على صداقينِ، فالمعتبَر ما اتفقا عليه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المَائدة: ١]؛ لأنهما قد يتفقانِ على شيءٍ سرًّا، ويُظهِران للناس غيره؛ تجمُّلاً، فالمعتبَر ما اتفقا عليه في السِّر.

стр. 50

فصلٌ في أحكام المفوِّضة التفويض لغة: مصدر فوَّض، يقال: فوَّضت إلى فلانٍ الأمرَ؛ أي: صيَّرته إليه، وجعلته الحاكم فيه، والتفويضُ لغةً: الإهمال. واصطلاحًا: ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تفويض البُضْعِ: أن يزوِّج الرجُلُ مَوْليَّته دون ذِكْرٍ للمهر؛ فيصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]. ولحديث ابن مسعودٍ ﵁ في رجُلٍ تزوَّج امرأة ولم يَفرِضْ لها صداقًا، ولم يدخُلْ بها حتى مات، فقال: «لها صداقُ نسائها، لا وَكْسَ ولا شطَطَ، وعليها العِدَّة، ولها الميراث، فقام مَعقِل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسولُ الله ﷺ في بَرْوَعَ بنت واشقٍ بمثل ما قضيتَ»؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه. القسم الثاني: تفويض المَهْر؛ بأن يتزوَّجَها على ما شاء أحد الزَّوجين، أو يشاء غير الزَّوجين؛ كالأبِ أو الأم. الأحكام المترتبة على التفويض: الأول: صحةُ العقد باتفاق الأئمة؛ للآية السابقة. الحكم الثاني: أنه يجب لها مهرُ المثل؛ لِما تقدم من حديث ابن مسعود ﵁. الحكم الثالث: أن لها طلَبَ فرض المَهْرِ؛ لأنَّ النِّكاح لا يخلو من المَهْرِ؛ فجاز لها المطالبة ببيانِ قدره.

стр. 51

الحكم الرابع: يَفرِض القاضي مهرَ المثل بقدره، بطلبِها؛ لأنَّ الزيادة عليه ميلٌ على الزَّوج، والنقص منه ميلٌ على الزَّوجة، وإن تراضيَا ولو على قليل، صحَّ؛ لأنَّ الحق لا يَعْدوهما، ويصحُّ إبراؤها للزوج من مهرِ المثل قبل فرضه؛ لأنه حقٌّ لها، فهي مخيَّرة بين إبقائه وإسقاطه، وسواءٌ في ذلك مفوِّضة البُضْعِ ومفوِّضة المَهْرِ. فرعٌ: إن عفَتِ المرأةُ عن صداقها الذي لها على زوجها، أو عن بعضه، أو وهَبتْهُ إياه بعد قبضه، أو قبل قبضه، وهي جائزة التصرُّف في مالها: جازَ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاء: ٤]. الحكم الخامس: مَنْ مات من الزَّوجين قبل الجماع والخَلْوة والفرض لمَهْر المِثل، وَرِثَهُ الآخَر؛ لأنَّ تركَ تسمية الصداق لا يَقدَحُ في صحة النِّكاح. الحكم السادس: إذا مات أحدُ الزَّوجين قبل الدخول والفرض، فلها مهرُ المثل؛ لحديث مَعقِل بن سنان ﵁: «أن رسولَ الله ﷺ قضى في بَرْوَعَ بنتِ واشق، وكان زوجُها مات ولم يدخُلْ بها، ولم يَفرِضْ لها صداقًا، فجعل لها مهرَ نسائها، لا وَكْسَ، ولا شطَطَ»؛ رواه أبو داود والتِّرمِذي وغيرهما، وصحَّحه التِّرمِذي. ومَهْرُ المِثل: مهرُ مَنْ تساويها من نساءِ عصَبتها؛ كأختها، وعمَّتِها، وبنت أخيها وعمِّها، بمن هي مثلُ جمالها، ومالها، وشرَفها، وسنها، إما بالتراضي عليه أو بحكم القاضي. مسألةٌ: هدية الزَّوج: إن كانت الفُرْقةُ أو الفَسْخ بسببٍ من الزَّوج، فالهديةُ للزوجة، ولا يجوز الرجوعُ فيها؛ إذ العائدُ في هبته كالكلبِ يقيء ثم يعود في قيئه.

стр. 52

وإن كان بسببٍ من المرأة لا من الزَّوج، فيجوز له الرجوعُ؛ لأنه إنما وهَبَها لكونها زوجةً، وما بُنِيَ على سببٍ، زال بانتفائه. مسألةٌ: متعةُ المطلَّقة: اسمٌ للمال الذي يدفعه الرجُلُ لامرأته عند مفارَقته لها بطلاقٍ ونحوه، فإذا طُلِّقتِ المرأةُ قبل الدخول بها، وقبل أن يفرضَ لها مهر: فالمتعةُ لها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ *﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]؛ فقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]: أمرٌ، والأمرُ يقتضي الوجوب، وقوله: ﴿حَقًّا﴾ [البَقَرَة: ٢٤١]: مِنْ آكَدِ ألفاظ الإيجاب، وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عِمرَان: ١٣٤]: فجعَلَ المتعةَ شرطًا في الإحسان. وفي غير الحالة السابقة فالمتعة مستحبة على الزوج. والمتعة معتبَرة بحال الزَّوج؛ يسارًا وإعسارًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]، ولوروده عن ابن عبَّاسٍ ﵄. وهي غير مقدَّرة، وإنما يُرجَع في تقديرها إلى العُرْفِ؛ لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]، وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]، فإن حصل خلافٌ، رجع إلى القاضي. مسألةٌ: المَهْر يستقرُّ في مواضع؛ أي: يجب كلُّه للمرأة: الأول: موتُ أحد الزَّوجين باتفاق الفقهاء؛ لحديث ابن مسعود ﵁ السابق. الثاني: الوطءُ؛ وهذا باتفاق الفقهاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ

стр. 53

لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]، ولحديث

стр. 54

عائشةَ ﵂: «ولها المَهْرُ بما استحلَّ مِنْ فَرْجِها»؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الترمذي، وقال ابن حجر في الفتح: (صححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم). الثالث: الخَلْوة؛ وهذا هو المذهب، ومذهب الحنفية؛ أن الخَلْوة تقرِّر الصداقَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النِّسَاء: ٢١]، قال الفرَّاء: الإفضاء الخَلْوة، ولما ورد عن عمرَ وعليٍّ ﵄: «إذا أُجِيفَ الباب، وأُرخِيت الستورُ: فقد وجب المَهْر»؛ رواه ابن أبي شَيْبة والبَيْهَقي بإسناد صحيح. وعند الشافعية في الجديد: أن الخَلْوة لا تقرِّرُ الصداقَ؛ لظاهر الآية السابقة. فرع: ضابط الخلوة التي يستقر بها المهر: عند الحنفية: هي الخَلْوة التي لا يكون معها مانعٌ من الوطء؛ لا حقيقي، ولا شرعي، ولا طبعي. وعند الحنابلة: أن ينفرد بها عن مميِّزٍ وبالغ مطلقًا. الرابع: الاستمتاع بما دون الفَرْجِ، إذا أخذها فمسَّها وقبض عليها من غير أن يخلوَ بها، فلها الصداقُ كاملاً؛ إذ نال منها شيئًا لا يَحِلُّ لغيره؛ كما قال الإمام أحمد؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزَاب: ٤٩]؛ وهذا مَسِيسٌ، ولما تقدم قريبًا عن عمر وعلي ﵄. مسألةٌ: باتفاق الفقهاء - في الجملة - أن مَنْ فارَقَ زوجته قبل الدخول بها، أو قبل ما يستقرُّ المَهْر مما تقدَّم، وقد سمَّى لها مهرًا: فيجب عليه نصفُ المَهْر المسمى؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]. فالقاعدة: أن المَهْرَ المسمى يتنصَّفُ بكل فُرْقة من قِبَل الزَّوج، قبل الدخول، أو ما يقرِّر الصداق؛ كإسلامه، وطلاقه، والفسخ لعيبه، ونحو ذلك. ويسقط بكل فُرْقة من قِبَلها؛ باتفاق الأئمة الأربعة في الجملة؛ مثل: الفسخ لعيبها، وإسلامها، ونحو ذلك. فرعٌ: إن طلق الزَّوجةَ بعد الدخول، فلا متعة لها، بل لها المَهْر؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البَقَرَة: ٢٣٦]. فأوجب اللهُ المتعةَ بشرطينِ: أن يكون الطلاقُ قبل الفرض، وقبل المَسِيس، ولم يوجد الشرطانِ. ونوقش: بأن ذِكْرَ بعض أفراد العام بحُكْمٍ يوافق العامَّ لا يقتضي التخصيصَ. وعن الإمام أحمد - وهو الجديد من قولَيِ الشافعي، واختاره شيخ الإسلام -: وجوبُ المتعة لكل مطلَّقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *﴾ [البَقَرَة: ٢٤١]؛ فالآية عامة لكل مطلَّقة، ولأنَّ المتعة إنما جُعِلتْ لِما لحقها من الابتذال والإيحاش بالطلاق، والمَهْرُ في مقابلة منفعة الوطء، وقد استوفاها. فرعٌ: يجوز الدخولُ على المرأة قبل إعطائها شيئًا من المهر. مسألةٌ: وإن افترَقا بعد الدخول في النِّكاح الفاسد أو الباطل، وجب المسمى لها في العقد؛ قياسًا على الصحيح.

стр. 55

مسألةٌ: إذا زنتِ المرأةُ، قال أبو حنيفةَ - واختاره شيخ الإسلام -: لا شيءَ لها من العوض، سواء كان الزنا بإكراه أو رضًا؛ لحديث رافع بن خَدِيج ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «كسبُ الحَجَّام خبيث، ومَهْرُ البغيِّ خبيث، وثمَنُ الكلب خبيث»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي والنَّسَائي، وقال الترمذي: (حسن صحيح). لكن الأظهر أنه يؤخذ المهر من الزاني ويتصدق به؛ لئلا يجمع له بين العوض والمعوض، ويستثنى من ذلك أرش البكارة فيكون للمرأة إذا أكرهت على الزنا؛ لما فيه من الإتلاف. مسألةٌ: للمرأة قبل الدخول منعُ نفسها حتى تَقبِضَ صداقها الحالَّ؛ لأنَّه إذا تعذَّر استيفاءُ المَهْر عليها، لم يُمكِنْها استرجاعُ عِوضها، ولها النفقة زمَنَ منعِ نفسها. فإن كان الصداقُ مؤجَّلاً، ولم يَحِلَّ: لم تَملِكْ منعَ نفسها؛ لأنها لا تَملِك الطلب به. ولو أبى الزَّوجُ تسليمَ الصداق حتى تسلِّم نفسها، وأبت تسليم نفسها حتى يسلِّم الصداقَ: أُجبِرَ زوجٌ، ثم زوجتُه. فرعٌ: إن أعسر الزَّوجُ بالمهر الحالِّ: عند الحنفية: أنه لا فسخَ لها مطلقًا، بل هي كسائر الغرماء؛ لأنَّ المَهْر دَيْنٌ يثبُتُ في ذمة الزَّوج، ومن المتفَق عليه: أن النِّكاح لا يُفسَخ بالإعسار بدَيْنٍ غيرِ الصداق، فكذا الإعسار بالصداق، ولأنَّ الأصل في الفُرْقة ألا تكون إلا بيد الزَّوج، فلا تكون لغيره إلا بدليل.

стр. 56

باب وليمةِ العُرْسِ، وآداب الأكل والشُّرب أصل الوليمة: تمامُ الشيء واجتماعه، ثم نُقِلتْ لطعام العرس خاصةً لاجتماع الرجل والمرأة. ولوليمة العرس حِكَم، منها: ١ - شكر الله تعالى على نعمة النكاح. ٢ - إعلان النكاح، وقال مالك: استحب الإطعام في الوليمة وكثرة الشهود ليشتهر النكاح وتثبت معرفته. ٣ - البر بالمرأة وقومها، وإكرامهم. ٤ - إطعام الطعام، وصلة الأرحام، وإكرام الأصدقاء والجيران، والصدقة على الفقراء. مسألة: تُسَن الوليمة؛ وهذا بالاتفاق. واختلَفوا في وجوبها: فقال الشافعي: واجبة؛ لأمرِ النبيِّ ﷺ لعبد الرحمن بن عوف؛ متفق عليه، ولوجوب إجابةِ دعوتها. وعند الجمهور: عدمُ وجوبها؛ لأنها طعام لسرور حادث، فأشبَهتْ سائر الأطعمة. فرع: وقتُ الوليمة موسَّع، من عقد النِّكاح إلى انتهاء أيام العُرْسِ؛ لصحة الأخبار في هذا، وكمال السرور. قدرُها: وليمة العُرْسِ من النفقة التي لم يقدرها الشرع؛ فيُرجَع فيها

стр. 57

للعُرْف، فتُجزِئ ولو بالشيء القليل؛ كمُدَّين من شعير، ويسن ألا تنقُصَ عن شاة، والأَوْلى: الزيادة على الشاة؛ لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف حين قال له: «تزوَّجتَ؟، أَوْلِمْ ولو بشاةٍ»؛ رواه البخاري ومسلم، وأولَم النبي ﷺ على صفيَّةَ بحَيْسٍ وضَعه على نِطَعٍ صغير؛ كما في الصحيحين عن أنس. وعن أنس ﵁؛ أنه قال: «ما أولَم رسولُ الله ﷺ على شيءٍ من نسائه ما أولَم على زينب؛ أولَم بشاةٍ»؛ متفق عليه. وجاء في البخاري: «أن النبيَّ ﷺ أولَم على بعضٍ مِنْ نسائه بمُدَّين من شعير». ولا يجوز فيها الإسرافُ والخيلاء؛ لعموم النهيِ عن ذلك. مسألةٌ: اختلف العلماءُ في إجابة دعوة وليمة العُرْس: فقال أبو حنيفة: يستحبُّ إجابة دعوتها. وقال مالك في المشهور عنه، والشافعيُّ في أظهر القولين، وأحمد في أظهر الروايتين: هي واجبةٌ، وقد روى الطحاويُّ عن أبي حنيفة مثلَ ذلك. ودليل الوجوب: ما رواه أبو هُرَيرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «شرُّ الطعامِ طعامُ الوليمة؛ يُمنَعُها مَنْ يأتيها، ويُدْعى إليها مَنْ يأباها، ومَن لا يُجِبِ الدعوةَ، فقد عصى اللهَ ورسوله»؛ رواه مسلِم. ولما روى ابن عمرَ ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: «أجيبوا هذه الدعوةَ إذا دُعِيتم لها، وكان ابنُ عمرَ يأتي الدعوة في العُرْسِ وغير العُرْس، ويأتيها وهو صائم»؛ متفق عليه. وفي لفظٍ: «مَنْ دُعِيَ إلى عُرْسٍ أو نحوه، فليُجِبْ»؛ رواه مسلِم.

стр. 58

وذهب بعضُ الشافعية وبعض الحنابلة: أن الإجابةَ إلى الوليمة فرضُ كفاية؛ لأنَّ الإجابة إكرامٌ وموالاة؛ فهي كردِّ السلام؛ وأما قوله: «ومَن لا يُجِبِ الدعوة، فقد عصى اللهَ ورسوله» فموقوف، ولا يصحُّ رفعُهُ للنبي ﷺ ، وهذا أقرب. مسألة: شروطُ وجوب إجابة وليمة العُرْسِ عند القائلين بالوجوب: الشرط الأول: أنه يجب أن يجيبَ الدعوة الأُولى إذا تكرَّرتْ؛ لأنها في المرة الثانية والثالثة يُخشَى مِنْ محذور الإسراف أو الخيلاء. الشرط الثاني: أن يكون الداعي مسلِمًا، لما تقدم، ولحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «حقُّ المسلِم على المسلِم خمسٌ … وإذا دعاك فأجِبْهُ»؛ رواه مسلِم. الشرط الثالث: أن يكون ممن يحرُمُ هجرُه، فإن كان لا يحرم هجرُهُ، فلا تجب إجابةُ دعوته؛ كصاحب بِدعة ينفع فيه الهجر. الشرط الرابع: أن يعيِّنَه الداعي، فإن دعا العمومَ، فلا تتعين إجابته، وأصبحت مِنْ باب فروض الكفايات. الشرط الخامس: ألا يكون هناك منكَر لا يَقدِر على تغييره؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعَام: ٦٨]. الشرط السادس: ألا يخصَّ بها الأغنياء؛ لِما تقدم من حديث: «شر الطعام … ». الشرط السابع: ألا يحصل له بالحضور ضرَرٌ، أو مشقة وحرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨]؛ مثل: السفر، والمطر، وشدة البَرْد، ونحو ذلك.

стр. 59

فرعٌ: الإجابة إلى غيرِ الوليمة من الدعوات مستحبَّة؛ وهو قول جمهور العلماء؛ لأن الأدلة الواردة في الذم إلى عدم إجابة الدعوة إنما تتوجه إلى وليمة العرس خاصة. وقال عثمان بن أبي العاص ﵁: «كنا لا نأتي الختانَ على عهد رسول الله ﷺ ، ولا نُدْعى إليه»؛ رواه الإمام أحمد. ولأنَّ التزويج يستحبُّ إعلانُه، وكثرة الجمع والتصويت والضرب بالدف، بخلافِ غيره. وقال الزَّرْكشي: لو قيل بالوجوب، لكان متجِهًا؛ لحديث ابنِ عمر ﵄ مرفوعاً: «مَنْ دُعِيَ إلى عُرْسٍ أو غيره، فليُجِبْ»؛ رواه مسلِم. ولحديث البراء بن عازبٍ ﵁: «أن النبيَّ ﷺ أمر بإجابة الداعي»؛ متفق عليه. ولحديث أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «حقُّ المسلِم على المسلِم ستٌّ»، وفيه: «إذا دعاك، فأجِبْهُ»؛ رواه مسلِم. ولما روى ابن عمرَ ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «أجيبوا هذه الدعوةَ إذا دُعِيتم لها»، وكان ابن عمرَ يأتي الدعوةَ في العُرْسِ وغير العُرْس، ويأتيها وهو صائم»؛ متفق عليه، وتقدَّمتْ شروط وجوب إجابة الدعوة. والأقربُ: أن إجابةَ دعوة غير العُرْس: فرضُ كفاية، كإجابة العُرْس. مسألةٌ: ومَن صومُهُ واجب - كنَذْرٍ وقضاء - إذا دُعِيَ للوليمة حضر؛ لإجابة دعوة المسلِم، ولم يأكل؛ لأنه يحرُمُ قطعُ العبادة الواجبة إلا لضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣٣]، ولحديث أبي هُرَيرة ﵁، يرفعه: «إذا دُعِيَ أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائمًا فليَدْعُ، وإن كان مفطِرًا

стр. 60

فليَطعَمْ»؛ أخرجه مسلِم. ودُعِيَ ابن عمرَ ﵁ إلى الوليمة، وقال: «كلوا؛ فإنِّي صائم»؛ رواه ابن أبي شَيْبة والبَيْهَقي. ودعا استحبابًا وانصرف؛ لحديث أبي هُرَيرة السابق. والصائم المتنفِّل إذا دُعِيَ أجاب، ويُفطِر إن جبَرَ قلبَ أخيه المسلِم وأدخَلَ السرورَ عليه؛ لقوله ﷺ لرجل اعتزل من القوم ناحية وقال إنِّي صائم: «دعاكم أخوكم، وتكلَّف لكم؛ أفطِرْ، ثم صُمْ مكانه إن شئتَ»؛ أخرجه البَيْهَقي، عن أبي سعيد الخدري، وإسناده حسن. قال شيخ الإسلام: (وأعدلُ الأقوال: أنه إذا حضَر الوليمة وهو صائم، إن كان ينكسِرُ قلبُ الداعي بترك الأكل، فالأكل أفضلُ، وإن لم ينكسر قلبُ الداعي، فإتمامُ الصوم أفضل، ولا ينبغي لصاحب الدعوة الإلحاحُ في تناول الطعام للمدعوِّ إذا امتنع؛ فإن كِلا الأمرين جائز، ولا ينبغي للمدعوِّ إذا رأى أنه يترتبُ على امتناعه مفاسدُ إن امتنع، فإن فِطْره جائز، فإن كان تركُ الجائز مستلزمًا لأمور محذورة، فينبغي أن يفعل ذلك الجائزَ، وربما يصير واجبًا … ). وإنْ أحبَّ إتمام الصوم، أخبرَهم بصيامه؛ كما فعل ابن عمرَ ﵄ ليَعلَموا عذره. ولا يجب على مَنْ حضر الأكلُ، ولو مفطِرًا؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «إذا دُعِيَ أحدكم فليُجِبْ، فإن شاء أكل، وإن شاء ترك»؛ أخرجه مسلِم، ولأنَّ الواجب هو إجابةُ الدعوة، وقد حصل. ويستحب الأكل؛ لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم: «دعاكم

стр. 61

أخوكم، وتكلَّف لكم؛ أفطِرْ، ثم صُمْ مكانه إن شئتَ». وفي قول للشافعية: أنه يجب الأكل، وأقلُّه لقمة؛ لحديث أبي هُرَيرة ﵁، وفيه: (وإن كان مفطِرًا، فليَطعَمْ). فرعٌ: إباحة الأكل متوقِّفة على صريح إذنٍ، أو قرينة، والدعاء إلى الوليمة وتقديمُ الطعام: إذنٌ فيه، قال الشيخ عبدُ القادر في الغنية: (لا يحتاج بعد تقديمِ الطعام إذنًا، وإذا جرت العادةُ في ذلك البلد بالأكل بذلك، فيكون العُرْفُ إذنًا). وقال ابن مسعود ﵁: (إذا دُعِيتَ، فقد أُذِنَ لك)؛ رواه البخاري في الأدب المفرَد، وصحَّحه الألباني. فرعٌ: يجوز أكلُهُ من بيت قريبه أو صديقه، إذا لم يُحرِزْهُ، إذا لم يَكرَهْ ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النُّور: ٦١]. مسألة: من دعاه اثنان، فإن قدر على الحضور إليهما لزمته الإجابة إن اتسع الوقت، فإذا لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما؛ لأن إجابته وجبت بدعوته، فلا تسقط بدعاء من بعده. فإن استويا أجاب أقربهما بابًا؛ لأن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما رحمًا؛ لما في تقديمه من الصلة، فإن استويا في القرابة، أجاب أدينهما؛ لأنه الأكرم عند الله، فإن استويا أجاب من قرع منهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر؛ ولأن القرعة تميز المستحق عند استواء الحقوق؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلي أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا» رواه البخاري. مسألة: إجابة دعوة غير المسلم، ومن في ماله كسب حرام.

стр. 62

تجوز إجابة غير المسلم، ومن في ماله كسب حرام إذا لم يكن محذور شرعي؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ «دعاه يهودي إلى خبز شعير وإهالة سَنِخَةٍ - أي متغيرة -» رواه أحمد، وعن أنس بن مالك ﵁ أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها؟ قال: «لا» رواه البخاري ومسلم. فرعٌ: يُكرَه النِّثارُ، وإن ترتب عليه ضرَرٌ حرُمَ؛ لما روى عبد الله بن زيد ﵁: «أن النبيَّ ﷺ نهى عن النُّهْبى والمُثْلة» رواه البخاري، ولما يحصل فيه مِنْ النُّهْبة والتزاحم، وأخذُهُ على هذا الوجهِ فيه دناءةٌ وسُخْفٌ. ومن أخذ شيئًا من النِّثار، أو وقع في حَجْره منه شيء: فهو له؛ قصَدَ تملُّكَه أو لا؛ لأنَّه قد حازه، ومالكه قصد تمليكَهُ لمن حازه. مسألةٌ: يسن إعلان النِّكاح؛ لقوله ﷺ : «أعلِنوا النِّكاح»، وفي لفظ: «أظهِروا النِّكاح»؛ رواه التِّرمِذي وابن ماجَهْ؛ من حديث عائشة ﵂. وله شاهد من حديث جابر، وإسناده حسن؛ أخرجه أحمد، وابن ماجَهْ. وقال الزُّهْري: إن الإعلان فرض، حتى إنَّه إذا نكح سرًّا، وأشهد رجُلينِ، وأمرهما بالكتمان: وجب التفريقُ بين الزَّوجين؛ لظاهر الأمرِ، وللفرق بين النِّكاح والسِّفاح، وأوجبه شيخ الإسلام. مسألةٌ: يباح الضربُ بالدفِّ في العُرْسِ، على الصفة التي جاء الدف صريحًا بإباحتها؛ وهي كما يلي: ١ - ! أن يكون الدفُّ من غير جلاجل. ٢ - أن يكون الضربُ للنساء دون الرجال.

стр. 63

لأنَّ الدف الذي وردت به السُّنة الدفُّ دون ذِكر الجلاجل، والتي كان يضرب بها النساء دون الرجال. مسألةٌ: ويجوز ضربُ الدف أيضًا في مواطن: ١ - عند الختان؛ لوروده عن عمرَ ﵁؛ رواه ابن أبي شَيْبة. ٢ - وعند قدوم الغائب لما رُوِيَ عن بُرَيدة ﵁، قال: «لما رجع النبيُّ ﷺ من بعض مغازيه، جاءت جاريةٌ سوداءُ، فقالت: يا رسول الله، إنِّي قد نذَرتُ إن ردَّك اللهُ سالمًا أن أضربَ بين يديك الدف»؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه. ٣ - وفي العيد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: " دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بُعَاث، وتضربان بالدف، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبِمُزْمورِ الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا»؛ رواه البخاري ومسلم. مسألةٌ: يحرُمُ الغناء في عُرْسٍ وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمَان: ٦]؛ قال ابن مسعود ﵁: «هو الغناءُ واللهِ الذي لا إله إلا هو)، وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: (نزلت في الغناءِ وأشباهه». وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسرَاء: ٦٤]؛ قال مجاهد: باللهوِ والغناء. ولما روى أبو مالك الأشعري ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «ليكونَنَّ مِنْ أمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحريرَ، والخمر والمعازف»؛ رواه البخاري.

стр. 64

وورد عن عمرَ ﵁: «أنه إذا سَمِع صوتَ الدف، بعَث فنظَر، فإن كان في وليمة سكَت، وإن كان في غيرها عمَد بالدِّرَّة»؛ رواه ابن أبي شَيْبة. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: «الدفُّ حرام، والمعازف حرام، والمِزمار حرام، والكُوبة حرام»؛ رواه البَيْهَقي، قال الهيثمي في المجمع: (وفيه محمد بن عمارة بن صبيح شيخ البزار، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح)، ومحمد بن عمارة بن صبيح الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات. وعن إبراهيم النَّخَعي: (أن أصحابَ ابن مسعود كانوا يستقبلون الجواريَ في المدينة ومعهنَّ الدفوف فيشقونها)؛ رواه ابن أبي شَيْبة، وابن حزم. مسائل: في جُمَلٍ من آداب الأكل والشُّرب الأولى: تستحبُّ التسمية على الأكل والشُّرب بالإجماع. واختلف العلماء في وجوبها؛ فجمهورُ أهل العلم على استحبابها؛ لوجود الصارفِ؛ وهو قصدُ الأدب والإرشاد. وذهب بعضُ أهل العلم إلى الوجوب؛ كابن أبي موسى، وابن حزم؛ لحديث عمرَ بن أبي سلَمة ﵁، مرفوعًا: «يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك»؛ متفق عليه. ولحديث عائشة ﵂، مرفوعًا: «إذا أكل أحدُكم، فليذكُرِ اسم الله»؛ رواه أبو داود، والتِّرمِذي وصحَّحه. قال شيخ الإسلام: (ولو زاد الرحمن الرحيم عند الأكل، لكان حسَنًا؛ فإنَّه أكمل، بخلاف الذَّبْح؛ فإنَّه قد قيل: لا يناسب ذلك). اه.

стр. 65

ويسمِّي الطفلُ المميِّز، ويسمِّي عمن لا عقلَ له ولا تمييزَ غيرُه. والتسمية تراد لعدم مشارَكة الشيطان. والسُّنة أن تكون التسمية جهرًا؛ لكي ينبِّهَ غيره، ولحديث عمرَ بن أبي سلَمة مرفوعًا: «سمِّ اللهَ يا غلام»؛ متفق عليه. وإذا نسي التسميةَ في أوَّلَه، فليقل: «بسم الله أوَّلَه وآخِره»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي، وحسَّنه، وابن ماجَهْ. الثانية: يسنُّ الحمد إذا فرغ؛ لحديث أنس ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إن اللهَ ليرضى عن العبد أن يأكُلَ الأَكْلةَ فيَحمَدَ اللهَ عليها، أو يَشرَبَ الشَّرْبةَ فيَحمَدَه عليها»؛ رواه مسلِم. فيسنُّ أن يقول ما رواه أبو أمامة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ كان إذا رُفِعت المائدةُ بين يديه، قال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مَكْفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه ربَّنا»؛ رواه البخاري. قوله: «غير مَكْفي»: أي غير مردود الطعام، ولا مقلوب، وقيل: الضمير راجعٌ إلى الله؛ فالله هو المطعِم الكافي، وغيرُ مطعَم ولا مَكْفي. وقوله: «ولا مودَّع»: أي غير متروك الطلبُ إليه، والرغبةُ فيما عنده. ولما روى أبو سعيد الخدري ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ كان إذا فرغ مِنْ طعامه، قال: «الحمدُ لله الذي أطعمنا وسقَانا، وجعلنا مسلِمين»؛ رواه أحمد وأبو داود والتِّرمِذي وابن ماجَهْ، إسناده ضعيف. الثالثة: الطعام لا يخلو من أمرينِ: الأول: أن يكون نوعًا واحدًا؛ فالسُّنة أن يأكلَ الإنسان مما يليه؛ لقوله

стр. 66

ﷺ لعمرَ بن أبي سلَمة: «وكُلْ مما يليك»؛ متفق عليه. الثاني: أن يكون أنواعًا متعددة؛ فلا بأس أن يأكل مما لا يليه؛ لأنَّ (النبي ﷺ جعل يتتبَّعُ الدُّبَّاء)؛ رواه البخاري من حديث أنس ﵁. الرابعة: وجوب الأكل باليمين؛ لأنَّ الأكل بالشِّمال من عمل الشيطان، قال ﷺ : «ولا تأكُلْ بالشِّمال؛ فإن الشيطانَ يأكل بالشمال»؛ رواه مسلِم، واختاره ابن القيِّمِ. والأكل باليدينِ جميعًا له ثلاثُ حالات: الأُولى: أن يكون اعتماده على اليدينِ؛ فيُغلَّب جانبُ النهي. الثانية: أن يكون اعتماده الأغلب على اليمين؛ فيغلب جانب الإباحة. الثالثة: أن يكون اعتماده الأغلب على اليسار؛ فيحرُمُ. ولو جعَل في يمينه خبزًا، وفي شِماله شيئًا يشربه، وجعل يأكل من هذا وهذا: فهذا مَنْهيٌّ عنه؛ كما هو ظاهر الخبر، ولأنه أكل بشِماله، ولما فيه من الشِّرَهِ. الخامسة: يسن أكلُهُ بثلاث أصابع؛ لِما روى كعب بن مالك، قال: «كان رسولُ الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرَغَ لَعِقَها»؛ رواه مسلِم. وفي الآداب الشرعية لابن مفلح: "ولعل المراد - والله أعلم - ما لا يُتناوَل عادةً وعُرْفًا بإصبَع أو إصبَعين؛ فإن العُرْفَ يقتضيه، ودليل الكراهيَة منتفٍ عنه". السادسة: يسنُّ تخليل ما عَلِقَ بأسنانه؛ لحديث حذيفة بن اليمان ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ «كان يشُوصُ فاه بالسواك إذا استيقَظَ من نومه»؛ متفق عليه،

стр. 67

ولأنَّ النوم مظنَّةُ تلويثٍ للأسنان والفم، وكذلك الطعام. السابعة: يسن مسحُ الصَّحْفة؛ لما روى ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «إذا أكل أحدُكم طعامًا، فلا يمسح يدَهُ حتى يَلعَقَها، أو يُلعِقَها»؛ رواه البخاري. وروى جابر ﵁؛ أن رسول الله ﷺ : «أمر بلَعْقِ الأصابع والصَّحْفة، وقال: إنكم لا تدرون في أيِّه البركة»؛ رواه مسلِم. الثامنة: يسن أكلُ ما تناثر؛ لما روى جابر ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا وقَعتْ لقمةُ أحدكم، فليأخُذْها، فليُمِطْ ما كان بها من أذىً، ثم ليأكُلْها ولا يدَعْها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يَلعَق أصابعه؛ فإنَّه لا يدري في أيِّ طعامه البركة»؛ رواه مسلِم. التاسعة: لا يُكثِر النظر إلى وجوه الآكِلين؛ لأنه مما يُحشِمُهم، ولا يتكلم على الطعام بما يُستقذَر من الكلام، ولا بما يُضحِكهم؛ خوفًا عليهم من الشَّرْقة، ولا بما يحزنهم؛ لئلا ينغِّصَ على الآكلين أكلهم. العاشرة: يسن شُرْبُهُ ثلاثًا مصًّا، ويتنفس خارج الإناء؛ لحديث أنس ﵁: «أن النبيَّ ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثًا»؛ متفق عليه، وروى أبو قتادة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا شَرِبَ أحدكم، فلا يتنفَّسْ في الإناء»؛ رواه البخاري. والمراد: التنفُّس وهو لا يزال يشرب، قال ابن الجوزي: (ولا يشربُ الماءَ أثناء الطعام؛ فإنَّه أجوَدُ في الطب، ثم يشرب منه مصًّا). قال ابن القيِّمِ في مضار التنفس في الإناء: (منها: أن تردُّد أنفاسِ الشارب فيه يكسبه زهومةً ورائحة كريهة، ومنها: أنه ربما غلَب الداخلُ إلى جوفه من

стр. 68

الماء فتضرَّر به، ومنها: أنه ربما كان فيه حيوان لا يشعر به، ومنها: أن الشُّرْب كذلك يملأ البطن من الهواء، فيَضِيق عن أخذ حقِّه من الماء). الحادية عشر: يُكرَه شُرْبُهُ من فمِ السقاء؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: «نهى رسولُ الله ﷺ عن اختناث الأسقيةِ؛ أن يُشرَب مِنْ أفواهها»، وفي رواية: «أن يُقلَب رأسُها ثم يُشرَبَ منه»؛ متفق عليه. الثانية عشر: إذا شرب الإنسانُ، فلا يخلو من أمرينِ: الأول: أن يكون الإناء مشترَكًا يشرب منه أكثرُ من واحد، فالسُّنة لمن شرب أن يناول مَنْ على يمينه، ولو كان صغيرًا أو مفضولاً؛ لحديث أنس ﵁: «أن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بلبَنٍ قد شِيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن شِماله أبو بكر، فشرب النبي ﷺ ، ثم أعطى الأعرابيَّ، وقال: الأيمنَ فالأيمنَ»؛ متفق عليه، وأيضًا حديث سهل بن سعد ﵁: «لما شرب النبيُّ ﷺ وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخُ بدر، فناوله النبيُّ ﷺ للغلام»؛ متفق عليه. الثاني: أن يكون هناك عدةُ أوانٍ، فالساقي يعطي الأفضلَ، ثم يعطي مَنْ على يمينه؛ أي: الساقي. الثالثة عشر: قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: (يستحب غسلُ اليدينِ قبل الطعام وبعده، وعنه: يُكرَه؛ اختاره القاضي، وقال مالك: لا يستحبُّ، إلا أن يكون على اليد أولاً قذَرٌ، أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة، وعن سلمانَ ﵁، عن النبي ﷺ : قال «بركةُ الطعام الوُضوء قبله وبعده»، قال مهنَّا: ذكرتُ هذا الحديثَ لأحمد، فقال: ما حدَّث به إلا قيسُ بن الربيع؛ وهذا منكَر الحديث).

стр. 69

الرابعة عشر: يُكرَه ردُّ شيء من فمه للإناء؛ لحديث أبي قتادة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا شرب أحدُكم، فلا يتنفَّسْ في الإناء»؛ رواه البخاري. ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵄، مرفوعًا: «نهى أن يتنفَّسَ في الإناء، أو ينفخَ فيه»؛ رواه أبو داود والتِّرمِذي، وصحَّحه، وابن ماجَهْ؛ فالعلةُ هي الاستقذار. الخامسة عشر: يُكرَه أكله حارًّا؛ لقولِ أبي هُرَيرة ﵁: «لا يؤكل طعامٌ حتى يَذهَبَ بخارُه»؛ رواه البَيْهَقي، لكن إذا كانت حرارتُهُ شديدة تؤذي، فلا يُقتصَرُ على الكراهة، بل يحرُمُ؛ لِما فيه من الضرر.

стр. 70

باب عِشْرة النساء، والقَسْمِ، وما يتعلق بذلك العِشرة في اللغة: اسم من المعاشَرة والتعاشر؛ وهي: المخالَطة. والعشير: القريب والصديق، وعشير المرأة: زوجُها، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: «إنِّي رأيتُكن أكثرَ أهل النار، فقلن: لمَ يا رسول الله؟ قال: تُكثِرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ العشيرَ». واصطلاحًا في هذا الباب: ما يكون بين الزَّوجين من الأُلْفة والانضمام. ضابطٌ: يلزم كلًّا من الزَّوجين معاشرةُ الآخرِ بالمعروف؛ مِنْ الصُّحْبة الجميلة، وكفِّ الأذى. فلا يمطُلُهُ بحقِّه مع قدرته، ولا يتكرَّه لبذلِه، بل ببِشْرٍ وطَلاقة، ولا يُتبِعه أذًى ومِنة؛ لأنَّ هذا من المعروف المأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]؛ قال بعض أهل التفسير: معناه: (تتقون اللهَ فيهنَّ، كما عليهنَّ أن يتَّقِينَ اللهَ فيكم)، وقال آخرون: (معناه: لهنَّ من حُسْنِ الصحبة والعِشرة بالمعروف على أزواجهنَّ مثلُ الذي عليهنَّ لهم من الطاعة فيما أوجب اللهُ تعالى)، وقيل: طيِّبوا أقوالَكم لهنَّ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم. ولقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، قيل: هو كل واحد من الزَّوجين. وفي حديث عائشةَ ﵂: «خيرُكم خيرُكم لأهله»؛ رواه التِّرمِذي وصحَّحه. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]؛ قال ابن

стр. 71

عبَّاسٍ: «إنِّي لأحبُّ أن أتزيَّنَ للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]». قال ابن الجوزي: (معاشَرة المرأة بالتلطف لئلا تقعَ النُّفْرةُ بينهما، مع إقامة هيبته؛ لئلا تسقُطَ حُرْمته عندها، ولا ينبغي أن يُعلِمَها قدرَ ماله، ولا يفشي إليها سرًّا يخاف إذاعته، وليكُنْ غيورًا من غير إفراط؛ لئلا تُرمَى بالشرِّ من أجله). وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العِشرة، دائم البِشر؛ فيُشرَع لكل واحدٍ من الزَّوجين أن يحسِّنَ خُلقه لصاحبه، وأن يرفُقَ به، وأن يتحمل أذاه؛ لما تقدم. وينبغي إمساكُها مع كراهته لها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النِّسَاء: ١٩]؛ أي: فعسى أن يكون صبرُكم مع إمساككم لهنَّ مع الكراهة: فيه خيرٌ كثير لكم في الدنيا والآخرة، فندب اللهُ تعالى إلى إمساك المرأة مع الكراهة؛ لأنَّ الإنسان لا يَعلَم وجوهَ الإصلاح؛ فرُبَّ مكروهٍ عاد محمودًا، أو محمود عاد مذمومًا، ولا تكاد تجد محبوبًا ليس فيه ما تكره، فليَصبِرْ على ما يَكرَه لِما يحب. قال ابن عبَّاسٍ: «ربما رُزِقَ منها ولدًا، فجعل اللهُ فيه خيرًا كثيرًا»؛ أخرجه ابن جَرير في تفسيره، وعزاه السُّيوطي لابن أبي حاتم. وعن أبي هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لا يَفرَكْ مؤمنٌ مؤمنة، إن سَخِطَ منها خُلُقًا، رضيَ منها آخَر»؛ رواه مسلِم. ولما روى أبو هُرَيرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرًا»؛ متفق عليه.

стр. 72

ولما روى أبو هُرَيرة ﵁؛ أن النبيَّ ﷺ قال: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحد، لأمَرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها»؛ رواه التِّرمِذي وحسنه، وابن حِبَّان والبَيْهَقي والحاكم. فرع: يحرم مطلُ كلِّ واحد من الزَّوجين بما يلزمه للزوج الآخَر، والتكرُّه لبذل الواجب من الحقوق الواجبة، والمعاشرة بالمعروف؛ كأن يؤخِّر الزَّوجُ ما يجب عليه لزوجته من كسوة أو طعام وغير ذلك من الحقوق يومًا بعد آخرَ بلا عذر، أو يأتي به بنفسٍ متبرِّمة متثاقلة. وكذلك الزَّوجة؛ لا يجوز لها أن تمطُلَ زوجها ما يجبُ له من حق الاستمتاع، والطاعة، وغير ذلك، يومًا بعد آخرَ بلا عذر، أو تأتيه متبرِّمة متثاقلة؛ لِما تقدم من الأدلة. مسألةٌ: إذا تم عقدُ النِّكاح بشروطه وأركانه، وجب تسليمُ المرأة إلى الزَّوج، وتمكينه من الاستمتاع، كما تستحق المرأةُ العِوض؛ وهو المَهْر. ويشترط لتسليم الزَّوجة أن تكون ممن يمكِن وطؤُها، فإن كانت لا يمكِن وطؤُها، فلا يجب تسليمها؛ لما قد يحمله فرطُ الشهوة على الجماع، فتتضرَّرُ به. ولا يلزم بعد العقد تسليمُ مُحرِمة، ومريضة، وصغيرة، ولو قال: لا أطأ، لم يُقبَل قوله؛ لأنَّ هذه الأعذار تمنعُهُ الاستمتاع بها، ويُرجَى زوالها. قال شيخ الإسلام: (لو شرَطَ الزَّوجُ أن يستلم الزَّوجة وهي صغيرة؛ ليُحصِنَها: فقياسُ المذهب - على إحدى الروايتينِ -: أنه يصحُّ هذا الشرط، كما لو اشترط في الأمَة التسليمَ ليلاً ونهارًا).

стр. 73

مسألةٌ: إذا طلب أحدُهما المُهْلة ليصلح أمره من الاغتسال، والتنظُّف، والخضاب: أُمهِلَ العادة وجوبًا؛ لأنَّه لا تقديرَ فيه، فيُرجَع للعادة. مسألةٌ: الأصل في الاستمتاع بين الزَّوجين الحِلُّ، إلا ما جاء الشرعُ بمنعه؛ كالوطء في الدُّبُر، أو الحيض، وللزوج الاستمتاع بزوجته، ولو من جهة الدُّبُر في القُبُل؛ لما روى جابر ﵁ قال: «قالت اليهودُ: إنما يكون الولَدُ أحولَ إذا أتى الرجُلُ امرأتَهُ من خلفها؛ فأنزل اللهُ ﷻ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٣] مِنْ بين يديها وخلفها، ولا يأتيها إلا في المأتى»؛ متفق عليه. وله الجِماع بالمعروف دون تقدير بمدة أو عدد، ما لم يضُرَّ بها، أو يَشغَلْها عن فرض، ولو كانت على التنُّور، أو على ظَهْرِ قَتَبٍ؛ كما رواه الإمام أحمد وغيره. قال العلماء: إذا زاد الرجُلُ على المرأة في الجماع، صولِحَ على شيءٍ منه. وقال شيخُ الإسلام: (ويجب عليه وطءُ امرأته بقدر كفايتِها، مالم يُنهِكْ بدنَه، أو تَشغَله عن معيشته، غير مقدَّر بأربعة أشهر، كالأمَة، فإن تنازعا، فينبغي أن يَفرِضَه الحاكمُ؛ كالنفقة، وكوطئِه إذا زاد). فرعٌ: لا يُكرَه الجماع في ليلة من الليالي، ولا يوم من الأيام، ولا يجوز للمرأة أن تطَّوَّعَ بصلاة ولا صوم وهو شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «لا يَحِلُّ لامرأة أن تصومَ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنه، ولا تأذَنَ في بيته إلا بإذنه»؛ رواه البخاري.

стр. 74

مسألةٌ: للزوج السفرُ بالحُرَّة بلا إذنها، إذا كان الطريق والبلد الذي يريده غيرَ مَخُوف؛ لأنه ﵊ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم. مسألةٌ: يحرم وطؤُها في الحيض بالإجماع، وكذا النِّفاس؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، وكذا بعده قبل الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]؛ أي: اغتسَلن، أو تيممن؛ لعدمِ الماء، أو عَجْزٍ عن استعماله. مسألة: يحرم في الدُّبُرِ بلا نزاع بين الأئمة، ولو تطاوعا على فعل ذلك، فُرِّقَ بينهما. قال شيخ الإسلام: (الوطءُ في الدُّبُر حرامٌ في كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ ، وعلى ذلك عامةُ أئمة المسلِمين من الصحابة والتابعين وغيرهم؛ فإن اللهَ قال في كتابه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٣]، والحرثُ: موضعُ الزرع، والولد إنما يُزرَع في الفَرْجِ، لا في الدُّبُر، وأيضًا فهذا من جنس اللواط). ولقوله ﷺ في حديث خزيمة بن ثابت ﵁: «إن اللهَ لا يَستحي من الحقِّ؛ لا تأتوا النساءَ في أدبارهن»؛ رواه أحمد، والنَّسَائي في الكبرى، وهو صحيح بشواهده. مسألةٌ: يحرُمُ عزلٌ بلا إذن الزَّوجة؛ لأنه يمنع كمال الاستمتاع، وحقَّها في الولد. مسألةٌ: للزوج أن يُجبِرَ زوجتَه على غسل الحيض والنفاس والنجاسة؛ لأنَّ ذلك يمنع الاستمتاعَ، أو كمالَهُ الذي هو حقٌّ له؛ فملك إجبارها على إزالة ما يمنع حقَّه.

стр. 75

وله إجبارها على اجتناب محرَّمات؛ مِنْ تبرُّجٍ، واستماع لغناء، وغِيبة، ونميمة، وغير ذلك، وإزالة وسَخٍ، وأخذ ما تعافه النفسُ؛ مِنْ شعَر وغيره؛ كظُفُر، ومنعها مِنْ أكل ما له رائحةٌ كريهة؛ كبصل، وكرَّاث، وثُوم؛ لأنه يمنع كمالَ الاستمتاع، وسواءٌ كانت مسلِمةً أو كتابية. مسألة: قال شيخ الإسلام: (ويجب على المرأة خدمةُ زوجِها بالمعروف، من مثلِها لمثله، ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال؛ فخِدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة، وقاله الجُوزجاني مِنْ أصحابنا، وأبو بكر بن أبي شيبة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ولأنَّ نساء النبي ﷺ وصحابته كنَّ يخدُمْنَ أزواجهنَّ، وقد كان النبي ﷺ يأمر نساءَه بخدمته، فقال: «يا عائشة أسقِينا، يا عائشة أطعِمينا»؛ رواه أحمد وأبو داود، وقال: «يا عائشةُ، هلُمِّي الشَّفرة، واشحذَيها بحجَرٍ»؛ رواه البخاري، وورد: «أن فاطمةَ أتت رسولَ الله ﷺ تشكو إليه الرَّحَى»؛ رواه البخاري، وعن أسماء بنت أبي بكر: «أنها تقومُ على فرَسِ الزُّبَير، وتلتقط له النَّوى، وتحملُهُ على رأسها»؛ متفق عليه. وله منعُ زوجةٍ كتابية من دخول بِيعة أو كنيسة، فلا تخرج إلا بإذن الزَّوج، وله منعُها من تناول محرَّم، ولا تُكرَه على إفساد صومِها أو صلاتها أو سَبْتِها بوطءٍ، أو غير ذلك؛ لأنَّه يضُرُّ بها.
следующие страницы →